المحتويات
2015/10/12
 
13842
مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)

مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)

مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)

تأليف: السيّد محمّد عليّ الحلو
الناشر: العتبة الحسينية المقدّسة

مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية
الطبعة الأولى 1436هـ – 2015م

الفهرست

الإهداء

مقدّمة المركز
المقدّمة
الحديث.. بين التلاوة وبين الرواية
إشكاليّة سند الحديث
ولكن هل الفترة بين السيّدين مضرّةٌ بالسند؟
الاحتمال الأوّل:
الاحتمال الثاني:
الكلام في القاسم بن الجلاء الكوفيّ:
نقَلة حديث الكساء
قصّة الحديث
لماذا لم يُروَ هذا الحديث ويُتداول بصيغته هذه على ألسن الرواة؟!
تعدّد الحادثة أم وحدتها؟
أولاً: الجهد التحضيري للواقعة:
كان الجهد التحضيري أكثر من سنتين:
ثانياً: تكرار وقوع الحادثة فعلاً:
الرحمة الهابطة:
لماذا أُمّ سلمة؟
حديث الكساء اليمانيّ
شرح الحديث
توثيقات حديث الكساء الأدبيّة
منظومة السيّد محمّد عليّ الغريفيّ
شيوخه:
إجازاته:
تلامذته:
وفاته:
آثاره:
منظومة السيّد محمد مهدي القزويني
منظومة السيّد محيي الدين الغريفي
منظومة السيّد عدنان شبّر الغريفي
منظومة الشيخ مهدي الحجّار
منظومة الشيخ علي الجشّي
بيليوغرافيا التأليفات في حديث الكساء

الإهداء

لا زال صوته يتردد في جنبات ذاكرتي
وهو يُقرؤني حديث الكساء منذ صغري
فنشأت وفي نفسي ترنيماته القدسيّة..
وقد أوصاني بالمواظبة عليه
والمداومة على تقديسه..
فأهديت ما بذلته من شرح إلى روحه الطاهرة..
ثوابه المترجّى..
فإلى خالنا الحجة السيّد عبد علي
نجل العلّامة السيّد عبد الرزّاق الحلو..
ثواب عملي المتواضع

محمّد علي

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين آمين ربَّ العالمين.
أهل الكساء
شخوصٌ نورانيّة وأشخاصٌ ملكوتيّة, منها ولها وُجد الكون وإليها وعليها حساب الخلق, يتدفّقون نوراً وينطقون حياةً، شفاههم رحمةٌ وقلوبهم رأفة، وُضع الخيرُ بميزانهم فزانوه عدلاً ونَمَت المعرفة على ربوع ألسنتهم فغذّوها حكمة.
أنوارٌ هداة، قادةٌ سادات (ينحدر عنهم السيل ولا يرقى إليهم الطير) ألِفوا الخلق فألفوهم, تصطفُّ على أبوابهم أبناءُ آدم متعلِّمين مستنجدين سائلين وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرِهون أحداً على موالاتهم ولا يُجبِرون فرداً على اتّباعهم, يُقيّد حبُّهم كلَّ من استمع إليهم ويشغفُ قلبَ كلِّ من رآهم, منهجهم الحقّ وطريقهم الصدق وكلمتهم العليا, هم فوق ما نقول ودون ما يقال، هُم أنوار السماء وأوتاد الأرض.

هُم النور نور الله جلّ جلاله * * * هُم التين والزيتون والشفع والوترُ
مهابط وحي الله خُزّان عِلمِهِ * * * ميامين في أبياتهم نَزَلَ الذكرُ
وأسماؤهم مكتوبةٌ فوق عرشه * * * ومكنونةٌ من قبل أن يُخلق الذرُّ
ولولاهم لم يخلق الله آدماً * * * ولا كان زيدٌ في الوجود ولا بكرُ
ولا سطحت أرضٌ ولا رُفعت سما * * * ولا طلعت شمسٌ ولا أشرقَ البدرُ
سَرَى سِرّهم في الكائنات وفضلهم * * * فكلُّ نبيٍّ فيه من سرِّهم سرُّ

فلهم ولنورهم ولأسمائهم نذر نفسَه ولدُهم البارّ سيّدنُا العلّامة الحجّة سماحة السيّد محمّد عليّ الحلو (أيّده الله) بشرح حديث الكساء اليماني، هذا الحديث المبارك الذي ما زال محيِّراً للألباب والعقول لما حواه من نفحات قدسيّة وبشائر سماويّة لا تُقرأ إلّا والرأس مرفوع لأنّها (مشاهدات الملأ الأعلى) ولا يتوسَّل بهذا الدعاء أحدٌ إلّا وقضى اللهُ حاجتَه وسهَّل أمرَه وما ذاك إلّا لأنّ (البيت الفاطميّ تحت الكساء).
فإلى رحلة نافعة في جنبات هذا الروض النافح نستودعكم على أمل اللقاء بكم في إصدار جديد إن شاء الله تعالى.

العتبة الحسينيّة المقدَّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصيّة
كاظم الخرسان

المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم

لم أجد حديثاً يلامسُ جنبات النفس، ويؤنس مشاعر السامعين كما وجدته في حديث الكساء، ففيه من لمسات القداسة ما تنجذب إليه النفوس فيسلك بها إلى مراقي الملكوت ليستمع إلى حديثٍ لم يألفهُ، وإلى مشهدٍ لم ينفك عن المناجات التي تأخذ بنا إلى علاقة السماء بالأرض لنطّلع على صلة الملكوت الأعلى بأهل الأرض، وأي أهلٍ هُم؟ إذ تنقلب معادلة الاهتمام، حيث ينظر أهل الملكوت إلى أهل الارض بقداسةٍ لم نطّلع عليها من قبل، حيث مشاهدات الملأ الأعلى تسجلها فقرات الحديث بتراجيديا قدسيّة لا تنفك عن الأهميّة القصوى التي أشار إليها سبحانه في حديثه عن هذا المحفل المبارك، ليرسل مبعوثاً يؤكّد على أهميّة الحدث و آثار المحفل وقداسة الواقعة، وليكون جبرئيل شاهداً على تفاصيل الوقائع، والراوية له سيّدة النساء فاطمة، وشخصيّات فصوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ والحسن والحسين، ولتكون فاطمة قطب هذا الجمع فيعرّف به فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها حتّى يخيل لي أن القارئ إذا أمعن في الحديث فإنّ عروجاً روحياً يرقى له إلى الملكوت الأعلى، ثمّ يُهبطه مع جبرئيل ليراقب المشهد عن كثب ولم تنفك خواطره عن تعزيز مشاهداته وهو يترنّم بهذا الحديث ليشّيد علاقةً ترقى إلى علاقة الروح بالملأ الأعلى.. و إلى مشاهد لم تكرّر على أسماعنا إلّا في مثل هذا الحدث العظيم الهائل بكل مكوّناته وفصوله..

محمّد عليّ السيّد يحيى الحلو

الحديث.. بين التلاوة وبين الرواية
يُعدّ حديث الكساء من أهمّ التراث المعصوميّ الذي وصل بين أيدينا, فهو بالرغم من تاريخٍ لواقعةٍ مقدَّسةٍ تحكي عن شأن أهل البيت عليهم السلام, أشارت سيرة السلف الصالح من علمائنا ومتديّنينا بأنّ له من الآثار الوضعيّة في قراءته ما جُرّب في هذا الشأن, إذ يُقرأ على المريض لغرض شفائه، ويجد القارئ أثراً فعّالا بعد ذلك, أو قراءته في حلّ مهمّة من المهمّات المتعسّرة، فإنّ بركة قراءة هذا الحديث سيسهّل ما تعسّر منه, أو يرفع عن كاهل صاحب الحاجة ما تكاد به ثقله، إلى غير ذلك من الآثار التي يلمسها المداومون على هذا الذكر الكريم, إضافةً إلى ما ذكره ذيل الدعاء في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه: (ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهمومٌ إلّا وفرّج الله همّه ولا مغمومٌ إلّا وكشف الله غمّه ولا طالب حاجة إلّا قضى الله حاجته...) وهو حثٌّ على قراءته ومداومة تداوله.
إشكاليّة سند الحديث
لم أجد ما يخدش في سند الحديث من اعتباره، إلّا بعض من تساءل عن السيّد ماجد البحراني الذي روى عنه السيّد هاشم البحراني، هل هو السيّد ماجد ابن السيّد هاشم ابن عليّ المعروف في المشايخ، وترجمه صاحب الحدائق في لؤلؤة البحرين؟ فإن كان هو المقصود فهو لا يروي عنه السيّد هاشم البحراني لبعد الطبقة بينهما، إذ السيّد ماجد البحراني توفّي سنة 1028هـ والسيّد هاشم البحراني توفّي سنة 1107 هـ وبينهما ثمانين سنة وإن كان هو ماجد ابن محمد البحراني الذي ذكره الشيخ الحرّ العامليّ في القسم الثاني في (أمل الآمل) وذكره أنّه معاصر وأنّه عالم جليل كان قاضياً في شيراز ثمّ في أصفهان، فهو غير معروف في المشايخ وأسانيد الأخبار، بل الظاهر أنّه لا يروي عن الشيخ حسن بن زين الدين المذكور صاحب (المعالم) لبعد الطبقة بينهما(1)، هذا ما نقله المستدرك على كتاب العوالم السيّد محمد باقر الأبطحيّ.
ولكن هل الفترة بين السيّدين مضرّةٌ بالسند؟
ولكن غير واضح مقصوده من كون الفترة بين السيّدين البحرانيّين السيّد ماجد والسيّد هاشم هي ثمانون عام, وأنّ ذلك مانع لرواية السيّد ماجد عن السيّد هاشم، وقد احتملنا وجهين لحلّ إشكاليّة علاقة السيّد هاشم بالسيّد ماجد البحراني.
الاحتمال الأوّل:
أنّ ما عبّر السيّد هاشم عن السيّد ماجد البحراني عنه بشيخه ولعلّ ذلك يعني مشيخة إجازة الرواية ولربّما تحمّل الرواية في بداية تحصيله وكان السيّد ماجد قد امتدّ به العمر فأدركه السيّد هاشم ليروي عنه إجازة, وهو أثر لا يحتاج إلى استبعاد, واحتماليّة المستدرك بأنّه هو السيّد ماجد بن محمد البحراني القاضي بعيد. إذ جلالة السيّد ماجد البحراني بمشيخته للسيد هاشم تمنعه عن التدليس في روايته عن الشيخ حسن صاحب المعالم, ولكن ما يقرّب كونه السيّد ماجد البحراني الراوي عن صاحب المعالم هي قرينة المشيخة المشار إليها في السند.
الاحتمال الثاني:
وهناك ما احتملتُه كوجهٍ آخر في صحّة السند واتصاله بالسيّد هاشم البحرانيّ، حيث يحتمل أن يكون بين السيّد هاشم البحرانيّ وبين السيّد ماجد البحرانيّ واسطة سقطت تصحيفاً، وهو السيّد محمّد ابن السيّد ماجد البحرانيّ وقد ذكر صاحب تكملة أمل الآمل العلامة السيّد حسن الصدر أن وفاة السيّد هاشم البحراني كانت سنة 1107هـ، أي بعد وفاة السيّد محمد بن السيّد ماجد البحراني الذي روى عن أبيه، وهو احتمال قريب في تصحيح من توقّف في السند، وليس عندي ما يجعلني متوقفاً عن السيّد للاحتمالين المذكورين أو لأحدهما، ولعلّ الأول أقرب.
الكلام في القاسم بن الجلاء الكوفيّ:
ويبقى القاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، والظاهر هو القاسم ابن يحيى الراشدي وليس غيره، وقد ضعّفه العلّامة وتوقّف صاحب (معين النبيه في بيان رجال من لا يحضره الفقيه) في هذا التضعيف، حيث لا يعلم مأخذه، فقال: (لكن ضعّفه العلّامة وتبعه ابن داوود, ولا نعلم مأخذه, فالإصغاء إليه بمجرّده مشكل, مع أنّه من أهل الكتب وذوي التصانيف, واعتماد المعتبرين عنه إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن عيسى)(2).
والظاهر أنّ مأخذ العلّامة في التضعيف هو ابن الغضائريّ, إلّا أنّ المولى الوحيد البهبهاني تأمّل في ضعفه، حيث أشار إلى ما في الخلاصة للعلّامة بقوله: (إنّ هذا كلام ابن الغضائريّ ولا وثوق به, ورواية الآجلة سيّما مثل أحمد بن محمّد بن عيسى عنه تشير إلى الاعتماد عليه بل والوثاقة, وكثرة رواياته والإفتاء بمضمونها يؤيّده, ويؤيّد فساد كلام ابن الغضائريّ وعدم تضعيف شيخ من المشايخ العظام الماهرين بأحوال الرجال إيّاه وعدم طعن من أحد ممّن ذكره في مقام ذكره في ترجمته وترجمة جدّه وغيرهما, والعلّامة تبع ابن الغضائريّ بناءً على جواز عثوره على ما لم يعثروا عليه وفيه ما فيه)(3).
ووافقه العلّامة المامقاني بقوله بعد نقله لكلام الوحيد البهبهاني رحمه الله (وأقول: إنّ سكوت النجاشيّ وغيره عن تضعيفه مع كثرة خطأ ابن الغضائريّ في التضعيفات والرمي بالغلوّ مع عدم بناء العلّامة في الخلاصة على التدقيق وإمعان النظر بما يثبّطنا عن الإذعان بضعف الرجل ويرغّبنا في عدّه من الحسان لكفاية كثرة رواياته ونحوها مما ذكره الوحيد رضوان الله عليه في ذلك بعد استفادة كونه إماميّاً من عدم غمز النجاشيّ والشيخ في مذهبه بوجه...)(4).
وقد أحسن العلّامة المامقاني في اختيار الرجل من الحسان, وهو أوفق لحال الرجل ومن روى عنه, والأمر فيه سهل إذا رأينا سلسلة فطاحل العلماء في سند الحديث معتمدين على ما ورد في السند وسيكون على هذا النحو من التوجيه سند الحديث حسناً مقبولاً.
والسند هكذا: رأيت الكلام للشيخ عبد الله البحرانيّ صاحب عوالم العلوم, وهو الذي رأى الحديث ونقله بهذا السند وهي من رسالة الشيخ محمّد تقي بن محمّد باقر اليزدي البافقي بخط الشيخ الجليل السيّد هاشم، عن شيخه السيّد ماجد البحراني، عن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدّس الأردبيلي، عن شيخه عليّ بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ عليّ ابن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحليّ، عن الشيخ عليّ ابن الخازن الحائري، عن الشيخ ضياء الدين عليّ بن الشهيد الأوّل، عن أبيه فخر المحقّقين، عن شيخه العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق، عن شيخه ابن نما الحلّي، عن شيخه محمّد بن إدريس الحلّي، عن ابن حمزة الطوسيّ صاحب ثاقب المناقب، عن شيخه الجليل محمد بن شهر آشوب، عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن أبيه شيخ الطائفة (هكذا وردني في نسخة عوالم العلوم وهو بعيد ولكن في نسخة إحقاق الحق ورد هكذا: عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسيّ، عن أبيه شيخ الطائفة الحقّة, وهكذا ورد في نسخة الإحقاق وهو الأوفق)، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمّي، عن شيخه الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطيّ، عن قاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، عن أبي بصير، عن أبان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء عليها السلام... رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، السند الذي أورده الابطحي عن عوالم العلوم عن نسخة البافقي، هذا هو سند الحديث، وسلسلة أساطين علماء الإمامية يغنينا عن البحث في سنده بل يدفعنا للبخوع بصحّته والتسليم له بكل اطمئنان.
نقَلة حديث الكساء
لم يقتصر نقل الحديث على ما أوردناه ـ أي نسخة العوالم فقط ـ بل ذكر السيّد المرعشي في إحقاق الحق نقلة هذا الحديث وغيرهم وسنورد بعضهم:
أولاً: العلّامة فخر الدين الطريحي صاحب مجمع البحرين في كتاب المنتخب الكبير وقال: ولا فرق بينه وبين النقول على العوالم إلّا زيادة أجوبة التسليمات وجملة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي إلخ.
ثانياً: العلّامة الجليل الديلمي صاحب الإرشاد في كتابه الغرر والدرر وقد أورد نصف الخبر.
ثالثاً: الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشام، قال السيّد: وقد رأيته بخطّه.
رابعاً: العالم الجليل الحُجّة الشيخ محمّد جواد الرازي الكليني في كتابه (نور الآفاق) وقد نقل المتن المنقول من المرحوم البافقي وقال ما لفظه: وسمعت عن شيخي الثقة الحاج الشيخ محمّد حسين السيستاني في سند هذا الحديث الشريف وقال: سمعت عن السيّد مرتضى اليزدي قال: روى صاحب العوالم إلى آخر السند الذي نقلناه ـ على حدّ قول السيّد المرعشي رحمه الله(5).
وهكذا لم يقتصر الحديث على مورد واحد بل على موارد عدّة أمكن الوقوف على بعضها.
قصّة الحديث
ينطلق حديث الكساء من الحبكة القصصيّة التي تصوغ مشهد الاجتماع المقدّس الذي روته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وكيفية اجتماع أهل البيت واحداً بعد واحد، مصوِّرةً بذلك هذه المَشاهد المقدّسة التي تأخذ بالقارئ والسامع بعيداً إلى حيث الاهتمام النبويّ بأهل بيته عليهم السلام، فضلاً عن احتفاء السماء بهذا الاجتماع المقدّس الذي حاز على اهتمام الملائكة المقرَّبين بعد ما استجاب الله تعالى دعاء نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وقوله تعالى بياناً لفضل هذا الجمع القدسيّ أنّ كلّ ما خلقه من سماء مبنيّة، وأرضٍ مدحيّة، وقمرٍ منير، وشمسٍ مضيئة، وفُلكٍ يدور، وبحرٍ يجري، وفُلكٍ يسري، لأجل هؤلاء المجتمعين تحت الكساء ثمّ استوضح ذلك جبرئيل مَن هم؟!
فقال تعالى: (هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها).
وهكذا ينتهي المشهد بهبوط جبرئيل ليخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّ الله قد أذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً.
لماذا لم يُروَ هذا الحديث ويُتداول بصيغته هذه على ألسن الرواة؟!
إنّ ما يميّز هذا الحديث كونه اختصّ بالملأ الأعلى وعالم الملكوت هو الشاهد لهذه الحادثة دون غيره من العالمين، فالواقعة وإن حدثت في الأرض إلاّ أنّ عالم الملكوت هو المحتفي بهذه الواقعة، فالخطاب موجّه إلى العالم العُلوي دون غيره بخطابه تعالى: (يا ملائكتي ويا سكّان سماواتي) وليس الخطاب لأهل الأرض، وهذا من أعظم خصوصيّات حديث الكساء، إذ لم يحضر أحد من الرواة لينقل الخبر ومجريات الواقعة بقدر ما تكفّل بنقل هذه المشاهد الأمين جبرئيل عليه السلام، وليكون هو الراوي وحده لهذه الحادثة في عالم الملكوت, ومن هنا نجد عدم تداول حديث الكساء على ألسن الرواة عدا ما اختصّت به السيّدة فاطمة عليها السلام راوياً عنها جابر بن عبد الله الأنصاريّ تفاصيل الخبر ومجريات الحديث, في حين سنجد الحادثة تشهدها السيّدة أم سلمة وتنقل وقائعها وكذلك عائشة، إلّا أنّ البعض ادّعوا أنّها نزلت في بيتها إشارة إلى أنّ الآية نزلت بها وهو خلاف المتواتر المشهور في حادثة نزول الآية, وسنأتي إلى الإشارة في بعض ذلك.
تعدّد الحادثة أم وحدتها؟
أثبت المحدّثون بروايتهم لسبب نزول آية التطهير وتواتر حديث الكساء, إذ لم يختلف على ذلك اثنان, نعم، الاختلاف من حيث التوسّع في مفهوم أهل البيت, فبعضهم أدخل أزواجه وآخرون توسّعوا حتّى شملوا عصبته صلى الله عليه وآله وسلم من عمومته وأبنائهم، ولكلّ ذلك دوافعه التي لا تخفى, ولكن الذي يهمنا في المقام أنّ الحادثة قد تعدّدت وقائعها, أي هي لم تكن واقعةً واحدة، وإنّما كانت هذه الحادثة تشير إلى تعدد الوقوع، كما يُستفاد ذلك من الأخبار الصحاح، ويمكن تقسيم الحادثة بحسب وقوعها زمنياً كما يلي:
أولاً: الجهد التحضيري للواقعة:
سعى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يحضّر لهذه الواقعة قبل حدوثها تهيئةً لأذهان الأُمّة في استقبال الحادثة واستئناساً لنفوسها, ولئلّا يكثر اللغط والتساؤل في مَن هم أهل البيت, فأراد صلوات الله عليه أن يحصر هذا المفهوم المقدّس بتلك المجموعة المقدّسة, أي أهل البيت الفاطميّ دون غيره, ومع كل هذا التحضير والاستعداد الكبير فإنّ نزول الآية في أزواج النبيّ كما حاول البعض ادّعاءه بإدخال غير البيت الفاطميّ في حادثة التطهير, إلّا أنّ ذلك لا يضرّ في أصل القضيّة، فقد أخرج الحاكم، عن وكيع بن الحارث، عن أبي الحمراء خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء عند كلّ صلاة فجر فيأخذ بعضادة هذا الباب ثمّ يقول: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فيردّون عليه من البيت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيقول: الصلاة يرحمكم الله (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قال: فقلت: يا أبا الحمراء من كان في البيت؟ قال: عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
إلّا أنّ أبا الحمراء حدّد ذلك بستّة أشهر، فقال في رواية له عن أبي داوود السبيعي، عن أبي الحمراء قال: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر فيقول الصلاة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ولعلّ أبا الحمراء أقام في المدينة هذه المدّة من الستّة أشهر وكانت مشاهداته لها هذه المدة ولا يعني أنّ ذلك الزمن الحقيقيّ للحادثة, بل تجاوز أبو الحمراء في إحدى رواياته الأكثر من ذلك، حتّى روى الطبري بلفظ القاضي هكذا: رابطت المدينة سبعة عشر شهراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
كان الجهد التحضيري أكثر من سنتين:
ولعلّنا نستفيد من الرواية أنّ وقوف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من المدّة التي رواها أبو الحمراء سبعة عشر شهراً, فرواية أبي الحمراء تشير إلى أنّ المدّة المذكورة كانت بعد ولادة الحسن والحسين، لكن أنس روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقف على باب فاطمة بعد زواجها من عليّ لمدّة ستّة أشهر, فإذا أضفنا مدّة رواية أنس الستّة أشهر إلى رواية أبي الحمراء السبعة عشر شهراً كانت مدّة وقوفه صلى الله عليه وآله وسلم بحدود السنتين وهي مدة أكثر من الكافية لتأهيل ذهنية المسلمين على نزول آية التطهير، ومن المؤسف أنّ هذا الجهد النبويّ العظيم يقابَل بتشكيك بعضهم وتساؤلات آخرين وإصرار جماعة من كون أهل البيت هم أهله أو أزواجه أو عصبته؟!! وهو أمر يثير التساؤل عن دوافع هذا التشويش للمقصود النبوي، إلّا أنّنا نعود فنقول: إنّ دوافع السياسة والتحزّبات إبّان الفتن كان لها أثرها في محاولات تغيير مسارات القصود النبوية، إلّا أنّ الأهمّ تبقى القصود النبوية جليّة بجلاء حقيقتها.
ثانياً: تكرار وقوع الحادثة فعلاً:
اتّخذت واقعة الكساء أهميةً كبرى من قبل المسلمين وكان لحضور أكثر الصحابة في الوقائع المتعددة أمرٌ دفع بهم إلى تسجيل مشاهداتهم بشكل سجّل للواقعة حضورها في أذهان أكثر الصحابة, بل كانت الحادثة من ضمن جهود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه لمقامات أهل البيت بشكل حاضر وملموس, لذا فإنّنا لو استقصينا الحادثة برواتها لوجدناها تشير إلى شيء لم يدركه حتّى المشاهد لهذه الواقعة.
الرحمة الهابطة:
روى الحاكم بسنده عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه قال: لمّا نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرحمة الهابطة قال: ادعوا لي، ادعوا لي، فقالت زينب (المقصود منها أُمّ سلمة) مَنْ يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فجاء بهم، فألقى عليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كساءً له ثمّ رفع يده فقال: اللهمّ إنّ هؤلاء آلي فصلّ على محمّد وعلى آل محمّد وأنزل الله (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(6).
والتعبير بالرحمة الهابطة لا يرقى إلى فهمنا فضلاً عن فهم الراوي، ولا يمكن أن نقف على مفهوم واضح لهذه الرحمة الهابطة بقدر ما هي إشارات إلى الفيض الربوبيّ الذي تجلّل به الجمع المقدّس من أهل البيت عليهم السلام ومثّله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالكساء، ولعلّ إدراك المشاهد من الرواية والسامع كذلك لا يستطيع أن يستوعب هذا الفيض الإلهي إلّا بواقعه المادّي الذي مثّله كساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا جلّلهم بردائه القدسيّ تجلّت لنا حقيقة الفيض الربوبيّ وكيف يجلّل المصطفين الأبرار بفيض رحمته.
لماذا أُمّ سلمة؟
المتابع لحديث الكساء أو نزول آية التطهير سيجد اسم أُمّ سلمة شاخصاً في أكثر الروايات، ولعلّ رواية السيّدة أُمّ سلمة احتلّت المساحة الأوسع من نقل الحادثة, على أنّ العلماء والرواة والمتابعين أثبتوا أنّ أُمّ سلمة لم تتفرّد في نقل الواقعة، بل هي إحدى الراويات لِما حدث من هذه المشاهدة النبويّة المقدّسة, وكأنّ المتابع يبدو له في الوهلة الأولى أنّ الرواية اختصّت بها أُمّ سلمة, في حين سيجد غير أُمّ سلمة من أزواج النبيّ حضرتها. نعم، كانت أم سلمة وحدها في مشاهداتها الحادثة بل ولعلّ خصوصيّة رواية أُمّ سلمة أنّها تعدّدت الحادثة بحضورها وتكفّلت بنقل مشاهد الحادثة بكلّ أمانة وصدق, فضلاً عن كون أُمّ سلمة أخذت تُكرّر روايتها لهذه الحادثة بعد رحيل النبيّ وأهل بيته صلوات الله عليهم إلى الرفيق الأعلى, فوجدت أُمّ سلمة أنّ التكليف يقتضي الإصرار على تداول الرواية في كثير من مجالسها لتكون الشاهدة الأولى على وقائع مجريات آية التطهير، فقد تعهّدت رضوان الله عليها على أن تتصدّى لأيّة محاولة من شأنها إقحام غير أهل البيت عليهم السلام, فكان موقفها مسؤولاً يقطع الطريق على محاولات التشويه للحادثة الربّانيّة التي تعهّدت في بيان بعض مقاماتهم عليهم السلام, فمهما بذلته السيّدة أُمّ سلمة لتصدّيها لبيان الحقائق حين يسألها أحدهم عن كون آية التطهير نزلت في حقّ أزواج النبيّ؟ كما في الرواية التالية:
عن عبد الواحد بن عمر قال: أتيت شهر بن حوشب فقلت: إنّي سمعت حديثاً يروى عنك فأحببت أن أسمعه منك فقال: ابن أخي وما ذاك؟ فقد حدّثت عنّي أهل الكوفة ما لم أحدّث به. قلت: هذه الآية (انما يريد الله ليذهب الرجس عنكم اهل البيت ـ وهي قراءة عبد الله هكذا ـ ويطهركم تطهيرا) قال: نعم أتيت أُمّ سلمة زوج النبيّ فقلت لها: يا أُمّ المؤمنين، إنّ أُناساً من قبلنا قد قالوا في هذه الآية أشياء، قالت: وما هي؟ قلت: ذكروا هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فقال بعضهم: في شأنه، وقال بعضهم: في أهل بيته.
قالت: يا شهر بن حوشب والله لقد نزلت هذه الآية في بيتي هذا وفي مسجدي هذا، أقبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم حتّى جلس معي في مسجدي هذا على مصلّاي هذا، فبينا هو كذلك إذ أقبلت فاطمة معها خبزها [كذا] ومعها ابناها الحسن والحسين تمشي بينهما، فوضعت طعاماً قدّام النبيّ، فقال لها النبي: أين بعلك يا فاطمة؟ قالت: بالأثر يا رسول الله يأتي الآن، فلم يلبث أن جاء عليٌّ فجلس معهم إذ أحسّ النبيُّ بالروح، فسلّ مصلاي هذا من تحتي فتجافيت له عنها حتّى سلّه، فإذا عباءة قطوانية فجلّل بها رؤوسهم ثمّ أدخل رأسه معهم ويده فوق رؤوسهم فقال اللهمّ هؤلاء أهل بيتي قد اجتمعوا (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالها ثلاثاً، قلت: يا رسول الله، أُدخل رأسي معكم؟ قال: يا أُمّ سلمة، إنّكِ على خير... إلى آخر الحديث الذي اختصره الحاكم وقال: والحديث اختصرته من طول.
وهنا أكدّت أُمّ سلمة أنّها ـ وهي إحدى أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم ـ غير مشمولة بمقام التشريف الذي اقتصر على أهل البيت تصديقاً للآية الشريفة التي أفادت الحصر بأداتها (إِنَّما)، بل في رواية أبي سعيد قال: حدّثتني أُمّ سلمة أنّ هذه الآية نزلت في بيتها (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ وفاطمة وحسن وحسين، قالت: وأنا جالسة على الباب فقلت: يا رسول الله ألستُ من أهل البيت؟ قال: إنّكِ إلى خير، إنّكِ من أزواج النبيّ.
إذن أكّدت أُمّ سلمة أنّها من أزواجه، أي: ليست من أهل بيته, وهكذا كانت السيّدة أُمّ سلمة أمينةً في مشاهداتها وفي دفاعها عن حومة الواقعة المقدسة، وحياض الحديث النبويّ وهو الذي أهّلها لأن تضطلع بمسؤولية الشهادة لمرّات تكرّرت ولحوادث تعدّدت.
حديث الكساء اليمانيّ
إذن حديث الكساء اليمانيّ هو إحدى وقائع أسباب نزول الآية الكريمة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، إذ من المعلوم أنّ الآيات القرآنية متعدّدة في أسباب النزول, أي يمكن أن تكون للآية الواحدة أحياناً مناسبات عدّة في أسباب النزول ويتكرّر نزولها بتكرّر المناسبة، ويبدو أنّ تعدّد أغراض الآية تقتضي تعدّد أسباب النزول بل تعدد النزول بمقتضى أسبابه وهكذا, ومن ذلك آية التطهير، فإنّنا نستوحي من تعدّد الروايات الصحاح تعدّد الحادثة، فمرّات عدّة كان نزول الآية في بيت أُمّ سلمة، وأخرى أمام عائشة وبعضها في غير هذه الموارد، وليكن حديث الكساء اليماني إحدى موارد نزول آية التطهير إلّا أنّ خصوصيات هذا الحديث امتاز بالآتي:
أولاً: إنّ الشاهد على هذه الحادثة لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا حتّى أزواجه, بل كانت الحادثة مختصّة بالملأ الأعلى، إذ اطّلعت على هذا الاجتماع ملائكة السماء, أي الملأ العُلويّ بما فيه ملائكة الله المقرَّبين, وكان لهبوط جبرئيل إلى الأرض ودخوله بعد الاستئذان معهم تحت الكساء خصوصيّة كذلك, وإن كان في بعض الروايات أنّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل هبطوا إلى الأرض، والظاهر أنّ ذلك إحدى حوادث نزول الآية المباركة.
ثانياً: إنّ الراوي لهذا الحديث الشريف هي فاطمة عليها السلام, وكانت المشاهدات التي ترويها عليها السلام تضفي لوناً آخر من ألوان العذوبة في الرواية, بل تضفي قدسيّة فوق قدسيّة الحديث.
هذا هو حديث الكساء اليماني الذي رواه جابر عن سيّدة النساء فاطمة عليها السلام.
قال الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني: رأيت بخطّ الشيخ الجليل السيّد هاشم، عن شيخه السيّد ماجد البحراني، عن الحسن ابن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدَّس الأردبيلي، عن شيخه علي بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ عليّ بن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي، عن الشيخ عليّ بن الخازن الحائريّ، عن الشيخ ضياء الدين عليّ بن الشهيد الأوّل، عن أبيه، عن فخر المحقّقين، عن شيخه العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق، عن شيخه ابن نما الحلّي، عن شيخه محمد بن إدريس الحلّي، عن ابن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسيّ، عن الشيخ الجليل محمد بن شهر آشوب، عن الطبرسي ـ صاحب الاحتجاج ـ، عن أبيه شيخ الطائفة، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمي، عن شيخه الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي، عن القاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، عن أبي بصير، عن أبّان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء عليها السلام:
قال: سمعت فاطمة الزهراء أنّها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيّام فقال: السلام عليكِ يا فاطمة، فقلت: وعليكَ السلام، قال: إنّي أجد في بدني ضعفاً، فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف، فقال: يا فاطمة إيتيني بالكساء اليمانيّ فغطّيني به، فأتيته بالكساء اليمانيّ فغطّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلألأ كأنّه البدر في ليلة تمامه وكماله.
فما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسن عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه، فقلت: وعليكَ السلامُ يا قُرّةَ عيني وثمرةَ فؤادي، فقال لي:
يا أمّاه، إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبة، كأنّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقلت: نعم، إنّ جدّك تحت الكساء، فأقبل الحسن نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جدّاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي ويا صاحب حوضي، قد أذنت لك، فدخل معه تحت الكساء.
فما كانت إلّا ساعة وإذا بولَدي الحسين عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أماه، فقلت: وعليك السلام يا ولدي ويا قُرّة عيني وثمرة فؤادي، فقال لي: يا أُمّاه، إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبة كأنّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: نعم يا بُنيّ إنّ جدّك وأخاك تحت الكساء، فدنا الحسين نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه، السلام عليك يا من اختاره الله، أتأذن لي أن أكون معكما تحت الكساء؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي وشافع أمّتي، قد أذنت لك، فدخل معهما تحت الكساء.
فأقبل عند ذلك أبو الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال: السلام عليكِ يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين، فقال: يا فاطمة إنّي أشمُّ عندكِ رائحةً طيّبةً كأنّها رائحةُ أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت: نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء.
فأقبل علي عليه السلام نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال له: وعليك السلام يا أخي ويا وصيّي وخليفتي وصاحب لوائي قد أذنت لك، فدخل عليٌّ عليه السلام تحت الكساء.
ثمّ أتيت نحو الكساء وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال: وعليكِ السلام يا بنتي ويا بضعتي قد أذنت لكِ، فدخلت تحت الكساء.
فلمّا اكتملنا جميعاً تحت الكساء أخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء وأومأ بيده اليمنى إلى السماء وقال:
اللهمّ إنَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي وحامّتي، لحمهم لحمي ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم ومحبٌّ لمن أحبَّهم، إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليَّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
فقال الله عزّ وجلّ: يا ملائكتي، ويا سكان سماواتي، إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّة ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فَلَكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلْكاً تسري، إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة الذين تحت الكساء.
فقال الأمين جبرائيل: يا ربّ ومن تحت الكساء؟
فقال عزّ وجلّ: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها. فقال جبرائيل: يا ربّ أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادساً؟
فقال الله: نعم، قد أذنتُ لك.
فهبط الأمين جبرائيل وقال: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، العليُّ الأعلى يقرؤك السلام ويخصُّك بالتحيّة والإكرام ويقول لك: وعزَّتي وجلالي إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّةً ولا أرضاً مدحيّةً، ولا قَمَراً مُنيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فَلَكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلكاً تسري، إلّا لأجلكم ومحبّتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم فهل تأذن لي يا رسول الله؟
فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله، نعم، قد أذنت لك.
فدخل جبرائيل معنا تحت الكساء، فقال لأبي: إنّ الله عزّ وجلّ قد أوحى إليكم يقول: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
فقال عليٌّ لأبي: يا رسول الله، أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض، وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا، إلّا ونزلت عليهم الرحمة وحفّت بهم الملائكة واستغفرت لهم إلى أن يتفرّقوا.
فقال عليٌّ: إذاً والله فزنا وفاز شيعتنا وربّ الكعبة.
فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليُّ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكر خبرُنا هذا في محفلٍ من محافل أهل الأرض وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهمومٌ إلّا وفرّج اللهُ همَّه، ولا مغمومٌ إلّا كشف اللهُ غمَّه، ولا طالبُ حاجةٍ إلّا وقضى اللهُ حاجتَه، قال عليٌّ: إذن والله فزنا وسُعدنا، وكذلك شيعتنا فازوا وسُعدوا في الدنيا والآخرة وربِّ الكعبة.
شرح الحديث
قال جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن فاطمة الزهراء عليها السلام بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: سمعتُ فاطمة(7) أنّها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيّام فقال: السلام عليكِ يا فاطمة، فقلتُ: وعليك السلام، قال: إنّي أجد في بدني ضعفاً(8).
فقلتُ: أعيذكَ بالله يا أبتاه من الضعف(9)، فقال: يا فاطمة ائتيني بالكساء اليمانيّ فغطّيني به(10)، فأتيته بالكساء اليماني فغطّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهُه يتلألأ كأنّه البدرُ في ليلة تمامه وكماله(11).
وما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسن عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه, فقلت: وعليكَ السلامُ يا قُرّة عيني(12) وثمرة فؤادي(13)
فقال لي: يا أُمّاه إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبةً(14) كأنّها(15) رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت: نعم، إنّ جدّك تحت الكساء. فأقبل الحسن نحو الكساء وقال: السلام عليكَ يا جدّاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي(16)
ويا صاحب حوضي(17) قد أذنت لك, فدخل معه تحت الكساء.
فما كانت إلّا ساعة(18), وإذا بولدي الحسين عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه، فقلت: وعليك السلام يا ولدي ويا قُرّة عيني وثمرة فؤادي