فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » صلح الإمام الحسن من منظور آخر  

كتب أخرى

 

الكتب صلح الإمام الحسن من منظور آخر

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الأسعد بن علي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/١٣ المشاهدات المشاهدات: ٨٣٠٤ التعليقات التعليقات: ٠

صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر

تأليف: الأسعد بن علي

الفهرس

المقدمة
الفصل الأول: الإمام الحسن (عليه السلام) من المهد إلى اللحد
المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول
المرحلة الثانية: الإمام الحسن زمن الخلفاء
المرحلة الثالثة: الإمام الحسن في ظل حكم علي (عليه السلام)
المرحلة الرابعة: من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح
المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد
الفصل الثاني: معاهدة الصلح.. البنود والسياق التاريخي
نقض البند الأول
نقض البند الثاني
نقض البند الثالث
نقض البند الرابع
نقض البند الخامس
الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره
الفصل الرابع: شبهات حول الصلح
أولاً: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال
ثانياً: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي
ثالثاً: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام)
صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة
المراجع والمصادر

المقدمة

ليست دراسة التاريخ ترفاً فكرياً واستغراقاً في الماضي، يحجب عنا الواقع وأسئلته، والحاضر ومشكلاته. بل الوعي التاريخي مقدمة لبناء الذات، ونحت المجتمعات وتحقيق النهضة والتغيير يستند إلى جملة عوامل، من بينها الفهم العميق للتاريخ، والرؤية المتوازنة للماضي.
صحيح أننا لا نتحمل مسؤولية ما قام به الأولون ولكن قطعاً ما قاموا به يشكل الأرضية والقاعدة لأي فعل جديد، فقراءة التاريخ والسّير في آثار الماضين، يوفر دروساً مهمةً للاتعاظ والاعتبار من (السلف) ومن تاريخ الشعوب والأمم.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(١).
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)(٢).
والعودة إلى التاريخ تمنحنا الفرصة للكشف عن نواميسه وقوانينه التي تحكم صعود الحضارات ونزولها ونهضة الشعوب وتقهقرها، وقيام الثورات وسقوطها، وظهور الدول وأفولها: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(٣).. (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(٤)، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)(٥)، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(٦).
هذا التأمل في التاريخ يمنح الفرد منا عمراً تاريخيا يختزن من خلاله كل تجارب السابقين.. فيتحرك عن بصيرة وإحاطة وخبرة، يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام):
(أي بني إني لو لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أوّلهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره)(٧).
فإذا كان للتاريخ ودراسته هذه الأهمية فكيف بقراءة سيرة الرسول والأئمة الأطهار (عليهم السلام) وهم القادة الربانيون الذين لا تمثل حياتهم جزءاً عظيماً وفصلاً منيراً من تاريخ الأمة فحسب، وإنما تعبّر عن دينها وشريعتها ومرجعياتها العقائدية والسلوكية فهم مهبط الوحي ومعدن العلم والسبيل إلى الله تعالى.
ولكن الباحث حينما يرجع إلى مصادر التاريخ وكتب السير يواجه عوائق عديدة تحول دون الاستفادة القصوى من هذا المعين المهم في نحت ثقافة المؤمن وبناء وعيه الديني والتاريخي.
فالسيرة جزء من التاريخ، والتاريخ تحكّم في كتابته السلاطين والدول التي سادت ثم بادت. فهو خاضع أولاً وبالذات للأهواء والعصبيات لا للميزان العلمي والموضوعية والتجرّد (فالذين دوّنوا الآثار الإسلامية في عصور التدوين الأولى لم تعنهم الحقائق أكثر من إرضاء عواطفهم المذهبية وتفاعلهم مع الفئات السياسية يوم كانت سياسة الحاكمين تجري لدى أكثر المسلمين مجرى الدم)(٨).
إن المواقف المبدئية والخط الرباني الذي اعتصم به أئمة أهل البيت فرفضوا الظلم ونبذوا الانحراف ونددوا بالجور جعلهم وجهاً لوجه مع مختلف الأنظمة الطاغوتية التي تحكمت في تاريخ المسلمين، من أمويين وعباسيين وغيرهم..
فالأئمة كانوا دوماً جبهة المعارضة: العلنية أحياناً، والخفية أحياناً أخرى، وقد لاقوا لأجل ذلك شتّى أنواع التنكيل والتعذيب والتشريد والسلطات الجائرة لم تقنع بما أصاب أهل البيت (عليهم السلام) من ويلات، فدسّت في صفوفهم - إمعاناً في الإيذاء - من يشوّه تعاليمهم ويضع الأحاديث والأكاذيب، بل في صفوف المسلمين جميعاً..
فضاع جزء كبير من الحقيقة بين مؤرخ يسعى لإرضاء السلطان فيحطُّ من شأن المعارضة ويهمشها كما هو ديدن الكتّاب المتاجرين في كل عصر وبين واضع مدلّس كاذب يفتعل الأقاصيص ويختلق الروايات ليشوّه صورة الأئمة (عليهم السلام) الناصعة وبين ناقل هذا وذاك دون نقد وتمحيص.
(ولعلهم (عليهم الصلاة والسلام) وهم في مراقدهم يكابدون ممن جمعوا ما رواه الرواة عنهم من الآثار ودوّنوا جميع ما ينسب إليهم من الأقوال والأفعال بدون غربلة، ولا تمحيص، ليظهر الحصى من الجوهر والدّرر من الصدف. هؤلاء على ما بذلوا من جهد مشكور قد أمدّوا أعداء الإسلام والحاقدين عليه وعلى أهل البيت بالسلاح ويسّروا لهم بث سمومهم وتشويه العقيدة الشيعية، كما يبدو ذلك من مؤلفاتهم التي تصدر بين الحين والآخر)(٩).
وما يكتب حديثاً عن سيرة الأئمة لا يخرج في الغالب عن كونه ترديداً لما ذكر في المراجع القديمة، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه فكل دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها وزمانها ونمط تفكير أبناءها ومستوى وعيهم.. فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كما قرأها القدامى، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم..
هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة.
وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن (عليه السلام) تبرز إلى جانب كل ذلك مشكلة جديدة؛ إنها مظلمة التحريف والتزييف، ونحن نعلم أن جل الأئمة لم يسلموا من تشويه واتهام، فالحسين (عليه السلام) قتل بسيف جده؟!! والرضا (عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين! والإمام علي (عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقه الشرعي! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم، وسلامة خطهم.
ولكن سيرة الحسن (عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أي إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة.
فالحسن (عليه السلام) عند الكثيرين رجل مزواج مطلاق، تجاوز عدد زوجاته المائة وخمسين زوجة!! حتى أن الإمام علي (عليه السلام) ضجر منه فقال: (لا تزوجوا ولدي حسن فإنه مطلاق)!
وآخر (طه حسين) يدّعي أنه عثماني وأن هواه يميل مع بني أمية ويرى مظلومية عثمان ولهذا تنازل عن الخلافة لمعاوية؟!!
ومؤرخ آخر: يرى أنه متردد ولا يمتلك شخصية قوية(١٠) ولا يملك أهلية القيادة.. الخ.
ومن جهة ثانية أخضعت سيرة الحسن (للحط من شأنه والعياذ بالله) إلى مقارنات ظالمة تارة مع معاوية للتدليل على حنكة الأخير وعدم خبرة الإمام!!
وطوراً مع الإمام علي (عليه السلام) للتدليل على حزم علي (عليه السلام) وجرأته وضعف الحسن (عليه السلام) وتردده!
وطورا آخر مع الحسين (عليه السلام) للتدليل على ثورية الحسين (عليه السلام) وسلبية واستسلام الحسن (عليه السلام).
هذه الإثارات المجحفة في حق الحسن (عليه السلام) يغرزها عدم تأطير هذه البحوث بالإطار العقائدي للإمامة فهم ينظرون للحسن (عليه السلام) كقائد سياسي فحسب ويلغون صفته كإمام وحافظ للدين والقيم!!
هذا الفصل بين الإطار العقائدي والسياق التاريخي أوقع هؤلاء في مثل هذه التقييمات الجائرة.. كما أن التحليل الموضعي الذي يتعاطى مع النصوص بحرفية ولا يستند إلى منهج ترابطي في دراسة حياة الأئمة (عليهم السلام)(١١) زاد الطين بلة.
فلتكن بعون الله دراستنا عن الحسن (عليه السلام) وخياراته الصعبة مسلحة بأدوات منهجية تتجاوز هذه الأخطاء والعوائق، حتى نفهم حقاً موقعه ونقرأ قراءة واقعية صلحه الذي كثر حوله اللغط والجدل. والدراسة تقوم إلى جانب هذه المقدمة على أربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: الإمام الحسن من المهد إلى اللحد.
الفصل الثاني: معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي.
الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره.
الفصل الرابع: شبهات حول الصلح.
الخاتمة: صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة الصعبة!!

الفصل الأول: الإمام الحسن (عليه السلام) من المهد إلى اللحد

عاش الإمام الحسن (عليه السلام) على امتداد خمسة عقود تقريبا غنية بالأحداث والتحولات، هذه الحياة القصيرة نسبياً واكب الإمام عبرها منعرجات حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية تحكمت في مصيرها طوال قرون مديدة.
وبنظرة فاحصة يمكن أن نقسم حياة الحسن المجتبى إلى خمس مراحل:
- المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
- المرحلة الثانية: الإمام الحسن في ظل الخلفاء.
- المرحلة الثالثة: الإمام في ظل إمامة علي (عليه السلام).
- المرحلة الرابعة: من استشهاد علي (عليه السلام) إلى عقد الصلح.
- المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى استشهاده.
المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول.
ولد الإمام الحسن (عليه السلام) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة (٣هـ).
أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ علي (عليه السلام) أن يسبق النبي في تسميته وكان أول من سمي بهذا الاسم. والحسين اشتق من هذا الاسم أيضا والمروي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمى حسناً وحسينا (رضي الله عنهما) واشتق اسم حسين من اسم حسن(١٢).
وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرها فتصدقت بوزنه فضة(١٣).
لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في (بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (النور: ٣٦)
وبين أعظم وأطهر خلق الله؛ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) ثم الحسين (عليه السلام) وفي كنف أهل البيت (إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: ٣٣).
كانت طفولة فريدة نمت وترعرعت في أجواء الدين وعبق الرسالة في السنوات السبع الأخيرة من حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين وطد أركان الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية وسقطت جميع حصون الشرك والكفر وأمنت الدولة الفتية وثغورها.
عاش الحسن طفولته في ظلال النبوة وهي تتحرك لتعلي كلمة (لا اله إلا اله محمد رسول الله) أولى الكلمات التي تناهت إلى سمعه من فم رسول الله وهو وليد، عاش طفولة غمرها الرسول بفيض من العاطفة والحنان، فالروايات تحدثنا أن الرسول كان يحمله على عاتقه وهو يقول: (اللهم إني أُحبه فأحبَّه).
وعن عائشة انه كان يأخذه فيضمه ويقول: (إن هذا ابني وأنا أحبه وأحب من يحبه).
ورآه رجل وهو يحمله على رقبته فقال: نعم المركب ركبت يا غلام. فقال الرسول: (ونعم الراكب هو).
وتروي كتب الحديث: أن الحسن كان يأتي جده وهو ساجد فيطيل السجود والحسن على ظهره فإذا فرغ قال للمصلين: لقد ترحلني الحسن فكرهت أن أعجله.
وللأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن في هذه الفترة ربما لصغر سنه، ولكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة وعززت مكانته بين صفوفها:
(الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا).
(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).
(من أحبني فليحبهما ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله وأدخله النار).
إضافة إلى آيات الوحي النازلة في تمجيد أهل البيت عموماً وأصحاب الكساء، فالحسن أحدهم بلا نزاع.
لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده، ثم أمه.. وتلك المظالم التي ستصب على أهل البيت (عليهم السلام).
مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة، مات رسول الله وهو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته وسؤدده (فقد أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال: أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين فله جرأتي وجودي)(١٤).
امتزج حزن الحسن عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة.
المرحلة الثانية: الإمام الحسن زمن الخلفاء.
امتدت هذه الفترة إلى سنة ٣٥ه‍ تقريباً عام مقتل عثمان ومبايعة الإمام علي (عليه السلام) ولا يسعفنا التاريخ هنا أيضا بمعلومات كثيرة عن الحسن (عليه السلام) خاصة في بداية هذه المرحلة التي دامت (١٧ سنة) تقريباً.
عاش الحسن في بداية هذه الحقبة مع أبويه أحزان رحيل الرسول (صلّى الله عليه وآله) والانقلاب الخطير الذي أقصيَ بموجبه الإمام علي عن الحكم. كان الحسن (عليه السلام) شاهداً على تلك الأحداث يمزق قلبه حزن فراق جده، والحزن لما أصاب أمه وأباه من ويلات القوم وكأنهم يثأرون من وصي الرسول وبنته (عليها السلام) لأجدادهم المشركين وعشائرهم في الجاهلية.
شهد الحسن الهجوم على بيت والديه، والتنكيل بعلي (عليه السلام) وغصب إرث الزهراء.. عاش أجواء المحاصرة لأهل البيت وأنصارهم، وشهد انقلاب القوم على أعقابهم (وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللهَ شَيْئاً) (آل عمران: ١٤٤).
ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى توفيت الزهراء (عليها السلام) لتكون أول أهل الرسول لحوقاً به كما بشرها النبي على فراش الموت، مصيبة جديدة تهتز لها الطفولة البريئة ولما تلتئم جراحات فراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ضمته الزهراء آخر لحظات حياتها وهي تجود بنفسها والحسن والحسين يبكيان فراق أمهما الحبيبة، يبكيان موتها مظلومة غريبة. ويشارك الحسن أباه وثلة من أصحابه الخلَّص دفن الزهراء في عتمة الليل عملاً بوصية الزهراء البتول احتجاجاً على الذين ظلموها وغصبوا حقها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!!
في خلافة أبي بكر يروي المحدثون موقفاً للحسن يعكس بوضوح ما يختزنه الإمام على صغر سنه من رفض واحتجاج: فقد رأى الحسن أبا بكر يخطب من فوق المنبر فيندفع نحوه وهو يقول: (انزل عن منبر أبي فيقول له الخليفة: بأبي أنت يا بن رسول الله لعمري إنه منبر أبيك لا منبر أبي).
مات الخليفة الأول ولم يتجاوز عمر الحسن عشر سنوات لكنه مع خلافة عمر بن الخطاب بلغ أشده وتخطى سن الطفولة إلى عنفوان الشباب مما يجعلنا ننتظر منه دورا أعظم لكن الحصار المضروب على علي (عليه السلام) وآله سيبقى مستمراً. ولم يخض علي (عليه السلام) في الحياة السياسية إلا بمقدار الضرورة حيث يتدخّل في الحالات الطارئة التي تشكل خطراً غير عادي على الرسالة والأمة. هذا الأمر سيجعل الحسن، حاله حال أبيه على هامش التاريخ الرسمي للخلافة.
وربما أرجع البعض الأمر إلى الحصار الذي ضربه الخليفة عمر على كبار الصحابة ومنعهم من الخروج من المدينة، وقد كان ألحق الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان بأهل بدر في العطاء (خمسة آلاف درهم). يقول هاشم معروف الحسني: (ومن المؤكد أنهما (أي الحسن والحسين) لم يشتركا في المعارك الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب بالرغم من أنها قد بلغت ذروتها في مختلف المناطق والانتصارات يتلو بعضهما بعضاً والأموال والغنائم تتدفق على المدينة من هنا وهناك ولم تظهر بادرة للإمام أبي محمد الحسن طيلة عهد الخليفة الثاني في حين أنه كان في السنين الأخيرة من خلافة ابن الخطاب قد أشرف على العشرين من عمره وهو سن يخوّله الاشتراك في الحروب والغزوات ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى انصراف أمير المؤمنين عن التدخل في شؤون الدولة والحياة السياسية، ومما لا شك فيه أن عدم اشتراك الإمام في الحروب والغزوات لم يكن مرده إلى تقاعس الإمام وحرصه على سلامة نفسه بل كان كما يذهب أكثر الرواة والمؤرخين لان عمر بن الخطاب قد فرض على كثير من أعيان الصحابة ما يشبه الإقامة الجبرية لمصالح سياسية يعود خيرها إليه)(١٥).
وتؤكد كتب التاريخ من جهة أخرى مشاركة الحسن في فتح أفريقية بقيادة عبد الله بن نافع وأخيه عقبة في جيش بلغ عشر آلاف مجاهد كما شارك في غزو طبرستان في الجيش الذي جهزه عثمان بقيادة سعيد بن العاص. مع الحسن وعبد الله بن العباس وغيرهم من أجلاء الصحابة.
إزاء عثمان لم يكن للحسن موقف مضاد لموقف أبيه كما تحاول أن توهم بعض الدراسات فالحسن كان رهن إشارة أبيه في محاولاته للإصلاح مهما أمكن وتقريب وجهات النظر بين الثوار وعثمان. وبلغ الإمام علي قصار جهده في الإصلاح لكنه انسحب من الوساطة في الأخير بعد نكول عثمان عن وعوده التي قطعها للثوار وعدم التزامه بما تعهد به عبر وساطة الإمام حتى قال علي (عليه السلام): (والله لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثما).
ومن الحوادث التي تؤكد وحدة الموقف بين الحسن وأبيه توديعه أبي ذر مع أبيه وأخيه الحسين حين نفاه عثمان وامتنع الناس عن توديعه إطاعة لأمر الخليفة وخضوعاً لتهديداته ولم يخرج في وداعه سوى علي وكميل والحسن والحسين وعمار.
ووقف مروان بن الحكم يهدد الحسن: (ألا تعلم يا حسن أن الخليفة قد نهى عن وداع أبي ذر والتحدث إليه فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك) ولكن الحسن لم يكترث له وودع أبا ذر بقول بليغ: (يا عماه لولا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف وقد أتى القوم إليك فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك ويحكم الله بينك وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين).
المرحلة الثالثة: الإمام الحسن في ظل حكم علي (عليه السلام).
لم يكن الحسن على خلاف مع أبيه، بل كان مع علي في كل صغيرة وكبيرة لا يعصى له أمر، كيف لا وهو الأدرى بإمامته ومكانته وأن (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار).
أما الروايات التي تعلق بها أصحاب هذا الادعاء، وعلى رأسهم عميد الأدب العربي فقد روى بعضها البلاذري في الأنساب والأشراف وهذا يروي عن المدائني المعروف بعدائه لعلي (عليه السلام) وآله بسند ينتهي إلى طارق بن شهاب كما رواها ابن أبي الحديد عن طارق بن شهاب أيضاً ورواها الطبري عن سيف ابن عمر الذي أكثر من الرواية عنه في تاريخه(١٦). وهو من الضعف بمكان كما هو معروف.
في عهد علي (عليه السلام) سعى الحسن كما هو حال الأصحاب الأجلاء من خاصة علي لإنقاذ الخلافة وإصلاح حال الأمة بعدما فعل فيها الانحراف ما فعل. فكان رفيق درب أبيه في كل الحروب والوقائع: صفين والجمل والنهروان...
ولم يتوقف دوره على القتال بل اعتمد عليه أمير المؤمنين في مهمات أخرى مثل المهمة التي أوكله إياها الإمام علي باستنفار أهل الكوفة للقتال معه في حرب البصرة فسار الحسن (عليه السلام) مع عمار بن ياسر وزيد بن حومان وقيس بن سعد وخطب الحسن في الناس واستنفرهم للخروج وكان أبو موسى يثبّط عزائم الناس ويدعو هم لعدم الخروج مدعيا انه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والنائم خير من القاعد فرد عليه عمار بن ياسر وقال: إذا صح! أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد الله أن رسول الله قد أمر علياً بقتال الناكثين وسمي لي منهم جماعة وأمره بقتال القاسطين وإن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد نهاك وحدك وحذرك من دخول الفتنة.
وأمر الحسن أبا موسى الأشعري بالتنحي قائلاً: (اعتزل عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا) ودخل مالك الأشتر القصر وأخرج الحرس منه، وخرج أبو موسى من المسجد واستجاب الناس للحسن وخرج معه للبصرة اثنا عشر ألفاً.
فالحسن كان حاضراً في كل مواقع القتال وإن كان علي يضنّ به وبأخيه الحسين فقد جاء في نهج البلاغة حين رأى الحسن يندفع في المعركة (املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله))(١٧).
وتؤكد المصادر الموثوقة أن الحسن بقي إلى جانب والده إلى آخر لحظة وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق ويتألم لآلامه ومتاعبه وهو يرى معاوية يبث دعاته في أنحاء العراق ويغوي السادة والزعماء بالأموال والمناصب حتى فرق أكثرهم عنه وأصبح أمير المؤمنين يتمنى فراقهم بالموت أو بالقتل ثم يبكي ويقبض لحيته ويقول متى ينبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا(١٨).
وينبعث أشقاها فجر التاسع عشر من شهر رمضان ليغتال علياً وهو في أوج الاستعداد لقتال أهل الشام..
واستشهد الإمام في الحادي والعشرين من رمضان سنة ٤١هـ، وقبل وفاته يوصي لابنه الحسن (عليه السلام):
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح ثم قال لابنه الحسن:
(يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه وآمرني أن أمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين..
ثم أقبل على ابنه الحسن فقال: يا بني أنت وليّ الأمر ووليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم)(١٩).
المرحلة الرابعة: من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح.
اجتمع الناس في مسجد الكوفة ينتظرون تأبين الفقيد الغالي علي (عليه السلام)، فقام الحسن (عليه السلام) خطيباً: (قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيسبقه بنفسه ولقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم والتي توفي فيها يوشع بن نون وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (صلّى الله عليه وآله) أنا ابن البشير النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً) (الشورى: ٢٣) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(٢٠).
ثم قام عبيد الله بن العباس بحذاء المنبر في المسجد الجامع وقال بصوته المدوي: (معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وجاء في الكامل في التاريخ أن أول من بايعه هو قيس بن سعد الأنصاري وقال له: (مدّ يدك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلّين فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط فبايعه الناس وكان الحسن يشترط عليهم أنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت)(٢١).
إلى جانب الكوفة بايعت البصرة والمدائن وسائر العراق وبايعه الحجاز واليمن وفارس ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية ومن والاه.
وشرع الحسن في تنظيم أمور الدولة واتخذ جملة من الإجراءات أهمها: تعيين الولاة وبادر إلى زيادة أفراد الجيش في عطائهم إدراكا منه لما أصاب هذا الجيش من جراحات بعد الحروب العديدة التي خاضها مع الناكثين والمارقين والقاسطين.
وأرسل كتاباً إلى معاوية يدعوه فيه للدخول فيما دخل فيه الناس وإن يدع البغي ويحقن دماء المسلمين ويهدده إن هو أبى بالقتال:
(واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين. وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين وحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(٢٢).
وردّ معاوية بردٍّ يعبق علواً واستكباراً رافضاً عروض الحسن بالدخول في البيعة مدّعياً أنه أولى بالخلافة:
(قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمة تجربة وأكثر منك سياسة وأكبر منك فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ.. (إلى أن يقول:) والحال بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا)(٢٣).
وأرسل معاوية في الآفاق يجمع قواه ويستنفر الجنود، وما فتئ يراسل الحسن مرغباً تارة بما يريد من الخراج وأن يكون الأمر له من بعده ومُهدِّداً طوراً آخر بأن يقتل على يد رعاع الناس..
ولم يغيّر الحسن (عليه السلام) موقفه البتة وبقي ثابتاً على خياره، وكتب له ردّاً يتعالى فيه عن الخوض في التفاصيل قائلاً:
(تركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام).
وأدرك معاوية أن الحسن مصمم على محاربته فسار نحو العراق، وبلغ الحسن سير معاوية وأنه وصل جسر منبج فأمر الناس والعمال بالتهيؤ ونادى مناديه في الكوفة يدعوهم للتجمع في المسجد وخطب فيهم الحسن (عليه السلام):
(..أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إن الله مع الصابرين.. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني إن معاوية بلغه أنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا)(٢٤).
ولكن الناس سكتوا وما تكلم منهم أحد‍!! فقام أصحاب الإمام عدي بن حاتم وسعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة فأنّبوا الناس على سكوتهم وحرضوهم على الخروج، وسار الحسن وخرج الناس معه إلى أن بلغوا دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى تجمّع الناس.
وفي دير عبد الرحمن انقسم جيش الحسن إلى قسمين حيث أرسل الإمام عبيد الله بن العباس ليلقى معاوية في مسكن وقال له:
(يابن عم إني باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة فَسِر بهم وليّن لهم جانبك وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم تصير إلى مسكن ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيك.. وليكن خبرك عندي كل يوم.. وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله وان أُصبت فقيس بن سعد على الناس وإن أُصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس)(٢٥).
وسار عبيد الله حتى أتى مسكن (اسم مكان على نهر دجيل) وسار الحسن حتى نزل ساباط (اسم مكان قرب المدائن).
وهنا انطلقت مؤامرات معاوية ببث الدعايات والدعايات المضادة بين شقّي جيش الحسن؛ واستطاع أن يستميل عبيد الله بن العباس بعد أن بث دعاية في العسكر أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلما تقتلون أنفسكم؟
لقد انطلت الحيلة على عبيد الله بن العباس الذي أعزاه معاوية بقوله: (إن الحسن راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع ولكن إن أجبتني الآن أنا أعطيك ألف ألف درهم أُعجّل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلتُ الكوفة النصف الآخر).
وانسلّ عبيد الله بن العباس إلى جيش معاوية ومعه بضعة آلاف من جيش الحسن وأصبح الناس ينتظروه للصلاة فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطب فيهم فثبّتهم وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه.. وخرج بسر بن أرطأة فصاح يا أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح فعلام تقاتلون أنفسكم فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إما أن تقاتلوا بلا إمام أو تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا بل نقاتل بلا إمام. وحاول معاوية استمالة قيس بكل وسيلة فكتب إليه قيس: (والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح).
ولم تتوقف حدود المؤامرة على جيش مسكن فقد تآمر معاوية على النصف الآخر من الجيش حيث أرسل مبعوثين إلى الحسن حملوا إليه كتب بعض أعيان الكوفة ممن كاتبوا معاوية يطالبونه الأمان ويعدونه تسليم الحسن إليه وكان من مهمة هذا الوفد ترويج دعاية مفادها أن الحسن سيصالح معاوية فاضطرب المعسكر وزاد اضطراباً مع وصول أنباء مسكن فنادى الحسن الصلاة جامعة وخطب في الناس قائلاً:
(أما بعد فو الله أني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريد له بسوء ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأي غفر الله لي ولكم وأرشدني لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله)(٢٦).
فنظر الناس بعضهم لبعض، وقالوا ما نراه إلا يريد الصلح مع معاوية كفر الرجل! وشدوا على فسطاطه وانتهبوه وأخذوا مصلاه من تحته وهموا بقتله لكن خاصة من أنصار الإمام أحاطوا به، وركب فرسه ولما بلغ مظلم ساباط قام رجل وقال: (يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت) وطعنه بالمعول فوقعت في فخذه. وحُمل الإمام إلى المدائن على سرير وبها سعيد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله وقد كان علياً ولاه على المدائن فأمّره الحسن عليها، فأقام عنده يعالج نفسه.
وازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلان القوم وفساد نيات المحكّمة فيه لما أظهروه من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه.. فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروط كثيرة وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق الحسن بامتثاله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة(٢٧).
ولما عزم الحسن على الصلح قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:
(إنا والله ما يثنينا شك في أهل الشام ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبي السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى).
فناداه الناس من كل جانب البُقيَة! البُقيَة..(٢٨)
هكذا اختار ما تبقى من الجيش الحياة.. ورضوا بالصلح.. وسيأتي في الفصل اللاحق تفصيل عنه..
المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد.
لم يبق الحسن (عليه السلام) طويلاً في الكوفة بعد عقد الصلح وغادر نحو المدينة مع الحسين وأهل بيته. وجعل الناس يبكون ويسألونه ما حملك على ما فعلت؟ فيقول: (كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي)(٢٩).
وقبل أن يتجاوز موكب الحسن (عليه السلام) الكوفة كثيراً أرسل إليه معاوية أن ارجع لتقاتل طائفة من الخوارج أعلنوا العصيان والتمرّد في جوارها فأبى أن يرجع وكتب إلى معاوية (لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك قبل أي أحد من الناس)(٣٠).
واستقرّ الإمام الحسن بالمدينة ودامت هذه الفترة من سنة (٤١هـ) عام الصلح إلى سنة (٥١هـ) سنة استشهاده.
وتفرغ الإمام في هذه المرحلة لنشر الإسلام وخدمة دين الله وتعليم أحكامه وتعاليمه. فعن السيوطي في تدريب الراوي أنه (كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثير منهم وأباحها طائفة وفعلوها منهم علي وابنه الحسن)(٣١).
وبفضل جهوده المباركة قامت مدرسة علمية بالمدينة: ذكر المؤرخون بعض أعلامها: ومنهم ابنه الحسن المثنى والمسيب بن نخبة، سويد بن غفلة والعلاء ابن عبد الرحمن والشعبي وهبيرة بن بركم والأصبغ بن نباتة وجابر بن خلد وأبو الجوزا وعيسى بن مأمون بن زرارة ونفالة بن المأموم وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي وأبو مريم قيس الثقفي وطحرب العجلي وإسحاق بن يسار والد محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن قيس(٣٢).
وقد أصبحت يثرب بفضل هؤلاء عاصمة العلم والدين والأدب وأصبح الإمام الحسن ملاذ الباحثين والدارسين. ففي تحف العقول، كتاب من الحسن البصري يسأل الإمام عن اختلافهم في القدر وحيرتهم في الاستطاعة وعقب قائلاً:
(فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك (عليهم السلام) فإن من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).
فأجاب الحسن (عليه السلام):
(بسم الله الرحمن الرحيم وصل إليّ كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتكم، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره إن الله يعلمه فقد كفر ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر. إن الله لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم بل أمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا ألزموها كرهاً بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبراً لهم على ما أمرهم به فيكون كالملائكة ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين والسلام على من اتبع الهدى)(٣٣).
هذا إشعاع الحسن العلمي، وأما الإشعاع الآخر فهو الخلق الرفيع والآداب المعنوية التي بثها الإمام بين الناس فهيمن على القلوب وفرض احتراماً وإجلالاً على الجميع، فقد تحدثت كتب الروايات عن قصص تواضعه وإجارته للفارين من بطش معاوية وعماله.
وكان إذا صلى الغداة في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) جلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس فيجلس إليه سادة الناس يسألون عن أمور دينهم ويتحدثون بين يديه، وكان إذا توضأ تغير لونه، وإذا ذكر الموت أو البعث أو الصراط يبكي حتى يغشى عليه وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل الله الجنة وتعوذ من النار.. وقد قاسم الله ماله ثلاث مرات وخرج منه كله مرتين وحج خمساً وعشرين حجة وأن النجائب لتقاد بين يديه وهو ماش على قدميه يقول: (أستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته).
وإذا رآه الناس ترجلوا احتراماً له وإكراماً، فإذا أعياهم المشي جاء بعضهم إلى الإمام وطلبوا منه أن يركب أو أن يبتعد عن الطريق لأن الناس لا تجرؤ على الركوب والإمام يسير فينحرف الإمام بمن معه عن جادة الطريق ليركب الناس رواحلهم.
وفي الواقع، المصادر التاريخية لا تسعفنا بكثير من المعلومات عن الحسن في هذه المرحلة أيضاً، ولكن هناك حدثان لا بد من الإشارة إليهما لقوّة دلالتهما وهما:
الحدث الأول:
رفضه (عليه السلام) مصاهرة معاوية، فقد أرسل معاوية إلى عامله في المدينة مروان بن الحكم ليخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد فأجابه عبد الله إن أمر نساءنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه.
فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله فقال (عليه السلام) اجمع من أردت فجمع مروان الهاشميين والأمويين في صعيد واحد وخطب فيهم أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر ليزيد ابن معاوية على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغاً ما بلغ.
فقام الإمام الحسن: ونقض كلام مروان.. وقال: (وقد رأينا أن نزوج زينب من ابن عمها القاسم محمد بن جعفر وقد زوجتها منه وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة).
ولما بلغ معاوية ذلك قال:

خطبنا إليهم فلم يفعلوا * * * ولو خطبوا إلينا لما رددناهم(٣٤)

الحدث الثاني:
قدوم وفد من الكوفة للإمام يطلبون منه نقض العهد بعد أن أخلّ معاوية بشروطها والرجوع إلى الحرب ولكن الحسن (عليه السلام) ردهم رداً جميلاً موضحاً لهم الاستراتيجية الجديدة التي اعتمد عليها: التريث ما دام معاوية حياً، وقال لهم: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حيا فإن يهلك معاوية ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا وان لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(٣٥).
وضاق معاوية ذرعاً بالحسن (عليه السلام) الذي يزداد نفوذه الروحي والعلمي يوما بعد آخر في المدينة وفي أنحاء العالم الإسلامي. وأحس أن الحسن قد ورطه في هذه الشروط التي طفق ينقضها واحدا بعد آخر ويفضح نفسه أكثر فأكثر.. وقَدَّر أن خطته بتوريث الملك لابنه يزيد لن تمرّ والحسن موجود فقرّر اغتيال الإمام، فأوكل معاوية تنفيذ المهمة إلى إحدى زوجات الحسن (عليه السلام) وهي جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي التي سقته السم وقد كان معاوية دس إليها أنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمّه فلما مات وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها إنا نحب حياة يزيد لولا ذلك لوفينا لك تزويجه(٣٦).
ولما أحس الحسن (عليه السلام) ما أصابه وأدرك قرب منيته قال للحسين: (لقد سقيت السم مراراً ما سممت مثل هذه المرة لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي فقال الحسين: من سقاك؟ فقال أتريد أن تقتله إن يكن هو فالله أشد نقمة منك وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء)(٣٧).
وأوصى الحسن حسيناً؛ ومما جاء في وصيته:
(فإني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفاً ووالدا وأن تدفنني مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإني أحق به وببيته فإن أبوا عليك فأنشدك الله وبالقرابة التي قرب الله منك والرحم الماسة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألا يهراق من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره لما كان من أمر الناس إلينا)(٣٨).
وكان تجهيز الحسن وتشييعه في موكب لم تعهد المدينة له مثيلاً حيث تداعى الناس من كل حدب وصوب يودعون ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى قيل إنه لو طرحت إبرة في البقيع حيث دفن الحسن أخيراً لما وقعت إلا على رأس إنسان لشدة الزحام.
ولما همّ الحسين أن يدفن أخاه الحسن كما أوصاه عند جده مُنع من ذلك، وقيل إن عائشة هي التي بادرت بالمنع، وتقول مصادر أخرى إن مروان بن الحكم جمع بني أمية وهم بدورهم استنفروا عائشة، وجاء في شرح النهج: إن عائشة يومذاك ركبت بغلاً واستنفرت مروان بن الحكم وبنو أمية.. وذلك قول القائل (فيوماً على بغل ويوماً على جمل).
وقول ابن أخيها القاسم بن محمد: (يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء).

الفصل الثاني: معاهدة الصلح.. البنود والسياق التاريخي

اختلف المؤرخون في متعلقات الصلح: بنوده، مكانه، زمانه بالضبط.. ومَن طلب الصلح أوّلا؟.. الخ..
وما يهمنا أساساً بنود هذا الصلح؛ حيث رجحنا من خلال الفصل الأول أن يكون الصلح طلباً من معاوية، لقي استجابة من الإمام الحسن (عليه السلام) لأسباب سنذكرها فبعض الروايات تذكر أن معاوية بعث للإمام الحسن كتاباً مختوماً وطلب منه أن يشرط ما يريد، ذكر ذلك الطبري وابن الأثير، ولكن معاوية نكل لما كان الإمام الحسن قد بعث له في الصلح واشترط عليه شروطا قبل أن يصل إليه كتاب معاوية.
وتفيد بعض الروايات الأخرى أن الإمام الحسن (عليه السلام) أرسل سفيرين إلى معاوية هما عمرو بن سلمة الهمداني ومحمد بن الأشعث الكندي ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده فأعطاهما هذا الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان..
إني صالحتك أن لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد (صلّى الله عليه وآله) وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد لا أبغيك غائلة ولا مكروها وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال وعلى أن لك خراج يسار دار أبجرد تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدا لك(٣٩).
وفي رواية ثالثة يرويها بعض المؤرخين أن الإمام كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحد من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا إلا أنه قال أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده فراجعه الحسن أني لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة قلّت أو كثرت فبعث إليه معاوية حينئذٍ برقّ أبيض وقال اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه فاصطلحا على ذلك واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده فالتزم ذلك كله معاوية(٤٠).
وذكر جماعة من المؤرخين أن الإمام ومعاوية اصطلحا فارتضيا بما احتوته الوثيقة الآتية وقد وقع عليها كل منها: وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه وعلى أن لا يبغي للحسين بن علي ولا لأخيه الحسن ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق شهد عليه فلان بن فلان وكفى بالله شهيداً(٤١).
وذكر صاحب شرح النهج رواية مفادها: أن معاوية بعث عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح فدعواه إليه فزهداه في الأمر وأعطياه ما شرط له معاوية وألا يتبع أحد بما مضى ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علي إلا بخير وأشياء شرطها الحسن فأجاب إلى ذلك وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة وانصرف الحسن أيضاً إليها وأقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة، واجتمع إلى الحسن (عليه السلام) وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) يلومونه ويبكون إليه جزعاً مما فعله(٤٢).
ولأجل تجاوز هذه التناقضات والاختلاف في الروايات والوصول إلى أقرب صورة عن واقع الصلح قام الشيخ راضي آل ياسين في كتابه (صلح الحسن) بمحاولة للتنسيق بين هذه الشروط المتناثرة في الروايات المختلفة وصاغها في شكل بنود خمسة: وهي:
- المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وبسيرة الخلفاء الصالحين.
- المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
- المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وان لا يذكر عليا إلا بخير.
- المادة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف يشمله تسليم الأمر وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم وان يجعل ذلك من خراج دار أبجرد (مدينة داراب ولاية بفارس على حدود الأهواز).
- المادة الخامسة: على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويَمَنهم وأن يؤمّن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحد بها بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا وان لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وان لا يتعقب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا. وعلى أن لا ينبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق.
هذه أهم البنود كما أوردها الشيخ آل ياسين: وانفرد صاحب كتاب حياة الإمام الحسن (عليه السلام) ببندين لم يذكرهما الأول وهما:
أولاً: أن لا يسميه أمير المؤمنين (نقلا عن تذكرة الخواص للجوزي).
ثانياً: ألا يقيم عنده الشهادة (نقلا عن أعيان الشيعة).
هكذا وعلى قاعدة هذا الصلح تمت البيعة، وبايع الكوفيون وسلم الحسن (عليه السلام) الأمر لمعاوية والأرجح أن العملية تمت في الكوفة على خلاف ما تدعيه بعض المصادر من وجود لقاء آخر في مسكن لعقد الصلح.. وتجمع ثان من أجل تسليم الأمر بحضور الناس.. (فالأقرب انه لم يكن هناك لقاء في مسكن فقد ذهب الحسن مباشرة من المدائن إلى الكوفة حيث انعقدت البيعة العامة)(٤٣).
ونودي في الناس إلى المسجد وخطب معاوية في الجموع قائلاً: (أما بعد.. ذلكم فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها) وانتبه معاوية لما وقع فيه فاستدرك (إلا ما كان من هذه الأمة فإن حقها غلب باطلها).
(يا أهل الكوفة أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم وقد آتاني الله ذلك وانتم كارهون ألا أن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ولا يصلح الناس إلا ثلاث إخراج العطاء عند محله وإقفال الجنود لوقتها وغزو العدو لداره فإن لم تغزوهم غزوكم)(٤٤).
وذكر صاحب شرح النهج أن معاوية قال في خطبته: (ألا أن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به(٤٥).
وذكر أن معاوية ذكر علياً (عليه السلام) فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين (عليه السلام) ليرد عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة وجدتي خديجة وجدتك قتيلة فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرّنا قديماً وحديثاً وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد آمين)(٤٦).
ومما جاء في خطاب الحسن (عليه السلام) أيضاً:
(الحمد لله الذي توحد في ملكه وتفرد في ربوبيته يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء. والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء إن شكرتم أو كفرتم، أيها الناس إن ربّ علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله ولم تجدوا مثل سابقته فهيهات هيهات! طالما قلّبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها جرّعكم زنقاً وسقاكم علقاً وأذلّ رقابكم وأشرقكم بريقكم فلستم ملومين على بغضه وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم إلى شياطينكم فعند الله أحتسب ما ينتظر من سوء دَعَتكم وحيف حكمكم ثم قال: يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذاً بحناجرها جاثماً على أنفاسها ليس بالملومة على أمر الله ولا بالسروقة لمال الله ولا بالفروقة في حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه دعاه فأجابه وقادة فاتبعه لا تأخذه في الله لومة لائم فصلوات الله عليه ورحمته)(٤٧).
ومما ذكره ابن الأثير في الكامل أن الحسن (عليه السلام) خطب فقال:
(أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيبه)(٤٨).
وفي البحار أن الإمام الحسن قال:
(وأن معاوية زعم لكم أنني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً فكذب معاوية نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل وعلى لسان نبيه ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه)(٤٩).
وأما قيس بن سعد الذي كان يرفض الصلح ويتمسك بقتال معاوية مع أربعة آلاف فارس فإنه اضطر في النهاية للبيعة بعد أن أذن له الإمام الحسن (عليه السلام)؛ فقد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد أربعة آلاف فارس فأبى أن يبايع فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال أفي حلّ أنا من بيعتك؟ فقال نعم فألقى له كرسي وجلس على سرير والحسن معه فقال له معاوية أتبايع يا قيس! قال نعم ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية فجاء معاوية من سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده وما رفع إليه قيس يده)(٥٠).
ولم يبق الإمام الحسن (عليه السلام) إلا أيام قلائل في الكوفة بعد الصلح توجه من بعدها إلى المدينة.
وبعد معرفة بنود الصلح وإطاره التاريخي يمكن أن نحلل مواده ونرى ما كان مصيرها من حيث التزام الطرفين بها وعدم التزامهما بها.
فالقراءة الموضوعية للمعاهدة تكشف أنها مشحونة بالقيود والالتزامات بالنسبة لمعاوية: العمل بكتاب الله وسنة رسوله، عدم سب أمير المؤمنين، عدم ملاحقة الشيعة وتحقيق الأمن العام للناس، إعطاء الحسن ما حدد له من عطاء وكذلك للهاشميين ولأنصار آل البيت، عدم العهد بالأمر لأحد من بعده.
بينما لا يوجد إلزام بالنسبة للإمام الحسن سوى تسليم الأمر لمعاوية.
وهذا يؤكد أن العهد وكأنه تعويض لحق فوّت فيه الإمام لظروف قاهرة مقابل التزامات من قبل معاوية.
فالجو العام للعهد يعطى هذا الانطباع بأن الطرف الشرعي قد أقصى من جهة ظالمة باغية وقد خضع هذا الطرف الشرعي مقابل جملة من الشروط.
والانطباع الثاني الذي تعطيه القراءة الإجمالية الموضوعية للمعاهدة أن الجهة الثانية الملزمة بأكثر الشروط جهة متحلّلة من الضوابط والقيود الشرعية والأخلاقية وإلا فأي معنى أن يشرط عليه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء إلا أن تكون سيرته في الناس إلى ذلك الحين بعيدة عن الشريعة وعن جادة ــ الكتاب والسنة ــ.
وأي معنى لإلزامه بإرجاع الأمر لأهله (الحسن) سوى اعتراف ضمني بأنّ الحسن هو الخليفة الشرعي وأن هذه الجهة غاصبة تريد أن تكرسها ملوكية زائفة. وأما الشرط بعدم سب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدم ملاحقة الشيعة وتحقيق الأمن العام فيكشف بوضوح المستوى الأخلاقي الهابط للخليفة الجديد ومدى بطشه وظلمه.
بعبارة وجيزة إن معاهدة الصلح توحي بين سطورها بعدم شرعية معاوية.. ولكن استغراق المؤرخين والدارسين في القراءة التجزيئية ربما غيب هذا الدلالة إلى حدٍّ ما.
وبعد هذه القراءة الإجمالية الكلية للمعاهدة نقف عند أهم فصولها:
أولاً:
العمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين: فتنازل الإمام عن الخلافة لمعاوية يقيده هذا الشرط فالإمام لم يفوض معاوية بأن يسوس البلاد والعباد وفق أهواءه وأطماعه وآرائه المريضة ومشاعره الجاهلية الحاقدة وإنما ألزمه أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وأيضاً بسيرة الخلفاء الصالحين. وهنا لابدّ من التوقف عند هذا القيد الثالث (سيرة الخلفاء الصالحين) قد نص عليه سداً لذريعة قد يتمسك بها معاوية وهو العمل برأيه فألزم بالتقيد بسيرة الخلفاء الصالحين أي لا نخرج عما تعارف عليه المسلمون من سبل الحكم والسياسة في عهد الخلفاء المرضيين عند المسلمين.
وفي الحقيقة هذا الشرط، بهذا القيد الثالث يجعلنا نقارن بين موقف الإمام علي (عليه السلام) لما حاولوا أن يلزموه بشرعية الخلفاء السابقين في واقعة الشورى حيث طُلب منه الالتزام بسيرة الشيخين ولكنه رفض وقال أعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبرأيي. فكان هذا الموقف موجبا لخروجه وقبول عثمان بن عفان الشرط..
فالإمام علي (عليه السلام) يرفض الالتزام بأي شيء مقابل كتاب الله وسنة رسوله لأنه إمام حق أما معاوية فلابد من إلزامه بسيرة الخلفاء الآخرين رغم عدم إيمان الحسن بشرعيتهم لأنه إمام جور وظلم وزور.
ثانياً:
ولاية العهد؛ اختلفت الروايات في هذه المسألة فبعضهما ذكرت أن الإمام اشترط على معاوية أن الأمر للحسن فإن لم يكن فللحسين وبعضها تقول أن الإمام اشترط عليه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين.
وعلى كلا الحالتين فولاية معاوية لابد أن تبقى فلتة وحالة مؤقتة وشاذة لترجع الخلافة إلى معدنها وكيانها الصحيح لينتبه المسلمون لخطورة تحويل الخلافة إلى ملكية أموية.. وتكون لهم الشرعية في مقاومته ومحاربته حينئذٍ.
ثالثاً:
عدم سب أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا الشرط يكشف بجلاء استهتار معاوية بالأخلاق والتعاليم الإسلامية وإلا فبأي حق يسب مسلم مسلماً، فكل المسلم على المسلم حرام: نفسه وماله وعرضه ولكن أين معاوية من الإسلام وأحكامه؟ وإذا كان كذلك حق المسلم فما بالك بعلي الذي عظمه القرآن ومجده الرسول وكان من أهل البيت الذين فرض الله على كل المسلمين مودتهم (قُل لاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَىَ).
رابعاً:
الأمن العام للشيعة وللحسن والحسين وأهل البيت. فقد تعهد بأن لا يلحق مكروه وأذى بأنصار علي وشيعته ولا يبغي على الحسن والحسين ولا لأهل بيت النبي ولم تنص المعاهدة على هذا الشرط سوى لما عرف به معاوية من غدر.. كما تكشف حرص الإمام على شيعته وحقن دماءهم وحفظ وجودهم في وجه هذه الفتنة العمياء التي عصفت بالإسلام وأهله؛ فتنة معاوية وبني أمية.
خامساً:
الحقوق المالية؛ نصت المعاهدة على مبالغ مالية للحسن (عليه السلام) وحقوق دائمة خراج دار أبجرد (مدينة فتحت عنوة) يوزع بين أولاد من قتل مع أمير المؤمنين في صفين والجمل.
وهذا الفصل الوحيد الذي يتصدى للمسألة المالية: فكل الفصول الأخرى كانت تستهدف حفظ الدين والتشيع وحفظ الأنصار وحماية كيان الأمة.
أما هذا الفصل فيعالج المسألة المالية ونرى الإمام يحاول حفظ حقوقه وحقوق أهل بيته وحقوق شيعته من العطاء فاشترط ذلك على معاوية لأنه يتوقع أن يحارب الشيعة ورموزهم اقتصادياً ويمنعهم حقوقهم من بيت مال المسلمين. ولا ورع لديه ولا تقوى تعصمه من ذلك.
وسيأتي مناقشته ما أثير من تهم حول هذا البند في الفصل الثالث حيث يشكك البعض في نوايا الحسن (عليه السلام) ليدعي انه باع الخلافة لمعاوية بالمال؟!
وأما السؤال الآخر فهو إلى أي مدى التزم الطرفان ببنود المعاهدة؟
من جهته لقد سلّم الحسن (عليه السلام) الأمر لمعاوية كما سجل التاريخ ذلك ولكن معاوية نقض كل بنود المعاهدة وهذا ليس ببعيد عن شخص مثله كيف لا وقد لوح بذلك وحبر المعاهدة لم يجف بعد حيث صرح قائلاً: (وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين)(٥١).
ولقد أثبت التاريخ صدق وعده بنقص عهوده! فلقد انتهك بنود المعاهدة بنداً بندا ولم يف بواحد البتة.
- نقض البند الأول:
فأين معاوية من العمل بكتاب الله وسنة رسوله والشواهد على مخالفته لكتاب الله وسنة رسوله لا تحصى وقد صنفت مؤلفات لعرض هذه المخالفات ربما أهمها: الجزء العاشر والحادي عشر من موسوعة الغدير للعلامة الأميني.
- نقض البند الثاني:
لقد نقض معاوية هذا البند عندما نصب ولده يزيد وليا للعهد وأكره الناس عليه.
حاول معاوية تنصيب يزيد في حياة الحسن (عليه السلام) بطلب من المغيرة بن شعبة والي معاوية على الكوفة في حركة تزلف سعى من خلالها حفظ موقعه وتعزيزه بعد أن أوشك على الانهيار (في قصة تسردها كتب التاريخ) ولكن هذه المحاولة فشلت رغم مؤامرات معاوية لحبك مسرحيات تأييد ليزيد كما تنقل كتب التاريخ إلا أن بعض وجوه القوم ذكروه بعهده للحسن فقد قال له الأحنف بن قيس.. (وقد علمت يا معاوية أنك لم تفتح العراق عنوة ولم تظهر عليه مقصا ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك فإن تف فأنت أهل الوفاء وأن تغدر تظلم والله إن وراء الحسن خيولاً جياداً وأذرعاً شداداً وسيوفاً حداداً وإن تدن له شبرا من غدر تجد وراءه باعا من نصر وأنك تعلم من أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا علياً وحسناً منذ أحبوهما وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء وأن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم) وتأكد معاوية أن الأمر لن يستتب لابنه يزيد والحسن حي فصمم على التخلص منه وكان منه ما كان من سمه.. كما مرّ بنا في الفصل الأول. وأما المحاولة الثانية فحدثت بعد وفاة الحسن وكانت إحدى أسباب ثورة الحسين (عليه السلام).
- نقض البند الثالث:
كان معاوية يعلم أن الأمر لن يستتب له ولبني أمية لو عرف المسلمون القادة الربانيين الحقيقيين، من هنا لم يفتأ يفتري ويروج الأكاذيب عن علي وآله. ورغم التزامه بعدم سب علي في عهد الصلح مع الحسن لكنه لم يف بعهده (فقد دأب على لعن علي (عليه السلام) ويقنت في صلاته وجعلها سنة في خطب الجمعة والأعياد وبدل سنة محمد (صلّى الله عليه وآله) في خطبة العيدين المتأخرة عن صلاتهما وقدمها عليه لإسماع الناس لعن الإمام الطاهر)(٥٢).
ولم يزل معاوية وعماله دائبين على ذلك حتى تمرن عليه الصغير وهرم الشيخ فكانت العادة مستمرة منذ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى سنة عمر بن عبد العزيز طيلة أربعين سنة على صهوات المنابر وفي الحواضر الإسلامية كلها من الشام إلى الري إلى الكوفة إلى البصرة إلى عاصمة الإسلام المدينة المشرفة إلى حرم الله مكة المعظمة إلى شرق العالم الإسلامي وغربه. وقد صارت سنة جارية ودعمت في أيام الأمويين سبعون ألف منبر يلعن فيها أمير المؤمنين(٥٣).
وطفق معاوية يوزع الأموال بسخاء والمناصب على الصحابة والتابعين الذين استجابوا له في وضع الأكاذيب في حق علي وتحريف أحاديث عن رسول الله تقتضي الطعن في علي والبراء منه والعياذ بالله ومن أمثال هؤلاء: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وعروة بن الزبير.
- نقض البند الرابع:
أورد الشيخ راضي آل ياسين ما رواه الطبري من أن أهل البصرة قد حالوا بين الحسن وبين خراج دار أبجرد وقالوا: فيئنا.
أما ابن الأثير فقد أشار إلى أن منعهم كان بأمر من معاوية(٥٤).
وهكذا لم يسلم حتى الشرط المالي الذي يمثل حقاً طبيعياً للحسن والحسين وشيعتهما في بيت مال المسلمين حيث لهما نصيب من بيت المال كما أن الحسنين لهما سهم ذو القربى المنصوص عليه في كتاب الله.
- نقض البند الخامس:
لقد نصّت المعاهدة على الأمن العام لشيعة علي وأنصار الحسن حيثما كانوا، وعدم التعرض بسوء للحسن والحسين ولا لأحد من أهل البيت ولكنها سنة معاوية في الغدر، ونقض العهود فالتاريخ يعج بالقصص والأحداث التي تحكي ما فعله معاوية بشيعة علي من تجويع وتعذيب وقتل وسجن وتشريد. ومن الأسماء البارزة التي نالت شرف الشهادة فداء لعلي (عليه السلام) وارتقت إلى سماء الشهادة تحت بطش معاوية وأعوانه: حجر بن عدي الكندي وأصحابه رشيد الهجري وعمرو بن الحمق الخزاعي وجويرية بن مسهر العبدي وأوفى بن حصن..
وأما الذين روعوا وعذبوا فلا مجال لإحصائهم..
باختصار لقد انتهك معاوية هذا البند ليحقق بجدارة أوليات بكر في أفاعيل منكرة وبوائق فريدة في حق شيعة أهل البيت (عليهم السلام).
(فكان أول رأس يطاف به في الإسلام (من أصحاب علي) بأمره (معاوية) يطاف به وكان أول إنسان يدفن في الإسلام منهم وبأمره يفعل به ذلك وكانت أول امرأة تسجن في الإسلام منهم وهو الآمر بسجنها وكان أول شهداء يقتلون صبراً في الإسلام منهم وهو الذي قتلهم)(٥٥).

الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره

لم يدرك المعاصرون للإمام الحسن، حتى أصحابه، الأبعاد الحقيقية للصلح فاعترضوا على الإمام بل جابهه بعضهم بكلمات قاسية زادت من محنته وعمقت حزنه فهذا حجر بن عدي الذي يعد من أخلص الأصحاب يقول: لوددت أنك كنت متّ قبل هذا اليوم ولم يكن ما كان، إنا رجعنا راغمين بما كرهنا ورجعوا مسرورين بما أحبوا. فتغير وجه الحسن وغمز الحسين حجراً، فسكت. فقال الحسن (عليه السلام): (يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن(٥٦).
هذا الغموض الذي اكتنف الصلح وسربله في حجب كثيفة استعصى على العقول معها إدراك أبعاده، امتد إلى يومنا الحاضر. فانبرى عدد من المؤرخين المعاصرين يفسرون صلح الحسن (عليه السلام) تفسيرات خاطئة فبعضهم يطعن في قدرات الإمام وصلاحيته للقيادة وبعضهم يعزو الصلح إلى حالة جبن وخوف على النفس وآخر يرجعه إلى ميولات عثمانية عميقة في نفس الحسن حجبها وجود أبيه أو هو اندفاع من الإمام لتحقيق نبوة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).
هذه الاجتهادات في تفسير الحدث لم تكن لتدرك حقيقة المعاهدة وواقع أمرها لأنها أولاً: اعتمدت على رؤية تجزيئية انتخابية تستند إلى مفردة واحدة في سياق حدث معقد تتداخل فيه العوامل وتتضارب معه النصوص التاريخية فمثلا بعضهم يستند إلى حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) (إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين) ليعلل الصلح بأنه رغبة من الحسن في تحقيق هذه النبوة.
ولأنها ثانياً: لم تعرف شخصية الحسن حقاً، وتعاملت معه كأي قائد سياسي بمعزل عن مشروعيته الدينية وموقعه الرسالي المتقدم والتسديد الإلهي الذي يلازمه، فإن إلغاء جانب الإمامة الإلهية في شخصية الحسن وعدم الاعتراف بها يجعل هؤلاء الباحثين يتيهون في تفاصيل الحدث بل يضيعون في ركام كبير من الروايات الضعيفة والأقاصيص المفتعلة ويجعلهم يعتقدون أنه قادر على التصرف كيفما شاء دون ضوابط ومرجعية شرعية. ولكن قصد الوصول إلى القراءة الموضوعية لأبعاد الصلح وسره الدفين، نبدأ أولاً باستعراض كل الافتراضات المطروحة في سياق البحث التاريخي لنعقب أخيراً بالرؤية التي نعتقد أنها الأقرب إلى الواقع:
الفرضية الأولى:
الحسن صالح خوفا على نفسه: وهي قديمة قدم الصلح حيث جابه عبد الله بن الزبير الإمام الحسن بهذه التهمة وعاب عليه تسليم الأمر وصلحه مع معاوية، ولم يخف على الإمام ما يستبطنه ابن الزبير من عداء لآل الرسول فردعه قائلاً: (وتزعم أني سلمت الأمر وكيف يكون ذلك، ويحك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتني سيدة نساء العالمين لم أفعل ذلك ويحك جبناً ولا ضعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني البترة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته)(٥٧).
ولا يخفى أن الشواهد التاريخية والوقائع التي سردنا بعضها في الفصل الأول تنفي بقوة هذه الفرضية الباطلة فأين الحسن (عليه السلام) من الجبن ومتى كان الحسن بن علي الرعديد الجبان حتى يخاف القتل فيتقيه بالتنازل عن ملكه ومن أين تَمُت إلى الحسن بن علي الجبانة يا ترى؟ من أبيه أسد الله وأسد رسوله أم من جدّيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشيخ البطحاء أم من عميّه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر أم من أخيه أبي الشهداء أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين يوم الدار ويوم البصرة وفي مظلم ساباط(٥٨).
الفرضية الثانية:
إن الحسن (عليه السلام) باع الخلافة بالمال لأنه رجل يعيش ترفاً وبذخاً، وهو بحاجة إلى أموال كثيرة تغطي نفقاته.
فبعض أصحاب هذه الفرضية يقول: (ولكن الحسن الذي كان يميل إلى الترف والبذخ لا إلى الحكم والإدارة لم يكن رجل الموقف فانزوى من الخلافة مكتفياً بهبة سنوية منحه إياها)(٥٩).
وهذه تهمة أغرب من سابقتها فالحسن الذي عاش في بيت العطاء والتضحية والزهد في هذه الدنيا وإيثار الآخرة حتى بقي أهل البيت بدون طعام ثلاث وقدموا إلى رسول الله يرتعشون من الجوع كالفراخ، فنزل القرآن يخلّد الموقف ويعدهم بجنان وملك لا يبلي: (وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً * إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً) (الإنسان: ٩ - ١٢).
هل يطمع الحسن في المال وهو الذي قاسم الله ماله مرتين وخرج من ماله ثلاث مرات؟ هل به طمع هذا الذي تملأ كتب السير قصص في جوده وعطاءه وبذله وصون كرامة سائليه!!
وكيف يتنازل عن السلطان من به طمع للمال وميل للبذخ والترف أو ليس السلطان باب إلى كل تلك المطامع الدنيوية؟ أليست الخلافة خير سبيل للثراء والرفاه والترف؟
كلا إن الحسن (عليه السلام) فوق الأطماع وقد ضحى بسلطان ملكه وترك كل الدنيا وزخرفها وراء ظهره في سبيل المبدأ والرسالة..
ولعلّ الذي سبب تصديق البعض بهذه الفرضية ما أشيع عن الحسن (عليه السلام) من كثرة زوجاته وكثرة إنفاقه في مهور هذه الزوجات وفي تسريحه، فمن الأخبار الواردة في هذا المعنى أن الحسن (عليه السلام) تزوج امرأة فبعث لها صداقا مائة جارية مع كل جارية ألف درهم(٦٠). فزوج بهذه العطاء وهذه التوسعة حينما يتزوج سبعين أو تسعين أو مائتين وخمسين أو ثلاثمائة لابد أن يكون صاحب ثروة طائلة ينفقها وقد رُوي أن الحسن تزوج سبعين زوجة وروى ذلك ابن أبي الحديد وآخرون أخذوها عن المدائني (ت ٢٢٥ هـ) وهو من الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم يميل إلى الأمويين ويشيد بهم فهو مولى لسمرة بن حبيب الأموي وقد امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه(٦١).
أما الرواية الثانية التي مفادها أن الحسن تزوج تسعين امرأة فقد اقتصر على روايتها الشبلنجي في نور الأبصار وقد رواها مرسلة فلا يعول عليها.
أما الرواية الثالثة والتي مفادها أنه تزوج مائتين وخمسين زوجة وإن وردت في بعض المجاميع الحديثية كالبحار للمجلسي والمناقب لابن شهرآشوب إلا أنها أخذت عن قوت القلوب لأبي طالب المكي (ت ٣٨٠هـ) وهو لا يعول عليه في الرواية حيث يذكر أحاديث لا أصل لها.
وأما الرواية الرابعة والتي مفادها أنه تزوج ثلاثمائة امرأة فمصدرها كتاب (قوت القلوب) أيضاً وقد عرفنا حاله.
واستطراداً لابد أن نقول أن هذه الشبهة واهية تنهار أمام حقائق التاريخ فأين الحسن وانشغاله طوال حياته بشؤون الرسالة والدين خاصة منذ تولّي أبيه علي (عليه السلام)، من هذا للهو والعبث بين النساء؟ وأين أولاده لو كان حقاً قد تزوج كل هذا العدد في الوقت الذي لا يتجاوز عدد أبناءه في أقصى الحالات: اثنين وعشرين ولداً؟‍!
الفرضية الثالثة:
الحسن صالح معاوية لأنه ليس أهلا للقيادة والزعامة.
يفسر الكثيرون التحولات السياسية الحاصلة بعد استشهاد علي (عليه السلام) وانتقال الخلافة إلى معاوية بالقصور القيادي عند الحسن فهو كما يدعي البعض لا يمكن أن يقوم مقام علي: (فإنه عندما غاب علي لم يكن أحد على المسرح جديراً بأن يقوم مقامه)(٦٢).
ويعقب (لقد صمم على عقد السلام مع معاوية لأنه وهن وضعف وتاه فقد كانت أية مجابهة حربية فوق إمكاناته ووسائله النفسية وربما كانت المسؤولية الخليفية تفوقها أيضا فلم يكن لديه قوة داخلية كافية لمعاودة صفين)(٦٣).
ومدّعٍ آخر يقول: (فإن الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح)(٦٤). ويدعم هذا الرأي ثالث فيقول: (إن الحسن كان قديراً على أن يعد الجماعات المنحلة عن طريق الاستثارة والحماس وبث روح العزم والإرادة كما رأينا في القادة الحديديين أمثال نابليون الذي تولى شعبا أنهكته الثورة الطويلة.. ولكن القائد غمرته موجة السأم التي غمرت الناس(٦٥).
ولكن بالتأمل في مثل هذه التقييمات وبقطع النظر عن الدوافع السيئة والنوايا الخبيثة لدى البعض في قراءة أحداث التاريخ والطعن في رموز الإسلام كما هو ديدن المستشرقين فإن هذه التحاليل تبتني على أساس فهم وضعي للسياسة والقيادة في ظل المنظومة الوضعية للسياسة التي هي (فن الممكن) والتوسل بكل الوسائط لتحقيق الهدف (لأن الغاية تبرر الوسيلة) فيكون الحسن قائداً فاشلاً لأنه بحساب الموازين المادية قد فرط في الملك وتمكن خصمه (السياسي البارع) و(القائد اللامع) من الاستحواذ على الحكم وهذا أقصى آمال السياسي الناجح!
نعم في ضوء هذه التصورات المنحرفة للسياسة يكون الأمر كذلك ولكن غاب عن هؤلاء أن الحسن (عليه السلام) إمام، له القيادة الدينية أولا وبالذات فهو حافظ الشرع ومجسد القيم الإسلامية وأسمى أهدافه أن يقيم حياة الناس على أساس الحق والعدل وموازين الشرع. ويستحيل أن يتوسل بالظلم والجور في سبيل أهدافه ولن يكون كالديكتاتوريين الذين يملكون الاستعداد لتعبيد الطريق إلى التاج بجماجم الجماهير وعلى تلال من الأكاذيب والحيل.
هذه السياسة الملوثة كانت سبيل معاوية وليس معاوية بأدهى من علي (عليه السلام) والحسن (عليه السلام) ولكنه يغدر ويفجر. ولعلي وللحسن (عليهما السلام) رادع من تقوى وورع.
وسيتضح من هذا الفصل والذي يليه كيف يعبر الصلح عن حنكة سياسة بالغة.
الفرضية الرابعة:
الصلح من أجل تحقيق نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله).
يرى أصحاب هذه الفرضية أن الصلح كان هدف الحسن منذ البداية وإن الذي يحركه هي تلك النبوة عن رسول الله من أن الله سيصلح به فئتين من المسلمين وممّن آمن بهذه الفرضية طه حسين في كتاب (الفتنة) ومن الغريب أن يقف الدكتور طه حسين من هذا الحديث موقفاً سطحياً بعيداً عن منطق الأحداث والظروف التي ترجح أن الحديث من الموضوعات التي لا واقع لها فبعد أن رجح صحة الحديث قال لقد وقع هذا الحديث موقعا من نفس الصبي أي موقع وكأنه ذكره حين ثارت الفتنة (يقصد فتنة عثمان) وحاول بمشورته على أبيه في مواطنه تلك (حيث يرى طه حسين أن الحسن عثماني الهوى) أن يصلح بين هاتين الفئتين من المسلمين فيحقق نبوءة جده وكأن بكاءه حين بكى لم يكن رفقاً بأبيه وإشفاقاً فحسب وإنما كان إلى ذلك حزناً لأنه لم يحقق ما توسم به جده فيه ومضى يقول إن الحسن خرج في عدد ضخم من أهل العراق وكأنه خرج ليظهر لهم الحرب ويدير أمر الصلح فيما بينه وبين معاوية ليحقق نبوة(٦٦).
وتناقل الرواة الحديث المشار إليه كمنقبة من مناقب الحسن كما اعتبر الشيعة أو أغلبهم ذلك كرامة لأبي محمد الحسن بن علي لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) خصه بهذه الإشارة وجعل على يديه الصلح بين المسلمين!! حتى أن الشيخ راضي آل ياسين يذكر ذلك في كتابه القيم (صلح الحسن) ويعتبر الرواية بشارة أن الحسن رسول السلام في الإسلام(٦٧).
لكننا نناقش هذه الفرضية من وجهين:
أولاً:
من جهة الرواية؛ فهذا الحديث لم يروه سوى أبو بكرة شقيق زياد بن عبيد لأمه سمية ورواه البخاري وأحمد في مسنده عنه وروي الحديث في كتب أخرى بصيغ متقاربة لكن الظاهر أن أصل الحديث هو أبو بكرة شقيق زياد ادّعى أنه رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على المنبر وهو مرة يقبل على الناس ومرة يقبل على الحسن بجانبه ويقول: (إن ابني هذا سيد…) إلى آخر الحديث.
فلو تم هذا المشهد حقاً أمام جموع المصلين وتحت ناظر المسلمين لماذا لم يروه سوى أبو بكر هذا.. الذي أسلم في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة ومعركة حنين أي بعد أن تجاوز الحسن خمس سنوات في الوقت الذي تشير الروايات (إن ابني هذا سيد) أن الحسن له من العمر ثلاث سنوات.
وهو معروف (أي أبو بكرة) بانحرافه عن علي وآل البيت (عليهم السلام) ولم يشترك مع علي (عليه السلام) في حروبه بل كان يثبط الناس عن المشاركة في حربه في الجمل وصفين حيث كان يروي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) (أنها ستكون فتنة القاعد خير فيها من القائم)، ليخذل الناس عن الانضمام لعلي (عليه السلام) في قتال الناكثين والقاسطين.
وبالنتيجة فلا شك أن الرواية من موضوعات أبي بكرة أو أنها وضعت ونسبت إليه لإثبات أن معاوية من المسلمين لا من البغاة بعد أن وصمه القرآن بهذه الصفة وأكدها النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديثه مع عمار الذي رواه عن النبي أكثر الصحابة وكان من أكثر الأحاديث شيوعا وانتشاراً(٦٨).
ثانياً:
أما الوجه الثاني في مناقشة هذه الفرضية أن هذه الأخيرة تفسر حركة الحسن (عليه السلام) محكومة بالرغبة في تحقيق نبوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الوقت أن النبوة هي إخبار من النبي عن الغيب بحدث سيحصل بقطع النظر عن أسبابه ومفاعيله وليست أمراً من الرسول للحسن بان يخضع للمصالحة!
وهكذا يتضح بطلان كل هذه الفرضيات في تفسير وتعليل الصلح ويبقى السؤال معلقاً: لماذا صالح الحسن؟ وتتوالد أسئلة أخرى ما هي دوافع معاوية؟ لماذا لم يقدم الحسن على عمل فدائي مع من تبقى من جنده؟
هل حقق كل منهما أهدافه من الصلح؟ وما هي نتائج الصلح وهل جسد بالفعل قاعدة للوحدة بين المسلمين وعنوانا للجماعة(٦٩).
لنقرأ من جديد الوضع قبيل عقد الصلح وما الممكنات المتاحة للحسن؟
وهل كانت له خيارات عديدة أم انحصر الخيار لديه بالصلح؟
لقد استشهد أمير المؤمنين وهو يهم بغزو الشام ومعاودة الحرب على معاوية فلقد دعا واليه على أذربيجان، قيس بن سعد الذي أنشأ قوة الخميس التي تضم أربعين ألف مقاتل منهم شرطة الخميس وهي فرقة منتخبة تتألف من اثني عشر رجلاً...
لكن يبدو أن قطاعات كبيرة من هذا الجيش كان قد أنهكته الحروب المتتالية ضد الناكثين والقاسطين والمارقين والتاريخ ينقل لنا تذمر علي منهم وشكواه من قلة طاعتهم وركونهم وتخاذلهم عن حقهم. حتى أن معاوية ينسب إليه قوله: (كان علي في أخبث جيش وأشدهم خلاف وكنت في أطوع جند وأقلهم خلاف).
لقد اندفع هؤلاء المقاتلون لبيعة الحسن (عليه السلام) إثر استشهاد الإمام علي بفعل الصدمة الذي خلفتها جريمة قتل علي (عليه السلام) في المحراب وعاهدوه أن يسالموا من سالم ويحاربوا من حارب. ولكنها حالة انفعال وغليان عاطفي سرعان ما خبت لتعود النفوس إلى طبيعتها ويغلب عليها الحرص وحب البقاء وكره القتال وخاصة بالنسبة لأهل الكوفة (لأن التجربة أثبتت أن الكوفيين كانوا يرهبون القتال)(٧٠).
وكان الحسن يعلم أن قلة منهم يملكون استعداداً حقيقياً للتضحية إلى نهاية الشوط، ولذا قال لحجر عندما تذمر من الصلح: (يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن)(٧١).
ومن المفيد أن نحلل أكثر تركيبة الكوفة وجيشها لنرى سرّ هذا التفكك وعدم الاستعداد العالي للقتال والفداء والقابلية للتمرد والعصيان:
يصنف صاحب صلح الحسن(٧٢) عناصر الكوفة إلى القوى التالية:
أ) الحزب الأموي:
بعضهم من أعيان القوم من ذوي الأتباع والنفوذ لعبوا دوراً كبيراً في التآمر على الحسن وشق صفوفه من المنتسبين إلى هذا الحزب: عمرو بن حريث، عمارة بن الوليد بن عقبة، حجر بن عمرة. وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري.
وهم الذين كتبوا إلى معاوية بالسمع والطاعة في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوهم في عسكره أو الفتك به.
وقد وعد معاوية بعض أفراد هذه الحزب أنك إن فتكت بالحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي، (ودسَّ معاوية إلى عمرو بن حديث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيسة وآثر كل واحد منهم بعين من عيونه أنك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلأم (أي لبس اللاّمة) ولبس درعاً وكفرها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة)(٧٣).
ب) الخوارج:
حسب بعض مصادر التاريخ يتراوح عددهم في الكوفة بين ٤٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ خارجي، انضم بعضهم إلى جيش الحسن لأنه لم يكن في نظرهم مشتركا في كفر أبيه ولأنهم أيضا ً كانوا حريصين على قتال معاوية وبغاة الشام.
وربما كانت خطتهم الماكرة في التسلل إلى جيش الحسن وتأجيج الحرب بين فئتين من أعدائهم وانتظار فرصة قتل الحسن بلحاظ أن أهم أغراضهم هو اغتيال الرؤوس الكبيرة في الإسلام.
ولم يكن دور الخوارج التخريبي بأقل من دور الحزب الأموي حيث انتهزوا فرصة، استشارة الحسن جنده، فيما عرضه عليه معاوية من مصالحة ليكفروا الحسن وادعاء أنه كفر مثل أبيه وتحتم قتله وهجموا على معسكره فسلبوه ونهبوا كل شيء في خيمة الحسن وتوج هؤلاء مؤامرتهم بالطعنة النجلاء التي وجهها خارجي كان يتربص به في مظلم ساباط طعنة بمنجل أصابت فخذه فانشقت حتى العظم.
ج) الشكاكون:
القسم الثالث في تركيبة الكوفة: هم الشكاكون وهم المتأثرون بدعوة الخوارج دون أن يكونوا منهم فهم (كانوا طائفة من سكان الكوفة ومن رعاعها المهزومين الذين لا نية لهم في خير ولا قدرة لهم على شر ولكن وجودهم لنفسه كان شراً مستطيراً وعوناً على الفساد وآلة مسخرة في أيدي المفسدين)(٧٤).
د) الحمراء:
ليسوا عرباً هم المهجنون من موال وعبيد ولعلّ أكثرهم من أبناء السبايا الفارسيات اللائي أخذن في (عين التمر) و(جلولا) سنة ١٢ إلى ١٧هـ فهم حملة السلاح سنة ٤١ ه‍ و٦١ه‍ في أزمات الحسن والحسين (عليهما السلام) في الكوفة.
والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الأفاعيل بالشيعة سنة ٥١هـ فهم أيدي الطواغيت ويحسنون الخدمة حين تشترى ذمهم وهم أجناد المتغلبين.
هـ) أنصار الحسن:
وهم شيعة الحسن وعلي (عليهما السلام) وهم الأكثر عدداً في عاصمة التشيع الكوفة. ومن بينهم مجموعة من بقايا المهاجرين والأنصار لحقوا علياً بالكوفة وكان لهم مكانة لائقة لصحبتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) منهم حملة القرآن وقادة الحروب وزهاد الكوفة وهم الجناح القوي في جبهة الحسن (عليه السلام) ومنهم قيس بن سعد بن عبادة وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق، وسعيد بن قيس الهمداني وحبيب بن مظاهر.. الخ.
وانعكست هذه التركيبة على جيش الحسن (عليه السلام) فكانت طليعة من المخلصين والأنصار الصادقين محاطين بذيول من المتآمرين والحاقدين كان جيشاً له القابلية للتفكك بسبب هذا التنوع في الولاء والمصالح إضافة إلى مؤامرات معاوية التي تدفع قوى من داخل الجيش لنشر الإشاعات الكاذبة وترويج نزعات الاستسلام والصلح.
كان لمعاوية الفرصة السانحة لشراء ذمم الكثير من هؤلاء، كما كانت له الفرصة سانحة لنشر الانقسام والفرقة بينهم، وهكذا كان. بل بلغ به الأمر أن استمال أحد قادة الحسن (عليه السلام) وابن عمه عبيد الله بن العباس كما مرّ بنا في الفصل الأول وضرب بذلك جيش الحسن (عليه السلام) ضربة في الصميم..
بالمقابل فإن جبهة معاوية تتصف بالقوة في الكم حيث استطاع معاوية أن يجند مائة ألف مقاتل سيوفهم معه وقلوبهم أيضا معه.
والسرّ في ذلك يرجع إلى سياسة معاوية في التضليل الإعلامي والديني فقد روج طوال حكمه الشام ومنذ أن كان والياً للخلفاء أنه أقرب الناس للنبي (صلّى الله عليه وآله) وأن بني أمية هم الورثة الشرعيون للرسول (صلّى الله عليه وآله) حتى أن العباسيين لما فتحوا الشام اعتذر أهل الشام بأنهم ما علموا لرسول الله من قرابة ولا أهل بيت يرثونه سوى بني أمية.
وليس ذلك بصعب على من يحول رمز الإسلام الخالد علي (عليه السلام) وعنوان الإنسان الكامل، في ذهن الشاميين إلى باغ أو خارجي يستحق اللعن ويلعن طيلة أربعين سنة!!
وساعد معاوية في تعليب وعي الجماهير البساطة والسذاجة التي اتسم بها هؤلاء حتى أن معاوية يقول: أبلغ علياً أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل.
ومقابل التفكك والانحلال في جيش الكوفة وتنوع الميول والاتجاهات، كان جيش معاوية منقادا موحدا في إطار نظرة واحدة فرضها معاوية بدهاء ومكر وارتشاء للضمائر ولواضعي الأحاديث المزيفة في تمجيده وتمجيد بني أمية وسب علي (عليه السلام) وآل بيته.
ولم تصب الشام بأفكار معادية للحكم القائم وكلنا يعرف ماذا فعل معاوية حين نفي عثمان أبا ذر إلى الشام، والثورة التي أحدثها أبو ذر في الشام مندداً بمعاوية وسياسته حينذاك ألح معاوية على عثمان أن يبعد أبا ذر عن الشام بعد أن فشلت كل محاولات استمالته وكان ما أراد معاوية وأُبعِدَ أبو ذر للربذة..
لقد كان معاوية حريصاً على بقاء الشام قاعدة موحدة لبني أمية لا تلهج إلا برؤية واحدة، ولا تدين بالولاء إلا لمعاوية وآل سفيان. فلا نجد في جيش معاوية لا خوارج ولا عملاء ولا عيون للجبهة الأخرى واستعان معاوية في تحقيق هذا الإنجاز بحاشية من الدهاة والمكرة الذين لا يتورعون أن يقوموا بأي عمل في سبيل التقرب إليه وتحقيق مآربه أمثال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبالأموال الطائلة التي جمعها من الضرائب التي فرضها على البلاد تحت سيطرته ولم يوزع هذه الأموال في خدمة المسلمين بل لتوطيد سلطانه وشراء الضمائر والولاءات.
ولما عزم على قتال الحسن ودرءاً لخطر الروم عقد معاوية هدنة مع ملك الروم ودفع له أموالا طائلة سدا لباب الحرب، حتى يتفرغ لقتال الحسن بجيشه الذي لا يزال يتمتع بقوته ونشاطه حيث لم يدخل في حرب سوى حرب صفين.
والمتأمل في موازين القوى بين الطرفين يلمح بوضوح الاختلال الخطير لصالح معاوية وجيشه.
ولكن الأمر لن يقف عند هذا الحد بل إن اختلاف الأساليب بين القائدين الحسن (عليه السلام) من جهة ومعاوية من جهة أخرى، يعزز هذا الاختلال في موازين القوى وإمكانية التأثير سلبا على قوة الطرف الآخر..
فأساليب الإمام الحسن (عليه السلام) تضبطها القيود الشرعية وأحكام الإسلام وتقوى الرجل وورعه فهو إمام حق حافظ الدين ووصي رسوله الكريم. وهو على درب علي (عليه السلام) الذي ابتلي بهذا الإسلام التحريفي الذي يدعيه البعض فكانت مسؤوليته تجسيد الإسلام الواقعي في القيادة حتى يعطى للأمة النموذج الصحيح للقيادة والحكومة الإسلامية في أجواء عصفت بقيم الدين وأحكام الرسالة.
وباستقراء مواقف الحسن (عليه السلام) وكتاباته لمعاوية وخطاباته لجنوده نرى أن الدين وحمل أمانة الرسالة وهاجس النجاة في الآخرة وابتغاء مرضاة الله هي الدوافع الأساسية التي تحدد أساليبه في المعركة. وفي ضوء هذا الالتزام الخلقي الصارم نفسر جملة من مواقف الإمام الحسن (عليه السلام):
أولاً:
عدم مبادرته بالقتال وعدم الخروج بالجيش إلا مع علمه بتوجه معاوية نحو العراق بجيشه الجرار وهو بذلك يلتزم بسيرة أبيه وخلقه بعدم المبادرة لقتال أحد حتى يكون هو البادي.
ثانياً:
التزام الحسن بالمعاهدة وعدم نقضها رغم كل الخروقات التي قام بها معاوية حتى أنه كلما جاءه وفود من الكوفة يطلبون منه نقض المعاهدة كما نقضها معاوية والرجوع إلى القتال رفض ذلك وبقي ملتزما بالعهد إلى استشهاده (عليه السلام).
ثالثاً:
عدم نهج أساليب معاوية في شق صفوف الجيش الآخر أو توظيف بعض عناصر العدو من أجل مؤامرة اغتيال رمز أو بث دعاية مع توفر إمكانيات لذلك. فعلى سبيل المثال تذكر كتب التاريخ أنه جاء ذات مرة رسول معاوية للحسن (عليه السلام) وكان فيما قاله (أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم فقال له الحسن رفقا لا تخن من ائتمنك وحسبك أن تحبني لحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولأبي وأمي ومن الخيانة أن يثق بك قوم وأنت عدو لهم وتدعو عليهم)(٧٥).
أين هذه الأخلاق العالية من تهتك معاوية وصلفه فالحسن لا ينصف العدو من نفسه فحسب! بل يعلمه قيم الأمانة والوفاء وان كان ذلك على حسابه إنه يجعل قيم الدين وأخلاق الإسلام فوق كل اعتبار.
أين هذا القائد الإمام من ذلك القائد الشيطان معاوية الذي لم يترك سبيل غي أو شر يستخدمه للوصول إلى مبتغاه، فهو تارة يرغب الحسن ويمنيه بالمال ومشاركته الأمر، وتارة أخرى يهدده؛ فقد جاء في كتاب معاوية للحسن:
(فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج أيّ كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة ولك إلا نستولي عليك بالإساءة ولا نقضى دونك الأمور)(٧٦).
وفي كتاب آخر يقول:
(فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس وايئس أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت)(٧٧).
وهو الذي رشا القتلة لاغتيال الحسن (عليه السلام) كما مرّ بنا سابقاً ونشر الدعايات الكاذبة ولم يتورع في تلفيق الافتراءات من أجل شق صف الخصم بشراء أصحاب النفوس الضعيفة.
وأساليب معاوية هذه تعكس حقيقة موقفه من الدين.
فلا دين ولا وحي إنما هي ملك وسلطان يريد اغتصابه لإعادة مجد بني أمية؛ الشجرة الملعونة في القرآن. وهذا يفسر لنا محاولته الجادة في علمنة السلطة حيث يخاطب الحسن في إحدى رسائله:
(والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فلو علمت انك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع المال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك بهذه الأمة تجربة واكبر منك سناً فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني)(٧٨).
إن معاوية يريد عزل الدين جانباً فالصراع سياسي والموازين لابد أن تكون بمعزل عن مفاهيم الدين والشرعية والتقوى والورع، أنها الخبرة والسن والكيد للعدو! فمعاوية (دشن طريقه في إضفاء العلمنة على مفهوم السلطة لأنه برهن، أن السلطة تكون لمن يحسن أخذها وتعهدها والحفاظ عليها)(٧٩).
وهذا الحرص من معاوية على علمنة السلطة وإلغاء العنصر الديني، إنما ينبع من عقدة معاوية خاصة وآل أبي سفيان من الألقاب التي منحها الإسلام لهم فهم بميزان ديني كفار ابتداء في أول عهد لهم وحتى بعد إسلامهم هم طلقاء ثم بعد ذلك منحه الإسلام لقب الباغي فلابد من عزل الدين من ساحة المعركة خاصة إذا كان الطرف الآخر إمام حق وحفيد رسول الله وصاحب الشرعية الدينية والتاريخية، فلن يرجح كفة معاوية سوى المكر والانقلاب والخديعة.
وبالنتيجة فالحسن (عليه السلام) يقف على ممكنات مضطربة؛ جيش مهزوز أرهقته الحروب المتتالية ولا حافز لديه للقتال. خاصة بعد يأسهم من الغنائم فهم لم يكسبوا من حرب الجمل وصفين والنهروان شيئاً من العتاد والأموال لأن الإمام أمير المؤمنين لم يعاملهم معاملة الكفار ولم يقسم الغنائم على المقاتلين وإنما أمر بإرجاع الأموال التي اغتنمها الجيش إلى أصحابها وقد علم المقاتلون أن الحسن لن يحيد عن سيرة أبيه فلم يثقوا بالأموال والغنائم لو قاتلوا معاوية لذلك تنادوا بصوت واحد حينما عرض عليهم الحسن (عليه السلام) مشروع معاوية للصلاح: البُقية!! البُقية!!
وتقيده فوق ذلك التزاماته الأخلاقية وسيرته كمثل أعلى للقائد الإسلامي.
أما معاوية فله القوة والعتاد والجيش موحد الصف والولاء ومن جهة أخرى هو طليق في أفعاله وتصرفاته.
في مثل هذه المواجهة لن تكون الحرب رابحة البتة، فإقدام الحسن في هذه الحالة على القتال يعني منح معاوية فرصة لاستئصال أهل البيت وأنصارهم من على وجه الأرض.
فاختيار الصلح كان يعبر بعمق عن نضج سياسي وبعد نظر خاصة إذا لاحظنا إستراتيجية حركة الإمامة ككل (وسيأتي الحديث في الفصل الرابع). ولكن بعد المقارنة بين الممكنات والأساليب عند كل من الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية بقي أن نسأل عن الأهداف: فما هي أهداف معاوية من الصلح وماذا حقق؟ وما هي أهداف الحسن؟ والى أي مدى حقق تلك المرامي؟!
أما بالنسبة لمعاوية فهدفه المركزي واضح؛ وهو الوصول إلى المنصب وتكريس سلطته على رقاب المسلمين وهو يعلم أنه لن يصل إلى المنصب إلا بتنحي الحسن بطريقة أو بأخرى فمع وجود الحسن لن تدين له كل الأمة بالطاعة.
وهو إن حاول اغتيال الحسن (عليه السلام) لنفس الغاية إلا أنه قطعاً يرغب في تحقيق الهدف بالصلح لأنه أقل كلفة، ومن هنا ما كان ليرغب في قتال إن أمكن بلوغ مطامعه بدون سفك دماء.
والهدف الثاني: إرجاع مجد الأمويين الذي اندثر مع الإسلام لتعلو كلمة الله وكلمة رسوله وأهل بيته (عليهم السلام) وهذا ما كان يغيظ معاوية ويزيده حنقاً وسخطاً على علي وبني هاشم عموماً، فلم يكتف بغصب الخلافة من أصحابها الشرعيين بل سعى لجعلها وراثة في عقبه بأخذه ولاية العهد لابنه يزيد!
والهدف الثالث: الثأر من بني هاشم؛ فها هو معاوية يكتب لعماله بعد أن علم إصرار الحسن على القتال يستحثهم على القدوم إليه وحشد الجند فهنأهم بإصابة الثأر بقتل علي (عليه السلام) فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل وأهلك الله أهل البغي والعدوان والسلام عليكم(٨٠).
أما الإمام الحسن فكان يستهدف أساساً من الصلح أربعة غايات أساسية:
أولاً:
حفظ شيعته والخلّص من أنصاره وقد ردد هذا الهدف في كثير من كلماته منها: قوله لحجر بن عدي (ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن)(٨١).
وقوله: (ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل)(٨٢).
وقوله: (ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي من ما طلعت عليه الشمس)(٨٣).
وقوله: (إني خشيت أن يجتث المسلمون من وجه الأرض فأردت أن يكون للدين داعي).
وقوله: (أيها الناس إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق أتركه لإصلاح أمر الأمة وحقن دمائها)(٨٤).
وقوله: (لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل)(٨٥)..
ثانياً:
فضح معاوية وكشف زيفه وعدم أهليته لإمامة المسلمين (انه لبّى طلب معاوية للصلح ولكنه لم يلبه إلا ليركسه في شروط لا يسع رجلاً كمعاوية إلا أن يجهر في غده القريب بنقضها شرطاً شرطاً ثم لا يسع الناس إذا فعل هو ذلك إلا أن يجاهروه السخط والإنكار فإذا بالصلح نواة السخط الممتد مع الأجيال وإذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية السيطرة الاغتصابية في التاريخ)(٨٦).
ثالثاً:
تحقيق هدنة تمكن الإمام من إعادة ترتيب قواعده. في انتظار الفرصة الملائمة للنهوض والثورة، لقد شخص الحسن (عليه السلام) أن الظرف غير مناسب لعمل مثالي استشهادي من هنا آثر السلم والصلح ودعا شيعته أن يبقوا جلس بيوتهم في انتظار تغير الظروف.
لم تكن حركة الحسن التصالحية حالة معزولة بل هي حلقة في إطار إستراتيجية الأئمة في العمل (كما سيتضح من خلال الفصل القادم).
ولقد التفت بعض الباحثين لأهمية هذه النقطة فتحدث عن خطة جديدة في العمل رسمها الحسن (عليه السلام) مع الوفد الذي جاءه من الكوفة يطلب منه نقض العهد والرجوع للحرب ولكن الإمام أرجعهم بخطة تقوم على الركون مؤقتاً في انتظار الظرف الملائم، واعتبر طه حسين هذا اللقاء هو اليوم الذي أنشئ فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة علي وبنيه!!
هذه أهداف الحسن (عليه السلام) وتلك أهداف معاوية وشتان بين هذه وتلك والتاريخ يعترف أن معاوية انتصر إلى حين ولكن أهداف الحسن (عليه السلام) هي التي بقيت خالدة لا لشيء إلا أن الحسن ما كان ليؤثر الدنيا والسلطان الزائل على الرسالة والمبادئ الخالدة.
وكما يقول (عليه السلام): (لو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة ولكني أرى غير ما رأيتم وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر والزموا بيوتكم وامسكوا وكفوا أيديكم حتى يستريح بر ويستراح من فاجر).
الفصل الرابع: شبهات حول الصلح
اتضح مما سبق أن قرار الإمام الحسن (عليه السلام) بعقد الصلح مع معاوية والدخول في هدنة يخطط الإمام فيها للمستقبل في انتظار انكشاف أمر معاوية وسقوط الغلاف الديني الزائف الذي يتستر به، كان قراراً صائباً وكان الحل المناسب لتلك الوضعية المعقدة الذي وجد الإمام فيها نفسه وشيعته ورأينا كيف حقق الإمام تقريباً كل الأهداف والدوافع التي دفعته للصلح وأن معاوية وإن كسب بعض الأهداف الآنية لكنه خسر المعركة في المنظور البعيد.
ومع كل التحليلات التي ذكرناها في تفسير الصلح ونقض الفرضيات الباطلة يمكن للباحث أو القارئ أن يطرح إشكالاً آخر يتردد صداه كثيراً: لماذا لم يفعل الحسن مثل ما فعل الحسين؟ لماذا لم يقاتل بالبقية الباقية من جنده المخلصين ليسجل ملحمة فدائية خالدة في التاريخ؟
ويحاول البعض تعليل الظاهرة بان الحسن لم يكن عازما على القتال لأنه منذ البداية كان يميل للسلم فمزاجه منشد للمصالحة أما الحسين فهو رجل ثوري يميل للقتال والاستشهاد ولقد انطبع هذا التصور في أذهان الكثيرين من الباحثين بل بين اتباع الأئمة (عليهم السلام) لتنتشر مقولات مثل (هذا حسني) وذاك (حسيني) تعبيراً في الأولى عن التوجهات السلمية بل الاستسلامية أحياناً، وفي الثانية عن النفس الاستشهادي الهجومي.
ويفرض تساؤل آخر نفسه في طيات البحث: إذا لم يكن الحسن عازماً على القتال فلماذا قبل الخلافة؟ لماذا يقبل الخلافة في مثل هذه الظروف؟ ألم يكن من الأفضل أن يرفض الخلافة حتى لا يضطر لهذا الصلح؟
إزاء هذه التساؤلات الأخيرة والشبهات الجديدة لابد من التأكيد على المسائل التالية والاستدلال عليها بما يقطع الشك باليقين:
- المسألة الأولى: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال وعدم تردده البتة.
- المسألة الثانية: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي ورجوع أسلوب التغيير إلى طبيعة الظروف الموضوعية القائمة.
- المسألة الثالثة: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام).
أولاً: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال.
من الغريب أن يثير البعض هذه الشبهة حول إصرار الحسن (عليه السلام) وعزمه على القتال مع كل الأحداث والقرائن التي حفت بالموضوع والتي تؤكد إصرار الحسن (عليه السلام) على استكمال خطة علي (عليه السلام) الذي استشهد وهو يعدّ العدّة لمحاربة البغاة معاوية وجنده.
ومن الشواهد التاريخية المؤيدة:
أ) زيادته للمقاتلين؛ فأول شيء قام به الإمام الحسن بعد بيعته أن زاد المقاتلة مائة مائة كما نقلت كتب التاريخ، وقد كان فعل ذلك علي (عليه السلام) يوم الجمل ولكن الحسن حال الاستخلاف وصار سنة متبعة من قبل الخلفاء بعد ذلك.
وهذه الخطوة تؤكد تشجيعه ودعمه للمقاتلين حتى يندفعوا أكثر في المعارك الآتية، وإلا فمن يعزم على السلام لا مصلحة له في ترغيب النفوس ودفعها للتأهب للقتال.
ب) نص البيعة نفسه؛ حيث اشترط الحسن (عليه السلام) على المبايعين الذين بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله: (إنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتابوا بذلك وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال)(٨٧).
لقد توجس المتخاذلون خيفة من العهد الذي فرضه الحسن (عليه السلام) على المبايعين (بأن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم) وعلموا أنه عازم على الحرب!
ج) قتله الجاسوسين الذين دسّهما معاوية في البصرة والكوفة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأمور فقد أمر الإمام الحسن باستخراج الجاسوسين وضربت عنقيهما.
وهذا يدلّ على حزم الحسن (عليه السلام) وعدم تهاونه البتة تجاه محاولات معاوية الأولى في شق الصفوف.
د) تهديد معاوية بالحرب؛ فقد كتب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية مع حرب بن عبد الله الأزدي كما نقل صاحب شرح النهج ومما جاء في هذا الكتاب:
(وإنما حملني على الكتاب إليك الأعذار فيما بيني وبين الله عز وجلّ في أمرك ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك وعند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله ما لك خيراً في أن تلقي الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(٨٨).
هـ) عدم خضوعه لوعود معاوية وتهديداته حيث حافظ الإمام الحسن على نسق واحد في مراسلاته لمعاوية، وهو التأكيد على الشرعية ومطالبة معاوية بالكف عن غيه..
وفي آخر مراسلاته لم يشأ أن يدخل في تفاصيل مغالطات معاوية واكتفى بالقول:
(أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت فتركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعلي إثم أن أقول فأكذب والسلام)(٨٩).
ولما تحرك معاوية بين لأنصاره ما حصل (بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا)(٩٠).
وفي الواقع أن الذي لم يكن عازما على القتال فعلا هو معاوية وإنما حاول أن يحشد هذا الحشد الجرار على تخوم العراق كجزء من خطة متكاملة للضغط على الحسن للقبول بالصلح.
فحشد هذا الجيش كان إحدى الأدوات المؤثرة في فرض الصلح وإلا ففي الواقع اكتفى معاوية بتهديد عسكري لن ينفذه أبدا لسببين: أولهما امتناعه عن إراقة دماء الشاميين على الرغم من ضعف الجيش العراقي وثانيهما تفضيله الاستيلاء على السلطة بطريقة سلمية لكي يحصل على اعتراف كامل ويضمن مستقبل خلافته فبعد نزاع دموي وطويل جدا مولد لأحقاد كثيرة لن يكون من المستحسن أن يرسي خلافته على نصر وبالتالي على دم(٩١).
ثانياً: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي.
إن الذين يستشكلون على صلح الحسن بعد كل هذا التحليل لدوافع الصلح وأبعاده ويعتمدون في المناقشة على مرجعية السيرة الحسينية كأنهم يتوهمون بأن الثورة والقتال هي الأسلوب الوحيد الذي يقره الدين ويعتمده في التغيير. ويغيب عنهم أنه في إطار الفقه الإسلامي ومرجعية الفكر الإسلامي ليس لدينا أسلوب واحد في التغيير والتعاطي مع الأطراف الأخرى: الكفار والبغاة خصوصاً؛ يقول الشهيد مطهري: (أننا لو سئلنا هل الإسلام دين صلح أم دين حرب؟ فبماذا نجيب؟ فإذا رجعنا إلى القرآن نرى تشريع الحرب كما نرى تشريع الصلح فالآيات التي تدعو للحرب مع الكفار والمشركين كثيرة كقوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ) وغيرها من الآيات كما أن هناك آيات في الصلح كقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (الأنفال: ٦١) وفي آية أخرى (وَالصّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: ١٢٨) إذن الإسلام دين أيهما؟ الإسلام لا يجعل الصلح قاعدة في كل الظروف كما أنه لا يقبل الحرب دائماً بل هما تابعان للظروف والأهداف والمسلمون سواء كانوا في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في زمن الإمام الحسن أو في زمن الإمام الحسين أو الأئمة الآخرين (عليهم السلام) أو في زماننا ففي كل زمان وعلى أي حال يجب أن يكون سعيهم لتحقيق الهدف وهدفهم الإسلام وحقوق المسلمين يجب أن يأخذوا الظروف والأوضاع بعين الاعتبار فإن كانوا بالقتال يمكنهم تحقيق الهدف في شكل أفضل فعليهم سلوك هذا الطريق وإذا رأوا أحياناً أن الهدف يمكن تحقيقه بالصلح بشكل أفضل فعليهم اختيار هذا السبيل(٩٢).
وبمراجعة كلمات الفقهاء نجد اتفاقاً تقريباً على وجوب قتال أهل البغي؛ يقول المحقق الحلي: (يجب قتال من خرج على إمام عادل إذا ندب إليه الإمام عموما أو خصوصا أو من نصبه الإمام والتأخر عنه كبيرة وإذا قام به من فيه غناء سقط عن الباقين مالم يستنهضه الإمام على التعيين والفرار في حربهم كالفرار في حرب المشركين)(٩٣).
ويقول الشهيد الثاني في أحكام الباغي: (وقتاله كقتال الكفار في وجوبه على الكفاية. ووجوب الثبات له وباقي الأحكام السالفة فذو الفئة كأصحاب الجمل ومعاوية يجهز على جريحهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم وغيرهم كالخوارج يفرقون من غير أن يتبع لهم مدبر أو يقتل لهم أسير أو يجهز على جريح. ولا تسبى نساء الفريقين ولا ذراريهم في المشهور ولا تملك أموالهم التي لم يحوها العسكر إجماعا)(٩٤).
كما أنهم يتفقون على جواز المهادنة والمصالحة ولكنهم يشرطونها بالمصلحة يقول المحقق في المهادنة: (وهي المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة وهي جائزة إذا تضمن مصلحة للمسلمين إما لقلتهم عن المقاومة ولما يحصل به الاستظهار أو لرجاء الدخول في الإسلام مع التربص(٩٥).
ويقول الشهيد الثاني: (وهي جائزة مع المصلحة للمسلمين لقلّتهم أو رجاء إسلامهم مع الصبر أو ما يحصل به الاستظهار ثم مع الجواز قد تجب مع حاجة المسلمين إليها وقد تباح لمجرد المصلحة التي لا تبلغ حد الحاجة ولو انتفت (المصلحة) انتفت الصحة)(٩٦).
إذن فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الصلح سواء مع المشركين والكفار أو مع البغاة والخارجين، وإنما الخلاف بينهم في وصول الأمر إلى الوجوب حيث يذكر العلامة: (أنها ليست واجبة على كل تقدير سواء كان بالمسلمين قوة أو ضعف لكنها جائزة)(٩٧).
ومرد خلاف العلماء في كون الهدنة مع الكفار أو البغاة حال ضعف المسلمين جائزة. أم تصبح واجبة، هو وجود أدلة لهذا أو لذلك الظرف.
فأدلة عدم إلقاء النفس للتهلكة كقوله تعالى: (وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ) (البقرة: ١٩٥) يستفاد منها حرمة القتال في حال الضعف وبالتالي وجوب المهادنة كما أن سيرة الرسول انعقدت على مصالحة المشركين كصلح الحديبية.
ولكن بالمقابل قد يتمسك بإطلاق أدلة قتال المشركين (فقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أو إطلاق قتال أهل البغي: (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللهِ) (الحجرات: ٩) للاستدلال على مشروعية القتال حتى في حالة الظن بالهلكة.. وبالتالي لا يصل حكم الصلح والمهادنة إلى الوجوب. كما يستدل في نفي السياق بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث (بعث الرسول تسعة أشخاص إلى بني هذيل وقتل تسعة منهم ولم يستسلموا مع وجود مندوحة لذلك وأقر الرسول سلوك هؤلاء.
ويبدو أن الحل للخروج من هذا الخلاف والتعارض في الأدلة أن نقول كلما كانت مصلحة الهدنة أهم من القتال قدم على الجهاد كما ذهب إلى هذا الرأي السيد الخامنئي في بحثه حول الهدنة: (ثم لا يخفى أن المصالح تختلف أهمية كما أن مصاديق الجهاد تختلف كذلك، ومن المعلوم عدم إمكان التحديد بالنسبة إلى مراتب الأهمية سواء في المصالح أو في عمليات الجهاد في سبيل الله وإنما الأمر في ذلك أي في تشخيص أهمية المصلحة الداعية إلى الهدنة في كل مورد أو أهمية عملية الجهاد المفروض في ذلك المورد وكذا مراتب الأهمية كلها بيد من إليه أمر الجهاد وبناء على ذلك، أي على فرض وجود مراتب للمصلحة وإن المناط في الانتماء إلى المهادنة في كل مرحلة هو كون المصلحة فيها أهم من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك المرحلة فربما وصلت أهمية الصلح والهدوء مرتبة يحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلف عنه(٩٨).
فالمسألة تدور مدار المصلحة ولقد شخص الإمام الحسن أن الظرف يفرض الصلح والهدنة فآثر ذلك واثبت التاريخ والتجربة صدق نظره. والأمر شرعاً موكول إليه فهو الإمام الحق. وبيده الجهاد وبيده الصلح..
ولقد احتج الحسن (عليه السلام) فيما احتج به على أصحابه بهذا الأمر وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع المشركين وسيرة علي (عليه السلام) مع البغاة، عن البحار ينقل صاحب صلح الحسن: نصا في هذا الاتجاه عندما يسأله أحد أصحابه (يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فأجابه: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى على خلقه وإماما عليهم بعد أبي؟ قال: بلى قال ألست الذي قال رسول الله لي ولأخي الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قال بلى قال فأنا إمام لو قمت وأنا إمام لو قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل)(٩٩).
ثالثاً: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام).
أصل المشكلة والجذر الأساسي لهذه الشبهة الأخيرة والتي نسعى لتأسيس الإطار النظري لدحضها (المتمثل في النقاط الثلاث): وهي المقارنة التي كثيراً ما تتردد بين ثورة الحسين (عليه السلام) وصلح الحسن (عليه السلام) وفي أكثر الأحيان تكون نتيجة المقارنة، أن الاختلاف في الأسلوب راجع إلى اختلاف في الشخصيتين ومزاجيهما وأن الحسن ذو ميول سلمية بينما الحسين له نزوع للجهاد والاستشهاد!!
ومن هنا يساق أكثر من اعتراض لماذا صالح الأول… وثار الثاني؟ لماذا هذا الاختلاف في الأسلوب؟ والتناقض في مواجهة الأعداء؟
في الحقيقة هذا الإشكال لا ينحصر في المقارنة بين أسلوب الحسن والحسين وإنما يمتد إلى سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حين نرى أن أحدهم يركز على العمل السياسي والآخر على نشر الفقه والمعارف والعلوم وثالث على الزهد والدعاء.. الخ فكيف نفسر هذا التنوع؟
والذي قد يوحي بفكرة الاختلاف بين الأئمة (عليهم السلام) هو المنهج في دراسة سيرة الأئمة (عليهم السلام) هذا المنهج التجزيئي المهيمن في كل الكتابات تقريبا والذي يتعاطى مع هذه السيرة بطريقة تجزيئية تفصل كل إمام عن الآخر وكل مرحلة عن الأخرى.
ولقد انتقد باقر الصدر(١٠٠) هذا المنهج واقترح منهجاً موضوعياً يعتمد على الوحدة الموضوعية لحياة الأئمة ويكشف الخيوط الرفيعة التي تشد حياة كل إمام إلى الإمام الآخر، ويهتم بالأهداف التخطيطية المشتركة التي يلتقي حولها أكثر من إمام. فإذا قمنا بدراسة أحوال الأئمة (عليهم السلام) على المستويين التجزيئي والترابطي فسوف نواجه على المستوى الأول اختلافاً وتباينا في السلوك وتناقضا من الناحية الشخصية في الأدوار التي مارسها الأئمة وأما على المستوى الثاني (فسوف تزول كل تلك الخلافات والاختلافات والتناقضات لأنها تبدو على هذا المستوى مجرد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة وإنما اختلف التعبير عنها لاختلاف الظروف والملابسات التي مر بها كل إمام)(١٠١).
ويرى الصدر أن وجود الهدف المشترك للأئمة (عليهم السلام) ليس مجرد افتراض يبحث عن شواهد تاريخية بل هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات لأن الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها فيجب أن تنعكس انعكاسا واحدا في شروط الأئمة (عليهم السلام) وأدوارهم مهما اختلفت أدوارها الطارئة بسبب الظروف والملابسات ويجب أن يشكل الأئمة بمجموعهم وحدة مترابطة الأجزاء ليواصل كل جزء من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله(١٠٢).
وفي ضوء نظرية وحدة الهدف وتنوع أدوار الأئمة لا ننظر إلى موقف الحسن (عليه السلام) وموقف الحسين (عليه السلام) على أنهما موقفان متناقضان بل هما موقفان صحيحان فرضت كل واحد منهما ظروفه الآنية ولكنهما يعملان على تحقيق نفس الأهداف المشتركة حفظ الرسالة والدين.. وحماية الأمة من خطر الانحراف الكبير الذي أصابها بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فالحسن لو كان مكان الحسين لثار واستشهد والحسين كان موقفه موقف الحسن ولم يخالفه البتة وما تذكره بعض المصادر من معارضة الحسين (عليه السلام) للحسن في صلحه مع معاوية كلام يستند إلى روايات ضعيفة لا أساس لها بل تؤكد المصادر التاريخية أن الحسين كان على رأي الحسن (عليه السلام) فقد قال لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين فاوضه في الثورة بعد أن يئس من استجابة الإمام الحسن: (صدق أبو محمد فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان (يعني معاوية) حيا. وكان هذا رأيه بعد وفاة الإمام الحسن فقد كتب إليه أهل العراق يسألونه أن يجيبهم إلى الثورة على معاوية ولكنه لم يجبهم إلى ذلك وكتب إليهم أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده فيما يأتي وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك فالصقوا رحمكم الله بالأرض اكمنوا بالبيوت واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً)(١٠٣).
وكيف يختلف الحسن والحسين في تقدير الموقف وكلاهما يستقي من معين واحد معين الإمامة والطهر والعصمة؟!
وإنما ينحصر الاختلاف في الظروف: فلكل منهما ظرفه الخاص الذي اختار معه الرأي السديد والموقف الصائب. (وكان احتساء الموت قتلاً في ظرف الحسين والاحتفاظ بالحياة صلحا في ظرف الحسن بما مهدا به عن طريق هاتين الوسيلتين لضمان حياة المبدأ وللبرهان على إدانة الخصوم هو الحل المنطقي الذي لا يعدى عنه لمشاكل كل من الظرفين وهو الوسيلة الفضلى إلى الله تعالى(١٠٤).
ولنقف قليلاً عند تنوع الظروف لنتفهم أكثر تنوع الأدوار والأداء وفقاً لها:
فالإمام الحسن (عليه السلام) واجه مرضاً أساسياً في مرحلته وهو مرض الشك هذه الحالة التي واجهها الإمام علي (عليه السلام) نفسه فالمسلمون في تلك المرحلة لم يفهموا ملياً أن معركة علي مع معاوية كانت معركة الإسلام في صفته الشرعية مع منهج الكسروية والهرقلية المحلاة بقشرة دينية مزيفة يحرص معاوية على المحافظة عليها. إن الأوضاع النفسية التي خلقتها الحروب الطويلة مع الناكثين والقاسطين والمارقين ووقوف وجوه بارزة من صحابة الرسول مع المخالفين أدخل نوعا من الشك في صفوف الموالين لعلي (عليه السلام) هذه الحالة تعمقت بسبب انتقال الحكم إلى الحسن مما قوى انطباع الناس أن المعركة بين عائلة وأخرى بين بني هاشم وبني أمية وليست بين الإسلام وقوى البغي! خاصة وأن معاوية حينما تصدّى الحسن (عليه السلام) كان يقف على كيان سياسي قائم اكتسب شرعية ما إثر واقعة التحكيم في صفين.
لم يكن يدرك المسلمون ولا مجتمع الكوفة إلا الخاصة من أصحاب الحسن (عليه السلام) جوهر المعركة، لقد اعتقدوا أنها خلاف سياسي صرف وأن معاوية حاكم قادر على إدارة شؤون المسلمين وأن تجربته مع أهل الشام أثبتت براعته بل ربما اعتقد البعض بما كان يروج له معاوية بأن الأخير أكثر خبرةً وحنكةً وأكبر سناً وتجربة!
هذا المرض الخطير الذي أصاب الأمة لا ينفع معه العمل الفدائي الاستشهادي لأنه إضافة إلى خطورة القضاء على الخلص من أصحاب الحسن (عليه السلام) فإن القتال في مثل هذه الظروف لن يكون في منظور هؤلاء سوى معركة مصلحية قادها الحسن من أجل مجد شخصي وموقع سياسي.
إن قيام الحسن (عليه السلام) بعمل ثوري والدخول في حرب مع ما تبقى من الخلص من أصحابه لن يكون له صدى أكثر من ثورات العلويين في التاريخ.
فالحل الأمثل لمثل هذه الظروف إعطاء فرصة للقاعدة أن تشفى من هذا المرض والتريث قصد توفر الظروف المناسبة للقتال.
أما الحسين (عليه السلام) فقد ابتليت الأمة في مرحلته بمرض آخر لقد انكشف لها خداع معاوية وزيف إسلامه ولم تعد تشكك لحظة في طبيعة المعركة بين أهل البيت وبين معاوية ويزيد! لقد كشف صلح الحسن (عليه السلام) معاوية وفضح سياسات بني أمية على مستوى الأمة الإسلامية (كما اتضح في الفصول السابقة) ولكن المرض الخطير الذي أضحت تعاني منه هو ضعف الإرادة فالأمة قد شفيت من مرض الشك ولكنها منيت بمرض آخر وهو مرض (فقدان الإرادة) وقد أصبحت الأمة لا تملك إرادتها في الرفض والاحتجاج بل أصبحت يدها ولسانها ملك لشهواتها قد فقدت إرادة التغيير لأوضاعها الفاسدة قلوبهم مع الإمام ولكن سيوفهم عليه(١٠٥).
مع الحسين (عليه السلام) صار شعار: (لا نريد إلا حكم علي) بعد انتفاء روح الشك ولكن الأمة كانت بحاجة إلى صدمة قوية توقظها من رقدتها وتبعث فيها الإرادة من جديد فكانت ملحمة البطولة والشموخ في عاشوراء الحسين (عليه السلام).
فصلح الحسن (عليه السلام) قد مهد لثورة الحسين لأن الصلح قد مكنهم من الوقوف على أخطاءهم في خذلان الحسن والانخداع بالزيف الأموي (فإذا كان الناس قد كرهوا الحرب لطول معاناتهم لها ورغبوا في السلم انخداعاً بجملة الدعاية التي بثها فيهم عملاء معاوية إذا منوهم بالرخاء والأعطيات الضخمة والدعة والسكينة وطاعة لرغبات زعمائهم القبليين فإن عليهم أن يكتشفوا بأنفسهم مدى الخطأ الذي وقعوا فيه حين ضعفوا عن القيام بتبعات القتال وسمحوا للأماني بأن تخدعهم ولزعمائهم بأن يضلوهم).
إذن فقد كان دور الحسن أن يهيئ عقول الناس وقلوبهم للثورة على حكم الأمويين هذا الحكم الذي كان يشكل إغراء للعرب في عهد أمير المؤمنين الذي غدا فتنة للعراقيين بعده حملتهم على التخلي عن الإمام الحسن في أحلك الساعات وذلك بأن يدع لهم فرصة اكتشافه بأنفسهم مع التنبيه على ما فيه من مظالم وتعد لحدود الله(١٠٦).
فلا معنى للكلام الشائع بين الناس وأحياناً بين المتدينين والمثقفين: عن اتجاه حسني وآخر حسيني فهما وجهان لحقيقة واحدة: الإمامة والمسؤولية.
(وكانت التضحيتان تضحية الحسين بالنفس وتضحية الحسن بالسلطان هما قصارى ما يسمو إليه الزعماء المبدئيون في مواقفهم الإنسانية المجاهدة(١٠٧).
صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة
رغم الصعوبات التي تضعنا تجربة الكتابة عن سيرة الأئمة نواجهها والتي أشرنا إلى بعضها في المقدمة: مشكلة المنهج، قلة المصادر، الاستغراق في البحوث السردية المناقبية وغياب الدراسات التحليلة التي تستنطق النصوص التاريخية لاكتشاف قواعد وضوابط تخدم الأمة في مسيرتها ونهضتها.
كل هذه العوائق لا تمنع البتة من الاستفادة واقتناص الدروس من سيرة الحسن (عليه السلام) المليئة بالعبر.
وفي مرحلتنا الراهنة؛ والأمة الإسلامية تواجه تحديات هذه الحقبة الخطيرة من تاريخها نحتاج أن نتوقف عند تجارب هؤلاء القادة الربانيين لنستوحي منهم ما يساعدنا على ضبط خطتنا في المواجهة وبرامجنا في الإصلاح ومشروعنا في التغيير ومنهاجنا في العلاقة مع الآخر.
وصلح الإمام الحسن (عليه السلام) بالذات يؤسس لجملة من القواعد لابد للأمة عموماً والعاملين خصوصا الاستفادة منها:
القاعدة الأولى:
الواقعية السياسية؛ علمنا صلح الحسن أن الإمام المعصوم رغم حضوره ووجوده فإن النصر والتغيير لم يحصل بمعجزه والصراع لم تحسمه الملائكة وإنما (قوانين التاريخ) وسنن الله في الكون هي التي تحرك المسيرة، نعم إن الله ينصر من ينصره ولكن مع عدم توفر شرائط النصر ومع عدم توفر مقومات الحرب لا مجال للنصر ولا إمكانية للحرب.
لقد علمنا الحسن (عليه السلام) درساً بليغاً في الواقعية السياسية لن تنساه شيعته أبداً.
القاعدة الثانية:
الصلابة المبدئية؛ يعتذر الكثيرون بـ (الواقعية السياسية) ليميّع أهدافه أو يتحلل من التزاماته.
وصلح الحسن يعلمنا كيف نتعاطى مع الظروف والخصم بواقعية ولكن في كنف الالتزام العالي بالمبادئ بل إن هذه المبادئ هي التي تدفعنا للصلح وهذا ما عناه الباقر (عليه السلام) (والله للذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس) فهذا الصلح حمى دين الأمة ورسالتها وقيمها من الانقراض.
القاعدة الثالثة:
لا مانع من حلول مرحلية عندما تعوزنا الإمكانات فلسنا دائماً في مستوى تحقيق أهدافنا البعيدة، فلا مانع إذا هادن المرء مؤقتاً أو صالح ولا بأس من تجرّع مرارة التنازلات أحياناً في سبيل حفظ الأهداف الكبيرة.
القاعدة الرابعة:
الإسلام وأهدافه العليا هي (الإستراتيجية) فلا حرب دائمة ولا هدنة أبدية الحرب والجهاد والهدنة والسلم كلها خطط مؤقتة لخدمة الهدف الكبير.
القاعدة الخامسة:
لابد من تشخيص دقيق لمرض الأمة وداء المجتمع وفي ضوء ذلك نحدد هل الجهاد والثورة هي الحل أم السكون والهدوء وبالمقابل دراسة وتحليل أهداف الأعداء أيضا.
القاعدة السادسة:
حفظ الصالحين من أبناء الأمة وطلائعها المجاهدة مقصد هام من مقاصد الدين وإن كان حفظ الدين هو أول المقاصد فإن في حفظ هؤلاء الملتزمين والمؤمنين والمجاهدين حفظ للدين حقاً.. ونرى كيف أن الحسن (عليه السلام) هادن حفظاً لخلص شيعة آل محمد لأن دونهم لا مجال لحفظ الرسالة وحفظ المذهب.
القاعدة السابعة:
يعلمنا الإمام الحسن (عليه السلام) أن نمتلك وعيا مستقبليا فلا ننفعل باللحظة التاريخية التي نعيشها ولا نترك الظروف الراهنة الشديدة تسقطنا بل لابد من الانعتاق من ضغط الحاضر التي قد يفرض علينا تنازلات، بالتحديق الواعي للمستقبل والتخطيط له.
صلّ اللهم على محمد وآل محمد، ارحم أبا محمد الحسن المجتبى يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

المراجع والمصادر

١ - القرآن الكريم.
٢ - الإرشاد: المفيد، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ط٣ / ١٩٨٩.
٣ - أصول الكافي: الكليني، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
٤ - أعيان الشيعة: محسن الأمين، دار التعارف ١٩٧٦.
٥ - أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: محمد باقر الصدر، دار التعارف.
٦ - بحار الأنوار: العلامة المجلسي، مؤسسة الوفاء، ط٢ / ١٩٨٣م.
٧ - تاريخ الطبري: الطبري، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
٨ - تحف العقول: الشيخ الحراني، مؤسسة الأعلمي ط٥ / ١٩٧٤.
٩ - ثورة الحسين: محمد حسين شمس الدين، المؤسسة الدولية ط٧ / ١٩٩٦.
١٠ - حياة الإمام الحسن بن علي: باقر شريف القرشي، دار البلاغة ط١ / ١٩٩٣.
١١ - دور أئمة أهل البيت في الحياة السياسية: عادل أديب، دار التعارف ١٩٨٨.
١٢ - سيرة الأئمة الاثني عشر: هاشم معروف الحسني، دار التعارف ط١ / ١٩٧٧.
١٣ - سيرة الأئمة الأطهار: مرتضى مطهري، دار الهادي ط٢ / ١٩٩٢.
١٤ - شرائع الإسلام: المحقق الحلي، دار الزهراء.
١٥ - شرح الروضة البهية: الشهيد الثاني، دار الهادي.
١٦ - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
١٧ - صلح الحسن: راض آل ياسين، مؤسسة النعمان ١٩٩١.
١٨ - الغدير: العلامة الأميني، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
١٩ - الفتنة: هشام جعيط، دار الطليعة ـ بيروت.
٢٠ - الكامل في التاريخ: ابن الأثير، دار صادر ـ بيروت ١٩٦٥.
٢١ - مروج الذهب: المسعودي، مطبعة السعادة ط٤ / ١٩٦٤.
٢٢ - كتاب الهدنة: الإمام الخامنئي، دار الوسيلة.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة الروم: ١٠٩.
(٢) سورة فاطر: ٤٤.
(٣) سورة الأحزاب: ٦٢.
(٤) سورة فاطر: ٤٣.
(٥) سورة آل عمران: ١٣٧.
(٦) سورة النساء: ٢٦.
(٧) نهج البلاغة: الكتاب ٣١ من وصيته للحسن (عليه السلام).
(٨) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٧، دار التعارف ط١. ١٩٩٧م.
(٩) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٩.
(١٠) انظر: هشام جعيط، الفتنة، دار الطليعة ص٣١٦.
(١١) سيأتي تفصيل هذا المنهج في الفصل الرابع.
(١٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، مؤسسة الأعلمي ط١ ج١٦ ص٢١٠.
(١٣) م. س ص٢١١.
(١٤) ابن أبي الحديد شرح النهج: ج١٦ ص٢١١.
(١٥) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٥٣٤.
(١٦) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٥٤٢.
(١٧) نهج البلاغة: الخطبة ٢٠٧ من خطب أمير المؤمنين.
(١٨) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٥٥٢.
(١٩) الكليني: أصول الكافي، كتاب الحجة باب الإشارة والنص على الحسن الحديث رقم ٥.
(٢٠) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٤.
(٢١) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج٣ ص٧٤٢.
(٢٢) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٧.
(٢٣) م س ص ٢٢٨.
(٢٤) م ن ص: ٢٢٩.
(٢٥) شرح ابن أبي الحديد: مصدر سابق ص٢٣٠.
(٢٦) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٣١.
(٢٧) المفيد: الإرشاد، الأعلمي ط٣ ١٩٨٩ ص١٩٠.
(٢٨) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٦.
(٢٩) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٧.
(٣٠) م ن ص: ٣٠٨.
(٣١) محسن الأمين: أعيان الشيعة، دار التعارف ١٩٧٦ ج١ ص٥٧٧.
(٣٢) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن، دار البلاغة ص٢٨٠ (نقلا عن تاريخ ابن عساكر).
(٣٣) الحراني: تحف العقول، مؤسسة الأعلمي ص١٦٦.
(٣٤) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن، ص٢٨٨.
(٣٥) راض آل ياسين: صلح الحسن ص٣٠٢.
(٣٦) المسعودي: مروج الذهب، ج٣ ص٥.
(٣٧) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج١٦ ص٢٣٦.
(٣٨) محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج١ ص٥٨٥.
(٣٩) انظر: باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن بن علي، ج٢ دار البلاغة ط١٩٩٣ ص٢٢١ و٢٢٧.
(٤٠) انظر: باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن بن علي، ج٢ دار البلاغة ط١٩٩٣ ص٢٢١ و٢٢٧.
(٤١) انظر باقر القرشي: م س ص٢٢٦.
(٤٢) ابن أبي الحديد: شرح النهج، م س ج١١ ص٢٣٣.
(٤٣) هشام جعيط: الفتنة دار الطليعة ص٣٢٠.
(٤٤) راضي آل ياسين: صلح الحسن، م س ص٢٨٥.
(٤٥) ابن أبي الحديد: م س ص٢٣٤.
(٤٦) م ن ص٢٣٥.
(٤٧) م ن ص٢٢٣.
(٤٨) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج٣ ص٤٠٦.
(٤٩) المجلسي: بحار الأنوار، ج١٠ ص١١٤.
(٥٠) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١١ ص٢٣٦.
(٥١) شرح النهج: م س ص٢٣٤.
(٥٢) الأميني: الغدير، ج١٠ دار الكتب الإسلامية ص٢٥٧.
(٥٣) م س ص٢١٥ و٢٦٦.
(٥٤) راضي آل ياسين: صلح الحسن ص٣١٧.
(٥٥) راضي آل ياسين: صح الحسن ص٣٦٢.
(٥٦) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢١٤.
(٥٧) باقر القرشي: حياة الإمام الحسن ج٢ ص٢٧٣.
(٥٨) راضي آل ياسين: صلح الحسن ص٢٠٩.
(٥٩) فيليب حتى: العرب ص٧٨ نقلاً عن باقر القرشي حياة الإمام الحسن ١١٢.
(٦٠) انظر حياة الحسن باقر القرشي ص٤٥١.
(٦١) م س ص ٤٤٦.
(٦٢) هشام جعيط: الفتنة ص٣١٣ - ٣١٦.
(٦٣) هشام جعيط: الفتنة ص٣١٣ - ٣١٦.
(٦٤) نقلاً عن حياة الإمام الحسن: المستشرق روايت رونلدس ص١١٣.
(٦٥) العلائي نقلاً عن القرشي في حياة الحسن (عليه السلام) ص١٣.
(٦٦) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشرة، ج١ ص٥٨٩.
(٦٧) انظر صلح الحسن: ص١٧٤ - ١٧٥.
(٦٨) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٥٨٧.
(٦٩) يشير صاحب كتاب الفتنة إلى أن المحدثين نشروا فكرة أن سنة (٤١هـ) عام الصلح تدعى سنة الجماعة أو الوحدة وهذا لم يرد في أي مصدر قديم.
(٧٠) هشام جعيط: الفتنة، ص٣١٥.
(٧١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ح١٦ ص٢١٤.
(٧٢) انظر ص٦٨.
(٧٣) علل الشرائع: نقلاً عن صلح الحسن ص٦٩.
(٧٤) راضي آل ياسين: صلح الحسن، ص٧٢.
(٧٥) الملاحم والفتن: نقلاً عن صلح الحسن ص٢٣١.
(٧٦) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٨.
(٧٧) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٨.
(٧٨) م. س ص٢٢٨.
(٧٩) هشام جعيط: الفتنة ص٣٢٤.
(٨٠) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٥.
(٨١) م س ص٢١٤.
(٨٢) الدينوري نقلاً عن صلح الحسن: ص٢٣٨.
(٨٣) صلح الحسن: ص٢٣٣.
(٨٤) أعيان الشيعة.
(٨٥) البحار نقلاً عن صلح الحسن: ص٢٠٠.
(٨٦) صلح الحسن: ص٢٥٠.
(٨٧) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٢.
(٨٨) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٧.
(٨٩) م ن ص٢٢٩.
(٩٠) م ن ص٢٢٩.
(٩١) هشام معيط: الفتنة، ص٣١٥.
(٩٢) مرتضى مطهري: سيرة الأئمة الأطهار، دار الهادي ط٢ / ١٩٩٢ ص٦٨.
(٩٣) المحقق الحلي: شرائع الإسلام، ج٢ دار الزهراء ص٣٨٦.
(٩٤) الشهيد الثاني: الروضة البهية في شرح اللمعة أن الدمشقية دار الهادي ج٣ ص٦٦٨.
(٩٥) المحقق الحليِ: شرائع الإسلام، ج٢ ص٣٧٩.
(٩٦) الشهيد الثاني: مصدر سابق ص٦٥٤.
(٩٧) السيد علي الخامنئي: كتاب الهدنة، ص١٥ نقلاً عن التذكرة.
(٩٨) علي الخامنئي: الهدنة، دار الوسيلة ط١ ١٩٩٨ ص١٥.
(٩٩) راضي آل ياسين: صلح الحسن، ص٢٠٠ نقلاً عن البحار.
(١٠٠) انظر كتاب (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) دار التعارف.
(١٠١) م س ص ١٤٢.
(١٠٢) م س ص ١٤٢.
(١٠٣) محمد مهدي شمس الدين: ثورة الحسين، المؤسسة الدولية ط السابعة ص١٢٠.
(١٠٤) راضي آل ياسين: صلح الحسن ص٣٧٠.
(١٠٥) عادل أديب: دور أئمة أهل البيت في الحياة السياسية، دار التعارف ص٢٠٠.
(١٠٦) محمد مهدي شمس الدين: مصدر سابق، ص١١٩.
(١٠٧) راضي آل ياسين: صلح الحسن، ٣٧٠.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل