المحتويات
2016/03/08
 
9575
ثورة الإمام الحسن عليه السلام

ثورة الإمام الحسن عليه السلام

ثورة الإمام الحسن عليه السلام

تأليف: المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته

الفهرس

المقدمة
مقدمة المؤلف
الفصل الأول: جوانب من حياة الإمام المجتبى عليه السلام
عيد الميلاد
السجايا الأخلاقية

هكذا أدبنا الله
لقد أتعبتني بكلامك هذا
أظنك غريباً
محاربة الظلم والفساد
لماذا الجهاد ضد معاوية؟
درس من إبراهيم عليه السلام
فضح معاوية
المقابلة بالمثل
لماذا لم يحارب الإمام الحسن عليه السلام حتى الشهادة؟
اختلاقان تاريخيان
1: فئتان عظيمتان من الأمة
2: كثرة الزواج والطلاق
الفصل الثاني: دروس من حياة الإمام الحسن عليه السلام
الاستقامة في سبيل الهدف
نماذج من العلماء الصامدين
الشهادة المفجعة
1: لماذا الزواج من هؤلاء؟
2: لماذا شرب السم؟
لماذا لم يعملوا بعلم الغيب؟
سؤالان؟
الفصل الثالث: جوانب من حكومة معاوية
حكومة معاوية
ولاية عهد يزيد
الأمة الإسلامية في زمان معاوية
مشكلة المسلمين اليوم
شورى فقهاء المراجع
تعدد الأحزاب
إزالة الحدود المصطنعة

الأخوة الإسلامية
الحريات الإسلامية
مسك الختام

المقدمة

بقلم: العلامة السيد محمد باقر الفالي(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

يمكننا القول: بأنه إذا لم يكن هناك ثبات في قواعد الدين الإسلامي، وإذا لم يكن أساس هذا الدين المقدس قد أقيم على أعمدة محكمة من الأمور الفطرية، مدعمة بقوة من الاستدلال والمنطق، وإذا لم تكن التضحيات والفداء واتخاذ المواقف المسؤولة من قبل أهل البيت عليهم السلام ومن يرتبط بهم، وقبل كل هذا إذا لم يكن هناك لطف وعناية خاصة من قبل الله تعالى لرعاية هذا الدين المقدس، لكنا اليوم لا نرى أي أثر من الدين الإسلامي إلا بعض الأخبار في ما بين صفحات الكتب التاريخية، أو بقاء عادات وتقاليد جامدة وغير واقعية، مثلها مثل مزرعة أصابتها الآفات الزراعية وبقيت من دون محصول.
الامتحان الإلهي:
إن الخالق يريد أن يمتحن المخلوق الذي وهبه العقل وجعله صاحب الفكر، في هذه الدنيا الدنية.. السريعة الانقضاء، حتى تظهر قدراته واستعداداته المخفية في داخله، فالذي معدنه أصيل ورفيع سيكون مبيض الوجه، وأما الذي فيه غش سيكون مسود الوجه.
إذا ما سُرقت كرة قيّمة من الذهب من صاحبها وتركت في مدرسة للأطفال، فماذا سيفعل بها عدة من الأطفال الذين لا يعرفون قيمتها؟ فحتماً سوف تضرب بالأرجل وتحول من واحد لآخر إلى أن تتحطم هذه الكرة الذهبية وتصبح كل قطعة منها في زاوية بعيدة، وقد يقوم الأطفال بمبادلة كل قطعة من قطعاتها الثمينة في مقابل تمرة واحدة أو قطعة من الحلوى عن طيب نفس، وعندها ترتسم البسمات على وجوههم المعبرة عن الفرح والمسرة، فأي معاملة جليلة كهذه! وأي حلويات لذيذة كانت من نصيبهم.
انحراف الأمة:
بعد رحيل النبي الأعظم وأكبر رجال البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ ذلك المسير المنظم بالانحراف حيث ترك الناس أحد الخطين المتوازيين في الإسلام(2)، ولكن المجتمع الإسلامي تصور بساطة هذا الانحراف غافلاً من أنه سيؤدي إلى أي فاجعة وكارثة عظيمة، وأن شرارته الضئيلة ستؤدي إلى أي انفجارات كبيرة.
تضحيات فاطمة الزهراء عليها السلام:
وهنا فإن سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام قد أشارت إلى أهمية وخطر هذا الانحراف! لذا نهضت بكل وجودها.. خطبت ووعظت وضحت..
فقد جاء في خطبتها التي ألقتها على نساء المهاجرين والأنصار اللواتي جئن لعيادتها: (أما لعمري، لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً، وذعافاً مبيداً، هناك يخسر المبطلون، ويعرف الثالون غبّ ما أسسه الأولون)(3).
فهي المرأة المعصومة الوحيدة في الإسلام والتي تربت في بيت الوحي، قد أعلنت الحق من دون أي وهم، وعلّمت أتباعها بأن حركة الأمواج وإن كانت قوية إذا كانت على خلاف الحق فلابد لها من أن تتكسر أمام المقاومة.. لذا حرقوا بيتها (4).. كسروا ضلعها.. أسقطوا جنينها.. ثم قتلوها شهيدة.. وأي امتحان أكبر من هذا؟!.
الأمة التي عُرفت بأنها أفضل الأمم، وكان تتردد عزتها وعظمتها على جميع الألسن، سرعان ما انحرفت في هذا الامتحان، امتحان الخلافة، وتبدلت كل تلك الافتخارات إلى مسرحية مخوفة، سعى بسببها المليارات من الناس نحو الظلام، والله وحده العالم بأي واد قد سقطوا والآن هم في حال السقوط.
الدين الإسلامي المبين هو ذلك الذهب الأصيل الذي ظهر وانتشر بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان من أسباب انتصاره مال خديجة عليها السلام وسيف علي عليه السلام أمام هجوم الأعداء، وقد أزال غبار الجاهلية خلال ثلاثة وعشرين عاماً وتجلى في كتاب الله وأقوال وأفعال وأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو بنفسه مظهر الإيمان والنموذج الكامل للإسلام.
وللأسف فمع غروب تلك الشمس المشرقة ورحيل ذلك النبي الرؤوف الرحيم فقد اختطفت السلطة من صاحبها الأصيل، وأصبح مثلها مثل كرة براقة تحولت من الخاطف الأول إلى الثاني ثم الثالث وذلك طبقاً لمخطط مرسوم بدقة وتعيين الشورى وحصرها بعدة أشخاص فقد قذفت عالياً لتعطى إلى الخاطف الثالث(5)...
رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
جاء في التاريخ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى في أحد الليالي رؤيا محزنة فقال: (رأيت بني أمية ينزون على منبري كنزو القردة). وبعد هذه الرؤيا نزل جبرائيل بهذه الآية: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن)(6)، فلم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضاحكاً(7).
إن هذه الرؤيا الصادقة قد تحققت كاملاً، ولذا عندما جاء أول حاكم من بني أمية إلى السلطة، فإن كبيرهم ـ وهو أبو سفيان وكان في ذلك الوقت شيخاً كبيراً وقد ذهب بصره ـ قال في منزل ذلك الحاكم الأموي وفيما بين الأمويين: (هل يوجد بينكم غريب؟ قالوا: لا، قال: تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان(8) طالما رجوت ذلك حتى يصل إلى صبيانكم بالوراثة)(9).
الشجرة الملعونة:
ولعل السر في تعبير القرآن المجيد عن هذه العائلة بـ (الشجرة الملعونة) هو ما ورد في قسم من النصوص التاريخية بأن أصل هذه الشجرة لم يكن من عبد مناف جد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان جد الأمويين غلاماً من الروم كان عبداً لعبد شمس بن عبد مناف وأن عبد شمس كان قد أعتقه ومن ثم تبناه(10).
ومن هنا فقد شاع واشتهر بين الناس بأن أمية هو ابن عبد شمس بن عبد مناف، ويؤيد هذا ما روي عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام في تأويل الآية القرآنية المباركة: (ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض...)(11)، حيث ورد أن المقصود من الروم في هذه الآية هم بنو أمية(12).
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فقد أشار إلى نسب معاوية في جواب كتبه إليه رداً على كتابه فقال:
(ولكن ليس أمية كهاشم..
ولا حرب(13) كعبد المطلب(14)..
ولا أبو سفيان كأبي طالب..
ولا المهاجر(15) كالطليق(16).. ولا الصريح(17) كاللصيق(18))(19).
هاشم وأمية:
نعم.. ليست أمية كهاشم، فهاشم كانت بيده مفاتيح الكعبة وكان شريف النسب وأصيلاً وذا اسم مبارك يتردد على الألسن، وكان معروفاً بين كافة القبائل العربية بحسن الأخلاق، ويذكر بالهيبة والجلال، وهاشم بمعنى الذي يهشم الثريد، لأنه كان يثرد للحجاج الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر(20).
أما أمية فكان ذلك الغلام الرومي عديم الأصل، الزاني(21) الذي لا حسب له، وكان يترد اسمه على الألسن بسوء الأفعال والعار، فقد خالف كل العرب وحتى عبدة الأصنام الجاهلية حيث زوج امرأته في حال حياته لابنه أبي عمر فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو(22).
فالإسلام ذلك الدين المقدس الذي ما أخضر عوده إلا بجهاد بني هاشم المرير، وانتشر ظله ليعم الدنيا ويعطي الجميع الراحة وهدوء البال، أصبح بأيدي أمية، وتلك الشرارة غير الظاهرة التي برقت في سقيفة بني ساعدة قليلاً قليلاً فتبدلت إلى جهنم مخيفة حرقت آلاف الناس الأبرياء وبأمر من أبناء القردة الذين نزوا على منبر رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان هذا من الآثار الطبيعية لتقصير وعدم اهتمام أجدادهم، فجاء العذاب مجازاة للمذنبين في دار الدنيا، وفتنة وامتحاناً للأبرياء الذين احترقوا بنار الآخرين فأوجب لهم الأجر للصابرين.
النسيم المعطر:
خلال الفترة الزمنية فيما بين نهاية سلطة أول حاكم أموي(23) إلى بداية سلطة الحاكم الثاني(24) والتي لم تدم إلا أربع سنوات وعشرة أشهر(25)، فإن منصب الولاية قد عاد إلى صاحبها الأصلي أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث أخذت النفوس تستشم هبوب نسيم معطر بالإسلام الأصيل، ولحد ما أخذت بعض الانحرافات بالاستقامة والاعتدال، كما أزيل غبار ثلاثة مجاميع فاسدة الناكثين والقاسطين والمارقين عن صورة الإسلام المشرقة، وأعيدت الحياة لذلك الجسد الإسلام المسجى وفي حال الاحتضار ليصبح بقاء الإسلام مرة أخرى مديوناً لوجوده المقدس، كما دافع عن الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في مواجهة المشركين والكفار، فبأنفاسه القدسية اكتسب الإسلام مرة ثانية حق الحياة، وقد أشار إلى ذلك في إحدى خطبه الشريفة فقال: (أما بعد حمد الله والثناء عليه، أيها الناس فإني فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها، فاسألوني قبل أن تفقدوني...)(26).
ففي هذه السنوات المعدودة التي حكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد جرى ماء الحياة جديداً في الجذور المتخشبة لهذه الشجرة المقدسة، فأزهرت وأورقت أغصانها، وظهرت صورة لطيفة وجميلة عن الإسلام من بين غيوم الشرك والنفاق المتلبدة في السماء، لتبتسم بسمة جذابة كالشمس المشعة بضفائرها الذهبية على الأفق ليعم النور كل مكان(27).. ولكن لم تمر فترة إلا وقد هبت رياح عاتية غطت على تلك الشموس الزاهرة لتبدأ غيبة طويلة لهذه الوجوه الباسمة في شفق دامٍ، فحرمت البشرية من ذلك البحر الذي لا حد له من العلم وسائر المعنويات إلى أن يعجل الله الفرج لوليه فيضع قدم الرحمة على أعتاب منتظريه ليهب به حياة خالدة لدين جده وينشر حاكمية الإسلام ونوره على كل مكان في العالم.
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام:
بعد أمير المؤمنين عليه السلام استلم الخلافة جوهرة من صدف بحري النبوة والإمامة، من ذلك النسل الطاهر لعلي وفاطمة عليهما السلام، وقد اختار الله لـه اسم الحسن، وكم كان مناسبا فهو المجتبى والمنتجب... عائلة شريفة وأصيلة، أجداد تلمع أسماؤهم في سماء النور والفضيلة، كانوا يعبدون الله وهم سادة قريش، جده سيد الكائنات محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، أبوه وليد الكعبة علي المرتضى عليه السلام حيث لم يولد في الكعبة ولن يولد سواه..، أمه سيدة النساء فاطمة الزهراء التي نزل القرآن في بيتها، خادمهم جبرائيل الأمين، وكافة الأنبياء والملائكة وسائر الخلق فلقوا ببركة وجودهم كما ورد في الحديث القدسي: (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)(28).
أصل ونسب معاوية:
قد جرت سنة الله تعالى في امتحان عباده، ففي مقابل هذا الإمام المعصوم الحسن المجتبى عليه السلام، انتصب جلاد مكار، مصاص للدماء وهو الحاكم الأموي الثاني، اسمه (معاوية) يعني: الكلبة(29) أو جرو الثعلب، وكم هذا الاسم مناسب لـه، فإن الثعلب يضرب به المثل في المكر والحيلة.
يعني أصل عائلته من أمية، وكان ابن أمية يسمى (حرباً).. وكان حرب سيئ الصيت، معروفاً بالشر، وكان لحرب هذا ابنان اثنان هما من أعداء الإسلام منذ القدم، والمسلمون يلعنونهم إلى يوم القيامة:
1: بنت اسمها (أم جميل) زوجة أبي لهب، وهي التي كانت تجمع الأشواك من الصحراء وتضعه ليلاً في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تتأذى قدما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الصباح عندما يمر(30)، وقد عبر القرآن المجيد عن هذه المرأة بـ(حمالة الحطب) حيث قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم * تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد)(31).
2: ولد اسمه (صخر) المعروف بأبي سفيان، الرجل الذي أشعل نار الحرب عدة مرات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قام بتمثيل أجساد شهداء الإسلام وقطعهم قطعة قطعة(32) في غزوة أحد وهو يفتخر ذلك، أبو سفيان هذا كان إلى آخر عمره يعتقد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساحر، وأوصى أقرباءه بتلاقف كرة الخلافة بينهم، وتحويلها من واحد لآخر، وقد أقسم بأنه ما من جنة ولا نار، هذا هو والد معاوية.
وأما أم معاوية.. فهي هند بنت عتبة بن ربيعة، من أسرة مشركة عاكفة على عبادة الأصنام، فجده عتبة كان من ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان قائد جيش الكفر في معركة بدر، حيث قتل فيها على يد حمزة وبمساعدة أمير المؤمنين عليه السلام.
وكانت هند من تلك الضباع المفترسة، ففي آخر معركة أحد قامت بقطع آذان وأنوف شهداء الإسلام وعملت منها قلادة لها ولمولاتها(33) كما شقت بطن حمزة سيد الشهداء عليه السلام وقطعت كبده ولاكته بأسنانها ولم تتمكن من بلعه فلفظته(34) وهي امرأة اشتهرت في مكة بالعهر والفجور(35)، فعندما ولدت معاوية نسبته إلى أربعة من الآباء(36) وفي معركة أحد كانت أم معاوية هذه تشجع الكفار على قتال المسلمين وتقول الشعر في ذلك، ومنه هذا:

نمشي على النمارق * * * نحن بنات طارق
أو تهزموا نفارق(37) * * * إن تقتلوا نعانــق

وهي في هذا الشعر تعد رجال قريش بالمضاجعة والفجور في حال انتصارهم على المسلمين.
الملف الأسود:
عجباً لابن ذوات الأعلام وآكلة الأكباد معاوية المنسوب يوم ولادته لأربعة من الآباء!! والذي نبت لحمه واستقام عظمه من اللبن الحرام أن يدعي المقام السامي للإمامة وخلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم!! ولقد لعنه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم هو وأباه وأخاه(38) وكان إذا سمع صوت المؤذن (أشهد أن محمداً رسول الله) يصك أسنانه ويقسم بدفن اسم النبي(39).
وبعدما أراق دماء عشرات الآلاف من الناس الأبرياء على الأرض من أجل تثبيت سلطته وسلطة بني أمية وعندما حصل على مراده بكل أساليب المكر والخديعة، ارتقى المنبر ليخطب في الناس ويقول: (يا أهل الكوفة أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج! وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم)(40).
نعم، معاوية هو الذي وقّع معاهدة الصلح بشروطه بعد الاتفاق عليها أمام المسلمين، ولكنه بعد ذلك وضع كل الشروط تحت قدمه ثم قال: (وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين)(41).
فهو لا يرى مانعاً أمامه أن يجر المسلمين لحرب داخلية ليحطم الإسلام الأصيل وإن كان الضعف الناشئ عن ذلك يوجب هجوم الكفار على البلاد الإسلامية لاجتثاث جذور هذا الدين المقدس، ولذا فقد حاء في التاريخ: أنه بعد أن شن الحرب ضد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لم يقم معاوية بتقوية جبهة المقاومة ضد جيش الروم ودفع مبلغ مائة ألف دينار من الذهب بعنوان غرامة حرب إلى ملك الروم(42).
الإمام عليه السلام ينهض لنصرة الإسلام
سعى الإمام المجتبى عليه السلام من جهة للمحافظة على دين جده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن جهة أخرى عمل ضمن سياسة إلهية مهمة لفضح معاوية وبيان الحقيقة للناس، لكي يعرف التاريخ أن الإمام هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أقدم على الصلح مع معاوية تحت شروط خاصة من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين وحقناً لدماء الأمة، وبعمله الحساس هذا فقد تمكن من حفظ الإسلام وأبطل كل مخططات معاوية، وأضاف صفحة مشرقة لمفاخر أهل البيت عليهم السلام، حيث أنهم دائماً وفي المواضع الخطرة والحساسة بتضحياتهم وتفكيرهم الحكيم الناشئ من عقيدة الوحي يهبون الإسلام حق الحياة من جديد.
يقول الإمام محمد الباقر عليه السلام: (والله للذي صنعه الحسن بن علي عليه السلام كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس)(43).
وهذا الكتاب (ثورة الإمام الحسن عليه السلام) من مؤلفات سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) كتبه في كربلاء المقدسة وتم طبعه في الكويت، ثم أضاف سماحته إليه إضافات جديدة في مختلف جوانب حياة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وإني أحث على مطالعة هذا الكتاب القيم لما فيه من الفائدة للجميع.
وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن يكون مرضياً عند مولانا الإمام المهدي أرواحنا فداه وما توفيقي إلا بالله.

 قم / الحوزة العلمية
 محمد باقر الموسوي الفالي
 3 / رجب المرجب / 1408هـ

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
لقد لاحظت في بعض الكتب كلاماً يوجب للبعض إثارة السؤال والنقد والبحث، ومن اللائق للكاتب أو الخطيب أن يتحدث أو يكتب بحيث يكون قد أحاط بكافة الجوانب فلا يبقي موضعاً مدعاة لإثارة الإشكال أو السؤال حسب المقدور.
ثم إنه ينبغي للخطيب الجيد ـ كالكاتب الجيد ـ عند ما يريد التحدث أن يلاحظ عدة أمور:
أولاً: طرح المسائل الإسلامية بشكل يتناسب مع التطور اليومي، حتى يتمكن المثقف أو الجامعي من فهم ودرك المسألة جيداً.
ثانياً: أن يكون الموضوع مفيدا لكافة الطبقات والشرائح، وأن يتحدث بأسلوب يستفيد منه الجميع، ولذا فإن الخطابة من على المنبر هي أصعب من الكتابة، لأن المؤلف عادة ما يكتب إلى طبقة خاصة، أما الخطيب الناجح فإنه في الوقت الذي يتحدث فيه للجامعيين يلزم أن يكون حديثه مفهوماً بالنسبة إلى بعض العمال ذوي المعلومات القليلة الذين يستمعون إليه في نفس المجلس.
كما أن عليه ملاحظة هذا الأمر دائماً: وهو أن أذواق المستمعين مختلفة، فمثلاً أحدهم يفكر بطريقة اليوم وآخر يهوى التفكير بالطريقة القديمة، ففي هذه الحالة يتحتم أن تكون الخطابة أو الكتابة بحيث يستفيد منها جميع الأذواق، كما ينزل المطر ويجري على الأرض فيستفيد كل مكان يمر به حسب استيعابه، وقد أشار القرآن المجيد إلى هذه الحقيقة: (أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)(44).
لذا يلزم على الخطيب والمتحدث القدير أن يكون مسلطاً بما فيه الكفاية عند عرض موضوعه حتى يتمكن من إفادة المستمعين كافة وإرضائهم ومن أي شريحة كانوا.
ثالثاً: والأهم من كل ذلك هو أن على الخطيب والمتحدث أن يبين ما يقصده بشكل لا يبقى هناك أي إشكال أو سؤال في ذهن المستمع.
فمع أخذ هذه النقاط الثلاثة بنظر الاعتبار نقوم ببيان ثلاثة مواضيع في حياة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وحكومة معاوية مراعياً الاختصار، وإن كان يلزم الاجتناب عن (الإيجاز المخل) الذي هو مثل (الإطناب الممل)(45)، ولكن علينا أن لا ننسى بأن جيل الشباب اليوم والمثقف يبحث عن المواضيع المبسطة والمختصرة وكما يقال: (الأدب السندويشي).
الموضوع الأول: جوانب من حياة وشخصية الإمام الحسن عليه السلام.
الموضوع الثاني: كيفية الاستفادة من أسلوب الإمام عليه السلام الواضح والدقيق.
الموضوع الثالث: جوانب من حكومة معاوية.
آمل أن يكون هذا الكتاب المختصر مقبولاً عند هذا الإمام العظيم عليه السلام وأن يكون مفيداً للقراء الكرام إن شاء الله، والله المستعان.

كربلاء المقدسة محمد

الفصل الأول: جوانب من حياة الإمام المجتبى عليه السلام

عيد الميلاد

في النصف من شهر رمضان المبارك للسنة الثالث من الهجرة(46) هب نسيم لطيف من الرحمة الإلهية على المدينة المنورة، فأصبح الكل مبتهجاً بولادة وليد من نسل الطاهرين في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
كان المسلمون جماعات، جماعات يتوافدون على البيت أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليباركوا له وللهاشميين ولادة أول أسباطه صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته سيدة نساء العالمين وأمير المؤمنين علي عليهما السلام.
ومن المناسب جداً إعلان مواليد أئمة الهدى عليهم السلام كأعياد دينية في الدول الإسلامية، وعلى الأقل في الدول والمناطق الشيعية واعتبارها عطلاً رسمية.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأمر من الله تعالى سمى هذا المولود المبارك (حسناً)(47)، وقد عق صلى الله عليه وآله وسلم عنه بكبش وزع لحمه بين المسلمين.
تربى الإمام الحسن عليه السلام منذ صغره في أحضان جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه فاطمة الزهراء عليها السلام وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام، كما ذاق منذ صغره مرارة الحروب وحلاوة انتصارات صدر الإسلام وشاهد الأجواء الصعبة التي رافقت انتشار الرسالة.
كما أن هناك آيات عديدة في القرآن المجيد تشير إلى فضائل الإمام الحسن عليه السلام هو وسائر أهل البيت عليهم السلام، فقد أشاد القرآن بإيمانهم وإخلاصهم وتضحياتهم وإيثارهم ومدح تلك الخصائل الإنسانية الإسلامية التي يتحلون بها(48).
كذلك فإن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم قد تحدث في أحاديث كثيرة رويت عنه في المقام السامي للإمام الحسن المجتبى عليه السلام.
وفي النصوص التاريخية لم ينقل عن شخصية وجوانب حياة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وبشكل عام عما يتعلق بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام هذه الشجرة الطيبة، إلا الفضيلة والتقوى، والعلم والعمل الصالح، ومن الملفت للنظر أنه ومنذ انطلاق الإسلام وإلى زمان غيبة ولي العصر (أرواحنا فداه) لم يؤثر في التاريخ عن هؤلاء الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام أنهم سُئلوا سؤالاً وبقي من دون جواب، أو أن أحد الأئمة عليهم السلام أجاب بخلاف ما أجاب به إمام آخر، بل إن ما حفظ التاريخ الإسلامي هو: أن كافة المعصومين عليهم السلام هم نور واحد ويتبعون خطاً واحداً، ولذا فإن مخالفة واحد من هؤلاء الأئمة عليهم السلام كمخالفة جميعهم.

السجايا الأخلاقية

لقد فاضت الكتب التاريخية بالسجايا الأخلاقية والصفات الحميدة للإمام الحسن بن علي عليه السلام.. وسنتطرق إلى ذكر نماذج مختصرة من سلوكه وتعامله:

هكذا أدبنا الله

1: واحدة من جواري الإمام الحسن عليه السلام قدّمت للإمام طاقة ريحان، فقبل عليه السلام هدية هذه الجارية وبالمقابل قال لها: (أنتِ حرة لوجه الله).
وكان أحد الأشخاص قد لاحظ هذا التعامل الإنساني الرفيع فسأل الإمام عليه السلام بتعجب: لماذا أعتقها في مقابل طاقة ريحان لا تساوي شيئاً؟ وذلك لأن القيمة المادية لجارية واحدة تعادل مئات الدنانير من الذهب مثلاً.
فتبسم الإمام عليه السلام معبراً عن رضاه وقال: (هكذا أدبنا الله، لأنه يقول في القرآن المجيد: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ)(49)، ورأيت أن الأفضل من هدية هذه الجارية هو أن أعتقها في سبيل الله)(50).
نعم إذا طبقت هذه الخصلة القرآنية الحميدة في المجتمع الإسلامي ماذا سيكون لها من نتائج قيمة في تشكيل المدينة الفاضلة والأمة الإسلامية المتقدمة؟
فإذا فكر كل شخص أن يقابل إحسان الآخر بعمل أفضل منه، بل وقد أمر أهل البيت عليهم السلام لا بجزاء الإحسان بالإحسان فقط، بل حثوا على مقابلة إساءة الأفراد بالإحسان، وهذا بالإضافة إلى أن لـه الأجر والثواب في الآخرة فإن الشخص يرى الأثر الحميد لعمله هذا في الدنيا أيضاً.
فقد نقل عن أحد الحكماء قوله: أنا في حيرة من الشخص الذي يتحمل عدة أشهر من الحبس كيف لا يتحمل سماع قول سيئ؟ ومعنى هذه الحكمة هو: أنه إذا سمع إنسان من جاهل قولاً سيئاً فيلزمه العفو والإغماض عنه، وإلا فإذا رد عليه بمثله أو بأكثر فربما يجر ذلك إلى النزاع والمخاصمة ثم ينتهي بالسجن.
لقد أتعبتني بكلامك هذا
2: جاء شخص نمام إلى الإمام الحسن عليه السلام وقال: إن فلاناً يقع فيك. فقطب الإمام عليه السلام وجهه المبارك وقال لـه: (لقد أتعبتني بكلامك هذا، فقد أسمعتني غيبة شخص مسلم، فيجب الاستغفار لنفسي أولاً، ثم إن قولك إن ذلك الشخص قال فيّ كذا، يلزمني أن استغفر له أيضاً)(51).
وفي هذه القصة القصيرة عدة نقاط ينبغي الالتفات إليها.
أ: قبح النميمة.
ب: قبح الغيبة واستماعها.
ج: استحباب الاستغفار للمذنبين، والعفو والتسامح عن الإنسان المسيء.
إذا عمل كل مجتمع ـ بغضّ النظر عن كونه مجتمعاً إسلامياً أم لا ـ بهذه الصفات الحميدة والأخلاق الإنسانية العالية فلا شك أنه سيخطو خطوات مؤثرة في الرقي والتعالي وتحكيم الأخلاق والفضيلة.
أظنك غريباً
3: ورد في التاريخ أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان راكباً على دابته فصادف في طريقه رجلاً من أهل الشام، وبمجرد أن وقعت عينه على الإمام عليه السلام تداعت أمامه دعايات السوء لبني أمية ضد أهل البيت عليهم السلام فشرع بسب ولعن الإمام عليه السلام!.
فظل الإمام عليه السلام ساكتاً وأخذ يحطم بصبره وتحمله كل قيود الغضب، إلى أن أفرغ الرجل الشامي عقدة قلبه وسكت.
عندها سلّم الإمام الحسن عليه السلام على ذلك الرجل وابتسم بسمة تعبر عن صفاء قلبه، في الوقت الذي كانت المحبة تموج من بين عيني الإمام، وقال: يا شيخ أظنك غريباً في هذه المدينة، ولعلك اشتبهت بي، فإن كانت لك مسألة أعطيتك، وإن كنتَ ضالاً أرشدتك، وإن كنت جائعاً أشبعتك، وإن كنت عرياناً كسوتك، وكل حاجة لك فإني أقضيها، وتعال معي إلى بيتي لتكون ضيفي إلى أن ترحل.
عندما سمع ذلك الرجل جميل كلام الإمام عليه السلام وعذوبته، أحس بالندم وتأنيب الضمير، فأحمر وجهه وبدا الخجل يرتسم على محياه وقبل أن يتكلم أخذ دمع الندامة يتقاطر على خديه وقال بكل أدب: اشهد أنك خليفة الله على أرضه وتلا قوله تعالى:
(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(52)، ولقد كنت أنت وأبوك من أبغض خلق الله عندي والآن أنتما أحب خلق الله إليَّ، ثم ذهب مع الإمام عليه السلام إلى منزله وكان ضيفه ما دام موجوداً في المدينة وأصبح من محبي أهل البيت عليهم السلام(53).
ومن هذه القصة نتعلم عدة أمور مهمة:
أولاً: إذا تكلم جاهل بسبب دعاية السوء بكلام غير لائق، فلا ينبغي معاقبته، بل يلزم إقناعه بلسان عذب ووجه منبسط.
ثانياً: يلزم القضاء على جذور العصيان والتمرد، كما يتم القضاء على جراثيم المرض في بدن المريض، وإلا فإن الحبوب المسكنة هي حلول مؤقتة، لذلك لاحظنا أنه عليه السلام أخذ يعدد أسباب عدم الرضا ووضع حلاً أساسياً لكل واحد منها، فإن السبب قد يكون الجوع أو العوز أو أي حاجة أخرى فيلزم تداركها، ومن اللائق بالمسؤولين في كل مجتمع سواء كان صغيراً أم كبيراً أن يتعلموا هذه الملاحظات التي أشار إليها الإمام المجتبى عليه السلام.
ثالثاً: يلزم تحكيم الأخلاق والخير والفضيلة في المجتمع الإسلامي بحيث يمكن أن يجعل من العدو صديقاً، وذلك برد فعل مناسب ومرضي عند الله عز وجل، فترى العدو لا يندم على عمله فحسب، أو يبكي على ذلك، وإنما يغيره إلى محب وصديقاً ومضح.
ومع قطع النظر عن تأكيدات الإسلام الكثيرة على الفضائل الأخلاقية، إذا كان التعامل بين أفراد المجتمع هكذا، وبهذه الخلق السامية، فكم سيكون ذلك مؤثراً في تطور المجتمع وتغييره نحو الأفضل، وإذا كان المسؤولون وأصحاب القرار في العالم يتعاملون هكذا مع معارضيهم، فبالإضافة إلى الأجر الأخروي، كان ذلك من أسباب استقرار واستقامة حكوماتهم في ظل الحرية والعدالة.
محاربة الظلم والفساد
هناك رواية مشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(54).
فبالإضافة إلى كون الإمام حجة الله على أرضه وكل عمل يقوم به هو بأمر الله تعالى وفي صالح الإسلام والمسلمين، فإن الإنسان يمكنه وبقليل من المطالعة والتحليل السياسي لذلك الزمان الذي عاشه الإمام الحسن عليه السلام وبمعرفة الشرائط الاجتماعية والدينية والسياسية الحاكمة في مجتمع ذلك اليوم، أن يعرف صواب موقف الإمام الحسن عليه السلام ودوره العظيم والذي كان حساساً جداً ومناسباً تماماً، فإنه عليه السلام قام بواجبه الشرعي بأفضل صورة من أجل الحفاظ على الإسلام والمجتمع الإسلامي.
وعليه فإذا طرح السؤال التالي: هل إن الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام كان لهما هدفان مختلفان ونمطان متعاكسان من التفكير ففي الجواب نقول: من دون ترديد بأن الإمامين الهمامين عليهما السلام كانا على هدف واحد ولكن قاما بأسلوبين مختلفين كل بمقتضى شرائط زمانه وحسب أمر الله عز وجل.
وربما يمكن القول بأن دور الإمام المجتبى عليه السلام كان حساساً وصعباً أكثر من دور سيد الشهداء عليه السلام، وذلك لأن الإمام الحسن عليه السلام كان عليه أن يهيئ الأرضية الصالحة للنهضة المباركة، وأن الإمام الحسين عليه السلام قام بتلك النهضة الحقة، لأن النهضة الموفقة تحتاج أولاً إلى إعداد الأرضية والتخطيط المنظم والدقيق، حتى يمكن إجرائها بنجاح، فنبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً كان شجاعاً مجاهداً لكنه في مكة المكرمة قد قام بتهيئة الأرضية المناسبة للأمة الإسلامية فوضع الأسس في مكة وقام بمرحلة التنفيذ والتطبيق في المدينة.
ومن غير الممكن لأي نهضة أن تصل إلى النتائج من دون الإعداد السابق وتهيئة المقدمات وعلى سبيل المثال:
إذا قام شخص ببناء معهد تعليمي ولكنه خالٍ من الطلاب، أو قام بجمع الطلاب ولكن من دون بناء المعهد، فإن كلا العملين غير صحيح، ولكن إذا قام أولاً ببناء المعهد ثم جمع الطلاب فهذا يُعد عملاً متكاملاً ومفيداً.
إن النهضة الموفقة دائماً تحتاج إلى الإعداد السابق، وكان الإمام الحسن المجتبى عليه السلام قد قام بهذا الدور المهم، فلو لم ينهض ولم يقبل بالصلح بتلك الشروط المذكورة في التاريخ، وبشكل عام إذا لم يتخذ الإمام الحسن عليه السلام ذلك الموقف المناسب، فإن الإمام الحسين عليه السلام لم يتمكن من القيام بنهضته المباركة، والدليل على هذا الكلام أن الإمام الحسين عليه السلام لم ينهض فوراً عند تسلمه لمنصب الإمامة بل صبر وتحمل بعد استشهاد أخيه الإمام المجتبى عليه السلام تسع سنوات حتى تتهيأ وتعد الأرضية الكاملة للقيام والنهوض.
ولذا يلاحظ في طول التاريخ أن الأنبياء والأولياء عليهم السلام كان قسم منهم قد أقدموا على الحرب والجهاد ضد الطواغيت والقسم الآخر عليهم السلام كان يتجنب الحرب ويسعى في إعداد المؤمنين، فلم كان هذا الاختلاف؟
إن النهضة الصحيحة هي عبارة عن الحياة ومقوماتها، فإذا كان البناء والإعمار بحاجة إلى مقدمات وأسس، بحيث إن لم يتوفر الحديد والإسمنت والأبواب والشبابيك وأخيراً العمال، فإنه من غير الممكن أن ترى بناءً قد قام وأخذ شكله، وهكذا يكون البناء الاجتماعي الصحيح.
لقد قام الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن عليه السلام بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قد قام بأدائه سيد الشهداء عليه السلام بقيامه المقدس والدامي.
وقد سبق أن مسؤولية الإمام الحسن عليه السلام كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الإمام الحسين عليه السلام، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وترديد لابد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.
أما الإنسان الذي ينهض سواء انتصر أو انكسر، فإنه سيحصل على مدح وثناء الناس، وتميل إليه قلوبهم، بعكس الإنسان الأول الذي خطط وأعد واستعد فإنه عادة يبقى من دون مدح وثناء من قبل الناس، تماماً كالبذرة تحت التراب فإنها تتحرك وتتحرك إلى أن تظهر من تحت التراب وتنمو ويشتد عودها، وتخضر ثم تورق وتزهر وتعطي ثمارها، والناس لا يرون إلا الثمرة وربما نسوا فضل البذرة، أما قبل نموها فلا يظهر شيء منها، فإن البذر تحت التراب لا يظهر منه جمال ولا رائحة ولا لون ولا نضارة ولا طعم، مع أن كل هذه تترتب على حركة البذرة تحت التراب.
ومن هنا يعرف مدى أهمية مسؤولية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ودوره العظيم، فإنه كان يشكل القسم المهم من النهضة المباركة، وأن رسالته ورسالة أخيه الإمام الحسين عليهما السلام كانت واحدة ولكن تتشكل من قسمين، وهل هذا من أسباب ما ورد من أن الإمام الحسن عليه السلام هو أفضل وأعلى مرتبة من الإمام الحسين عليه السلام كما صرح بذلك سيد الشهداء عليه السلام في يوم عاشوراء حيث قال: (أخي خير مني)(55).
لماذا الجهاد ضد معاوية؟
هنا سؤال يطرح نفسه وهو إذا كان دور الإمام الحسن عليه السلام الإعداد والتهيئة للثورة، فلماذا أقدم على محاربة معاو