البحوث والمقالات
2019/06/19
 
684
جهاد الامام الحسن عليه السلام
انتهى النقاش بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية في الرسالتين الأخيرتين المتبادلتين بينهما ، وقُرّر من قبل الحسن (عليه الصلاة والسلام) أن يخوض‏ الحرب. خرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسجد، أعلن بأنّ «معاوية بن أبي سفيان قد اتّجه مع جيشه لمحاربتكم»، واستنفر المسلمين للجهاد.
إلّا أنّ الشكّ ‏ ظهر من جديدٍ ظهوراً سلبيّاً في تلك اللحظة؛ حيث إنّه لم يُجِب الإمامَ الحسن (عليه الصلاة والسلام) أحدٌ بكلمةٍ سوى شخص واحد، هذا الشخص الواحد هو عديُّ بن حاتم.
عديُّ بن حاتم (رضوان الله عليه) قام وقال لهؤلاء المسلمين بأنّ «هذا الإمام يأمر وأنا اُطيع، وليس على الجندي إلّا أن يطيع، وهذه دابّتي بباب المسجد، سوف أركبها وأخرج إلى النخيلة ولا أرجع إلى بيتي»، وخرج، وكان أوّل من خرج للجهاد، وتبعه ألف من عشيرته «ثمّ استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفّقك لما يحمد ورده وصدره، فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك في ما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليوافِ. ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبها ومضى إلى النّخيلة» (1)
‏يقول في (البحار): جهّز (عليه الصلاة والسلام) جماعة معه، وخرج إلى النخيلة، وبقي عشرة أيّام في النخيلة، واستخلف ابن عمّه‏على الكوفة لكي يعبّئ باقي القوى المقاتلة، فلم يَرِدْ أحد(2).
بقي الإمام الحسن عشرة أيّام في النخيلة ينتظر عسكراً، ينتظر جيشاً، فلم يرد جيش، فيضطرّ الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) إلى أن يرجع إلى الكوفة مرّةً اُخرى، رجع مرّةً اُخرى ليعبّئ بنفسه جيشاً(3).
عبّأ جيشاً، تقول كثيرٌ من الروايات: إنّه يبلغ اثني عشر ألفاً(4)، واتّجه هذا الجيش إلى مسكن، واتّجه هو مع أربعة آلاف أو ستّة آلاف إلى المدائن‏(5).
الخيانات والتراجعات في جيش الإمام (عليه السلام):
هذا الجيش الذي عبّأه وبلغ اثني عشر ألفاً واتّجه إلى مسكن وقعت فيه ثلاث خيانات متتالية:
الخيانة الاُولى: خيانة الكندي:
الخيانة الاُولى كانت على يد شخصٍ من مُرّة هذا الشخص كان هو طليعة هذا الجيش قبل أن يتكامل، أرسله مع أربعة آلاف.
يقول صاحب (البحار): فراسله معاوية بن أبي سفيان قبل أن يصل إلى مسكن، وأعطاه كذا وكذا مقداراً من المال، فرّ هو مع الصفوة من أصحابه وخونته‏ إلى معاوية بن أبي سفيان‏(6).
الخيانة الثانية: خيانة المرادي:
ثمّ أرسل أربعة آلافٍ اُخرى مع شخصٍ آخر أيضاً قبل أن يصل إلى مسكن، فرّ مع بعض الخونة إلى جيش معاوية بن أبي سفيان‏(7).
الخيانة الثالثة: خيانة عبيدالله بن عبّاس:
ثمّ أرسل ابن عمّه عبيد الله بن عباس مع اثني عشر ألف نسمةٍ على أكثر الروايات، ووصل إلى مسكن، وهناك تعلمون بأنّه ترك المعسكر وذهب إلى خطّ معاوية بن أبي سفيان‏.
كان لمثل هذه التراجعات، لمثل هذه الخيانات المتلاحقة المتتابعة أثرُها المشؤوم في تلك النفوس المليئة بالشكّ، المليئة بالتردّد.
أنتم تصوّروا نفوساً كانت بصورة مسبقة مليئةً بالشكّ والتردّد والتريّث‏(2)، ثمّ تقع مثل هذه الخيانات الناتجة عن مثل ذلك الشكّ، فسوف يتعمّق -لا محالة- هذا الشكّ. هذا الشكّ كلّما يتّخذ صورةً إيجابيّةً يكون لهذه الصيغة الإيجابيّة ردُّ فعلٍ نفسيٌّ في الشُكّاك؛ بحيث يزيد درجة الشكّ عندهم أكثر.
وهكذا كان، فعاش جيش الإمام الحسن في مسكن وهو يفقد بالتدريج القوى المقاتلة، حتّى بلغ عدد الهاربين من جيش الإمام الحسن في مسكن ثمانية آلاف من اثني عشر ألفاً، بقي من اثني عشر ألف واحد أربعةُ آلاف، والإمام الحسن كان وقتئذٍ في المدائن، وتصل إليه الأخبار، وتنعكس هذه الأخبار على جيشه في المدائن أنّه فرّ اليوم مئة، فرّ خمسمائة، فرّ ألف، فرّ ألفان، فرّ ثلاثة آلاف، إلى أن وصل الفارّون إلى ثمانية آلاف‏.
رُسُل معاوية إلى الإمام الحسن (عليه السلام):
معاوية بن أبي سفيان أرسل في هذه اللحظات الحرجة العصيبة ثلاثةً من أصحابه -أحدهم المغيرة بن شعبة، واثنين آخرين لا أتذكّر اسمهما- أرسلهم إلى الإمام الحسن (عليه السلام) برسالة(8). ماذا كان في هذه الرسالة؟
كان في هذه الرسالة مجموع الكتب التي وصلت إلى معاوية بن‏أبي‏سفيان من أصحاب الإمام الحسن في الكوفة، هذه الكتب تقول لمعاوية: «أقدم، فلك السمع والطاعة، وسوف نسلّم لك الحسن يداً بيد».
هذه الكتب أرسلها معاوية إلى الإمام الحسن ليقرأها بنفسه، محاولاً بذلك أن يكسر من تصميم الإمام الحسن على مواصلة الخطّ ومواصلة الجهاد والمعركة.
دخل هؤلاء الثلاثة على الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بعد أن حاولوا أن يستقطبوا أنظار الجيش. وبطبيعة الحال هناك‏ وفدٌ مفاوضٌ من قِبَل‏ معاوية يأتي إلى الحسن، بطبيعة الحال سوف ينعكس هذا الوفد، وسوف تشخص الأبصار إلى نتائج مباحثات هذا الوفد مع الإمام الحسن.
يدخلون على الإمام الحسن، يعرضون عليه الكتب، كتب الخونة من أصحابه، هؤلاء الذين أعماهم ذاك الشكّ الذي تكلّمنا عنه‏، فكتبوا إلى معاوية هذه الكتب.
الإمام الحسن يقرأ هذه الكتب واحداً بعد الآخر، ثمّ بعد هذا توجد رسالة من معاوية بن أبي سفيان إلى الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) يقول له بأنّه: «إن شئت أن تحقن الدماء وأن توقف القتال، ولك الأمر من بعدي».
الإمام الحسن بعد أن ينهي قراءته لهذه الكتب لا يعطي أيّ كلمة فاصلة في الموضوع، وإنّما يتّجه إلى هؤلاء الثلاثة فيعظهم، يذكّرهم الله والنار وأيّام الله، يذكّرهم بأنّ هذه اللحظات هي جزءٌ قصيرٌ جدّاً من عمرهم، يجب أن يقيّموها على أساس الشوط الطويل الذي يعيشونه، يقف منهم كواعظٍ فقط، ثمّ يسكت‏.
وإنّما يسكت لأنّه يحاول أن يقوم بآخر تجربة مع قاعدته الشعبيّة، ليرى أنّه: هل بقي في هذه القاعدة الشعبيّة أيُّ قدرة على مواصلة المعركة مهما كلّف الثمن؟
يخرج هؤلاء من عند الإمام الحسن، فيحاولون أن يكذبوا على الإمام الحسن، فنشروا في الجيش وهم يصرخون أنّ الله قد فرّج عن هذه الاُمّة،
وقد حقنت الدماء بابن رسول الله؛ حيث إنّ ابن رسول الله استجاب للصلح.
بطبيعة الحال كان لهذا الإنشاء -هذا الإخبار الكاذب، الذي كان إنشاءً- مفعولٌ كبيرٌ جدّاً في التخدير، وفي إضعاف العزائم والهمم، وفي توسيع نطاق الشكّ الذي تكلّمنا عنه.
بعد هذا يخرج الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، يقف خطيباً، يقول بأنّ معاوية -لا أحفظ العبارة بالضبط، لكن ما معناه هذا- دعانا إلى ما لا يكون فيه خيرنا ولا خيركم، فماذا أنتم فاعلون؟».
وكأنّهم كلّهم يعرفون أنّ هذا الشي‏ء ليس فيه خيره ولا خير الناس‏، فصاحوا بصوتٍ واحد: «الصلح! الصلح!»(9).
ضرورة انحسار الإمام عن المعركة:
كانت هذه اللحظة هي اللحظة التي أحسّ فيها الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بأنّ بقاء التجربة الإسلاميّة الصحيحة العلويّة أصبح شيئاً متعذّراً غير ممكن، وأنّ انحساره عن الميدان أصبح شيئاً ضروريّاً لأجل الإسلام نفسه؛ وذلك لأنّ هذه التجربة لا يمكن أن تعيشمع هذا الشكّ، فلا بدّ وأن يُقضى على هذا الشكّ ثمّ تُستأنف التجربة.
ولم يكن بالإمكان أن يُقضى على هذا الشكّ المرير المستعصي إلّا بأن ينحسر عليٌّ عن المعركة، وينحسر خطُّ عليٍّ عن المعركة، ثمّ تنكشف اُطروحة معاوية وأهداف معاوية.
بعد هذا يرى المسلمون باُمّ أعينهم -هؤلاء الذين كانوا يعيشون الحسّ أكثر ممّا يعيشون العقل، يعيشون عيونهم أكثر ممّا يعيشون عقولهم‏- يرون بعيونهم أنّ المعركة التي كان يقودها الإمامُ عليٌّ مع معاوية هي معركة الإسلام مع الجاهليّة، لا معركة شخصٍ مع شخص، ولا مصلحة مع مصلحة، ولا عشيرة مع عشيرة، كان لا بدّ -في منطق التجربة- من أن يُحارَب هذا الشكُّ ثمّ تُستأنف التجربة.
ولم يكن بالإمكان -وليس بالإمكان اليوم، وليس بالإمكان في أيّ يوم- أن تنجح تجربة رساليّة يقودها قائدٌ يحمل بيده رسالةً هي أكبر من وجودات الأشخاص وأكبر من مصالحهم الخاصّة، ما لم يكسب مسبقاً الاقتناعَ بصحّة هذه الرسالة وبأهدافها وبضرورتها، ولم يكن بإمكان التجربة السياسيّة وقتئذٍ -وهي مواصِلةٌ وجودَها في المعركة- أن تكسب هذا الاقتناع.
هذا الاقتناع الذي لم يستطع الإمام عليٌّ أن يكسبه ولم يستطع أن يحول دون فقدانه بالتدريج،لم يستطع الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) أن يكسبه، أو أن يحول دون تفاقم فقدانه بالتدريج،
ولهذا كان من الضروري أن ينحسر ظلُّ الإمام عليٍّ عن ميدان الحكم لكي تتكشّف اُطروحه معاوية، وبعد ذلك يعرف المسلمون أنّ هذه الاُطروحة التي جاهد في سبيلها عليٌّ هي اُطروحة وجودهم وعقيدتهم ورسالتهم ومصالحهم الحقيقيّة غير المنظورة لهم، وعندئذٍ يكون بالإمكان استئناف العمل من جديدٍ على أساس اقتناعٍ مسبق.
المصادر:
1- مقاتل الطالبيّين: 70؛ شرح نهج البلاغة 39 :16؛ بحار الأنوار 50 :44، تاريخ اليعقوبي 195 :2.
2- شرح نهج البلاغة 39 :16 - 40؛ بحار الأنوار 51 :44 الخرائج والجرائح 574 :2.
3- الخرائج والجرائح 574 :2. .
4- تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 159 :5؛ البداية والنهاية 14 :8، مقاتل الطالبيّين: 71.
5- الفتوح 286 :4؛ تجارب الاُمم 572 :1؛ البدء والتاريخ 235 :5. صلح الحسن (عليه السلام): 123 - 124.
6- بحار الأنوار 43 :44 - 44، الحديث 4.
7- بحار الأنوار 44 :44.
8- تاريخ اليعقوبي 215 :2.
9- الكامل في التاريخ 406 :3؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة 491 :1؛ ديوان المبتدأ والخبر (ابن خلدون) 649 :2.

احدث المقالات


الشبهة الحادية عشر: شبهة عدم التصريح باسم الإمام الحسن عليه السلام في القرآن يستلزم نفي إمامته

(3) التهم الموجهة للإمام الحسن عليه السلام

الشبهة الرابعة عشر: شبهة عدم ممانعة عائشة من دفن الإمام الحسن عليه السلام في بيتها عند قبر جده صلى ا

(48) الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.. الكلمة الطيبة

(41) صلح الإمام الحسن عليه السلام الأسباب.. الأهداف

(18) الإمام المجتبى عليه السلام ودوره في تأصيل العقيدة ودفع الشبهات

الشبهة الخامسة: شبهة تبرئة معاوية من دسّ السّم للإمام الحسن عليه السلام

(4) من التهم التي ألصقت بالإمام الحسن كثير الزواج والطلاق!