فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب أخرى » الإمام الحسن السبط سيرة وتاريخ  

كتب أخرى

 

الكتب الإمام الحسن السبط سيرة وتاريخ

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: سعيد كاظم العذاري التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/١٧ المشاهدات المشاهدات: ٥١٨١ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن السبط عليه السلام سيرة وتاريخ

تأليف: سعيد كاظم العذاري
تقديم: مركز الرسالة

الفهرست

مقدمة المركز

المقدِّمة
الفصل الأوّل: الإمام الحسن عليه السلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله
الفصل الثاني: الإمام الحسن عليه السلام في عهد الثلاثة
الفصل الثالث: الإمام الحسن عليه السلام في عهد أمير المؤمنين عليه السلام
الفصل الرابع: من خصائص الإمام الحسن عليه السلام القيادية
الفصل الخامس: خلافة الإمام الحسن عليه السلام
المبحث الأوّل/ المبايعة للإمام الحسن عليه السلام بالخلافة:
المبحث الثاني/ نتائج الصلح وآثاره
المبحث الثالث/ الإمام الحسن عليه السلام من الصلح حتى الشهادة

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.. وبعد.
تمثّل الرسالة الإسلامية بكل تجلّياتها الأُسس التي يبتنىٰ عليها المجتمع الإسلامي الصحيح، والتي يرتكز عليها توازن الحياة في نفس الإنسان وعلاقته بمجتمعه وبالحياة كلّها، والانفتاح الفكري والعملي على تلك الرسالة لا يكون من دون الارتباط بالقدوة الرمز من خلال التأثير المباشر بما جسدته سيرته من صور مشرقة على مستوى الكلمة والحركة والموقف. قدوة يعيش الإسلام بروحه وعقله، ويمتلك جميع القيم الإسلامية، ويستوعب جميع امتدادات رسالة التوحيد، مع الفهم الثاقب الذي لا يشتبه في شيء منها، بحيث يكون رسالة تتحرّك على الأرض، وعلماً يتفجّر على الدوام، وحقّاً لا باطل فيه، ووعياً للرسالة وأهدافها ومقاصدها وكأنّه قرآن ناطق ليدلّ على معالم الطريق. ولا خلاف بأن تلك الصفات قد تجسّدت كلّها في شخصية الرسول القائد صلى الله عليه وآله، القدوة الفذّ الذي وقفت السماء لتؤيّده بكل قوّة، حتىٰ استطاع من خلال ذلك القضاء على كل ما خالف التصور الإسلامي الصحيح للرسالة في حياته الشريفة، ولم يكن هناك ثمة اختلاف كبير بين أصحابه صلى الله عليه وآله بفضل شخصيته الفذّة، ووحدة المرجعية آنذاك المتمثّلة في شخصه العظيم في كل شيء، فكان مناراً للهدى في كل حركاته وسكناته صلى الله عليه وآله؛ ولهذا لم يُظْهِر بعض أصحابه في حياته ما أظهروه بعد وفاته صلى الله عليه وآله، لعلمهم بأنّ إشارةً واحدةً منه كافيةٌ لإسقاطهم على مرِّ الجديدين. والدين الخاتِم الذي تكفّل ببيان شخص القدوة، وحمّله ثقل الرسالة ومسؤوليتها، وأمر الناس ـ كل الناس ـ باتّباعه، وحذّرهم من معصيته، لأجل الحفاظ على رسالته الفتية لا يعقل أن يهمل تلك الرسالة بعده، ولا يحافظ على مستقبلها، ولا يعيّن من سيكمل تلك المسيرة، ويهدم كل ما بناه القدوة بترك الأمر للناس في اختيار القدوة الجديد كيفما يشاءون حتىٰ لو لم يمتلك الحدّ الأدنى من شخصية الرسول القائد صلى الله عليه وآله. وإذا كنّا نربأ بالقائد الحكيم أن يهمل أمر رعيته، فحاشا لله أن يهملا ذلك ولرسوله، ومن هنا لم يكن أحد من الصحابة يستفسر عن هذا الأمر الخطير بعد سماعهم وفي مواطن شتّى من سيخلف النبي صلى الله عليه وآله في أُمته، بدءاً من يوم الدار وانتهاءً بمرضه الأخير الذي توفي فيه صلى الله عليه وآله. نعم.. كانوا يعرفون قادتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وإنّهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، وإنّهم مع القرآن الكريم ثقلان لا يفترقان حتىٰ يردا على النبي الحوض، وأنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى، وانهم كباب حطّة من دخله غفر له، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه منهم، أو لم تكن له بيعة لأحدهم مات ميتة جاهلية، وإن الأرض لا تخلو منهم طرفة عين، وإنهم حجج الله على عباده، وأُمناؤه على وحيه، وهم من أعلى الله تعالى ذكرهم، وأمر بولايتهم، وأوجب الصلاة عليهم، وفرض مودتهم، ومن كانوا من النبي والنبي منهم صلّى الله عليه وعليهم.
ترى فمن عساهم أن يكونوا غير من قال الله تعالى فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). بلى.. إنهم عليهم السلام أصحاب الكساء الخيبري وكفىٰ.
وبهذا يمكننا الاقتراب من معالم شخصية من نريد الحديث عنه من أهل البيت عليهم السلام وهو الإمام السبط الحسن عليه السلام، إذ لابدّ وأن تكون شخصيته مجسّدة لعناصر شخصية جده المصطفىٰ صلى الله عليه وآله، وأبعاد شخصية صاحب الولاية الكبرى أمير المؤمنين عليه السلام، وروحانية سيدة نساء العالمين صلوات الله عليهم أجمعين.
لقد وجدنا السبط الأكبر عليه السلام يمثل الطهارة والنقاء في عقله وقلبه وحركته وقوله وفعله، فكان لا يشتكي، ولا يسخط، ولا يبرم حتىٰ من أعدائه، كان حلماً وكرماً وزهداً وتقوى، وكان علماً يتفجّر، فإذا نطق جرت الموعظة والحكمة على لسانه عفواً، وإذا سكت فبلا عيّ بل عن فكر وتأمّل، وكان صلوات الله عليه لا يقول ما لا يفعل، بل يفعل ما يقول وما لا يقول، وكأنه عليه السلام يريد للفعل أن يتحدّث عن نفسه لأنه أبلغ في النفوس من كل واعظ وخطيب. ومن معالم تلك الشخصية الفذّة الرمز أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد غرس في شخصية سبطه الأكبر هيبته وسؤدده، حتىٰ أنه عليه السلام كان إذا جلس بباب داره انقطع الطريق من المارة هيبة له، وكان عليه السلام يحجّ ماشياً فإذا رآه الصحابة لم يملكوا أنفسهم إلاّ أن يترجّلوا، ويسيروا بين يديه ومن خلفه إجلالاً ومهابة له. لقد أكّدت سيرة الإمام الحسن عليه السلام شرعية إمامته وموقعها في حركة الواقع حتىٰ لم تعد بحاجة إلى تلك النصوص الكثيرة التي ألمحنا إلى بعضها، وذلك من خلال الفرص المتاحة له سواء كان في موقع السلطة أو في خارجها، إذ كان هادياً ومعلّماً ومرشداً وناصحاً لكل خير مع الانفتاح على شرائح المجتمع كلها انطلاقاً من موقع القدوة والرمز، الأمر الذي كان يشكّل أكبر خطورة على مطامح ابن آكلة الأكباد في التخطيط لمستقبل السلطة من بعده، فكان المدبّر لفاجعة سم الحسن عليه السلام وشهادته. والكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ قد سلّط الأضواء على بعض الجوانب المهمة في حياة إمامنا السبط الحسن عليه السلام بعبارات واضحة مختصرة فسهّل بهذا مهمة الدخول إلى عالمه الأقدس، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتقبّله منه، ويمهّد سبل الانتفاع به، ويجزل المثوبة لمؤلّفه إنّه سميع الدعاء.

مركز الرسالة

المقدِّمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة للرسالات السماوية من أجل إقرار المنهج الإلهي في الواقع الإنساني، وتحقيق مفاهيمه وقيمه في صور عملية واقعية تترجم فيها الأفكار والنصوص إلى مشاعر وأوضاع وممارسات وارتباطات في واقع الحياة الإنسانية.
وقد جسّد رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك في أقواله وأفعاله وسيرته، فجعل المفاهيم والقيم حقيقةً واضحة ليقتدي بها المسلمون والناس جميعاً ويتوجّهوا في مسيرتهم نحو التكامل والسموّ والارتقاء، وترك فيهم أئمة وقادةٍ من أهل بيته عليهم السلام ليكونوا قدوة للأجيال في جميع مراحل الحركة الإنسانية.
وكان الإمام الحسن عليه السلام عنوانا مضيئاً في حياة الإنسانية، ومعلماً شامخاً في حركة التاريخ والمسيرة الإنسانية، نطق بتطهيره الوحي، ونطق بفضائله ومقاماته النبي، ولهج بذكره المسلمون من جميع المذاهب، وهو علم الهدى وقدوة المتّقين، عرف بالعلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم وسائر صفات الكمال في الشخصية الإسلامية. استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله منذ اللحظات الأولى من ولادته فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، وسمّاه بهذا الإسم، وهو اسم لم يكن معروفاً في الجاهلية، وعقّ عنه وحلق شعره، واستمرّ على ملازمته ورعايته وتعليمه وتربيته، وكان يوجّه أنظار المسلمين إلى فضائله ومقاماته. وهكذا كان السبط الأكبر ترعرع في الأجواء النبوية يستمع الوحي والحديث النبوي ويتابع حركات جدّه وسكناته؛ فكان منهجه في حياته منهجاً إيمانياً خالصاً.
وقف عليه السلام مسانداً للحق منذ صباه، وعاش الأجواء السياسية التي غُمطت فيها حقوق أهل البيت عليهم السلام وضح النهار، ابتداءً من اقصاء أبيه أمير المؤمنين علي عليه السلام عن حقه في خلافة الرسول صلى الله عليه وآله، وانتهاءً بموقف الطلقاء منه في خلافته عليه السلام. ومع كل ذلك كان حريصاً على رفعة الإسلام وسموِّه متعالياً على جراحاته، جاعلاً مصلحة الإسلام هي العليا في سياسته والحاكمة على جميع خطواته، حتى قاده ذلك إلى أن يكون الشجى المعترض في حلق معاوية حتى بعد تنازله عن السلطة؛ لكي لا تفهم الأمة أنه عليه السلام وجد الباغي للخلافة أهلاً فسلّمها إليه، وهكذا كان السبط ميزان عدلٍ للحكم على أفكار وممارسات السلطة الباغية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؛ لأنه مرجع الأمة وإمامها الحق في زمانه.
ولهذا خطّطت السلطة لتغييبه بدسّ السمّ إليه، فاستشهد مسموماً مظلوماً بعد أن أدّى مسؤوليّاته في بناء قاعدة شعبية تواصل مسيرة التكامل والسموّ بقيادة وإمامة ثالث أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
وسوف نقف في هذا الكتاب ـ إن شاء الله تعالى ـ على معالم شخصية الإمام الحسن السبط عليه السلام مع استجلاء صفحات سيرته العطرة وتاريخه المشرق بالتضحية والعطاء.

الفصل الأوّل: الإمام الحسن عليه السلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله

ولد الإمام الحسن عليه السلام في حياة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وعاش في ظلّ رعايته وتربيته سبع سنوات وستّة أشهر، وكانت هذه الفترة كافية للسموّ والتكامل والارتقاء إلى أعلى قمم الإيمان والتقوى والصلاح. حيث تلقّى رعاية خاصّة من جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله ابتدأت من اللحظات الأولى لولادته. حيث أذّن رسول الله صلى الله عليه وآله في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ولهذه الممارسة نتائج إيجابية على شخصية الإنسان المستقبلية كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: (من ولد له مولود فيؤذّن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في اليسرى؛ فإنّها عصمة من الشيطان الرجيم)(١). ومن الطبيعي أن تصل هذه العصمة إلى قمّتها حينما يكون رسول الله صلى الله عليه وآله هو من يفعل ذلك، وبمن؟ بسبطه ابن علي وفاطمة صلوات الله عليهم. وهكذا أحيط الحسن عليه السلام منذ نعومة أظفاره بجميع مقوّمات التربية والتعليم والرعاية النفسية والروحية؛ فأصبح بهذه المقوّمات ـ ومن قبلها الرعاية الإلهيّة ـ معصوماً بإرادته.
التقدير والتكريم والاهتمام: دلّت الدراسات العلمية والنفسية على دور التقدير والتكريم في مرحلة الطفولة في بناء شخصية الإنسان في جميع مقوّماتها الفكرية والعاطفية والسلوكية، وقد ثبت (أنّ نموّ الطفل متكيّفاً تكيّفاً حسناً وكينونته راشداً صالحاً يتوقّف على ما إذا كان الطفل محبوباً مقبولاً شاعراً بالاطمئنان في البيت)(٢). وكلّما وجد الطفل التقدير والاهتمام والتكريم كان منقاداً لمن يقدّره ويهتمّ به ويكرّمه. ويتوقّف تأثير ذلك على شخصيّة المربّي وشخصية المراد تربيته والمحيط الاجتماعي الذي يعيشان فيه، وفي مقامنا هذا نرى أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد تلقّى ذلك من قبل جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، في مواقع عديدة أمام مرأى ومسمع الصحابة، وكلّ ذلك أسهم ـ مع بقيّة المقوّمات على أن يكون الإمام عليه السلام معصوما بإرادته التي تطابقت مع الإرادة الإلهيّة، فالله تعالى هيّأ هذه المقوّمات وهي الوراثة الصالحة والتربية الصالحة والرعاية الروحية والنفسية. وهذا النوع من الرعاية تعدّى رعاية الجدّ لحفيده، وتعدّى الرعاية العاطفية المحضة بل كانت مظاهرها العديدة تنبيهاً للأمة على دور الإمام الحسن عليه السلام الريادي ودوره كقدوة وأسوة وإمام مفترض الطاعة، ولولا هذا الإشعار لأمكن له صلى الله عليه وآله أن يقدّره ويكرّمه بشكل آخر كما يفعل الأجداد والآباء، وقد تجلّى ذلك في ممارسات عديدة.
عن البرّاء بن عازب قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حامل الحسن بن علي رضي الله عنهما على عاتقه وهو يقول: اللهمّ إنّي أحبّ حسناً فأحبّه)(٣). فقد أشار صلى الله عليه وآله إلى هذا الحبّ وهو حامل الإمام الحسن عليه السلام على عاتقه؛ ليُشْعِر المسلمين بأهمية وضرورة هذا الحبّ؛ وهو الذي لا ينطق عن الهوى، فهو حبّ عقائدي يفرض على المسلمين أن يقتدوا بهذا المحبوب المكرّم من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله.
وعن جابر قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وهو يمشي على أربعة وعلى ظهره الحسن والحسين رضي الله عنهما، وهو يقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما)(٤).
وعن عبدالله بن مسعود، قال: (حمل رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين على ظهره، الحسن على أضلاعه اليمنى والحسين على أضلاعه اليسرى، ثمّ مشى وقال: نعم المطيّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما وأبوكما خير منكما)(٥).
وهذه الممارسة قد يستهجنها البعض في تلك المرحلة القريبة من الجاهلية، ولكنها مداليل عظيمة تبيّن عظمة هذين السبطين من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فهي ليست ممارسة عاطفية محضة؛ بل هي ممارسة تربوية لتربية المسلمين على أهميّة هذين السبطين في الحياة الإسلامية والإنسانية؛ هذه الأهمية دفعت برسول الله صلى الله عليه وآله إلى أداء هذه الممارسة. ليوجه أنظار الصحابة إلى الدور الذي سيقوم به الحسن عليه السلام بعد رحيل جدّه وأبيه.
وفي مقام آخر نجد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله يقطع خطبته وينزل عن منبره ليحتضن الحسن والحسين عليهما السلام ويأخذهما معه إلى المنبر؛ لكي يستشعر الصحابة ويستشعر المسلمون مقام هذين السبطين. قال ابن كثير: (وقد ثبت في الحديث أنّه عليه السلام بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين فنزل إليهما فاحتظنهما وأخذهما معه إلى المنبر، وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)(٦)، إنّي رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما، ثمّ قال: إنّكم لمن روح الله وإنّكم لتبجلون وتحبّبون)(٧).
ومن مصاديق ومظاهر الاهتمام ما ورد عن أبي هريرة أنّه قال لمروان بن الحكم: (أشهد لخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذ كنّا ببعض الطريق سمع رسول الله صلى الله عليه وآله صوت الحسن والحسين وهما يبكيان مع أمّهما، فأسرع السير حتى أتاهما فسمعته يقول لها: ما شأن ابْنَيَّ، فقالت: العطش، قال: فاختلف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شنة يبتغي فيها ماء، وكان الماء يومئذ أغدار، والناس يريدون الماء، فنادى: هل أحد منكم معه ماء؟ فلم يبقَ أحد أخلف بيده إلى كلاَّبه يبتغي الماء في شنة، فلم يجد أحد منهم قطرة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ناوليني أحدهما، فناولته إيّاه من تحت الخدر، فأخذه فضمّه إلى صدره وهو يطغو ما يسكت، فأدلع له لسانه فجعل يمصّه حتى هدأ أو سكن، فلم أسمع له بكاء، والآخر يبكي كما هو ما يسكت، فقال: ناوليني الآخر، فناولته إيّاه ففعل به كذلك، فسكتا)(٨). ومن خلال هذه الرواية نجد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد أشبع حاجات الحسن والحسين بنفسه، وأبدى عناية واهتماما بهما أمام مرأى الصحابة ليبيّن عظمة هذين السبطين ومكانتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله.
الحُبّ: الحاجة إلى المحبّة أو الشعور بها حاجة أساسية للإنسان وخصوصاً في مرحلة الطفولة، والحبّ الذي يشعر به الطفل له تأثير كبير على جميع جوانب شخصيّته الفكرية والعاطفية والسلوكية، ويكون تأثير المحبّة أكثر إيجابية حينما يكون المحبّ هو رسول الله صلى الله عليه وآله ومن فوقه الله تعالى، ويكون المحبوب هو الحسن عليه السلام المنحدر من سلالة طاهرة، والمهيّأ من قبل الله تعالى ورسوله ليكون إماماً مفترض الطاعة وحجّة على الإنسانية إلى يوم القيامة. وقد تواترت الروايات على تأكيد هذا الحبّ بعد التصريح به من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله في مناسبات عديدة.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال للحسن: (اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه وأحبب من يحبّه)(٩).
وعن أسامة بن زيد قال: (طرقت النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي صلى الله عليه وآله وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلمّا فرغت من حاجتي، قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: هذان إبناي وإبنا إبنتي اللهمّ إنّي أحبُّهما فأحبَّهُما واحبب من يحبُّهما)(١٠).
وعن سلمان رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله للحسن والحسين: من أحبّهما أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله جنّات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله عذاب جهنّم وله عذاب مقيم)(١١).
وعن الإمام علي عليه السلام قال: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ الحسن والحسين، فقال: من أحبّ هذين، وأباهما وأمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة)(١٢). والدعوة لحبّ أهل البيت عليهم السلام دعوة رسالية لتوجيه المسلمين إلى الارتباط بهم فكرياً وعاطفياً ومن ثمّ الاقتداء بهم والالتزام بأوامرهم وتوجيهاتهم لتكون مفاهيمهم وقيمهم هي الحاكمة على حركة الإنسان والمجتمع المسلم.
المناغاة والتربية البدنية: تُعدُّ المناغاة في مراحل الإنسان الأولى من الممارسات الضرورية له ولهذا نرى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد مارسها مع حفيده الحسن عليه السلام فقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرقّص الحسن والحسين عليهما السلام ويقول: حزقّة حزقّة ترقّ عين بقّة. وفي رواية أنّه أخذ يديه جميعاً بكتفي الحسن والحسين وقَدَماهما على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: ترقّ عين بقّة(١٣). وكانت فاطمة عليها السلام ترقص ابنها حسنا وتقول:

(أشبه أباك يا حسن * * * واخلع عن الحقّ الرسن
واعبد إلها ذا منن * * * ولا توال ذا الإحن)

وكانت أمّ سلمة ترقّص الحسن وتقول:

(بأبي ابن علي * * * أنت بالخير مليّ
كن كأسنان حليّ * * * كن ككبش الحولي)(١٤)

التربية والتعليم: التربية والتعليم من المسؤوليّات العظيمة التي تساهم في إعداد الإنسان للدخول في الحياة الاجتماعية؛ ليكون عنصراً فعّالاً في إصلاحها وبنائها، والأسرة هي نقطة البدء التي تتبنّى إنشاء وتنشئة الشخصية بجميع مقوّماتها: الفكرية والعاطفية والسلوكية، وهي نقطة البدء المؤثّرة في جميع مراحل الحياة إيجاباً وسلباً؛ وفي مقامنا هذا نجد إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أدّى مسؤوليّته في أسرته ومجتمعه؛ فقد ربّى هذه الأسرة الكريمة على أساس مفاهيم وقيم القرآن، وقد أبدى عناية تربوية وتعليمية استثنائية وعظيمة لعظم الشخصّيات المراد تربيتها وتعليمها لأنّها عدل للقرآن الكريم ولأنّها القرآن الناطق، ومنها الإمام الحسن عليه السلام، فقد كان يصطحبه إلى المسجد وإلى المواقع المتعدّدة التي يتواجد فيها صلى الله عليه وآله، ومن يتتبع الروايات وأخبار المؤرّخين يجد أنّ أسرة علي وفاطمة عليهما السلام أقرب الأسر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من حيث اللقاءات والزيارات، ولا نبالغ إذا قلنا إنّ لقاءاته مع هذه الأسرة الكريمة تكاد تكون أكثر من لقاءاته مع زوجاته؛ فالإمام علي عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام كان يصحبونه إلى المسجد أو يلتقون به في المسجد، إضافة إلى اللقاءات المستمرّة في دارهم تارة وفي دار رسول الله صلى الله عليه وآله تارة أخرى؛ ولهذا كانت الصحبة أدوم وأكثر نوعاً وكمّاً، وكان تأثير التربية واضحاً على أفراد هذه الأسرة الكريمة لدوام ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وآله ودوام تلقّيهم لتوجيهاته وإرشاداته وتعاليمه. وقد دلّت الأخبار على هذا القرب المكاني، فقد ورد أنّ عليّاً عليه السلام أصاب منزلاً مستأخراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله قليلاً، فقال له صلى الله عليه وآله: (إنّي أريد أن أحوّلك إليّ). فحوّله بجنبه(١٥). ولم تنقطع العلاقة بهذه الأسرة يوماً ما، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى به ركعتين ثمّ يأتي فاطمة، ثمّ يأتي أزواجه(١٦). ومن الطبيعي أن يكون الحسن عليه السلام قريباً من رسول الله صلى الله عليه وآله ومصاحباً له في أغلب أوقاته، ومن خلال هذا القرب وهذه المصاحبة أحاط الإمام الحسن عليه السلام بالعلوم والمعارف والمفاهيم والقيم، من طرق شتّى، ويأتي التسديد الإلهي والإلهام في طليعتها؛ باعتباره من الصفوة المختارة من قبل الله عزّ وجلّ، زيادة على التعلّم المباشر والاستماع إلى توجيهات رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة، وقد صرّح الإمام الحسن عليه السلام بذلك وهذا واضح من خلال أقواله وتصريحاته، فتارة يقول: (علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله)، وأخرى يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله).
ففي مجال الدعاء ورد عنه عليه السلام أنّه قال: (علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله كلمات أقولهنّ في الوتر: اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربّنا وتعاليت)(١٧).
وفي مجال العبادة وما يتعلّق بها من مندوبات ورد عن عمير بن مأمون، قال: (سمعت الحسن بن علي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى الغداة فجلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس كان له حجاب من النار)(١٨).
وفي المجال الاجتماعي والأخلاقي يجيب عليه السلام عن تساؤلات البعض، فقد ورد عن أبي الحوراء، قال: (قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما: مثل من كنت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وما عقلت عنه؟ قال: عقلت عنه أنّي سمعته يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الشرّ ريبة، والخير طمأنينة، وعقلت عنه الصلوات الخمس، وكلمات أقولهنّ عند انقضائهنّ قال: اللهمّ اهدني...)(١٩). وقال عليه السلام: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيّب بأجود ما نجد، وأن نضحّي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار)(٢٠).
وفي مجال الفقه والتشريع كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتدخّل ـ أحياناً ـ ليعلّم الحسن عليه السلام بعض الأحكام عن طريق الموقف العملي، فقد ورد عن ربيعة بن شيبان قال: (قلت للحسن بن علي رضي الله عنه: ما تعقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: صعدت معه غرفة الصدقة، فأخذت تمرة فلكتها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: القها فإنّا لا تحلّ لنا الصدقة)(٢١).
وفي مجال الثواب والتعويض يوم القيامة، قال الأصبغ بن نباتة: (دخلت مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحسن بن علي نعوده، فقال له عليّ رضي الله عنه: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئاً، قال: كذلك إن شاء الله، ثمّ قال الحسن رضي الله عنه: أسندوني، فأسنده علي رضي الله عنه إلى صدره، فقال: سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ في الجنّة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يُصبّ عليهم الأجر صبّا)(٢٢). وكان الحسن عليه السلام يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه فيأتي أمّه فيلقي إليها ما حفظه، وكلّما دخل عليّ عليه السلام وجد عندها علماً بالتنزيل، فيسألها عن ذلك، فتقول: (من ولدك الحسن)(٢٣). وهذا الحضور وفي عمر مبكّر يؤهّل صاحبه لأنّ يكون قمّة في العلم والمعرفة، فقد كان الحسن عليه السلام يستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله برغبته ويصغي إليه فيحفظ ما يقوله من آيات قرآنية ومن أحاديث شريفة، ولم يكتف بهذا الحفظ، بل يلقي إلى أمّه فاطمة الزهراء عليها السلام ما حفظه، فتأخذ به مسلمة بصحّة صدوره، لمعرفتها وثقتها بالقدرة العلمية لولدها لأنّه ذو شأن عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله. وكان الحسن عليه السلام يبادر رسول الله صلى الله عليه وآله بالأسئلة ليتعلّم منه ما يحتاجه من علوم ومعارف في مختلف جوانب الحياة الإنسانية ومنها الارتباط الروحي برسول الله صلى الله عليه وآله وآثاره الإيجابية. قال الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (بينا الحسن بن علي عليهما السلام ذات يوم في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ رفع رأسه فقال: يا أبة ما لمن زارك بعد موتك، قال: يا بني من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة)(٢٤).
حضور الحسنين عليهما السلام بيعة الرضوان: من أساسيّات المنهج الإسلامي الاعتماد على الأمّة في إنجاح المسيرة التكاملية لحركة الإسلام الواقعية، ومسؤوليّة إنجاح المسيرة تكليف عام يشمل جميع المكلّفين القادرين على العمل والنشاط والفاعلية، ومن هنا جاءت البيعة تعبيراً عن توزيع المسؤولية بين القائد وبين الأمّة، وكان لها دور كبير في انطلاقة المسلمين في العهد النبوي، ولأهميّتها عمل بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وطلب من المسلمين أن يبايعوه في مواقف عديدة ومنها بيعة الرضوان، وكان جابر بن عبد الله يقول: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ)(٢٥). ولا فرق كبير بين الاثنين، فمن يبايع على الموت يكون قد بايع على عدم الفرار؛ لأنّ الإنسان غالباً ما يفرّ من المعركة إن أصابه الخوف من الموت؛ فهي بيعة على الجهاد والثبات والتضحية.
وقد شارك كبار الصحابة في هذه البيعة كما شارك في البيعة جمع من الصحابة الشباب، ولم يشارك من صغار السنّ إلاّ الحسن والحسين عليهما السلام كما ورد في قول الإمام محمد الجواد عليه السلام مخاطباً المأمون والعباسيين في أحد المجالس: (أما علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنّه غيره. وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما ابنا دون الستّ سنين، ولم يبايع صبيّاً غيرهما ...)(٢٦). وبيعتهما لرسول الله صلى الله عليه وآله تعبّر عن النضوج والمعرفة الرشيدة والإرادة الصلبة لمن يحسنون اليقين بالله تعالى والتوكّل عليه والاتّجاه نحوه، ويحسنون العمل والسلوك والتصرّف مع القائد ومع المسلمين، وتعبّر تلك البيعة عن الشجاعة الفائقة والثبات المنقطع النظير على تكاليف الرسالة؛ وهي ليست بيعة يراد منها التشجيع، ولا بيعة عاطفية؛ بل هي بيعة رسالية حقيقية بين القائد وأتباعه لا بين الجدّ وأحفاده، وهي بيعة يراد منها توجيه أنظار وعقول المسلمين إلى عظم شخصية الحسن والحسين عليهما السلام وإلى دورهم الريادي في المجتمع الإنساني؛ لأنّ ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكون عبثاً بل حكمة يراد منها أمر هام في حياة المسلمين.
شهادة الإمام الحسن عليه السلام على كتاب ثقيف: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ثقيف كتاباً بيّن فيه بعض الأمور المتعلّقة بحقوقهم، وقد جاء فيه: (هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله لثقيف، كتب: أنّ لهم ذمّة الله الذي لا إله إلاّ هو، وذمّة محمد بن عبدالله النبي، على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة: أنّ واديهم حرام محرّم لله كلّه: عضاهه، وصيده وظلم فيه، وشرق فيه أو إساءة، وثقيف أحقّ الناس بوجّ، ولا يعبر طائعهم، ولا يدخله عليهم أحد من المسلمين يغلبهم عليه ... وشهد على نسخة هذه الصحيفة: علي بن أبي طالب وحسن بن علي وحسين بن علي، وكتب نسختها لمكان الشهادة). قال أبو عبيد: (وفي هذا الحديث من الفقه: إثباته صلى الله عليه وآله شهادة الحسن والحسين)(٢٧). واثباته صلى الله عليه وآله شهادتهما عليهما السلام وهما في ذلك السن لم يكن نابعاً عن هوى أو نزوة أو رغبة عاطفية لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله معصوم من جميع ذلك، فكلّ عمل أو ممارسة تصدر منه إنّما تصدر عن وحي يوحى وعن تسديد إلهي، بل هو إشارة واضحة إلى تكاملهما في جميع مقوّمات الشخصية، خصوصاً وأن تلك الشهادة قد جاءت في قضية مهمّة تتحدّد فيها علاقات رسول الله صلى الله عليه وآله مع ثقيف وهي من العشائر الكبيرة في عدّتها وعددها. ومن الأمور الملفتة للنظر إنّ الطرف الآخر وهو ثقيف لم يعترض على هذه الشهادة باعتبار صغر سن الحسنين عليهما السلام، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على قناعة ثقيف بأهليتهما الكاملة للشهادة وهما في هذا العمر المبكر.
ولا يخفى ما في هذا الأسلوب النبوي الفذ من إلفات النظر إلى تصحيح مواقف الحسن عليه السلام المستقبلية والاعتراف بسلامتها العقائدية والتشريعية، ومن هذه المواقف ـ التي سيأتي البحث عنها ـ شهادته لأمّه فاطمة عليها السلام في مسألة فدك، ومنها قوله لأبي بكر ومن ثمّ لعمر بن الخطّاب (إنزل عن منبر أبي)، فهي لم تكن شهادة صبي ولا اعتراض صبي، بل هي شهادة رسالية واعتراض رسالي يعبّر عن إدراك كامل لما يجري من أحداث ومواقف ومدى سلامتها الفكرية والشرعية.
موقف الإمام الحسن عليه السلام من أبي سفيان: صالح رسول الله صلى الله عليه وآله قادة قريش على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، إلاّ أنّ قادة قريش نقضت بعض بنود الصلح بالاعتداء على خزاعة الذين كانوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده، فقرّر رسول الله صلى الله عليه وآله التوجّه إلى مكّة، وحينما سمع أبو سفيان بالأمر توجّه إلى المدينة، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فكلّمه في تجديد العهد، فلم يردّ عليه شيئاً، ثمّ كلّم بعض الصحابة فلم يستجيبوا له، فتوجّه إلى الإمام علي عليه السلام فدخل عليه فقال: (يا أبا الحسن تمشي معي إلى ابن عمّك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقداً ويكتب لنا كتاباً، فقال: يا أبا سفيان لقد عقد لك رسول الله عقداً لا يرجع عنه أبداً)، وكانت فاطمة عليها السلام من وراء الستر والحسن يدرج بين يديها وهو من أبناء أربعة عشر شهراً، فقال لها: (يا بنت محمد قولي لهذا الطفل يكلّم لي جدّه فيسود بكلامه العرب والعجم، فأقبل الحسن إلى أبي سفيان وضرب احدى يديه على أنفه والأخرى على لحيته، ثم أنطقه الله عزّ وجلّ بأن قال: يا أبا سفيان قل: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله؛ حتى أكون شفيعاً)(٢٨). وفي هذه الواقعة يتّضح شأن الحسن عليه السلام وإدراكه العميق للأشخاص والأحداث، فقد مارس عملية تأديب لأبي سفيان كان مستحقّاً لها لنقضه عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد دعاه إلى الإسلام لأنه العلاج الأساسي للأزمة التي حدثت، فجعل شفاعته مشروطة بإسلامه.
فضائل الإمام الحسن عليه السلام وإمامته:
أولاً ـ من القرآن الكريم:
أهل البيت عليهم السلام عنوان مضيء في حياة الإنسانية وحركة التاريخ والمسيرة الإسلامية، أراد الله تعالى لهم أن يكونوا أعلام الهدى وقدوة المتّقين ومأوى أفئدة المسلمين، وروّاد الحركة الإصلاحية والتغييرية في المسيرة الإنسانية؛ ولهذا أبدى القرآن الكريم عناية فائقة بذكر دورهم وفضائلهم وسموّ مكانتهم، وفيما يلي نستعرّض جملة من آيات القرآن الكريم التي تطرّقت إلى ذلك لكونها شاملة للإمام الحسن عليه السلام كواحد من أهل البيت عليهم السلام.
١ ـ آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(٢٩): تظافرت التفاسير والروايات إلى أنّ المقصود بأهل البيت عليهم السلام هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وهم: رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. فقد روي عن أمّ سلمة وبطرق عديدة أنّها قالت: (لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليّا وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت أمّ سلمة: ألست منهم؟ فقال: أنت إلى خير)(٣٠). وهذه الآية الكريمة تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم السلام ومنهم الحسن عليه السلام كما ورد في تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: (أنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب)(٣١). وقال الإمام الحسن عليه السلام في بعض خطبه: (وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)(٣٢). وآية التطهير تؤكّد العناية والرعاية الإلهيّة الخاصّة والاستثنائية وذلك بإبعادهم عن الزلل والخطأ والإنحراف وهكذا أصبح أهل البيت عليهم السلام الميزان الثابت الذي توزن به الأفكار والعواطف والممارسات، وتقوّم من خلاله الإشخاص والكيانات والأحداث والمواقف، فهم المرجع العلمي والسياسي والاجتماعي للناس جميعاً.
٢ ـ آية المودّة: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)(٣٣): أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس، قال: (لمّا نزلت هذه الآية ... قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدها)(٣٤). وفي رواية أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قالوا: (يا رسول الله من هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: علي وفاطمة وأبناؤهما). وعلّق القرطبي على ذلك قائلاً: (وكفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرّب إلى الله بطاعته ومودّة نبيّه صلى الله عليه وآله وأهل بيته منسوخ، وقال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً، ومن مات على حبّ آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس اليوم من رحمة الله، ومن مات على بغض آل محمد لم يرَ رائحة الجنّة، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي)(٣٥). وهذا يوجِّه العقول والقلوب نحو أهل البيت عليهم السلام ويشدّها لهم، ويؤكّد على أنّ أجر الرسالة هو محبّتهم الحقيقية، وهي دعوة للارتباط بهم فكرياً وعاطفياً وسلوكياً.
٣ ـ آية الصلاة: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(٣٦): أخرج النسائي وغيره عن أبي هريرة، أنّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف نصلّي عليك؟ قال: (قولوا اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صلّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم)(٣٧). والصلاة بتلك الكيفية جعلت أهل البيت عليهم السلام مناراً وقدوة للأمّة، فمنهم يتلقّى المسلمون مفاهيم العقيدة وقيم السلوك وموازين التقييم، وهذا التلقّي هو مصداقٌ واقعي للصلاة عليهم؛ لأنّ الصلاة واجبة كما ورد في آراء الكثير من العلماء، حتى قال الشافعي: (من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له)(٣٨). وقال الديلمي: (الدعاء محجوب حتى يُصَلَّىٰ على محمد وأهل بيته)(٣٩).
٤ ـ آية آل ياسين: (سَلامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ)(٤٠): ورد في الكثير من التفاسير: إنّ المراد من (ياسين) النبي محمد صلى الله عليه وآله(٤١). وورد عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: (إنّ الله سمّاني في القرآن بسبعة أسماء: محمّد وأحمد وطه ويس والمزمّل والمدثّر وعبدالله)(٤٢). وتظافرت التفاسير على انّ المقصود من (آل ياسين) هم (آل محمد عليهم السلام). وعن الإمام علي عليه السلام قال: (يس محمد، ونحن آل يس)(٤٣). وهنالك قولان في قراءة آل (يس) مفصولة:
الأوّل: إنّه آل هذا النبي المذكور وهو يدخل فيهم. والثاني: إنّهم آل محمد صلى الله عليه وآله(٤٤). وهذا السلام الصادر من الله تعالى إلى آل رسول الله صلى الله عليه وآله هو توجيه للبشرية نحو دورهم الريادي في حركة التاريخ، وهو توجيه نحو مفاهيمهم وقيمهم وسيرتهم الممتدّة في كلّ زمان ومكان، وهو توجيه للارتباط بهم فكرياً وعاطفياً وسلوكياً.
٥ ـ سورة الإنسان وآية الإطعام: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا)(٤٥): عن ابن عباس رضي الله عنه: (أنّ الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة ـ جارية لهما ـ أن برءا ممّا بهما: أن يصوموا ثلاثة أيّام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوا بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء، وأصبحوا صياماً؛ فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك؛ فلمّا أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة)(٤٦).
٦ ـ آية المباهلة: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(٤٧): والثابت في نزول هذه الآية، هو أنّ نصارى نجران، لمّا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلمّا تخالوا قالوا: للعاقب وكان ذا رأيهم: (يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمدا نبيّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلاّ إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفهما وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا)(٤٨)... وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وبرهان واضح على نبوّة النبي صلى الله عليه وآله. وهذه الآية دالّة على أنّ الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وآله.
٧ ـ آية أهل الذكر: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(٤٩): يقول الحارث: (سألت عليّاً عن هذه الآية، فقال: والله إنّا لنحن أهل الذكر، نحن أهل الذكر، نحن أهل العلم، ونحن معدن التأويل والتنزيل)(٥٠).
٨ ـ آية الراسخون في العلم: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(٥١): قال الإمام علي عليه السلام: (أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى)(٥٢). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الأخرى التي لا مجال في تفصيلها، غير أن ما تقدم منها يبيّن لنا دور الإمام الحسن عليه السلام ومقامه السامي في إمامة وقيادة الإنسانية، فهو الطاهر المطهّر المعصوم كما ورد في آية التطهير، وهو من الذين أمر الله تعالى بحبّهم وطاعتهم وموالاتهم كما في آية المودّة، ومن المشمولين بالصلاة عليهم وتعظيمهم وتبجيلهم، وهو من أهل الذكر، والراسخين في العلم.
وإذا انضمّ هذا إلى ما تقدم عن رسول الله صلى الله عليه وآله بحق الحسن عليه السلام علم أنه الإمام القدوة الذي ينبغي الاقتداء بأقواله وأفعاله لأنّه العارف بأسس وقواعد المنهج الإسلامي بجميع أبعاده ومجالاته، والمعصوم الذي لا يميل مع الهوى ولا يتأثّر بالمؤثّرات الضيّقة كالمودّة والشنآن والعصبية؛ فهو على ضوء ذلك يمثل المرجعية الحقّة التي يُرجع إليها في حال اختلاف المعايير واضطراب الموازين في أجواء التشكيك والبلبلة والاضطراب الفكري الذي أثارته بوجه الإمام الحسن عليه السلام الشجرة الملعونة بقيادة زعيم البغاة ابن آكلة الأكباد كما سنرىٰ.
ثانياً ـ من السنّة النبوية:
جاء رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل إيصال المجتمع الإنساني إلى قمّة التكامل والسموّ والارتقاء؛ بتقرير المنهج الإلهي في واقع الحياة، وجعله الحاكم على تصوّرات الناس ومشاعرهم ومواقفهم، وقد عاش مع المجتمع يدعوه إلى عبادة الله تعالى وإلى إصلاح وتغيير العقول والقلوب والإرادات، ويدعوه إلى الارتباط بالقدوة والأسوة الصالحة، ولذا نجده يوازن بين الدعوة إلى الدين كمفاهيم وقيم وبين الدعوة لمن يمثّل هذا الدين في حركة الواقع، ويأتي تبيانه لفضائل أهل البيت عليهم السلام ضمن هذا التوازن. وفي هذا المقام فإنّ تبيان فضائل الإمام الحسن عليه السلام لم يكن نابعاً عن الرغبة العاطفية المحضة نتيجة القرابة القريبة، بل هو دعوة للاستمرار في حركة الرسالة وامتدادها في الإمام الحسن عليه السلام الذي جسّدها ويجسّدها في سكناته وحركاته وأقواله وأفعاله. فالإمام الحسن عليه السلام هو سيّد شباب أهل الجنّة، كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(٥٣). وقال أيضاً: (من سرّه أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة، فلينظر إلى الحسن بن علي)(٥٤). وهذا التفضيل العظيم للحسنين عليهما السلام لم يكن على أساس القربى النسبية، بل هو تفضيل رسالي، فهما أفضل من الغير بدرجة قربهم من المفاهيم والقيم الإلهيّة التي جسّدوها ويجسّدونها في أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم.
وعن عبدالله بن عمر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا)(٥٥). وفي الحديث: (خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد)(٥٦). وفيه أيضاً: (نحن ولد عبدالمطّلب سادة أهل الجنّة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي)(٥٧). وفيه حديث آخر: (الحسن والحسين سيفا العرش وليسا بمعلّقين)(٥٨). وعن عمر بن الخطاب أنّه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين في حظيرة القدس في قبّة بيضاء سقفها عرش الرحمن)(٥٩). وعن أبي هريرة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر الأنبياء يوم القيامة على الدّواب ليوافوا من يومهم المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وأبعث أنا على البراق، ويبعث ابناي الحسن والحسين على ناقتين من نوق الجنّة)(٦٠). وعن زينب بنت أبي رافع، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أنّها أتت بالحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في شكواه الذي توفي فيه، فقالت: (يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً، فقال: أمّا الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما حسين فله جرأتي وجودي)(٦١). وعن جابر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الله عزّ وجل جعل ذريّة كلّ نبي في صلبه، وإنّ الله تعالى جعل ذريّتي في صلب علي بن أبي طالب)(٦٢).
وعن عمر بن الخطّاب، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كلّ بني أنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم)(٦٣). وقال صلى الله عليه وآله: (الحسن والحسين سبطان من الأسباط)(٦٤). وقال صلى الله عليه وآله: (حسن سبط من الأسباط)(٦٥).
والأحاديث الشريفة المتقّدمة والتي تبيّن فضائل الإمام الحسن عليه السلام يراد منها: تنبيه المسلمين وتوجيههم للارتباط بأرقى نماذج الشخصية الإنسانية لكي يقتدوا بها ويستسلمون استسلاماً واعياً متعقّلاً لمفاهيمها وقيمها، ولكي يميّزوا بين الحقّ والباطل في معترك الأهواء والصراع والمنافسة بين التيّارات المتصارعة الآنية والمستقبلية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله أهل البيت عليهم السلام المقياس والميزان الذي تقاس وتوزن به المواقف والشخصيّات والتيّارات، فمحاربتهم محاربة لرسول الله صلى الله عليه وآله ومسالمتهم مسالمة لرسول الله صلى الله عليه وآله كما ورد عن أبي هريرة، قال: (نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عليّ وابنيه وفاطمة، فقال: أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم)(٦٦). ونحوه عن زيد بن أرقم(٦٧). وفي هذا الحديث الشريف ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله الحجّة على أعداء أهل البيت عليهم السلام وبيّن سلامة مواقفهم في خضمّ الأحداث الواقعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كحرب الجمل وصفّين والنهروان، وتمرّد معاوية الباغي الخبيث على دولة الإمام الحسن عليه السلام، وقتل يزيد (لعنه الله) للإمام الحسين عليه السلام.
الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله تعيّن بالنصّ ولا تترك لاختيار الأمّة؛ فهي عهد من الله عزّ وجلّ للمصطفين من عباده، وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام تلك الحقيقة، فالأمر ليس متروكاً للأمة ولا حتى لأهل البيت عليهم السلام أنفسهم، فهم لا يستخلفون أو ينصّون على من بعدهم إلاّ بعهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله وبأمر الله تعالى.
عن أبي بصير، قال: (كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فذكروا الأوصياء وذكرت إسماعيل فقال: لا والله يا أبا محمد ما ذاك إلينا وما هو إلاّ إلى الله عزّ وجلّ ينزل واحداً بعد واحد)(٦٨). وقال عليه السلام: (أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟ لا والله ولكن عهد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه)(٦٩).
وعلّة النصّ هي أنّ الإمامة منصب عظيم وخطير؛ لأنّ الإمام هو حجّة الله على خلقه، وهو المقتدى به في أقواله وأفعاله؛ ولذا فإنّ الإمّة لا تستطيع أن تشخّص إمامها، وهذا ما تؤكّده المسيرة الإسلامية وسير الأحداث؛ فلابدّ وأن يكون الاختيار إلهياً للحفاظ على سلامة المفاهيم والقيم الإسلامية، وحماية الإسلام من تحريف الضّالين وتأويل الجاهلين، والنصّ سنة من سنن الله تعالى في تعيين الأئمّة والأوصياء من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين. وقد نصّ رسول الله صلى الله عليه وآله على إمامة الحسن عليه السلام في أقواله باعتباره أحد الأئمّة الإثني عشر، فقد وردت روايات عديدة تنصّ على عدد الأئمّة نختار بعضها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش)(٧٠). وقال: (بعدي إثنا عشر خليفة)، ثمّ أخفى صوته وقال: (كلّهم من بني هاشم)(٧١). وقال: (أهل بيتي عترتي من لحمي ودمي، هم الأئمّة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل)(٧٢). وقال: (يا علي أنا وأنت وابناك الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين أركان الدين ودعائم الإسلام، من تبعنا نجا، ومن تخلّف عنّا فإلى النار)(٧٣). وقال للإمام الحسين عليه السلام: (أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمّة تسعة تاسعهم قائمهم)(٧٤). وقال في بيان أوصيائه من بعده: (أوّلهم أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمّتي، ووليّ كلّ مؤمن بعدي ... ثمّ ابني الحسن ثمّ ابني الحسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين؛ واحد بعد واحد حتى يردوا عليّ الحوض، هم شهداء الله في أرضه، وحجّته على خلقه، وخزّان علمه، ومعادن حكمته؛ من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله)(٧٥). وقال بشأن الحسن والحسين عليهما السلام: (هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا)(٧٦). وقال في أهل بيته عليهم السلام: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدى؛ أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(٧٧). وقال أيضاً: (إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفِر له)(٧٨). وقال: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس)(٧٩).
وما تقدّم يدلّ دلالة واضحة على إمامة الحسن عليه السلام فهو إمام مفترض الطاعة منصّب من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله، وهو المقتدى به في أقواله وأفعاله؛ وعلى ضوء ذلك فهو المقياس الذي تقاس به أفكار ومواقف الآخرين، فمن وافقه نجا، ومن خالفه خسر وهوى؛ ولهذا فلا يعذر من خالفه ومن قاتله كمعاوية، فهو ليس مجتهداً فأخطأ، كما يزعم أنصار الشجرة الملعونة(٨٠) بل هو من البغاة العتاة المردة مع سبق الإصرار؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد ألقى الحجّة على المسلمين بالنصّ على إمامة سبطه الحسن عليه السلام وعلى عصمته وصحّة أفكاره ومواقفه، فلا تجوز مخالفته فضلاً عن التمرّد على خلافته بالعصيان العسكري.

الفصل الثاني: الإمام الحسن عليه السلام في عهد الثلاثة

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وفي ظرف انشغال الإمام علي عليه السلام وبني هاشم بمراسيم دفنه صلى الله عليه وآله حدث صراع واضح المعالم بين بعض المهاجرين ـ وعلى رأسهم أبي بكر وعمر ـ والأنصار، تخلّلته جميع عوامل الصراع من منافسة ذاتية وحسد وروح قبلية واستخدام المناورة للوصول إلى السلطة، وقد تم لقريش ما بيّتته وأزيح أمير المؤمنين عليه السلام عن منصبه وتولىٰ السلطة أبو بكر لا عن نص أو مشورة.
موقف الإمام الحسن عليه السلام من أبي بكر:
أخرج الدارقطني: (أنّ الحسن جاء لأبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إنزل عن مجلس أبي، فقال صدقت والله إنّه لمجلس أبيك، ثمّ أخذه وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضي الله عنه: أما والله ما كان عن رأيي. فقال: صدقت والله ما اتّهمك ... ووقع للحسن نحو ذلك مع عمر وهو على المنبر، فقال له: منبر أبيك والله لا منبر أبي. فقال عليّ: والله ما أمرت بذلك. فقال عمر: والله ما اتّهمناك)(٨١).
وهكذا اعترض الإمام الحسن عليه السلام على تنصيب أبي بكر بعبارة موجزة (انزل عن مجلس أبي)، فقد أثبت بهذه العبارة حقّ أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة، ولم يكن هذا القول بحثٍّ أو تحريك من قبل أبيه عليهما السلام ولم يكن نابعاً عن عواطف ساذجة من ابن لأبيه، وإنّما كان موقفاً لا نظير له في بيان عمق وعي الإمام الحسن السبط بما جرى من وقائع وأحداث بعد وفاة جده المصطفى صلى الله عليه وآله، ومن هنا اُعلن بهذا الموقف ـ وعلى مرأى جمع من الصحابة ـ عن حق زعيم أهل البيت عليهم السلام المغتصب في خلافة الرسول صلى الله عليه وآله كما أكّدته أحاديث شتىٰ، ولو لم يكن من بينها إلاّ حديث الغدير لكفىٰ، ذلك الحديث الذي حضر الإمام الحسن عليه السلام زمانه ومكانه في حجة الوداع. وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه)(٨٢). وكان من المهنّئين له بالولاية أبو بكر وعمر، ففي رواية قال له عمر: (هنيئاً يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة)(٨٣). وفي رواية قال له: (بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم)(٨٤). وفي رواية أنّ أبا بكر وعمر قالا له: (أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة)(٨٥).
ومن جهة أخرى فأنّ الإمام الحسن عليه السلام علم كيف تمت البيعة لأبي بكر، وكيف تغيّب جميع الصحابة عن السقيفة وخصوصاً الزعماء الكبار منهم وعلى رأسهم أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم تكن شورى بل كانت مغالبة وصراع وتهديد بالقتل، وإنّ الاحتجاج بالقرابة لا يجدي نفعا وعلي عليه السلام هو أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد اعترف أبو بكر بفقدان الشورى بالقول: (إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها)(٨٦). وقال عمر بعد حين: (لا يغرّن امرؤ أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كان فلتة فتمّت، وإنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ الله قد وقى شرّها)(٨٧).
فلا غرو إذن فيما لو وقف السبط بوجه رأس السلطة قائلاً: (إنزل عن مجلس أبي)، وبمعنى آخر إنزل أو تنحّى عن منصب الخلافة والإمرة ومنصب القيادة والإفتاء والتوجيه والإرشاد، لأنّه من مختصّات أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وبهذه العبارة الموجزة بيّن الإمام الحسن عليه السلام نظرية النصّ والتعيين لا نظرية الاختيار، وبيّن أفضلية أبيه عليه السلام وأحقيّته بالخلافة من أبي بكر، وبهذا سلب شرعية السلطة الحاكمة والممارسات الصادرة عنها.
الإمام الحسن عليه السلام وفدك:
عن أبي سعيد الخدري، قال: (لمّا نزلت: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ)(٨٨)، أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فدكاً)(٨٩). وفدك هي أرض عائدة لفاطمة الزهراء عليها السلام إمّا بالنحلة أو بالميراث، إلاّ أنّ الحاكم وهو أبو بكر قد صادر هذه الأرض وانتزعها من ملكية فاطمة عليها السلام، وقد طلبتها فاطمة عليها السلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، (تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها)(٩٠). وحينما أصرّت فاطمة عليها السلام على استرجاع حقّها طالبها أبو بكر بالبيّنة، فشهد لها الإمام علي عليه السلام وأمّ أيمن، وشهد لها أيضاً (الحسن والحسين)(٩١). ومطالبة فاطمة عليها السلام بفدك لم يكن طمعا في أرض أو مال وهي الصدّيقة الزاهدة؛ بل هو تعبير عن المطالبة بحقٍّ مغتصب وهو الخلافة؛ حيث أنّ فدك بقيت على طول التاريخ تمثّل الحقّ المغتصب، وهذا ما نلاحظه في جواب الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهارون العباسي حينما قال له: (يا أبا الحسن حد فدك حتى أردّها عليك)، وكان الإمام عليه السلام يأبى ذلك، فلمّا ألحّ عليه، قال: (لا آخذها إلاّ بحدودها، قال: وما حدودها، قال: إن حدّدتها لم تردّها، قال: بحقّ جدّك إلاّ فعلت، قال: أمّا الحدّ الأوّل فعدن، والحدّ الثاني سمرقند، والحدّ الثالث أفريقية، والرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وأرمينية. قال هارون: فلم يبقَ لنا شيء، فتحول في مجلسي. قال الإمام الكاظم عليه السلام: قد أعلمتك أنّي إن حدّدتها لم تردها)(٩٢). ففدك ليست أرضاً فحسب بل هي خلافة وحكومة أُزيح عنها أمير المؤمنين عليه السلام؛ ولهذا أصرّت فاطمة عليها السلام على المطالبة بهذا الحقّ وأشهدت الشهود على ذلك ومنهم ولدها الحسن عليه السلام وكان عمره دون الثامنة، فهي لم تُشهد طفلاً أو صبياً بل انساناً متكاملاً مؤهّلاً للشهادة على هذا الأمر الخطير، الذي بقي ولا يزال رمزا لصراع جوهري بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة غيرهم، وإعطاء الحسن عليه السلام هذا الدور البارز في قضية كبيرة ومسألة خطيرة لم يكن عفوياً أو ارتجالياً أو طلباً للحصول على شيء من أمور الدنيا يحشد فيه الإنسان كلّما يحتاجه من شهود؛ بل هو أمر هام غير منفصل عن الموازين والمقاييس الإسلامية التي يتبنّاها أهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أعطى للحسن عليه السلام دورا متميّزاً في حياة المسلمين. وقد شهد الحسن عليه السلام بعائدية فدك للزهراء عليها السلام، ولم يكن بهذه الشهادة قد انطلق من منطلقات عاطفية بحتة، بل انطلق من منطلقات رسالية؛ فهو في الحقيقة قد شهد بما رأى أو سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه أعطى فدك لفاطمة عليها السلام؛ لأنّه كان ملازماً له في أغلب مجالسه أو تنقّلاته، وهو عليه السلام لا يشهد بالباطل أو لا يشهد بما لم يره أو يسمع به. وشهادته لفاطمة عليها السلام لها مداليل كبيرة وكثيرة، لعل أظهرها أن أهل البيت عليهم السلام ـ صغيرهم وكبيرهم ـ ليسوا كبقية الناس، وإنما هم معدن الرسالة، ولا يُقاس بهم أحد. كما تعبّر تلك الشهادة عن إيمانه عليه السلام بخطأ الحاكم، وبمخالفته لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وللثوابت الشرعية في تثبيت حقّ فاطمة عليها السلام بالنحلة تارة وبالإرث تارة أخرى.
الإجابة على الأسئلة الفقهية:
عن عبادة بن الصامت، قال: (سأل أعرابي أبا بكر فقال: إنّي أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب علي؟ فقال له: يا أعرابي أشكلت عليّ في قضيّتك؛ فدلّه على عمر، ودلّه عمر على عبدالرحمن، فلمّا عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، فقال أمير المؤمنين: سل أيّ الغلامين شئت، فقال الحسن عليه السلام: يا أعرابي ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض نوقاً فاضربهنّ بالفحول، فما فصل منها فاهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ من النوق السلوب ومنها ما يزلق. فقال الحسن عليه السلام: إنّ يكن من النوق السلوب ما يزلق فإنّ من البيض ما يمرق)(٩٣). لقد أراد الإمام علي عليه السلام بهذا إثبات معرفة ابنه الحسن عليه السلام بالأحكام الشرعية التي عجزت عنها السلطة الحاكمة باسم الدين.
أذان بلال:
روي أنّ بلالاً رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه وهو يقول: (ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزيناً، فركب إلى المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وجعل يبكي عنده ويتمرّغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبّلهما ويضمّهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذّن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلمّا قال: الله أكبر، الله أكبر ارتجّت المدينة، فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله زادت رجّتها، فلمّا قال: أشهد أنّ محمداً رسول الله خرج النساء من خدورهنّ، فما رئي يوم أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم)(٩٤). إنّ هذا الطلب يعبّر عن دقّة النظر بربط الماضي بالحاضر والمستقبل ليعيش رسول الله صلى الله عليه وآله مع المسلمين في سكناتهم وحركاتهم ولكي تبقى سيرته شاخصة أمام المسلمين بعد ابتعادهم عنها بإقصاء أهل البيت عليهم السلام عن مناصبهم، ولكي تعيد الأمّة الذكريات النبوية إلى واقعها، وتتوجّه إلى منهج النبي صلى الله عليه وآله في الحياة لتتلقى منه مفاهيم العقيدة وقيم الإسلام وموازينه وشرائعه وقوانينه وآدابه وتقاليده؛ لتتحرّك على ضوئها في حركتها نحو الاستقامة والكمال.
الإمام الحسن عليه السلام في عهد عمر بن الخطّاب:
حينما قربت وفاة أبي بكر أوصى بالخلافة إلى عمر ونصّ عليه، وأصبح هذا التنصيص اللاشرعي قاعدة من قواعد تولّي الخليفة عند العامة(٩٥). وقد تم هذا رغم مخالفة الصحابة لذلك؛ حيث دخل عليه المهاجرون والأنصار، فقالوا له: (تراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنّا وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك، فما أنت قائل)(٩٦). وقد توقّع الإمام علي عليه السلام هذه المسألة في جوابه لعمر حينما طالبه بالبيعة لأبي بكر حيث قال: (احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً)(٩٧). فالمسألة مسألة صفقة سياسية، فاختيار أبي بكر لعمر لم يكن على أساس موضوعي يعتمد على المؤهّلات والخصائص الذاتية، فلم يكن عمر أفضل الموجودين من حيث العلم والعدالة والكفاءة والشجاعة وباقي خصائص الخليفة، ولم يتمّ تنصيبه على أساس شورى بين الصحابة، وإضافة إلى ذلك لم يراع وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله حول علي عليه السلام سواء كان استخلافه بالتصريح أو التلميح، فلا زال علي عليه السلام هو المؤهّل الوحيد لمنصب الخلافة، وبهذا يكون غيره غير مؤهّل للخلافة.
وقد علم الإمام الحسن عليه السلام هذه الحقيقة فقال لعمر بن الخطاب: (انزل عن منبر أبي. فقال عمر: منبر أبيك والله لا منبر أبي)(٩٨). فالحسن عليه السلام قد واجه عمر بمرّ الحق، وقال له بأن هذا المنبر الذي تجلس عليه، تأمر وتنهى ليس لك كما لم يكن لأبي بكر من قبلك، وإنما هو لنا أهل البيت وهذا زعيمهم وأولهم وهو أبي صلوات الله عليه. والمنبر في كلام الحسن السبط كناية عن الخلافة والسلطة والحكومة وإرث الرسول صلى الله عليه وآله التي هي من مختصات أهل البيت عليهم السلام بالجعل والتخصيص من لدن الله ورسوله صلى الله عليه وآله، وإن من سبقهم إليها إنما سبقهم بتلك الطرق التي أقلّ ما يمكن أن يقال عنها أنها كانت ملتوية إلى حدٍ بعيد. وليس غريباً أن لا يعترض على عمر غير الإمام الحسن عليه السلام، وهو دون الخامسة عشر؛ لإدراكه خطورة إزاحة الإمام علي عليه السلام عن منصبه، فبهذه الإزاحة تسلل الأمويون إلى مناصب خطيرة في الدولة الإسلامية، وأصبح معاوية الحاكم المطلق لولاية الشام وأعطيت له صلاحيّات مطلقة، حتىٰ أنّ عمر قال له: (لا آمرك ولا أنهاك)(٩٩). وبعد عمر انتقلت السلطة إلى عثمان بلعبة (الشورى العمرية) فأقرّ بني أمية ومنهم معاوية وجمع له الشام كلّها، فكان أميراً عشرين سنة(١٠٠). وبهذا الاستخلاف أقام معاوية جيشاً قوياً استطاع من خلاله التمرّد على خلافة الإمام علي عليه السلام، ومن بعده خلافة الإمام الحسن عليه السلام، واستولى على الخلافة بالترغيب والترهيب والتآمر فحولها إلى ملك يتوارثه الأبناء عن الآباء وعلى أثرها عاش أهل البيت عليهم السلام قتلاً وتشريداً، وحرّف الحكّام السيرة النبوية وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأفسدوا أوضاع وأحوال وأخلاق وعقائد المسلمين. وهكذا فإنّ اعتراض الإمام الحسن عليه السلام على عمر لم يكن اعتراضاً ساذجاً بل كان اعتراضاً رسالياً ينظر إلى المستقبل نظرة ثاقبة، تعبر عن حرصه عليه السلام على مستقبل الرسالة ومستقبل الأمّة الإسلامية بل مستقبل الإنسانية جمعاء.
التفاني من أجل الإسلام:
إنّ إزاحة أهل البيت عليهم السلام عن مناصبهم في قيادة وإدارة الحكومة؛ لم يكن عائقاً لهم في تقييم أعمال السلطة ونشاطاتها وتوجيهها نحو الاستقامة على منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وثوابت القرآن الكريم؛ لأنّهم ينطلقون من المصلحة الإسلامية العليا متعالين على المصالح الأخرى وإن كانت على مستوى عظيم وهو الخلافة والإدارة السياسية المباشرة؛ لأنّ بقاء الإسلام وبقاء الكيان الإسلامي أهمّ الأمور بنظر أهل البيت عليهم السلام، وقد وقف الإمام علي عليه السلام مرشداً وموجهاً للحكّام المتعاقبين كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً خصوصا في القضايا التي يعجزون عن توجيهها أو إدارتها أو انجازها، واعترف عمر بن الخطاب بهذه الحقيقة قائلاً: (لولا عليّ لهلك عمر)(١٠١). فقد أسهم الإمام عليه السلام في حلّ المسائل القضائية والسياسية المستعصية، وكان عليه السلام يشرك الإمام الحسن عليه السلام في هذا الحلّ لتبيان دوره الريادي في الأمّة، فقد ورد في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام: (أنّه أتي عمر برجل وجد على رأسه قتيل وفي يده سكّين مملوء دماً، فقال الرجل: لا والله ما قتلته ولا أعرفه، وإنّما دخلت بهذه السكين أطلب شاة لي عدمت من بين يديّ فوجدت هذا القتيل، فأمر عمر بقتله، فقال الرجل القاتل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد قتلت رجلاً وهذا رجل آخر يقتل بسببي؟ فشهد على نفسه بالقتل، فأدركهم أمير المؤمنين وقال: لا يجب عليه القود إن كان قتل نفسا فقد أحيا نفساً، ومن أحيا نفساً فلا يجب عليه قود. فقال عمر: سمعت رسول الله يقول: أقضاكم عليّ وأعطى ديته من بيت المال).
وفي الكافي والتهذيب عن أبي جعفر عليهما السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سأل فتوى ذلك من ولده الحسن عليه السلام، فقال: (يطلق كلاهما والدية من بيت المال. قال: ولِم؟ قال لقوله: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا))(١٠٢).
وهذه الرواية تبيّن لنا دور الإمام علي عليه السلام وولده الحسن عليه السلام في حلّ المسائل المستعصية حيث كان عليه السلام يتدخّل مباشرة أو ابتداءً في ذلك باعتباره مسؤولاً عن إدارة شؤون المسلمين وعلاج قضاياهم المستعصية.
عطاء الإمام الحسن عليه السلام:
لما دوّن عمر الدواوين وفرض العطاء ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما عليهم السلام مع أهل بدر لقرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله، ففرض لكلّ واحد منهما خمسة آلاف درهم(١٠٣). وإذا تتبّعنا كتب التاريخ أو كتب الفقه لا نجد رواية تامّة السند حول استلام أهل البيت عليهم السلام لهذا العطاء القائم على أساس الفوارق الطبقية وإن كانت على أساس السبق في الإسلام والجهاد. وأخذ أهل البيت عليهم السلام العطاء له مبرّراته الشرعية. لأنه جزء يسير رُدّ إليهم من أموالهم المغتصبة، ولكن بصورة العطاء، وقد يكون أخذ العطاء وسيلة لتوزيعه على مستحقّيه من الفقراء والمحتاجين، بعد أن أصبحت طريقة التوزيع أمراً واقعاً لا يمكن اصلاحه أو تغييره. وفي جميع الأحوال فلا إشكال في استلام العطاء من قبل الإمام الحسن عليه السلام.
دخول الإمام الحسن عليه السلام في الشورى العمرية:
حينما طُعِن عمر في خاصرته واستيقن من هلاكه ابتكر لعبة الشورى في تعيين الخليفة من بعده، حيث جعل الأمر شورى بين ستة نفر من الصحابة وأمر بقتل من لم يرضَ منهم بعد اتفاق أكثرهم على شخص معين(١٠٤) في قصة مضحكة يطول بيانها وكشف ما فيها من تدبير لوصول عثمان الأموي إلى السلطة. وكان قد أمر باحضار الإمام الحسن عليه السلام قائلاً: (وأحضروا معكم الحسن بن عليّ وعبدالله بن عباس، فإنّ لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء)(١٠٥). وكان موقف الإمام عليه السلام هو المشاركة في الشورى، ومتابعة أحداثها، كموقف الإمام علي عليه السلام وهو الدخول في الشورى، حيث وجدا عليهما السلام أنّ الخلاف في مثل هذه الظروف لا يجدي نفعاً لأنّهم قرّروا إزاحة الإمام علي عليه السلام مرّة ثالثة عن موقعه ومنصبه الريادي في إدارة الحكم، كما يفهم هذا من الامتيازات العمرية التي منحتها عبقريته لعبدالرحمن بن عوف، وقد أدركا عليهما السلام ان رفضهما الدخول في الشورى قد يصل إلى درجة قتلهما تحت عنوان إثارة الفتنة وما شابه ذلك، والمهم من ذلك كله هو أن إشراك عمر للإمام الحسن عليه السلام في الشورى اعتراف منه بمقامه ودوره في الحياة الإسلامية، وقد انعكس موقف الإمام علي عليه السلام من مكيدة الشورىٰ ونتائجها على موقف الإمام الحسن عليه السلام في جميع مراحل حركته تجاه الأحداث والشخصيّات والوجودات القائمة، فكانت المصلحة الإسلامية العليا هي الحاكمة على قراراته ومواقفه، فقد اقتدى بأبيه عليه السلام في الصبر الجميل، وفي مراعاة المصلحة العليا، فكان لا يتردّد في اتّخاذ أيّ قرار ما دام يصبّ في المصلحة الإسلامية العليا، وإن كان فيه حيف وظلم له خاصّة.
الإمام الحسن عليه السلام في عهد عثمان بن عفّان
اعتراف عثمان بمؤهّلات الإمام الحسن عليه السلام:
اعترف عثمان في زمان سلطته بعلم الإمام الحسن عليه السلام وحكمته، فقد ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (إنّ رجلاً مرّ بعثمان بن عفّان وهو قاعد على باب المسجد فسأله فأمر له بخمسة دراهم، فقال له الرجل ارشدني، فقال له عثمان: دونك الفتية الذين ترى وأومأ بيده إلى ناحية من المسجد فيها الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر عليهم السلام. فمضى الرجل نحوهم حتى سلّم عليهم وسألهم، فقال له الحسن: يا هذا إنّ المسألة لا تحلّ إلاّ في إحدى ثلاث: دم مفجّع، أو دين مقرّح، أو فقر مدقّع، ففي أيّها تسأل؟ فقال: في وجه من هذه الثلاث، فأمر له الحسن عليه السلام بخمسين دينارا، وأمر له الحسين عليه السلام بتسعة وأربعين ديناراً، وأمر له عبدالله ابن جعفر بثمانية وأربعين ديناراً. فانصرف الرجل فمرّ بعثمان، فقال له: ما صنعت؟ فقال: مررت بك فسألتك فأمرت لي بما أمرت، ولم تسألني فيما أسأل، وإنّ صاحب الوفرة لما سألته قال لي: يا هذا فيما تسأل، فإنّ المسألة لا تحلّ إلاّ في إحدى ثلاث فأخبرته بالوجه الذي أسأله من الثلاثة، فأعطاني خمسين ديناراً وأعطاني الثاني تسعة وأربعين ديناراً وأعطاني الثالث ثمانية وأربعين ديناراً، فقال عثمان: ومن لك بمثل هؤلاء الفتية أولئك فطموا العلم فطماً وحازوا الخير والحكمة)(١٠٦).
تحدّي الإمام الحسن عليه السلام عثمانَ في توديع أبي ذر:
كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من جملة الصحابة الذين نقموا على عثمان بن عفان موبقاته الكثيرة التي حصلت في زمان سلطته، ولهذا نفاه عثمانُ إلى الشام(١٠٧). ولمّا وصل إلى الشام عارض سياسة معاوية، وكان يقول: (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنّة نبيّه صلى الله عليه وآله، والله إنّي لأرى حقّاً يطفأ وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذَّباً، وأثرةً بغير تقى، وصالحا مستأثراً عليه)(١٠٨). وكتب معاوية إلى عثمان: (إنّك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر). فكتب إليه: (أن احمله على قتب بغير وطاء)، فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه، ولم يقم في المدينة إلاّ أيّاماً حتى أرسل إليه عثمان: (والله لتخرجنّ منها)، قال أبو ذر: (أتخرجني من حرم رسول الله؟)، قال: (نعم، وأنفك راغم). فنفاه إلى الربذة ولم يستجب إلى طلبه في نفيه إلى مكة أو البصرة أو الكوفة وقال له: (إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها)(١٠٩). ولمّا أُخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس إلاّ يكلّم أحد أبا ذر ولا يشيّعه، فتحاماه الناس سوى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وعقيل أخيه والحسنين عليهما السلام وعمّار، فخرجوا يشيّعونه، فجعل الحسن عليه السلام يكلّم أبا ذر، فقال له مروان (الخبيث): إيها يا حسن! ألا تعلم أنّ عثمانَ قد نهى عن كلام هذا الرجل! فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك(١١٠) ولكن الإمام الحسن عليه السلام لم يعر لمروان الخبيث اهتماماً.
وفي وداعه قال له الإمام علي عليه السلام: (يا أبا ذر إنّك غضبت لله فارج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه؛ واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمّا منعوك). وتكلّم عقيل ثمّ تكلّم الحسن عليه السلام، فقال: (يا عمّاه؛ لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت، وللمشيّع أن ينصرف، لقصر الكلام وإن طال الأسف؛ وقد أتى القوم إليك ما ترى؛ فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك صلى الله عليه وآله وهو عنك راضٍ)(١١١).
وفي هذا الحديث الموجز عبّر الإمام الحسن عليه السلام عن عدّة مفاهيم وقيم عقائدية واجتماعية وسياسية، فقد أكّد على التوجّه إلى الآخرة وتذكّرها، وحديثه دعوى للمعارضين الذين يجدون السبل قد انقطعت بهم فلا مجال للاستمرار بالمعارضة مع الإجراءات القاسية التي تبعد الإنسان عن ساحة المواجهة؛ فهو دعوة إلى استشعار ضيق الدنيا والتعالي على شدائدها التي لا تتّسع لشيء من أماني النفوس التوّاقة للإصلاح والتغيير. وفي حديثه عليه السلام حثٌّ على الصبر وتحمّل الأذى والعذاب، والغربة والاغتراب والوحدة في سبيل الله، ولاستشعار التسديد الإلهي للصابرين وتأييده لهم؛ فلا يدعهم لوحدهم ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة إنّما يمدّهم حين تنقطع بهم السبل، ويجدّد عزيمتهم حين تتوالى عليهم المحن والشدائد. وحديثه عليه السلام دعوة إلى المفاضلة الكاملة الشاملة والتميّز الدقيق لمنهجين مختلفين؛ منهج الحقّ ومنهج الباطل، وهو إشارة إلى بطلان سياسة الحكومة برئيسها وأجهزتها التنفيذية وابتعادها عن منهج رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو تعبير عن رفض للواقع القائم وللحكومة القائمة التي لا تحضى برضا رسول الله صلى الله عليه وآله لأنّها مخالفة لمنهجه وسيرته في الحياة الإنسانية.
موقف الإمام الحسن عليه السلام من حصار عثمان:
انتهت سياسة عثمان بن عفان إلى خلق جو من المعارضة السياسية لسلطته، قادها عدد جم من الصحابة المهاجرين والأنصار، وقد حاول الإمام علي عليه السلام تهدئة الأمور ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فاتخذ عليه السلام موقف الوساطة بين عثمان ومعارضيه لكي لا تتأزّم الأوضاع وتنتهي إلى قتله ولكن حصل العكس حيث كان عثمان أُلعوبة بيد مروان كلما أبرم اتفاقاً مع الإمام علي عليه السلام بشأن إرجاع الأمور إلى مجاريها نقضه مروان، حتى انتهى الأمر إلى محاصرة الصحابة لعثمان من كل جانب بعد نقض ما تعهد به، وحين علم الإمام علي عليه السلام بذلك خرج ومعه الحسن والحسين عليهما السلام ففرّقوا المعارضين ثمّ دخلوا على عثمان فأعفاهم من الدفاع عنه فخرج الإمام عليه السلام وهو يقول: (اللهمّ إنّك تعلم أنّا قد بذلنا المجهود)(١١٢). وفي رواية أرسل الإمام عليه السلام الحسن والحسين عليهما السلام للدفاع عنه، فمنعوا المعارضين من الدخول إلى منزله، وقد أصابت الحسن عليه السلام عدّة جراحات في الدفاع عن عثمان(١١٣). وفي رواية: دعا علي بابنه الحسن، فقال: (انطلق يا بني إلى عثمان فقل له: يقول لك أبي: أفتحبّ أن أنصرك) فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: (لا ما أريد ذلك..). فسكت الحسن عليه السلام وانصرف إلى أبيه فأخبره بذلك(١١٤). وفي رواية: والتفت عثمان إلى الحسن بن علي، وهو جالس عنده، فقال: (سألتك بالله يا ابن الأخ إلاّ ما خرجت فإنّي أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك)، فخرج الحسن بن علي عليهما السلام(١١٥). وروي أنّه بلغ عليّاً أنّ عثمان يراد قتله، فقال: (إنّا أردنا مروان، فأمّا قتل عثمان فلا)، ثمّ قال للحسن والحسين: (إذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحداً يصل إليه). وبعد حوارات ومساجلات صاخبة بين أتباع عثمان والمعارضين رميت السهام من كلّ جانب، وكان الحسن بن علي حاضرا فأصابه سهم، فخضّبه بالدم. جدير بالذكر ان روايات دفاع الإمام علي عليه السلام عن عثمان في تلك الأزمة وانفاذه الحسن والحسين عليهما السلام إلى دار عثمان لنصرته لا تعني أبداً الدفاع عن مواقف عثمان وسياساته التي ألّبت الناس عليه من كل حدب وصوب، بل تعني المنع من انتهاك حريمه وتعمّد قتله، ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب، ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع، وكيف وهو عليه السلام مصرّح بأنّه يستحقّ بأحداثه الخلع(١١٦).

الفصل الثالث: الإمام الحسن عليه السلام في عهد أمير المؤمنين عليه السلام

بعد مقتل عثمان بن عفان بايع طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار الإمام عليّاً عليه السلام، فقد قال له طلحة والزبير: (نبايعك يا أمير المؤمنين على أنّ علينا بيعة المهاجرين)، ثمّ قام أبو الهيثم بن التيّهان وعقبة بن عمرو وأبو أيوب، فقالوا: (نبايعك على أنّ علينا بيعة الأنصار وسائر قريش)(١١٧). وفي بداية عهده وقبل تثبيت أركان الخلافة بدأت المؤامرات تحاك على هذه الدولة المباركة فكانت معركة الجمل ثمّ صفّين ثمّ النهروان.
الإمام الحسن عليه السلام في معركة الجمل:
كان الزبير لا يشكّ في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلمّا استبان لهما أنّ علياً غير مولّيهما شيئاً أظهرا الشكاة، ثمّ أتيا إلى الإمام عليه السلام فقالا: (يا أمير المؤمنين ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسر نتبعك). فنظر إليهما علي عليه السلام، وقال: (نعم، والله ما العمرة تريدان، وإنّما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما)(١١٨)، وفي رواية أخرى قال لهما أو لبعض أصحابه: (والله ما أرادا العمرة ولكنّهما أرادا الغدرة)، فلحقا عائشة فحرّضاها على الخروج، فسارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم، وقدم القوم البصرة، فقالوا لعثمان بن حنيف عامل علي عليه السلام: (لم نأتِ لحرب وإنّما جئنا لصلح) فكتبوا كتابا بينهم وبينه أنّهم لا يحدثون حدثاً إلى قدوم علي عليه السلام، وأنّ كلّ فريق منهم آمن من صاحبه ثمّ افترقوا، فوضع عثمان السلاح، فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه، وانتهبوا بيت المال وأخذوا ما فيه، فلمّا أتى عليّاً عليه السلام الخبر سار إلى البصرة، فخرج من المدينة، ثمّ صار إلى ذي قار، ووجّه الحسن عليه السلام وعمّار بن ياسر إلى الكوفة(١١٩). ووصل الإمام الحسن عليه السلام إلى الكوفة فالتأم حوله الناس زمراً، وأعلن الإمام الحسن عليه السلام عزل أبي موس الأشعري عن منصبه، وقال له: يا أبا موسى لم تثبط عنّا الناس، وأقبل يحدّثه برفق ولين قائلاً: (يا أبا موسى، والله ما أردنا إلاّ الإصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء)، فبهت أبو موسى وضاقت به مكابرته فقال للإمام عليه السلام: (صدقت بأبي أنت وأمي ... ولكن المستشار مؤتمن). ولكنّ أبا موسى بقي مصرّاً على ما هو عليه من تثبيط عزائم الناس وخذلانهم من الخروج مع الإمام عليه السلام، وجعل كلّما سمعه من الحسن عليه السلام ومن الخطباء دبر أذنيه حتى أعيى الإمام حسن حلمه فاندفع يصيح به في ثورة وعنف قائلاً له: (اعتزل عملنا أيّها الرجل، وتنحّ عن منبرنا لا أمّ لك)(١٢٠). وروي أنّ عمار بن ياسر خطب ثمّ نزل، فصعد الحسن عليه السلام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه فصلى عليه، وذكر فضل أبيه وسابقته وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وأنّه أولى بالأمر من غيره. ثمّ قال: (معاشر الناس إنّ طلحة والزبير بايعا عليّاً طائعين غير مكرهين، ثمّ نفرا ونكثا بيعتهما له، فطوبى لمن خفّ في مجاهدة من جاهده، فإنّ الجهاد معه كالجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله)(١٢١).
وفي رواية أخرى قال: (أيّها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنّه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، ووالله لأن يليه أولوا النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإنّ أمير المؤمنين يقول: ... والله إنّ طلحة والزبير لأوّل من بايعني وأوّل من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكماً؟ فانفروا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر)، فسامح الناس وأجابوا ورضوا(١٢٢) فقال للناس: (أيّها الناس إنّي غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر، ومن شاء فليخرج في الماء). واستجابت الجماهير لدعوة الإمام، وعجّت الكوفة بالنفار ونزحت منها آلاف كثيرة، فريق منها ركب السفن، وفريق آخر ركب المطي، وقد بدا عليهم الرضا والقبول وقد ساروا وهم تحت قيادة الإمام الحسن عليه السلام(١٢٣). وفي رواية خرج معهم ثمانية آلاف على كلّ صعب وذلول(١٢٤).
خطاب الإمام الحسن عليه السلام في معركة الجمل:
فشلت جميع المحاولات لتهدئة الأوضاع وإعادة المتمرّدين إلى الطاعة، فقد كان عبدالله بن الزبير من أشدّ المحرّضين على إثارة الفتنة وإراقة الدماء، وقد أفسد جميع الوسائل التي صنعها الإمام عليه السلام لتحقيق السلم، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم إلى الحرب تحت ذريعة الطلب بدم عثمان. فبلغ خطابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال للإمام الحسن عليه السلام: قم يا بنيّ فاخطب، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: (أيّها الناس قد بلغتنا مقالة ابن الزبير، وقد كان والله يتجنّى على عثمان الذنوب، وقد ضيّق عليه البلاد حتى قتل، وإنّ طلحة راكز رايته على بيت ماله وهو حيّ، وأمّا قوله إنّ عليّاً ابتزّ الناس أمرهم فإنّ أعظم حجّة لأبيه زعم أنه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه فقد أقرّ بالبيعة وادّعى الوليجة فليأتي على ما ادّعاه ببرهان، وأنّى له ذلك، وأمّا تعجّبه من تورد أهل الكوفة على أهل البصرة فما أعجبه من أهل حق توردوا على أهل باطل، ولعمري والله ليعلمنّ أهل البصرة وميعاد بيننا وبينهم اليوم نحاكمهم إلى الله تعالى فيقضي الله الحقّ وهو خير الفاصلين)(١٢٥). وحينما اشتدّ القتال وكثر القتلى من الطرفين، دعا الإمام علي عليه السلام محمد ابن الحنفية فأعطاه رمحه، وقال له: (اقصد بهذا الرمح قصد الجمل) فذهب فمنعه بنو ضبّة، فلمّا رجع إلى والده، انتزع الحسن رمحه من يده، وقصد الجمل وطعنه برمحه، ورجع إلى والده وعلى رمحه أثر الدم(١٢٦). وبعد مقتل الجمل الذي عليه عائشة انهزم الناس(١٢٧). فقد كان دور الإمام الحسن عليه السلام هو دور المدافع باللسان والسنان معاً، فقد ردّ على خطاب ابن الزبير، وحسم المعركة بقتل الجمل.
الإمام الحسن عليه السلام في معركة صفّين:
قبل بدء المعركة أدرك معاوية الدور الكبير للإمام الحسن عليه السلام لأهليّته للإمامة والخلافة في حال غياب الإمام علي عليه السلام، فأراد أن يمنّيه بالخلافة لعلّه يتراجع عن المعركة أو يخلق الاضطراب في جيش الإمام فبعث عبيدالله بن عمر إلى الحسن عليه السلام فقال: (إنّ لي إليك حاجة فالقني)، فلقيه الحسن فقال له عبيدالله: (إنّ أباك قد وتر قريشا أوّلاً وآخراً، وقد شنئوه فهل لك أن تخلفه ونولّيك هذا الأمر؟). قال: (كلاّ والله لا يكون ذلك، لكأني أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك)(١٢٨). وبالفعل تحقّقت نبوءة الإمام الحسن عليه السلام وقُتل عبيدالله بن عمر في صفين. وذهب مع من ذهب إلى الجحيم.
ومن خطب الإمام الحسن عليه السلام في صفين، قوله: (الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، وأثني عليه بما هو أهله، إنّ مما عظم الله عليكم من حقّه، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّىٰ شكره، ولا يبلغه صفة ولا قول، ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، فإنّه منَّ علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولاً يصعد إلى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق، يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا، قولاً يزيد ولا يبيد، فإنّه لم يجتمع قوم على امر واحد إلاّ اشتدّ أمرهم واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم: معاوية وجنوده، فإنّه قد حضر، ولا تخاذلوا؛ فإنّ الخذلان يقطع نياط القلوب، وإنّ الإقدام على الأسنّة نجدة وعصمة؛ لأنّه لم يمتنع قوم قط إلاّ رفع الله عنهم العلّة، وكفاهم جوائح الذلّة، وهداهم إلى معالم الملّة)(١٢٩). ثمّ عبّأ الإمام علي عليه السلام جيشه فجعل على ميمنته الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر ومسلم بن عقيل(١٣٠). وفي رواية أنّه عليه السلام جعل على القلب الحسن عليه السلام(١٣١). وأقبل رجل من أهل الشام يقال له: الزبرقان بن الحكم، وكان سيّد أهل الشام فطلب البراز، فخرج إليه الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال له الزبرقان: من أنت؟ قال الحسن بن علي، فقال له: انصرف يا بنيّ فوالله لقد نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مقبلاً من ناحية (قبا) يسير على ناقة له وأنّك يومئذ لقدّامه، فما كنت لألقى رسول الله صلى الله عليه وآله بدمك. فانصرف الزبرقان وهو يقول: إنّي أخاف الله في ابن فاطمة، وإنّ ذا الكلاع حدّثني أنّه سمع جهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة)(١٣٢). وقد كذب الزبرقان في علة انصرافه لأنه لو كان صادقاً لمال إلى الحسن عليه السلام، لا أن يرجع إلى الوغد الباغي معاوية، الأمر الذي يشير إلى جبنه وخوفه من سيف شبل أمير المؤمنين عليهما السلام.
الإمام الحسن عليه السلام ومقتل عمّار بن ياسر:
حينما استشهد عمار بن ياسر وقف الإمام الحسن عليه السلام واجما مستعبراً عند مصرعه، وأخذ السبط يتلو على المسلمين ما سمعه من جدّه النبي صلى الله عليه وآله في فضله والإشادة بعظيم مكانته في الإسلام، فقال عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: (ابنوا لي عريشاً كعريش موسى، وجعل يتناول اللبن من قومه، وهو يقول: اللهمّ لا خير إلاّ خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة. وجعل يتناول اللبن من عمار وهو يقول: (ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية). وقال عليه السلام: (إنّ جدّي قال: إن الجنّة لتشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمّار وسلمان)(١٣٣). والإمام الحسن عليه السلام يذكر هذين الحديثين أراد تبيان حقيقة المعركة القائمة بين جيش الإمام علي عليه السلام وجيش معاوية، فقد وجّه أنظار ومسامع الجيشين إلى معرفة الحقّ من الباطل، فقد أثبت أحقيّة الإمام علي عليه السلام؛ لأنّ أهل الشام كانوا قد سمعوا من عمرو بن العاص يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية)(١٣٤). فقد ذكرهم الإمام الحسن عليه السلام بالحديث الشريف وألقى الحجّة عليهم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
الحرص على سلامة الإمام الحسن عليه السلام:
في بعض أيّام صفّين رأى الإمام علي عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام يتسرّع إلى الحرب، فقال: (املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني؛ فإنّي أنفس بهذين ـ يعني الحسن والحسين عليهما السلام ـ على الموت لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله)(١٣٥).
ويدلّ هذا القول على أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان يتسابق إلى قتال أهل البغي والعدوان.
الإمام الحسن عليه السلام والتحكيم:
لما انصرف الناس إلى الكوفة وعلموا بنتائج التحكيم الذي انتهت إليه معركة صفين بين الحكمين عبد الله بن قيس المعروف بأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص. خاضوا في أمر الحكمين فقال بعض الناس: ما يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يأمر بعض أهل بيته فيتكلم؟ فقال للحسن: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص، فقام الحسن عليه السلام فقال: (أيّها الناس، إنّكم قد أكثرتم في أمر عبدالله بن قيس، وعمرو بن العاص فإنّما بعثا ليحكما بكتاب الله فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسم حكماً ولكنه محكوم عليه، وقد أخطأ عبدالله بن قيس في أن أوصى إلى عبد الله ابن عمر فأخطأ في ذلك ... وإنّما الحكومة فرض من الله وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعدا في بني قريظة فحكم فيهم بحكم الله لا شك فيه، فنفذ رسول الله حكمه، ولو خالف ذلك لم يجزه)(١٣٦). فقد بيّن الإمام الحسن عليه السلام حقيقة التحكيم، إذ ليس كل حكم يُعمل به، وإنّما يُعمل بالحكم المطابق للثوابت الشرعية، لأنّ الحكمين يقتربان من هذه الثوابت تارة ويبتعدان أخرى، فإذا حكما بحكم الله فحكمهما مشروع وإلاّ فلا يؤخذ به، وأراد في خطبته أن يبيّن بأنّ الثوابت الشرعية حاكمة على الأشخاص والشخصيات مهما كان موقعهم الديني والسياسي.
وصية أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السلام عند انصرافه من صفين:
كتب أمير المؤمنين عليه السلام وصية للإمام الحسن عليه السلام في منطقة حاضرين عند انصرافه من صفين، وفيما يلي نختار بعض نصوصها: (أحيي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة وقوِّه باليقين، ونوّره بالحكمة.
وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا، وأين حلّوا ونزلوا. وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك. وجاهد في الله حقّ جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم. واخلص في المسألة لربّك، فإنّ بيده العطاء والحرمان. واعلم أنّه لا خير في علمٍ لا ينفع، ولا ينتفع بعلمٍ لا يحقّ تعلّمه. يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحبُّ أن تظلم. قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم. والعقل حفظ التجارب، وخير ما جرَّبت ما وعظك. إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدّار. واكرم عشيرتك؛ فانهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك الّتي بها تصول)(١٣٧).
آخر وصايا أمير المؤمنين للحسنين عليهما السلام:
أخذ أمير المؤمنين عليه السلام يوصي ولديه الحسن والحسين عليهما السلام ويرسم لهما وللمسلمين المنهج السليم في العلاقة مع الله ومع المجتمع، وكانت هذه آخر الوصايا، فقد صدرت منه في أيام جرحه وقبل شهادته، ومما جاء فيها: (أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدّنيا وإنّ بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر. وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً. أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام. الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا(١٣٨) أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم. والله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، مازال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم. والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصّلاة، فانّها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا(١٣٩). والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. وعليكم بالتواصل والتّباذل، وإيّاكم والتّدابر والتقاطع. لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم. يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متُّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور)(١٤٠). وأوصى الإمام الحسن عليه السلام بأركان الدين وحسن الخلق وحسن العلاقة مع الآخرين: (أوصيك، أي بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء، فإنّه لا صلاة إلاّ بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتشبث في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش)(١٤١).
إمامة الإمام الحسن عليه السلام في كلمات ووصايا أمير المؤمنين عليه السلام:
حينما عادت الخلافة إلى أهلها ورجعت إلى مستقرِّها في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، وأصبح عليه السلام على رأس السلطة في الدولة الإسلامية؛ توسعت القاعدة الشعبية لأهل البيت عليهم السلام، وانتشرت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله في إمامتهم، وكان أمير المؤمنين يؤكّد هذه الحقيقة ويوجّه الانظار إلى خط الإمامة الحقّة، ويوليها أهمية استثنائية، وذلك في التأكيد على إمامة العترة الطاهرة، وتوجيه أنظار المسلمين إليها، ليوالوها ويسترشدون بنهجها ويقتدوا بها في أقوالها وممارساتها ومواقفها العملية، وممّا قاله في ذلك: (فأين تذهبون؟ وأنّى تؤفكون والاعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم! وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وَرِدوهم ورود الهيم العطاش)(١٤٢). وقال عليه السلام: (انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم واتّبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردىً، فإن لبدوا فألبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما أرى أحداً يشبههم منكم...)(١٤٣). وقال عليه السلام: (الحمد لله الناشر في الخلق فضله، والباسط فيهم بالجود يده، نحمده في جميع أموره، ونستعينه على رعاية حقوقه، ونشهد أن لا إله غيره، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بأمره صادعاً وبذكره ناطقاً، فأدّى أميناً ومضى رشيداً، وخلّف فينا راية الحقّ من تقدّمها مرق، ومن تخلّق عنها زهق، ومن لزمها لحق ... ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى الله عليه وآله، كمثل نجوم السّماء؛ إذا خوىٰ نجم طلع نجم، فكأنّكم قد تكاملت من الله فيكم الصّنايع، وأراكم ما كنتم تأملون)(١٤٤). وقال عليه السلام: (لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً؛ هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة)(١٤٥).
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوجّه الأنظار إلى إمامة ولده الحسن عليه السلام ومقامه السامي وخصائصه وكفاءته العلمية والسياسية والادارية والاجتماعية، فقد كان يسأله عن المسائل المختلفة أمام مرأى ومسمع الملأ من أصحابه، فيجيب عليها بأجوبة شافية، وقد تركزت اسئلته على مسائل هامة في جميع مجالات الحياة تتعلق بعلاقة الإنسان مع نفسه ومع المجتمع، لتكون أجوبته نبراساً للمؤمنين باعتبارها صادرة من شخصية متكاملة معصومة مكلفة بامامة وقيادة الأمّة. وقد كثرت الروايات حول هذا الموضوع نكتفي بواحدة منها، فقد روي (أنّه سأل أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام فقال: يا بنيّ ما العقل؟ قال: حفظ قلبك ما استودعته.
قال: فما الحزم؟ قال: أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما امكنك.
قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم وايتاء المكارم.
قال: فما السماحة؟ قال: إجابة السائل وبذل النائل.
قال: فما الشح؟ قال: إن ترى القليل سرفا وما أنفقت تلفا.
قال: فما الرقّة؟ قال: طلب اليسير ومنع الحقير.
قال: فما الكلفة؟ قال: التمسك بمن لا يواتيك والنظر فيما لايفييك.
قال: فما الجهل؟ قال: سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها، والامتناع عن الجواب، ونعم العون الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحاً)(١٤٦). وكان أمير المؤمنين يحيل الأسئلة الموجهة إليه إلى الإمام الحسن أو الحسين عليهما السلام لتوجيه الانظار إلى مؤهلاتهما وقدراتهما، فقد روي أنّ معاوية بعث رجلاً متنكراً يسأل أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل سأله عنها ملك الروم، فلما دخل الكوفة وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام أنكره فقرره فاعترف له بالحال، فقال عليه السلام: (يا أخا أهل الشام هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ابني، فاسأل أيّهم أحببت)، فقال الشامي: أسأل هذا يعني الحسن عليه السلام(١٤٧). وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكلّف الإمام الحسن عليه السلام بالمهام والمسؤوليات الصعبة، ويبعثه لحلّ الأزمات، ويشركه في المواقف الحرجة ليبين للمسلمين موقعه الريادي في المجتمع الانساني ومؤهلاته القيادية، فقد بعثه إلى أهل الكوفة لعزل أبي موسى الأشعري، وأمره بالردّ على خطاب عبدالله بن الزبير في معركة الجمل، وأمره بنقض حكم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في قضية التحكيم لمخالفتهما القرآن الكريم.
عهد أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة لابنه الإمام الحسن عليه السلام:
في اليومين الأخيرين من حياة أمير المؤمنين عليه السلام أكّد على إمامة الحسن عليه السلام في وصاياه الأخيرة، فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (جمع أمير المؤمنين بنيه وهم اثنا عشر ذكراً فقال لهم: إنّ الله أحبّ أن يجعل فيّ سنة من يعقوب إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً، فقال لهم: إنّي أوصي إلى يوسف فاسمعوا له وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوهما)(١٤٨). فقد ربط أمير المؤمنين عليه السلام هذه الوصية بوصية يعقوب عليه السلام فهي وصية إلهية، فبأمر من الله تعالى أوصى يعقوب إلى يوسف، وهي ليست وصية مال أو رعاية أيتام أو تسديد ديون؛ بل هي وصية رسالية قائمة على أساس الاستمرار في أداء الدور والتكليف الإلهي للموصى، وهو القيام بهداية الناس وتنظيم شؤونهم وربطهم بالمنهج الإلهي في الحياة، إضافة إلى إدارة الدولة. حدّث الأصبغ بن نباتة قال: (دعا أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين عليهما السلام لمّا ضربه الكافر اللعين ابن ملجم لعنه الله، فقال لهما: إنّي مقبوض في ليلتي هذه ولاحق برسول الله صلى الله عليه وآله فاسمعا قولي وعياه؛ أنت يا حسن وصيّي والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصية فأنصت ما نطق، وكن لأمره تابعاً ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر)(١٤٩).
وفي حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: (إنّ محمّد بن الحنفية قال لعليّ بن الحسين عليهما السلام: قد علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله دفع الوصية والإمامة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ثم إلى الحسن، ثم إلى الحسين)(١٥٠). فالوصية هنا عهد الهي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله حينما أوصى بالإمامة إلى أمير المؤمنين، والظاهر أنّ هذه الوصية كانت مكتوبة وهذا يظهر من كلام الأصبغ بن نباتة حين قال: (وكتب له بالوصية عهدا منشوراً نقله جمهور العلماء)(١٥١). ووصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإمام الحسن عليه السلام كانت بأمر الله عزّ وجلّ، ورسوله صلى الله عليه وآله: عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: (أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، ثم قال لابنه الحسن: يا بنيّ أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ رسول الله ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه الى أخيك الحسين..)(١٥٢).

الفصل الرابع: من خصائص الإمام الحسن عليه السلام القيادية

القائد أو الإمام أو الخليفة الذي يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله ينبغي أن يكون متصفاً بأمثل الصفات وأفضلها. ويفهم من آراء العلماء والباحثين في علم السياسة والاجتماع أنّهم يقدّمون الأفضل. قال (ج. كورتوا): (على الرئيس أن يكون أكثر يقظة من الآخرين، وأكثر ذكاءً، وأكثر دقة، وأسرع في اتخاذ القرار، وأشجع في الأخطار، وأكثر صراحة، وأكثر ثباتاً في العمل، وأكثر دماثة وغنىً بالعواطف النبيلة)(١٥٣). ويرى الدكتور عبد العزيز القوصي أن يكون القائد شديد الايمان بالهدف والخطة، وأن يكون شخصية متميزة على غيرها؛ في الفعل والخُلق، والقدرة البارزة على التأثير، وأن يتميز بذكاء نادر، وبصيرة نافذة، وخلق عالٍ، ويتميز بقوة الارادة، وتمثيل آمال الجماعة وطموحاتهم، وأن يتميز بالتضحية الكاملة(١٥٤). والأفضلية في حال تسلسلها تصل إلى أعلى المراتب، وهو ما يسمى بالعصمة، والإمام الحسن عليه السلام باعتباره الإمام والقائد المنصوص عليه فهو يتمتع بخصائص وصفات تؤهله للموقع الريادي في حركة المسلمين، فقد كان عاقلاً حليما محبّاً للخير فصيحا من أحسن الناس منطقا وبديهة.
وفيما يأتي أهم صفات الإمام الحسن عليه السلام وخصائصه القيادية:
١ ـ العصمة: وقد تقدم ما يدل عليها من كتاب الله العزيز ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته، ولا حاجة إلى إعادة ذلك كله.
٢ ـ العلم: أخذ الإمام الحسن عليه السلام العلم عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله ـ كما تقدّم ـ حيث كان ملازماً له في أغلب جلساته ولقاءاته وحركاته، وكان يستمع للوحي وهو يلقى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ويستمع إلى أحاديث جدِّه صلى الله عليه وآله، وأخذ العلم عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام الذي لازمه أكثر من أربعين عاماً، وأبوه عليه السلام كان أعلم الناس بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها)(١٥٥). وقال صلى الله عليه وآله: (أعلم الناس بالسنة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب)(١٥٦).
وقال عثمان بن عفّان في علم الحسنين عليهما السلام: (اولئك فطموا العلم فطماً وحازوا الخير والحكمة). قال الشيخ الصدوق: (معنى قوله: فطموا العلم فطماً أيّ قطعوه عن غيرهم قطعاً وجمعوه لأنفسهم جمعاً)(١٥٧). وقال محمد بن طلحة الشافعي: (كان الله عزّ وجل قد رزقه ـ يعني الإمام الحسن عليه السلام ـ الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعانيه ومنحه الفطرة الصائبة لاصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصّه بالجبلة التي درت لها أخلاق مادتها بصور العلم ومعانيه)(١٥٨). وقال الحافظ إسماعيل بن كثير: (أحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم)(١٥٩). وكتب إليه الحسن البصري: (أما بعد فانكم معشر بني هاشم الفلك الجارية واللجج الغامرة والأعلام الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون)(١٦٠). وقد تتلمذ على يديه مجموعة كبيرة من الفقهاء والعلماء ورواة الحديث. وروى عن الإمام الحسن المئات من الصحابة والتابعين وأشرفهم: أخوه الإمام الحسين، وابن أخيه الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، وجابر بن عبدالله، وعبدالله بن عباس، وعائشة، وابنه الحسن بن الحسن، والمسيب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والشعبي، وهبيرة بن بريم، والأصبغ بن نباتة، وجابر بن خالد، وعيسىٰ بن مأمون، وعمير ابن سعيد النخعي، وإسحاق بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وسفيان بن الليل، وعمرو بن قيس، ومعاوية بن حديج، وإسحاق بن بشار، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وجبير بن نفير وغيرهم(١٦١).
٣ ـ الارتباط باللّه تعالى: كان الإمام الحسن عليه السلام دائم الارتباط بالله تعالى، ودائم التوجه إليه، وكان مرتبطاً به في عقله ومشاعره وإرادته، وصار هذا الارتباط حقيقة ايجابية متحركة استقرت في أغوار النفس والضمير وتحولت إلى واقع في صورة أعمال وممارسات وحركات دائمة صادرة عن وعي ومتجهة إلى غاية، فهي ليست مظاهر وطقوس مجردة بل هي حركة وفاعلية تعبر عن اخلاص لله وتجرد له تدفع إلى العمل الصالح الذي هو انعكاس لهذا الارتباط الدائم.
عن المفضل بن عمر قال: (قال الصادق عليه السلام: حدّثني أبي عن أبيه عليه السلام أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ويسأل الله الجنة ويعوذ به من النار، وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلاّ قال: لبّيك اللهمّ لبّيك، ولم ير في شيء من أحواله إلاّ ذاكر الله سبحانه)(١٦٢). وروي أنّه: حج خمس عشرة حجّة ماشياً، وخرج لله من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرّات(١٦٣).
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام: (أنّ الحسن عليه السلام قال: إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه ولم أمشي إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه)(١٦٤). وكان إذا بلغ المسجد رفع رأسه وقال: (ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)(١٦٥). وكان إذا فرغ من الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس وإن زحزح(١٦٦). وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش(١٦٧). وكان إذا فرغ من الوضوء تغيّر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: (حقّ على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغيّر لونه)(١٦٨).
٤ ـ الكرم: وهو صفة محمودة في جميع الأحوال وسائر الناس، وانتصار على النفس والغلبة على الشهوة؛ لأنّ النفس الانسانية مرتبطة باثقال الدنيا، فلا يتعالى الإنسان على هذه الاثقال إلاّ بالكرم والجود، والذي يدفع الإنسان المؤمن إلى الكرم والانفاق هو دافع أقوى من شهوة المال وقيود الحرص، والطمع وهو دافع التقوى وحب الخير وحب الكمال والسمو، والتقرب إلى الله عزّ وجلّ.
والكرم صفة ملازمة للقيادة الصالحة الناجحة؛ فبها يستهوي الناس ويشدّهم إلى ما يمليه عليهم من مفاهيم وقيم ومن نصائح وارشادات، ويدفعهم لمراجعة أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم واصلاحها حياءً أو قناعة في مقابل الكرم والجود والإحسان إليهم. وقد امتاز الحسن عليه السلام بهذه الصفة وكان قمة في الكرم والجود والإحسان إلى الآخرين. فقد روى أنّه: (لم يقل لسائل قط: لا، وكان لا يأنس به أحد فيدعه حتى يحتاج إلى غيره، حتىٰ عُرِفَ عليه السلام بكريم أهل البيت عليهم السلام. واشترى حائطاً من قوم من الأنصار بأربعمائة ألف فبلغه أنّهم احتاجوا ما في أيدي الناس فردّه إليهم)(١٦٩). وهذه ممارسات نادرة لم يحدّثنا التاريخ أنّ كريماً ـ من غير أهل البيت عليهم السلام ـ لم يقل لسائل قط: (لا). ومن كرمه وجوده أنّه يوصل بعض الذين يكرمهم إلى مرحلة متقدّمة من العيش الكريم بحيث لا يحتاج إلى الآخرين؛ لأنّ ما يحصل عليه يسعفه للاعتماد على نفسه وامكاناته. قال ابن كثير: (وقد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين: ربما أجاز الحسن بن علي الرجل الواحد بمائة ألف). وقال: (وذكروا أنّ الحسن رأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة ويطعم كلباً هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: أنّي أستحي منه أن أكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فاعتقه وملكه الحائط)(١٧٠). وروي أنّه (وقف رجل على الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يابن أمير المؤمنين بالّذي أنعم عليك بهذا النعمة الّتي ما تليها منه بشفيع منك إليه، بل إنعاماً منه عليك إلاّ ما انصفتني من خصمي فإنّه غشوم ظلوم، لا يوقّر الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير، وكان متكئا فاستوى جالساً وقال له: من خصمك حتى أنتصف لك منه؟ فقال له: الفقر، فأطرق عليه السلام ساعة ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له: احضر ما عندك من موجود، فاحضر خمسة آلاف درهم، فقال: ادفعها إليه، ثم قال له: بحق هذه الأقسام الّتي أقسمت بها عليّ متى أتاك خصمك جائراً إلاّ ما أتيتني منه متظلماً)(١٧١). وقال ابن شهرآشوب: (ومن سخائه عليه السلام ما روي أنّه سأل الحسن بن علي عليهما السلام رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار، وقال: ائت بحمال يحمل لك، فأتى بحمّال فأعطاه طيلسانه، فقال: هذا كرى الحمال. وجاءه بعض الأعراب، فقال: اعطوه ما في الخزانة، فوجد فيها عشرون ألف درهم، فدفعها إلى الأعرابي)(١٧٢). وقيل له عليه السلام: لأي شيء نراك لا ترد سائلاً وإن كنت على فاقة؟ فقال: (إنّي لله سائل وفيه راغب وأنا أستحيي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً، وإنّ الله تعالى عوّدني عادة؛ عوّدني أن يفيض نعمه عليّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى أن قطعت العادة أن يمنعني العادة، وأنشأ يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً * * * بمن فضله فرض عليّ معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل * * * وأفضل أيام الفتى حين يسأل)(١٧٣).

وقال عبدالله بن عباس حول كرم الإمام الحسن عليه السلام: (قاسم الله ماله ثلاث مرّات، حتى أنّه يعطي الخفّ ويمسك النعل)(١٧٤). وهذا ما قاله علي بن يزيد بن جدعان أيضاً(١٧٥). وقال سعيد بن عبد العزيز: (سمع الحسن بن علي رجلاً إلى جانبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف، فبعث بها إليه)(١٧٦). وقال القاسم بن الفضل الحدّاني: (حدّثنا أبو هارون قال: انطلقنا حجّاجاً، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدّثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا بعث إلى كل رجل منّا بأربعمائة فرجعنا فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردّوا عليّ معروفي فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيراً، إنّ الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة)(١٧٧).
٥ ـ البلاغة والفصاحة: من الصفات المحبّبة لدى القائد أن يكون بليغاً وفصيحاً في أقواله وكلماته التي يخاطب بها العقول، والمشاعر؛ لتنفتح أمام الحقائق وأنوار الهداية. وهي ضرورية في استجاشة عناصر الخير والصلاح، ومطاردة عناصر الشر والانحراف، واستثارة حالة الحذر من مزالق الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، وكان الإمام الحسن عليه السلام أفضل الناس بلاغة وفصاحة في زمانه؛ يحث الناس من خلالها على تبني المفاهيم السليمة وممارسة القيم الصالحة. وكان عليه السلام يمارس الخطاب البليغ والفصيح لتحريك العقل الجمعي وتوجيهه الوجهة الصالحة. وفي هذا يقول ابن كثير: (وكان علي [صلوات الله عليه] يكرم الحسن اكراماً زائداً ويعظمه ويبجله، وقد قال له يوماً: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إنّي أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيباً وعليّ يسمع، فأدّى خطبة بليغة فصيحة، فلما انصرف جعل عليّ يقول: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(١٧٨). ورُوي أنه: (طعن أقوام من أهل الكوفة في الحسن بن علي عليهما السلام، فقالوا: إنّه عيّ لا يقوم بحجّة، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعا الحسن فقال: يابن رسول الله إنّ أهل الكوفة قد قالوا فيك مقالة أكرهها؟ قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين؟ قال: يقولون: إنّ الحسن بن علي عيّ اللسان لا يقوم بحجة، وإن هذه الأعواد فاخبر الناس فقال: يا أمير المؤمنين لا أستطيع الكلام وأنا أنظر إليك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام إنّي متخلّف عنك، فناد أنّ الصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون فصعد عليه السلام المنبر، فخطب خطبة بليغة وجيزة فضجّ المسلمون بالبكاء ثم قال: أيّها الناس اعقلوا عن ربّكم إنّ الله عزّ وجلّ اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذريّة من آدم، والاسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمد صلى الله عليه وآله نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوة والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقية ولا غربية التي بورك زيتها، النبي أصلها، وعلي فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلف عنها فإلى النار هوى)(١٧٩). فقد صاغ الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن فضائل أهل البيت عليهم السلام صياغة بلاغية جميلة، وتمثلت بلاغته بالخطاب وبالقاء الشعر، ومنه:

أغن عن المخلوق بالخالق * * * تغن عن الكاذب والصادق
واسترزق الرحمن من فضله * * * ليس غير الله بالرازق
مَن ظن أن الناس يغنوه * * * فليس بالرحمن بالواثق
مَن ظن أن الرزق مِن كسبه * * * زلت به النعلان من حالق(١٨٠)

فقد بيّن في هذا الشعر جملة من المفاهيم والقيم الصالحة لايصالها إلى مسامع الناس لتنفذ إلى عقولهم وقلوبهم، وفي شعر آخر يتحدث عن الدنيا الزائلة فيقول:

ذري كدر الأيام إنّ صفاءها * * * تولى بأيام السرور الذواهب
وكيف يفرّ الدهر من كان بينه * * * وبين الليالي محكمات التجارب

وقال عليه السلام:

قل للمقيم بغير دار إقامة * * * حان الرحيل فودّع الأحبابا
إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم * * * صاروا جميعاً في القبور ترابا(١٨١)

ويشير عليه السلام إلى الزهد في الدنيا؛ في المأكل والمشرب والملبس، فيقول:

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني * * * وشربة من قراح الماء تكفيني
وطمرة من رقيق الثوب تسترني * * * حياً وإن متّ تكفيني لتكفيني(١٨٢)

ويتحدث عليه السلام عن الشدّة والرخاء، وعدم دوامهما، فيقول:

لئن سائني دهر عزمت تصبراً * * * وكل بلاء لا يدوم يسير
وإن سرّني لم أبتهج بسروره * * * وكلّ سرور لا يدوم حقير(١٨٣)

٦ ـ الهيبة: الهيبة التي يتصف بها القائد لها تأثير واضح على الاقتداء به من قبل الناس، فهم يسعون للتشبه بمن له هيبة وسلطان عليهم، وقد كان الإمام الحسن عليه السلام يتصف بهذه الصفة إلى أقصى الحدود. قال محمد بن إسحاق: (ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله ما بلغ الحسن كان يبسط له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مر أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما من خلق الله أحد رآه إلاّ نزل ومشى حتى رأيت سعد بن أبي وقاص يمشي)(١٨٤). وقال واصل بن عطاء: (كان الحسن بن علي عليهما السلام عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك)(١٨٥). وكان عليه السلام مهاباً من قبل الكثير من الحكّام والولاة وعموم الناس، حتى أنّ معاوية الطاغية كان يهابه، ولهذا كبّر عند موته، وقال: (والله ما كبّرت شماتة لموته، ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة)(١٨٦). وقال ابن عباس: (أوّل ذلّ دخل على العرب موت الحسن عليه السلام)(١٨٧).
٧ ـ الشجاعة: إنّ هداية الناس واصلاحهم بحاجة إلى الشجاعة والاقدام، لأنّها تصطدم بشهوات البعض وبالضعف النفسي لهم، وتصطدم بالجاهلين الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وبالمنحرفين الذين يبغضون الهداية والسمو، وبالأعداء والمتآمرين؛ ومعالجة كل هذا بحاجة إلى التسلّح بالشجاعة، دون خوف أو وجل أو تردد أو تراجع. والإمام الحسن عليه السلام كإمام وخليفة كان يتصف بأعلى درجات الشجاعة، وكان لا يتردد في قول الحقّ وفي فعل الحقّ ولا تأخذه في الحقّ لومة لائم.
روي أنّ الطليق معاوية سأل الحسن عليه السلام بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع، فناشده أن يفعل، فوضع له كرسيّ، فجلس عليه، ثم قال: (... وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجّه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا؛ لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله أحتسب ما مضى وما ينتظر من سوء دعتكم، وحيف حكمكم ...)(١٨٨).
وفي ردّ له على معاوية قال: (هيهات!! لشر ما علوت به يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل)(١٨٩). وفي مجلس لمعاوية طعن عمرو بن العاص بالإمام الحسن عليه السلام، فخاطب الإمام عليه السلام معاوية قائلاً: (يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور، وتحرّج منه الصدور). ثم أنشأ يقول:

أتأمر يا معاوي عبد سهم * * * بشتمي والملا منّا شهود
فهل لك من أب كأبي تسامى * * * به من قد تسامى أو تكيد
ولا جد كجدي يا ابن حرب * * * رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أم كأمي من قريش * * * إذا ما حصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم يا ابن حرب * * * ولا مثلي ينهنهه الوعيد
فمهلاً لا تهج منا أموراً * * * يشيب لهولها الطفل الوليد(١٩٠)

أمّا الشجاعة في ميدان القتال فقد شهدت له معارك الجمل وصفين، ففي معركة الجمل قال الإمام علي عليه السلام لمحمد: (أي بنيّ خذ الراية، فابتدر الحسن والحسين ليأخذاها، فأخرهما عنها)(١٩١). وفي معركة صفين صرّح الإمام علي عليه السلام بذلك فقال: (ولقد هممت بالاقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدراني ـ يعني الحسن والحسين ـ ونظرت إلى هذين قد استقدماني ـ يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي ـ فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة، فكرهت ذلك، وأشفقت على هذين أن يهلكا)(١٩٢). وكان علي عليه السلام قد جعل الإمام الحسن على قلب جيشه، كما ورد في كتب التاريخ(١٩٣).
٨ ـ التواضع: إنّ مهمة القائد أو الإمام هي هداية الناس واصلاحهم وتقرير مفاهيم وقيم الإسلام في عقولهم وقلوبهم وارادتهم وممارساتهم، وهذه المهمة تتطلب الاختلاط معهم ومشاركتهم في نشاطاتهم وفعالياتهم، وهي بأجمعها تعبير عن التواضع وعدم التعالي، وبهذا التواضع يمتلك القائد عقول وقلوب الناس بعد اطلاعه على همومهم ومشاكلهم وعلى درجة قربهم وبعدهم عن المنهج الإسلامي، وقد اتصف الإمام الحسن عليه السلام بهذه الصفة حتىٰ كانت خلقاً دائماً له، ومن تواضعه أنّه (مرّ على فقراء وقد وضعوا كسيرات على الأرض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء، فنزل وقال: (إنّ الله لا يحب المتكبرين)، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته عليه السلام ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم)(١٩٤). ومرّ بصبيان يأكلون كسراً من الخبز فاستضافوه فنزل وأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله وأطعمهم وكساهم وقال: (اليد لهم لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني، ونحن نجد كثيراً مما أعطيناهم)(١٩٥).
٩ ـ الحلم واستيعاب المخالفين: الحلم وإستيعاب المخالفين صفة أساسية في حركة القائد الإسلامي، لأنّه يواجه أصنافاً من الناس يختلفون في أفكارهم وتصوراتهم ومواقفهم، فلا يمكن التأثير عليهم وهدايتهم إلاّ بالحلم والصبر على أخطائهم ومساوئهم، وقد اتصف الإمام الحسن عليه السلام بهذه الصفة وكانت ملازمة له. روي انّه (قدم المدينة رجل كان يبغض عليا عليه السلام فانقطع ولم يبقَ معه زاد ولا راحلة فشكى حاله إلى بعض أهل المدينة فدله على الحسن، وقيل له: لا تجد خيراً منه فجاءه وشكى إليه أمره، فأمر له بزاد وراحلة، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته. وقيل للحسن أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة، فقال: أفلا اشتري عرضي منه بذلك)(١٩٦). وروى المبرد وابن عائشة: (أنّ شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن عليه فسلم عليه وضحك، وقال: أيها الشيخ اظنك غريباً ولعلّك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كبيراً. فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ والآن أنت أحبّ الله إليّ، وحول رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم)(١٩٧). وروي إنّ اللعين ابن اللعين مروان بن الحكم شتم الحسن بن علي عليهما السلام فلمافرغ قال الحسن: (إنّي والله لا أمحو عنك شيئاً، ولكن مهّدك الله فلئن كنت صادقاً فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذباً فجزاك الله بكذبك، والله أشدّ نقمة منّي)(١٩٨).
١٠ ـ الرفق والمداراة: الرفق بالناس ومداراتهم من أساسيات اصلاحهم وهدايتهم؛ لأنّ الإنسان غالباً ما يأنس بآرائه وأفكاره ومواقفه وممارساته حتى تصبح جزءً من كيانه يرى فيها كرامته وكبرياءه، ولا يتنازل عنها أحياناً؛ لأنّه يرى في ذلك تنازلاً عن كرامته، ولهذا فالتعامل ينبغي أن يكون بهدوء ورفق، حتى يتأثر بالموعظة فيصلح أفكاره أو ممارساته، وقد اتصف الإمام الحسن عليه السلام بهذه الصفة وهي صفة الرفق ومداراة المستويات المتعددة. عن الروياني قال: (إنّ الحسن والحسين مرّا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا في التنازع يقول كل واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء، فقالا: أيها الشيخ كن حكما بيننا يتوضأ كل واحد منّا فتوضئا ثم قالا: أيّنا يحسن؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن وقد تعلّم الآن منكما وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمّة جدّكما)(١٩٩). ومن الرفق والمداراة استخدام الحكمة في الموعظة لتكون أكثر تأثيراً في المقابل، وقد ورد عن الإمام الحسن عليه السلام أنّه (مرّ بشاب يضحك، فقال: هل مررت على الصراط؟ قال: لا، قال: وهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟ فما رؤي هذا الضاحك بعد ضاحكاً)(٢٠٠).
ومن رفقه ومداراته لأصحابه الذين لا يدركون حقيقة الموقف الذي اتخذه وهو موقف الصلح، إنّه كان يقابلهم بهدوء ويرد على إساءتهم بلطف.
قال له أبو عامر سفيان بن الليل: (السلام عليك يا مذل المؤمنين!) فقال: لا تقل ذلك يا أبا عامر، لست بمذل المؤمنين، ولكنّي كرهت أن اقتلهم على الملك)(٢٠١). وقال له مالك بن ضمرة: (السلام عليك يا مسخم وجوه المؤمنين)، فقال له عليه السلام: (لا تقل ذلك، إنّي لما رأيت الناس تركوا ذلك إلاّ أهله خشيت أن يجتثوا عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين في الأرض ناعٍ)(٢٠٢). وقيل له: يا مذلّ المؤمنين ومسوّد الوجوه، فقال: (لا تعذلوني فإنّ فيها مصلحة)(٢٠٣).
طائفة من الأقوال بحق الإمام الحسن عليه السلام:
* الإمام الحسين عليه السلام: (رحمك الله أبا محمد، إن كنت لتناصر الحقّ مظانه، وتؤثر الله عند مداحض الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يداً طاهرة، وتردع بادرة أعدائك بأيسر المؤنة عليك، وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيع لبان الحكمة، وإلى روح وريحان وجنة نعيم)(٢٠٤).
* محمد بن الحنفية: (يرحمك الله أبا محمد إن عزت حياتك فقد هدت وفاتك ولنعم الروح روح تضمنه بدنك ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى وحليف أهل التقى وخامس أصحاب الكساء غذتك اكفّ الحقّ وربيت في حجور الإسلام ورضعت ثدي الايمان وطبت حياً وميتاً)(٢٠٥).
* عبدالله بن عمرو بن العاص: (هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء)(٢٠٦).
* أبو الأسود الدؤلي: (إنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب في غر لبابها، وكريم محتدها، وطيب عنصرها)(٢٠٧).
* لما مات الحسن عليه السلام بكى عدوه الخبيث مروان بن الحكم، فقال له الحسين عليه السلام: (أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرّعه؟) فقال: (إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا) وأشار بيده إلى الجبل(٢٠٨).
* وقال أبوبكرة بن عبيد ـ عندما سمع بموته ـ: (قد أراحه الله من شرّ كثير، وفقد الناس بموته خيراً كثيراً، يرحم الله حسناً)(٢٠٩).
* وكان ابن الزبير يقول: (والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي)(٢١٠).
* وقال محمد بن إسحاق: (ما تكلم عندي أحد كان أحبّ إليّ إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي)(٢١١).
* الحافظ ابن كثير الدمشقي: (كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطّمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما)(٢١٢).
* الذهبي: (كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جواداً، ممدحاً، خيّراً، ديّناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن)(٢١٣).
* الزركلي: (كان عاقلاً حليماً محبّاً للخير فصيحاً، من أحسن الناس منطقاً وبديهة)(٢١٤).
* ابن الصباغ المالكي: (الكرم والجود غريزة مغروسة فيه، واتصال صلاته للمعتقين نهج ما زال يسلكه ويقتفيه)(٢١٥).
* سبط ابن الجوزي: (كان من كبار الاجواد، وله الخاطر الوقاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبّه حبا شديداً)(٢١٦).
* محمد بن طلحة الشافعي: (كان الله عزّ وجلّ قد رزقه الفطرة الثاقبة في ايضاح مراشد ما يعانيه ومنحه الفطرة الصائبة لاصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصه بالجبلة التي درت لها اخلاف مادتها بصور العلم ومعانيه)(٢١٧).
* سليمان كتاني: (لقد غاب الحسن وبقي له المنهج حتى تستقيم به مناهج الأمة في حقيقة الإسلام)(٢١٨).
* حسن كامل الملطاوي: (سيدي السبط الكريم: لقد وقفت على تاريخك العاطر، فرأيت أن العناية الربّانية قد هيأتك لأن تكون إماماً كاملاً، فوعيت في طفولتك الباكرة أحاديث عن جدك صلى الله عليه وآله أخذها عنك الرواة، مع أنك لم تعاشره أكثر من سبعة أعوام ونصف. ورأيتك ملازماً لأبيك، تغرف من بحره الزاخر وترتوي، ويمدك بمكنون اللآلي والدرر ... ورأيتك معلما للناس وللناشئة من أهل بيتك ممّا علمك الله؛ فكنت منهم الإمام، وكانوا هم الأئمة من بعدك)(٢١٩).
* الدكتور طه حسين: (كان الإمام الحسن رضي الله عنه عذب الروح، حلو الحديث، كريم المعاشرة، حسن الألفة، محبباً إلى الناس، ويحبّه اترابه من شباب قريش والأنصار لهذه الخصال ولمكانه من النبي صلى الله عليه وآله، ويحبه عامة الناس لكل هذا ولسخائه وجوده، واعطائه المال حين يسأل وحين لا يسأل)(٢٢٠).

الفصل الخامس: خلافة الإمام الحسن عليه السلام

المبحث الأوّل/ المبايعة للإمام الحسن عليه السلام بالخلافة:
أخرج الحاكم عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (خطب الحسن بن علي عليهما السلام حين قتل عليّ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيه رأيته فيقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء إلاّ سبع مائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع بها خادمة لأهله. ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبي وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه وأنا ابن السراج المنير وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)(٢٢١) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(٢٢٢). ولمّا تمّ خطاب الإمام عليه السلام تقدّم عبدالله بن عباس، وحث المسلمين على مبايعته، وقال: (معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم فبايعوه).
واستجاب الناس إلى بيعته، وقالوا: (ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة)(٢٢٣).
وفي رواية أخرى: جاء الناس إلى الحسن عليه السلام، فقالوا: (أنت خليفة أبيك ووصيّه، ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك)(٢٢٤). وتمت البيعة له في يوم الجمعة المصادف الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة ٤٠ للهجرة. وكان عدد المبايعين له أكثر من أربعين ألفاً، كانوا قد بايعوا أباه عليه السلام على الموت(٢٢٥). وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وماوراءه من خراسان والحجاز واليمن(٢٢٦).
وعن ميمون بن مهران قال: (إنّ الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين: بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به)(٢٢٧). وخلافة الإمام الحسن عليه السلام مطابقة للمتبنيات الفكرية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام والمدارس الأخرى، فالإمام الحسن عليه السلام إمام مفترض الطاعة منصوص عليه من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ من قبل أمير المؤمنين عليه السلام، فهو إمام وخليفة سواء بايعته الأمة أم لم تبايعه والبيعة هنا لا تُنشئ الإمامة أو الخلافة بل توكدها. وهو إمام وخليفة مفترض الطاعة في رأي المدارس الأخرى التي لا تتبنى النصّ والتعيين من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، فالبيعة وحدها كافية لانعقاد الولاية والإمامة والخلافة. فالماوردي يرى أنّ تعيين الخليفة بيد أهل الحلّ والعقد طبقا للمواصفات والشروط، وفي ذلك يقول: (فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدّموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً وأكملهم شروطاً)(٢٢٨). والخلافة لا تتوقف عند المخالفين على مبايعة سائر أفراد الناس بل يتم انعقادها ولو بعقد رجل واحد، قال عبد القاهر البغدادي: (الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فإذا فعل ذلك وجب على الباقين طاعته)(٢٢٩).
وقد عمل فقهاء مدرسة الخلفاء بذلك، فاقرّوا خلافة أبي بكر بمبايعة عمر له في السقيفة، وأقرّوا خلافة عمر بن الخطاب بعهد أبي بكر له، وأقرّوا خلافة عثمان حينما بويع من قبل عبد الرحمن بن عوف أو بقية أصحاب الشورى وإن كانوا مكرهين على ذلك.
دعوة معاوية للطاعة:
كتب الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية بن أبي سفيان كتاباً جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبداللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ... إنّ الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين ... فلمّا توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقّه ... ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها ... واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا ... فاليوم فليعجب المتعجّب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لابفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ... إنّ عليّا رضوان الله عليه لما مضى لسبيله رحمة الله عليه ولاّني المسلمون الأمر بعده ... فدع التمادي في الباطل وأدخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب. واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك؛ ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة وتصلح ذات البين. وإن أبيت إلاّ التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(٢٣٠).
واجبار معاوية على الطاعة عن طريق القوة أمر مشروع؛ للحفاظ على وحدة الدولة ووحدة الكيان الإسلامي ووحدة المسلمين، وهذا يظهر من كتاب الإمام علي عليه السلام إلى معاوية حيث الزمه بما الزم نفسه: (... إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجلٍ وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً، فإن خرج على أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاّه الله ما تولّى)(٢٣١). فالإمام الحسن عليه السلام هدّد معاوية باستخدام القوة من أجل اعادته للصف الإسلامي، وليس لمجرد عدم البيعة. فعدم البيعة لا يكفي لوحده لاستخدام القوة ما لم تترتب عليها مفسدة شق عصا المسلمين وتفتيت الدولة والكيان الإسلامي. وكان جواب معاوية: (بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي ... لو علمت أنك اضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ... فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ...).
قال جندب بن عبدالله الأزدي: (فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إنّ الرجل سائر إليك فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنّه يتناولك فلا والله حتى يرى يوماً أعظم من يوم صفين).
وكتب معاوية: (... فاحذر أن تكون منيتك على يد رعاع من الناس ... وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجرت لك ما شرطت ... ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام). فأجابه الإمام الحسن عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام). فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة (... اقبلوا إليّ حتى يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمدالله الثأر، وبلغتم الأمل ...). فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصداً إلى العراق، وبلغ الحسن خبر مسيره، فتحرك لذلك. وبعث حجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيؤ للمسير ونادى المنادي الصلاة جامعة، فأقبل الناس يتوثبون ويجتمعون، فقال الحسن عليه السلام إذا رضيت جماعة الناس فاعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال: أخرج، فخرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(٢٣٢). فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنا كنّا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، فاخرجوا رحمكم إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا ...). وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره. ثمّ إنّ الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام بها ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثمّ دعا عبيدالله بن العباس فقال له: (... إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس ...).
مؤامرات معاوية:
في اليوم الثاني من وصول عبيدالله إلى مسكن، وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيدالله فيمن معه فضربهم حتى ردّهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيدالله أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع، ولك أن أجبتني الآن إن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيدالله إليه ليلاً(٢٣٣). وفي رواية إنّه صار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه(٢٣٤). وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن عليه السلام من يتحدث أنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ويوجه إلى عسكر قيس من يتحدث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه(٢٣٥). واستمر معاوية في دسائسه وخبثه وكذبه وكيده وحيلته ودهائه، فقد بعث لكل من عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر عيناً من عيونه يمني كل واحد منهم بقيادة جند من جنوده، أو بتزويج إحدى بناته، أو بمائة ألف درهم أن قتلوا الحسن، وقد بلغه عليه السلام ذلك فاستلأم ولبس درعاً، فكان لايتقدم للصلاة إلاّ وعليه وقاية(٢٣٦).
توالي الخيانات في جيش الإمام عليه السلام:
بعث الإمام عليه السلام قائدا من كندة في أربعة آلاف، فلما نزل الانبار أغراه معاوية فالتحق به مع مائتي رجل من خواصه، ثم التحق بمعاوية قائد من مراد في أربعة آلاف(٢٣٧). وكتب جماعة إلى معاوية بالسمع والطاعة له، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنّوهم من عسكره أو الفتك به(٢٣٨)، وأخبر الإمام عليه السلام المحيطين به قائلاً: (إنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغروني في ديني ونفسي)(٢٣٩). وكان جيشه متعدد الولاءات (فبعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين)(٢٤٠). فلا غرابة من توالي الخيانات وعدم الثبات حتى النهاية.
توالي الاشاعات والحرب النفسية:
كان معاوية الخبيث يدسّ الجواسيس في جيش الإمام عليه السلام لبث الاشاعات، ومنها: أن قيس بن سعد قد صالح معاوية، ودسّ إلى عسكر قيس من يتحدث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه. ووجّه معاوية إلى الإمام عليه السلام المغيرة بن شعبة وآخرين فالتقوا به، وحينما خرجوا قالوا: (إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكنّ الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر، ولم يشكك الناس في صدقهم)(٢٤١). وأشاع معاوية أنّ قيس بن سعد قد قتل(٢٤٢). وتوالت الاشاعات مما أدت إلى خلخلة جيش الإمام عليه السلام وخلق الاضطرابات فيه، وتشجيع أهل الأهواء والمنافع للالتحاق بمعاوية حيث بدأت بعض القبائل تلتحق به (قبيلة بعد قبيلة حتّى خفّ عسكره)(٢٤٣).
مراسلة معاوية للإمام عليه السلام ودعوته لتسليم السلطة إليه:
بعد استمرار الفرار من جيش الإمام عليه السلام والالتحاق بمعاوية، وبعد تعرّض الإمام عليه السلام لعدّة محاولات استهدفت قتله، وبعد أن يئس الإمام عليه السلام من حسم المعركة لصالحه، وأيقن أنّ بقاء الأوضاع على هذه الحالة يؤدّي إلى قتله وقتل أهل بيته وأصحابه المخلصين، جاءته وفود معاوية تدعوه للصلح، ومعهم كتب رؤساء العشائر الّذين ضمنوا لمعاوية فيها قتل الإمام أو تسليمه إليه(٢٤٤).
وكان مع آخر الوفود صحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، بخطّ معاوية وختمه: أن اشترط في هذه الصحيفة الّتي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك(٢٤٥). ولما راسله معاوية خطب في البقيّة المتبقيّة من جيشه، وأخبرهم بدعوة معاوية للصلح، ثمّ قال: (فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عزّ وجل بظُبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا) فناداه الناس من كلّ جانب: (البقيّة البقيّة)(٢٤٦). وكان من خطب الإمام الحسن عليه السلام في ذلك الحين أن قال: (إنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمدالله ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت حاملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، ألا وإنّي ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وارشدني وإيّاكم لما فيه المحبة والرضا إن شاء الله)، ثم نزل، فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: نظنه يريد أن يصالح معاوية، كفر والله الرجل! ثمّ شدّوا على فسطاطه فانتهبوه، وقام إليه رجل من بني أسد فطعنه بمعول، فحمل إلى المدائن(٢٤٧).
ظروف الصلح البعيدة والقريبة:
إنّ قضية صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية ليست قضية زمنية حدثت في حقبة زمنية معينة، بل هي قضية تفاعلت فيها ظروف الماضي مع ظروف الحاضر، فلابدّ من الوقوف عند هذه المسألة، لكي تكون الصورة واضحة في الاطلاع على المبررات الموضوعية للصلح، وهي:
١ ـ ظروف الحكم الأموي:
إنّ صلح الإمام عليه السلام لم يكن منفصلاً عن ظروفه وأسبابه البعيدة الّتي شكّلت صراعاً داخل الجسد الإسلامي الواحد، حيث استطاع الطلقاء أن يجدوا لهم موقعاً ومركزا حسّاساً داخل الكيان الإسلامي، فقد كان معاوية والياً على الشام في عهد الخلفاء وكانت له صلاحيات مطلقة، حتّى كان عمر بن الخطاب يحاسب جميع ولاته غير معاوية حيث كان يقول له: (لا آمرك ولا أنهاك)(٢٤٨). وكان يمدحه كثيراً، وينهى عن ذمّه ويقول: (دعونا من ذمّ فتى قريش)(٢٤٩). كما حذّر أهل الشورى من الفرقة وقال: (إيّاكم والفرقة بعدي فإنْ فعلتم، فاعلموا أنّ معاوية بالشام، فإذا وكلتم إلى رأيكم عرف كيف يستبزّها منكم)(٢٥٠). وكان يقول أيضاً: (هذا كسرى العرب)(٢٥١). فاستقل معاوية بالشام استقلالاً حقيقياً نظراً لصلاحياته المطلقة وعدم تدخّل الحكّام في شؤونه، وتوسّعت ولايته بعد أنّ ضمّ عثمان له الشام كلّها(٢٥٢).
فاستطاع أن يكوّن جيشاً مطيعاً مستسلماً، عن طريق الخداع والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين، وكان يوجّهه توجيهاً خاصّاً عن طريق الوعّاظ والرواة المتملّقين، وكان معزولاً عن بقيّة الأمصار، فلا يعرف غير معاوية وبيت أبي سفيان، ولا يعرف من الإسلام إلاّ ما يوجّهه به معاوية من حيث تاريخ الإسلام وتاريخ رجاله، فكان الناس يفهمون أنّ معاوية خال المؤمنين، وموضع ثقة الخلفاء السابقين، وابن عم الخليفة عثمان، إضافة إلى ما نسبه وعّاظ السلاطين إليه من فضائل بعد غياب الوعي وعدم الاختلاط ببقيّة الأمصار. وتربّص معاوية بعثمان حتّى قتل، فلم ينصره في حياته، وإنّما استغلّ مقتله للتمرّد على خلافة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، ومن ثمّ الاستقلال الكامل بالشام بعد حرب صفّين. فكان أهل الشام مستسلمين له وحده، ومنقادين لقيادة واحدة، وليس له في الشام من ينافسه على الحكم والإمرة. وممّا ساعد على تقوية كيان الأمويّين هو عدم تأمير أحد من بني هاشم في عهد أبيبكر وعمر وعثمان(٢٥٣).
٢ ـ ظروف العهد العلوي:
بعد ربع قرن من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله عاد الحق لأهله حينما عادت الخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام إلاّ أنّها لم تستقم له، فقد تمرد عليه ثلاثة من الشخصيات وهم: عائشة وطلحة والزبير، ولم ينته تمرّدهم إلاّ بمقتل جماعة من الطرفين، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمعوّقين. واستثمر معاوية ظروف حرب الجمل وظروف مقتل عثمان، فحارب أمير المؤمنين عليه السلام وانتهت المعركة بمجموعة كبيرة من القتلى، من ضمنهم كبار الشخصيّات الموالية لأهل البيت عليهم السلام كعمار بن ياسر ونظرائه.
وأفرزت المعركة ظاهرة الانشقاق في جيش أمير المؤمنين عليه السلام حيث تمرّدت عليه جماعة عرفت فيما بعد بالخوارج وقاموا بخلق البلبلة والاضطراب في داخل قوّات الإمام عليه السلام. وكان معاوية يشنّ الغارات المتوالية على أطراف دولته عليه السلام، ويقوم بقتل كلّ موالٍ له والاستيلاء على ممتلكاته. ولم تسمح الظروف لأمير المؤمنين عليه السلام كي يبني دولته وجيشه بناءً عقائدياً وسلوكياً. وكان أغلب المكّيّين وأهل البصرة لا يدينون بالولاء له. وإضافة إلى كلّ ذلك أنّ المنخرطين في جيشه لم ينخرطوا ولاءً له، وإنّما تابعوه لأنّه على رأس دولة. فهم تبع لأي حاكم؛ لا يفرّقون بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين غيره من الحكّام، وقد يكون أقصى تقييم أكثرهم له، أنّه عليه السلام أفضل من معاوية فقط. ولم تستمر خلافته سوى أربع سنين حتّى اغتالته أيدي المتآمرين، للحيلولة دون أن يقوم بإكمال المسيرة الّتي تحتاج إلى زمن طويل في بناء دولة وكيان، وتأسيس جيش عقائدي متماسك(٢٥٤).
٣ ـ ظروف وأوضاع جيش الإمام الحسن عليه السلام:
لم يكن جيش الإمام عليه السلام جيشا متماسكاً موحداً في أفكاره وولاءاته، بل كان خليطاً غير متجانس من آراء مختلفة وولاءات متعددة، وقد عبّر الإمام عليه السلام عن ذلك قائلاً: (رأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبدا إلاّ غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى؛ مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر)(٢٥٥). وهذا الاختلاف من شأنه خلق البلبلة والاضطراب وعدم الوصول إلى وحدة في القرار والموقف. فمنهم أهل الطمع، ومنهم أتباع كلّ ناعق، ومنهم الخوارج(٢٥٦). ومنهم من له رغبة في الحصول على منافع ومكاسب من معاوية، ومنهم من يتّبع رئيس قبيلته أينما توجه دون تفريق بين الحقّ والباطل. وقد لعبت الأهواء والشهوات والمنافع الذاتيّة دوراً كبيراً في تبدّل النوايا عمّا كانت عليه من قبل، وقد وصف الإمام الحسن عليه السلام هذه الظاهرة قائلاً: (كنتم في مسيركم إلى صفّين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم)(٢٥٧). فحينما يصبح أمر الدنيا مقدَّماً على أمر الدين وحاكماً عليه: فإنّه يغيّر من معادلة الصراع ومعادلة الموقف، ويصبح المقاتل تبعا لمصالحه الذاتيّة التي تغيّر من ولائه ومواقفه العمليّة. فلم تبق إلاّ القلّة المخلصة في ولائها للإمام الحسن عليه السلام ولنهجه السليم كحجر بن عدي وقيس بن سعد وآخرين، حيث إنّ معركة صفّين قد أدّت إلى فقدان الكثير منهم، إضافة إلى قيام معاوية بقتل الآخرين منهم كمحمّد بن أبيبكر ومالك الأشتر. ومن الطبيعي أن يفرز تعدّد الولاءات وتعدّد الآراء ـ زيادة على تقديم الدنيا على الدين ـ جملة من الظواهر السلبيّة، كعدم الإخلاص في القتال، وضعف القدرة على الثبات والصمود إلى آخر المعركة، وعدم الانقياد للقيادة الصالحة.. وفي مقابل هذا التعاطف مع معاوية، والاستعداد الفعلي للغدر والخيانة، والتأثّر بالإشاعات والحرب النفسيّة. وقد تحقّق ذلك بالفعل بالالتحاق بجيش معاوية، والاستعداد لتسليم الإمام عليه السلام إليه، زيادة على محاولات اغتياله عليه السلام.
٤ ـ ظروف الإمام الحسن عليه السلام:
وجد الإمام الحسن عليه السلام نفسه أمام مرحلة طويلة من الإعداد، وإصلاح وترميم كثيرٍ من المواقع السياسيّة والعسكريّة، وحتّى الاقتصاديّة والاجتماعية، وهو يرى أنّه يقود جيشاً منهاراً عسكرياً ومعنوياً، لا يمكن جعله منقاداً إلاّ باستخدام وسائل وأساليب كالّتي يستخدمها معاوية، وهو عليه السلام غير مستعدّ لاستخدام تلك الوسائل والأساليب غير المشروعة كالخداع والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين وإنفاقها على جماعة خاصّة كرؤساء القبائل وقادة الجيش، فالإمام عليه السلام مقيدٌ بقيود شرعيّة حاكمة على جميع ممارساته ومواقفه. وليس هدفه البقاء في السلطة الآنيّة وإنّما هو جزء من حركة إصلاحيّة تنظر إلى الحاضر والمستقبل، لكي تبقى المفاهيم والقيم الإسلامية هي الحاكمة على أفكار المسلمين وعواطفهم وممارساتهم العمليّة على طول الحركة التاريخيّة لهم. وكان عليه السلام حريصاً على المصلحة الإسلامية الكبرى، ومصلحة أهل البيت عليهم السلام وحيث وجد عليه السلام أنّه لا يستطيع ـ بحسب الظروف القائمة ـ أن يحسم الموقف لصالح الوجود الإسلامي، ولا يستطيع القضاء على رأس الفتنة الّتي كان يقودها المجرم الطليق معاوية، لذا أصبح أمام خيارين: إمّا الاستمرار في معركة خاسرة تؤدّي إلى إضعاف الكيان الإسلامي ككلّ أمام التحديات الخارجيّة، أو الميل إلى الصلح وحقن الدماء، والمحافظة على الوجود الإسلامي ثمّ ممارسة الإصلاح من الداخل. والخيار الأول يعني استيلاء معاوية على الحكم دون قيد أو شرط بعد مقتل الإمام الحسن عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام والخيرة من أصحابه، ومن هنا اختار عليه السلام الصلح على الاستمرار في المعركة، مقيّدا بشروط فيها مصلحة الكيان الإسلامي وكيان الجماعة الصالحة التي تضمن للشريعة بقاءها واستمرار حياتها. فالصلح إذن جاء منسجماً مع تلك الظروف تماماً وإن حاول أنصار الطلقاء تغييب هذه الحقائق بشتى الأساليب كالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه قال بشأن الإمام الحسن عليه السلام: (إن ابني هذا سيد ولعل الله تبارك وتعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين). وهو خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً تفرّد به الحسن البصري عن أبي بكرة ولم يروه أحد غيره(٢٥٨) وأبو بكرة من المنافقين النواصب المنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وكان ـ قبّحه الله ـ يحرّض الناس على عدم البيعة للإمام علي عليه السلام بعد هلاك عثمان(٢٥٩).
أسباب عدم اختيار موقف التضحية:
إنّ موقف الإمام الحسن عليه السلام لابدّ وأن يكون منسجماً مع الأهداف المرحليّة والبعيدة المدى لمنهج أهل البيت عليهم السلام ولحركة الإسلام العامّة، لِتستتبعه نتائج إيجابيّة للمنهج والوجود الإسلامي معاً، فاتخاذ الموقف بجميع ألوانه في سِلْمٍ أو تضحية مقيّد بقيود المصلحة الإسلاميّة العليا، وتبعُ لها، ومن هنا اختار الإمام الحسن عليه السلام موقف التوقف عن القتال المؤدّي إلى التضحية للأسباب التالية:
أوّلاً: إنّ معاوية أحكم خطته وأظهر نفسه بمظهر المسالم المحبّ للصلح، وحقن الدماء، وإعادة الأُلفة بين المسلمين، وأراد أن يُلصق بالإمام الحسن عليه السلام رغبته في القتال وإراقة الدماء، وقد استطاع أن يُدخل في عقول المسلمين هذه المغالطات، فلو لم يستجب الإمام الحسن عليه السلام للصلح لكان مخطّط معاوية سيجد له قبولاً ورواجاً، وسيلقي المسلمون باللاّئمة على الإمام عليه السلام وينسبون إليه حبّه للقتال وإراقة الدماء.
ثانياً: إنّ الظروف الّتي كانت تحيط بالامام الحسن عليه السلام لم تكن في صالحه، فإنّ استمرار القتال سيؤدي إلى قتله من قِبَل عملاء معاوية المندسّين في جيشه، وسيتنصّل معاوية من جريمة قتله. أو قد يؤدّي القتال إلى تسليم الإمام عليه السلام إلى معاوية من قبل رؤساء بعض العشائر أو قادة الجيش، وفي جميع التقادير سيكون معاوية هو الغالب، كما ورد ذلك في قول الإمام عليه السلام: (يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثِقْلي وأخذوا مالي. والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي وأهلي. والله لو قاتلت معاوية؛ لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سِلماً، فوالله لئن اُسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنَّ عليَّ فتكون سُبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر)(٢٦٠).
ثالثاً: إنّ تضحية الإمام الحسن عليه السلام ستكون بلا صدى؛ وذلك لقدرة معاوية على احتواء آثارها وتشويه أهدافها ما دام كثير من المسلمين لا يعي طبيعة الصراع، ويسمع الإشاعات المستمرّة بأنّ الإمام الحسن عليه السلام كان يقاتل من أجل السلطة، أو بدوافع قبليّة موروثة في الصراع بين بني هاشم وبني أميّة.
رابعاً: إنّ التضحية ستؤدّي إلى القضاء على الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام وبقيّة بني هاشم، والصفوة الخيّرة الصالحة من أتباع أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي ستخلو الساحة لمعاوية وأنصاره دون معارضين ودون غيورين ومصلحين، وخلوّ الساحة يشجّع معاوية وأتباعه على قلب المفاهيم الإسلاميّة، وتغيير القيم، وإعادة الجاهليّة بلباس إسلامي جديد، وهو ما فعله معاوية ومهّد له بعد الصلح إلى أن توج ذلك بمصرع سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
خامساً: قلّة الأنصار المخلصين للإمام الحسن عليه السلام. وقد عبّر الإمام عليه السلام عن ذلك بقوله: (والله ما سلّمت الأمر إليه إلاّ أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري)(٢٦١). وقال عليه السلام في موقف آخر: (وقد خذلتني الأُمّة وبايعتك يا ابن حرب، ولو وجدت عليك أعوانا يخلصون ما بايعتك)(٢٦٢).
شروط الإمام عليه السلام ووعود معاوية:
إن الصلح الذي قرّر الإمام عليه السلام قبوله قد أحاطه بشروطٍ تجعل الإمام عليه السلام في موقع القوّة دائماً ومعاوية في موقع الضعف على المدى القريب والبعيد، سواء كان معاوية يفي بالشروط أو لا، فإنّ عدم الوفاء بها يضمن للإمام عليه السلام ولخطّ أهل البيت عليهم السلام نصراً على المدى البعيد لا محالة. وقد تعهد معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام بجملة من الأمور، حيث كتب إليه: (إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمّته ... لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً، وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أنّ لك خراج (فسا) و (دار أبجرد) تبعث إليها عمّالك، وتصنع بهما ما بدا لك)(٢٦٣).
وأمّا شروط الإمام الحسن عليه السلام فهي: أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله، وليس لمعاوية أن يعهد لأحدٍ من بعده عهداً، والناس آمنون حيث كانوا في العراق والشام والحجاز وتهامة، مع أمان شيعة وأصحاب علي عليه السلام على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يبغي للحسن ولا لأحد من أهل بيته غائلة سرّاً وعلانيةً، ولا يُخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق(٢٦٤)، وأن لا يسميه الحسن عليه السلام بأمير المؤمنين، وأن لا يقيم عنده شهادة، ولا يتعقب معاوية على شيعة عليّ عليه السلام شيئاً، وأن يفرق في أولاد من قُتل مع أبيه عليه السلام يوم الجمل وصفين ألف ألف درهم(٢٦٥).
الدور الايجابي للوعود والشروط:
إنّ الوعود والشروط الممضاة من قبل الطرفين، تفرض منطقياً على كلّ من يفاضل بين الحرب والصلح، أن يختار الصلح مع تلك الظروف والموازنة العسكريّة غير المتكافئة، وإلاّ فإنّ معاوية سينال السلطة إمّا بانتصاره العسكري أو بقتل الإمام عليه السلام من قبل عملائه المندسين في جيش الإمام عليه السلام، وستؤول السلطة إليه دون شروط أو قيود تقيّده أمام المسلمين. بينما أخذ الإمام عليه السلام عهوداً ومواثيق مقرونة بأَيْمانٍ مغلّظة من قبل معاوية على أن يفي بها. فإن وفى بما تعهّد به، فإنّ الأمر سيعود إلى الإمام من بعده، وستكون لأتباع الإمام عليه السلام مطلق الحرّيّة في أداء دورهم الإصلاحي والتغييري. وإنّ شرط عدم تسميته بأمير المؤمنين يسلب عنه شرعيّة الخلافة وإمرة المؤمنين، ويبقى مجرّد حاكمٍ أو ملك في أنظار المسلمين.
وإذا لم يفِ معاوية بالشروط فإنّ الاُمّة ستنكشف لها حقيقة معاوية والحكم الأموي، وأنّه مجرّد طالب سلطة منذ أوّل شعار أعلنه حين مطالبته بدم عثمان، وبالتالي فإنّ الاُمّة ستشخص قادتها الحقيقيّين وهم أهل البيت عليهم السلام وستعود إلى موالاتهم في الحاضر أو في المستقبل.
الصلح ومراعاة المصلحة الإسلامية:
إنّ موقف الإمام المعصوم عليه السلام تحدّده عدّة عوامل، راعاها الإمام الحسن عليه السلام في صلحه ومن أهمّها:
١. شرعيّة الموقف والقرار: وهذا الأمر بديهي في السيرة التاريخية لحركة الإسلام وقادته الصالحين، فالشريعة هي الحاكمة على الموقف وهي التي تحدّده في جميع الظروف والأحوال، فقد صالح رسول الله صلى الله عليه وآله قريشاً في الحديبيّة وهم كفّار، وصالح اليهود والنصارى في أكثر من واقعة.
٢. الظروف: الظروف بنوعيها: الايجابي والسلبي هي التي تحدّد الموقف وتكون حاكمة عليه، وهذا واضح من خلال سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام، فرسول الله صلى الله عليه وآله لم يجاهد قريشاً في المرحلة المكّيّة لأنّ الظروف لا تسمح بذلك، وحينما تغيّرت في المرحلة المدنيّة غيّر صلى الله عليه وآله موقفه واستمرّ في جهاده إلى أن انتصر على جميع قوى الشرك في المدينة والحجاز واليمن، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام في سيرته مع من اغتصب حقّه وتقدم عليه بالباطل، بل حتىٰ مع المتمرّدين عليه في خلافته.
٣. المصلحة الإسلاميّة: من أساسيات المنهج الإسلامي أنّ لأي حكم شرعي مصلحة يتضمّنها، فمن باب أولى أن يكون لأخطر موقف ـ وهو الصلح وفي تلك الظروف الحسّاسة ـ مصلحة على المدى القريب والبعيد، فالصلح انطوى على عدّة مصالح آنيّة ومستقبليّة راعاها الإمام عليه السلام قبل اتخاذه القرار، بعضها متعلّق بالمصلحة العامّة للمسلمين، والآخر متعلّق بمصلحة منهج أهل البيت عليهم السلام في حركته الواقعيّة في المسيرة التاريخيّة.
المبحث الثاني/ نتائج الصلح وآثاره
انكشاف حقيقة معاوية والحكم الأموي:
في أجواء الكيد والدسّ، والتربّص بقادة الاُمّة الحقيقيّين، وفي خضّم تزيين الضلال، وتزييف الحقائق، وإشاعة اللبس في الرؤية من قبل معاوية لإبقاء المسلمين بعيداً عن الوعي وإدراك الحقائق؛ كان للصلح دوره الكبير في كشف حقيقة معاوية ونواياه الخفيّة، فبعد أن استلم معاوية زمام الأمور استسلم لزهو الإنتصار، ولم يتمالك نفسه حتّى كشف عن سريرته ومكنونات أهوائه، ولم يلتفت إلى الآثار المترتّبة على هذا الكشف، فأعلن لأهل العراق عن أهدافه الحقيقيّة وهي تتلخّص في الوصول إلى قمّة السلطة، كما جاء ذلك في خطابه حين قال: (إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم)(٢٦٦). وهذا التصريح قد كشف عن الوجه الحقيقي لمعاوية كشفاً لا يمكن بعد ذلك التستّر عليه بتزوير الأحاديث، وتحريف الوقائع، ولا تقوّل المبرّرات الموضوعة للتستّر عليه والّتي كان منها عدالة جميع الصحابة، وغيرها من الفضائل الّتي أدلى بها الوضّاعون من رواة السلاطين كأبي هريرة وأمثاله. وانكشفت حقيقة معاوية أمام الأمويّين خصوصاً أمام عائلة عثمان، إذ قد رفع معاوية شعار الطلب بدم عثمان وتمرّد على الإمامة الشرعيّة المنصوبة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وبالبيعة من قبل أهل الحلّ والعقد ـ كما هو الرأي السائد آنذاك ـ وهو ما حصل في خلافة الإمام الحسن عليه السلام بعد أن بايعه عامّة المهاجرين والأنصار، فتخلّى معاوية عن شعاراته حين تمّ الصلح، وترك متابعة قتلة عثمان، وحينما دخل دار عثمان قالت عائشة بنت عثمان: وا أبتاه، وبكت، فأجابها معاوية: (يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة، وأعطيناهم أماناً ... وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا؟ ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين)(٢٦٧).
لقد كشف معاوية عن نواياه في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق التي قطعها على نفسه وقال: (ألا أنّ كلّ شيء أعطيته للحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به)(٢٦٨). وكان لهذا التصريح دور واضح في تقييم الأشخاص والأحداث والمواقف من قبل عموم المسلمين، حيث استطاعوا تشخيص القيادة الحقيقيّة عن القيادة المزيّفة، وانكشفت لهم طبيعة الصراع القائم، فهو ليس صراعاً بين قبيلتين أو شخصين، وإنّما هو صراع بين منهجين: منهج الاستقامة الّذي يمثّله أهل البيت عليهم السلام ومنهج الانحراف والجاهليّة الّذي يمثّله الأمويّون. وكان هذا التصريح فرصة للجماعة الصالحة لتبيان الحقائق وإقناع الاُمّة بمخطّطات معاوية التخريبيّة النابعة من أهوائه.
خصائص معاوية الارهابية:
كان معاوية من أخبث الناس في زمانه، يتظاهر بالعفو والحِلم والسماحة، ويتظاهر بحبّ السلام والأمان، وكراهة إراقة الدماء، فقد رفع المصاحف في صفّين ودعا إلى الصلح مبرّراً ذلك بحقن الدماء وهكذا فعل قبل الصلح، إلاّ أنّه سرعان ما كشف القناع عن زيفه، فبعد أن تمّ تسليم السلطة إليه بأيّام قلائل: نادى ـ وهو في المدائن ـ بأعلى صوته: (ألا إنّ ذمّة الله بريئة ممّن لم يخرج فيبايع ... ألا وإنّا قد أجّلنا ثلاثاً، فمن لم يبايع فلا ذمّة له ولا أمان له عندنا)(٢٦٩). فقد خالف معاوية أساسيات المنهج الإسلامي المتفق عليه بين عموم المسلمين وهو عدم الإكراه على البيعة، وقد قامت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام على ذلك، فلم يكرهوا أحداً على البيعة لأنّها اختياريّة. بينما أعلن معاوية عن طبيعته الإرهابيّة في ملاحقة ومطاردة وقتل الرافضين لبيعته. ومن ذلك مواجهة عبدالله بن جعفر له في الشام وأمام المقربين له؛ حيث خاطبه قائلاً: (ما يجهل موضع الصفوة إلاّ أهل الجفوة، وإنّك لتعرف وشائظ قريش وصبوة غرائزها، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصد لمنهج الحقّ، فقد طال عماك عن سبيل الرشد، وضبطك في بحور ظلمة الغيّ)(٢٧٠).
رقابة الإمام الحسن عليه السلام لممارسات معاوية:
كان الإمام الحسن عليه السلام يراقب تصرفات معاوية ويكشف للملأ عن انحرافاته عن المنهج الإسلامي في أفكاره وممارساته. فقد قام خطيباً عليه السلام ـ ومعاوية جالس ـ فقال: (أيّها الناس إنّ معاوية بن صخر زعم: إنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، وأيم الله لأنا أولى بالناس في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وآله، غير إنّا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فالله بيننا وبين من ظلمنا حقّنا)(٢٧١). وفي هذا الخطاب بيّن الإمام عليه السلام إحدى الحقائق الأساسية، وهي تقمّص معاوية ومن بسط يده من نيل ذلك للخلافة زوراً، مع تكذيب مدعياته، وأكّد على إمامة أهل البيت عليهم السلام ونفي الشرعية عن حكم معاوية فلم يخاطبه إلاّ باسمه. وقال عليه السلام ذات يوم لمعاوية: (أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بطاعة الله عزّ وجلّ، ليس الخليفة من سار بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أمّاً وأباً، ولكن ذلك أمرَ ملْكٍ أصابَ مَلِكاً، فتمتع به قليلاً، وكان قد انقطع عنه وضم لذته، وبقيت عليه تبعته، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ)(٢٧٢)، وأومأ بيده إلى معاوية، ثم قام عليه السلام فانصرف)(٢٧٣).
فقد استثمر الإمام عليه السلام الفرصة المتاحة له في مواجهة ممارسات معاوية الخاطئة، وكشفها أمام الملأ من أتباعه وأتباع معاوية؛ ووضّح من خلال ذلك الكثير من المفاهيم والقيم الإسلامية السليمة لكي لا يقوى معاوية على طمسها أو تزييف مداليلها، فقد ميّز عليه السلام بين منهجين سياسيين منهج الحق الذي يتبناه أهل البيت عليهم السلام، ومنهج الباطل الذي اتبعه بنو أمية ومن وافقهم.
المبحث الثالث/ الإمام الحسن عليه السلام من الصلح حتى الشهادة
أخرج الحافظ ابن عقدة أنّ الحسن بن علي عليهما السلام لمّا أجمع على صلح معاوية قام خطيباً وحمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله بالرسالة والنبوة ثم قال: (إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا وأذهب عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً، لم تفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله في خيرهما من آدم إلى جدّي محمد صلى الله عليه وآله، فلمّا بعث الله محمداً للنبوة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه ثم أمره بالدعاء إلى الله عزّ وجلّ فكان أبي أوّل من استجاب لله ولرسوله، وأوّل من آمن وصدّق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وقد قال في كتابه المنزل على نبيّة المرسل: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(٢٧٤) فجدّي الذي على بيّنة من ربّه وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه. وقد سمعت هذه الاُمّة جدي صلى الله عليه وآله يقول: ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل يذهب أمرهم سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوه. وسمعوه يقول لأبي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. وقد رأوه وسمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خم وقال لهم: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاده، ثمّ أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغايب)(٢٧٥).
وخطب عليه السلام قبل دخول معاوية الكوفة فقال: (أيّها الناس، إنّما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيّكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، وكرّر ذلك حتى أبكى الجميع(٢٧٦). وفي هذين الخطابين تركيز على جملة من المفاهيم والتصورات العقائدية ومن جملتها: فضائل ومقامات الإمام علي عليه السلام، والنص على إمامته وخلافته، وإمامة أهل البيت عليهم السلام، وعصمتهم، ومصير الأمة عند تولّي غير الأعلم عليها.
وبعد أن تمّ الصلح عقد اجتماع موسع حضره الإمام عليه السلام ومعاوية وأتباعهما، وتبادل الإمام ومعاوية الخطب التي تعبر عن منهج كلّ منهما.
فقد بين الإمام عليه السلام دور أهل البيت عليهم السلام في إمامة وخلافة الأمّة، ووجوب طاعتهم، ومما جاء في خطابه: (نحن حزب الله المفلحون وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلى الله عليه وآله ... فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة)(٢٧٧). وبيّن عليه السلام فضائل أهل البيت عليهم السلام في هداية الناس واخراجهم من الضلالة إلى النور، ودورهم في حقن دمائهم، وأكّد على المواثيق المأخوذة على معاوية في إقامة العدل وتحسين الأوضاع المعيشية، وممّا قاله: (أيّها الناس إنّ الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإنّي قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم وأن يوفّر عليكم غنائمكم، وأن يقسم فيكم فيأكم)، ثم أقبل على معاوية، فقال: أكذاك؟ قال: نعم(٢٧٨). وروىٰ حبيب بن ثابت، قائلاً: (خطب معاوية بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين عليهما السلام جالسان تحت المنبر، فذكر علياً عليه السلام فنال منه، ثم نال من الحسن ... ثم قام الحسن عليه السلام فقال: أيّها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمّي فاطمة وأمّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسباً، وشرّنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين)(٢٧٩). ونحن نقول: آمين ثم آمين ثم آمين ثم آمين.
وروى أبو الحسن المدائني قال: (سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب فامتنع، فناشده أن يفعل، فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال: الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرّد في ربوبيته، يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمّن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم. أيها الناس، إنّ ربّ عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله، ولم تجدوا مثل سابقته ... وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أميّة ...)(٢٨٠).
عدم الاعتراف بشرعية سلطة معاوية:
لم يعترف الإمام الحسن عليه السلام بشرعية سلطة معاوية في جميع المواقف، فكان يسمّيه باسمه دون اضافة أي لقب إليه لئلا يضفي عليه أيّة صفة شرعية، ولم يستطع معاوية اجباره على تسميته بالأمير أو الخليفة، وكان الإمام عليه السلام لايستجيب لأوامر معاوية، فقد أراد منه أن يتولى قتال الخوارج من أجل اشغال المعارضة له بعضها بالبعض الآخر، فأجابه الإمام عليه السلام: (والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعني؛ أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم)(٢٨١). وجاء في رواية أخرى أنّه عليه السلام قال: (لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك فإنّي تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها)(٢٨٢). والدرس المستفاد من موقف الإمام عليه السلام هو عدم شرعية حكومة معاوية وعدم شرعية الأوامر الصادرة منه، اضافة إلى أولوية مجاهدة الحكومة الجائرة ـ عند توفر القدرة ـ قبل مجاهدة الفئات الضالة التي لا سلطان لها.
رفض مصاهرة الامويين وتبيان حقيقة الصراع:
رام معاوية مصاهرة بني هاشم، وكتب لعامله مروان أن يخطب زينب بنت عبدالله بن جعفر ليزيد لعنه الله على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه، وعلى صلح بني هاشم وبني أمية، فأجاب عبدُالله مرواناً بأنّ الأمر بيد الحسن عليه السلام، فجمع مروان الهاشميين والأمويين وخطب من الإمام عليه السلام، فأجابه الإمام عليه السلام: (أمّا ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق، فإنّا لم نكن لنرغب عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله في أهله وبناته، وأمّا قضاء دين أبيها، فمتى قضت نساؤنا ديون آبائهنّ؟ وأمّا صلح الحيين، فانّا عاديناكم لله وفي الله فلا نصالحكم للدنيا)(٢٨٣). فقد رفض الإمام عليه السلام توثيق العلاقة مع الأمويين، وبين أنّ حقيقة الصراع هو الصراع بين منهجين ومسيرتين؛ صراع بين الحقّ والباطل وبين الكفر والإيمان، وبين الاستقامة والانحراف، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين العدل والظلم، وهو صراع في جميع مقومات الشخصية الانسانية؛ صراع الفكر والعاطفة والسلوك، فلا دور للقيم المادية في ازالة هذا الصراع واعادة الأمور إلى التوافق؛ لأنّه ليس صراعاً على مال أو منصب أو شيء من حطام الدنيا، بل هو صراع بين منهجين متناقضين في قربهما وبعدهما عن القرآن الكريم والسنة النبوية.
فضح النظام الأموي:
كانت لقاءات الإمام الحسن عليه السلام مع رؤوس النظام الأموي على هيئة مناظرات، استطاع الإمام عليه السلام من خلالها فضح رأس النظام الأموي معاوية وأتباعه وتبيان فضائل ومقامات الإمام علي عليه السلام، ففي أول مناظرة بينهما افتخر معاوية عليه فأجابه عليه السلام: (هيهات لشرّ ما علوت يابن آكلة الأكباد؛ المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك، لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برأني من الرذائل كما برّأك من الفضائل)(٢٨٤). وفي مناظرة أخرى قال عليه السلام: (أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فحشاً ألفته وسوء رأي عرضت به، وخلقاً سيئاً ثبتَ عليه، وبغياً علينا؛ عداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية، واسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم. أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم، صلّى القبلتين كليهما، وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية. وأنشدكم الله هل تعلمون أنّه بايع البيعتين كليهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية باحداهما كافر وبالاخرى ناكث. وأنشدكم الله هل تعلمون أنّه أوّل الناس ايماناً، وإنّك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم تسرّون الكفر وتظهرون الإسلام وتستمالون بالأموال. وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه وأخوك عتبة يقوده، فرآكم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (اللهم العن الراكب والقائد والسائق). أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لمّا همّ أن يُسلم؛ تنهاه عن ذلك:

يا صخر لاتسلمِنْ يوماً فتفضحنا * * * بعد الذين ببدرٍ أصبحوا فرقا
خالي وعمّي وعمّ الأم ثالثهم * * * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا

والله لما أخفيت من أمرك أكبر ممّا أبديت). ثمّ بيّن مساوئ بطانة معاوية: عمرو بن العاص، والوليد بن عتبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وبعد انتهاء اللقاء قال معاوية: (قد أنبأتكم أنّه ممن لاتطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم عليّ البيت، قوموا عنّي، فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم)(٢٨٥). وهنالك مناظرات عديدة انعقدت في المدينة والشام بيّن فيها الإمام الحسن عليه السلام فضائل ومقامات أهل البيت عليهم السلام ومساوئ معاوية ودوره في مواجهة الحقّ ومؤامراته على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أمير المؤمنين عليه السلام؛ وكان معاوية في جميعها مستسلماً للأمر الواقع لأنّه يخشى من حركة الإمام عليه السلام ومن حركة أنصاره.
وقد شجعت مواقف الإمام الحسن عليه السلام غيره على تحدّي معاوية، فقد تحدّاه عبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر وعبدالله بن الزبير، وأبو الأسود الدؤلي وآخرون، وروي أنّه (دخل عليه سعد بن مالك، فقال: السلام عليك أيّها الملك، فغضب معاوية، فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنّا أمّرناك إنّما أنت منتزٍ)(٢٨٦). وفي مجالات الفخر كان الإمام عليه السلام يفتخر على معاوية أو يرد عليه مفتخراً، ويربط هذا الافتخار بمجالاته العقائدية والسياسية والأخلاقية، فهو ليس افتخار شخصي أو قبلي بل افتخار عقائدي لتبيان منهجين وسيرتين، فقد روي (أن معاوية فخر يوماً فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أغرزها جوداً وأكرمها جدوداً، أنا ابن من ساد قريشاً فضلاً ناشئاً وكهلاً. فقال الحسن بن علي عليهما السلام: أعليّ تفخر يا معاوية، أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق والحسب الفائق أنا ابن من طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به؟ وقديم كقديمي تساميني به؟ تقول نعم أو لا؟ قال معاوية: بل أقول: لا، وهي لك تصديق)(٢٨٧).
الإعداد الفكري والسلوكي للطليعة المؤمنة:
أدّى الإمام عليه السلام مسؤوليته في إعداد أصحابه إعداداً فكرياً وسلوكياً ليساهموا في أداء المسؤولية في تقرير مفاهيم وقيم أهل البيت عليهم السلام في واقع الحياة، وبذل الجهد لحماية العقيدة وصيانة الأخلاق في الشعور وفي الممارسات العملية، وكان يدعو أصحابه وسائر الناس إلى جعل المفاهيم والقيم الإسلامية ميزاناً ومعياراً لتقييم الأمور، وكان يدعو للسير على منهج القرآن الكريم ومنهج رسول الله صلى الله عليه وآله. ففي مجال الالتزام بمفاهيم القرآن الكريم قال عليه السلام: (أيّها الناس إنّه من نصح لله وأخذ قوله دليلاً هدي للتي هي أقوم ووفقه الله للرشاد وسدّده للحسنى؛ فإنّ جار الله محفوظ وعدوّه خائف مخذول، فاحترسوا من الله بكثرة الذكر، واخشوا الله بالتقوى، وتقربوا إلى الله بالطاعة)(٢٨٨). وفيما يلي نستعرض المفاهيم والقيم والموازين التي حثّ الإمام الحسن عليه السلام على إدراكها واستشعارها في الفكر والعاطفة والسلوك وجعلها حقيقة سلوكية تمارس في الواقع.
١ ـ تقوى الله والخروج من الفتن: قال عليه السلام: (اتقوا الله عباد الله واعلموا انّه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن، ويسدده في أمره، ويهيء له رشده ويفلجه بحجته).
٢ ـ التشاور: قال عليه السلام: (ما تشاور قوم إلاّ هدوا إلى رشدهم).
٣ ـ الاختلاف إلى المسجد: قال عليه السلام: (من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة وأخاً مستفاداً وعلماً مستطرفاً ورحمة منتظرة، وكلمة تدله على الهدى أو ترده عن ردى، وترك الذنوب حياءً أو خشية)(٢٨٩).
٤ ـ السياسة: قال عليه السلام: (السياسة هي أن ترعى حقوق الله، وحقوق الأحياء، وحقوق الأموات، فأمّا حقوق الله: فأداء ما طلب، والاجتناب عمّا نهى، وأمّا حقوق الأحياء: فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك، ولا تتأخر عن خدمة امتك، وأن تخلص لولي الأمر ما أخلص لأمته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا ما حاد عن الطريق السوي، وأمّا حقوق الأموات: فهي أن تذكر خيراتهم، وتتغاضى عن مساوئهم؛ فإنّ لهم ربّاً يحاسبهم)(٢٩٠).
٥ ـ ايجابيات التقية: قال عليه السلام: (إنّ التقية يصلح الله بها أمة، لصاحبها مثل ثواب أعمالهم، وتركها ربما أهلك أمة، تاركها شريك في إهلاكهم وإنّ معرفة حقوق الاخوان تحبب إلى الرحمن، وتعظّم الزلفى عند الملك الديّان، وإن ترك قضائها يمقت إلى الرحمن، ويصغّر الرتبة عند الكريم المنّان)(٢٩١).
٦ ـ مكارم الاخلاق: قال عليه السلام: (مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمم للجار، ومعرفة الحقّ للصاحب، وقري الضيف، ورأسهنّ الحياء). وقيل له: من أحسن الناس عيشاً؟ قال عليه السلام: (من أشرك الناس في عيشه)، وقيل: من شرّ الناس عيشاً؟ قال عليه السلام: (من لا يعيش في عيشه أحد)(٢٩٢) وقال عليه السلام: (أحسن الحسن الخلق الحسن)(٢٩٣).
٧ ـ أخلاق المؤمنين: قال عليه السلام: (إنّ من أخلاق المؤمنين: قوة في دين، وكرماً في لين، وحزماً في علم، وعلماً في حلم، وتوسعة في نفقة، وقصداً في عبادة، وتحرجاً في طمع، وبراً في استقامة، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحبّ، ولا يدّعي ما ليس له، ولا يجحد حقاً هو عليه، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبغي، متخشع في الصلاة، متوسع في الزكاة، شكور في الرخاء، صابر عند البلاء، قانع بالذي له، لا يطمح به الغيظ، ولا يجمح به الشح، يخالط الناس ليعلم، ويسكت ليسلم، ويصبر أن بغي عليه ليكون الهه الذي يجزيه ينتقم له)(٢٩٤).
٨ ـ العقل: قال عليه السلام: (لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الدارين جميعاً، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً)(٢٩٥).
٩ ـ العلاقات الاجتماعية: قال عليه السلام: (أحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك بمثله تكن عادلاً)(٢٩٦). وقال عليه السلام: (هلاك الناس في ثلاث: الكبر والحرص والحسد)(٢٩٧). وقال عليه السلام: (المعروف ما لم يتقدّمه مطل ولا يتبعه منّ، والاعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد). وقال عليه السلام: (المزاح يأكل هيبة، وقد أكثر من الهيبة الصّامت)(٢٩٨).
١٠ ـ التشيّع مسؤولية: قال له رجل: أنا من شيعتكم، فقال عليه السلام: (يا عبدالله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعاً فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها، لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم، ومعادي أعدائكم، وأنت في خير وإلى خير)(٢٩٩). وكان عليه السلام يصحح الأفكار والمفاهيم الصادرة من بعض الصحابة ليبيّن الرأي الأكثر صواباً والأكثر انسجاماً مع ثوابت الايمان والاعتقاد. قيل له عليه السلام: إنّ أباذر كان يقول: (الفقر أحبّ إليّ من الغنى، والسقم أحبّ إليّ من الصحة). فقال عليه السلام: (رحم الله أباذر، أمّا أنا فأقول: من إتكل على حسن اختيار الله لم يتمنّ أنّه في غير الحالة التي اختارها الله له)(٣٠٠).
١١ ـ الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: وفي هذا الصدد رويت عنه عليه السلام أحاديث في أبواب مختلفة؛ في الفضائل، وفي الأخلاق، وفي الفقه، كما هو مدوّن في كتب الحديث ودعا عليه السلام بنيه وبني أخيه، فقال: (يا بنيّ وبني أخي، إنّكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته)(٣٠١). ولم يتوقف عن إعداد المصلحين والمبلّغين والدعاة إلى الإسلام وإلى منهج أهل البيت عليهم السلام حتى في أحرج الظروف الصحية، فقد كان يحث الآخرين على سؤاله والاستفسار منه وهو في فراش الموت وفي أيامه الأخيرة عند ما سقي السقم. عن عمير بن إسحاق قال: (دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده، فقال: يا فلان سلني، قال: لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله ثم نسألك، ثم دخل ثم خرج إلينا، فقال: سلني قبل أن لا تسألني، فقال: بل يعافيك الله ثم أسألك، قال: لقد ألقيت طائفة من كبدي وأنّي سقيت السمّ مراراً فلم أسق مثل هذه المرة، ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه)(٣٠٢).
١٢ ـ الموعظة والنصيحة:
وفي هذا أحاديث كثيرة منها: دخل جنادة بن أبي أمية على الإمام الحسن عليه السلام في مرضه الذي تُوفي فيه، فقال: (عظني يابن رسول الله، قال: نعم استعد لسفرك وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازنا لغيرك، واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وفي الشبهات عتاب، فانزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن في وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فالعتاب يسير، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عزّ وجلّ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك وإذا خدمته صانك وإذا أردت معونة أعانك وإن قلت صدق قولك وإن صلت شدّ صولك وإن مددت يدك بفضل مدها وإن بدت منك ثلمة سدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلق عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق وإن تنازعتما منقسماً آثرك)(٣٠٣).
١٣ ـ بيان حقيقة معاوية وخبثه: عن الأسود بن قيس العبدي قال: (لقي الحسن بن علي يوماً حبيب بن مسلمة، فقال له: يا حبيب ربّ مسير لك في غير طاعة الله، فقال: أمّا مسيري إلى أبيك فليس من ذلك، قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، ولو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كان ذاك كما قال الله تبارك وتعالى: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)(٣٠٤)، ولكنّك كما قال جلّ ثناؤه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(٣٠٥)).
ومن خبث معاوية أنه قال يوماً في مجلسه: (إذا لم يكن الهاشمي سخياً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الزبيري شجاعاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن المخزومي تائهاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الأموي حليماً لم يشبه حسبه). فبلغ ذلك ـ الإمام ـ الحسن بن علي عليهما السلام فقال: (والله ما أراد الحقّ، ولكنّه أراد أن يغري بني هاشم بالسخاء فيفنوا أموالهم ويحتاجوا إليه، ويغري آل الزبير بالشجاعة فيفنوا بالقتل، ويغري بني مخزوم بالتيه فيبغضهم الناس، ويغري بني أمية بالحلم فيحبهم الناس)(٣٠٦).
غدر معاوية واغتيال الإمام الحسن عليه السلام:
أيقن معاوية أنّ بقاء الإمام الحسن عليه السلام حيّاً يشكّل تهديداً واضحاً لنظامه القائم على أساس الخداع والتضليل وتزوير الحقائق وشراء الضمائر، لأنه عليه السلام الخليفة الحق والأعلم والأتقى والقمة في جميع مقوّمات الشخصية الانسانية، وزيادة على مؤهلاته الذاتية فإنّه يتمتع بفضائل ومقامات وردت في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي مقابل ذلك يبقى معاوية باغياً طليقاً مبتزّاً متسلطاً غاصباً للسلطة والحكومة لا يملك أي مؤهلات سوى الخداع والتضليل وشراء الضمائر كمقوّمات لبقائه في السلطة، وهو لا يستطيع الاستمرار في التسلط وممارسة الانحرافات المخالفة للكتاب والسنة، وتحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض وسلطان يتوارثه بنو أمية مادام الإمام الحسن عليه السلام حياً؛ ولهذا فكّر في التخلّص من الإمام عليه السلام فقتله بالسمّ. قال قتادة وأبوبكر بن حفص: (سُمَّ الحسن ابن علي، سمّته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك)(٣٠٧). ولما مات ورد البريد بموته على معاوية، فقال: (يا عجباً من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه)(٣٠٨). وفي رواية عن الإمام الحسن عليه السلام قال: (لقد رقي إليّ أنّه كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجّه إليه من السمّ القتال بشربة، فكتب إليه ملك الروم: أنّه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا. فكتب إليه: إنّ هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا أريد أن أدّس إليه من يسقيه ذلك، فاريح العباد والبلاد منه، ووجّه إليه بهدايا وألطاف، فوجّه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دسّ بها فسقيتها)(٣٠٩). وعملية السم ليست عملية حقد شخصي أو ناجمة عن خلافات عشائرية أو قبلية، بل هي تآمر سافر على مستقبل الرسالة الإسلامية، فهي ليست قتل لشخص فحسب، بل هي قتل للمفاهيم والقيم التي أراد الإمام عليه السلام لها أن تكون الحاكمة على الدولة والمجتمع الإسلامي. وكان الإمام الحسن عليه السلام يقول: (قد سقيت السمّ مراراً، فلم أسق مثل هذا)(٣١٠). وقال الشعبي: (إنّما دسّ إليها معاوية، فقال: سمّي الحسن وأزوّجك يزيد وأعطيك مائة ألف درهم، فلمّا مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب انجاز الوعد، فبعث إليها بالمال، وقال: إنّي أحبّ يزيد وأرجو حياته لولا ذلك لزوجتك إيّاه)(٣١١). واتفق المؤرخون على أنّ الإمام عليه السلام اُستشهد بالسمّ، وإنّ معاوية اللعين ابن اللعين هو الذي دسّ إليه السُّمَّ فقتله(٣١٢).
وقد أوصى الإمام الحسن لأخيه الإمام الحسين عليهما السلام قائلاً: (هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين، أوصى أنّه يشهد أنّ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وأنّه خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأنّه أولى من عُبِد، وأحقّ من حُمِد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن ناب إليه اهتدى، فإنّي أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفاً ووالداً، وأن تدفنني مع رسول الله صلى الله عليه وآله فإنّي أحقّ به وببيته، فإنّ أبوا عليك فانشدك الله وبالقرابة التي قرب الله منك والرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يهراق من أمري محجمة دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره بما كان من أمر الناس إلينا)(٣١٣). (ثمّ وصى إليه بأهله وولده وتركاته، وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله بمقامه ودلّ شيعته على استخلافه، ونصب لهم علماً من بعده)(٣١٤).
ثم طلب عليه السلام أخاه محمّد بن الحنفية ليعلمه بإمامة الحسين عليه السلام قائلاً لقنبر: (ادع لي محمد بن عليّ، فلمّا دخل وسلّم قال له الإمام عليه السلام: اجلس فإنّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الاحياء، كونوا اوعية العلم ومصابيح الهدى؛ فإنّ ضوء النهار بعضه أضوء من بعض. أما علمت أنّ الله جعل ولد إبراهيم عليه السلام أئمة، وفضّل بعضهم على بعض وآتى داود عليه السلام زبوراً وقد علمت بما استأثر به محمد صلى الله عليه وآله. يا محمد بن عليّ إنّي أخاف عليك الحسد، وإنّما وصف الله به الكافرين، فقال الله عزّ وجلّ: (كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)(٣١٥)، ولم يجعل الله عز وجلّ للشيطان عليك سلطاناً. يا محمد ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟ سمعت أباك عليه السلام يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة فليبرّ محمداً ولدي ... يا محمد بن عليّ أما علمت أنّ الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي؛ إمام من بعدي وعند الله جلّ اسمه في الكتاب، وراثة من النبي صلى الله عليه وآله أضافها الله عزّ وجلّ له في وراثة أبيه وأمّه، فعلم الله أنكم خيرة خلقه، فاصطفى منكم محمداً صلى الله عليه وآله واختار محمد علياً عليه السلام واختارني عليّ عليه السلام بالامامة، واخترت أنا الحسين عليه السلام). فقال له محمد: (أنت إمام وأنت وسيلتي إلى محمد صلى الله عليه وآله ... الحسين أعلمنا علما وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول الله صلى الله عليه وآله رحماً، كان فقيهاً قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله في أحد خيراً ما اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله، فلما اختار الله محمداً، واختار محمد علياً، واختارك عليّ اماماً، واخترت الحسين؛ سلّمنا ورضينا)(٣١٦).
ولما دنى أجله عليه السلام، قال لأخيه الإمام الحسين عليه السلام: (يا أخي إنّ هذه آخر ثلاث مرار سقيت فيها السمّ، ولم أسقه مثل مرّتي هذه، وأنا ميت من يومي، فإذا أنا متّ فادفني مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فما أحد أولى بقربه منّي، إلاّ أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم).
ولما اُستشهد عليه السلام أخرج الإمام الحسين عليه السلام نعشه يُراد به قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فركب مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، فمنعا من ذلك، حتى كادت أن تقع فتنة، وكانت عائشة قد ركبت في ذلك اليوم بغلة شهباء، وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد، فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر، فقال لها: يا عمّة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت. واجتمع مع الحسين بن علي عليهما السلام جماعة وخلق من الناس، فقالوا له: دعنا وآل مروان، فوالله ما هم عندنا كأكلة رأسٍ، فقال: إنّ أخي أوصاني أن لا أريق فيه محجمة دم، فدفن عليه السلام في البقيع(٣١٧). وكان عدد المشيعين كبيراً جداً، فقد روي عن ثعلبة بن مالك أنّه قال: (شهدت الحسن يوم مات ودفن في البقيع، فرأيت البقيع ولو طرحت فيه ابرة ما وقعت إلاّ على رأس انسان)(٣١٨). واختلف في سنة شهادته، فقيل سنة ٤٩ ه‍، وقيل سنة ٥٠ ه‍(٣١٩). وحينما وصل الخبر إلى معاوية كبّر في جمع من أهل الشام، وقال: (والله ما كبّرت شماتة، ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة)(٣٢٠). وبعد شهادته نقض معاوية بقية العهود والمواثيق، وازداد البلاء فلم يبقَ أحد من اتباعه إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض(٣٢١).

وسلام على السبط الحسن الزكي المُمتحَن يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يُبعث مع الشهداء حيّاً
وسيعلم الذين ظلموا آل محمد صلى الله عليه وآله حقهم أيَّ منقلبٍ ينقلبون


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي ٦: ٢٤ / ٦ كتاب العقيقة، باب: ما يفعل بالمولود.
(٢) علم النفس التربوي / فاخر عاقل: ١١٠.
(٣) المعجم الكبير / الطبراني ٣: ٣٢ / ٢٥٨٤.
(٤) المعجم الكبير ٣: ٥٢ / ٢٦٦١.
(٥) بحار الأنوار / المجلسي ٤٣: ٢٨٦ / ٥١ تاريخ الإمامين الهمامين، باب ولادتهما.
(٦) سورة الأنفال: ٨/٢٨.
(٧) البداية والنهاية / ابن كثير ٨: ٣٣.
(٨) المعجم الكبير ٣: ٥٠ ـ ٥١ / ٢٦٥٦.
(٩) صحيح مسلم ٢: ٤٥٦ / ٥٦ باب فضائل الحسن والحسين عليهما السلام.
(١٠) سنن الترمذي: حديث ٣٧٩٤، باب مناقب الإمام الحسن عليه السلام.
(١١) المعجم الكبير ٣: ٥٠ / ٢٦٥٥.
(١٢) سير أعلام النبلاء / الذهبي ٣: ٢٥٤.
(١٣) الحزقة: القصير الصغير الخُطا، وعين بقّة: أصغر الأعين.
(١٤) بحار الأنوار ٤٣: ٢٨٦ ـ ٢٨٧ / ٥١، باب فضائل الإمامين الحسنين عليهما السلام.
(١٥) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك / ابن الجوزي ٣: ٨٧.
(١٦) الاستيعاب / ابن عبد البر ٤: ٣٧٦.
(١٧) أسد الغابة ١: ٤٨٨.
(١٨) أسد الغابة ١: ٤٨٩.
(١٩) المعجم الكبير ٣: ٧٥ / ٢٧٠٨.
(٢٠) المعجم الكبير ٣: ٩٠ / ٢٧٥٦.
(٢١) المعجم الكبير ٣: ٨٦ / ٢٧٤١.
(٢٢) المعجم الكبير ٣: ٩٣ / ٢٧٦٠.
(٢٣) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ١١.
(٢٤) روضة الواعظين / محمد بن الفتّال النيسابوري: ١٨٦.
(٢٥) السيرة النبوية / ابن هشام ٣: ٣٣٠.
(٢٦) بحار الأنوار ٥٠: ٧٨ / ح٣ ونحوه في العقد الفريد / ابن عبد ربه ٥: ١٣٣.
(٢٧) الأموال / أبي عبيد القاسم بن سلام: ٢٠٥ و٢٠٧.
(٢٨) المناقب / ابن شهرآشوب ٤: ٩، ونحوه في السيرة النبوية / ابن هشام ٤: ٣٨.
(٢٩) سورة الأحزاب: ٣٣ / ٣٣.
(٣٠) جامع البيان / الطبرسي ٢٢: ٦، الدرّ المنثور / السيوطي ٦: ٦٠٣.
(٣١) البداية والنهاية ٢: ٢٥٧، دلائل النبوّة / البيهقي ١: ١٧٠.
(٣٢) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٢.
(٣٣) سورة الشورى: ٤٢ / ٢٣.
(٣٤) روح المعاني / الآلوسي ١٣: ٣٢، الدرّ المنثور ٥: ٧٨.
(٣٥) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٦: ٢٣.
(٣٦) سورة الأحزاب: ٣٣ / ٥٦.
(٣٧) روح المعاني ١١: ٢٥٣.
(٣٨) الصواعق المحرقة: ٢٢٨.
(٣٩) الصواعق المحرقة: ٢٢٧.
(٤٠) سورة الصّافات: ٣٧ / ١٣٠.
(٤١) تفسير سفيان الثوري: ٢٤٨، تفسير القرآن العظيم / ابن كثير ٤: ٢٠، زاد المسير / ابن القيّم ٦: ٣٢٣، البرهان في تفسير القرآن / البحراني ٦: ٣٨٠.
(٤٢) تفسير النسفي ٢: ٣٩٣، وتفسير الماوردي ٥: ٥.
(٤٣) البرهان في تفسير القرآن ٦: ٤٤٨.
(٤٤) زاد المسير / ابن القيّم ٦: ٣٢٠، ونحوه في: تفسير الماوردي ٥: ٦٤.
(٤٥) سورة الإنسان: ٧٦ / ٨ ـ ٩.
(٤٦) الكشّاف / الزمخشري ٦: ٢٧٨ ـ ٢٧٩، التفسير الكبير / الفخر الرازي ٣٠: ٢٤٤، روح البيان / البرسوي ١٠: ٢٦٩.
(٤٧) سورة آل عمران: ٣ / ٦١.
(٤٨) الكشّاف ١: ٥٦٥، ٥٦٦، التفسير الكبير ٨: ٨٥ و٨٦.
(٤٩) سورة النحل: ١٦ / ٤٣.
(٥٠) شواهد التنزيل / الحاكم الحسكاني ١: ٤٣٢.
(٥١) سورة آل عمران: ٣ / ٧.
(٥٢) نهج البلاغة / ترتيب د. صبحي الصالح: ٢٠٠، الخطبة: ١٤٤.
(٥٣) سنن الترمذي: حديث ٣٧٩٣، باب مناقب الإمام الحسن عليه السلام.
(٥٤) تاريخ مدينة دمشق / ابن عساكر ١٣: ٢٠٩.
(٥٥) سنن الترمذي: حديث ٣٧٩٥.
(٥٦) تاريخ مدينة دمشق ١٤: ١٦٧.
(٥٧) كنز العمال / المتّقي الهندي ١٢: ٩٧ / ٣٤١٦٢.
(٥٨) كنز العمال ١٢: ١١٤ / ٣٤٢٦٢.
(٥٩) تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٢٩.
(٦٠) المعجم الكبير ٣: ٤٣ / ٢٦٢٩.
(٦١) المعجم الكبير ٢٢: ٤٢٣ / ١٠٤١.
(٦٢) المعجم الكبير ٣: ٤٤ / ٢٦٣٠.
(٦٣) المعجم الكبير ٣: ٤٤ / ٢٦٣١.
(٦٤) كنز العمّال ١٢: ١١٩ / ٣٤٢٨٣.
(٦٥) أسد الغابة / ابن الأثير ١: ٤٩٠.
(٦٦) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٥٨.
(٦٧) المعجم الكبير ٣: ٤٠ / ٢٦٢٠.
(٦٨) الكافي ١: ٢٧٧ / ١، كتاب الحجّة، باب: إنّ الإمامة عهد من الله.
(٦٩) الكافي ١: ٢٧٨ / ٢، كتاب الحجّة، باب: إنّ الإمامة عهد من الله.
(٧٠) صحيح مسلم ٢: ١٨٣ / ١٨٢١، كتاب الإمارة، باب: الخلافة في قريش.
(٧١) ينابيع المودّة / القندوزي الحنفي ١: ٣٠٨.
(٧٢) كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر / الخزاز: ٨٩.
(٧٣) الأمالي / المفيد: ٢١٧ / ٤، مجلس ٢٥.
(٧٤) جامع الأخبار / السبزواري: ٦٢ / ٨.
(٧٥) فرائد السمطين، / الجويني ١: ٣١٨ / ٢٠٥.
(٧٦) إعلام الورى بأعلام الهدى / الطبرسي: ٢١٤.
(٧٧) سنن الترمذي: حديث ٣٨١٣، مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.
(٧٨) مجمع الزوائد / الهيثمي ٩: ١٦٨، ونحوه في الصواعق المحرقة / الهيتمي: ٢٣٤، ويُنظر: المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري ٣: ١٥١.
(٧٩) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٩.
(٨٠) الصواعق المحرقة: ٣٢٨.
(٨١) الصواعق المحرقة: ٢٦٩، وتاريخ الخلفاء / السيوطي: ٦١.
(٨٢) مسند أحمد ٥: ٣٥٥.
(٨٣) مسند أحمد ٥: ٣٥٥.
(٨٤) أسد الغابة ٣: ٦٠٦، البداية والنهاية ٧: ٣٥٠.
(٨٥) الصواعق المحرقة: ٦٧.
(٨٦) شرح نهج البلاغة ٦: ٢١.
(٨٧) مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٠.
(٨٨) سورة الإسراء: ١٧/٢٦.
(٨٩) شواهد التنزيل ١: ٣٣٩، مجمع الزوائد ٧: ٤٩.
(٩٠) صحيح مسلم ٢: ١٤٤ / ١٧٥٩، وتاريخ الطبري ٣: ٢٠٨.
(٩١) السيرة الحلبية / دحلان ٣: ٣٦٢.
(٩٢) ربيع الأبرار / الزمخشري ١: ٣١٦.
(٩٣) المناقب / ابن شهرآشوب ٤: ١٣، ١٤.
(٩٤) أسد الغابة ١: ٢٤٤.
(٩٥) الأحكام السلطانية / الماوردي: ٢٥.
(٩٦) الإمامة والسياسة ١: ١٩.
(٩٧) الإمامة والسياسة ١: ١١.
(٩٨) الصواعق المحرقة: ٢٦٩، تاريخ الخلفاء: ٦١.
(٩٩) الاستيعاب / ابن عبد البر ٣: ٣٩٧.
(١٠٠) تاريخ الخلفاء: ١٥٦.
(١٠١) ينابيع المودّة ١: ٨١، فرائد السمطين ١: ٣٣٧، شرح نهج البلاغة ١٢: ١٧٩.
(١٠٢) المناقب / ابن شهرآشوب ٤: ١٤، والآية من سورة المائدة: ٥/٣٢.
(١٠٣) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى / ابن سعد: ٦١ / ٨٩.
(١٠٤) تاريخ الطبري ٤: ٢٢٧ ـ ٢٣٩.
(١٠٥) الإمامة والسياسة ١: ٢٤.
(١٠٦) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٢ / ٤، تاريخ الإمام الزكي الحسن المجتبى باب مكارم أخلاقه.
(١٠٧) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٦.
(١٠٨) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٦.
(١٠٩) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٢.
(١١٠) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٣.
(١١١) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٢ ـ ٢٥٣.
(١١٢) تاريخ الخميس / الدياربكري ٢: ٢٦٣.
(١١٣) البداية والنهاية ٧: ١٨١.
(١١٤) الفتوح / ابن أعثم ١: ٤٢١.
(١١٥) الفتوح ١: ٤٢٣.
(١١٦) شرح نهج البلاغة ٣: ٨.
(١١٧) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٨.
(١١٨) الإمامة والسياسة ١: ٥١ ـ ٥٢.
(١١٩) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨١.
(١٢٠) حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام / باقر شريف القرشي ١: ٤٣٦ ـ ٤٣٧.
(١٢١) الجمل / الشيخ المفيد: ١٤٢.
(١٢٢) الكامل في التاريخ ٣: ٢٣١ ـ ٢٣٢.
(١٢٣) حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ١: ٤٣٨ ـ ٤٣٩.
(١٢٤) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى: ٥٧.
(١٢٥) الجمل / الشيخ المفيد: ١٧٥.
(١٢٦) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٥.
(١٢٧) الإمامة والسياسة ١: ٧٧.
(١٢٨) وقعة صفين / نصر بن مزاحم: ٢٩٧.
(١٢٩) وقعة صفين: ١١٣ ـ ١١٤.
(١٣٠) مناقب آل أبي طالب ٣: ١٩٧.
(١٣١) الإمامة والسياسة ١: ١٠٤.
(١٣٢) المعيار والموازنة / الإسكافي: ١٥٠ ـ ١٥١.
(١٣٣) حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ٢: ٥٠٦.
(١٣٤) الكامل في التاريخ ٣: ٣١١.
(١٣٥) شرح نهج البلاغة ١١: ٢٥.
(١٣٦) مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٢٣.
(١٣٧) نهج البلاغة: ٣٩١ ـ ٤٠٥ / ٣١.
(١٣٨) لا تغبّوا: أي تقطعوا الطعام عنهم.
(١٣٩) لم تناظروا: أي لم ينظر إليكم بالكرامة، لا من الله، ولا من الناس؛ لاهمالكم فرض دينكم.
(١٤٠) نهج البلاغة: ٤٢١ ـ ٤٢٢ / ٤٧.
(١٤١) الكامل في التاريخ ٣: ١٧٠.
(١٤٢) نهج البلاغة: ١١٩ / ٨٧.
(١٤٣) نهج البلاغة: ١٤٣ / ٩٧.
(١٤٤) نهج البلاغة: ١٤٦ / ١٠٠.
(١٤٥) شرح نهج البلاغة ١: ١٣٨ ـ ١٣٩.
(١٤٦) الدر النظيم/ يوسف بن حاتم الشامي: ٥٠٥.
(١٤٧) تحف العقول / ابن شعبة: ١٦٠.
(١٤٨) اثبات الهداة / الحر العاملي ٢: ٥٥٠ / ٢٦، الباب ١٢، الفصل ١٠.
(١٤٩) الدر النظيم: ٣٧٧.
(١٥٠) إثبات الهداة ٢: ٥٤٤.
(١٥١) إثبات الهداة ٢: ٥٥٣.
(١٥٢) الكافي ١: ٢٩٨ / ٥، باب الاشارة والنص على الحسن بن علي عليهما السلام.
(١٥٣) لمحات في فن القيادة / ج. كورتوا: ٢٣.
(١٥٤) علم النفس أسسه وتطبيقاته التربوية / عبد العزيز القوصي: ٣٩٦ و ٣٩٨.
(١٥٥) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٧، وكفاية الطالب: ٢٢١.
(١٥٦) بحار الأنوار ٤٠: ١٥٠.
(١٥٧) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٣.
(١٥٨) مطالب السؤول / محمد بن طلحة الشافعي ٢: ٦.
(١٥٩) البداية والنهاية ٨: ١٦.
(١٦٠) تحف العقول: ١٦٦.
(١٦١) يُنظر: رجال الشيخ الطوسي: ٩٣ وما بعدها، أصحاب الإمام الحسن السبط عليه السلام. تاريخ مدينة دمشق ١٣: ١٦٣، وأسد الغابة ١: ٤٨٨، والإصابة ٢: ١١.
(١٦٢) أمالي الصدوق: ١٥٠ / ٨، مجلس ٣٣.
(١٦٣) المنتظم / ابن الجوزي ٥: ١٦٤ ـ ١٦٥.
(١٦٤) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٩.
(١٦٥) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٩.
(١٦٦) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٩.
(١٦٧) البداية والنهاية ٨: ٤٢.
(١٦٨) مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور ٧: ٢٥.
(١٦٩) إسعاف الراغبين / الصبّان: ١٩٦، (مطبوع بهامش نور الأبصار).
(١٧٠) البداية والنهاية ٨: ٣٨.
(١٧١) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٠ / ٢٢.
(١٧٢) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٠.
(١٧٣) نور الأبصار / الشبلنجي: ١٣٥.
(١٧٤) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٦٠.
(١٧٥) حلية الأولياء ٢: ٤٢.
(١٧٦) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٦٠.
(١٧٧) تهذيب تاريخ دمشق الكبير ٤: ٢١٨.
(١٧٨) البداية والنهاية ٨: ٣٧.
(١٧٩) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٨ / ٣٧.
(١٨٠) نور الأبصار: ١٣٤.
(١٨١) مناقب آل آبي طالب ٤: ١٩.
(١٨٢) مناقب آل أبي طالب ٤: ١٩.
(١٨٣) مناقب آل أبي طالب ٤: ٤١.
(١٨٤) مناقب آل أبي طالب ٤: ١٠، وربيع الأبرار ٤: ٢٠٩.
(١٨٥) مناقب آل أبي طالب ٤: ١٣.
(١٨٦) مختصر تاريخ دمشق ٧: ٢٣.
(١٨٧) شرح نهج البلاغة ١٦: ١٠.
(١٨٨) شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٨.
(١٨٩) حياة الإمام الحسن ٢: ٣٠٦.
(١٩٠) حياة الإمام الحسن عليه السلام ٢: ٣٠٧.
(١٩١) الإمامة والسياسة ١: ٧٥.
(١٩٢) وقعة صفين: ٥٣٠.
(١٩٣) الإمامة والسياسة ١: ١٠٤.
(١٩٤) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٢ / ٢٨.
(١٩٥) اسعاف الراغبين: ١٩٦.
(١٩٦) تهذيب تاريخ دمشق الكبير ٤: ٢١٨.
(١٩٧) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٣.
(١٩٨) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٢ / ٢٩.
(١٩٩) بحار الأنوار ٤٣: ٣١٩ / ٢.
(٢٠٠) جامع الأخبار / السبزواري، الحديث: ٧٠٩، الفصل ٥٤.
(٢٠١) المنتظم ٥: ١٨٤.
(٢٠٢) مختصر تاريخ دمشق ٧: ٣٨.
(٢٠٣) مناقب آل أبي طالب ٤: ٤١.
(٢٠٤) مختصر تاريخ دمشق ٧: ٤٦.
(٢٠٥) تهذيب تاريخ دمشق الكبير ٤: ٢٣٠.
(٢٠٦) مجمع الزوائد ٩: ١٧٧.
(٢٠٧) أئمتنا / علي محمد علي دخيل١: ١٦٧.
(٢٠٨) مختصر تاريخ دمشق ٧: ٢٩.
(٢٠٩) شرح نهج البلاغة ١٦: ١١.
(٢١٠) البداية والنهاية ٨: ٣٧.
(٢١١) البداية والنهاية ٨: ٣٩.
(٢١٢) البداية والنهاية ٨: ٣٧.
(٢١٣) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٥٣.
(٢١٤) الأعلام ١: ٢٣٠.
(٢١٥) الفصول المهمة: ١٥٧.
(٢١٦) تذكرة الخواص: ١٧٦.
(٢١٧) مطالب السؤول ٢: ٦.
(٢١٨) الإمام الحسن الكوثر المهدور / سليمان كتاني: ١٢.
(٢١٩) الإمام الحسن بن علي / حسن كامل الملطاوي: ٦.
(٢٢٠) الإمام الحسن بن علي / حسن كامل الملطاوي: ٤٣.
(٢٢١) سورة الشورى: ٤٢ / ٢٣.
(٢٢٢) المستدرك على الصحيحين ٣: ٨٩ / ٤٨٠٢.
(٢٢٣) مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الأصفهاني: ٦٢.
(٢٢٤) اثبات الهداة ٢: ٥٥٠ / ٢٧، الباب ١٢، الفصل ١٠.
(٢٢٥) شرح نهج البلاغة ١٦: ٣٠.
(٢٢٦) أسد الغابة ١: ٤٩١.
(٢٢٧) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى: ٧٤ / ١٢٩.
(٢٢٨) الأحكام السلطانية / الماوردي: ٧.
(٢٢٩) أصول الدين / عبد القاهر البغدادي: ٢٨٠.
(٢٣٠) مقاتل الطالبيين: ٦٤ و ٦٦.
(٢٣١) نهج البلاغة: ٣٦٧ / ٦.
(٢٣٢) سورة الأنفال: ٨ / ٤٦.
(٢٣٣) شرح نهج البلاغة ١٦: ٤٢.
(٢٣٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٤.
(٢٣٥) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٤.
(٢٣٦) علل الشرائع / الشيخ الصدوق: ٢٢١.
(٢٣٧) بحار الأنوار ٤٤: ٤٣ / ٤.
(٢٣٨) الارشاد / الشيخ المفيد: ١٩٠.
(٢٣٩) أنساب الأشراف / البلاذري ٣: ٣٩.
(٢٤٠) الارشاد: ١٨٩.
(٢٤١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٥.
(٢٤٢) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٤.
(٢٤٣) الفتوح ٢: ٢٩١.
(٢٤٤) الإرشاد: ١٩٠ ـ ١٩١.
(٢٤٥) تاريخ الطبري ٥: ١٦٢.
(٢٤٦) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٦.
(٢٤٧) مقاتل الطالبيين: ٦٦ ـ ٧٢، وشرح نهج البلاغة ١٦: ٣٦ ـ ٤١.
(٢٤٨) الاستيعاب / ابن عبد البر ٣: ٣٩٧، والعقد الفريد / ابن عبد ربِّه الأندلسي ١: ١٥.
(٢٤٩) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ١٨.
(٢٥٠) الإصابة ٦: ١١٤.
(٢٥١) تاريخ الخلفاء: ١٥٥.
(٢٥٢) تاريخ الخلفاء: ١٥٦.
(٢٥٣) النزاع والتخاصم / المقريزي: ٨٤.
(٢٥٤) تاريخ الإسلام ٢: ٤٦.
(٢٥٥) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٧.
(٢٥٦) بحار الأنوار ٤٤: ١٥ ـ ١٦ / ٢.
(٢٥٧) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٦.
(٢٥٨) يُنظر هذا الحديث الموضوع في مسند أحمد ٦: ١٧ و ٢٧ و ٣٠ و ٣٧، وصحيح البخاري ٥: ٣٢ باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام، والمعجم الكبير للطبراني ٣: ٣٣ ـ ٣٥، وسنن أبي داود، حديث ٤٦٦٢ من كتاب السنة، وسنن الترمذي، حديث ٣٧٩٨ باب مناقب الإمام الحسن عليه السلام.
(٢٥٩) اُنظر: سير أعلام النبلاء / الذهبي ٣: ٨.
(٢٦٠) بحار الأنوار ٤٤: ٢٠ / ٤.
(٢٦١) بحار الأنوار ٤٤: ١٤٧ / ١٤.
(٢٦٢) بحار الأنوار ١٠: ١٤٣ / ٥.
(٢٦٣) أنساب الأشراف ٣: ٤١.
(٢٦٤) الفتوح ٢: ٢٩٣، وأنساب الأشراف ٣: ٤٢.
(٢٦٥) بحار الأنوار ٤٤: ٢ / ٢.
(٢٦٦) مقاتل الطالبيّين: ٧٧.
(٢٦٧) عيون الأخبار / ابن قتيبة ١: ٦٧.
(٢٦٨) مقاتل الطالبيّين: ٧٧.
(٢٦٩) أنساب الأشراف ٣: ٤٧.
(٢٧٠) شرح نهج البلاغة ٦: ٢٩٦.
(٢٧١) بحار الأنوار ٤٤: ٢٢.
(٢٧٢) سورة الأنبياء: ٢١ / ١١١.
(٢٧٣) الاحتجاج / الطبرسي ٢: ٥٢ / ١٥٢.
(٢٧٤) سورة هود: ١١ / ١٧.
(٢٧٥) الغدير / الأميني ١: ١٩٧ ـ ١٩٨.
(٢٧٦) أسد الغابة ١: ٤٩٢.
(٢٧٧) مروج الذهب / المسعودي ٢: ٤٣١.
(٢٧٨) تاريخ الإسلام / الذهبي: ٣٩، عهد معاوية.
(٢٧٩) شرح نهج البلاغة ١٦: ٤٦ ـ ٤٧.
(٢٨٠) شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٨.
(٢٨١) شرح نهج البلاغة ٥: ٩٨.
(٢٨٢) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٩.
(٢٨٣) مقتل الحسين عليه السلام / الخوارزمي ١: ١٢٤.
(٢٨٤) حياة الإمام الحسن عليه السلام / باقر شريف القرشي ٢: ٣٠٦.
(٢٨٥) شرح نهج البلاغة ٦: ٢٨٨ ـ ٢٩٤.
(٢٨٦) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٧.
(٢٨٧) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٦.
(٢٨٨) تحف العقول: ١٥٩.
(٢٨٩) يُنظر الموارد الثلاثة المذكورة في تحف العقول: ١٦٣ و ١٦٤ و ١٦٦.
(٢٩٠) حياة الإمام الحسن عليه السلام / باقر شريف القرشي ١: ٣٥١.
(٢٩١) جامع الأخبار: ٢٥٢ / ٦٥١.
(٢٩٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٦.
(٢٩٣) الخصال / الشيخ الصدوق ١: ٢٩ / ١٠٢.
(٢٩٤) جامع الأخبار: ٣٣٩ / ٩٤٩، الفصل الثمانون.
(٢٩٥) الفصول المهمة: ١٥١.
(٢٩٦) نور الأبصار: ١٣٤.
(٢٩٧) بحار الأنوار ٧٥: ١١١.
(٢٩٨) بحار الأنوار ٧٥: ١١٣.
(٢٩٩) بحار الأنوار ٦٥: ١٥٦.
(٣٠٠) البداية والنهاية ٨: ٣٩.
(٣٠١) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى: ٦٤ / ٩٨.
(٣٠٢) حلية الأولياء ٢: ٣٨.
(٣٠٣) أعيان الشيعة / حسن الأمين ١: ٥٧٧.
(٣٠٤) سورة التوبة: ٩ / ١٠٢.
(٣٠٥) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى: ٦٧ / ١٠٦. والآية من سورة المطففين: ٨٣ / ١٤.
(٣٠٦) مختصر تاريخ دمشق ٧: ٣٢.
(٣٠٧) الاستيعاب ١: ٣٧٤.
(٣٠٨) الاستيعاب ١: ٣٧٥.
(٣٠٩) بحار الأنوار ٤٤: ١٤٧ / ١٤.
(٣١٠) الاصابة ١: ٣٣٠.
(٣١١) تذكرة الخواص: ١٩٢.
(٣١٢) حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ٢: ٤٧٧.
(٣١٣) الأمالي / الشيخ الطوسي: ١٥٩ ـ ١٦٠ / ١٩، مجلس ٦.
(٣١٤) الإرشاد: ١٩٣.
(٣١٥) سورة البقرة: ٢ / ١٠٩.
(٣١٦) الكافي ١: ٣٠٠ / ٢، باب الاشارة والنصّ على الحسين بن علي عليهما السلام.
(٣١٧) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥.
(٣١٨) الاصابة ١: ٣٣٠.
(٣١٩) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥، والاستيعاب١: ٣٧٣، والإصابة١: ٣٣٠.
(٣٢٠) ربيع الأبرار / الزمخشري ٤: ٢٠٩.
(٣٢١) شرح نهج البلاغة ١١: ٤٦.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ١١٢ / ١.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل