المحتويات
2015/04/30
 
31273
أعلام الهداية الإمام الحسن المجتبى

أعلام الهداية الإمام الحسن المجتبى

أعلام الهداية
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

تأليف: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام

الفهرس

المقدمة
الباب الأول
الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في سطور
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
1 ـ مكانة الإمام المجتبى في آيات الذكر الحكيم
2 ـ مكانته (عليه السلام) لدى خاتم المرسلين (صلى الله عليه وآله)
3 ـ مكانته (عليه السلام) لدى معاصريه
4 ـ مكانته (عليه السلام) لدى العلماء والمؤرّخين
الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبى (عليه السلام) ومظاهر شخصيّته
عبادته (عليه السلام)
حلمه وعفوه
كرمه وجوده
تواضعه وزهده
الباب الثاني
الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
تاريخ ولادته
كيفية ولادته
سنن الولادة
رضاعه
كنيته وألقابه
نقش خاتمه
حليته وشمائله
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الفصل الثالث: الإمام المجتبى (عليه السلام) في ظلّ جده وأبيه (عليهم السلام)
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
يوم المباهلة ومداليله
شهادة الحسنين (عليهما السلام) على كتاب لثقيف
حضور الحسنين (عليهما السلام) بيعة الرضوان
الحسن والحسين إمامان
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الخلفاء
في عهد أبي بكر وعمر
1 ـ الحسنان (عليهما السلام) وفدك
2 ـ اعتراضه على أبي بكر
3 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وأسئلة الأعرابي
4 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في الشورى
في عهد عثمان
1 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في وداع أبي ذر
2 ـ هل اشترك الإمام الحسن (عليه السلام) في الفتوح؟
3 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وحصار عثمان
4 ـ هل جرح الإمام الحسن (عليه السلام) أثناء دفاعه عن عثمان؟
5 ـ هل كان الإمام الحسن (عليه السلام) عثمانياً؟
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الدولة العلوية
1 ـ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة
2 ـ استنجاد الإمام علي (عليه السلام) بالكوفة
3 ـ إيفاد الإمام الحسن (عليه السلام)
4 ـ التقاء الفريقين في البصرة وخطاب الإمام الحسن (عليه السلام)
5 ـ الإمام علىّ (عليه السلام) في الكوفة بعد حرب الجمل
6 ـ خطاب الإمام الحسن (عليه السلام)
7 ـ تهيّؤ الإمام علىٍّ (عليه السلام) لجهاد معاوية
8 ـ في معركة صفّين
9 ـ إملكوا عنّي هذا الغلام
10 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) والتحكيم
11 ـ وصية الإمام أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن
12 ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
13 ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)
14 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار والده (عليه السلام) الجريح
15 ـ آخر وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)
16 ـ الإمام علي (عليه السلام) ينصّ على خلافة ابنه الحسن (عليه السلام)
17 ـ إلى الرفيق الأعلى
18 ـ تجهيزه ودفنه
الباب الثالث
الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الفصل الثاني: مواقف الإمام (عليه السلام) وإنجازاته
البحث الأول: من البيعة إلى الصلح
1 ـ خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) يوم شهادة أبيه (عليه السلام)
2 ـ بيعة الإمام الحسن (عليه السلام)
3 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) يقتصّ من قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
4 ـ جهاد الإمام الحسن (عليه السلام)
5 ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمام (عليه السلام)
6 ـ استنكار الموقف المتخاذل
7 ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمام (عليه السلام)
8 ـ طلائع جيش الإمام الحسن (عليه السلام)
9 ـ خيانة قائد الجيش
10 ـ توالي الخيانات في جيش الإمام (عليه السلام)
11 ـ محاولات اغتيال الإمام (عليه السلام)
12 ـ موقف الإمام الحسن (عليه السلام)
البحث الثاني: في الصلح وأسبابه ونتائجه
إتمام الحجّة
القبول بالصلح
بنود معاهدة الصلح
أسباب الصلح كما تُصَورّها النصوص عن الإمام الحسن (عليه السلام)
تحليلان لأسباب الصلح
زبدة المخض
البحث الثالث: ما بعد الصلح حتى الشهادة
الاجتماع في الكوفة
المعارضون للصلح
أ ـ قيس بن سعد بن عبادة
ب ـ حجر بن عدي
ج ـ عدي بن حاتم
د ـ المُسيَّب بن نجبة وسليمان بن صُرد
إلى يثرب
مرجعية الإمام الحسن (عليه السلام) العلمية والدينيّة
مدرسة الإمام ونشاطه العلمي
مرجعيّته الاجتماعية
أ ـ عطفه على الفقراء
ب ـ الاستجارة به
مرجعيّته السياسيّة
رفض الإمام (عليه السلام) مصاهرة الاُمويّين
من مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وبطانته
أ ـ مع معاوية في المدينة
ب ـ في دمشق
البحث الرابع: مصير شروط الصلح وشهادة الإمام الحسن (عليه السلام)
إخلال معاوية بالشروط
تآمر معاوية على الإمام الحسن (عليه السلام)
كيف استشهد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
وصاياه الأخيرة
إلى الرفيق الأعلى
تجهيز الإمام وتشييعه
دفن الإمام (عليه السلام) وفتنة عائشة
الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى (عليه السلام)
1 ـ نظرة عامة في تراث الإمام المجتبى (عليه السلام)
2 ـ في رحاب العلم والعقل
3 ـ في رحاب القرآن الكريم
4 ـ في رحاب الحديث النبوي والسيرة الشريفة
5 ـ في رحاب العقيدة
6 ـ في رحاب ولاية أهل البيت (عليهم السلام)
7 ـ البشارة بالإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام)
8 ـ في رحاب الأخلاق والتربية
9 ـ في رحاب المواعظ الحكيمة
10 ـ في رحاب الفقه وأحكام الشريعة
11 ـ في رحاب أدعية الإمام المجتبى (عليه السلام)
12 ـ في رحاب أدب الإمام المجتبى (عليه السلام)
من أدبه (عليه السلام) المنظوم

المقدمة

أهل البيت في القرآن الكريم
(إنّمـا يـريـد الله ليذهـب عـنكـم الرّجس أهـل البيت ويطهّـركـم تطهيـراً). الأحزاب: 33 / 33
أهل البيت في الُسنّة النبويّة
(إنّـي تـارك فيكـم الثقليـن كـتـاب الله وعتـرتـي أهـل بيتـي مـا إن تمسكتـم بهمـا لـن تـضـلّـوا بـعـدي أبـدا). (الصحاح والمسانيد)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الميامين النجباء.
لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.
وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته؛ فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.
وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة اُخرى.
قال تعالى:
(قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى) (الانعام (6): 71).
(والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة (2): 213).
(والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل) (الاحزاب (33): 4).
(ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم) (آل عمران (3): 101).
(قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون)(يونس (10): 35).
(ويرى الذين اُوتوا العلم الذي اُنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) (سبأ (34): 6).
(ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله) (القصص (28): 50).
فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.
وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.
ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: (وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ)(الذاريات (51): 56). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.
وبعد أن زوّد الله الانسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال؛ لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة؛ والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية؛ كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.
ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الارشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.
وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: (إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد)(الرعد (13): 7).
ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:
1 ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً:
(الله أعلم حيث يجعل رسالته)(الانعام (6): 124) و(الله يجتبي من رسله من يشاء) (آل عمران (3): 179).
2 ـ إبلاغ الرسالة الإلهية الى البشرية ولمن اُرسلوا إليه، ويتوّقف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و(العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: (كان الناسُ اُمّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختفلوا فيه)(البقرة (2): 213).
3 ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: (يزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة) (الجمعة (62): 2) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة)(الاحزاب (33): 21).
4 ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.
5 ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الاُطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الاُمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وصموداً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الاُمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.
وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.
وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:
1 ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.
2 ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.
3 ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.
4 ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.
5 ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادته (صلى الله عليه وآله).
ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:
أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.
ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال؛ على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسول (صلى الله عليه وآله)، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.
ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسول (صلى الله عليه وآله) إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم؛ لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).
وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى لقيادة الاُمّة من بعده.
إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الاسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الاُمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأخذ الأئمة المعصومون (عليهم السلام) يعملون على توعية الاُمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسول (صلى الله عليه وآله) وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والاُمة جمعاء.
وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الاُمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق اليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.
وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.
ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.
إنّ دراستنا لحركة أهل البيت (عليهم السلام) الرسالية تبدء برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.
ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) ثاني أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المعصوم الرابع من أعلام الهداية، والذي تمثّلت في حياته كلّ جوانب الشريعة روحاً وعملاً وسلوكاً، إنه سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنة وأَحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فكان مثلاً أعلى، ونبراساً مضيئاً، يشعُّ إيماناً وطهراً ونقاءً.
ولا بدَّ لنا من ذكر كلمة شكر لكلّ العاملين الذين بذلوا جهداً في إخراج هذا المشروع، لا سيما لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى.
وأخيراً نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإتمام الكتب الاُخرى من هذه السلسلة، وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
قم المقدسة

الباب الأول
الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في سطور

* الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب المجتبى، ثاني أئمة أهل البيت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيّد شباب أهل الجنة بإجماع المحدّثين، وأحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله، وأحد الأربعة الذين باهى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصارى نجران، ومن المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس، ومن القربى الذين أمر الله بموّدتهم، وأحد الثقلين الذين من تمسّك بهما نجا ومن تخلّف عنهما ضلّ وغوى.
* نشأ في أحضان جدّه رسول الله (عليه السلام) وتغذّى من معين رسالته وأخلاقه ويسره وسماحته، وظلّ معه في رعايته حتى اختار الله لنبيه دار خلده، بعد أن ورّثه هديه وأدبه وهيبته وسؤدده، وأهّله للإمامة التي كانت تنتظره بعد أبيه، وقد صرّح بها جدّه في أكثر من مناسبة حينما قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، اللهمّ إنّي اُحبّهما فأحبّ من يحبّهما).
* لقد اجتمع في هذا الإمام العظيم شرف النبوّة والإمامة، بالإضافة الى شرف الحسب والنسب، ووجد المسلمون فيه ما وجدوه في جدّه وأبيه حتى كان يذكّرهم بهما، فأحبّوه وعظّموه، وكان مرجعهم الأوحد بعد أبيه، فيما كان يعترضهم من مشاكل الحياة وما كان يستصعبهم من اُمور الدين، لا سيما بعد أن دخلت الاُمّة الإسلامية حياة حافلة بالأحداث المريرة التي لم يعرفوا لها نظيراً من قبل.
* وكان الإمام الزكي المجتبى في جميع مواقفه ومراحل حياته مثالاً كريماً للخُلق الإسلامي النبوي الرفيع في تحمّل الأذى والمكروه في ذات الله، والتحلّي بالصبر الجميل والحلم الكبير، حتى اعترف له ألدّ أعدائه ـ مروان بن الحكم ـ بأنّ حلمه يوازي الجبال. كما اشتهر (عليه السلام) بالسماحة والكرم والجود والسخاء بنحو تميّز عن سائر الكرماء والأسخياء.
* وبقي الإمام المجتبى بعد جدّه في رعاية اُمّه الزهراء ـ الصدّيقة الطاهرة ـ وأبيه سيّد الوصيّين وإمام الغرّ المحجّلين، وهما في صراع دائم مع الذين صادروا خلافة جدّه (صلى الله عليه وآله) وما لبث أن طويت هذه الصفحة الثانية من حياته بوفاة اُمّه الزهراء (عليها السلام) وقد حفّت بأبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) النكبات، ولا زال يشاهد كلّ هذه المحن ويتجرّع مرارتها وهو في سن الطفولة، لكنّه كان يقوم بأكثر ممّا ينتظر من مثله، من حيث وعيه وإحساسه بالأوضاع العامة وتطوّراتها، ومن هنا كان يتمتّع بتقدير المسلمين واحترامهم له بعد ما شاهدوا مدى اهتمام نبيّهم به.
* وأشرف الإمام (عليه السلام) على الشباب في خلافة عمر، وانصرف مع أبيه الى تعليم الناس وحلّ مشاكلهم.
* لقد وقف الإمام الحسن الزكي الى جانب أبيه (عليه السلام) في عهد عثمان، وعمل مخلصاً لأجل الإسلام، واشترك مع أبيه في وضع حدٍّ للفساد الذي أخذ يستشري في جسم الاُمّة والدولة الإسلامية أيام عثمان، ولقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) ـ كغيره من الصحابة ـ غير راض عن تصرفات عثمان وعمّاله، ولكنّه لم يكن راض بقتله، فوقف هو وابناه موقف المصلح الحكيم، ولكنّ بطانة عثمان أبت إلاّ التمادي في إفساد الأمر والتحريض غير المباشر على قتله، بينما بقي الإمام يعالج الموقف في حدود ما أنزل الله تعالى.
* لقد كان الحسن بن عليٍّ السبط الى جانب أبيه (عليهما السلام) في كلّ ما يقول ويفعل، واشترك معه في جميع حروبه، وكان يتمنّى على أبيه أن يسمح له بمواصلة القتال وخوض المعارك عندما يتأزّم الموقف، فيما كان أبوه شديد الحرص عليه وعلى أخيه الحسين (عليهما السلام) خشية أن ينقطع بقتلهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقي الحسن (عليه السلام) الى جانب والده إلى آخر لحظة، وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق، ويتألّم لآلامه وهو يرى معاوية يبثّ دعاته ويغري القادة من جيش أبيه بالأموال والمناصب حتى فرّق أكثرهم، وأصبح الإمام عليّ (عليه السلام) يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، فاستُشهد (عليه السلام) وبقي الحسن ابن علي (عليهما السلام) بين تلك الأعاصير بين أهل الكوفة المتخاذلين وفلول الخوارج المارقين وتحدّيات أهل الشام القاسطين.
* وبعد أن نصّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على خلافة ابنه الحسن الزكي وسلّمه مواريث النبوّة؛ اجتمع عليه أهل الكوفة وجماعة المهاجرين والأنصار، وبايعوه بالخلافة، بعد أن طهّره الله من كلّ نقص ورجس، بالإضافة الى توفّر جميع متطلّبات الخلافة فيه من العلم والتقوى والحزم والجدارة، وتسابق الناس الى بيعته في الكوفة والبصرة، كما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي كانت تدين بالولاء والبيعة لأبيه (عليه السلام) وحين بلغ نبأ البيعة معاوية وأتباعه بدأوا يعملون بكلِّ ما لديهم من مكر وخداع لإفساد أمره والتشويش عليه.
* واستلمَ الإمام الحسن السلطة بعد أبيه، وقام بأفضل ما يمكن القيام به في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والمؤامرات، فأمّر الولاة على أعمالهم وأوصاهم بالعدل والإحسان ومحاربة البغي والعدوان، ومضى على نهج أبيه (عليه السلام) الذي كان امتداداً لسيرة جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله).
* وبالرغم ممّا كان يعلمه الإمام الحسن من معاوية ونفاقه ودجله وعدائه لرسالة جدّه وسعيه لإحياء مظاهر جاهليته... بالرغم من ذلك كلّه فقد أبى أن يعلن الحرب عليه إلاّ بعد أن كتب اليه المرّة بعد المرّة يدعوه الى جمع الكلمة وتوحيد أمر المسلمين، فلم يُبقِ له في ذلك عذراً أو حجةً.
لقد راسل الإمام الحسن معاوية وهو يعلم أنه لا يستجيب لطلبه، وأنّه سيقف منه موقفاً أكثر وقاحةً من مواقفه السابقة مع أبيه أمير المؤمنين، لا سيما وقد حصد نجاحاً مؤقّتاً في مؤامراته ضدّ أبيه. إنّ الإمام (عليه السلام) كان يعلم أنّ معاوية سيقف موقف القوة إن لم يجد للمكر سبيلاً، ولكنّ الإمام المجتبى كان عليه أن يُظهر للعالم الإسلامي كلّ ما يضمره هذا البيت الاُموي تجاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من حقد وعداء وكيد للإسلام والمسلمين.
* واطمأنّ معاوية الى أنّ الاُمور ممهّدة له باعتبار علاقته المتينة مع أكثر قادة الإمام الحسن (عليه السلام)، كما حاول إغراء الإمام بالأموال والخلافة من بعده وتضليل الرأي العام، ولكنّ موقف الإمام لم يتغيّر لتهديده ووعوده، وأدرك معاوية صلابة الإمام (عليه السلام) على موقفه المبدئي، فأعدّ العدّة لمحاربته، واطمأنّ معاوية الى أنّ المعركة ستكون لصالحه، وسيكون الحسن (عليه السلام) والمخلصون له من جنده بين قتيل وأسير، ولكنّ هذا الاستيلاء سوف يفقد الصيغة الشرعية التي كان يحاول أن يتظاهر بها لعامة المسلمين، ولذلك حرص معاوية على أن لا يتورّط في الحرب مع الإمام الحسن (عليه السلام) معتمداً المكر والخداع والتمويه وشراء الضمائر وتفتيت جيش الإمام (عليه السلام)، ولم يكن للإمام بدّ من اختيار الصلح بعد أن تخاذل عامة جيشه وأكثر قادته، ولم يبقَ معه إلاّ فئة قليلة من أهل بيته والمخلصين من أصحابه، فتغاضى عن السلطة دفعاً للأفسد بالفاسد في ذلك الجوّ المحموم، فكان اختياره للصلح في منتهى الحكمة والحنكة السياسية الرشيدة تحقيقاً لمصالح الإسلام العليا وأهدافه المُثلى.
* وتعرّض الإمام الحسن السبط (عليه السلام) للنقد اللاذع من شيعته وأصحابه الذين لم يتّسع صبرهم لجور معاوية، مع أنّ أكثرهم كان يدرك الظروف القاسية التي اضطرّته الى تجنّب القتال واعتزال السلطة، كما أحسّ الكثير من أعيان المسلمين وقادتهم بصدمة عنيفة لهذا الحادث لِما تنطوي عليه نفوس الاُمويّين من حقد على الإسلام ودعاته الأوفياء، وحرص على إحياء ما أماته الإسلام من مظاهر الجاهلية بكلّ أشكالها.
* ولكنّ الإمام بصلحه المشروط فسح المجال لمعاوية ليكشف واقع اُطروحته الجاهلية، وليعرّف عامة المسلمين البسطاء مَن هو معاوية؟ ومن هنا كان الصلح نصراً ما دام قد حقّق فضيحة سياسة الخداع التي تترّس بها عدوّه.
ونجحت خطّة الإمام حينما بدأ معاوية يساهم في كشف واقعه المنحرف، وذلك في إعلانه الصريح بأنّه لم يقاتل من أجل الإسلام، وإنّما قاتل من أجل المُلك والسيطرة على رقاب المسلمين، وأنّه سوف لا يفي بأيّ شرط من شروط الصلح.
بهذا الإعلان وما تلاه من خطوات قام بها معاوية لضرب خط عليٍّ (عليه السلام) وبنيه الأبرار وقتل خيرة أصحابه ومحبّيه كشف النقاب عن الوجه الاُموي الكَريه، ومارس الإمام (عليه السلام) مسؤولية الحفاظ على سلامة الخط بالرغم من إقصائه عن الحكم، وأشرف على قاعدته الشعبية فقام بتحصينها من الأخطار التي كانت تهدّدها من خلال توعيتها وتعبئتها، فكان دوره فاعلاً إيجابياً للغاية، ممّا كلّفه الكثير من الرقابة والحصار، وكانت محاولات الاغتيال المتكرّرة تشير الى مخاوف معاوية من وجود الإمام (عليه السلام) كقوة معبّرة عن عواطف الاُمّة ووعيها المتنامي، ولربّما حملت معها خطر الثورة ضد ظلم بني اُمية، ومن هنا صحّ ما يقال من أنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان تمهيداً واقعياً لثورة أخيه أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).
وتوّج الإمام المجتبى (عليه السلام) جهاده العظيم هذا والذي فاق الجهاد بالسيف في تلك الظروف العصيبة، باستشهاده مسموماً على يد ألدّ أعدائه، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.

* * *

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

1 ـ مكانة الإمام المجتبى في آيات الذكر الحكيم:
لم تتّفق كلمة المسلمين في شيء كاتّفاقهم على فضل أهل البيت وعلوّ مقامهم العلمي والروحي وانطوائهم على مجموعة الكمالات التي أراد الله للإنسانية أن تتحلّى بها.
ويعود هذا الاتّفاق الى جملة من الاُصول، منها تصريح الذكر الحكيم بالموقع الخاص لأهل البيت (عليهم السلام) من خلال النصِّ على تطهيرهم من الرجس، وأنّهم القربى الذين تجب مودّتهم كأجر للرسالة التي أتحف الله بها الإنسانية جمعاء، وأنّهم الأبرار الذين أخلصوا الطاعة لله وخافوا عذاب الله وتحلّوا بخشية الله، فضمن لهم الجنّة والنجاة من عذابه.
والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هو أحد أهل البيت المطهّرين من الرجس بلا ريب، بل هو ابن رسول الله بنصِّ آية المباهلة التي جاءت في حادثة المباهلة مع نصارى نجران، وقد خلّد القرآن الكريم هذا الحدث في سورة آل عمران في الآية 61 قوله تعالى:
(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)(1).
وروى جمهور المحدِّثين بطرق مستفيضة أنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) وهم: رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأبناء هنا هما الحسنان بلا ريب.
وتضمّن هذا الحدث تصريحاً من الرسول (صلى الله عليه وآله) بأنّهم خير أهل الأرض وأكرمهم على الله، ولهذا فهو يباهل بهم، واعترف اُسقف نجران أيضاً قائلاً: (إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله)(2).
وهكذا دلّت القصة كما دلّت الآية على عظيم منزلتهم وسموّ مكانتهم وأفضليتهم، وأنّهم أحبّ الخلق الى الله ورسوله، وأنّهم لا يدانيهم في فضلهم أحد من العالمين.
ولم ينصّ القرآن الكريم على عصمة أحد غير النبي (صلى ال