فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب المركز » الامام الحسن المجتبى عليه السلام وتحرير الارادة  

كتب المركز

 

الكتب الامام الحسن المجتبى عليه السلام وتحرير الارادة

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: نزار حيدر التاريخ التاريخ: ٢٠١٧/٠١/١٦ المشاهدات المشاهدات: ٣٢٣ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وتحرير الإرادة

نزار حيدر

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين، واللعن الدائم علىٰ أعدائهم أجمعين إلىٰ قيام يوم الدين، آمين ربَّ العالمين.
أهل البيت عليهم السلام شخوصٌ نورانيَّة وأشخاصٌ ملكوتيَّة، منها ولأجلها وُجِدَ الكَوْن، وإليها حسابُ الخَلق، يتدفَّقون نوراً وينطقون حياةً، شفاههم رحمة وقلوبهم رأفة، وُضِعَ الخير بميزانهم فزانوه عدلاً، ونَمَت المعرفة علىٰ ربوع ألسنتهم فغذّوها حكمةً.
أنوارٌ هداة، قادةٌ سادات (ينحدرُ عنهم السيل ولا يرقىٰ إليهم الطير)، ألفوا الخَلق فألفوهم، تصطفُّ علىٰ أبوابهم أبناء آدم متعلِّمين مستنجدين سائلين، وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرِهون أحداً علىٰ موالاتهم ولا يجبرون فرداً علىٰ اتِّباعهم، يُقيِّد حبُّهم كلَّ من استمع إليهم ويشغف قلبَ كلِّ من رآهم، منهجهم الحقُّ وطريقُهم الصدق وكلمتُهم العليا، هُم فوق ما نقول ودون ما يُقال من التأليه، هُم أنوار السماء وأوتاد الأرض.
والإمام الحسن المجتبىٰ عليه السلام هو أحد هذه الأسرار التي حار الكثير في معناها وغفل البعض عن وجه الحكمة في قراراتها وباع آخرون دينهم بدنيا غيرهم فراحوا يُسطِّرون الكذب والافتراءات عليه والتي جاوز بعضها حدَّ العقل ولم يتجاوز حدَّ الحقد المنصبِّ علىٰ بيت الرسالة.
وقد اهتمَّ مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصية بكتابة البحوث والدراسات وتحقيق المخطوطات التي تُعنَىٰ بشأن الإمام الحسن المجتبىٰ عليه السلام ونشرها في كتب وكتيّبات بالإضافة إلىٰ نشرها علىٰ مواقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز.
بالإضافة إلىٰ النشاطات الثقافيَّة والإعلاميَّة الأُخرىٰ التي يقوم بها المركز من خلال نشر التصاميم الفنّية وإقامة مجالس العزاء وعقد المحاضرات والندوات والمسابقات العلميَّة والثقافيَّة التي تثرىٰ بفكر أهل البيت عليهم السلام وغيرها من توفيقات الله تعالىٰ لنا لخدمة الإمام المظلوم أبي محمّد الحسن المجتبىٰ عليه السلام.
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو أحد تلك الثمار التي أينعت والتي لا تهدف إلَّا إلىٰ بيان شخصيَّة الإمام الحسن المجتبىٰ عليه السلام بكلِّ أبعادها المضيئة ونواحيها المشرِقة, ولرفد المكتبة الإسلاميَّة ببحوث ودراسات عن شخصيَّة الإمام الحسن المجتبىٰ عليه السلام، ومن الله التوفيق والسداد.

 العتبة الحسينية المقدَّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصية
كاظم الخرسان

بغضِّ النظر عن الأسباب التي دفعتْ معاويةَ بنَ أبي سفيان إلى عدم الالتزام بنصِّ وروحِ اتفاقية الهُدنة التي وقّعَها مع سِبْط رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالبٍ، ابنِ فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كثيرةٌ يجمعها سوءُ الظنِّ بالله؛ فإن النصَّ –برأيي- يُعدُّ أحدَ أهمِّ الاتفاقياتِ التي ثبّتها التاريخُ، والتي كان قد أملاها الإمامُ الحسنُ عليه السلام من أجل تحقيق المصلحة العُليا للأمّة التي كادتْ أْن تتمزَّق أوصالُها بسبب السياساتِ الجاهلية التي اتّبعها الحكمُ الأُمَويُّ، والتي تُعدُّ الامتدادَ الطبيعيَّ لسياسات بني أُميّةَ ضدّ الرسالة وضدّ الرسول الكريم، والتي قامتْ على التآمرِ ضد دين الله تعالى وشنِّ الحروب والغارات وتجييشِ الجيوش ضد المسلمين، إلى أنْ حقّقَ اللهُ تعالى وعدَه بنصر المؤمنين بفتحِ مكةَ؛ ما اضطرَّ الأُمَويّين إلى إعلان إسلامهم بعد أن أطلق الرسول الكريم كلمتَه المشهورة (اذهبوا فأنتُمُ الطُّلَقاء).
ولا أبتعدُ عن الحقيقةِ إذا ما ادَّعيتُ هنا أنّ الوثيقة إحدى أكثرِ النصوصِ التاريخية التي لاقتْ التجاهلَ والتضييعَ من قِبَل المؤرِّخين بسبب أنها أولُ وأوضح إدانةٍ تاريخيةٍ ضد بني أُميَّةَ والحكمِ الأُمَويِّ المنحرفِ والظالم والمعتدي، ولذلك سعى الأُمويّون إلى إخفاء الوثيقة أو تجاهلِها ثم تبِعهم فقهاءُ البلاط والإعلام الأُمويِّ الذي بَذل كلَّ ما في وُسْعه من أجل إخفاءِ الوثيقة أو تجاهلها على الأقل؛ لِما يمكن اعتبارُها بالفضيحة الدينية والسياسية لحُكمهم، من جانبٍ؛ ولِما تشير إليه على نحوٍ واضحٍ من المنهج الرساليّ الذي اعتمده أئمةُ أهل البيتِ عليهم السلام، في أنه استمرارٌ لخطِّ الرسالة التي بُعِث بها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم من جانبٍ آخَر.
لقد وُقِّعَتِ الوثيقةُ بين معاويةَ والإمامِ على الرغم من أن بيعةَ المسلمين -المهاجرين والأنصار للسِّبْط بعد استشهاد أبيه الإمامِ عليٍّ عليه السلام- جاءتْ عامة بالإجماع، وعلانيَة بعيداً عن الإكراه والضغط والتهديد والوعيد، كما ذَكرتْ ذلك كلُّ مصادرِ التاريخ كالطبريِّ واليعقوبيِّ ومقاتل الطالبيّين وشرح إحقاق الحق والدرِّ النّظيم والبحار وبِشارة المصطفى والطبرانيّ في الأوسط والحاكم وينابيع المودّة وشرح النَّهْج، وغيرُها كثيرٌ من المصادر المعتبرة.
ولذلك فقد جعل كثيرون أن الإمامَ الحسنَ السِّبْطَ هو خامسُ الخلفاء الراشدين، ودليلُهم على ذلك:
أولاً: أن البيعة كانتْ شرعيةً وصحيحة وعامة، تُشبه بيعةَ المسلمين للخلفاء الراشدين الأربعة الذين سَبقوه، بغضِّ النظر عن بعض التفاصيل التي ميّزتْ المسلمين إلى فرقٍ ومذاهب.
ثانياً: استشهادُهم بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الخلافةُ بعدي ثلاثون سنةً ثم تكون ملكاً عضوضاً) الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي، وإن الثلاثين خُتِمتْ بالأشهر السِّتّة التي قضاها الحسنُ السِّبط في الخلافة قبل أنْ يستوليَ معاويةُ على بلاد المسلمين كلِّها نتيجةً لبنود الوثيقة.
وهنا سؤالٌ هو إذا كانتْ بيعةُ الإمام صحيحةً ومُجزيةً وعامة فلماذا -إذن- قَبِل بتوقيع مثل هذه الوثيقة؟ أ لِيتنازلَ بها عن السلطة لمعاوية أم لأنه وجده أكفأَ منه؟
بالتأكيد لم يكنْ معاويةُ يستحقُّ الخلافةَ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، وإلى ذلك أشار الإمامُ الحسن عليه السلام في كلِّ رسائله التي تبادلها معه، ومنها قوله عليه السلام -في رسالةٍ بَعثها إليه بيد حربِ بنِ عبد الله الأزديِّ بعد كلامٍ طويلٍ- (فاليومَ فلْيتعجَّبِ المتعجِّبُ من توثُّبك يا معاويةُ على أمرٍ لستَ من أهلِه، لا بفضلٍ في الدين معروفٍ، ولا أثرٍ في الإسلام محمودٍ، وأنتَ ابنُ حِزبٍ من الأحزاب، وابنُ أعدى قريشٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابِه).
وقدِ اعتمدَ الإمامُ السِّبطُ بكلامِه هذا على ما قالَه مِن قبلُ أبوه أميرُ المؤمنين عليه السلام لمعاويةَ يومَ أنْ نازعَه الخلافةَ بقوله (واعلمْ أنك مِن الطُّلَقاء الذين لا تحِلُّ لهم الخلافةُ، ولا تعقدُ معهم الإمامة، ولا يَدخلون في الشّورى).
والجديرُ بالذكْر أنّ المؤرخين ذكَروا الأمر ذاتَه عن عمرَ بنِ الخَطّاب، فقد رَوى ابنُ سعدٍ في الطبقات، الجزءِ الثالثِ في الصفحةِ ٣٢٤ ما نصُّه عن الخليفةِ الثاني: هذا الأمرُ في أهلِ بدْرٍ ما بقِيَ منهم أحدٌ، ثم في أهل أُحُدٍ ما بقِي منهم أحدٌ، وفي كذا وكذا، وليس فيها لِطليقٍ ولا لوَلدِ طليق، ولا لِمُسْلِمة الفتْح شيءٌ، فيما ذُكر حتى ابن تَيْميّة، في الفتاوى، الجزءِ الرابعِ في الصفحة ٣٤ أن معاويةَ من الطُّلَقاء.
هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخَرَ فإن الإمام السِّبْط كان على يقينٍ من صحّةِ بيعةِ المسلمين له بعدَ استشهادِ أبيه عليه السلام؛ ولذلك قال في رسالتِه إلى معاويةَ (إن علياً لمّا مضى لسبيلِه -رحمةُ اللهِ عليه يومَ قُبِض ويومَ مَنَّ اللهُ عليه بالإسلام ويومَ يُبعثُ حياً- ولّاني المسلمون الأمرَ بعدَه، فأسألُ اللهَ أنْ لا يُؤتيَنا في الدنيا الزائلة شيئاً يُنقِصُنا به في الآخرةِ ممّا عنده من كرامةٍ.
وإنّما حملَني على الكتابِ إليك الإعذارُ فيما بيني وبينَ الله عزَّ وجلَّ في أمرِك، ولك في ذلك -إنْ فعلتَه- الحظُّ الجَسيم والصلاحُ للمسلمين، فدَعِ التّماديَ في الباطلِ، وادخلْ فيما دَخل فيه الناسُ من بيْعتي؛ فإنك تعلم أني أحقُّ بهذا الأمرِ منك عندَ الله وعند كلِّ أوّابٍ حفيظٍ ومَن له قلبٌ مُنيبٌ، واتّقِ اللهَ، ودعِ البغيَ، واحقنْ دماءَ المسلمين، فواللهِ ما لك خيرٌ في أن تلقى اللهَ من دمائِهم بأكثرَ ممّا أنت لاقيْه به، وادخلْ في السّلمِ والطاعة، ولا تُنازعِ الأمرَ أهلَه ومَن هو أحقُّ به منك).
كما أن الإمام لم يوقِّعِ الوثيقةَ ليتنازلَ عن مسؤولية البيعة التي اعطتْها له الأمةُ راضيةً غير مُكرَهة؛ لأن الإمام -الذي تربّى في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي كَنَف الإمام عليٍّ عليه السلام- يعرف جيداً بأن البيعة مسؤولية كبيرة، وهو عقدٌ اجتماعيٌّ على من تُبايعُه الأمةُ أنْ يتحمَّل مسؤوليتَه ومسؤولياتِ البيعة أو لا يتصدى لها ابتداءً، إذا لم يجدْ في نفسه الأهليّة والكفاءة، ولمّا كان الإمامُ قد قَبِلَ ببيعة الأمة له بعد استشهاد أبيه كان الواجبُ الدينيُّ والخُلُقيّ والسياسيّ يحتِّم عليه تحمُّلَ المسؤولية.
 وهذا ما فعله عليه السلام على مدى ستةِ أشهُر، فكان على أتمِّ الاستعداد للدفاع عن بيعةِ المسلمين له، كما أشار إلى ذلك في رسالتِه إلى معاويةَ، والتي خاطبَه فيها بقولِه عليه السلام (وإنْ أنت أبيْتَ إلا التمادي في غَيِّك سرْتُ إليك بالمسلمين فحاكمْتُك حتى يحكمَ اللهُ بيننا، وهو خيرُ الحاكمين).
وفي الوقت نفسهِ ، فإن الإمام يعتبر أن البيعةَ عقدٌ بين طرفين، فإذا أخلَّ أحدُهما بشروطه -كأنْ لم يلتزمْ بها مثلاً، ولأيِّ سببٍ كان، أو تحايَلَ عليها أو تمرّدَ عليها أو تنكّر لها أو تراجع عنها أو ندم عليها- فإن الطرفَ الثانيَ يكونُ في حِلٍّ من الأمر، أي أن مسؤولية الالتزام بالعقد تَسقط عنه بكلِّ المقاييس.
ولا فرقَ في ذلك بين أن يكونَ أحدُ الطرفين -الذي يَنقضُ الشروطَ- الإمامَ أو الأمةَ، ولمّا كانت الأمة -في حالة بيعتِها للإمام- هي التي نقضتْ شروطَ العقدِ في تفاصيلَ يذكرُها التاريخ، ولا أريدُ -هنا- أنْ أسرُدها لضيق المجال، ولذلك فإن الإمامَ بات في حِلٍّ من أمره، له الحقُّ في أنْ يُحِلَّ نفسَه من مسؤولية الالتزام بالعقدِ بالطّريقة التي يراها تخدم الدينَ والأمةَ وتأسيساً على الواقع الذي كان يعيشُه الإمامُ.
وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ لكلِّ جوانبِ النقضِ -التي تجمعتْ بين يدَي الإمامِ السِّبْط- رأى أنّ أفضل طريقةٍ لردِّ الالتزام بالعقد تِجاه الأمة التي نقضتْه هي أنْ يشرُط على معاويةَ ما يراه ضرورياً من الشروط قبل تسليمِه الأمر كاملاً، من دون أنْ يَعنيَ ذلك موافقتَه على ما يَفعل، إنما أراد بذلك:
أولاً: تنبيهَ الأمة إلى خطئها الكبير الذي ارتكبَتْه بحقِّ نفسِها -قبلَ أنْ ترتكبَه بحقِّ الإمام- ودينِها ومصيرِها.
ثانياً: تعليمَ الأمةِ أنْ تتحمَّلَ نتائجَ أعمالِها ومواقفِها إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌ، ولمّا كانتِ الأمةُ قد فَعلتِ الشرَّ بانقلابها على شروط بيعتها للإمام أراد الإمامُ أنْ يحمِّلَها مسؤوليةَ وِزْرِ ما فعلتْ، فلَطالما اختارتِ الأمة الخضوعَ إلى معاويةَ وحزبِه وسلطته الظالمة، فعليها -إذن- أنْ تتحمَّل وِزْرَ كلِّ ذلك حتى إذا كان شراً.
وليس في قرارِ الإمامِ بدعةٌ ابتدعَها أبداً، فقد مرّ المسلمون بمِثل هذه المواقفِ في زمن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك في زمنِ الإمام عليٍّ عليه السلام؛ فعندما أمر رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بالمكوثِ بالمدينة وعدمِ الخروج منها لملاقاةِ المشركين في أُحُدٍ عارَض المسلمون رأيَ الرسول الكريم فقبِلَ منهم ذلك، وخَرج المسلمون بقيادتِه إلى أحُدٍ ليلاقوا مصير الهزيمة المرّة، ليُشعِرَهم الرسولُ الكريم بأنّ الإنسانَ مسؤولٌ عن كلامه ورأيه وكلِّ حركةٍ وسكنة؛ ولذلك فإن عليه أن يزِنَ قولَه وفعله وحركته وسكنته قبلَ أنْ يبادر إليها؛ لأنه سيتحمَّل مسؤوليتَها إنْ عاجلاً أو آجلاً.
وإلى هذا المعنى أشار القرآنُ الكريم بقول اللهِ عزَّ وجلَّ (وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) وقولِه تعالى (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) فليس في مثل هذه الأمورِ مزْحةٌ، كما لا يحقُّ لأحدٍ التهربُ من المسؤوليّة.
أما في عهدِ أمير المؤمنين عليه السلام فقد مرَّتِ الأمةُ بموقفٍ مماثلٍ عندما نهاهم الإمام عن الحكومةِ في حرب صِفّينَ، إلا أنهم أصروا عليه بالقَبول فقَبِلَ منهم الإمامُ لينالوا فيما بعدُ وَبالَ أمرِهم.
فموقفُ الحسن السِّبْط -إذن- جاء منسجماً مع السياق العامِّ الذي يعتمدُه الإسلام في العلاقة بين الإمام والمأموم، أو بين الراعي والرّعيّة، وإلا فلو كانتِ الأمةُ قد تمسّكتْ بشروط البَيْعة ولم تنقلبْ على عَقِبَيها فتتآمرْ مع معاويةَ -الذي اشتراها بالمال والفضة والذهب تارةً، وبالوعود الخلّابة بالمناصب والأُعْطِيات تارةً أخرى، لدرجةِ أن بعضهم اتفق معه على اغتيالِ الإمام مقابلَ منصبٍ (سياديٍّ)- لولا كلُّ ذلك لمَا سلَّم الإمامُ الأمور إلى معاويةَ مهما كان الثمن.
ثالثاً: كما أن الإمام أراد أنْ يفضحَ معاويةَ والحكمَ الأُمَويَّ الذي نجح بدرجةٍ كبيرةٍ في تضليل الرأي العامِّ وخداعه، فالإمامُ كان يعرف جيداً أن معاويةَ من أبرزِ مصاديقِ قول الله تعالى (لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً) وأميرُ المؤمنين عليه السلام يقول فيه وفي حزبِه (ليسوا بأصحابِ دينٍ ولا قرآنٍ، وإني أعرَفُ بهم منكم، صحِبْتُهم صغاراً ورجالاً فكانوا شرَّ صغارٍ وشرَّ رجالٍ)؛ ولذلك فهو عندما شرَطَ عليه الشروطَ ليس لأنه كان يَتوقعُ منه أنْ يلتزم بها، وإنما أراد بذلك أنْ يفضحَه أمام الرأي العامِّ، وأنْ يُسقِط من يده ورقةَ الدِّعاية التضليليّة التي ظلّ يمارسُها لخداع الأمة، وأنْ يكشفَ ألاعيبَه للناس.
في هذا الإطار يجب أن ننتبهَ إلى نقطةٍ جوهريةٍ في غاية الأهمية، ألا وهي أنّ توقيعَ الإمام السِّبْط على الوثيقة لم يأتِ من موقِع الضَّعف أبداً، بل إنه -وبالرغم من كلِّ الظروف القاسية التي مرّتْ به- وقّعَها من موقع القوّة، فيما كان معاويةُ في موقفِ الضعيفِ الذليلِ الذي يحتاجُ إلى الإمام حتى آخرِ لحظةٍ من المفاوضات، والدليلُ على ذلك أمران:
الأولُ: إن الإمام السِّبْط هو الذي أملى الشروطَ على معاويةَ وليس العكس؛ فهو الذي دوّنَها وبعثَها إلى معاوية ليَقبل بها من دون نقاشٍ أو تردُّدٍ فيوقِّعها صاغراً.
الثاني: إنّ معاوية كان قد بعثَ برقْعةٍ بيضاءَ موقعةٍ بتوقيعِه إلى الإمام ليدوِّن شروطَه كيفما يشاء، المهم هو أنْ يأمنَ جانبَ الإمام، ليس من الناحية العسكريّة، فقد أسدلَ السِّتارَ على هذا الأمر بقَبول الإمام للهدنة، وإنما من الناحيةِ السياسية والإعلامية، وهو الأمرُ الذي لم يسكتْ عنه الإمام على الرغم من توقيعِه على شروط الهدنة، والتي لم يرِدْ فيها ذكرُ ما يمنعُه وأصحابه من الكلام ضدَّ معاوية لكشْفِ زيْفه وفضْح سياساتِه المنحرفة والبعيدة كلّ البعد عن الإسلام والحقيقة.
يَذكر ابن أعثم في كتابِ الفُتوح، وقد ورد المعنى نفسُه في مصادرَ عدةٍ أخرى:
فدعا معاويةُ بصحيفةٍ بيضاءَ، فوضع عليها طينةً وختَمها بخاتَمه، ثم قال للرسول -وهو عبدُ الله بنُ نوفلِ بنِ الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وهو ابنُ أخت معاويةَ-: خُذ هذه الصحيفةَ فانطلقْ بها إلى الحسَن، وقلْ له فلْيكتبْ فيها ما شاءَ وأحبَّ، ويُشهِد أصحابَه على ذلك، وهذا خاتَمي بإقراري.
هذا من الناحيةِ الشكليّة، أما مِن الناحية الجَوهريّة فإن الإمام حقّق بشروطِه التي أملاها على معاويةَ ما يأتي:
أولاً: نبّهَ الأمةَ إلى أنّ التوريث في الحكْم والسلطةِ ليس من الدّين في شيءٍ، وإنما يكتسبُ الحكمُ الشرعيةَ من رأي الأمة التي يجبُ أنْ تعطيَ رأيَها بالحاكم قبلَ أنْ يعتليَ سدّة الحُكم؛ ولذلك فقد اشترطَ الإمامُ في نصِّ الوثيقة على أنْ لا يَعهدَ معاويةُ إلى أحَدٍ بعدَ وفاته، وهو الأمرُ الذي غَفل عنه المسلمون؛ إذ لم يكنْ مطروحاً على بساط البحث بَعْدُ، إلا أن الإمام كان مطّلعاً على نوايا معاويةَ الذي كان يُخطِّط بالسرِّ لتعيين ابنِه يزيدَ ولياً للعهد وخليفةً مِن بعْدِه، وكأنه أراد عليه السلام أنْ يدُقَّ ناقوسَ الخطر قبلَ أنْ يقعَ بعشْرِ سنينَ تقريباً.
ثانياً: لقد كرّس الإمامُ بنصوصِ الوثيقة مبدأ الشورى على أنه أداةٌ لوصولِ الحاكم إلى سدّةِ الخلافة؛ وبذلك سَقط ما يدّعيه البعضُ من أنهم أتباعُ مدرسةِ الشورى، وأن الإمام من أتْباع مدرسة النصِّ الذي يدّعون بأنه يُلغي الشورى، ولا يُعير لرأي الأمة اهتماماً في اختيار الخليفة، ومنذُ ذلك الحينِ نحَتْ مدرسةُ النصِّ منحى الشورى؛ لأنها تعتقد بأن رأي الأمّة هو الميزانُ لتولّي المرشح للسلطة، فيما نحتِ المدرسةُ الأخرى منحى التوريث، سواءٌ جاء التوريثُ بالنصِّ أو بالانقلاب العسكريِّ أو بالتآمرِ أو بالقتل والفتْك.
 وبعودةٍ سريعةٍ إلى التاريخ (الإسلاميّ) فإننا سنلحَظُ ذلك جلياً، والذي استمر إلى اليوم، كما هو حالُ العديد من البلادِ (العربية) التي يدّعي فيها الحاكمُ الذي جاء إلى السلطة بالتوريث أنه أميرُ المؤمنين أو عبدُ الله المؤمن أو ما إلى ذلك.
لقد بحثْتُ شخصياً في العديد من كتب التاريخ عن نصوصِ الوثيقة، فوجدْتُ أن النصَّ الأكثر تردُّداً في كتب التاريخ هو (أنْ يكونَ الأمرُ شورى بين المسلمين) ما عدا بعضَ المصادر التي أوردتْ نصاً يتحدثُ عن أنّ الأمر سيكونُ للحسن إذا هلك معاويةُ أو للحسين إذا حدثَ شيءٌ للحسن في حياة معاوية.
الأصل -إذن- هو أنْ يكونَ الأمرُ شورى بين المسلمين بعد هلاكِ معاوية، ولو افترضْنا بأن النصَّ الثاني معتدٌّ به، فهو كذلك يعني إعادة الأمر شورى بين المسلمين؛ لأن سيرة أهل البيت عليهم السلام كانتْ قائمةً في الأمة على أساس البيعة العامة قبل اعتلاء سدّة الحكم.
فَعَل هذا الإمامُ أميرُ المؤمنين عليه السلام عندما انثال عليه المسلمون يبايعونَه، فرفض ذلك داعياً إلى البيعة العامة في المسجد، وهو الذي قال (وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجلٍ وسمَّوه إماما، كان ذلك لله رضاً).
كما حصل ذلك مع الإمام الحسن نفسِه، عندما جاءه المسلمون إلى داره ليبايعوه خليفةً بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فرفض ذلك داعياً إلى البيعة العامّة في المسجد.
وفي الحالتين كان بإمكان الإمام عليٍّ والإمام الحسن أن يكتفيا ببيعةِ النَّفَر في المنزل لفرْضِ سلطتِهما على بقيةِ الأمة، إلا أنّ نهْج أهل البيت عليهم السلام، والذي يمثّل نهجَ الرسالة والرسول، يرفض التآمرَ أو الفرْض والإكراه في كلِّ شيءٍ، فما بالك في أخطر أمرٍ يخصُّ الأمة، وأقصِدُ به الحكمَ والسلطة؟.
تأسيساً على ذلك، فأنا أجزمُ لو أن الخلافة جاءتْ للإمام الحسن بعد هلاكِ معاوية -حسَب بعض نصوص الوثيقة- لكان أولُ ما سيفعلُه هو أنْ يدعوَ المسلمين إلى بيعتِه في المسجد بيعةً عامةً لا إكراهَ فيها ولا فرضَ، وإلا فسيَترك الخلافة لهم شورى وما يختارون.
باء: ورد نصٌّ في الوثيقة يتحدَّثُ عن ضمان (الأمن والأمان) لكلِّ مَن يخالفُ معاوية، وبرأيي فإن الهدف من هذا النصِّ هو أنْ يدعَ معاويةُ معارضيه في أمانٍ لا يأخذُهم على قولِ كلمةٍ أو يطاردهم لرأيٍ يخالفونه فيه أو يقتلُهم لمعارضتهم لسياساته أو بعضها؛ وبذلك يكون الإمامُ السِّبْط عليه السلام قد كرّس مرةً أخرى مبدأ حرية التعبير في الأمة، والذي لا يمكن تحقيقُه إلا في جوِّ الأمن والسلامة التي يلزمُ أنْ تتحسّسها المعارضةُ، وإلا فلو أن الحاكم أرعبَ الناس وأخافهم وطاردهم وقطع أرزاقَهم كلّما عبّروا عن رأيهم -الذي قد يخالف سياساته- فإن كلّ ذلك سيخلُق جواً من الإرهاب لا يشجِّع على وجود معارضةٍ سليمةٍ في أجواء أمنيةٍ سليمةٍ.
ولقد شعرتُ من خلال هذا النصِّ أن الإمام عليه السلام أراد أنْ يؤجِّلَ -ولا يلغي- المعركةَ مع سلطة الأُمويّين الظالمةِ والمنحرفةِ، من خلال إلزام معاوية بمنهجٍ سيساعدُ المعارضةَ على النموِّ والانتشار والاتساع لحينِ ساعة الصفر، وعندها فلكلِّ حادثٍ حديثٌ.
إنه نصٌّ أراد من خلاله الإمامُ أنْ يشجِّعَ الأمة على المعارضة السلمية على الأقلِّ، لتعبِّرَ عن رأيها، وتصرِّح بمواقفها، وتعلِنَ عن متبنَّياتها الحقيقية بعيداً عن جوِّ الإرهاب والكبْتِ والقمع والملاحقة.
لقد ورد في النصِّ الذي أملاه الإمامُ السِّبْط عليه السلام في الورقة البيضاء التي ختمَها معاويةُ وبعثها بيدِ الرسول ما يأتي:
وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرضِ الله، في شامِهم وعراقِهم وتِهامتهم وحِجازهم، وعلى أن أصحاب عليٍّ وشيعتَه آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وعلى معاويةَ بنِ أبي سفيان بذلك عهدُ الله وميثاقه، وما أَخذ اللهُ على أحدٍ من خلقه بالوفاء بما أعطى اللهَ من نفسِه، وعلى أنه لا يبغي للحسنِ بن عليٍّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحدٍ من أهل بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم غائلةً سراً وعلانيةً، ولا يُخيفُ أحداً منهم في أفقٍ من الآفاق.
وبتدقيقٍ قليلٍ في هذا النصِّ، يتبيّنُ لكلِّ ذي عقلٍ وبصيرةٍ أن الإمامَ عليه السلام نَشر غسيلَ معاوية على نحوٍ لا سابقَ له فهو قد:
* فضَحه في كونه يعادي أهلَ بيت النبيِّ الأكرم، والذين قال عنهم القرآنُ الكريم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) وقال عزَّ وجلَّ (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
* وفضَحه في كونه يبرِّر كلَّ الوسائلِ غيرِ الشريفة للوصول إلى غاياته غيرِ الشريفة؛ فهو يمارسُ الاغتيال سراً وعلانية، كما أنه يطاردُ المؤمنين المعارضين لسلْطته أينما كانوا.
* وفضَحه في أنه لا يلتزمُ بقول الله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فهو يقتلُ الابنَ وينتهك العِرضَ ويعتدي على الحرائرِ بمجرَّد أن يشمَّ مِن أحدٍ رائحةَ المعارضة له ولسلطته الغاشمة.
* وفضحه في أنه يمارس التخويف والإرهاب لإخضاع الناس لسلطته الظالمة.
وبهذا تمكّن الإمام من فضح معاويةَ وسياساته المنحرفة، وبقيتِ المسؤوليةُ على عاتق الأمة التي كان يجبُ عليها أنْ تقرأ ما وراء سطور النصِّ لتُفهمَ الرسالةُ الهامّة التي أراد السِّبط ايصالَها لها، وهي في مواجهة خطرٍ عظيمٍ يتهدَّدها بدينِها ونظامها السياسيِّ وأخلاقها.
لقد أراد الإمامُ أنْ يحررَ إرادة الأمة من الخوف والرعب والإرهاب الذي يمارسه النظامُ الأُمويُّ الظالمُ ضدَّها؛ فإنّ من عادة كلِّ الطّغاة أنهم يَشيعون الخوفَ والرعب في المجتمع، وينشرون الإرهاب في نفوس الناس ليتمكّنوا منهم، فيأمنوا جانبَهم؛ لأن الطاغوت لا يمكنه أنْ ينجحَ في إحكام قبضتِه في المجتمع إذا لم ينشرْ الرعبَ والخوف في نفوس الناس، وهي عادةُ وسيرةُ الطغاة على مرور الزمن، ولقد حدَّثنا القرآنُ الكريم عن ذلك في قصة فرعون والسحرة؛ ففي بداية الأمر سخّرهم فرعونُ لإرعاب الناس والتمكن من قلوبهم ليُثبِت قوتَه أمامهم، وذلك بقوله تعالى (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) وعندما تمكّن موسى عليه السلام منهم بقدرة الله تعالى وإرادته، وسلَّم السحرةُ بربِّ موسى عليه السلام، مارس فرعونُ السلاح نفسَه ضدهم، فأخافهم وهدَّدهم وأرعبهم في محاولةٍ منه لردْعهم وردِّهم عن إيمانهم، فقال تعالى (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).
إن الإسلام يشترط ضمانَ الأمن قبل الإيمان؛ لأنه لا يكترث بإيمانٍ تحت حدِّ السيف أو في جوِّ الإرهاب والتخويف والرعب، وإلى هذه الحقيقة أشار القرآنُ الكريم على أنها قاعدةٌ هامّة لضمان حرية التعبير والإيمان بلا خوفٍ أو وجَلٍ، وإنما بقناعةٍ، فقال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) ولذلك لا يجوز فرْض الإيمان بالإكراه على أحدٍ، كما لا يجوز فرضُ العقيدة بالإرهاب والعنف على أحدٍ، ولا يجوز إلزام الناس بالعبادات بالقتل وإحراق الدور على رؤوسهم، كما أنه لا يجوز أخذُ البيعة من أحدٍ تحت حدّ السيف، وإن كلَّ بيعة على هذا النحو لهي بيعةٌ باطلةٌ شرعاً وعرفاً وعقلاً.
وليس الأمر في التاريخ الغابرِ فحسْب، وإنما في الزمن المعاصر كذلك، فلَطالما استخدم الطغاةُ والظالمون الرعبَ أداةً لقمْع المعارضةِ وتكميم الأفواه والحيلولة دونَ تعبيرها عن رأيها على نحوٍ صحيحٍ وسليم، وليس الطاغيةُ الذليلُ صدام ونظامُه البوليسيُّ ببعيدٍ عنا، كما أن ما يفعلُه اليومَ الطغاةُ المتجبِّرون المتسلطون بالحديد والنار على شعوبهم في البلاد العربية -وبغير تفويضٍ أو إذنٍ منهم- خيرُ دليلٍ على هذه الحقيقة.
لقد أرادَ السِّبْط عليه السلام أنْ يحرِّرَ إرادة الإنسان وعقلَه من الخوف والرعب، ليُشاعَ مبدأُ التعبير عن الرأي على نحوٍ واسع في الأمة، ما يساعدُها على ممارسة التغيير بالطرقِ السلميّة؛ لأن الأمة التي يحكمها الخوفُ والرعب لا يمكنُها أنْ تبنيَ معارضةً قويةً تنجح في تغيير الواقع المرِّ، فالأمن أحدُ أبرزِ شروطِ صناعةِ المعارضة القادرةِ على الالتزام بمبدأ حرية التعبير الذي يُنتِج رأياً عاماً حُراً ومتنوِّراً.
إنه أراد أنْ يُزيلَ ظاهرةَ الخوف والرعب التي يشيعُها الحاكمُ الظالم ليَقبلَ به الناسُ رغماً عن أنوفهم، فلو تحرّر الإنسان من الخوف لَحَسُن اختيارُه؛ ولذلك لم يطلبِ الإمامُ من معاويةَ أكثر من الأمن للناس كافةً؛ لأنه يعلم جيداً بأن الأمة التي ستتحرَّر من عُقدة الخوف والرعب سوف يَحسُن اختيارُها للحاكم، وعندها سوف لن تختارَ معاوية َومن لفّ لفَّه حاكماً عليها أبداً.
وليس المقصودُ بالخوف هنا القتلَ والنفي فقط، وإنما يشمل كذلك ظاهرةَ شراء الذِّمَم والتقتير على الآخرين، أو ما نسمّيه بالإرهاب الاقتصاديّ الذي يلجأُ إليه الطاغوتُ كلّما انتشرتْ ظاهرةُ المعارضة في البلاد، فهو يحاولُ بهذا النوع من الإرهاب إخضاعَ المعارضين بعد التقتير عليهم والتوسيع على آخرين؛ لأن الطاغوتَ يظن أن من يعارض سلطته يسعى لاقتناء بعضِ المال، فهو سيسكت إذا بذل له بعض البترودولار.
قد يكون هذا ديدن وُعّاظ السلاطين وفقهاء البلاط والمأجورين من الأقلام المسمومة التي تَقلبُ الحقائقَ للدفاع عن الحاكم الظالم، أما الشعب فالأمر بالنسبة له ليس كذلك؛ إنه يعارض طلباً للكرامة والحريّة وفُرَص العملِ والتعليم والمساواة والتوازن الدقيق والسليمِ بين الحقوق والواجبات بين الراعي والرّعيّة، وغير ذلك من الحقوق الإنسانية التي يُضحّي من أجل تحقيقها له ولأبنائه وللأجيال القادمة بكلِّ غالٍ ونفيس.
أخيراً، أرى أن من الضروريّ هنا الإشارة إلى الصفات الربّانيّة العظيمة التي يتحلّى بها الإمامُ الحسنُ السِّبْط، والتي لولاها لما (تصالَح) مع معاويةَ وسلَّمه الأمرَ، وقد تشبّث معاويةُ بالسلطة، فجرتِ الدماءُ أنهاراً والجماجمُ تلالاً وجبالاً، كما فعلَ بالأمس الطاغيةُ الذليلُ، حتى أتى على العراقِ وشعبِه، أو كما يفعلُ اليومَ العديدُ من الطُّغاة الذين يتشبّثون بالسلطة على حسابِ البلدِ وشعبِه وكلِّ ما فيه.
لقد رأى كثيرون في تشبُّث الخليفةِ الثالث بالسلطة وعدمِ التّنازل عنها -على الرغمِ من الأحداثِ العظيمةِ التي مرّتْ بها الأمةُ وقتَها- هو أحدُ أهمِّ الأسبابِ التي أدخلتِ المسلمين في نفقِ الاقتتالِ الداخليِّ، وفي النفَقِ المظلم الذي سبّبَ فتنةً عمياءَ لها بدايةٌ، ولا يبدو أن لها نهايةً لحدِّ الآن، وإلى هذا المعنى أشار الإمامُ أميرُ المؤمنين عليه السلام عندما زارَ الخليفةَ الثالثَ متوسطاً بينه وبين الأمةِ التي ثارتْ عليه طلباً للنَّصَفِ من عمّاله بقولِه له في كلامٍ طويل:
وإني أنشِدُكَ اللهَ ألا تكونَ إمامَ هذه الأمةِ المقتولَ؛ فإنه كان يُقال: يُقتل في هذه الأمةِ إمامٌ يَفتح عليها القتْلَ والقتالَ إلى يومِ القيامة، ويَلبِس أمورها عليها، ويَبُثُّ الفِتَن فيها، فلا يُبصرون الحقَّ من الباطل، يموْجون فيها مَوجاً، ويمرجون فيها مرجاً.
كان يمكنُ أنْ يكرِّرَ الحسنُ السِّبطُ الموقفَ مرةً أخرى فتُبادَ الأمةُ، ويرتدَّ الناسُ عن دينهم إذا اتخذَ الإمامُ الحسنُ ذاتَ الموقف الذي وقفه الخليفةُ الثالث -طبعا- مع الفارق الكبير الذي يتمثَّل في أنه عليه السلام لم يرتكبْ من الأخطاء الفظيعة التي كان قدِ ارتكبَها الخليفةُ عثمان، أو هكذا -على الأقلِّ- برأي مَن ثاروا عليه، فيكون سبباً للفتنةِ إذا تشبّث بالسلطة، وحاشاه أنْ يكون كذلك، وهو الإمامُ في مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي لا ترى الخلافةَ بلا عدْلٍ إلا كعفْطةِ عنْزٍ أو أقلَّ من قيمةِ شِسْعِ نعْلٍ على حدِّ قول أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنْ يُقيمَ حقاً أو يدْحضَ باطلاً.
في البدْءِ يجب أنْ نتذكّرَ أنّ موقف الإمامِ الحسن عليه السلام هو الامتدادُ الطبيعيُّ لموقفِ أبيه الإمامِ أميرِ المؤمنين عليه السلام؛ لأن السلطة في نظر أهل البيتِ عليهم السلام وسيلةً وليستْ هدفاً، وأداةً وليستْ غايةً، إنها الطريقُ الذي يحقِّقُ فيه الإمامُ العدلَ والقِسطَ الذي أمَر اللهُ تعالى به كما في قوله عزَّ وجلَّ (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) فما قيمةُ سلطةٍ لا يُقيم فيها الإمامُ العدلَ؟ وما قيمةُ حكومةٍ لا تمكِّن الإمامَ من الانتصار للمظلوم؟ وما قيمةُ خلافةٍ لا تأتي إلا على حسابِ دماءِ الناس وأعراضهم وأرواحهم وأموالهم؟ وما قيمةُ سلطةٍ لا تأتي إلا على حسابِ ارتداد الناس عن دينهم أو تَمزُّقِ وحدتِهم أو تفتُّتِ شمْلهم؟.
لقد علّل الإمامُ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب عليه السلام سببَ إمساكِ يده عن حقِّه بالخلافة بعدَ رحيلِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولِه في كتابٍ إلى أهلِ مصرَ مع مالكِ الأشْتَرِ لمّا ولّاه إمارتَها:
أمّا بعْدُ، فإنّ الله سبحانه بعثَ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً للعالَمين، ومهيمناً على المرسَلين، فلمّا مضى عليه السلام تنازعَ المسلمون الأمرَ مِن بعدِه، فواللهِ ما كان يُلقى في رُوعي، ولا يخطرُ ببالي أن العرب تُزعج هذا الأمرَ مِن بعدِه صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيتِه، ولا أنهم مُنَحّوه عني مِن بعدِه، فما راعني إلا انثيالُ الناس على فلانٍ يُبايعونه، فأمسكْتُ يدي حتى رأيْتُ راجعةَ الناسِ قد رجعتْ عن الإسلام، يدْعون إلى محْقِ دينِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فخشيْتُ إنْ لم أنصرِ الإسلامَ وأهلَه أنْ أرى فيه ثلْماً أو هدْماً، تكونُ المصيبة به عليَّ أعظم من فوتِ ولايتِكم التي إنما هي متاعُ أيامٍ قلائل، يزولُ منها ما كان، كما يزول السرابُ، أو كما يتقشَّعُ السحاب، فنهضْتُ في تلك الأحداث حتى زاحَ الباطلُ وزهق، واطمأنَّ الدينُ وتنَهْنَه.
وانقضتِ الأيامُ والأشهرُ والسنونَ لتمرَّ بالأمة الظروفُ نفسُها ، فما كان من الإمامِ الحسن السِّبط -وهو امتدادُ إمامةِ أبيه أميرِ المؤمنين عليه السلام- إلا أنْ يتخذَ الموقفَ نفسَه من أجل أنْ يحفظَ للأمةِ دينَها، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالتَه، فعندما يرى الإمامُ أنّ خصمه مُتشبِّثٌ بالسلطة إلى آخر نفَسٍ حتى إذا جاءتْ على حساب دين الله وقِيَم السماء، فليس أمامه إلا أن تسخوَ نفسُه عنها من أجل أنْ يحفظ الإسلام الذي بعثه اللهُ تعالى رحمةً للعالمين، كما قال أميرُ المؤمنين عليه السلام لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعَكم قومُكم عن هذا المقامِ، وأنتم أحقُّ به؟ قال:
أما الاستبدادُ علينا بهذا المقام -ونحن الأعلَونَ نسَباً، والأشدّون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نَوطاً- فإنها كانتْ أثَرةً شحَّتْ عليها نفوس قومٍ، وسخَتْ عنها نفوسُ آخرين، والحَكَمُ اللهُ.
نستنتج من كلِّ ذلك أن السِّبط الأكبر لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم صانَ الأمانة وحافَظ على الرسالة بقَبوله التصالُح مع معاوية، فيما صانَ السِّبطُ الأصغر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمانة، وحافظ على الرسالة باستشهادِه في كربلاءَ في يومِ عاشوراءَ عام ٦١ للهجرة على يدِ أرذلِ خلْق الله تعالى، وأقصِدُ به يزيدَ بنَ معاويةَ حفيدَ هندٍ آكلةِ الأكباد.
فالهدفُ واحدٌ، اما الوسائلُ فقد تعدَّدتْ، يجمعُها الإيمان بالله تعالى والثقةُ به وتحقيقُ المصلحة العامة.
فسلامٌ على سيِّدَي شباب أهل الجنة، وسِبطَيْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسنِ والحسينِ عليهما السلام، يومَ وُلِدا ويوم استُشهِدا ويوم يُبعثانِ حيَّيْنِ في مقعدِ صدْقٍ عند مليكٍ مقتدر.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل