المحتويات
2015/05/13
 
7951
صلح الإمام الحسن من منظور آخر

صلح الإمام الحسن من منظور آخر

صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر

تأليف: الأسعد بن علي

الفهرس

المقدمة
الفصل الأول: الإمام الحسن (عليه السلام) من المهد إلى اللحد
المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول
المرحلة الثانية: الإمام الحسن زمن الخلفاء
المرحلة الثالثة: الإمام الحسن في ظل حكم علي (عليه السلام)
المرحلة الرابعة: من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح
المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد
الفصل الثاني: معاهدة الصلح.. البنود والسياق التاريخي
نقض البند الأول
نقض البند الثاني
نقض البند الثالث
نقض البند الرابع
نقض البند الخامس
الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره
الفصل الرابع: شبهات حول الصلح
أولاً: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال
ثانياً: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي
ثالثاً: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام)
صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة
المراجع والمصادر

المقدمة

ليست دراسة التاريخ ترفاً فكرياً واستغراقاً في الماضي، يحجب عنا الواقع وأسئلته، والحاضر ومشكلاته. بل الوعي التاريخي مقدمة لبناء الذات، ونحت المجتمعات وتحقيق النهضة والتغيير يستند إلى جملة عوامل، من بينها الفهم العميق للتاريخ، والرؤية المتوازنة للماضي.
صحيح أننا لا نتحمل مسؤولية ما قام به الأولون ولكن قطعاً ما قاموا به يشكل الأرضية والقاعدة لأي فعل جديد، فقراءة التاريخ والسّير في آثار الماضين، يوفر دروساً مهمةً للاتعاظ والاعتبار من (السلف) ومن تاريخ الشعوب والأمم.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(1).
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)(2).
والعودة إلى التاريخ تمنحنا الفرصة للكشف عن نواميسه وقوانينه التي تحكم صعود الحضارات ونزولها ونهضة الشعوب وتقهقرها، وقيام الثورات وسقوطها، وظهور الدول وأفولها: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(3).. (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(4)، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)(5)، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(6).
هذا التأمل في التاريخ يمنح الفرد منا عمراً تاريخيا يختزن من خلاله كل تجارب السابقين.. فيتحرك عن بصيرة وإحاطة وخبرة، يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام):
(أي بني إني لو لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أوّلهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره)(7).
فإذا كان للتاريخ ودراسته هذه الأهمية فكيف بقراءة سيرة الرسول والأئمة الأطهار (عليهم السلام) وهم القادة الربانيون الذين لا تمثل حياتهم جزءاً عظيماً وفصلاً منيراً من تاريخ الأمة فحسب، وإنما تعبّر عن دينها وشريعتها ومرجعياتها العقائدية والسلوكية فهم مهبط الوحي ومعدن العلم والسبيل إلى الله تعالى.
ولكن الباحث حينما يرجع إلى مصادر التاريخ وكتب السير يواجه عوائق عديدة تحول دون الاستفادة القصوى من هذا المعين المهم في نحت ثقافة المؤمن وبناء وعيه الديني والتاريخي.
فالسيرة جزء من التاريخ، والتاريخ تحكّم في كتابته السلاطين والدول التي سادت ثم بادت. فهو خاضع أولاً وبالذات للأهواء والعصبيات لا للميزان العلمي والموضوعية والتجرّد (فالذين دوّنوا الآثار الإسلامية في عصور التدوين الأولى لم تعنهم الحقائق أكثر من إرضاء عواطفهم المذهبية وتفاعلهم مع الفئات السياسية يوم كانت سياسة الحاكمين تجري لدى أكثر المسلمين مجرى الدم)(8).
إن المواقف المبدئية والخط الرباني الذي اعتصم به أئمة أهل البيت فرفضوا الظلم ونبذوا الانحراف ونددوا بالجور جعلهم وجهاً لوجه مع مختلف الأنظمة الطاغوتية التي تحكمت في تاريخ المسلمين، من أمويين وعباسيين وغيرهم..
فالأئمة كانوا دوماً جبهة المعارضة: العلنية أحياناً، والخفية أحياناً أخرى، وقد لاقوا لأجل ذلك شتّى أنواع التنكيل والتعذيب والتشريد والسلطات الجائرة لم تقنع بما أصاب أهل البيت (عليهم السلام) من ويلات، فدسّت في صفوفهم - إمعاناً في الإيذاء - من يشوّه تعاليمهم ويضع الأحاديث والأكاذيب، بل في صفوف المسلمين جميعاً..
فضاع جزء كبير من الحقيقة بين مؤرخ يسعى لإرضاء السلطان فيحطُّ من شأن المعارضة ويهمشها كما هو ديدن الكتّاب المتاجرين في كل عصر وبين واضع مدلّس كاذب يفتعل الأقاصيص ويختلق الروايات ليشوّه صورة الأئمة (عليهم السلام) الناصعة وبين ناقل هذا وذاك دون نقد وتمحيص.
(ولعلهم (عليهم الصلاة والسلام) وهم في مراقدهم يكابدون ممن جمعوا ما رواه الرواة عنهم من الآثار ودوّنوا جميع ما ينسب إليهم من الأقوال والأفعال بدون غربلة، ولا تمحيص، ليظهر الحصى من الجوهر والدّرر من الصدف. هؤلاء على ما بذلوا من جهد مشكور قد أمدّوا أعداء الإسلام والحاقدين عليه وعلى أهل البيت بالسلاح ويسّروا لهم بث سمومهم وتشويه العقيدة الشيعية، كما يبدو ذلك من مؤلفاتهم التي تصدر بين الحين والآخر)(9).
وما يكتب حديثاً عن سيرة الأئمة لا يخرج في الغالب عن كونه ترديداً لما ذكر في المراجع القديمة، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه فكل دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها وزمانها ونمط تفكير أبناءها ومستوى وعيهم.. فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كما قرأها القدامى، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم..
هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة.
وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن (عليه السلام) تبرز إلى جانب كل ذلك مشكلة جديدة؛ إنها مظلمة التحريف والتزييف، ونحن نعلم أن جل الأئمة لم يسلموا من تشويه واتهام، فالحسين (عليه السلام) قتل بسيف جده؟!! والرضا (عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين! والإمام علي (عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقه الشرعي! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم، وسلامة خطهم.
ولكن سيرة الحسن (عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أي إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة.
فالحسن (عليه السلام) عند الكثيرين رجل مزواج مطلاق، تجاوز عدد زوجاته المائة وخمسين زوجة!! حتى أن الإمام علي (عليه السلام) ضجر منه فقال: (لا تزوجوا ولدي حسن فإنه مطلاق)!
وآخر (طه حسين) يدّعي أنه عثماني وأن هواه يميل مع بني أمية ويرى مظلومية عثمان ولهذا تنازل عن الخلافة لمعاوية؟!!
ومؤرخ آخر: يرى أنه متردد ولا يمتلك شخصية قوية(10) ولا يملك أهلية القيادة.. الخ.
ومن جهة ثانية أخضعت سيرة الحسن (للحط من شأنه والعياذ بالله) إلى مقارنات ظالمة تارة مع معاوية للتدليل على حنكة الأخير وعدم خبرة الإمام!!
وطوراً مع الإمام علي (عليه السلام) للتدليل على حزم علي (عليه السلام) وجرأته وضعف الحسن (عليه السلام) وتردده!
وطورا آخر مع الحسين (عليه السلام) للتدليل على ثورية الحسين (عليه السلام) وسلبية واستسلام الحسن (عليه السلام).
هذه الإثارات المجحفة في حق الحسن (عليه السلام) يغرزها عدم تأطير هذه البحوث بالإطار العقائدي للإمامة فهم ينظرون للحسن (عليه السلام) كقائد سياسي فحسب ويلغون صفته كإمام وحافظ للدين والقيم!!
هذا الفصل بين الإطار العقائدي والسياق التاريخي أوقع هؤلاء في مثل هذه التقييمات الجائرة.. كما أن التحليل الموضعي الذي يتعاطى مع النصوص بحرفية ولا يستند إلى منهج ترابطي في دراسة حياة الأئمة (عليهم السلام)(11) زاد الطين بلة.
فلتكن بعون الله دراستنا عن الحسن (عليه السلام) وخياراته الصعبة مسلحة بأدوات منهجية تتجاوز هذه الأخطاء والعوائق، حتى نفهم حقاً موقعه ونقرأ قراءة واقعية صلحه الذي كثر حوله اللغط والجدل. والدراسة تقوم إلى جانب هذه المقدمة على أربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: الإمام الحسن من المهد إلى اللحد.
الفصل الثاني: معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي.
الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره.
الفصل الرابع: شبهات حول الصلح.
الخاتمة: صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة الصعبة!!

الفصل الأول: الإمام الحسن (عليه السلام) من المهد إلى اللحد

عاش الإمام الحسن (عليه السلام) على امتداد خمسة عقود تقريبا غنية بالأحداث والتحولات، هذه الحياة القصيرة نسبياً واكب الإمام عبرها منعرجات حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية تحكمت في مصيرها طوال قرون مديدة.
وبنظرة فاحصة يمكن أن نقسم حياة الحسن المجتبى إلى خمس مراحل:
- المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
- المرحلة الثانية: الإمام الحسن في ظل الخلفاء.
- المرحلة الثالثة: الإمام في ظل إمامة علي (عليه السلام).
- المرحلة الرابعة: من استشهاد علي (عليه السلام) إلى عقد الصلح.
- المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى استشهاده.
المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول.
ولد الإمام الحسن (عليه السلام) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة (3هـ).
أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ علي (عليه السلام) أن يسبق النبي في تسميته وكان أول من سمي بهذا الاسم. والحسين اشتق من هذا الاسم أيضا والمروي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمى حسناً وحسينا (رضي الله عنهما) واشتق اسم حسين من اسم حسن(12).
وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرها فتصدقت بوزنه فضة(13).
لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في (بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (النور: 36)
وبين أعظم وأطهر خلق الله؛ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) ثم الحسين (عليه السلام) وفي كنف أهل البيت (إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).
كانت طفولة فريدة نمت وترعرعت في أجواء الدين وعبق الرسالة في السنوات السبع الأخيرة من حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين وطد أركان الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية وسقطت جميع حصون الشرك والكفر وأمنت الدولة الفتية وثغورها.
عاش الحسن طفولته في ظلال النبوة وهي تتحرك لتعلي كلمة (لا اله إلا اله محمد رسول الله) أولى الكلمات التي تناهت إلى سمعه من فم رسول الله وهو وليد، عاش طفولة غمرها الرسول بفيض من العاطفة والحنان، فالروايات تحدثنا أن الرسول كان يحمله على عاتقه وهو يقول: (اللهم إني أُحبه فأحبَّه).
وعن عائشة انه كان يأخذه فيضمه ويقول: (إن هذا ابني وأنا أحبه وأحب من يحبه).
ورآه رجل وهو يحمله على رقبته فقال: نعم المركب ركبت يا غلام. فقال الرسول: (ونعم الراكب هو).
وتروي كتب الحديث: أن الحسن كان يأتي جده وهو ساجد فيطيل السجود والحسن على ظهره فإذا فرغ قال للمصلين: لقد ترحلني الحسن فكرهت أن أعجله.
وللأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن في هذه الفترة ربما لصغر سنه، ولكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة وعززت مكانته بين صفوفها:
(الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا).
(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).
(من أحبني فليحبهما ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله وأدخله النار).
إضافة إلى آيات الوحي النازلة في تمجيد أهل البيت عموماً وأصحاب الكساء، فالحسن أحدهم بلا نزاع.
لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده، ثم أمه.. وتلك المظالم التي ستصب على أهل البيت (عليهم السلام).
مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة، مات رسول الله وهو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته وسؤدده (فقد أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال: أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين فله جرأتي وجودي)(14).
امتزج حزن الحسن عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة.
المرحلة الثانية: الإمام الحسن زمن الخلفاء.
امتدت هذه الفترة إلى سنة 35ه‍ تقريباً عام مقتل عثمان ومبايعة الإمام علي (عليه السلام) ولا يسعفنا التاريخ هنا أيضا بمعلومات كثيرة عن الحسن (عليه السلام) خاصة في بداية هذه المرحلة التي دامت (17 سنة) تقريباً.
عاش الحسن في بداية هذه الحقبة مع أبويه أحزان رحيل الرسول (صلّى الله عليه وآله) والانقلاب الخطير الذي أقصيَ بموجبه الإمام علي عن الحكم. كان الحسن (عليه السلام) شاهداً على تلك الأحداث يمزق قلبه حزن فراق جده، والحزن لما أصاب أمه وأباه من ويلات القوم وكأنهم يثأرون من وصي الرسول وبنته (عليها السلام) لأجدادهم المشركين وعشائرهم في الجاهلية.
شهد الحسن الهجوم على بيت والديه، والتنكيل بعلي (عليه السلام) وغصب إرث الزهراء.. عاش أجواء المحاصرة لأهل البيت وأنصارهم، وشهد انقلاب القوم على أعقابهم (وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللهَ شَيْئاً) (آل عمران: 144).
ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى توفيت الزهراء (عليها السلام) لتكون أول أهل الرسول لحوقاً به كما بشرها النبي على فراش الموت، مصيبة جديدة تهتز لها الطفولة البريئة ولما تلتئم جراحات فراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ضمته الزهراء آخر لحظات حياتها وهي تجود بنفسها والحسن والحسين يبكيان فراق أمهما الحبيبة، يبكيان موتها مظلومة غريبة. ويشارك الحسن أباه وثلة من أصحابه الخلَّص دفن الزهراء في عتمة الليل عملاً بوصية الزهراء البتول احتجاجاً على الذين ظلموها وغصبوا حقها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!!
في خلافة أبي بكر يروي المحدثون موقفاً للحسن يعكس بوضوح ما يختزنه الإمام على صغر سنه من رفض واحتجاج: فقد رأى الحسن أبا بكر يخطب من فوق المنبر فيندفع نحوه وهو يقول: (انزل عن منبر أبي فيقول له الخليفة: بأبي أنت يا بن رسول الله لعمري إنه منبر أبيك لا منبر أبي).
مات الخليفة الأول ولم يتجاوز عمر الحسن عشر سنوات لكنه مع خلافة عمر بن الخطاب بلغ أشده وتخطى سن الطفولة إلى عنفوان الشباب مما يجعلنا ننتظر منه دورا أعظم لكن الحصار المضروب على علي (عليه السلام) وآله سيبقى مستمراً. ولم يخض علي (عليه السلام) في الحياة السياسية إلا بمقدار الضرورة حيث يتدخّل في الحالات الطارئة التي تشكل خطراً غير عادي على الرسالة والأمة. هذا الأمر سيجعل الحسن، حاله حال أبيه على هامش التاريخ الرسمي للخلافة.
وربما أرجع البعض الأمر إلى الحصار الذي ضربه الخليفة عمر على كبار الصحابة ومنعهم من الخروج من المدينة، وقد كان ألحق الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان بأهل بدر في العطاء (خمسة آلاف درهم). يقول هاشم معروف الحسني: (ومن المؤكد أنهما (أي الحسن والحسين) لم يشتركا في المعارك الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب بالرغم من أنها قد بلغت ذروتها في مختلف المناطق والانتصارات يتلو بعضهما بعضاً والأموال والغنائم تتدفق على المدينة من هنا وهناك ولم تظهر بادرة للإمام أبي محمد الحسن طيلة عهد الخليفة الثاني في حين أنه كان في السنين الأخيرة من خلافة ابن الخطاب قد أشرف على العشرين من عمره وهو سن يخوّله الاشتراك في الحروب والغزوات ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى انصراف أمير المؤمنين عن التدخل في شؤون الدولة والحياة السياسية، ومما لا شك فيه أن عدم اشتراك الإمام في الحروب والغزوات لم يكن مرده إلى تقاعس الإمام وحرصه على سلامة نفسه بل كان كما يذهب أكثر الرواة والمؤرخين لان عمر بن الخطاب قد فرض على كثير من أعيان الصحابة ما يشبه الإقامة الجبرية لمصالح سياسية يعود خيرها إليه)(15).
وتؤكد كتب التاريخ من جهة أخرى مشاركة الحسن في فتح أفريقية بقيادة عبد الله بن نافع وأخيه عقبة في جيش بلغ عشر آلاف مجاهد كما شارك في غزو طبرستان في الجيش الذي جهزه عثمان بقيادة سعيد بن العاص. مع الحسن وعبد الله بن العباس وغيرهم من أجلاء الصحابة.
إزاء عثمان لم يكن للحسن موقف مضاد لموقف أبيه كما تحاول أن توهم بعض الدراسات فالحسن كان رهن إشارة أبيه في محاولاته للإصلاح مهما أمكن وتقريب وجهات النظر بين الثوار وعثمان. وبلغ الإمام علي قصار جهده في الإصلاح لكنه انسحب من الوساطة في الأخير بعد نكول عثمان عن وعوده التي قطعها للثوار وعدم التزامه بما تعهد به عبر وساطة الإمام حتى قال علي (عليه السلام): (والله لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثما).
ومن الحوادث التي تؤكد وحدة الموقف بين الحسن وأبيه توديعه أبي ذر مع أبيه وأخيه الحسين حين نفاه عثمان وامتنع الناس عن توديعه إطاعة لأمر الخليفة وخضوعاً لتهديداته ولم يخرج في وداعه سوى علي وكميل والحسن والحسين وعمار.
ووقف مروان بن الحكم يهدد الحسن: (ألا تعلم يا حسن أن الخليفة قد نهى عن وداع أبي ذر والتحدث إليه فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك) ولكن الحسن لم يكترث له وودع أبا ذر بقول بليغ: (يا عماه لولا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف وقد أتى القوم إليك فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك ويحكم الله بينك وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين).
المرحلة الثالثة: الإمام الحسن في ظل حكم علي (عليه السلام).
لم يكن الحسن على خلاف مع أبيه، بل كان مع علي في كل صغيرة وكبيرة لا يعصى له أمر، كيف لا وهو الأدرى بإمامته ومكانته وأن (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار).
أما الروايات التي تعلق بها أصحاب هذا الادعاء، وعلى رأسهم عميد الأدب العربي فقد روى بعضها البلاذري في الأنساب والأشراف وهذا يروي عن المدائني المعروف بعدائه لعلي (عليه السلام) وآله بسند ينتهي إلى طارق بن شهاب كما رواها ابن أبي الحديد عن طارق بن شهاب أيضاً ورواها الطبري عن سيف ابن عمر الذي أكثر من الرواية عنه في تاريخه(16). وهو من الضعف بمكان كما هو معروف.
في عهد علي (عليه السلام) سعى الحسن كما هو حال الأصحاب الأجلاء من خاصة علي لإنقاذ الخلافة وإصلاح حال الأمة بعدما فعل فيها الانحراف ما فعل. فكان رفيق درب أبيه في كل الحروب والوقائع: صفين والجمل والنهروان...
ولم يتوقف دوره على القتال بل اعتمد عليه أمير المؤمنين في مهمات أخرى مثل المهمة التي أوكله إياها الإمام علي باستنفار أهل الكوفة للقتال معه في حرب البصرة فسار الحسن (عليه السلام) مع عمار بن ياسر وزيد بن حومان وقيس بن سعد وخطب الحسن في الناس واستنفرهم للخروج وكان أبو موسى يثبّط عزائم الناس ويدعو هم لعدم الخروج مدعيا انه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والنائم خير من القاعد فرد عليه عمار بن ياسر وقال: إذا صح! أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد الله أن رسول الله قد أمر علياً بقتال الناكثين وسمي لي منهم جماعة وأمره بقتال القاسطين وإن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد نهاك وحدك وحذرك من دخول الفتنة.
وأمر الحسن أبا موسى الأشعري بالتنحي قائلاً: (اعتزل عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا) ودخل مالك الأشتر القصر وأخرج الحرس منه، وخرج أبو موسى من المسجد واستجاب الناس للحسن وخرج معه للبصرة اثنا عشر ألفاً.
فالحسن كان حاضراً في كل مواقع القتال وإن كان علي يضنّ به وبأخيه الحسين فقد جاء في نهج البلاغة حين رأى الحسن يندفع في المعركة (املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله))(17).
وتؤكد المصادر الموثوقة أن الحسن بقي إلى جانب والده إلى آخر لحظة وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق ويتألم لآلامه ومتاعبه وهو يرى معاوية يبث دعاته في أنحاء العراق ويغوي السادة والزعماء بالأموال والمناصب حتى فرق أكثرهم عنه وأصبح أمير المؤمنين يتمنى فراقهم بالموت أو بالقتل ثم يبكي ويقبض لحيته ويقول متى ينبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا(18).
وينبعث أشقاها فجر التاسع عشر من شهر رمضان ليغتال علياً وهو في أوج الاستعداد لقتال أهل الشام..
واستشهد الإمام في الحادي والعشرين من رمضان سنة 41هـ، وقبل وفاته يوصي لابنه الحسن (عليه السلام):
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح ثم قال لابنه الحسن:
(يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه وآمرني أن أمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين..
ثم أقبل على ابنه الحسن فقال: يا بني أنت وليّ الأمر ووليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم)(19).
المرحلة الرابعة: من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح.
اجتمع الناس في مسجد الكوفة ينتظرون تأبين الفقيد الغالي علي (عليه السلام)، فقام الحسن (عليه السلام) خطيباً: (قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيسبقه بنفسه ولقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم والتي توفي فيها يوشع بن نون وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (صلّى الله عليه وآله) أنا ابن البشير النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً) (الشورى: 23) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(20).
ثم قام عبيد الله بن العباس بحذاء المنبر في المسجد الجامع وقال بصوته المدوي: (معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وجاء في الكامل في التاريخ أن أول من بايعه هو قيس بن سعد الأنصاري وقال له: (مدّ يدك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلّين فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط فبايعه الناس وكان الحسن يشترط عليهم أنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت)(21).
إلى جانب الكوفة بايعت البصرة والمدائن وسائر العراق وبايعه الحجاز واليمن وفارس ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية ومن والاه.
وشرع الحسن في تنظيم أمور الدولة واتخذ جملة من الإجراءات أهمها: تعيين الولاة وبادر إلى زيادة أفراد الجيش في عطائهم إدراكا منه لما أصاب هذا الجيش من جراحات بعد الحروب العديدة التي خاضها مع الناكثين والمارقين والقاسطين.
وأرسل كتاباً إلى معاوية يدعوه فيه للدخول فيما دخل فيه الناس وإن يدع البغي ويحقن دماء المسلمين ويهدده إن هو أبى بالقتال:
(واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين. وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين وحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(22).
وردّ معاوية بردٍّ يعبق علواً واستكباراً رافضاً عروض الحسن بالدخول في البيعة مدّعياً أنه أولى بالخلافة:
(قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمة تجربة وأكثر منك سياسة وأكبر منك فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ.. (إلى أن يقول:) والحال بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا)(23).
وأرسل معاوية في الآفاق يجمع قواه ويستنفر الجنود، وما فتئ يراسل الحسن مرغباً تارة بما يريد من الخراج وأن يكون الأمر له من بعده ومُهدِّداً طوراً آخر بأن يقتل على يد رعاع الناس..
ولم يغيّر الحسن (عليه السلام) موقفه البتة وبقي ثابتاً على خياره، وكتب له ردّاً يتعالى فيه عن الخوض في التفاصيل قائلاً:
(تركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام).
وأدرك معاوية أن الحسن مصمم على محاربته فسار نحو العراق، وبلغ الحسن سير معاوية وأنه وصل جسر منبج فأمر الناس والعمال بالتهيؤ ونادى مناديه في الكوفة يدعوهم للتجمع في المسجد وخطب فيهم الحسن (عليه السلام):
(..أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إن الله مع الصابرين.. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني إن معاوية بلغه أنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا)(24).
ولكن الناس سكتوا وما تكلم منهم أحد‍!! فقام أصحاب الإمام عدي بن حاتم وسعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة فأنّبوا الناس على سكوتهم وحرضوهم على الخروج، وسار الحسن وخرج الناس معه إلى أن بلغوا دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى تجمّع الناس.
وفي دير عبد الرحمن انقسم جيش الحسن إلى قسمين حيث أرسل الإمام عبيد الله بن العباس ليلقى معاوية في مسكن وقال له:
(يابن عم إني باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة فَسِر بهم وليّن لهم جانبك وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم تصير إلى مسكن ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيك.. وليكن خبرك عندي كل يوم.. وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله وان أُصبت فقيس بن سعد على الناس وإن أُصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس)(25).
وسار عبيد الله حتى أتى مسكن (اسم مكان على نهر دجيل) وسار الحسن حتى نزل ساباط (اسم مكان قرب المدائن).
وهنا انطلقت مؤامرات معاوية ببث الدعايات والدعايات المضادة بين شقّي جيش الحسن؛ واستطاع أن يستميل عبيد الله بن العباس بعد أن بث دعاية في العسكر أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلما تقتلون أنفسكم؟
لقد انطلت الحيلة على عبيد الله بن العباس الذي أعزاه معاوية بقوله: (إن الحسن راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع ولكن إن أجبتني الآن أنا أعطيك ألف ألف درهم أُعجّل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلتُ الكوفة النصف الآخر).
وانسلّ عبيد الله بن العباس إلى جيش معاوية ومعه بضعة آلاف من جيش الحسن وأصبح الناس ينتظروه للصلاة فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطب فيهم فثبّتهم وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه.. وخرج بسر بن أرطأة فصاح يا أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح فعلام تقاتلون أنفسكم فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إما أن تقاتلوا بلا إمام أو تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا بل نقاتل بلا إمام. وحاول معاوية استمالة قيس بكل وسيلة فكتب إليه قيس: (والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح).
ولم تتوقف حدود المؤامرة على جيش مسكن فقد تآمر معاوية على النصف الآخر من الجيش حيث أرسل مبعوثين إلى الحسن حملوا إليه كتب بعض أعيان الكوفة ممن كاتبوا معاوية يطالبونه الأمان ويعدونه تسليم الحسن إليه وكان من مهمة هذا الوفد ترويج دعاية مفادها أن الحسن سيصالح معاوية فاضطرب المعسكر وزاد اضطراباً مع وصول أنباء مسكن فنادى الحسن الصلاة جامعة وخطب في الناس قائلاً:
(أما بعد فو الله أني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريد له بسوء ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأي غفر الله لي ولكم وأرشدني لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله)(26).
فنظر الناس بعضهم لبعض، وقالوا ما نراه إلا يريد الصلح مع معاوية كفر الرجل! وشدوا على فسطاطه وانتهبوه وأخذوا مصلاه من تحته وهموا بقتله لكن خاصة من أنصار الإمام أحاطوا به، وركب فرسه ولما بلغ مظلم ساباط قام رجل وقال: (يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت) وطعنه بالمعول فوقعت في فخذه. وحُمل الإمام إلى المدائن على سرير وبها سعيد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله وقد كان علياً ولاه على المدائن فأمّره الحسن عليها، فأقام عنده يعالج نفسه.
وازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلان القوم وفساد نيات المحكّمة فيه لما أظهروه من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه.. فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروط كثيرة وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق الحسن بامتثاله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة(27).
ولما عزم الحسن على الصلح قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:
(إنا والله ما يثنينا شك في أهل الشام ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبي السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى).
فناداه الناس من كل جانب البُقيَة! البُقيَة..(28)
هكذا اختار ما تبقى من الجيش الحياة.. ورضوا بالصلح.. وسيأتي في الفصل اللاحق تفصيل عنه..
المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد.
لم يبق الحسن (عليه السلام) طويلاً في الكوفة بعد عقد الصلح وغادر نحو المدينة مع الحسين وأهل بيته. وجعل الناس يبكون ويسألونه ما حملك على ما فعلت؟ فيقول: (كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي)(29).
وقبل أن يتجاوز موكب الحسن (عليه السلام) الكوفة كثيراً أرسل إليه معاوية أن ارجع لتقاتل طائفة من الخوارج أعلنوا العصيان والتمرّد في جوارها فأبى أن يرجع وكتب إلى معاوية (لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك قبل أي أحد من الناس)(30).
واستقرّ الإمام الحسن بالمدينة ودامت هذه الفترة من سنة (41هـ) عام الصلح إلى سنة (51هـ) سنة استشهاده.
وتفرغ الإمام في هذه المرحلة لنشر الإسلام وخدمة دين الله وتعليم أحكامه وتعاليمه. فعن السيوطي في تدريب الراوي أنه (كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثير منهم وأباحها طائفة وفعلوها منهم علي وابنه الحسن)(31).
وبفضل جهوده المباركة قامت مدرسة علمية بالمدينة: ذكر المؤرخون بعض أعلامها: ومنهم ابنه الحسن المثنى والمسيب بن نخبة، سويد بن غفلة والعلاء ابن عبد الرحمن والشعبي وهبيرة بن بركم والأصبغ بن نباتة وجابر بن خلد وأبو الجوزا وعيسى بن مأمون بن زرارة ونفالة بن المأموم وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي وأبو مريم قيس الثقفي وطحرب العجلي وإسحاق بن يسار والد محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن قيس(32).
وقد أصبحت يثرب بفضل هؤلاء عاصمة العلم والدين والأدب وأصبح الإمام الحسن ملاذ الباحثين والدارسين. ففي تحف العقول، كتاب من الحسن البصري يسأل الإمام عن اختلافهم في القدر وحيرتهم في الاستطاعة وعقب قائلاً:
(فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك (عليهم السلام) فإن من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).
فأجاب الحسن (عليه السلام):
(بسم الله الرحمن الرحيم وصل إليّ كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتكم، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره إن الله يعلمه فقد كفر ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر. إن الله لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم بل أمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا ألزموها كرهاً بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبراً لهم على ما أمرهم به فيكون كالملائكة ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين والسلام على من اتبع الهدى)(33).
هذا إشعاع الحسن العلمي، وأما الإشعاع الآخر فهو الخلق الرفيع والآداب المعنوية التي بثها الإمام بين الناس فهيمن على القلوب وفرض احتراماً وإجلالاً على الجميع، فقد تحدثت كتب الروايات عن قصص تواضعه وإجارته للفارين من بطش معاوية وعماله.
وكان إذا صلى الغداة في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) جلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس فيجلس إليه سادة الناس يسألون عن أمور دينهم ويتحدثون بين يديه، وكان إذا توضأ تغير لونه، وإذا ذكر الموت أو البعث أو الصراط يبكي حتى يغشى عليه وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل الله الجنة وتعوذ من النار.. وقد قاسم الله ماله ثلاث مرات وخرج منه كله مرتين وحج خمساً وعشرين حجة وأن النجائب لتقاد بين يديه وهو ماش على قدميه يقول: (أستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته).
وإذا رآه الناس ترجلوا احتراماً له وإكراماً، فإذا أعياهم المشي جاء بعضهم إلى الإمام وطلبوا منه أن يركب أو أن يبتعد عن الطريق لأن الناس لا تجرؤ على الركوب والإمام يسير فينحرف الإمام بمن معه عن جادة الطريق ليركب الناس رواحلهم.
وفي الواقع، المصادر التاريخية لا تسعفنا بكثير من المعلومات عن الحسن في هذه المرحلة أيضاً، ولكن هناك حدثان لا بد من الإشارة إليهما لقوّة دلالتهما وهما:
الحدث الأول:
رفضه (عليه السلام) مصاهرة معاوية، فقد أرسل معاوية إلى عامله في المدينة مروان بن الحكم ليخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد فأجابه عبد الله إن أمر نساءنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه.
فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله فقال (عليه السلام) اجمع من أردت فجمع مروان الهاشميين والأمويين في صعيد واحد وخطب فيهم أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر ليزيد ابن معاوية على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغاً ما بلغ.
فقام الإمام الحسن: ونقض كلام مروان.. وقال: (وقد رأينا أن نزوج زينب من ابن عمها القاسم محمد بن جعفر وقد زوجتها منه وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة).
ولما بلغ معاوية ذلك قال:

خطبنا إليهم فلم يفعلوا * * * ولو خطبوا إلينا لما رددناهم(34)

الحدث الثاني:
قدوم وفد من الكوفة للإمام يطلبون منه نقض العهد بعد أن أخلّ معاوية بشروطها والرجوع إلى الحرب ولكن الحسن (عليه السلام) ردهم رداً جميلاً موضحاً لهم الاستراتيجية الجديدة التي اعتمد عليها: التريث ما دام معاوية حياً، وقال لهم: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حيا فإن يهلك معاوية ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا وان لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(35).
وضاق معاوية ذرعاً بالحسن (عليه السلام) الذي يزداد نفوذه الروحي والعلمي يوما بعد آخر في المدينة وفي أنحاء العالم الإسلامي. وأحس أن الحسن قد ورطه في هذه الشروط التي طفق ينقضها واحدا بعد آخر ويفضح نفسه أكثر فأكثر.. وقَدَّر أن خطته بتوريث الملك لابنه يزيد لن تمرّ والحسن موجود فقرّر اغتيال الإمام، فأوكل معاوية تنفيذ المهمة إلى إحدى زوجات الحسن (عليه السلام) وهي جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي التي سقته السم وقد كان معاوية دس إليها أنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمّه فلما مات وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها إنا نحب