فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي  

كتب أخرى

 

الكتب الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد سامي البدري التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠٢/٠٧ المشاهدات المشاهدات: ٥٣٩٩ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي

دراسة تكشف لأول مرة أسراراً جديدة عن صلح الإمام الحسن عليه السلام وتثبت أنه كان فتحاً مبيناً لمشروع علي عليه السلام الإحيائي للسنة

تأليف: السيد سامي البدري

فهرس المحتويات

المقدمة
تمهيد
خلاصة الرؤية المشهورة في تعليل الصلح
ثلاث ملاحظات أساسية حول الرؤية المشهورة
صلح الحسن عليه السلام في الاعلام الاموي والعباسي وروايات اهل البيت عليهم السلام
اطروحة الاعلام الاموي: أنَّ تنازل الحسن عليه السلام عن السلطة بخطة من معاوية
اطروحة الاعلام العباسي: أنَّ الحسن عليه السلام تنازل عن السلطة رغبة في المال والحياة المترفة
الحسن عليه السلام في روايات اهل البيت عليهم السلام امام هدى عالج الانشقاق وفتح الطريق لهداية اهل الشام ان ارادوا الهداية
الرؤية الجديدة
أبواب البحث وفصوله
الباب الأول: الرؤية المشهورة في تعليل الصلح
الباب الأول/ الفصل الأول: المستشرقون: الحسن عليه السلام شخصية ضعيفة منهارة
الدكتور فيليب حتي اللبناني ١٨٨٦ ـ ١٩٧٨
الراهب اليسوعي البلجيكي لامنس ١٨٦٢ ـ ١٩٣٧
جرهارد كونسلمان الاماني المعاصر
بروكلمان الالماني ١٩٥٦ ـ ١٨٦٨ (Corl Brockelmann)
اوكلي ١٨٩٤ (Simon Ockley)
سايكس ١٨٦٧ ـ ١٩٤٥ (Sykes Perly Molesworth Sir)
الكاتب العراقي هادي العلوي
سند المستشرقين في حكمهم السلبي الآنف الذكر هو روايات في مصادر تاريخية إسلامية مهمة
الباب الأول/ الفصل الثاني: الإسلاميون: الكوفيون متفرقون متخاذلون
الإسلاميون القدامى
أبو حنيفة الدينوري ت ٢٨٢ هـ
ابن واضح اليعقوبي ٢٨٤ هـ
ابن جرير الطبري ٣١٠ هـ
ابن الاثير ت ٦٢٠ هـ
ابن كثير ت ٧٧٤ هـ
الشيخ المفيد ٤١٢ هـ
السيد المرتضى ٤٣٦ هـ
الشيخ الطبرسي ٥٤٨ هجرية
احمد بن علي الطبرسي ت ٥٦٠ هـ صاحب كتاب الاحتجاج
ابن أبي الفتح الإربلي ت ٦٩٢ هـ
ابن طباطبا ت ٧٠١ هجرية
مشاهير المتأخرين من الباحثين الشيعة
العلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين
العلامة المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله
المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله وتلميذه المرجع السيد كاظم الحائري
باحثون آخرون من الشيعة المعاصرين
الشيخ مهدي البيشوائي
الشيخ وحيد الخراساني المرجع الشيعي المعاصر
في مدينة قم المقدسة
قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) في كتابه الخرائج والجرائح
مشاهير من الباحثين من أهل السنة
ابن العربي ت ٥٤٣ هـ
الشيخ محمد الخضري
الدكتور حسن إبراهيم حسن
سند الإسلاميين جميعا في تحليلهم الآنف الذكر هو الروايات التاريخية أيضا
الباب الثاني: القراءة الجديدة الفتح المبين لمشروع علي عليه السلام الذي حققه الحسن عليه السلام بصلحه
الباب الثاني/ الفصل الأول: خلفيات الصلح
الخلفية المباشرة للصلح هي نهضة علي عليه السلام الاحيائية للسنة
قصة الشورى وبيعة عثمان
ما هي سيرة الشيخين التي رفضها علي عليه السلام؟
انشقاق قريش الحاكمة على نفسها
مشروع علي عليه السلام لإحياء السنة النبوية في حج التمتع
قريش تقتل عثمان والجماهير تبايع عليا عليه السلام
منهج علي عليه السلام في بيعته وحكومته
رد فعل قريش المسلمة السلبي من علي عليه السلام
شهادة علي عليه السلام على يد حملة الفكر التكفيري (الخوارج)
مشروع علي عليه السلام إنجازات ومشكلات
أهل العراق يبايعون الحسن عليه السلام على الحكم
العقبات امام انطلاقة مشروع علي عليه السلام
العقبة الأولى؛ انشقاق الشام
العقبة الثانية؛ الخوارج
المفتاح لانطلاق مشروع علي عليه السلام في الشام هو الصلح وليس الحرب
خصائص أطروحة الصلح المطلوبة
العمق الاستراتيجي للحسن عليه السلام والتفكير المحدود لمعاوية
وفي ضوء هذا البيان يتضح
الوفاء بالشروط مدة عشر سنوات
انتشار سنة النبي صلى الله عليه وآله لدى أهل البلاد المفتوة شرقاً وغرباً بفضل مشروع علي عليه السلام وصلح الحسن عليه السلام
الباب الثاني/ الفصل الثاني: السنوات العشر الاولى من الصلح (سنوات الفتح المبين لمشروع علي عليه السلام)
رؤيتان للسنوات العشر قبل وفاة الحسن عليه السلام
طرف من اخبار شيعة علي عليه السلام في سنوات الصلح
عكرشة بنت الأطش
دارمية الحجونية
سودة بنت عمارة الهمدانية
الزرقاء بنت عدي بنت غالب بن قيس الهمدانية
أم سنان بنت خيثمة
أروى بنت الحارث
أم الخير بنت الحريش بن سراقة
أم البراء بنت صفوان بن هلال
ضرار بن ضمرة
عدي بن حاتم الطائي
الأحنف بن قيس
معاوية يطلب من ابن عباس ان يخبره عن علي عليه السلام
حوار بين معاوية وقيس بن سعد بن عبادة
نماذج من أحاديث حملة الحديث من الكوفيين الذين دخلوا الشام
يعلى بن مرة الثقفي
زيد بن وهب أبو سليمان الجهني (٨٤ هـ)
عبد الرحمن بن أبي ليلى ت ٨٣
الباب الثاني/ الفصل الثالث: سيرة الامام الحسن عليه السلام (معالم امامته الدينية ومرجعيته في عمل الخير)
المبحث الأول في سنوات الصلح
عبادته عليه السلام وخوفه من الله تعالى
كرمه وتعامله عليه السلام مع المال
رأفته عليه السلام ونبله تقييمه للنفوس النبيلة
سعيه عليه السلام في قضاء حوائج المؤمنين
تربيته عليه السلام للشباب
نشاطه عليه السلام اليومي
نشاطه عليه السلام العلمي
إجابته عليه السلام على الأسئلة الفقهية تاكيدا لفتاوى أبيه علي عليه السلام
سفراته عليه السلام إلى الشام وحواراته مع معاوية ورجاله
سؤدده عليه السلام وهيبته وحلمه
قصته عليه السلام مع معاوية بن حديج سنة ٤٤ هجرية
تعليمه عليه السلام
حسن خلقه عليه السلام
طرف من كلماته عليه السلام
المبحث الثاني مراحل حياته عليه السلام
طفولته عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله سبع سنوات
احداث سنوات محنة أبيه عليه السلام مع الخلفاء (خمس وعشرون سنة)
احداث سنوات حكم أبيه عليه السلام خمس سنوات
بيعته وحكومته عليه السلام سبعة اشهر
أولاده عليه السلام وأمهاتهم
أوصافه عليه السلام
وفاته عليه السلام
مدفنه عليه السلام
الباب الثاني/ الفصل الرابع: السنوات العشر بعد وفاة الحسن ع (الغدر المبين لمعاوية)
موت الحسن عليه السلام بالسم قضية سياسية وليست شخصية
اصابع الاتهام تتجه إلى معاوية
السؤال الأول: هل لمعاوية ممارسة مماثلة سابقة ولاحقة مع خصومه؟
قصة موت مالك الاشتر رضوان الله عليه
السؤال الثاني: ما هو موقف معاوية من خبر موت الحسن عليه السلام
السؤال الثالث: ما هو ظرف دفن الامام الحسن علیه السلام وما هي طبيعة وحجم مشاركة الدولة فيه؟
السؤال الرابع: هل استمرت سياسة الدولة بعد وفاة الحسن عليه السلام على ما كانت عليه أيام حياته؟ وهل عهد معاوية إلى احد؟
تسلسل الحوادث بعد وفاة الحسن سنة ٥٠ هـ
سياسة معاوية بعد وفاة الحسن عليه السلام
لعن علي عليه السلام وسبه على المنابر
خطة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة
عقبتان أمام مخطط معاوية بعد وفاة الحسن عليه السلام
المرحلة الأولى في حياة الحسن عليه السلام
المرحلة الثانية بعد وفاة الحسن عليه السلام
إجراءات زياد بن عبيد الثقفي في الكوفة
خلاصة بما قام به معاوية وولاته
خلاصة في اسرة معاوية ونسبه ومرض وفاته
اسرة معاوية
نسب معاوية
مرض اللقوة اول الغضب الالهي على معاوية
الباب الثاني/ الفصل الخامس: تعليقات على موارد من كتاب صلح الحسن عليه السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله
كلامه رحمه الله على بنود الصلح
تعليقاتنا على كلامه السابق رحمه الله من رقم ١ الى رقم ٨
كلامه رحمه الله في دراسة الشروط والوفاء بها
تعليقات على كلامه رحمه الله من رقم ٩ الى رقم ١٤
الباب الثاني/ الفصل السادس: مسار الإمامة الإلهية لأربعين سنة
المرحلة الأولى: على عهد النبي صلى الله عليه وآله
المرحلة الثانية: قريش المسلمة تمارس الإمامة الدينية بعد النبي صلى الله عليه وآله بدلا من أهل البيت عليهم السلام
١. الخلافة القرشية تفسح المجال لنشر ثقافة أهل الكتاب
٢. الخلافة القرشية تنهى عن نشر حديث النبي صلى الله عليه وآله
٣. قريش المسلمة والإمامة الدينية
المرحلة الثالثة: الإمامة الهادية على عهد علي عليه السلام
١. إحياء العمل بالكتاب والسنة وشجب الروايات الإسرائيلية
٢. الحث على نشر السنة النبوية وتدوينها
٣. إحياء إمامة أهل البيت عليهم السلام ونفي إمامة غيرهم من قريش
المرحلة الرابعة: الإمام الحسن عليه السلام يؤسس المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة ويتنازل عن السلطة المدنية
المرحلة الخامسة: معاوية يحيي الإمامة الدينية القرشية ويسميها خلافة الله
الباب الثاني/ الفصل السابع: مقارنة بين صلح النبي صلى الله عليه وآله الحديبية وصلح الحسين عليه السلام
الخلفية التاريخية لكلا الصلحين
الواقع التاريخي لمجريات صلح الحديبية ونتائجه
مجريات صلح الحسن عليه السلام مع معاوية
تحريف الاعلام الأموي أخبار صلح الحديبية عداوةً لعلي عليه السلام
الباب الثاني/ الفصل الثامن: مقتطفات من تاريخ الكوفة من سنة ١٤ هـ ـ ١٤٨ هـ
الكوفة قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل تمصيرها
الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب ١٤ ـ ٢٣ هجـ (عشر سنوات) مكرسة لسياسة الخليفتين
الكوفة على عهد عثمان ٢٣ ـ ٢٨ هـ قبل انشقاق قريش عليه مكرسة لسيرة الشيخين (ست سنوات)
نهضة علي عليه السلام على عهد عثمان سنة ٢٧ هـ لإحياء حج التمتع
موقف عبد الله بن مسعود من عثمان
الكوفة على عهد علي عليه السلام
الكوفة في سنوات الصلح سنوات الفتح المبين لعلي عليه السلام
الكوفة على عهد الغدر المبين لمعاوية ٥٠ ـ ٦٠ هـ عشر سنوات
الكوفة هـ على عهد نهضة الحسين عليه السلام وشهادته وحركة سليمان بن صرد ودولة المختار ٦٠ ـ ٦٧
الكوفة على عهد ابن الزبير ٦٧ ـ ٧٢ ه
موقف عبد الملك بن مروان من الكوفة
الوليد بن عبد الملك يأمر بإخراج الشيعة العراقيين من الحجاز وإرجاعهم إلى الكوفة
من قتلهم أو روَّعهم الحجاج من شيعة علي عليه السلام
كميل بن زياد النخعي المذحجي (٨٢ هـ) رحمه الله
قيس بن عُباد (٨٢ هـ) رحمه الله
سعيد بن جبير (٩٥ هـ) رحمه الله
عطية العوفي (١١٠ هـ) رحمه الله
يحيى بن يعمر البصري الفقيه قاضي مرو
دور الامام السجاد والباقر والصادق عليهم السلام في الكوفة بعد نهضة الحسين عليه السلام
الكوفة على عهد هشام وثورة زيد رحمه الله ١١٢ هـ
الكوفة مركز مرجعية الامام الصادق عليه السلام
الكوفة على عهد حركة ولدي عبد الله بن الحسن المثنى رضي الله عنه
الخلاصة
الباب الثالث: العباسيون يحذون حذو الأمويين في تحريف التاريخ
الباب الثالث/ الفصل الأول: تحريف الأمويين للتاريخ
١. ما رواه الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات
٢. ما رواه أبو الفرج في كتابه الأغاني
٣. رواية المدائني في كتابه الأحداث
نموذجان من حديث عروة في ذم عليّ عليه السلام
نموذج من حديث أبي هريرة في ذم عليّ عليه السلام
٤. ما رواه سليم بن قيس في كتابه
الباب الثالث/ الفصل الثاني: انشقاق العباسيين عن العلويين
العباسيون وأطروحتهم الفكرية والسياسية
ولد علي بن عبد الله بن عباس
ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
تغير ولاء العباسيين وتبدل أطروحتهم الفكرية
محمد بن عبد الله بن الحسن رحمه الله
الباب الثالث/ الفصل الثالث: سياسة الاعلام العباسي
أولا: رسالة المنصور الجوابية إلى محمد ذي النفس الزكية قتل سنة ١٤٤
ثانيا: خطبة المنصور في الكوفة سنة ١٤٤ هجرية
ثالثا: حوار الخليفة المنصور مع مالك بن انس
رابعا: شعر مروان ابن أبي حفصة
خامسا: شعر منصور النَّمِري
سادسا: شعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي
سابعا: شعر ابن المعتز ٢٤٧ ـ ٢٩٦ هجرية
خاتمة الفصل الثالث من الباب الثالث
الباب الثالث/ الفصل الرابع: الروايات الطاعنة في عقيدة الوصية بعلي عليه السلام
أ. رواية سيف بن عمر (ت ١٧٠ ـ ١٩٣)
ب. رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول ت ١٩٥
الباب الثالث/ الفصل الخامس: كتاب أبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام
الرواية عن الأئمة من ذرية الحسين عليه السلام: أهل الشام هم قتلة الحسين عليه السلام
ونصوص التاريخ تؤيد ذلك
طرف من كلمات أهل البيت عليهم السلام في الكوفيين
الباب الثالث/ الفصل السادس: الروايات الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسن عليهما السلام
النموذج الأول: ما نسبه الرواة إلى علي عليه السلام قوله: (وددت أني أبيع عشرة منكم برجل من أهل الشام)
تعليقنا على الروايتين
النموذج الثاني: خطبة يرويها الشيخي المفيد تنسب إلى علي عليه السلام فيها طعن على أهل الكوفة
النموذج الثالث: ما رواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج ١٢ ص ١٦٩
النموذج الرابع: رواية أبي مخنف وغيره في تفرق الكوفيين بعد النهروان بخلاف رواية أبي عوانة التي تؤكد اجتماع كلمة الكوفيين على علي عليه السلام
النموذج الخامس: روايات موضوعة على لسان الحسن عليه السلام ضد الكوفيين نذكر منها
الباب الثالث/ الفصل السابع: الروايات الطاعنة في الحسن عليه السلام
روايات الواقدي (٢٠٧ هـ)
روايات جرير بن حازم (١٧٥ هـ)
رواية سحيم بن حفص الأنصاري احد شيوخ المدائني (٢٣٨ هـ) وابن سعد
روايات الوضاح اليشكري الواسطي البصري ابو عوانة (١٧٦ هـ)
روايات إسرائيل بن يونس (١٦٠ هـ)
روايات محمد بن المهلب الحراني الملقب ب غندر (ت قبل المائتين)
روايات قيس بن الربيع (١٦٨ هـ)
روايات إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة البصري (١٩٣ هـ)
روايات محمد بن أبي أيوب ت قبل المائتين هجرية
روايات عبد الأعلى بن عبد الاعلى الشامي البصري (١٨٩ هـ)
روايات عبد الله بن عون (١٥١ هـ)
روايات محمد بن عبيد (٢٠٤ هـ)
روايات عبد الله بن بكر السهمي البصري (٢٠٨ هـ)
روايات جميع بن عمر توفي بحدود المائتين
رواية المقدسي في البدء والتاريخ ت ٥٠٧ هـ
روايات ابن كثير في البداية والنهاية
الباب الثالث/ الفصل الثامن: ملاحظات نقدية حول رواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر لها
رواية البخاري في قصة صلح الحسن عليه السلام
شرح ابن حجر لرواية البخاري مع ملاحظاتنا عليه
سفيان بن عيينة
محمد بن إسماعيل البخاري (تـ ٢٥٦ هـ)
خاتمة الفصل الثامن في وضع الاخبار على عهد الأمويين والعباسيين
الباب الثالث/ الفصل التاسع: الروايات التي تطعن في أهل الكوفة
رواية عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ت ١٥٨ هـ
رواية يونس الايلي (ت ١٥٢ ـ ١٥٩ ـ ١٦٠ هـ) ورواية النعمان بن راشد (ت في حدود ١٥٠ هـ)
رواية عوانة بن الحكم (١٥٨ هـ)
رواية عثمان بن عبد الرحمن الحراني (٢٠٣ هـ)
رواية ابن جُعدبة (توفي زمن المهدي ١٥٦ ـ ١٦٩ هـ)
رواية جرير بن حازم (١٧٥ هـ)
رواية زهير بن معاوية (١٦٤ ـ ١٧٣ هـ)
رواية عون بن موسى الليثي: (توفي قبل المائتين)
سكين بن عبد العزيز القطان البصري (ت قبل المائتين)
شريك بن عبد الله النخعي القاضي (ت ١٧٧ هـ)
الباب الرابع: خلاصة وخاتمة
الباب الرابع/ الفصل الاول: شخصية الحسن عليه السلام بين الافتراء والواقع
شخصية الامام الحسن عليه السلام عند المستشرقين
مصادر المستشرقين روايات الإعلام العباسي
الروايات الطاعنة في شخصية الحسن عليه السلام من وضع الامويين والعباسيين
شخصية الامام الحسن عليه السلام في الروايات الصحيحة
الباب الرابع/ الفصل الثاني: القراءة السائدة للصلح والمشكلات امامها
الروايات التي استندوا إليها
رواية ابي الفرج في مقاتل الطالبيين
رواية المدايني
تحليل المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدر
المشكلات امام القراءة السائدة
الباب الرابع/ الفصل الثالث: صلح الامام الحسن عليه السلام قراءة جديدة
خلفية الصلحين
مفردات خلفية صلح النبي صلى الله عليه وآله مع قريش
١. انقلاب قريش بعد عبد المطلب وتحريفهم دين ابراهيم
٢. هدف البعثة النبوية لتحرير دين ابراهيم من بدع قريش
٣. حروب قريش مع النبي صلى الله عليه وآله واعلامها الكاذب
٤. تحصين القبائل من التأثر بمحمد صلى الله عليه وآله بالحرب والاعلام الكاذب
٥. صلح الحديبية والفتح المؤقت بظهور كذب قريش وحقانية محمد صلى الله عليه وآله لدى حلفاء قريش وغيرهم
قريش المشركة وحلفاؤها ينقضون عهدهم مع النبي صلى الله عليه وآله
فتح مكة لمشروع النبي صلى الله عليه وآله الى الابد
هدم بدعة قريش في الحج واعلان امامة اهل البيت عليهم السلام واولهم علي عليه السلام في الغدير
فئات المجتمع الاسلامي في السنة العاشرة من الهجرة
خليفة مشروع علي عليه السلام الاحيائي للسنة النبوية
١. انقلاب قريش المسلمة
حالة المسلمين الفكرية والدينية والسياسية زمن خلافة عثمان سنة ٢٦ هجرية
٢. هدف نهضة علي عليه السلام اعادة التنزيه الى التوحيد وسيرة الانبياء وتحرير دين محمد صلى الله عليه وآله من بدع قريش
مشروع معاوية
موقف علي عليه السلام من خطة قريش
٣. حروب قريش مع علي عليه السلام واعلامها الكاذب
٤. تحصين الشام من التأثر بعلي عليه السلام بالحرب والاعلام الكاذب
كيانان فكريا وسياسيان في الامة الاسلامية سنة ٣٩ هجرية
شهادة علي عليه السلام وبيعة اهل العراق الحسن عليه السلام وبيعة اهل الشام معاوية
مبادرة معاوية بالصلح واهدافها
المفاجأة الكبرى في جواب الحسن عليه السلام على مبادرة معاوية
خصائص أطروحة الصلح المطلوبة
العمق الاستراتيجي للحسن عليه السلام والتفكير المحدود لمعاوية

٥. الفتح المبين بظهور باطل معاوية وكذبه وحق علي عليه السلام وصدقه لدى اهل الشام
وشهد الناس من الحسن عليه السلام في سيرته الشخصية إماماً أيضا على سمت أبيه
انتشار سنة النبي صلى الله عليه وآله لدى أهل البلاد المفتوحة شرقاً وغرباً بفضل مشروع علي عليه السلام وصلح الحسن عليه السلام
الباب الرابع/ الفصل الرابع: مسار ثقافة الامة المسلمة
١. ثقافة المجتمع الاسلامي من سنة ١٣ ق. م الى سنة ١٠ هجرية
٢. ثقافة الانقلاب القرشي الاول ١١ الى ٣٥ هجرية
٣. ثقافة مشروع نهضة علي عليه السلام في ذي القعدة سنة ٢٧ هـ الى رمضان سنة ٤٠ هـ تحت شعار (ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول احد من الناس). العودة الى الكتاب والسنة والتعددية المذهبية في النصف الشرقي من البلاد الاسلامية
٤. ثقافة اهل الشام ايام علي عليه السلام ٣٥ ـ ٤٠ هـ
٥. ثقافة اهل الشام في السنوات ٤١ الى ٥٠ هجرية
٦. ثقافة الامة كلها على عهد الدولة الاموية (٥١ ـ ١٣٢ هـ) (٨١ سنة)
٧. شهادة الحسين عليه السلام وظلامته تفتح الطريق لثقافة مشروع علي عليه السلام (٦١ هـ إلى ظهور المهدي)
٨. بقيت الشام بعد شهادة الحسين عليه السلام مركزا لثقافة المشروع الاموي
الباب الرابع/ الفصل الخامس: خلاصة في المقارنة بين مراحل سير مشروعين
جدول مقارن بهذا الخلاصة
خاتمة الكتاب
فهرس المصادر

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليه السلام: يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته؟ قال عليه السلام: علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل.
أقول: معنى ذلك ان السبب الموجب للصلحين واحد، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجب له ثم وحدة الموقف ازاءه ثم وحدة النتائج المترتبة وقد تكفلت بحوث الكتاب في تجلية ذلك.
وقد اعترض بعض الباحثين الشيعة على عنوان كتاب صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين قائلا: ان الحسن عليه السلام لم يصالح بل هادن، وهو اعتراض لا وجه له، لان (الهدنة) في اللغة تعني (الصلح)، قال ابن منظور في لسان العرب مادة (هدن) ويقال للصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين: هُدْنَةٌ، وربما جعلت للهُدْنة مُدّة معلومة، فإذا انقضت المدة عادوا إلى القتال، وبذلك فان هادن وصالح مترادفان كما ورد في الرواية اعلاه في سؤال ابي سعيد ثم اجاب الامام عليه السلام بقوله علة مصالحتي لمعاوية...

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.
استضافتي جماعة العلماء العراقية في مدينة قم سنة ١٤١٠ هجرية لإلقاء محاضرة في موسم ثقافي أقامته في شهر رمضان واخترت ليلة الخامس عشر منه ليكون الحديث عن صلح الحسن عليه السلام حيث لم أكن سابقا قد بحثته، وأمضيت أربع عشرة ليلة ابحث في المصادر الأساسية.
ورأيت نفسي:
أمام قضية جديدة لم يشر إليها أحد من الباحثين قبلي وهي أن كلَّ ما سجّلتْه كتب التاريخ من ترويع وقتل وسجن وتهجير لشيعة الكوفة من قبل ولاة معاوية لم يكن قد وقع أيام الحسن عليه السلام بل كان بعد وفاته، وهذا يعني ان عشر سنوات من حياة الحسن عليه السلام بعد الصلح كانت سنوات أمان تام للشيعة لم يُروَّع فيها شيعي واحد.
استوقفتني هذه الحقيقة؛ الكبيرة؛ المغيَّبة؛ لأكثر من اثني عشر قرنا. وقد علق استاذي العلامة العسكري رحمه الله في حينها لما عرضت عليه ذلك قائلا: لقد جئت بشيء جديد من أسرار صلح الحسن عليه السلام.
ورأيت نفسي أيضا أمام معلومات أخرى لم تأخذ طريقها عند الباحثين في تأسيس الرؤية المناسبة حول موقف العراقيين من الحسن عليه السلام من قبيل قوله حين ترك الكوفة:

وما عن قلى فارقت دار معاشري * * * هم المانعون حوزتي وذماري

ومن قبيل قول عبد الله بن الزبير لمعاوية لما اشتكى من قلة تردده عليه عند قدومه إلى المدينة: أنَّ مع الحسن مائة ألف سيف لو شاء لضربك بها، وقوله: والله ان أهل العراق لأبَرّ بالعراق من أم الحوار بحوارها.
وأمام رواة عرفوا بوضع الأخبار؛ أمثال عوانة بن الحكم الذي روى عنه الطبري قصة الصلح؛ التي تؤكد: أنَّ هدف الحسن عليه السلام من الصلح هو مسألة الحصول على الأموال! وان السبب الذي دعاه للصلح هو خيانة الجيش! وان الذي حصل على أمان الشيعة هو قيس بن سعد! وليس الحسن عليه السلام!
وأدركت من خلال ذلك أنني أمام (مشروع قراءة جديدة للصلح) تستند على معلومات جديدة وليس مجرد رأي وتحليل للمعلومات القديمة، ثم فرضت هذه القراءة نفسها عليَّ أن أواصل متابعتها بحثاً ومناقشةً ومحاضرةً مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا في مناسبات شهر رمضان وغيره من الشهور في مدينة قم ولندن وسوريا، وأسبانيا وبغداد واخيرا النجف الأشرف والحلة الفيحاء ونشرت خلالها ملخصا للبحث في صحيفة الراصد سنة ٢٠٠٣ م التي كانت تصدر في بغداد وجريدة البقية ومجلة النجف الاشرف التي تصدر في النجف عن مؤسسة المرتضى للثقافة والإرشاد ثم نشرت ملخصاً في كراس مستقل طبع عدة مرات.
أثارت القراءة الجديدة ردود فعل كان أكثرها إيجابيا، ولا زلت أذكر حماسة العلامة الحجة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمة الله عليه لطبعه مبكرا وقوله: (إنها قراءة جديدة سوف تهدم أمورا كثيرة تسالم عليها الباحثون). ولم أكن في حينها عجولا في نشر البحث التفصيلي؛ رغم أني كنت أصحر بالقراءة الجديدة في المناسبات كما أسلفت لعلي أفوز بملاحظة أو مناقشة تغير من وجهة البحث.
ثم حانت الفرصة لمراجعة فصول البحث التي كتبت في فترات زمنية مختلفة لتقديمه للطبع، فاضفت فصلا آخر الى الباب الثاني وبابا آخر بخمسة فصول ولا يفوتني ان اشكر قرة عيني ولدي السيد حسين الذي اشرف على اخراج الكتاب وتصحيحه وطباعته، وأخيرا ليس لي إلا أن أقول بقول العلامة المحقق الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله في مقدمة كتابه:
(وهي ـ بعد ـ بضاعتي المزجاة التي لا أريد منها إلا أن تكون مفتاح بحوث جديدة، من شأنها أن تكشف كثيرا من الغموض الذي دار مع قضية الحسن عليه السلام في التاريخ. فان هي وُفِّقَتْ إلى ذلك، فقد أوتيتُ خيراً كثيرا. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب)(١).

السيد سامي البدري
١٤٣٣ هـ/ حي الكرامة/ النجف الاشرف

تمهيد

تعد قضية صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية/ كما تصورها لنا المصادر التاريخية الأولى/ من أشد القضايا غموضا وتشوها في تاريخ أهل البيت عليهم السلام من جهة، وفي تاريخ العراق الإسلامي المبكر من جهة أخرى، وذلك لان القراءة الأولية للمصادر التاريخية الإسلامية حول الموضوع تفرض على القارئ ان يخرج بانطباعين سلبيين هما:
الأول: الانطباع السلبي الشديد عن العراقيين الأوائل الذين عاصروا عليا والحسن والحسين عليهما السلام في الكوفة خاصة، وهو الانطباع السائد لدى كل من درس الموضوع أو كتب فيه، وهو: كونهم متفرقين متخاذلين/ طالما تمنى علي عليه السلام فراقهم/ غير قادرين على النهوض بدولة مستقلة بهم نظير ما صنعه الشاميون مع معاوية، بل كان بعض العراقيين/ كما في بعض الروايات/ يفكر بتسليم الحسن عليه السلام حيا إلى معاوية، ولذلك اضطر الحسن عليه السلام إلى تسليم الأمر لمعاوية، وهذا الانطباع يستوي فيه القراءة المسلمون بغض النظر عن مذاهبهم.
الثاني: الانطباع السلبي عن شخصية الحسن عليه السلام لدى القارئ الذي لا تربطه معه رابطة الاعتقاد بإمامته وعصمته أو رابطة الاعتقاد بوجوب محبته واحترامه لأنه من أهل البيت عليهم السلام الذين أوجب الله تعالى مودتهم، كالمستشرقين وقد كادوا يجمعون على كون الحسن عليه السلام شخصية غير جديرة بان تكون ابنا لعلي عليه السلام وانه باع الخلافة بدراهم من اجل شهواته.
أما القارئ المؤمن بعصمة الإمام الحسن عليه السلام فلم يؤثر عليه ذلك الركام الهائل من الروايات الطاعنة في شخصيته لإيمانه المسبق ان الحسن عليه السلام منزَّه عن ذلك وان تلك الروايات لا بد ان تكون موضوعة من قبل أعدائه لتشويه صورته.
ويعد كتاب صلح الحسن عليه السلام(٢) للباحث المحقق الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله الذي صدرته الطبعة الأولى منه سنة ١٣٧٢ هـ ـ ١٩٥٢ م افضل واشهر كتاب معاصر في الموضوع، وقدم له في وقته الحجة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله صاحب التأليف القيمة بكلمة تصدرت الكتاب زادت من قيمته وأهميته، ومن ثَمَّ سادت الرؤية التي قدمها الكتاب في النقد والتحليل وأخذ بها كلُّ من جاء بعده من الباحثين الشيعة.
ولما كنت في دراستي التي أعرضها بين يديك أيها القارئ الكريم قد خرجت برؤية مخالفة للرؤية السائدة بل هادمة لمرتكزاتها، مع نتائج جديدة للصلح وأَلَقٍ كبيرٍ في شخصية الحسن عليه السلام وإمامته الإلهية رأيت ان ألخص الرؤية القديمة للصلح بقلم علمين كبيرين من أعلامنا ثم اعرض خلاصة الرؤية الجديدة قبل البدء ببحوث الكتاب.
خلاصة الرؤية المشهورة في تعليل الصلح
قال العلامة الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله: (ومن الغريب بقاء الناس في عشواءَ غمّاءَ من هذا الصلح إلى يومهم هذا، لا يقوم أحد منهم في بيان وجهة الحسن في صلحه، بمعالجة موضوعية مستوفاة ببيانها وبيناتها، عقلية ونقلية، وكم كنت أحاول ذلك، لكن الله عز وجل شاء بحكمته أن يختص بهذه المأثرة من هو أولى بها، وأحق بكل فضيلة، ذلك هو مؤلف هذا السفر البكر (صلح الحسن) فإذا هو في موضوعه فصل الخطاب، ومفصل الصواب، والحد الفاصل بين الحق والباطل. أما المؤلف (أي الشيخ راضي آل ياسين) ـ أعلى الله مقامه ـ فإنك تستطيع أن تستشف ملامحه، وافر الذهن، غزير الفهم والعلم، واسع الرواية، عليما زاخرا بعلوم آل محمد، علامة بحاثة، أمعن في التنقيب عن أسرارهم، يستجلي غوامضها، ويستبطن دخائلها، لا تفوته منها واردة ولا شاردة، إلى خصائص في ذاته وسماته يمثلها كتابه هذا بجلاء).
ثم قال رحمه الله يلخص الرؤية السائدة عن الصلح:
(ومن أمعن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب، من أحوال الحسن ومعاوية، علم انهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالا، وإنما كانا في جبهتيهما خليفتين، استخلفهما الميراث على خُلُقين متناقضين.
وقد وقف الحسن والحسين من دهاء (معاوية) ومكره إزاء خطر فظيع، يهدد الإسلام باسم الإسلام، ويطغى على نور الحق باسم الحق، فكانا في دفع هذا الخطر، أمام أمرين لا ثالث لهما: اما المقاومة، واما المسالمة. وقد رأيا أن المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصف المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى الله عز وجل، والى صراطه المستقيم. إذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه وبالهاشميين وأوليائهم، فواجه بهم القوة التي لا قِبَل لهم بها(٣) مصمما على التضحية، تصميم أخيه يوم (الطف) لانكشفت المعركة عن قتلهم جميعا، ولانتصرت (الأموية) بذلك نصرا تعجز عنه إمكانياتها.
ومن هنا رأى الحسن عليه السلام أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو إليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح، أن لا يعدو الكتاب والسنة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه ومقوية سلطانه، وأن لا يطلب أحدا من الشيعة بذنب أذنبه مع الأموية، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن. إلى غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالما بأن معاوية لا يفي له بشيء منها وأنه سيقوم بنقائضها.
وبالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بد، أملاها ظرف الحسن، إذ التبس فيه الحق بالباطل، وتسنى للطغيان فيه سيطرة مسلحة ضارية. ما كان الحسن ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من إرثه، من صلح (الحديبية) فيما أُثِر من سياسة جده صلى الله عليه وآله وسلم، وله فيه أسوة حسنة، إذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه، كما أنكر على الحسن صلح (ساباط) بعض الخاصة من أوليائه، فلم يهن بذلك عزمه، ولا ضاق به ذرعه.
تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرسَ في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيُرديه، وتسنى له به أن يُلغم نصرَ الأموية ببارود الأموية نفسها. فيجعل نصرها جفاءا، وريحا هباءا. لم يطل الوقت حتى انفجرت أولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، إذ انضم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة. فقال ـ وقد قام خطيبا فيهم ـ: (يا أهل العراق، إني والله لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!. ألا وان كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدمي هاتين!)(٤).
فلما تمت له البيعة خطب فذكر عليا فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فقال له الحسن: (على رسلك يا أخي). ثم قام عليه السلام فقال: (أيها الذاكر عليا! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قديما، وأقدمنا كفرا ونفاقا!) فقالت طوائف من أهل المسجد: (آمين).
ثم تتابعت سياسة معاوية، تنفجر بكل ما يخالف الكتاب والسنة من كل منكر في الإسلام، قتلا للأبرار، وهتكا للإعراض، وسلبا للأموال، وسجنا للأحرار، وتشريدا للمصلحين، وتأييدا للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن العاس، وابن شعبة، وابن سعيد، وابن أرطأة، وابن جندب، وابن السمط، وابن الحكم، وابن مرجانة، وابن عقبة، وابن سمية الذي نفاه عن أبيه الشرعي عُبيد، وألحقه بالمسافح أبيه أبي أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويفرقهم عباديد، تحت كل كوكب، ويحرق بيوتهم، ويصطفي أموالهم، لا يألو جهدا في ظلمهم بكل طريق. ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعة المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطف، ويوم الحَرَّة، ويوم مكة إذ نصب عليها العرادات والمجانيق!. هذه خاتمة أعمال معاوية، وانها لتلائم كل الملاءمة فاتحة أعماله القاتمة. وبين الفاتحة والخاتمة تتضاغط شدائد، وتدور خطوب، وتزدحم محن، ما أدري كيف اتسعت لها مسافة ذلك الزمن، وكيف اتسع لها صدر ذلك المجتمع؟ وهي ـ في الحق ـ لو وزعت على دهر لضاق بها، وناء بحملها، ولو وزعت على عالم لكان جديرا أن يحول جحيما لا يطاق.
ومهما يكن من أمر، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة الحسن وتجلوها.
وكان أهم ما يرمي إليه سلام الله عليه، أن يرفع اللئام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد. وقد تم له كل ما أراد، حتى برح الخفاء وآذن أمر الأموية بالجلاء والحمد لله رب العالمين.
الفضل في كشف هذه الحقيقة انما هو لمولانا ومقتدانا علم الأمة، والخبير بأسرار الأئمة، حجة الإسلام والمسلمين، شيخنا المقدس الشيخ راضي آل ياسين أعلى الله مقامه. ذلك لان أحدا من الاعلام لم يتفرغ لهذه المهمة تفرغه لها في هذا الكتاب الفذ الذي لا ثاني له، وها هو ذا مُشرِف من القمة على الأمة، ليسُدَّ في مكتبتها فراغا كانت في فاقة إلى سده، فجزاه الله عن الأمة وعن الأئمة، وعن غوامض العلم التي استجلاها، ومخبآته التي استخرجها، ومحص حقائقها، خير جزاء المحسنين، وحشره في أعلى عليين [مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا].
حرر في صور (جبل عامل). في الخامس عشر من رجب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة والف من الهجرة (١٩٥٢ م). انتهى كلام العلامة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي.
وقال العلامة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله في مقدمة كتابه صلح الامام الحسن عليه السلام: (... هأنذا مقدم ـ الآن ـ بين يدي قارئي الكريم، عصارة بحوث تستملي حقايقها من صميم الواقع غير مدخول بالشكوك، ولا خاضع للمؤثرات عن الحقبة المظلومة التاريخ، التي لم يحفل في عرضها، بما تستحق ـ مؤرخونا القدامى، ولم يعن في تحليلها ـ كما يجب ـ كتابنا المحدثون.
تلك هي قطعة الزمن التي كانت عهد خلافة الحسن بن علي في الإسلام والتي جاءت بين دوافع الأولين، وتساهل الآخرين، صورة مشوهة من صور التاريخ.
وتعرضت في مختلف أدوارها لما كان يجب ان يتعرض له أمثالها من الفترات المطموسة المعالم، المنسية للحقائق، المقصودة ـ على الأكثر ـ بالإهمال أو بالتشويه.
فإذا بالحسن بن علي (عليه وعلى أبيه أفضل الصلاة والسلام) في عرف الأكثرين من المتسرعين بأحكامهم ـ من شرقيين وغربيين ـ الخليفة الضعيف السياسة! المتوفر على حب النساء! الذي باع (الخلافة) لمعاوية بالمال!!... إلى كثير من هذا الهذر الظالم، الذي لا يستند في مقاييسه على منطق، ولا يرجع في تحكماته إلى دليل، ولا يعنى في ارتجالياته بتحقيق أو تدقيق.
وعَمَدَتْ هذه الفصول إلى تفلية هذه الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف احداث لا تقل بأهميتها ـ في ذاتها ـ ولا بموقعها (الاستراتيجي) في التاريخ ـ إذا صح هذا التعبير ـ عن أعظم الفترات التي مر بها تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والى يوم الناس...
لأنها بداية اقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحية والسلطات الزمنية في الإسلام.
ولأنها الفترة التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لأول مرة في تاريخ العقائد الإسلامية.
كانت النقود التي جَرح بها وُقّاح الرأي سياسةَ الحسن عليه السلام، أبعد ما يكونون ـ في تجريحهم ـ عن النَّصَف والعمق والإحاطة بالظرف الخاص، هي التي نسجت كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الامام عليه السلام، وكان للشهوة الحزبية من بعض، ولمسايرة السياسة الحاكمة من آخر، وللجهل بالواقع من ثالث، أثره فيما أسفَّ به المتسرعون إلى أحكامهم. ونظروا إليه نظرتهم إلى زعيم أخفق في زعامته.
وفاتهم أن ينظروا إلى دوافع هذا الإخفاق المزعوم، الذي كان ـ في حقيقته ـ
انعكاسا للحالة القائمة في الجيل الذي قدر للحسن أن يتزعمه في خلافته، بما كان قد طغى على هذا الجيل من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس.
وأي غضاضة على (الزعيم) إذا فَسَدَ جيلُه، أو خانته جنودُه، أو فقد مجتمعُه وجدانه الاجتماعي. وفاتهم ـ بعد ذلك ـ أن ينظروا إليه كألمع سياسي يدرس نفسيات خصومه ونوازع مجتمعه وعوامل زمنه، فيضع الخطط ويقرر النتائج، ويحفظ بخططه مستقبل أمة بكاملها، ويحفر ـ بنتائجه ـ قبور خصومه قبرا قبرا، ويمر بزوابع الزمن من حوله رسول السلام المضمون النجاح، المرفوع الرأس بالدعوة إلى الإصلاح. ثم يموت ولا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم ترى، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟.
وان كتابنا هذا ليضع نقاط هذه الحروف كلها، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها المطالع ـ كما قلنا ـ أقرب شيء من الواقع، أو هي الواقع نفسه، مدلولا عليه بالمقاييس المنطقية، وبالدراسات النفسية، وبالشواهد الشوارد من هنا وهناك. كل ذلك هو عماد البحث في الكتاب، والقاعدة التي خرج منها إلى احكامه بسهولة ويسر، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء...
وسيجد القارئ أن الكتاب ليس كتابا في أحوال الامام الحسن عليه السلام، بوجه عام، وإنما هو كتاب مواقفه السياسية فحسب.
وان موضوعا من العمق والعسر كموضوعنا، وبحثا فقير المادة قصير المدة كبحثنا ـ ونحن نتطلع إليه بعد ١٣٢٨ من السنين ـ لحري بأن لا يدُرُّ على كاتبه بأكثر مما دَرَّت به هذه الفصول، احرص ما تكون توفرا على استقصاء المواد، وتنسيق عناصر الموضوع، وتهذيبها من الزائف والدخيل.
ونحن إذ نومئ إلى (فقر المادة) وأثره على البحث، لا نعني بالمادة الا هذه (الموسوعات) التي كان بإمكاننا التعاون معها على تجلية موضوعنا بما هي عليه من تشويش للتناسق أو تشويه للحقايق.
اما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤهم في معاجم المؤلفين الأولين، مما كتب عن قضية الحسن عليه السلام فقد حيل بيننا وبين الوقوف عليها. وكانت مع الكثير من تراثنا القديم قيد المؤثرات الزمنية، وطعمة الضياع والانقراض أخيرا. وكان ذلك عصب النكبة في الصحيح الصحيح من تاريخ الإسلام، وفي المهم المهم من قضاياه الحساسة أمثال قضيتنا ـ موضوع البحث ـ. فلم نجد ـ على هذا ـ من مصادر الموضوع: كتاب (صلح الحسن ومعاوية لأحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني المتوفى سنة ٣٣٣ هجري)، ولا كتاب [(صلح الحسن عليه السلام لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي (مولاهم)]، ولا كتاب (قيام الحسن عليه السلام لهشام بن محمد بن السائب)، ولا كتاب (قيام الحسن عليه السلام، لإبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة ٢٨٣ هجري) ولا (كتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في أمر الحسن عليه السلام)، ولا كتاب (اخبار الحسن عليه السلام ووفاته، للهيثم بن عدي الثعلبي المتوفى سنة ٢٠٧ هجري)، ولا كتاب (اخبار الحسن بن علي عليه السلام، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأصفهاني الثقفي)(٥)، ولا نظائرها.
اما هذه المصادر التي قُدِّرَ لنا ان لا نجد غيرها سندا، فيما احتاجت به هذه البحوث إلى سند ما، فقد كان أعجب ما فيها انها تتفق جميعها في قضية الحسن عليه السلام على ان لا تتفق في عرض حادثة، أو رواية خطبة، أو نقل تصريح، أو الحكم على إحصاء، بل لا يتفق سندان منها ـ على الأكثر ـ في تأريخ وقت الحادث أو الخطبة من تقديم أو تأخير، ولا في تعيين اسم القائد مثلا، أو ترتيب القيادة بين الاثنين أو الثلاثة، ولا في رواية طرق النكاية التي أريدت بالحسن عليه السلام في ميادينه، أو في التعبير عن صلحه، أو في قتله أخيرا، ولا في كل صغيرة أو كبيرة من اخبار الملحمة، من ألفها إلى يائها. وللمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر، عند نقاطها الحساسة اثرها المحسوس في الكثير الكثير من عروضها.
وإذا كان من أصعب مراحل هذا التأليف، إرجاع هذه الحقائق إلى تسلسلها الصحيح الذي يجب ان يكون هو واقعها الأول، فقد كان من أيسر الوسائل إلى تحقيق هذا الغرض، الاستعانة عليه بقرائن الأحوال، وتناسق الأحداث، اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع. وكان من حسن الصدف، ان لا نخرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد الصريح، الذي بعثرته هذه المصادر نفسها، في اطواء رواياتها الكثيرة المضطربة، فكانت ـ بمجموعها ـ وعلى نقص كل منها، أدلتنا الكاملة على ما اخترناه من تنسيق أو تحقيق، وذلك أروع ما نعتز به من التوفيق. ووقفنا في فلسفة الموقف ـ عند مختلف مراحله ـ وقفاتنا المتأنية المستقرئة الصبور، التي لا تستلم للنقل أكثر مما تحتكم للعقل. ورجعنا في كثير مما التمسنا تدقيقه، إلى التصريحات الشخصية التي جاءت أدل على الغرض من روايات كثير من المؤرخين)(٦). انتهى كلام العلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله.
ثلاث ملاحظات أساسية حول الرؤية المشهورة:
أوردتُ من كلمات ذينك العَلَمين الجليلين ما يغنيني عن ذكر أهمية البحث وصعوبته وضرورته، وما اودُّ التعليق عليه من الكلمات التي عبرت عن مفاصل الرؤية السائدة والمشهورة ثلاث تعليقات هي:
الأولى: انها لم تميز بين سنوات الصلح العشر زمن حياة الحسن عليه السلام التي كانت سنوات أمان وحركة نشيطة لشيعة علي عليه السلام في نشر أَخبار سيرته المشرقة وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله فيه وفي أهل بيته عليهم السلام، وسنوات المحنة بعد وفاته، السنوات التي أَعاد فيها معاوية إِعلامه الكاذب ضد علي عليه السلام بأشد ما يكون، وفرض على الناس في كل مكان لعنه، ومعاقبة المخالف وكان اشدُّ الناس ابتلاءً أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام. وليس من شك فان اكتشاف هذه الحقيقة سوف يفرض على التحليلات التي كانت قد أغفلتها ان تغير من وجهتها. ومن ابرز هذه التحليلات ان الشروط لم يلتزم بها معاوية منذ اليوم الأول، اما الرواية التي تقول ان معاوية خطب في الكوفة في اليوم الأول من الصلح ونال من علي عليه السلام وهو يسمع، وأَعلن عن ردِّه للشروط فهي رواية موضوعة في العهد العباسي لتشويه العمل العظيم الذي قام به الحسن عليه السلام نكاية بالحسنيين الثائرين من ولده عليه السلام على العباسيين وقد بحثناها في كتابنا هذا، وفي تقديرنا ان قول معاوية ان صحت الرواية قد قاله بعد وفاة الحسن عليه السلام وبعد تعقُّبِه شيعةَ علي عليه السلام سجنا ونفيا وقتلا(٧).
الثانية: انطلقت الرؤية المشهورة من فكرة مفادها: انَّ الموقف المطلوب أساسا هو الحرب، ولمَّا لم يكن للحسن عليه السلام/ كما تصور لنا الروايات الموضوعة/ جيش كفوء يعتمد عليه لإيقاف خصمه المتستِّر بالإسلام اضطُرَّ إلى الصلح لفضحه، ثم جعلت الرؤية السائدة الاستفادة من درس صلح الحديبية هو تأسي الحسن عليه السلام بجده النبي صلى الله عليه وآله حين أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه أَمر الصلح، كما أنكر على الحسن صلح (ساباط) بعض الخاصة من أوليائه.
وفي تقديرنا ان الاستفادة كانت أَعمق من ذلك: إذ أَنَّ الموقف الذي أَسَّسه صلح الحديبية هو إِفهام الناس أَنَّ الحرب ليست هي القاعدة العامة لحل المشكلات والأزمات، بل قد يكون الموقف المطلوب الذي يفتح الطريق للهداية أو لحل الأزمة المستعصية هو الصلح والتنازل المحدود المشروط. وقد استهدف النبي صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية هذا الموقف لتحقيق الأمان في الجزيرة العربية المقرون بفضح إعلام قريش التي كانت تدَّعي انها تعمل على احترام البيت الحرام وزوّاره وان محمدا صلى الله عليه وآله كان لا يحترم البيت الحرام وما يرتبط به من قوافل أهله التجارية فقد تعرض لها في الطريق وأخافها، وقد كانت العرب في ال جاهلية تحترمها وتحرسها احتراما للبيت الحرام، مضافا إلى هذه المكسب فقد انطلقت الاخبار الصحيحة عن سيرة النبي صلى الله عليه وآله تشق طريقها إلى الناس الذين اكتشفوا انهم كانوا مخدوعين بالإعلام القرشي الكاذب. ومن هنا رأينا النبي صلى الله عليه وآله يخرج في تظاهرة كبيرة هو وأصحابه مُحرِمين يسوقون الهديَ لزيارة البيت وعرض النبي صلى الله عليه وآله على قريش الصلحَ فقبلت بعد تردد ورفض واشترطت أَنْ يرجع عامَه ذاك وقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك، وعرفت العرب انَّ قريشا هي التي تصدُّ عن البيت الحرام وليس محمدا صلى الله عليه وآله، فافتضح إعلامها الكاذب، واختلط المسلمون مع الناس ونقلوا اليهم صورا رائعة من سيرة النبي صلى الله عليه وآله الهادية وبذلك تبدلت الصورة السيئة التي إشاعتها قريش المشركة عن النبي صلى الله عليه وآله ليحي من حيَّ عن بينة، واستجابت القبائل ودخلت الإسلام أفواجا ومن ثم سمى القرآنُ الصلحَ مع ما يحفه من التنازل بـ (الفتح المبين).
والأمر نفسه تكرر مع (قريش الأبناء) بقيادة معاوية لما تخندقوا في الشام واستطاعوا ان يعبثوا الشام بإعلام كاذب وإعطاء صورة سيئة عن علي عليه السلام، وكونه يطلب الملك بالحرب وسفك الدماء وانه مفسد في دين محمد صلى الله عليه وآله، وغير ذلك من التهم الباطلة، ويجئ الصلح بشروط الحسن عليه السلام فاضحا لمعاوية وإعلامه وفاتحا الطريق لإمامة علي عليه السلام الإلهية يحمل أخبارها ونصوصها النبوية التاسيسية شيعة علي عليه السلام من الكوفيين وغيرهم يحدِّثون بها أهلَ الشام مدة عشر سنوات من الأمان. ومن ثم فان صلح الحسن لا تبعد عنه تسمية (الفتح المبين) لما حققه من فضح معاوية وإعلامه الكاذب وانتشار اخبار سيرة علي عليه السلام المشرقة ومعرفة موقعه من الرسالة عبر حديث الغدير والثقلين والكساء وغيرها التي لم يكن أهل الشام قد سمعوا بها آنذاك.
وهذا الفهم هو المناسب لقول الحسن عليه السلام (علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة النبي لقريش) لان نتائج الصلح هنا هي نتائج الصلح هناك، توحدت العلة وتوحد الأثر.
الثالثة: نجح المؤلف الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمة الله عليه في تجلية شخصية الحسن عليه السلام والدفاع عنه كما يليق به إماما من أئمة الهدى، ولكنه فيما يتعلق بأهل الكوفة وقع/ في تقديرنا/ تحت ضغط الاخبار الموضوعة التي استهدفت تشويههم كما استهدفت نظائرها تشويه شخصية الحسن عليه السلام، وكان المترقب من دراسة مستوعبة كالتي نهض بها العلم الكبير ان تصنف الاخبار بخصوص أهل الكوفة إلى مجموعتين، ثم ترجح احدهما بالمرجحات العلمية المعروفة عند تعارض الاخبار. وقد شخصنا ثلاثة مرجحات للأخبار المادحة وإسقاط القادحة وهي:
١. ان المصادر التي عرضت الاخبار المادحة ورواتها هي مصادر الخاصة أعني المصادر الشيعية والرواة الشيعة، اما المصادر التي عرضت الاخبار الطاعنة فهي عامية ورواتها عُرِف الكثير منهم بممالئتهم لخلفاء الجور من العباسيين.
٢. ان الاخبار الطاعنة تعارضها حقيقة الأمان في السنوات العشر الأولى من الصلح إذ لم يروَّع شيعي واحد في هذه الفترة وهي حقيقة كشف عنها بحثنا الجديد هذا.
٣. ان العباسيين بعد قضائهم على ثورة الأخوين محمد وإبراهيم ولدي عبد الله بن الحسن بن الحسن المثنى (رض) اتجهوا في إعلامهم العام وجهة تسقيط الحسنيين بتشويه سيرة جدهم الحسن المجتبى عليه السلام فوضعوا اخبارا من قبيل: انه باع الخلافة بدراهم من اجل شهواته، ووضعوا اخبارا أخرى تشوه سيرة الكوفيين وانهم تفرقوا عن الحسن عليه السلام وتفرقوا عن أبيه من قبل، ووضعوا على لسان الحسن أحاديث تؤكد ذلك.
صلح الحسن عليه السلام في الاعلام الاموي والعباسي وروايات اهل البيت عليهم السلام
وجدت من الناحية التاريخية ثلاثة اطروحات عرَّفت بالحسن عليه السلام ودوافع صلحه ونتائجه وهي:
اطروحة الاعلام الاموي: أنَّ تنازل الحسن عليه السلام عن السلطة بخطة من معاوية:
لا نملك مصادر اموية تتحدث عن صلح الامام الحسن عليه السلام، وانما الذي بين ايدينا مصادر عباسية تنقل عن رواة مخضرمين عاشوا العهدين العباسي والاموي امثال معمر بن راشد اليماني (ت ١٥٤ هـ) ويونس الايلي (ت ١٦٠ هـ) وعبيد الله بن ابي زياد الرصافي (ت ١٥٨ هـ) وضمرة بن ربيعة القرشي الحمصي الفلسطيني (ت ٢٠٢ هـ) الذين رووا عن الزهري قصة الصلح، وعوانة بن الحكم (ت ١٥٨ هـ) وعثمان الطرائفي (ت ٢٠٣ هـ) ومحمد بن عبيد (ت ٢٠٢ هـ) وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، وقد نصت كتب الرجال في ترجمة عوانة بن الحكم انه كان يضع الاخبار لبني امية. ومن المؤكد ان الزهري كان يضع الاخبار لبني امية وولاتهم وقد طلب منه والي العراق خالد القسري ان يكتب السيرة ولا يذكر فيها عليا الا ان يجده في قعر الجحيم! وقد روى معمر روايات السيرة عن الزهري واوردها كاملة عبد الرزاق الصنعاني وقد جاءت خالية من ذكر علي عليه السلام. وفي ضوء ذلك فان قصة صلح الحسن عليه السلام بروايات هؤلاء عن الزهري وغيره تعكس الرؤية الاموية لا محالة. والبادئ للصلح في روايتهم هو معاوية، وهي قضية صحيحة اساسا، ولكن ما الذي طلبه معاوية من الحسن عليه السلام؟
هل طلب معاوية من الحسن عليه السلام ان يتنازل عن السلطة مقابل اموال يغدقها عليه؟ كما في رواية البخاري عن ابن عيينة (اعرضا عليه) اي المال. واعتمدها المؤرخون السلفيون الذهبي وابن كثير وغهما، والمحدثون، ابن حجر والعيني وغيرهما في شرحهما للبخاري وقد استنبطوا منها رافة معاوية بالمسلمين وقدرته في تدبير الملك!
ام طلب معاوية من الحسن عليه السلام ان توقف الحرب وان يكون الحسن عليه السلام حاكما في العراق والبلاد التي بايعته وان يكون معاوية حاكما في الشام والبلاد التي بايعه؟ وهو الصحيح فقد طلب معاوية ذلك من علي بعد التحكيم، ورفضه علي، لان معاوية باغ وحكم البغاة هو قتالهم ولا يجوز الصلح معهم الا لمفاوضات املاً بان يرجع البغاة عن بغيهم. ثم كرر الطلب معاوية بعد علي عليه السلام وقد انقسمت الامة باختيارها فبايعت في الشام معاوية وبايعت في العراق الحسن عليه السلام، وفي ظل هذه الوضع الجديد لا يمكن لمعاوية ان يعرض على الحسن عليه السلام غير ما عرضه على ابيه علي عليه السلام في حياته بان يبقى كل على بلده الذي بايعه واعتقد بامامته، لانه يعلم حق العلم ان عليا عليه السلام/ ومن بعده الحسن عليه السلام/ له مشروعه في احياء سنة النبي صلى الله عليه وآله التي عطلها الخلفاء، وقد تبناه اهل العراق كما تبنى اهل الشام معاوية في السير على نهج عثمان والشيخين.
وقد رفض الحسن طلب معاوية ذلك لانه يؤدي الى تكريس الانشقاق في الامة وتكريس جهل اهل الشام بمشروع علي عليه السلام، وعرض عليه الحسن عليه السلام مشروعه الذي لم يخطر في باله، ولا بال احد من رجالاته، عرض عليه توحيد الامة وتوحيد حكومتها بنظام يحدده الحسن عليه السلام وهو الكتاب والسنة دون سيرة الشيخين وبشروط اضافية من قبيل امان شيعة علي عليه السلام في العراق، وان يكون الامر للحسن عليه السلام بعد معاوية وان لا يذكر عليا عليه السلام الا بخير وغير ذلك وان يكون الحاكم هو معاوية وبعد موته يكون الحسن عليه السلام وهكذا كان الامر لعشر سنوات حيث عاشت الامة افضل ايامها من الامان والحرية في العبادة.
لقد غيب الاعلام الاموي الانجاز العظيم للحسن عليه السلام الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله، ان ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وجعلوه صلحا، كان الداعي اليه معاوية الذي بذل الاموال لسد دين الحسن عليه السلام ومعالجة حالات كانت بحاجة الى المال! ومن هنا كان الحسن عليه السلام مرضيا لدى المحدثين والسلفيين قاطبة لانه اثر حقن الدماء على الحرب مستجيبا لمعاوية الرؤوف بالمسلمين!
اطروحة الاعلام العباسي: أنَّ الحسن عليه السلام تنازل عن السلطة رغبة في المال والحياة المترفة:
ثار الحسنيون على العباسيين سنة ١٤٤ هـ بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن في المدينة ثم قتل وقام من بعده اخوه ابراهيم بن عبد الله بن الحسن في البصرة ثم قتل بسهم طائش في معركة بين البصرة والكوفة ووجد العباسيون انفسهم بحاجة الى توجيه الاعلام وجهة تسقيطية للحسنيين من خلال ترويج ما اسسه الاعلام الاموي في الحسن عليه السلام مع تطوير واضافات تقتضيها المرحلة وكانت هذه الاضافات هي تسقيط الكوفة بوصفها قلعة المؤيدين للحسنيين وللامام الصادق عليه السلام وقد وضع الخليفة الدوانيقي ابي جعفر الخطوط العريضة لهذا الاعلام فقال:... ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن علي عليه السلام، فو الله ما كان برجل، عرضت عليه الأموال فقبلها، ودسَّ إليه معاوية إنِّي أجعلك ولي عهدي، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.
وفيما يخص الكوفيين قال:
(ثمَّ قام من بعده الحسين بن علي عليهما السلام، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوء،/ وأشار إلى الكوفة/ فو الله ما هي لي بحرب فأُحاربها، ولا هي لي بسلم فأُسالمها، فرَّق الله بيني وبينها فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه، فأسلموه حتّى قتل.
ثمَّ قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده الله في الخروج وقال له: لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب، وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّره رحمه الله غدر أهل الكوفة، فلم يقبل، وتمَّ على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة)(٨).
ولما قتل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن امر المنصور ان يطاف برأسه بالكوفة سنة ١٤٥ هجرية وخطب قائلا:
(يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد انتم فيه... سبئية(٩), خشبية(١٠), قاتل يقول: جاءت الملائكة وقائل يقول جاء جبريل... لَلَعَجَب لبني امية وصبرهم عليكم, كيف لم يقتُلوا مقاتلتَكم ويسبوا ذراريكم, ويخربوا منازلكم.
أما والله يا اهلَ المَدَرَة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنكم)(١١). لقد انتج الاعلامان الاموي والعباسي كمية هائلة من الروايات الكذب في قضية الصلح لم تتسبب في ظلم الامام الحسن عليه السلام وظلم العراقيين حسب, بل تسببت في تشويه الرؤية الاسلامية الصحيحة في مسالة (لو بايعت الامة لحاكمين), وتغييب اخبار تجربة وعهد هو من اروع العهود الاسلامية بعد عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد الامام علي عليه السلام امتاز بالامان التام والحوار الصادق والتعددية المذهبية المبنية على القناعة وظهور المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة متفرغة الى عمل الخير وتعليم الناس, وانصراف الدولة الى وظيفتها الاساسية من تحقيق الامان داخليا وخارجيا وتوزيع الحقوق على اهلها دون التدخل في الشؤون الدينية للافراد العهد الذي تتوق اليه وتتطلع نحوه كل شعوب العالم بلا استثناء.
الحسن عليه السلام في روايات اهل البيت عليهم السلام امام هدى عالج الانشقاق وفتح الطريق لهداية اهل الشام ان ارادوا الهداية:
لا بد من التمييز بين روايات اهل البيت والمصادر الشيعية التي الفت للاحتجاج باحاديث العامة عليهم فما ورد في كتاب الارشاد للشيخ المفيد في قصة اساسه روايات ابي الفرج في كتابه مقاتل الطالبيين، وما فيه من اخبار مقتل الحسين اساسه روايات ابي مخنف في كتابه مقتل الحسين الذي رواه الطبري، فان هذه الروايات لا يغير من واقعها رواية الشيخ المفيد لها، فهي تبقى روايات عامية، والذي نريده بروايات اهل البيت عليهم السلام هو ورودها عنهم وفي مصادر امامية معتبرة، وفي هذا الصدد فاننا نجد صلح الحسن عليه السلام وشخصيته واهل الكوفة في رواياتهم بصورة اخرى تغاير ما عليه الاعلام الاموي والعباسي.
فالحسن عليه السلام احد الائمة الهداة المعصومين الاثني عشر الذين عينهم النبي صلى الله عليه وآله لهداية الامة من بعده في قصة المباهلة وحديث الكساء وغيرها، اما سيرته الشخصية فقد تحدث عنها حفيده الامام الصادق عليه السلام يصفه كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا، وربما مشى حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها. وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله تعالى الجنة، ويعوذ به من النار.
اما دوافع الصلح عند الحسن عليه السلام فقد بينها بوضوح تام حين ساله ابو سعيد وقد اوردنا الرواية في اول الكتاب مستقلة، حين قال علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة النبي لقريش، وبذلك وضع مقياسا دقيقا لدراسة الصلح ودوافعه واهدافه وانجازاته.
وقد ذكر الامام الباقر عليه السلام صلح الحسن فقال فيه: (والله لَلذي صنعه الحسن بن علي كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والقمر).
ان هذه الصيغة من الكلام تشير الى ان: نتائج الصلح هي من سنخ الهداية التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي)(١٢).
لقد حفظ الحسن عليه السلام بصلحه وحدة القبلة ووحدة الكتاب الى يوم القيامة، ثم اوصل احاديث النبي صلى الله عليه وآله في امامة علي واهل بيته عليهم السلام الالهية، واخبار سيرة علي عليه السلام المشرقة مع النبي صلى الله عليه وآله وبعده وفي الكوفة ايام حكمه، وفتح باب الاهتداء بعلي لمن اراد من اهل الشام الى يوم القيامة فاي خير اعظم من هذا الخير!
وقد انطلق البحث في هذا الكتاب من قول الامام الحسن عليه السلام نفسه وانتهى الى الخير الذي انتجه الصلح واشارت اليه رواية الامام الباقر عليه السلام.
الرؤية الجديدة
اما النتائج الجديدة فتتعلق بوضع أهل الكوفة في السنوات العشر من الصلح حيث كانوا امنين ولم يروع شيعي واحد منهم بسبب ولائه لعلي بل الفرصة متاحة لهم لينشروا ما وعوه وحملوه عن علي عليه السلام من علم وسيرة مشرقة بين أهل الشام، هذا في قبال الرؤية السائدة التي تقول ان معاوية اعلن عن نقضه لشروط الحسن منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الكوفة وانه بدأ بترويعهم وملاحقتهم.
اما الرؤية الجديدة في مبررات الصلح فخلاصتها: ان الحسن كان قد صالح عن قوة وليس عن ضعف فهو أشبه بصلح الحديبية بل امتداد له في الهدف والأسلوب، وتوضيح ذلك:
ان معاوية بعد ان بايعه أهل الشام بادر يطلب الصلح من الإمام الحسن الذي بايعه أهل العراق حاكما خلفا لابيه علي وهو ان يبقى الحسن عليه السلام على البلاد التي بايعه أهلها وهو النصف الشرقي للبلاد الإسلامية، وان يبقى معاوية على النصف الغربي من البلاد الإسلامية حيث بايعه أهلها على الحكم.
ومبررات هذا الصلح واضحة لدى معاوية فهو بين ضغط حلقات الخوارج الخفية من الداخل التي تستهدف اغتياله وضغط الروم على الحدود الشمالية الشرقية وجيشهم على أهبة الاستعداد لغزو الشام، ولم يكن معاوية ليجمد شن الغارات على أطراف علي دون مكسب سياسي يسجله لصالحه، ومن هنا عرض على الحسن/ وقد عبأ جيشه للقتال مضافا إلى تعبئة أبيه علي عليه السلام/ لكي يؤمّن جهته بالمصالحة ويتفرغ للمشكلتين الآنفتي الذكر.
فكان امام الحسن عليه السلام احد خيارين:
الأول: قبول أطروحة الصلح بالصيغة التي عرضها معاوية واهم مبررات قبولها بالنسبة للحسن عليه السلام هو تجميد الصراع مع معاوية ليتفرغ للإرهاب الداخلي هذا هو التفكير الباده لمن يهمه بناء دولة وحكم خاص به. ولكن هذا الخيار يكرس الانشقاق الأموي مع إعلامه الكاذب في علي عليه السلام إذ يعرضه رأس الفساد والإلحاد في دين محمد صلى الله عليه وآله بينما هو رأس مشروع الهداية في المجتمع بعد النبي صلى الله عليه وآله.
الثاني: رفض الصلح واللجوء إلى الحرب بصفته وارث مشروع أبيه علي مشروع إحياء السنة النبوية في مجتمع الفتوح الذي حرم منها، المشروع الذي نجح في النصف الشرقي من البلاد الإسلامية وصارت الكوفة مركزا له، وانغلقت البلاد الغربية عنه وتحولت الشام إلى مركز يعمل على تطويقه ووأده، لإحياء المشروع القرشي بقيادة أموية فكانت معركة الجمل في البصرة بتخطيط أموي وتنفيذ قرشي ومعركة صفين في الشام التي اعد لها معاوية عدتها منذ سنين، ثم نتجت عنها معركة النهروان في العراق، وهذا نظير تحول مكة في بدء الإسلام إلى مركز يصد عن دعوة محمد صلى الله عليه وآله بقيادة أموية فكانت معركة بدر التي قادت إلى معركة احد وهي انتجت معركة الخندق.
ولكن الحسن عليه السلام وهو العارف بحكمة الحرب والصلح في دين جده النبي صلى الله عليه وآله أدرك ان خيار الحرب ليس بصالح مشروع أبيه علي عليه السلام، والسر في ذلك هو ان الحرب بين علي عليه السلام ومعاوية قد أفرزت إعلاما أمويا كاذبا في حق علي عليه السلام تحول إلى معتقد لدى أهل الشام ومن ثم فان خيار الحرب سوف لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإعلام الكاذب في حق علي عليه السلام ثم إلى مزيد من التكريس لمعتقد أهل الشام الخاطئ فيه، ومن ثم مزيد من الحجب عن مشروع علي الإحيائي للسنة النبوية.
تماما كما كان الأمر بين النبي وقريش فلم يكن خيار النبي ان تستمر الحرب مع قريش بعد معركة الخندق مع ان قريشا وحلفاءها قد انهزموا شر هزيمة، وذلك لان الحرب بين النبي وقريش قد أفرزت إعلاما قرشيا كاذبا في حق النبي صلى الله عليه وآله تحول إلى معتقد لدى العرب المتحالفة مع قريش ومن ثم فان الحرب سوف لن تزيدهم إلا تكريسا لإعلامهم الكاذب ثم تكريسا لمعتقدهم الخاطئ في النبي صلى الله عليه وآله وبالتالي لن تزيدهم الحرب الا بعدا عن الهداية التي بعث النبي لأجلها.
وكما عدل النبي صلى الله عليه وآله إلى خيار الصلح بوصفه الحل الوحيد لقلب المعادلة مع قريش وفتح الطريق أمام مشروع الهداية الذي جاء به كذلك لا بد للحسن عليه السلام ان يعدل من خيار الحرب إلى الصلح بوصفه الأسلوب الوحيد لقلب المعادلة مع معاوية وفتح الشام لمشروع الهداية الذي نهض به علي عليه السلام، ولكنه صلحٌ بصيغة جديدة لا تمت إلى الصيغة التي عرضها معاوية بصلة، بل هو صلح يستمد روحه وهدفه وفلسفته من صلح جده النبي صلى الله عليه وآله مع قريش حين اوضح للقبائل المتحالفة مع قريش بما لا يقبل الشك ان قريشا هي التي تصد عن بيت الله وليس محمدا كما كانت تزعم في إعلامها الكاذب، وان محمدا صلى الله عليه وآله كان يعظم بيت الله ودين إبراهيم بما لم يعظمه به احد من العرب ولا من قريش آنذاك.
وكذلك الحسن عليه السلام في صلحه فانه يريد ان يوضح لأهل الشام بما لا يقبل التأويل ان معاوية ومن قبل الخلفاء الثلاثة كان يصدون عن سنة النبي صلى الله عليه وآله كما هو واضح في قصة حج التمتع، بل ان معاوية وأباه كانا على رأس من يصد عن دعوة النبي ويقاتله وانَّ عليا هو الذي إحيا سنة النبي صلى الله عليه وآله كما هو واضح في قصة حج التمتع بل لعلي مواقف وتاريخ يكشف عن اتباعه للنبي ونصرته له بما لا يضاهيه احد من المسلمين.
وهكذا فاجأ الحسن عليه السلام خصمَه معاوية بصيغة صلح لم تدُر في خَلَدِه بل لم يكن تكوينه الجشع ورغبته الجامحة للسلطة وأصوله الجاهلية لتسمح له ان يفكر بها، استمد الحسن روح صلحه المبتكر وشروطه من تجربة جده المصطفى صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية مع قريش وهي تجربة مبتكرة أيضا إذ لم يكن يدر في خلد قريش/ لحميتها الجاهلية/ ان يقدم محمد صلى الله عليه وآله لمصالحتها بعد ان سجل انتصارا ساحقا في معركة الخندق، وحقق الحسن بذلك فتحا مبينا بكل معنى الكلمة كما حقق النبي (ص) في صلحه فتحا مبينا بكل معنى الكلمة، وقد تمثل هذا الفتح المبين لعلي بالصلح الحسني كما تصوره الرؤية الجديدة:
ـ بفضح معاوية أمام أهل الشام/ جنده المطيع له طاعة مطلقة/ بانه كان ظالما لعلي في قتاله إياه وانه كان يقاتله من اجل الملك وليس من اجل مبدأ أو الأخذ بثار دم عثمان كما كان يزعم.
ـ اتضاح حقيقة علي عليه السلام انه لم يكن الذي كان منه منازعة في سلطان أو لالتماس شيء من فضول الحطام بل كان لأجل المظلومين من عباد الله وإحياء سنة النبي التي عطلتها وحرفتها سلطة قريش المسلمة قبل علي عليه السلام.
ـ توحيد شِقَّي البلاد الإسلامية واختلاط العراقيين مع الشاميين من موقع المحبة والشفافية.
ـ إرجاع هيبة الأمة في قلوب أعداءها/ الروم الشرقيين على الجبهة الشمالية الشرقية/ الذين كانوا قد اعدوا العدة للهجوم على الأمة بعد ان أكلتهم الحروب الداخلية.
ـ إنقاذ الكوفة عاصمة مشروع النهضة الإحيائية لعلي عليه السلام ومركز رجالاتها من إرهاب داخلي كانت على أبوابه يتبنى أسلوب الاغتيال قام به الخوارج التكفيريون وقد نفذوه أولاً في علي عليه السلام. ومن ثم انطلاقة الكوفيين لنشر أخبار هذه النهضة وموضوعها في أهل الشام.
وساد الأَمان في الأُمة كلِّها عشر سنوات بعد توقيع وثيقة الصلح، وبرز الحسن عليه السلام مرجعا دينيا الهيا ومن قبله أبوه علي عليه السلام ومن بعده وأخوه الحسين نصت عليهم الأحاديث النبوية، ليأخذ عنهم دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله من شاء ان يتخذ إلى ربه سبيلا، وعرف الشاميون وغيرهم من عبادة الحسن وعلمه وحسن خلقه وكرمه واهتمامه بقضاء حوائج الناس ما جعلهم يذكرون به أباه عليه وجده النبي صلى الله عليه وآله.
ثم غدر معاوية بالحسن عليه السلام بعد عشر سنوات غدراً مبيناً حين دشَّ له السم ونقض شروطه ولاحق شيعة العراق بما هو معروف وواضح في كتب التاريخ.
وخرجت الرؤية الجديدة بحقيقة أخرى وهي ان الروايات التي تسببت في تكوين الرؤية المشهورة هي روايات أصولها أموية وفروعها عباسية تبناها الإعلام العباسي ليواجه بها خصمين كبيرين للعباسيين كانا ينغصان عليهم رغبتهم في استمرار ملكهم وحفظ ولاء الأمة لهم، هذا الخصمان هما:
ـ الحسنيون الثائرون الذين يملكون الشعبية في قبال بني العباس لكونهم ذرية المصلح الكبير الحسن صاحب الفتح المبين في إنقاذ الأمة من سفك الدماء بطريقة بارعة تكشف عن جدارة خاصة بحكم الأمة ورعايتها، ويملكون الشرعية لان العباسيين كانوا قد اعطوا بيعة مسبقة لزعيم الحسنيين محمد بن عبد الله بن الحسن في مؤتمر عام لبني هاشم وقد انتشر خبر هذا المؤتمر والبيعة في المجتمع.
ـ مرجعية الإمام الصادق عليه السلام التي تقوم على فكرة إمامة علي عليه السلام وأهل بيته المعصومين بوصية من النبي صلى الله عليه وآله. وهذه المرجعية آخذة بالتوسع والنمو.
ـ وكانت الكوفة هي القاعدة الشعبية لكلا الخصمين.
وفي ضوء ذلك لم يكن أمام العباسيين الحاكمين/ لضمان استمرار ملكهم/ الا ان يحذوا حذوَ الأمويين بتحريف تاريخ خصومهم/ الحسنيين، الكوفة، الشيعة/ وتحويل حسناتهم وامتيازاتهم إلى عار يلاحقهم ابد الدهر بروايات كذب يضعونها فيهم ليربو عليها الصغير ويهرم فيها الكبير.
فهل هناك عار في تاريخ الحسنيين كعار أَبيهم الحسن عليه السلام/ كما عرضه الإعلام الأموي والعباسي/ تبايعه الأمة على الحكم ثم يبيعه إلى معاوية بدراهم يُغدِقُها فيما بعد على محظياته يتزوج واحدة ويطلق أخرى؟ وهل تكون ذريةُ مثل هذا الإنسان جديرة بحكم الأمة؟.
وهل هناك عارٌ كعارِ الكوفة/ كما عرضه الإعلام العباسي/ تدعو الحسين عليه السلام لنصرته ثم تخذِلُه ثم تقتُله ثم تحمل رأسه ورؤوس أصحابه هدية إلى يزيد مقرونة بسوق أُسرة الحسين سبايا، الحال التي يرق لها يزيد فتدمع عيناه ويلعن الكوفة وأَميرَها ابنَ مرجانة؟ ويقول انه لو كان صاحبه أي الحسين ما صنع به ذلك!.
وهل هناك عارٌ كعارِ الشيعة الأوائل من صحابة وتابعين/ كما عرضه الإعلام العباسي/ استجابوا لعبد الله بن سبا يهودي مزعوم من أهل اليمن اسلم على عهد عثمان ليتلقوا منه عقيدتهم بعلي إماما الهيا شبيها بإمامة هارون ويوشع بن نون؟
ثم عالجوا مرجعية الإمام الصادق عليه السلام بأَمرين:
الأول: تبنّي مرجعية مالك بن انس وفرضها على الناس، وتبنّي طلابه ليكونوا قضاة وأَئمة جمعة.
الثاني: إِشاعة الشك في مرويات الإمام الصادق عليه السلام وتضعيف شخصيته وسلب الوثاقة عنه.
قال ابن سعد: (جعفر بن محمد كثير الحديث ويستضعف).
وقال يحيى بن سعيد القطان: (مجالد احب إلي منه (أي من الصادق) وقال الذهبي يعلق على كلام القطان وهذه زلقة من ابن القطان.
هذا مع ملاحقة أصحابه وسجن الإمام من بعده ولده الكاظم عليه السلام.
وفي ضوء ذلك كله فان ظهور هذا الكم الهائل من الروايات الطاعنة في الإمام الحسن وفي الكوفة وفي الشيعة يكون طبيعيا وكما تفرضه طبيعة الأشياء ولا نحتاج معه إلى بحث أسانيد هذه الروايات الطاعنة مع وجود الروايات المادحة وذلك لان هذا المبرر/ وهو حقيقة تاريخية ثابتة/ وحده كافٍ في إسقاطها جملة وتفصيلا. ومع ذلك فإننا لم نغفل بعض الأسانيد لأجل تقديم شاهد آخر على صحة الأطروحة.
أبواب البحث وفصوله
قسمت البحث إلى أربعة أبواب واربعة وعشرين فصلا:
تناولت في الباب الأول:
الرؤية السائدة اليوم في تعليل الصلح وقد جعلتها في فصلين.
كرست الفصل الأول لأقوال المستشرقين ان الحسن شخصية منهارة كان هدفه من الصلح هو الحصول على مال يؤمِّن له حاجات حياته المترفة ويلبي طلبات زوجاته الكثيرات.
وكرست الفصل الثاني لأقوال الإسلاميين من القدامى والمحدثين ان الكوفيين ضعفاء متخاذلون مع وجود خط في الكوفة يفكر في تسليم الحسن لمعاوية فاضطر الحسن لمصالحة معاوية وتسليمه الحكم في العراق ليحافظ على حياته وانتهى البحث في هذا الباب إلى ان وجهة النظر بقسميها تستند إلى روايات في تاريخ الطبري وانساب الأشراف للبلاذري وطبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها من مصادر التاريخ الإسلامي المعتبرة وبعض هذه الروايات ينسب إلى الحسن عليه السلام نفسه.
وتناولت في الباب الثاني:
الرؤية الجديدة التي تنبهتُ إليها من خلال قول الامام الحسن عليه السلام نفسه حين قال: (ان علة مصالحته لمعاوية علة مصالحة النبي صلى الله عليه وآله لقريش) وبالتالي فإنَّ السبب الوحيد للصلحين هو واحد، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجبة له ثم وحدة الموقف إزاءه ثم وحدة النتائج المترتبة. ولم تنطلق الرؤية الجديدة من هذه الرواية حسب بل كانت لها شواهد وروايات كثيرة تؤكدها. وقد تم بحث ذلك من خلال ثمانية فصول.
كرست الفصل الأول لبحث خلفيات الصلح وظرفه الموجب للصلح بالصياغة الحسنية.
وكرست الفصل الثاني للسنوات العشر من الصلح من سنة ٤١ هـ إلى سنة ٥١ هـ لبيان معالم الفتح المبين للصلح حيث عادت للامة وحدتها واختلط الناس بعضهم ببعض وانطلق العراقيون امنين يحدثون أهل الشام بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام عن سيرته المشرقة وكيف عرف أهل الشام ان معاوية كان ظالما لعلي وان الحق مع علي في حروبه وان عليا امتداد للنبي في إمامته الهادية وعرضت نماذج من نشاطات أصحاب الحسن وحواراتهم مع معاوية.
وعقدت الفصل الثالث بمبحثين الأول تناول نشاطات الامام الحسن عليه السلام في سنوات الصلح والثاني يبحث عن مراحل سير الحسن منذ ولادته والى وفاته لاستكمال الصورة عن شخصية الحسن عليه السلام.
وكرست الفصل الرابع لبحث الغدر المبين الذي قام به معاوية وأهل الشام في السنوات العشر التالية بعد وفاة الحسن عليه السلام بدءا بدس السم للحسن عليه السلام.
وكرست الفصل الخامس لهوامش على موارد من كتاب صلح الامام الحسن عليه السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين.
وكرست الفصل السادس لبحث مسار الإمامة الدينية التي أسس الحسن عليه السلام بصلحه فصلها عن السلطة الزمنية وكيف ان الله تعالى قد حصر الإمامة الدينية بأنبيائه وأوصياءه اما السلطة الزمنية ففي زمن النبي وأوصياءه تكون لهم، وكيف ان قريش اغتصبت السلطة الزمنية ممن هي حقه بالنص ومارست إلى جانب ذلك الإمامة الدينية مما أدى إلى تعطيل السنة وتحريفها وكيف ان عليا عليه السلام نهض لإحياء السنة وفتح الطريق لإمامته الدينية التي أمر بها الله ورسوله.
وكرست الفصل السابع لدراسة ظرف صلح الحديبية ومقارنته مع ظرف صلح الحسن واكتشاف وحدتهما كما أشار الامام الحسن عليه السلام إلى ذلك، ثم بيان وحدة الموقف المترتب على وحدة الظرف ووحدة الآثار التي ينتجها الموقف الموحد ثم وحدة التسمية بالفتح المبين.
وكرست الفصل الثامن لعرض مقتطفات من سير الكوفة الفكري من سنة تمصيرها إلى سنة ١٣٦ هجرية وكيف انها حملت مشروع علي وثبتت عليه رغم محاولات الأمويين والزبيريين والمروانيين لإنهائه واستئصاله.
وتناولت في الباب الثالث:
تفسير وجود ذلك الكم الهائل من الروايات الذي انتج رؤية الانهيار المبين وكونه من وضع العباسيين لمواجهة الحسنيين الثائرين عليهم، ومرجعية الامام الصادق الديني الآخذة بالتوسع، والكوفة القلعة التاريخية لكلا الخطين تمدهما بالقاعدة الشعبية وقد عقدت لذلك ثمانية فصول.
كرست الفصل الأول لبحث: تحريف الأمويين للسنة النبوية والسيرة العلوية واقتفاء العباسيين اثرهم والاستفادة من تجربتهم.
وكرست الفصل الثاني لدراسة انشقاق العباسيين عن الحسنيين والأئمة من أهل البيت عليهم السلام إذ كانوا في بدء الأمر جزء من حركة العلويين ثم انشقوا عنها.
وكرست الفصل الثالث لعرض وثائق الاعلام العباسي السلبية ضد الحسن والكوفة والتشيع من خلال خطب أبي العباس السفاح وأبي جعفر الدوانيقي والشعر والمحاورات.
وكرست الفصل الرابع لترجمة سيف بن عمر وعبد الرحمن بن مالك بن مغول بوصفهما قد وضعا اخبارا في تفسير التشيع لعلي بما ينفِّر الناس عنه ويدعوهم للبراءة منه.
وكرست الفصل الخامس لكتاب أبي مخنف الذي استهدف تحميل أهل الكوفة تبعة قتل الحسين تعبيرا عن خذلانهم وضعف إرادتهم بخلاف ما بيَّنه أهل البيت فيهم.
وكرست الفصل السادس لعرض الاخبار الطاعنة في الكوفيين على لسان علي والحسن ودراستها من الناحية السندية والكشف عن وضعها من إخباريين عباسيين.
وكرست الفصل السابع: الروايات الطاعنة في شخصية الحسن عليه السلام وهي اخبار رفضها الشيعة والسنة على السواء.
الفصل الثامن: الروايات الطاعنة في الكوفيين وهي من وضع الأخباريين العباسيين أيضا.
ثم انهيت البحث بالباب الرابع:
وهو خلاصة بحوث الكتاب بترتيب آخر مع خاتمة ولا بد من تنبيه القارئ الكريم ان بحوث الخلاصة لم تكن مجرد اختصار بل احتوت على اخبار وأفكار إضافية رأيت ان أضيفها ولم يتيسر لي ان ادرجها في الفصل الذي يناسبها ولا بد لي من انبه أيضا أنني كررت بعض الوثائق المهمة في اكثر من فصل بسبب اقتضاء طبيعة البحث ذلك.
وفيما يلي أبواب البحث وفصوله.
الباب الأول: الرؤية المشهورة في تعليل الصلح
الفصل الأول: المستشرقون: الحسن عليه السلام شخصية ضعيفة منهارة
الفصل الثاني: الإسلاميون: الكوفيون متفرقون متخاذلون
يتناول هذا الباب بيان الرؤية السائدة اليوم في تعليل الصلح من خلال فصلين.
الفصل الأول وهو مكرس لبيان أقوال المستشرقين في الحسن عليه السلام إذ عرضوه شخصية منهارة كان هدفه من الصلح هو الحصول على مال يؤمِّن له حاجات حياته المترفة ويلبي طلبات زوجاته الكثيرات.
الفصل الثاني مكرس لبيان أقوال الإسلاميين من القدامى والمحدثين في الكوفيين زمن الحسن إذ عرضوهم انهم ضعفاء متخاذلون متفرقون بل كان بعضهم/ كالمختار الثقفي/ يفكر في تسليم الحسن لمعاوية فاضطر الحسن لمصالحة معاوية وتسليمه الحكم في العراق ليحافظ على حياته.
وانتهى البحث في كلا الفصلين إلى ان المستشرقين والإسلاميين كانوا قد استندوا في تحليلاتهم إلى روايات ذكرتها مصادر التاريخ الإسلامي المبكرة كطبقات ابن سعد وانساب الاشراف للبلاذري وتاريخ الطبري وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها.
وقد رفض الشيعة بل السنة أيضا/ كما هو الحق/ الروايات الطاعنة في شخصية الحسن انطلاقا من الإيمان بعصمة الحسن أو الإيمان بانه من الشخصيات المعروفة في المجتمع الإسلامي بعلمه وتقواه.
اما الروايات الطاعنة في الكوفة فقد قبِلَها أكثر الباحثين الشيعة وكل الباحثين السنة من المؤرخين القدامى والمحدثين ولكن البحث توصل إلى ان الروايات الطاعنة في الحسن عليه السلام أو الكوفيين هي من وضع الامويون ثم تبنى ترويجها والزيادة فيها العباسيون ومن سايرهم من الأخباريين نكاية بالحسنيين الثائرين وتطويقا لمرجعية الامام الصادق الآخذة بالتوسع وبالكوفة مركز كلا الحركتين في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري.
الباب الأول/ الفصل الأول: المستشرقون: الحسن عليه السلام شخصية ضعيفة منهارة
أنحى الباحثون المستشرقون باللائمة على الحسن عليه السلام لأنه صالح وتنازل عن الحكم لخصمه معاوية بشروط ولم يف له بشيء منها، وقد وصفوه بانه لم يكن رجل الساعة المطلوب، ولم يكن ابنا جدير لعلي عليه السلام، وانه كان شخصية متخاذلة انصرف إلى ملذاته وشهواته، وفيما يلي ما عثرنا عليه من كلماتهم في هذا السبيل:
الدكتور فيليب حتي اللبناني ١٨٨٦ ـ ١٩٧٨:
قال: (ولكن الحسن الذي كان يميل إلى الترف والبذخ لا إلى الحكم والإدارة لم يكن رجل الموقف فانزوى عن الخلافة مكتفيا بهبة سنوية منحه إياها معاوية)(١٣).
الراهب اليسوعي البلجيكي لامنس ١٨٦٢ ـ ١٩٣٧:
تبنت الموسوعة الإسلامية(١٤) تحت عنوان: (الحسن) بن علي بن أبي طالب ما كتبه المستشرق البلجيكي (لامنس) المتخصص بالتاريخ الإسلامي(١٥) عن الحسن عليه السلام قال:
(الحسن اكبر أبناء علي من فاطمة بنت رسول الله... ويلوح ان الصفات الجوهرية التي كان يتصف بها الحسن هي الميل إلى الشهوات والافتقار إلى النشاط والذكاء. ولم يكن الحسن على وفاق مع أبيه وإخوته عندما ماتت فاطمة ولما تجاوز الشباب.
وقد انفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق، فأحصي له حوالي المائة زيجة عدّاً. وأَلصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المِطلاق، وأوقعت عليّاً في خصومات عنيفة. واثبت الحسن كذلك انه مبذر كثير السرف فقد اختص كلّاَ من زوجاته بمسكن ذي خدم وحشم. وهكذا نرى كيف كان يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر. وشهد يوم صفين دون ان تكون له فيها مشاركة إيجابية.
ثم هو إلى ذلك لم يهتم أي اهتمام بالشؤون العامة في حياة أبيه.
وبويع الحسن بالخلافة في العراق بعد مقتل عي فحاول أنصاره أَن يقنعوه بالعودة إلى قتال أهل الشام، وقَلَبَ هذا الإلحاح من جانبهم خُطط الحسن القعيد الهمة فلم يَعُد يفكر الال في التفاهم مع معاوية كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه وبين أهل العراق. وانتهى بهم الأمر إلى اثخان إمامهم اسما لا فعلا بالجراح. فتملكت الحسن منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول إلى اتفاق مع الأمويين. وترك له معاوية ان يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة. ولم يكتف الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشا لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين درهم أخرى ودَخَل كورة في فارس طيلة حياته. وعارض أهل العراق بعد ذلك في تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق، بَيْدَ انه أُجيب إلى كل ما سأله حتى ان حفيد النبي اجترأَ فجاهر بالندم على أَنه لم يضاعف طلبه وترك العراق مشيعا بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة.
وهناك عاد إلى حياة اللهو واستسلم للذات ووافق معاوية على ان يدفع نفقاته ولم يطلب في مقابل ذلك الا أمرا واحدا هو الا يخِلّ الحسن بأمن الدولة. وكان قد أَجبره من قبل عن الجهر بتنازله عن الخلافة في اجتماع عُقِدَ في (اذرح).
ولم يعد معاوية يشغل باله به، ذلك انه كان واثقا من قعود همته وإيثاره للدعة.
ومع هذا فقد استمر الانقسام في البيت العلوي، ولم يكن الحسن على وفاق مع الحسين وان اجتمعا على مناهضة ابن الحنفية وغيره من أبناء علي.
وتوفي الحسن في المدينة بذات الرئة ولعل إفراطه في الملذات هو الذي عجل بمنيته. وقد بذلت محاولة لإلقاء تبعة موته على رأس معاوية.
وكان الغرض من هذا الاتهام وصم الأمويين بهذا العار، وتبرير لقب الشهيد أو (سيد الشهداء) الذي خلع على ابن فاطمة هذا التافه الشأن.
ولم يجرؤ على القول بهذا الاتهام الشنيع جهرة سوى المؤلفين من الشيعة أو أولئك الذين كان هواهم مع العلوية بنوع خاص. وقد أعطى هذا الاتهام في الوقت نفسه فرصة للإيقاع بأسرة الأشعث بن قيس المبغضة من الشيعة، لما كان لها من شأن في الانقلاب الذي حدث يوم صفين، وما كان معاوية بالرجل الذي يقترف إثما لا مبرر له.
كما ان الحسن المستهتر كان قد اصبح مسالما منذ أمد طويل وكانت حياته عبئاً على بيت المال الذي أَبهظته مطالبه المتكررة. ومن اليسير ان نعلل ارتياح معاوية وتنفسه الصعداء عندما سمع بمرض الحسن. وربما كانت وفاته عام ٤٩ هـ بالغا من العمر الخامسة والأربعين)(١٦).
جرهارد كونسلمان الاماني المعاصر:

وكرر (جرهارد كونسلمان) في كتابه (سطوع نجم الشيعة) (Gerhard Konslman) كلمات لامنس بقوله: لقد باع (الحسن) المنصب الذي تركه محمد صلى الله عليه وآله لنسله من اجل المال... ويقال انه مات بالسل والهزال.
وقد حاولت شيعة علي في القرون اللاحقة تجميل صورة هذا الزعيم الضعيف التعس, فقد اجتهدت في جعل الحسن ضمن شهداء المذهب الشيعي, فنشأت لذلك رواية تقول ان الحسن قتل بتدبير معاوية... ولكن من المستبعد ان يكون معاوية ضالعا في موت الحسن, فمثل هذه الجريمة غير الضرورية لن يقدم بها الخليفة أدرك تماما أين الرجل المهم وأين الرجل الذي صار في الظل)(١٧).
بروكلمان الالماني ١٩٥٦ ـ ١٨٦٨ (Corl Brockelmann):
وقال (بروكلمان) في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية): ان الحسن لم يكن رجل الساعة الذي تحتاجه الدولة فقد رفض ان يقود جنده في هجوم على خصمه.
اوكلي ١٨٩٤ (Simon Ockley):
يرى في كتابه (HITORY OF THE SARACENS P٣٤٧): ان الحسن لم يكن مؤهلا للموقف حيث كان يميل إلى السلم وينظر إلى دماء المسلمين نظرة رعب يصعب علينا تصورها.
سايكس ١٨٦٧ ـ ١٩٤٥ (Sykes Perly Molesworth Sir):
ويرى (سايكس) في كتابه (HISTORY OF PERSIA) ان الحسن غير جدير بان يكون ابنا لعلي لأنه شغل بملذاته بين نسائه واكتفى بإرسال اثني عشر ألف جندي.
كطليعة لجيشه بينما احتفظ بقلب الجيش في المدائن حيث ظل يبتزه في الحدائق وخاف ان يجرب حظه في ميدان القتال(١٨).
الكاتب العراقي هادي العلوي:
وكتب هادي العلوي(١٩): ان هذا الرجل (يقصد الحسن عليه السلام) يتعذر عليه ان يخوض صراعا سياسيا أو عسكريا وكان من المنتظر والطبيعي ان ينسحب بمجرد ان يؤول إليه الأمر، وانه لم يمارس بعد الصلح أي نشاط معارض وقد تفرغ الحسن لحياته الشخصية وعاش كما قال عنه أبوه بين جَفنة وخِوان كأي فتى من فتيان قريش المنعمين.
ثم يستطرد العلوي قائلا: ان الدفاع عن صلح الحسن من نتائج الأيديولوجيا...(٢٠)
ثم يقول: ومعاوية الذي تراجع الحسن أمامه كان زعيما عظيما وقد دخل التاريخ كواحد من الأباطرة العظام بجميع لمقاييس وفي شتى العصور...(٢١)
سند المستشرقين في حكمهم السلبي الآنف الذكر هو روايات في مصادر تاريخية إسلامية مهمة
استند الباحثون المستشرقون في تكوين هذه الرؤية السلبية عن الحسن عليه السلام إلى روايات أوردتها مصادر تاريخية إسلامية أمثال الطبقات الكبرى لابن سعد ت ٢٣٠ هـ وتاريخ الطبري ت ٣١٠ هـ وتاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنهاية لابن كثير. وقد أوردنا في الفصل السابع من الباب الثالث من هذا الكتاب نماذج منها.
الباب الأول/ الفصل الثاني: الإسلاميون: الكوفيون متفرقون متخاذلون
الإسلاميون القدامى
أبو حنيفة الدينوري ت ٢٨٢ هـ:
قال أبو حنيفة الدينوري: (لما رأى الحسن من أصحابه الفشل ارسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية)(٢٢).
ابن واضح اليعقوبي ٢٨٤ هـ:
قال اليعقوبي: (فلما رأى الحسن ان أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له صالَحَ معاوية)(٢٣).
ابن جرير الطبري ٣١٠ هـ:
وقال الطبري في تاريخه: فلما رأى (أي الحسن عليه السلام) تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح(٢٤).
ابن الاثير ت ٦٢٠ هـ:
روى ابن الاثير في الكامل قال: قيل للحسن عليه السلام ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهتُ الدنيا، ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم احدا ابدا الا غُلِب، ليس احد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر(٢٥).
قال ابن الاثير: وكان الذي طلب الحسن من معاوية ان يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف وخراج دارابجرد من فارس وان لا يشتم عليا فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي، فطلب ان لا يشتم وهو يسمع فأجبه إلى ذلك، ثم لم يفِ له به أيضا، واما خراج دارابجرد(٢٦) فان أهل البصرة منعوه منه وقالوا هو فيئنا لا نعطيه أحدا وكان منهم بأمر معاوية أيضا(٢٧).
ابن كثير ت ٧٧٤ هـ:
قال ابن كثير: لما مات علي ـ قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم(٢٨).
الشيخ المفيد ٤١٢ هـ:
قال الشيخ المفيد احد مراجع الشيعة في أخريات القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس في كتابه (الإرشاد) ما خلاصته: (كتب معاوية إلى الحسن عليه السلام في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه...، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله، غير انه لم يجد بُدّاً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة)(٢٩).
أقول: يتضح من كلام الشيخ المفيد ان الامام الحسن كان مضطرا إلى الصلح بسبب ضعف البصائر في حقه وفساد الجيش عليه وقد فصل تلميذه السيد المرتضى رأيه هذا فيما يلي:
السيد المرتضى ٤٣٦ هـ:
وكتب من بعده تلميذه السيد المرتضى في كتابه (تنزيه الأنبياء) ما خلاصته: (فإن الذي جرى منه عليه السلام من أمر الصلح كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه بيِّنا جليّاً، لان المجتمعين له من الأصحاب وان كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب أكثرهم دغلة غير صافية، وقد كانوا صبَوا إلى دنيا معاوية، فأظهروا له عليه السلام النصرة وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه، وأحس عليه السلام بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت...
وقد صرح عليه السلام بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة، وقال إنما هادنت حقناً للدماء وصيانتها وإشفاقا على نفسي وأهل والمخلصين من أصحابي...
أوَ ليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط وطعنه بمغوَل كان معه أصاب فخذه. فشقه حتى وصل إلى العظم وانتزع من يده وحمل عليه السلام إلى المداين وعليها سعيد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين عليه السلام ولاه إياها فأدخل منزله، فأشار المختار على عمه ان يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة. فأبي عليه وقال للمختار: قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه أأنسى رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبه ثم أن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوله إلى بعض المدائن. فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم عن النصرة والمعونة؟.
أقول:
اما الذي ضربه في مظلم ساباط فهو من الخوارج ممن انتظم في حلقات الإرهاب التي قتلت أباه عليا عليه السلام، واما ما نسب إلى المختار الثقفي فهو مما افتري عليه رحمه الله تعالى.
الشيخ الطبرسي ٥٤٨ هجرية:
وكتب من بعده الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان في تفسير القرآن: ووقع الصلح بين الحسن ومعاوية في سنة ٤١ هجرية، وإنما هادنه عليه السلام خوفا على نفسه إذ كتب إليه جماعة من رؤساء أصحابه في السر بالطاعة وضمنوا له تسليمه إليه عند دنوهم من عسكره...(٣٠)
احمد بن علي الطبرسي ت ٥٦٠ هـ صاحب كتاب الاحتجاج:
روى مرسلا عن زيد بن وهب الجهني قال: )لما طُعِن الحسن عليه السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت ما ترى يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فان الناس متحيرون، فقال الامام الحسن عليه السلام أرى والله ان معاوية خير لي من هؤلاء. يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي، والله لان آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خيرا من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أويمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت(٣١).
ابن أبي الفتح الإربلي ت ٦٩٢ هـ:
وكتب من بعده ابن أبي الفتح الاربلي قال:
وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه فأجابه إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة (منها) أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه في الصلوات وان يؤمن شيعته ولا يعترض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه.
فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده على الوفاء به.
فلما استتمت الهدنة قال في خطبته: إني مَنّيتُ الحسن، وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له(٣٢).
ابن طباطبا ت ٧٠١ هجرية:
قال: اما أهل الكوفة والبصرة فكان أهل البيت مذعورين منهم لما جرى منهم على أمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام من الخذلان والغدر وسفك الدماء(٣٣).
مشاهير المتأخرين من الباحثين الشيعة
والكلام الانف الذكر لدى متقدمي المؤرخين هو المشهور اليوم عند كتّاب الشيعة المحدثين.
العلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين:
كتب الشيخ راضي آل ياسين من علماء الشيعة المعاصرين في كتابه (صلح الحسن) المطبوع سنة ١٩٥٢ م، وهو افضل كتاب في موضوعه وقد حذا حذو الشيخ المفيد وتلميذه السيد المرتضى في وجهة تحليل دوافع الصلح:
قال: (وازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له)(٣٤). (وكان للحسن في مسكن بقية من جيش لا تجد المعنويات سبيلها إليه الا بالمعجزة بعد النكبة التي أصيب بها هذا العسكر بخيانة قائده وفرار ثمانية آلاف من افراده). (واما النسبة العددية فقد كان اكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام حينما زحف به إلى لقاء معاوية عشرين ألفا أو يزيدها قليلا وكان جيش معاوية الذي عسكر به على حدود العراق ستين ألفا، فللحسن يومئذ ثلث أعداد جيش معاوية) وجاءت عملية الفرار التي اجتاحت معسكر مسكن والتي انهزم بها ابن العم (عبيد الله بن عباس) ورب ابن عم ليس بابن عم كما يقول المثل العربي ـ بثمانية آلاف فتصاعدت النسبة صعودا مريعا، وبقي الحسن في معسكريه جميعا على الخمس من معسكر معاوية وإذا اعتبرنا هنا القاعدة العسكرية الحديثة التي تنسب القوة المعنوية إلى الكثرة العددية بنسبة ثلاثة إلى واحد رجعنا إلى نتيجة مؤسفة جدا هي نسبة واحد إلى خمسة عشر. وإذا نظرنا إلى جيش الحسن الذي بقي ينازل معاوية في مسكن وحده على ضوء هذه القاعدة رأيناه ينازل عدوا يعده خمسة وأربعين ضعفا بالضبط).
ثم قال: وأي غضاضة على (الزعيم) إذا فسد جيله، أو خانت جنوده، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي.
العلامة المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله:
كتب في مقدمته لكتاب حياة الامام الحسن للشيخ باقر شريف القرشي رحمه الله(٣٥)
(كان من دهاء معاوية عزمه ان يحتفظ بصورة الإسلام مدة إمرته بالشام عشرين سنة فلا يصطدم بشعيرة من شعائره ولا يتطاول إلى اعتراض قاعدة من قواعده يتجاهر بشرب الخمر والأغاني ولا يقتل النفس المحترمة ويلعب بالفهود ولا يضرب المزمار والعود نعم قد يلبس الحرير والديباج وطيلسان الذهي ولا بأس بذلك فانه (كسرى العرب) وما احتفظ بشعائر الإسلام الا لحاجة في نفس يعقوب... بقي على ظاهر الإيمان المبطن بالكفر مدة مخالفته ومحاربته لأمير المؤمنين في صفين فلما استشهد سلام الله عليه تنفس الصعداء وغمرته المسرة وأمكنته الفرصة من اللعب على ال حبل وتدبير الحيل ولكن بعد ان بويع الحسن عليه السلام والتف عليه الأبطال من أصحاب أبيه وشيعته ومواليه، ومنهم الرؤوس والضروس والانياب والعديد والعدة والسلاح والكراع فوجد انه وقع في هوة أضيق وأعمق من الأولى فان الحسن سبط رسول الله وابن بنته وريحانته وهو لوداعته وسلامة ذاته محبوب للنفوس لم يؤذ أحدا مدة عمره بل كان كله خير وبركة ولم تعلق به تهمة الاشتراك بقتل عثمان بل قد يقال انه كان من الذابين عنه فكيف يقاس معاوية به وكيف يعدل الناس عن ابن فاطمة بنت رسول الله إلى ابن هند آكلة الاكباد؟
اقلق معاوية واقض مضجعه التفكير بهذه النقاط... ولكن سرعان ما اهتدى بدهائه ومكره إلى حل عقدتها فلجأ إلى عاملين:
أولهما: المال الذي يلوي أعناق الرجال ويسيل في لعبه لعاب الرجال وبعث إلى اعظم قائد من قادة جيش الحسن الذين بايعوه على الموت دونه وامسهم رحما به وهو عبيد الله بن العباس الذي جعله اميرا حتى على قيس بن سعد... بعث إليه بأكثر من خمسمائة ألف؟ ووعده عنه مجيئه إليه بمثلها(٣٦). وصار معاوية يعمل بهذه الخطة مع كل بارز من الشيعة ورجالهم وابطالهم فاستمالهم إليه جميعا ولم يستعص عليه الا عدد قليل لا يتجاوز العشرة كقيس بن سعد وحجر بن عدي وامثالهم.
الثاني وهي حيلة في تأثيرها الشد من الأولى استطابها السواد الأعظم وانجرف إليه الرأي العام تلك دعوى معاوية الحسن إلى الصلح وذلك ان المال كان يستميل به معاوية عيون الرجال اما العامة فلا ينالهم شيء منه ولكن الناس كانوا قد عضتهم أنياب الحروب حتى أبادت خيارهم وأخربت ديارهم في اقل من خمس سنين ثلاثة حروب ضروس الجمل وصفين ونهروان فأصبحت الدعوة إلى الحرب ثقيلة وبيلة والدعوة إلى الصلح والراحة لذيذة مقبولة.
وهنا تأزمت ظروفه سلام الله عليه وحاسب الموقف حسابا دقيقا حساب الناظر المتدبر في العواقب فوضع الرفض والقبول في كفتي الميزان ليرى لا يهما الرجحان.
فوجد انه لو رفض الصلح وأصر على الحرب فلا يخلو اما ان يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب، وهذا وان كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل ولكن فليكن بالفرض هو الواقع ولكن هل مغبة ذلك الا تظلم الناس لبني أمية وظهورهم لهم بأوجع مظاهر المظلومية؟ بالأمس قتلوا عثمان عينَ الأمويين وأميرَ المؤمنين (كما يقولون) واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين وخال المؤمنين (يا لها من رزية). ويتهيأ لبني أمية قميص ثان فيرفعون قميص عثمان مع قميص معاوية والناس رعاع ينعقون مع كل ناعق لا تفكير ولا تدبر فما ذا يكون موقف الحسن إذا لو افترضناه هو الغالب؟
اما لو كان هو المغلوب فأول كلمة تقال من كل متكلم ان الحسن هو الذي ألقى نفسه بالتهلكة فان معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى وعلى الباغي تدور الدوائر وحينئذ يتم لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للإسلام وإرجاع الناس إلى جاهليتهم الأولى ولا يبقي معاوية من أهل البيت نافخ شرمة.
بل كان نظر الحسن عليه السلام في قبول الصلح ادق من هذا وذاك، أراد ان يفتك به ويظهر خبيئة حاله وما ستره في قرارات نفسه قبل ان يكون غالبا أو مغلوبا وبدون ان يزج الناس في حرب ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء(٣٧).
وهكذا وفور إبرام الصلح صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين وقال (ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطيت الحسن شروطا كلها تحت قدمي)
المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله وتلميذه المرجع السيد كاظم الحائري:
وقال المرجع المعاصر السيد كاظم الحائري يبين رأيه في مبررات إقدام الامام الحسن عليه السلام على الصلح مع معاوية ثم يذكر ضمنا رأي أستاذه المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله في الموضوع.
قال: (وبالحقيقة هناك تفسيران يفسران اقدام الامام على إبرام الصلح مع معاوية أحدهما خاص والآخر عام.
أما التفسير الخاص: فهو ما بينه أستاذنا السيد الشهيد حول المرض الذي كانت الأمة مبتلاة به، وهو مرض الشك، حيث كانت الأمة تشك في طبيعة الصراع الذي كان ناشبا بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية وتصوره صراعا من اجل حيازة السلطة، وليس صراعا بين الحق ممثلا بالإمام الحسن عليه السلام والباطل ممثلا بمعاوية.
وليس من سبيل لمعالجة هذا المرض الا بمصالحة معاوية لأن الصلح وحده هو القادر على كشف حقيقة معاوية وإذا ما كشفت الأمة حقيقة معاوية سوف تدرك أن حربه على الامام الحسن عليه السلام انما هي حرب ظالمة، وأن الامام الحسن عليه السلام انما يدافع عن الحق وعن الرسالة وليس عن السلطان والجاه والرئاسة، وبالتالي فانه سوف يصار على تعرية بني أمية وكشف زيفهم وضلالهم، وبهذا يزال مرض الشك الذي كانت الأمة مبتلاة به فلا تشك بعدئذ بحقانية الأئمة في دفاعهم عن الرسالة ولا تصدق بشعارات بني أمية الكاذبة الزائفة(٣٨).
وأما التفسير العام: فهو الذي يفسر نهوض الأئمة بالأمر على أساس الأمر الواقع، فالإمام عليه السلام لا ينهض بالأمر الا عندما تتوافر لديه قوة ومقدرة تكفي لإنجاح مهمته وفق المقاييس المعقولة، ولا يشترط في هذه القوة أن تكون اكبر من قوة العدو من الناحية المادية، بل يكفي أن تكون متوافرة على شروط القوة المعنوية الأخرى، والإمام الحسن عليه السلام لم يحصل على هذه القوة حتى بالحد الأدنى الذي يمكن ان تستمر بواسطته المجابهة، ولهذا اضطر إلى إيقاع الصلح مع معاوية(٣٩):
وقد نقل الشيخ علي الكوراني رؤية الشهيد الصدر بقوله: قال الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره: تصاب المجتمعات بعدة أمراض كما يصاب الأفراد، ومن الأمراض التي أصيب بها المجتمع الإسلامي إبان إمامة الحسن عليه السلام هو مرض (الشك في القيادة) وهذا الداء ظهر في أواخر حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. حيث واجه أيام خلافته عدة حروب ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الأمة، فأخذ الناس يشكون هل أن المعارك التي تخاض معارك رسالية أم أنها معارك قبلية أو شخصية؟ وقد عبر أمير المؤمنين عليه السلام عن ظهور هذا الداء الاجتماعي في عدة مرات منها في خطبته المعروفة بخطبة الجهاد التي ألقاها على جنوده المنهزمين في مدينة الأنبار حيث قال لهم والألم يعصر قلبه: (ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وعلانا، وقلت لكم أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم، وملكت عليكم الأوطان). واستفحل (الداء) واشتد في حياة الإمام الحسن عليه السلام، فلم يكن باستطاعته في مثل هذه الظروف والمجتمع المصاب بهذا الداء أن يخوض معركة مصيرية تنتهي بالنصر على خصمه المتربص به، فإذا أضفنا إلى هذا شخصية الخصم معاوية الذي كان بإمكانه أن يبدو أمام الناس بمظهر الحاكم الملتزم بالدين وكذلك تعدد انتماءات المقاتلين مع الإمام الحسن عليه السلام حتى أبدى بعضهم استعداده لمعاوية أن يسلم له الإمام عليه السلام حيا، وطعنه بعضهم طعنة غادرة، إذا جمعنا هذا وغيره من الظروف عرفنا لماذا صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية)(٤٠).
باحثون آخرون من الشيعة المعاصرين:
وهناك باحثون وكتاب آخرون من الشيعة تبنوا الرؤية السائدة نفسها أمثال العلامة الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه حياة الامام الحسن، والسيد محمد جواد فضل الله في كتابه حياة الامام الحسن والشيخ مهدي البيشوائي في كتابه سيرة الأئمة والشيخ احمد زماني في كتابه حقائق بنهان وغيرهم.
الشيخ مهدي البيشوائي:
كتب الشيخ البيشوائي رأيه ضمن حديثه عن الحسن عليه السلام في كتابه عن سيرة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وهو احدث ما كتب (الطبعة الأولى سنة ١٤٢٣ هجرية) انطلاقا من الرؤية السائدة في الصلح وقد أفاد من الكتب التي كتبت قبله قال (وينبغي القول عموما ان الامام الحسن عليه السلام لم يصالح في الواقع بل فرض عليه الصلح أي تعاونت الظروف المتردية مع العوامل الأخرى بحيث أوجدت وضعا جعل الصلح أمرا ضروريا مفروضا على الامام، ولم ير حلا غير ذلك بحيث لو كان أي شخص يعيش طظروفه لما كان يختار غير الصلح والهدنة...
فمن ناحية السياسة الخارجية لتلك الفترة لم تكن الحرب الأهلية الداخلية في صالح العالم الإسلامي لان الروم الشرقية كانت تتحين الفرصة المناسبة...
ومن ناحية السياسة الداخلية لم يكن يتمتع أهل العراق لا سيما الكوفيون منهم بالاستعداد النفسي للقتال... وكانت حروب الجمل وصفين والنهروان والحروب الخاطفة ولدت عند أصحاب الامام علي حنينا إلى السلم والموادعة... وقد برز ذلك حين دعاهم الحسن للتجهز لحرب الشام كانت الاستجابة بطيئة جدا مما جعل احد أصحاب أمير المؤمنين يوبخهم على التثاقل والتخاذل.
ثم أورد نص الشيخ المفيد في الإرشاد الذي أوردناه فيما سبق...
ثم قل: ولم يكن العراقيون على مرام واتجاه واحد، مذبذبين لا يعرفون الوفاء ولا يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم يرفعون في كل يوم راية من الرايات وشعارا من الشعارات.
ثم ذكر ما أورده صاحب كتاب الاحتجاج من قولٍ نسبه إلى الحسن عليه السلام: والله ما سلمت الأمر إليه (أي معاوية) الا لأني لم أجد أنصارا ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا انهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا في فعل...)(٤١).
أقول: ورؤية أولئك الاعلام والباحثين المتأَخرين جميعا تستند إلى ما كتبه الشيخ المفيد رحمه الله، الذي لخص رواية أبي الفرج الاصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين مع حذف الأسانيد واسقاط بعض الفقرات.
الشيخ وحيد الخراساني المرجع الشيعي المعاصر
في مدينة قم المقدسة:
قال: (وقد ابتلي السبط الأكبر بمصيبة تظهر عظمتها من مقايسة أصحابه بأصحاب أخيه الحسين عليه السلام،... وأما الحسن عليه السلام فخطب بعد وفاة أبيه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما والله ما ثنانا ن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتنم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا. ثم أصبحتم تصدون [تعدون] قتيلين: قتيلا بصفين تبكون عليه، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر. وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الحياة قبلنااه منه، وأغضضنا عن القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمناه إلى الله. فنادى القوم بأجمعهم: بل البقية والحياة.
ثم أورد جزءا من رواية قال (ولما وجه إلى معاوية قائدا في أربعة آلاف، وكان من كندة، وأمره أن يعسكر بالأنبار، كتب إليه معاوية: إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام، أو الجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي المال وقلب على الحسن عليه السلام، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.
فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، لا يراقب الله في ولا فيكم.
فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس، وتوكد عليه، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنه لا يفعل. فقال الحسن عليه السلام: إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلا، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام، أو الجزيرة، فقلب على الحسن عليه السلام وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن عليه السلام ما فعل المرادي... وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية، فإنا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك، ثم أغاروا على فسطاطه وضربوه بحربة).
ثم كتب جوابا لمعاوية: إنما هذا الأمر لي، والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها محرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد)(٤٢).
أقول: وهذه هي رواية الراوندي عن الحارث الهمداني. وهي بتمامها كما يلي:
قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) في كتابه الخرائج والجرائح:
قال روي [عن] الحارث الهمداني قال:
لما مات علي عليه السلام، جاء الناس إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقالوا له: أنت خليفة أبيك، ووصيه، ونحن السامعون المطيعون لك، فمرنا بأمرك.
قال عليه السلام: كذبتم، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني فكيف تفون لي؟!
إن كنتم صادقين؟ فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوني هناك.
فركب، وركب معه من أراد الخروج، وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوه، وبما وعدوه، وغروه كما غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله.
فقام خطيبا وقال: قد غورتموني كما غررتم من كان قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟! مع الكافر الظالم، الذي لا يؤمن بالله، ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو ولا بنو أمية إلا فرقا من السيف؟! ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله عوجا، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم وجه إليه قائدا في أربعة آلاف، وكان من كندة، وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره. فلما توجه إلى الأنبار، ونزل بها، وعلم معاوية بذلك بعث إليه رسلا، وكتب إليه معهم: إنك إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام، أو الجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي ـ عدو الله ـ المال، وقلب على الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية، في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.
وبلغ الحسن عليه السلام [ذلك] فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، لا يراقب الله في ولا فيكم.
فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس، وتوكد عليه، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي، فحلف له بالإيمان التي لا تقوم لها الجبال أن لا يفعل. فقال الحسن عليه السلام: إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليك رسلا، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام، أو الجزيرة، فقلب على الحسن عليه السلام، وأخذ طريقة إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن عليه السلام ما فعل المرادي. فقام خطيبا وقال: قد أخبرتكم مرة بعد مرة أنكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية.
ثم كتب معاوية إلى الحسن عليه السلام: يا ابن عم، لا تقطع الرحم الذي بيني وبينك، فان الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك.
فقالوا: إن خانك الرجلان وغدرا، فانا مناصحون لك.
فقال لهم الحسن عليه السلام: لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم، وإني لأعلم أنكم غادرون، والموعد ما بيني وبينكم، إن معسكري بالنخيلة، فوافوني هناك، والله لا تفون لي بعهد، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم.
ثم إن الحسن عليه السلام أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال: يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين مرة بعد مرة، ولو سلمت إلى معاوية الأمر فأيم الله لا ترون فرجا أبدا مع بني أمية، والله ليسومنكم سوء العذاب، حتى تتمنون أن يلي عليكم حبشيا. ولو وجدت أعوانا ما سلمت له الأمر، لأنه محرم علي بني أمية، فأفٍّ وترحاً يا عبيد الدنيا.
وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية بأنا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك.
ثم أغاروا على فسطاطه، وضربوه بحربة، فاخذ مجروحا.
ثم كتب (الحسن) جوابا لمعاوية: (إن هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين، ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد).
وانصرف إلى الكوفة(٤٣).
أقول: وهذه الرواية وردت في كتاب اثبات الوصية المنسوب(٤٤) للمسعودي المتوفي سنة ٣٤٦ من دون ذكر راويها.
وقد أوردها الخصيبي في كتابه (الهداية الكبرى ص ١٨٩ ـ ١٩٤) مسندة عنه عن محمد بن علي، عن علي بن محمد، عن الحسن بن علي، عن ابن فرقد، عن علي بن الحسن العبدي عن أبي هارون المكفوف عن الحارث الأعور الهمداني قال:
(لما مضى أمير المؤمنين عليه السلام جاء الناس للحسن بن علي عليهما السلام فقالوا: يا ابن رسول الله نحن السامعون المطيعون لك أمرنا بأمرك قال: كذبتم والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني يعني أمير المؤمنين عليه السلام فكيف توفون لي وكيف اطمئن إليكم وأثق بكم ان كنتم صادقين، فهو غدا ما بيني وبينكم أعسكر بالمدائن فوافوني هناك. فركب معه من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يوفوا له بما قالوا وغروه كما غروا أباه أمير المؤمنين عليه السلام قبله. فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه وقال: يا أيها الناس قد غررتموني كما غررتم أبي أمير المؤمنين قبلي فلا جزاكم الله عن رسوله خيرا، (فقد قال أبي انكم) تقاتلون بعده مع الظالم الكافر اللعين ابن اللعين عبيد الله بن زياد الذي لا يؤمن بالله ولا برسول الله ولا باليوم الآخر ولا اظهر الإسلام هو ولا أبيه قاطبة الا خوفا من السيف، ولو لم يبق من بني أمية الا عجوز درداء لابتغت لدين الله عوجا هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم وجه قائدا في أربعة آلاف رجل وكان من كندة أمره أن يعسكر بالأنبار ونزل بها، وعلم بذلك معاوية بعث إليه رسول وكتب إليه معاوية إنك ان أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام والجزيرة غير ما أفيضه من الانعام عليك، وحمل إليه خمسمائة ألف درهم وقبضها الكندي لعنه الله من الرسول وانقلب عن الحسن ومضى إلى معاوية لعنه الله.
فقام الحسن عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إن صاحبي بعث إليه معاوية خمسمائة ألف درهم ووعده ومناه وولاه بعض كور الشام والجزيرة وقد توجه إليه وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة إنه لا وفاء لكم ولا خير عندكم أنتم عبيد الدنيا، وإني موجه مكانه رجلا إن هو علم به سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ولا يراقب في ولا فيكم فبعث رجلا من مراد في أربعة آلاف رجل وتقدم إليه فحلف بالإيمان لا تقوم لها الجبال بأنه لا يفعل كما فعل صاحبه، وحلف الحسن عليه السلام مثلها إنه يفعل ويغدر به، فلما توجه وصار إلى الأنبار ونزل بها وعلم ذلك معاوية بعث إليه رسولا وكتب إليه كما كتب إلى صاحبه وبعث إليه خمسمائة ألف درهم ومناه أن يوليه خيرا من كور الشام والجزيرة فنكث على الحسن ما فعل وأخذ طريقه إلى معاوية ولم يراقب ولم يخف ما أخذ عليه من العهد والميثاق.
وبلغ الحسن فعل المرادي لعنه الله فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس قد أخبرتكم مرة بعد مرة إنكم لا توفون بعهد الله وإنكم قد أغررتم هذا صاحبكم المرادي وقد غدر بي وصار إلى معاوية.
وكتب معاوية إلى الحسن عليه السلام يا أبن العم: الله الله فيما بيني وبينكم ان تقطع الرحم وأن قد غدروا بيني وبينكم وبالله أستعين.
فقرأ عليهم الحسن كتاب معاوية فقالوا: يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إن كان الرجلان غدرا بك وغراك من أنفسهما فإنا لك ناصحون متبعون غير غادرين، فقال الحسن عليه السلام والله لأعذرن هذه المرة فيما بيني وبينكم ان يعسكر بالنخيلة فوافوني هناك إن شاء الله تعالى فوالله لا توفون ما بيني وبينكم.
ثم إن الحسن عليه السلام أخذه طريقه إلى النخيلة عشرة أيام فوافاه عشر آلاف راجل فانصرف إلى الكوفة فدخلها وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
وا عجباه من قوم لا حياء لهم ولا دين يغدرون مرة بعد مرة، وأيم الله لو وجدت على ابن هند أعوانا ما وضعت يدي في يده ولا سلمت إليه بالخلافة وإنها محرمة عليهم، فإذا أنتم لا يأمن غدركم وأفعالكم، فإني واضع يدي في يده.
وأيم الله لا ترون فرجا ابدا مع بني أمية واني لأعلم عنده أحسن حالا منكم وتالله ليسؤمنكم بنو أمية سوء العذاب ويشنون عليكم جيشا عظيما من معاوية فأف لكم وترحا يا عبيد الدنيا وأبناء الطمع.
ثم كتب إلى معاوية إني تاركها من يومي هذا وغير طالب لها وتالله لو وجدت عليكم أعوانا ناصرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت إليك هذا الأمر ولا أعطيتك هذا الأمر الذي أنت طالبه أبدا.
ولكن الله عز وجل قد علم وعلمت يا معاوية وسائر المسلمين إن هذا الأمر لي دونك ولقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله أن الخلافة لي ولأخي الحسين وأنها لمحرمة عليك وعلى قومك وسماعك وسماع المسلمين، والصادق والأمين والمؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
وانصرف إلى الكوفة فأقام بها عاتبا على أهلها مواريا عليهم حتى دخل عليه حجر بن عدي الطائي، فقال له يا أمير المؤمنين كيف يسعك ترك معاوية؟ فغضب الحسن عليه السلام غضبا شديدا، حتى احمرت عيناه ودارت أوداجه وسكبت دموعه وقال: ويحك يا حجر تسميني بإمرة المؤمنين وما جعلها الله لي ولا لأخي الحسين ولا لأحد ممن مضى ولا لأحد ممن يأتي إلا لأمير المؤمنين خاصة؟
أو ما سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، قد قال لأبي يا علي ان الله سماك بأمير المؤمنين ولم يشرك معك في هذا الاسم أحدا فما تسمى به غيره الا وهو مأفون في عقله، مأبون في عقبه، فانصرف عنه وهو يستغفر الله فمكث أياما ثم عاد إليه، فقال له السلام عليك يا مذل المؤمنين فضحك في وجهه وقال والله يا حجر هذه الكلمة لأسهل علي واسر إلى قلبي من كلمتك الأولى فما شأنك؟ أتريد أن تقول ان خيل معاوية قد أشرفت على الأنبار وسوادها وأتى في مائة ألف رجل في هذين المصرين يريد البصرة والكوفة، فقال حجر يا مولاي ما أردت أن أقول الا ما ذكرته، فقال: والله يا حجر لو أني في ألف رجل لا والله الا مائتي رجل لا والله إلا في سبع نفر لما وسعني تركه، ولقد علمتم أن أمير المؤمنين دخل عليه ثقاته حين بايع أبا بكر فقالوا له مثلما قلتم لي فقال لهم مثلما قلت لكم فقام سلمان والمقداد وأبو الذر وعمار وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وأبو الهيثم مالك بن التيهان فقالوا: نحن لك شيعة ومن قال بنا شيعة لك مصدقون الله في طاعتك فقال لهم حسبي بكم قالوا وما تأمرنا قال إذا كان غدا فاحلقوا رؤوسكم واشهروا سيوفكم وضعوها على عواتقكم وبكروا إلي فإني أقوم بأمر الله ولا يسعني القعود عنه فلما كان من الغد بكر إليه سلمان والمقداد وأبو ذر وقد حلقوا رؤوسهم وأشهروا سيوفهم وجعلوها على عواتقهم ومعهم عمار بن ياسر وقد حلق نصف رأسه وشر نصف سيفه، فلما قعدوا بين يديه عليه السلام نظر إليهم، وقال لعمار يا أبا اليقظان من يشتري نفسه على نصر دينه يبقى ولا يخاف، قال: يا أمير المؤمنين خشيت وثوبهم علي وسفك دمي فقال اغمدوا سيوفكم فوالله لو تم عددكم سبعة رجال لما وسعني القعود عنكم.
وتالله يا حجر إني لعلى ما كان عليه أبي أمير المؤمنين لو أطعتموني، فخرج حجر واجتمع إليه وجوه قبائل الكوفة فقالوا إنا قد امتحنا أهل مصرنا فوجدناهم سامعين مطيعين وهم زهاء ثلاثين ألف رجل فقم بنا إلى سيدنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نبايعه بيعة مجددة ونخرج بين يديه ولا ندع ابن هند يعبر علينا وقوائم سيوفنا في أيدينا.
فجاؤوا إلى الحسن عليه السلام فخاطبوه بما يطول شرحه فقال لهم والله ما تريدون إلا انقطاع الحبل بي حتى تريحوا معاوية مني ولئن خرجت معكم بالله حتى أبرز عن هذا المصر ليرغبنكم وليدبر على رجل منكم يرغبه في قتلي بالمال الكثير ويسأله اغتيالي بطعنة أو ضربة فيضربني ضربة يجرحني بها ولا يصل إلي.
قالوا بأجمعهم تالله يا أبن رسول الله لا تقل هذا فنقتل أنفسنا وقد قلدناك دمنا.
فقال أبرزوا إلى المدائن حتى تنظروا فبرزوا وساروا حتى وردوا المدائن فعسكر بها في ليلة مقمرة وقد كان معاوية كاتب يزيد بن سنان البجلي ابن أخي جرير بن عبد الله البجلي لعنه الله وبذل له مالا على اغتيال الحسن وقتله فأخذ له سيفا وأحتمل تحت أثوابه وتوجه نحو الحسن عليه السلام فخاف على نفسه فرجع فرمى السيف وأخذ الرمح معه فضاق به صدره فرده خوفا وأخذ حربة مرهفة وأقبل يتوكأ عليها حتى انتهى إلى الفسطاط المضروب للحسن بن علي عليهما السلام فوقف غير بعيد ونظر إليه ساجدا وراكعا والناس نيام فرمى بالحربة فأثبتها فيه وولى هاربا فتمم صلاته والحربة تهتز في بدنه ثم انتقل من صلاته ونبه من حوله وصاحوا الناس فجاؤوا حتى نظروا إلى الحربة تهتز في بدنه فقال لهم هل أنا يا أهل الكوفة أخبرتكم ما تفعلونه وكذبتموني وأخذ الحربة وصاح بالرحيل وانكفأ من المدائن جريحا.
وكان له بالكوفة خطبا وخطابا كثيرا يسب فيه أهل الكوفة ويلعنهم وقال لهم أن يزيد بن سنان ابن أخي جرير بن عبد الله البجلي رماني بحربة فاطلبوه فخرج من الكوفة وسلم ولحق بمعاوية ورحل الحسن عليه السلام من الكوفة وسلم الأمر إلى معاوية وقلدها معاوية إلى زياد لعنه الله فكان هذا من دلائله عليه السلام(٤٥).
وأورد السيد هاشم البحراني(٤٦) في السند كما يلي: الخصيبي عن محمد بن علي بن محمد، عن الحسن بن علي، عن الحسن بن محمد بن فرقد، عن أبي الحسن العبدي، عن أبي هارون المكفوف، عن الحارث الأعور الهمداني (ت ٦٥ هـ)(٤٧).
أقول: والظاهر قوله: (عن أبي الحسن العبدي) هو علي بن الحسن العبدي.
وفي السند مشكلات عديدة:
منها ان أبا هارون المكفوف وهو من أصحاب الصادق وأضاف البرقي والشيخ الطوسي انه من أصحاب الباقر أيضا(٤٨)، لم يدرك الحارث الهمداني ت ٦٥ هـ. مضافا إلى ذلك فان الرواية مما تفرد بها الخصيبي وقد قال عنه النجاشي فاسد المذهب، والمتأمل في كتابه (الهداية) يجد الباحث اكثر من شاهد على فساد مذهبه.
هذا مضافا إلى ما في متنها من عبارات منكرة كقوله ان معاوية يناشد الحسن عليه السلام الرحِم، وان لا يركن إلى أهل الكوفة فانهم غدروا به وبأبيه!

مشاهير من الباحثين من أهل السنة
ابن العربي ت ٥٤٣ هـ:
(وعمل الحسن رضي الله عنه بمقتضى حاله: فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه:
نمها ما رأى من تشتت آراء من معه.
ومنها أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم أن عنده من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه. ومنها أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية)(٤٩).
أقول: اما قوله (فمنها انه طعن إلى قوله فعلم ان من عنده من ينافق عليه ولا يامنه على نفسه) فان الذي طعنه هو من الخوارج وقد نقل عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي العاصمي المكي عن الحافظ الذهبي في تاريخه دول الإسلام عن جرير بن حازم: قال... وطعنه رجل من الخوارج بخنجر مسموم في فخذه فوثب الناس على الرجل فقتلوه لا رحمه الله ونزل الحسن القصر الأبيض بالمدائن وكاتب معاوية في الصلح قال الذهبي وقال نحو هذا ابن إسحاق والشعبي(٥٠).
واما قوله (وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية). يمكن يصدق هذا الكلام قبل حرب النهروان لما اعلن الخوارج عن انفسهم وبدأوا بسفك دماء الابرياء وكان علي عليه السلام قد تجهز لحرب معاوية فانصرف لقتال الخوارج في النهروان كما في رواية عبد العزيز بن سياه(٥١). اما بعد الهنروان فقد بقي أفراد شكلوا نواة للاغتيال، في العراق والشام ومصر، ومنها أنه تذكّر وعد جدّه الصادق عند كل أحدٍ في قوله إن ابني هذا سيِّدٌ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. هذا القول من المبشرات وليس من الأسباب الداعية للصلح.
ويبقى من تعليله قوله (ما رأى من تشتت آراء من معه) هو الرأي السائد الذي ناقشناه ورددنا عليه.
الشيخ محمد الخضري:
(كان من رأي جند علي ان يبايعوا الحسن بالخلافة بعد قتل أبيه فبايعوه ولكن الرجل (أي الحسن)... رأى جندا لا يركن إليه وخصما قوي الشكيمة... فلم ير خيرا لنفسه ولا لأمته من أن يتنازل لمعاوية وصالحه على شروط رضيها الطرفان)(٥٢).
الدكتور حسن إبراهيم حسن:
(دعا المسلمون إلى الحسن بن علي بعد مقتل أبيه واستخلفوه الا ان خلافته لم تثبت امام قوة معاوية وما كان من رواجٍ الإشاعة بانهزام جيوشه امام جند الشام مما أدى إلى تخلي أهل العراق عنه فلم يجد بدأ من النزول عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين... على ان الدافع الحقيقي الذي حدا الحسن على النزول يرجع على ما ذكره اليعقوبي إلى انه قد اصبح لا قبل له بمعاوية وجنده فعقد معه صلحا نزل فيه عن حقه في الخلافة على ان يكون الأمر بعد معاوية شورى بين المسلمين يولون عليهم من احبوا وبذلك اصبح معاوية صاحب السلطان المطلق في الولايات الإسلامية كافة)(٥٣).
سند الإسلاميين جميعا في تحليلهم الآنف الذكر هو الروايات التاريخية أيضا:
استند كل الإسلاميين الآنفي الذكر في تعليل الصلح والتنازل إلى ضعف الجيش العراقي على روايات كثيرة لا يكاد يخلو منها كتاب تاريخي وقد أوردنا طرفا منها انفا وسنورد الباقي في الفصل الثامن من الباب الثالث من هذا الكتاب.
الباب الثاني: القراءة الجديدة: الفتح المبين لمشروع علي عليه السلام الذي حقّقه  الحسن عليه السلام بصلحه
اشتمل الباب الثاني على ثمانية فصول:
تناول الفصل الأول: خلفيات الصلح التي تمثلت بنهضة علي عليه السلام لتحرير دين محمد صلى الله عليه وآله من بدع قريش المسلمة وقصص التوراة المحرفة التي نشرها كعب الأحبار وتميم الداري وإحياء أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام التي منعت منها الخلافة، وكان مدخل نهضته إحياء حج التمتع أيام عثمان حينما انشقت عليه قريش ولما قتلته بايع المسلمون عليا وتوحد جناحا قريش لحرب علي عليه السلام ووأد مشروعه ثم استشهد وهو يعد العدة لحرب معاوية بعد غاراته على أطراف البلاد ثم بيعة أهل الشام معاوية وبيعة أهل العراق الحسن عليه السلام وطلب معاوية الصلح وهنا يجيء الصلح بصيغة الامام الحسن عليه السلام ولم يكن معاوية ولا أهل الشام متوقعين له بل ولا أهل العراق ولم يدر في خلدهم جميعا ولكنهم امنوا به جميعا لما فيه من معالجة للانشقاق وحفظ لحقوق أهل العراق مع عدم المساس بحقوق أهل الشام واختيارهم، مع ضمانة لمشروع علي عليه السلام ان تشق أخباره طريقها إلى أهل الشام من موقع التشوق إلى استماعها فكان بحق فتحا مبينا للحسن ولمشروع عليه وكان الحسن على سر أبيه بشكل فهمه الجميع.
وتناول الفصل الثاني: وضع شيعة علي خلال السنوات العشر الأولى ونشاطهم في جو الأمان التام حيث كانت بنود الصلح منفذة، ونشرهم اخبار مشروع علي واخبار سيرته المشرقة واتضح للناس إمامته الهادية وظلامته مع افتضاح معاوية وسلفه الذين عطلوا سنة النبي صلى الله عليه وآله واتضح لمن أراد ان يفهم الحقيقة ان معاوية أراد إحياء سيرة سلفه عثمان وشعاره الذي قام حكمه عليه/ العمل بسيرة الشيخين/ وكيف هذه السيرة كانت إفسادا لسنة النبي، وكيف ان عليا وقف في وجهها واحيا سنة النبي ولولاه لما عرف المسلمون سنة نبيهم، وتناول الفصل الثالث: طرفا من اخبار سيرة الامام الحسن في سنوات الصلح خاصة التي برز فيها للمجتمع الإسلامي إماما هاديا إلى الله تعالى تذكر رؤيته بجده النبي صلى الله عليه وآله وبأبيه علي عليه السلام خلقا وعبادة وعلما وزهدا ورسالية.
وتناول الفصل الرابع: طرفا من اخبار معاوية في (غدره المبين) بالحسن وبشيعته غدرا وشجت عليه أصول معاوية غدرا يستهدف الانتقام من شيعة علي عليه السلام لنشرهم اخبار مشروعه وسيرته المشرقة والى إرجاع الكوفة إلى ماضيها يوم مصرت على عهد عمر بن الخطاب.
وتناول الفصل الخامس: ملاحظات تفصيلية حول بعض موارد كتاب صلح الحسن للعلامة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله. باعتباره يمثل الرؤية السائدة ولأجل تجلية الفروق بين الرؤية الجديدة والرؤية السائدة في تعليل الصلح وقراءة بنوده.
وتناول الفصل السادس: مسار الإمامة الإلهية الهادية في المجتمع الإسلامي التي منحها النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى لعلي عليه السلام في الغدير وكيف ادعتها قريش المسلمة وعطلت باسمها سنة النبي صلى الله عليه وآله وكيف أعادها علي عليه السلام في المجتمع من خلال نهضته الإحيائية للسنة النبوية وكيف بلورها الحسن في صلحه وعرفها لأهل الشام ليهلك من هلك من بينه ويحيى من حيَّ عن بينة.
وتناول الفصل السابع: صلح النبي صلى الله عليه وآله مع قريش في الحديبية مقارنا بصلح الحسن عليه السلام مع معاوية من اجل ان تتضح وحدة الظرف بين الصلحين ووحدة الهدف ووحدة النتائج. ومنه يتضح ان الحسن عليه السلام امتداد لجده النبي صلى الله عليه وآله وأبيه علي في عملهما الرسالي، وان معاوية امتداد للخليفة عثمان والخليفتين في عملهم في تطويق علي وإماتة السنة وتعطيلها.
وتناول الفصل الثامن: الكوفة في مسارها الفكري منذ تمصيرها يوم كانت مركزا يتقيد بسيرة الخلفاء من قريش ويعتبرها دينا، ثم احتضانها مشروع علي عليه السلام الإحيائي للسنة النبوية ونصرتها له والبراءة من سيرة الشيخين ومواجهة قريش الناكثة والقاسطة ثم نصرت حركة الحسن والحسين وحركة الأئمة من ضرية الحسين وحركة الثوار من ذرية الحسن والحسين عليهما السلام ومقاومة خطط الأمويين الرامية إلى إرجاعها إلى ما كانت عليه زمن الخلفاء القرشيين.
الباب الثاني/ الفصل الأول: خلفيات الصلح
الخلفية المباشرة للصلح هي نهضة علي عليه السلام الاحيائية للسنة
الخلفية المباشرة لصلح الامام الحسن مع معاوية التي ينبغي ان يدرس الصلح في ضوئها هي نهضة أمير المؤمنين الإحيائية للسنة التي استهدفت تحرير دين محمد صلى الله عليه وآله من بدع قريش التي عطلت شريعته وحرفت معالمها ومن قصص التوراة المحرفة التي شقت طريقها في المجتمع عن طريق أحاديث كعب الأحبار وتميم الداري على عهد عمر وعثمان هذه القصص التي أساءت إلى الله والى أنبياءه.
اما الشع الذي رفعه علي عليه السلام في نهضته الإحيائية للسنة (ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول احد من الناس) فتمتد جذوره إلى قصة الشورى السداسية التي أفرزت حكم عثمان ودولة بني أمية الأولى وكان اهم ما فيها هو اشتراط العمل بسيرة الشيخين على الحاكم المبايَع إلى جنب كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله، وقد رفضه علي عليه السلام لما عرضه عليه عبد الرحمن بن عف وتقبله عثمان، نهض علي عليه السلام سنة ٢٧ هـ لإحياء حج التمتع الذي نهى عنه عمر وعاقب عليه، ولما قتلت قريش الثائرة عثمان بايعت الجماهير عليا عليه السلام على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله، ولما قتل علي عليه السلام بايع العراقيون ابنه الحسن عليه السلام على كتاب وسنة النبي، ومن الطبيعي ان يبايع الشاميون معاوية على كتاب الله وسيرة الشيخين وفيما يلي التفصيل.
قصة الشورى وبيعة عثمان (٥٤)
قال عوانة بن الحكم عن الشعبي ورواه الجوهري أيضا(٥٥): لما طُعِن عمر جعل الأمر شورى بين ستة نفر: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن مالك، وكان طلحة يومئذ بالشام،... قال الشعبي: فحدثني من لا أتهمه من الأنصار، وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري: هو سهل بن سعد الأنصاري، قال: مشيت وراء علي بن أبي طالب حيث انصرف من عند عمر، والعباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه، فسمعته يقول للعباس... ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنا، ولئن فعلوها ـ وليفعلُنَّ ـ ليرونني حيث يكرهون، والله ما بي رغبة في السلطان، ولا حب الدنيا، ولكن لإظهار العدل، والقيام بالكتاب والسنة..
قال عوانة: فحدثنا إسماعيل، قال: حدثني الشعبي، قال: فلما مات عمر، وأدرج في أكفانه... فتقدم صهيب فصلى على عمر. قال الشعبي: وأدخل أهل الشورى دارا... واجتمع الناس، وكثروا على الباب...
وكان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان، وهوى طائفة من الأنصار مع علي...
فأقبل المقداد بن عمرو، والناس مجتمعون، فقال: أيها الناس، اسمعوا ما أقول، أنا المقداد بن عمرو، إنكم إن بايعتم عليا سمعنا وأطعنا، وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا.
فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، فنادى: أيها الناس، إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا، وإن بايعتم عليا سمعنا وعصينا.
فقال له المقداد: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون! فقال له عبد الله: يا بن الحليف العسيف، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش!.(٥٦)
فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أيها الملأ، إن أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها، فبايعوا عثمان، فقال عمار بن ياسر: إن أردتم ألا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليا، ثم أقبل على عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال: يا فاسق يا بن الفاسق، أأنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم! وارتفعت الأصوات...(٥٧)
قال الشعبي: فأقبل عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، فقال:
عليك عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق: إن بايعتك لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة أبي بكر وعمر!(٥٨)
فقال علي عليه السلام: طاقتي ومبلغ علمي وجهد رأيي، (وفي رواية اليعقوبي: ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرَى احد)(٥٩).
فأقبل على عثمان، فقال له مثل ذلك، فقال: نعم لا أزول عنه ولا أدع شيئا منه. ثم اقبل على علي فقال له ذلك ثلاث مرات ولعثمان ثلاث مرات في كل ذلك يجيب علي مثل ما كان أجاب به، ويجيب عثمان بمثل ما أجاب به فقال: ابسط يدك يا عثمان، فبسط يده فبايعه(٦٠).
قال: عوانة وقام القوم فخرجوا وقد بايعوا الا علي بن أبي طالب فانه لم يبايع(٦١)، أقول: هذا وهمٌ أو تحريف من عوانة، إذ كيف يسمح لعلي بالخروج قبل البيعة وقد رووا عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي أن عمر بن الخطاب لما حضر قال: ادعوا لي عليا وطلحة والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعدا،... ثم قال: ادعوا لي صهيبا، فقال: صل بالناس ثلاثا، وليجتمع هؤلاء الرهط فليخلوا، فإن اجمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم(٦٢).
وفي رواية البلاذري: وكان عليّ قائما فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلَّا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فيقال إنّ عليّا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى وقالوا: بايع وإلَّا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان(٦٣).
وفي رواية البخاري: قال عبد الرحمن بن عوف لعلي: فلا تجعلن على نفسك سبيلا(٦٤).
أقول: ليس من شك ان بيعته عليه السلام لعثمان التي اكره عليها بالسيف قبل ان يخرج من غرفة الاجتماع لم تكن على العمل بسيرة الشيخين بل كانت على العمل بالكتاب والسنة أي على ما بايع عليه أبا بكر وعمر سابقا، وهي أيضا كانت بيعة قد اكره عليها، وقد قَبِل أهل الشورى منه ذلك، ولم يكونوا يتوقعوا منه ان يقوم على عثمان لإحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله حينما تؤاتيه الفرصة(٦٥)، وقد واتته الفرصة سنة ٢٧ هـ حين نهض بالأمر.
ما هي سيرة الشيخين التي رفضها علي عليه السلام؟
ليس من شك ان سيرة الشيخين التي رفضها علي عليه السلام انما كانت اجتهادا منهما في قبال الكتاب والسنة: والنظرية فيها ان للخليفة بعد بيعته الحق في الاجتهاد في قبال الكتاب والسنة، وان اجتهاداته تكون ملزمة للخليفة من بعده، وللخليفة الجديد الحق ان يضيف إلى اجتهادات من سبقه، لا ان ينسخها.
ولم يقف اجتهاد الخليفتين عند مورد واحد من سنة النبي صلى الله عليه وآله بل تجاوزاه إلى موارد ومسائل كثيرة:
منها مسائل اجتماعية: كتحريم متعة النساء(٦٦)، وإمضاء التطليقات بلفظ واحد ومجلس واحد(٦٧)، وغير ذلك.
ومنها مسائل ثقافية: من قبيل المنع من نشر حديث النبي صلى الله عليه وآله، وحرق مذكرات الصحابة فيه، ومنع السؤال عن تفسير القرآن(٦٨)، وفسح المجال لعلماء أهل الكتاب الذين اسلموا لنشر قصص الخلق وسير الأنبياء المحرفة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله(٦٩).
ومنها مسائل سياسية: من قبيل الإعراض عن بيعة المنصوص عليه وإقامة الحكم الإسلامي ببيعة خاصة قبل البيعة العامة مع إكراه الآخرين عليها الأمر الذي أشار إليه علي عليه السلام حين طلبوا منه البيعة بعد قتل عثمان في بيته قال (لا احب ان تكون بيعتي خفيا) وصرفهم إلى المسجد لتكون بيعة عامة ولم يكره أحدا عليها(٧٠).
ومنها مسائل اقتصادية: من قبيل حبس الخمس عن أهل البيت عليهم السلام(٧١).
ومنها مسائل عبادية: كتحريم متعة الحج، وتغيير مقام إبراهيم عن موضعه الذي وضعه النبي صلى الله عليه وآله فيه(٧٢)، والأمر بصلاة التراويح وقد تركها النبي عمدا(٧٣)، وحذف (حي على خير العمل من الأذان) التكتيف في الصلاة، وغير ذلك.
وغيرها من المسائل(٧٤).
انشقاق قريش الحاكمة على نفسها
لم تبق قريش المسلمة كحزب حاكم متماسكة بل انشقت على نفسها بسبب اجتهاد عثمان بإيثاره اسرته في الولايات والأموال(٧٥) على بقية بطون قريش خلافا لاجتهاد عمر بتوسعتها في بطون قريش.
فقد بدأ عهده باستقدام عمه الحكم(٧٦) والد مروان، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد نفاه إلى الطائف، ثم جعل مروان بن الحكم(٧٧) كاتبه الخاص بعد ان زوجه ابنته، ثم عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة ٢٥ هجرية وعيَّن أخاه لأمه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن(٧٨).
وفي سنة ٢٦ هجرية جمع الشام كلها لمعاوية، وفي سنة ٢٧ هجرية جمع مصر كلها لأخيه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان النبي قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان(٧٩)، وفيها أيضا عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة وضم إليه ولاية فارس.
وبسبب ذلك شاع التذمر في بطون قريش الأخرى وصار المتذمرون وهم عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وعائشة حزبا، وعثمان ومعه بنو أبيه/ بنو أمية/ حزبا.
واستحكم الخلاف بين الحزبين القرشيين سنة ٢٧ هجرية حين اعلن عبد الرحمن بن عوف المرشح الأكيد لخلافة عثمان مقاطعته لعثمان، وبدأ الجناح المنشق يثير امام عثمان مخالفاته لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وحديثه فيه وفي رجاله الذين اعتمدهم من اسرته لتوهين مقامه في المجتمع وتثوير الناس عليه(٨٠).
مشروع علي عليه السلام لإحياء السنة النبوية في حج التمتع
في مثل هذا الظرف السياسية المواتي للنهوض قرَّر علي عليه السلام البدء بمشروعه وحركته الإحيائية لسنة النبي في المجتمع، وأعلن عن عزمه الحج تلك السنة، ولبى بحج التمتع الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله وحرَّمته الخلافة القرشية، وأوعز إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين على رأيه وهم أبو ذر وعمار ومقداد ونظراؤهم ان ينشروا الحديث النبوي في حقه وحق أهل بيته وكونهم الأئمة الهداة بعد النبي صلى الله عليه وآله.
روى مالك في الموطأ: (ان المقداد بن الأسود دخل على علي عليه السلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى عن ان يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي عليه السلام وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط، على ذراعيه، حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة، فقال: عثمان ذلك رأيي، فخرج عليٌّ عليه السلام مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا)(٨١).
وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احم واللفظ للأول عن سعيد بن المسيب قال: (حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة...). قال الامام السندي بهامشه: (قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله، وانه لا طاعة له في مقابل السنة).
وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسين عليهما السلام عن مروان بن الحكم قال: (شهدت عثمان وعليا عليه السلام وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قل ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وآله لقول أحد). وفي لفظ النسائي: (فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لادع سنة رسول الله لاحد من الناس)(٨٢).
وكان ابوذر الغفاري رحمه الله احد ابرز رجال هذه النهضة، نشر ما سمعه عن النبي في حق أهل بيته واولهم علي حديث الغدير وحديث السفينة وبسبب ذلك نفاه عثمان إلى الشام ثم استقدمه منها بطلب من معاوية حين اخبره انه يخاف على أهل الشام من أحاديث أبي ذر فنفاه إلى الربذة(٨٣).
قريش تقتل عثمان والجماهير تبايع عليا عليه السلام
أقدمت (قريش المنشقّة)(٨٤) على قتل الخليفة عثمان(٨٥) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٣٥ هجرية(٨٦)، وتوقعت ان تبايع الجماهير طلحةَ أو الزبيرَ لكنها فوجئت بحركة الجماهير نحو علي عليه السلام تطلب منه البيعة.
منهج علي عليه السلام في بيعته وحكومته
وفوجئت الجماهير أن علياً عليه السلام يرفض ان يبايعوه قائلا (دعوني والتمسوا غيري)(٨٧) وبعد إصرارهم عليه يواعدهم في المسجد لتكون بيعة عامة يشهدها الجميع وكان يقول (لا تكون بيعتي خَفْياً).
وسُرَّ الناس بهذا الإجراء لأنه كاشف عن عدم حرص علي عليه السلام على الإمرة والسلطان(٨٨)، وأنه لا يطلبه حثيثا بل لا يقبل به حتى حينما يأتيه إلى بيته، ومن جهة أخرى يكشف عن حرصه أن تكون البيعة على مرأى ومشهد من كل الناس ليقول قائل ما يرغب أن يقوله سلباً أو إيجاباً ويكون الناس أحراراً في إعطاء صوتهم ولا يُؤخذون على حين غِرَّة ولا تكون البيعة فلتة.
وأقبل الناس على البيعة في المسجد مسرورين وازدحموا عليه يتسابقون على مس يده الشريفة وكان في مقدمتهم طلحة والزبير، قال عليه السلام يصف هذا المشهد:
(وبسطتم يدي فكفَفتُها، ومددتموها فقبضتُها، ثم تداككتم علي تداكَّ الإبل الهِيم على حياضِها يوم وِردِها، حتى انقطعت النعلُ، وسقط الرداء، ووُطِئَ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيايَ أن ابتهجَ بها الصغيرُ، وهدّج إليها الكبير، وتحاملَ نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب)(٨٩).
أقام علي عليه السلام أروع تجربة حكم مدني بعد النبي صلى الله عليه وآله دامت خمس سنوات إلا ثلاثة شهور تميّزت هذه التجربة:
ـ بحاكم عالم تصرف كالأب الرحيم والأخ الكريم مع شعبه.
ـ يحكم بينهم بالعدل.
ـ ويعلمهم ما كانوا يجهلونه من سنن النبي صلى الله عليه وآله وتفسير القرآن.
ـ ويحثهم على مراقبة الحاكم ويجرئهم على محاسبته بكل وسيلة، ويتحمل أخطاءهم إزاءه(٩٠).
وأحب الناس علياً عليه السلام في العراق لهذا ولما عرفوا من سابقته مع النبي صلى الله عليه وآله وما حباه الله ورسوله به من الولاية الإلهية والاصطفاء.
رد فعل قريش المسلمة السلبي من علي عليه السلام
لم تطب قريش المسلمة نفسا بعهد علي عليه السلام ووقفت ضده في أخطر محاولتين لتجريده من العراق والشام/ مركزيْ القوة العسكرية والموارد المالية للدولة الإسلامية/ ثم الإجهاز عليه لقتله.
وأحبط الله تعالى مساعيها في المعركة الأولى لوعي الكوفة ونصرتها لعلي عليه السلام في حرب الجمل في البصرة فقد خرج منها كما في رواية أبي الطفيل قال: (قال علي يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل فقعدت على نجفة ذي قار فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا)(٩١).
ونجحت قريش في المعركة الثانية واستطاعت أن تحوّل الشام إلى مركز عداء ليس عسكرياً فحسب بل مركز عداء فكري وإعلامي من خلال الأكاذيب التي اختلقت في حق علي عليه السلام، ونجح معاوية بعد أن اصطفَّت قريش خلفه(٩٢) يسانده أهل الشام في الوقوف بوجه علي عليه السلام في حرب طاحنة في صفين دامت ثلاثة اشهر(٩٣).
وبعد وقوف القتال ومرور سنة على التحكيم تحول أهل الشام إلى سرايا سلب ونهب تغير على الأطراف التابعة لعلي عليه السلام(٩٤) مع إعلام مضاد شوَّه سيرته عليه السلام عند أهل الشام(٩٥)/ الذين يجهلون أساسا مقامه عليه السلام في الإسلام لجهلهم بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حقه وسابقته معه، مضافا إلى افتراء معاوية أن علياً يتحمل مسؤولية دم عثمان(٩٦) وأن قتلة عثمان هم شيعته وأكاذيب أخرى/ جعل منه رمزاً للفساد وأهلا للعن والبراءة والقتال.
شهادة علي عليه السلام على يد حملة الفكر التكفيري (الخوارج)
ابتليت تجربة علي عليه السلام الفتية في الحكم إلى جانب تمرد قريش في الجمل وصفين ذلك بتمرد أهل النهروان الذين حملوا شعار تكفير علي ثم جرأتهم على قتل الأبرياء المسالمين.
ونجح العراقيون في اختبارهم الصعب حين قاتلوهم مع علي عليه السلام في النهروان وفيهم إخوانهم وأبناؤهم(٩٧).
وتحوَّل بقية الخوارج ممن نجا أو لم يلتحق بالنهروان إلى خلايا تعمل على الاغتيال ليس فقط في الكوفة بل في الشام ومصر.
لقي علي عليه السلام مصرعه على يد حلقة من حلقات هؤلاء التكفيريين في أولى أعمالها وهو يعد العدة لوضع حد لغارات معاوية المتتالية التي كانت تقوم بالقتل والنهب والسلب وتهرب.
مشروع علي عليه السلام إنجازات ومشكلات
كان علي عليه السلام يحمل مشروعاً قبل أن تبايعه الأمة على الحكم وهو (إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله وأحاديثه في أهل بيته التي تعرِّف المسلمين بإمامتهم الإلهية الهادية) وقد انطلق به سنة ٢٧ هـ بعد أن توفرت له أسباب النهوض آزرته عليه مجموعة طيبة من الصحابة منهم المقداد وعمار وحجر بن عدي ونظراؤهم، وقد اتسعت ثمرة المشروع حين بايعت الأمة علياً على الحكم بعد قتل عثمان وأتيحت الفرصة لعلي عليه السلام أن يحيي سنن النبي صلى الله عليه وآله فيه ويقدم سيرة رائدة ونموذجا للحاكم المسلم لم تكن أهل البلاد المفتوحة قد شهدتها من قبل ولا سمعت بها.
أفرزت حركة علي عليه السلام في نهاية المطاف تياراً شعبياً وثلة من العلماء داخل الأمة حمل السنة النبوية عنه وآمن به إماماً هادياً بعد النبي صلى الله عليه وآله، كان قسم من رجال هذا التيار صحابة،/ بعضهم ـ وهو القليل ـ من المهاجرين وأغلبهم من الأنصار(٩٨)/ قد آمنوا بهذا الموقع لعلي عليه السلام في العهد النبوي نفسه، والقسم الآخر من رجال هذا التيار وهو الأغلب من أهل البلاد المفتوحة شرقاً وبخاصة الكوفيين الذين شهدوا سيرته وسمعوا منه وصارت الكوفة بهم مركزاً علمياً وشعبياً يحمل ثقافة الولاء لعلي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام.
ولكن مجتمع ثقافة الولاء لعلي أصبح مهددا داخلياً من التكفيريين الخوارج، ومطوقا خارجياً بغارات معاوية وأعلامه الكاذب ضد علي عليه السلام.
أهل العراق يبايعون الحسن عليه السلام على الحكم
كان أول تعبير عن وفاء العراقيين لعلي عليه السلام وإيمانهم بمشروعه وبثقافة الولاء لأهل البيت عليهم السلام هو أقدامهم على بيعة الحسن عليه السلام الذي شخصته النصوص إماماً هادياً معصوماً وارثاً لتراث النبوة الخاتمة، وتقبل الحسن بيعتهم لثقته بهم(٩٩)، بايعوه حاكماً مدنياً يحكمهم بالعدل بالإضافة إلى نصرتهم له ليواصل مشروع أبيه في نشر سنة النبي صلى الله عليه وآه والتعريف بإمامة أهل بيته عليهم السلام الهادية التي وقفت قريش المسلمة قبالها لتطويقها والتعتيم عليها بل خنقها واستئصالها على عهد معاوية.
العقبات امام انطلاقة مشروع علي عليه السلام
ليس من شك أنَّ الحسن عليه السلام كان على منهاج أبيه علي عليه السلام ليس لأنه ولده حسب، بل لأنه وصي النبي صلى الله عليه وآله ووارث إمامته الإبراهيمية بنص منه، ويهمه أساساً أن ينطلق مشروع علي عليه السلام في هداية الأمة كلها ولا يبقى حبيساً في الجانب الشرقي من البلاد الإسلامية، وكانت أهم عقبتين بل عقدتين أمام انطلاقة المشروع هما:
العقبة الأولى؛ انشقاق الشام:
هذا الانشقاق الذي استحكم ببيعة الشاميين لمعاوية على الحكم على ما بويع عليه عثمان، على كتاب الله وسنة النبي وسيرة الشيخين، وهذه العقبة خلقت عدة مشكلات بعضها فَعلي والآخر تحت الرماد:
الأولى: مشكلة فقدان الأمان في الطرق الخارجية بين ولايات الدولة الإسلامية حيث انعدمت بفعل غارات جيش معاوية على الأطراف الآمنة التابعة لعلي عليه السلام. وهذه مشكلة فعلية قائمة.
الثانية: مشكلة ثقافة العداء لعلي عليه السلام عند أهل الشام، فهم يعتقدون أن علياً عليه السلام مشترك في قتل عثمان مفسد في الدين مخالف لسيرة الشيخين، يستحق أن يُلعن ويُتبرأ منه ومن شيعته بل يستحقون أن يُستأصَلوا جميعا وهذه المشكلة فعلية أيضا.
الثالثة: مشكلة تهديد الروم البزنطيين على الجبهة الشمالية الشرقية للشام وهذه المشكلة فعلية أيضا.
الرابعة: مشكلة تحت الرماد تتمثل باحتمال أن يتبنى المنشقُّون إحياء القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس لتجريد الحسن عليه السلام من سلاح الكعبة/ القبلة العامة لكل المسلمين/ ولإحكام عُزلة أهل الشام عن العراقيين حتى لا ينفتحوا على الحقائق التي قد تغيِّر من ولائهم لمعاوية. وقد حصل مثل هذا في عهد بني إسرائيل في الشام وتعددت القبلة والكتاب الإلهي عندهم وبقيت امتدادات القبلتين والكتابين إلى زمن معاوية وإلى اليوم، وقد نفَّذ عبد الملك بن مروان جزءا من هذا المخطط في زمانه لما كان خصمه عبد الله بن الزبير مسيطراً على مكة.
العقبة الثانية؛ الخوارج:
حمل الخوارج شعار التكفير لعلي عليه السلام وتحولوا إلى خلايا اغتيال ومجموعات تغير على ال ابرياء وتقتلهم لأنهم يسالمون السلطة، وقد تسببت هذه النشاطات ان تفتقد الأمة وبخاصة البلاد الشرقية الأمان داخليا.
المفتاح لانطلاق مشروع علي عليه السلام في الشام هو الصلح وليس الحرب
تكشف الدراسة المقارنة بين حال مشروع علي عليه السلام ومشروع النبوة من قبل عن حقيقة مثيرة وهي أن مشروع علي عليه السلام في إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله قد أحاطته مشكلات هي عين المشكلات التي أحاطت بمشروع النبوة في المدينة من قبل لإحياء دين إبراهيم.
فقد استطاعت قريش المشركة أن تطوق النبي صلى الله عليه وآله بطوق إعلامي يبرزه رجلاً انتهك حرمة البيت الحرام وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام(١٠٠) مفسداً في دين إبراهيم، وأبرزت قريش نفسها أنها على دين إبراهيم تريد السلم وخدمة بيت الله وزواره(١٠١).
واستطاعت بإعلامها هذا أن تجند عشرة آلاف مقاتل في معركة الأحزاب (الخندق).
وأوحى الله تعالى إلى نبيه ان يغيِّر خطة الحرب مع قريش بعد قصة الخندق إلى خطة صلح، لأن مواصلة الحرب سوف لن تزيد الإعلام الكاذب إلا قوةً وتأثيرا، وبالتالي سوف تبقى الصورة الصادقة للإسلام وللنبي صلى الله عليه وآله وانه جاء معظماً للبيت ومحرراً له من الأصنام، وأن قريشا هي التي تصد عن بيت الله سوف تبقى هذه الصورة حبيسة المدينة لا غير(١٠٢).
وخرج النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه في موسم الحج قاصداً العمرة معه الهدي رافعاً مشروع الصلح سنة ست من الهجرة، ولكن قريش بقيت على عنادها وصدتَّه عن زيارة البيت ووقّعت معه معاهدة صلح مشترطةً عليه ان يرجع عامه هذا وأن يأتي العام القابل لزيارة البيت، وافتضحت في دعاواها مع حلفائها حين صدت النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه عن زيارة البيت ومعه الهدي.
وانفتح الناس على النبي صلى الله عليه وآله أيام الصلح ودخلوا في الإسلام وارتفع عدد المسلمين من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف خلال سنتين ونصف، ثم غدرت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله وفتح النبي مكة وانهارت دولة قريش سنة ثمان من الهجرة(١٠٣).
وكذلك كان معاوية ومن معه من (قريش الأبناء)(١٠٤) في الشام سنة ٣٧ هـ فقد أظهروا لشعوب النصف الغربي من الأمة عبر الإعلام الكاذب: أنّ عليا قد سفك دماء المسلمين في حروبه لأجل الملك وانه افسد في دين محمد صلى الله عليه وآله، وان عثمان قُتل مظلوماً وأن قَتَلَةَ عثمان عند علي عليه السلام بل هو أحدهم(١٠٥)، وأنّ معاوية يدعو إلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين ويريد السلم والاقتصاص ممن قَتَلَ الخليفة المظلوم عثمان.
والحسن عليه السلام بين يديه مشروع أبيه (إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله واحاديثه في أهل بيته عليهم السلام التي تعرف المسلمين بإمامتهم الإلهية الهادية) وهو مشروع يستهدف هداية الأمة كلها، يحمله العراقيون معه. ولكنه حوصر داخل النصف الشرقي من البلاد الإسلامية من قبل معاوية وقريش المسلمة الأبناء التي اصطفت خلفه فحالوا دون انطلاقة المشروع إلى شعوب النصف الغربي من البلاد الإسلامية، ولم يقف الأمر عند هذا المستوى بل استطاع معاوية أن يجنِّد من هذه الشعوب وبخاصة الشاميين جيشاً عقائدياً ضد المشروع يعمل على تطويقه ومقاتلته بكل ما أوتي من قوة، وقد خاضوا معه أشد حرب وأعظم حرب شهدتها الأمة في تاريخها ثم تحول الجيش بعد ذلك إلى سرايا تغير على أطراف البلدان المؤمنة بعلي عليه السلام تنهب وتسلب وتقتل وتنهزم لتخويف الناس والحد من انتشار مشروع علي عليه السلام.
ثم بايعت هذه الشعوب معاوية حاكماً على طريقة وسيرة سلفه الخلفاء القرشيين الذين فتحوا الدنيا ثم رفع معاوية شعار السلم والصلح(١٠٦) وإيقاف الحرب بوجه الحسن عليه السلام.
وأمامَ وضع معقد كهذا لا يصبح خيار مواصلة الحرب في صالح مشروع علي عليه السلام وبخاصة حين يكون قد طوقه الاعلام الأموي بصفة الإفساد ثم اللعن والبراءة والعمل على قتله بكل وسيلة.
ثم أن الصلح المحدود وإيقاف القتال بالطريقة التي طرحها معاوية بان يبقى العراق وما والاه للحسن عليه السلام والشام وما والاه لمعاوية كما هي طبيعة الأشياء وطبيعة طريقة تفكير معاوية تكرس الانشقاق والثقافة العدائية لعلي عليه السلام ومن ثم بقاء الطريق مسدوداً أمام انفتاح أهل الشام على مشروع علي عليه السلام مضافاً إلى ما ينطوي عليه من خطر محتمل أشرنا إليه آنفاُ.
خصائص أطروحة الصلح المطلوبة
لإن أطروحة الصلح التي يحتاجها مشروع علي عليه السلام لينطلق في الشام لابد لها من أن تكون أطروحة تمتلك أن تحقق ما يلي:
١. تعالج الانشقاق وما ينطوي عليه من مخاطر فكرية وسياسية.
٢. تعرف الشاميين أنَّهم كانوا ضحية إعلام كاذب، وأنَّ معاوية كان يطلب الملك وراء قتاله علياً عليه السلام ليس إلا، وأنَّ قتلة عثمان هم قريش أنفسهم ثارت عليه بقيادة طلحة والزبير وعائشة لما آثر بني أبيه بالملك وزواه عنهم. وأن علياً عليه السلام كان أبعد الناس عن دم عثمان، وأنه كان مصيباً في رفضه للخلافة المشروطة بالعمل بسيرة الشيخين يوم عرضها عليه عبد الرحمن بن عوف لاعتقاده أنها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وآله وكان حج التمتع ابرز مثال على ذلك، وان حرب الجمل وصفين ونهروان ليست من اجل الملك بل من اجل إحقاق الحق ومعاقبة المعتدين، وأن معاوية كان ظالماً لعلي عليه السلام حين رفع شعار لعنه وقتاله. وأنَّ العراقيين كانوا مصيبين في نصرتهم علياً عليه السلام وفي بيعتهم للحسن بن علي عليه السلام.
٣. تفرض على معاوية ان يتعامل/ ولو ظاهريا ولمدة محدودة/ بإيجابية مع ذكر علي عليه السلام بخير.
٤. تضمن اختلاط العراقيين مع الشاميين في أجواء المحبة والأمان ليتمكَّن العراقيون من نقل أخبار الإمامة الإلهية في علي عليه السلام وأخبار سيرته المشرقة.
٥. تحقق أجواء الأمان في الأمة كلها وتطوق الفكر التكفيري حلقات الاغتيال التي نشأت عنه.
٦. تدفع التهديد الخارجي الذي يلوح به الروم البزنطيين.
وليس من شك أن الصيغة الوحيدة التي تحقق كل الأمور الآنفة الذكر هي التنازل المشروط عن السلطة المدنية لمعاوية من قبل الحسن عليه السلام.
وهي أطروحة ليست صعبة على الحسن عليه السلام فهو أساساً إمامٌ هادٍ تهمُّه قضية الهداية والرسالة ومصلحة الأمة العامة قبل كل شيء، والحكم القائم على بيعة الناس بالنسبة إليه/ على الرغم أنه من حقه ويجب على الأمة أن تبايعه/ لا يزيد من إمامته الإلهية شيئاً ولا ينقص منها شيئا.
وكان النبي صلى الله عليه وآله قد أعد الحسن عليه السلام لهذه المهمة الإلهية بقوله صلى الله عليه وآله: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(١٠٧)، وقوله صلى الله عليه وآله: (الحسن والحسين سبطان من الأسباط)(١٠٨)، وقوله صلى الله عليه وآله: (إن ابنيي هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)(١٠٩).
وكذلك هي ليس صعبة على العراقيين شيعة علي عليه السلام المؤمنين بمشروعه، فهم على نهجه يحملون همَّ هداية الأمة ومؤازرة القائد الإلهي المذخور لها. وليسوا طلّاب سلطة ودنيا وقد شهد لهم علي عليه السلام بذلك.
قال عليه السلام: (وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة)(١١٠).
وقال عليه السلام مخاطبا لهم: أنتم الأنصار على الحق، والأخوان في الدين والجنن يوم البأس وابطانة دون الناس(١١١).
وقال عليه السلام: الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث شاء، والذي نفسي بيده لينتصرنَّ الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجار(١١٢).
ولا زالت الكلمة الرائعة التي تمثل بها الحسن عليه السلام حين رحل عن الكوفة بعد الصلح في حُسن ثقته بالعراقيين يحفظها التاريخ وهي قوله:

ولا عن قِلىً فارقتُ دارَ معاشري * * * همُ المانعونَ حوزتي وذماري(١١٣)

وقد عَرَفَ ذلك للعراقيين أيضا خصمهم عبد الله بن الزبير حين قال له معاوية متشكياً: أنَّ الحسن عليه السلام لم يزره في المدينة إلا مرة واحدة، وكان يتوقع أن يزوره أكثر من مرة، قال له: والله لو شاء الحسن أن يضربك بمئة ألف سيف لفعل، ولأهلُ العراق أبرُّ به من أمِّ الحُوار بحُوارها(١١٤).
وعَرَفَ هذه الصفة لهم أيضا معاوية نفسه خلال سنوات الصلح حين انطلق أخيارهم ورموزهم من الرجال والنساء بفقه في الدين وجرأة في الحوار مع الحاكم ووفاء لعلي عليه السلام منقطع النَّظير يروون لأهل الشام ولغيرهم سيرة علي عليه السلام المشرقة وسوابقه مع النبي صلى الله عليه وآله.
وقد شهد لهم معاوية بوفائهم لعلي ومنهجه حين قال: (هيهات يا أهل العراق لقد فقهكم علي فلن تطاقوا!)
وحين قال: (لقد لمظكم علي الجرأة على السلطان).
وحين قال: (واللهِ لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبِّكم له في حياته!)(١١٥).
ان مشروع الهداية وحل المشكلات لا يحتاج فقط إلى قائد رسالي إلهي تسمح له نفسه بالتنازل عن حق بمستوى ملك العراق والبلاد التابعة له لأجل الرسالة والهداية والمصلحة العامة للأمة، بل هو بحاجة أيضا إلى قناعة العراقيين بذلك وأهليتهم لحمل ثقافة الولاء لعلي إلى غيرهم، وقد أثبت العراقيون أنهم كذلك حيث استجابوا(١١٦) للحسن عليه السلام وقاموا بمهمة الهداية معه كما سيأتي.
العمق الاستراتيجي للحسن عليه السلام والتفكير المحدود لمعاوية
المعادلة التي صنعها الحسن عليه السلام مع معاوية هي أن يسلم السلطة المدنية في العراق لمعاوية لتكون الحكومة واحدة في البلاد الإسلامية بشروط يشترطها على معاوية منها: ان يكون الحكم بعد معاوية للحسن وان حدث به حدث فللحسين لتكافؤ مكانتهما قيمتهما المعنوية في الإسلام وليس له ان يعهد إلى احد من بعده وأن يتقيد معاوية في حكمه بالكتاب والسنة، وأن لا يذكر علياً عليه السلام إلّا بخير، وأن يأمن شيعة علي عليه السلام أينما كانوا، وأن يفضل بني هاشم في العطاء على بني شمس وشروط أخرى.
ومن الواضح أن الطرف الأول من المعادلة/ وهو تسليم الحكم/ يسد الباب على معاوية أن يشترط أي شرط ويفتح الباب للحسن عليه السلام أن يشترط شروطه بكل حرية. ويجعل معاوية أمام خيارين لا ثالث لهما أما قبول المعادلة كلها وأما رفضها كلها:
أما قبول شروط الحسن عليه السلام ليحصل على ملك العراق الذي لم يكن يحلم به.
أو رفض الملك لأجل مبادئه التي انطلق منها في حربه مع علي عليه السلام التي خلاصتها: أن معاوية كان يقاتل علياً عليه السلام من أجل دم الخليفة المظلوم عثمان وأن علياً خالف سيرة الشيخية في حج التمتع وغيره. ولكن هذا الفرض الأخير غير وارد في طريقة تفكير معاوية لان الملك عنده هو الأَهم من كل شيء، وبالتالي فليس لديه مانع من ان يعطي عهدا ثم ينقضه بعد فترة من الزمن، ولم تغب هذه الحقيقة عن الحسن عليه السلام الذي يهمه معالجة الانشقاق وكسر الطوق الاعلامي الكاذب ضد علي في الشام والمعرفة بحديث الغدير وحديث الثقلين وغيرها من الأحاديث التي تؤسس الإمامة الإلهية الهادية لأهل البيت ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وهذا الأمر يحتاج إلى سنوات لا غير، وحين ينقض معاوية عهده بعد ذلك فانها قضية ان حصلت فقد اعد لها المشروع النبوي الحسين قائدها الإلهي الخاص سلفا لمواجهتها.
ان أطروحة الحسن للصلح تدفع معاوية دفعا لان يستقبلها ولا يرفضها ولو رفضها لكان الملوم عند شعبه. وفي الوقت نفسه فان معاوية يعلن ان قبوله للشروط معناه ظهور أمر الإمامة الإلهية لعلي في الشام وانه امتداد لرسول الله في سيرته، وأنَّه في مخالفته لسيرة الشيخين في حج التمتع وغيرها كان مصيبا(١١٧) وان كل من خالف عليا في صغيرة أو كبيرة كان على الباطل، ولكنه افتضاح كان معاوية قد استبطن الخطة لعلاجه كما اشرنا انفا.
إنَّ الحسن عليه السلام بتنازله المشروط عن السلطة يكون قد حقق فتحاً عظيماً لقلوب أهل الشام إزاء أبيه علي عليه السلام، وهيأها لاستقبال نصوص ولايته الإلهية التأسيسية من الكتاب والسنة، كما حقق صلح الحديبية من قبل فتحاً مبيناً لقلوب سكان أهل الحجاز ونَجْد إزاء النبي صلى الله عليه وآله وهيأها لاستقبال الإسلام والاعتراف بنبوته صلى الله عليه وآله.
ويتبيَّن بذلك سرُّ قول الإمام الحسن عليه السلام لأحد أصحابه: (إن علة مصالحته لمعاوية هي علة مصالحة النبي لقريش)(١١٨).
وسرُّ قول الإمام الباقر: (والله لَلذي صنعه الحسن بن علي عليه السلام كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والقمر)(١١٩).
وبذلك يتضح أيضا العمق الاستراتيجي عند الحسن عليه السلام إذ أنه كان يفكر أساسا بفتح قلوب أهل الشام لمشروع علي عليه السلام، ومعالجة الانشقاق لتستعيد الأمة قوتها في مواجهة التهديد الخارجي للروم والتهديد الداخلي من حملة الفكر التكفيري الخوارج.
أما معاوية فهو يفكر بحدود موضع قدميه أنه يرغب في الملك ولو على أساس يفضحه، وإن تطلّعت نفسه إلى رغبة أعمق فيما بعد فإنه يُقيمها على أساس نقض العهد والكذب وليس على أساس الالتزام بالعهود والصدق مع الله والنفس والمجتمع.
وفي ضوء هذا البيان يتضح:
أنَّ مبرر الصلح بشكل تنازل مشروط عن السلطة الذي تبلور عند الإمام الحسن عليه السلام ليس مرده إلى طبيعة التخاذل والضعف في شخصية الحسن كما تبنى المستشرقون ذلك اعتماداً على روايات موضوعة(١٢٠).
ولا إلى الخيانات والضَّعف والشك الذي عاشه جيش الحسن عليه السلام أو شَعبه كما تصوره لنا روايات أخرى كلها من وضع الإعلام العباسي.
بل مرده إلى تفكير موضوعي في الظرف الذي تمر به الرسالة والأمة ليحفظ مصالحهما.
اما مصلحة الرسالة فقد نهض بها علي عليه السلام ليكون الكتاب والسنة دون إضافة رأي احد هي الدستور الحاكم في البلاد وليكون رأي الحاكم في المسائل الدينية العملية الشخصية مذهبا من المذاهب يترك فيه الخيار للامة ان شاءت أخذت به وان شاءت تركته وأخذت براي آخر.
اما مصلحة الأمة في زمن الحسن عليه السلام فهي معالجة الانشقاق الذي استحكم فيها، وملاحقة الارهابيين الذين نغصوا العيش الآمن، والاستعداد لمواجهة تهديد الروم على الجبهة الشمالية الشرقية.
وهكذا عالج الحسن عليه السلام الانشقاق المستعصي بأطروحة التنازل المشروط: بان تكون الدولة واحدة وان يكون معاوية أول رئيس لمبايعة أهل الشام له ثم يكون الحسن بعده لمبايعة أهل العراق بشروط يضعها الحسن لضمان مصالح شيعته دون المساس بمصالح أهل الشام.
ويتضح من ذلك ان الحسن يهمه ان تتوحد الأمة على حاكم وان يتقيد هذا الحاكم بشروط تضمن مصلحة شعبه الذي بايعه من دون المساس بمصلحة أهل الشام ولا يهمه ان يلي الحكم بعد معاوية، اما معاوية فيهمه ان يحكم سواء على الشام وحدها بسيرة الشيخين أو على الأمة كلها من دون سيرة الشيخين.
ويتضح من ذلك أيضا ان الحسن يريد المبدأ وليس الملك فهو مستعد ان يسلم الملك لخصمه بشرط العمل بالكتاب والسنة(١٢١) فهو على سر أبيه علي حين رفض الملك المشروط بسيرة الشيخين لأنها اجتهاد مخالف للكتاب والسنة كلاهما لا يهمهما الحصول على الملك كيفما اتفق ولا يهمهما التمسك بالملك بأي صورة.
وان معاوية يريد الملك وليس المبدأ نظير سلفه عثمان من قبل حين قبل الملك بشرط العمل بسيرة الشيخين مع انها اجتهاد مخالف للكتاب والسنة.
والحسن عليه السلام بطريقة التفكير هذه كان واثقا كل الثقة أنَّ أهل الشام فضلا عن شيعة أبيه سوف يستقبلون صيغته للصلح لما يرون فيها من حفظ مصالح واختيارات الجميع ونكران للذات من الحسن عليه السلام يشهده الجميع.
وهكذا كان الأمر.
وطار معاوية فرحاً حين بلغته أطروحة الحسن عليه السلام وهي: ان تكون دولة واحدة يحكمها حاكم واحد هو معاوية ومن بعده الحسن، وان يتقيد معاوية في حكمه بشروط يمليها الحسن، وسال لعابه ولابد انه أدرك بداهة ماذا ستكون شروط الحسن وأولها شرط العمل بالكتاب والسنة دون إضافة سيرة الشيخين وثانيها ان يترك سب علي وثالثها أمان كل شيعة علي وكلها حق فلم لا يستجيب للحق حين يدر عليه مصلحته ولكل حادث حديث.
فبعث للحسن عليه السلام أوراقاً بيضاء موقعة يكتب فيها الحسن عليه السلام ما شاء من الشروط.
وكتب الحسن عليه السلام شروطه لأطروحته وهي:
١. أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله الأمر الذي قامت عليه دولة النبي في المدينة(١٢٢).
٢. وأن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة (والسنة تنهى عنه) وأن لا يذكر علياً إلا بخير (وهو مما تامر به السنة)(١٢٣).
٣. وأمان شيعة علي حيث كانوا ما داموا لم يرتكبوا ما يوجب العقوبة (وهو مما يأمر به الكتاب والسنة).
٤. وأن يفضِّل بني هاشم في العطاء والصِّلات على بني عبد شمس(١٢٤) (وهي سيرة النبي).
٥. وان يعطي للحسن عليه السلام مليوني دينار سنويا. (نحن نشك في هذا الشرط انظر الباب الرابع الفصل الثالث الصفحة ٥٦٥).
٦. وأن لا يسميه أمير المؤمنين (لان هذه التسمية ابتدعت لعمر في زمنه وهي أساسا لقب خاص لعلي عليه السلام)(١٢٥).
٧. وان لا يقيم عنده شهادة (وتعني ان ولايته تنفيذية فقد فليس له صلاحية ان يقضي أو يشرع)(١٢٦).
الوفاء بالشروط مدة عشر سنوات
وعادت للأمة إلفتها وودها.
وقُطِع الطريق على الانشقاق أن يستمر وتستمر معه لوازمه بالظهور.
وتفرغت الدولة لملاحقة التكفيريين الخوارج.
وعاد الأمان لكل المسلمين في بلادهم شرقاً وغرباً. كما تفرغت لمواجهة تهديد ملك الروم في الجبهة الشمالية الشرقية للشام.
وكُسِر الطوق الاعلامي الكاذب ضد علي عليه السلام. وعرفه أهل الشام وغيرهم مظلوماً ظلمته قريش المسلمة حقه وهو الإمام الهادي الذي شهدت له آيات الكتاب وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله كما شهد له من عاشره بذلك.
ووصلهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه يوم الغدير: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
وحديث المنزلة.
وحديث الكساء.
ووصلتهم أخبار حج التمتع التي حاولت السلطات القرشية والإعلام الأموي الكاذب التعتيم عليها ووصف حركة علي عليه السلام باتجاه إحياء حج التمتع بالإفساد في الدين، وعرفوا أنَّ علياً قد أحيا الحج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وهو حج التمتع.
ووصلتهم أخبار أخرى كثيرة تتصل بسنن النبي صلى الله عليه وآله التي عملت قريش المسلمة على تغييرها أو التعتيم عليها.
ووصلهم وصفُ ضرار له بل سمعوه منه في بلاط معاوية حين طلب منه أن يصفه قائلاً:
(كان واللهِ بعيدَ المدى، شديدَ القِوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلا، يتفجَّرُ العلمُ من جوانِبِه، وتنطِقُ الحِكمَةُ من نواحيه، يستوحشُ من الدنيا وزَخرتها، ويأنسُ بالليلِ ووحشتِه، غزيرَ العَبرة، طويلَ الفكرة، يُعجِبُه من اللِّباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحَدِنا، يجيبُنا إذا سألناه، وينبئُنا إذا استفتيناه، ونحن واللهِ مع تقريبِه إيانا وقُربِه منّا لا نكاد نكلِّمه هيبةً له. يعظِّم أهلَ الدين ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القَويُّ في باطله، ولا ييأَسُ الضعيفُ من عدله، وأشهدُ لقد رأيتُه في بعض مواقفه، وقد أرخى الليلُ سدولَه، وغارت نجومُه، قابضاً على لحيته، يتململُ تململَ السَّليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، أبي تَعرَّضتِ أمْ إليَّ تَشوَّفتِ.
هيهات هيهات قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعُمرك قصير وخطرك حقير.
آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
وشهدوا من معاوية بعد هذا الوصف نزف دموعه على لحيته وقوله: رحم الله أبا حسن كان والله كذلك.
مسمعوا جواب ضرار حين سأله معاوية: عن حزنه على علي.
قال: حزب من ذبح ولدها في حجرها(١٢٧).
ووصلهم وعي مالك الاشتر ونظرائه من أبطال العراق مع علي عليه السلام للمعركة الأساسية مع قريش في الجمل وصفين وهدفهم من تمردهم، فقد قال رحمه الله في صفين: (إن هؤلاء القوم والله لن يقارعوكم إلا عن دينكم، ليطفئوا السنة، ويحيوا البدعة، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة)(١٢٨)، وستأتي كلمات أخرى نطق بها أصحاب علي عليه السلام في بلاط معاوية في سنوات الصلح.
وشهدوا الناس الحسن عليه السلام في سيرته الشخصية إماماً أيضا على سمت أبيه.
وشهدوا منه الحج ماشيا خلال هذه السنوات العشر والنجائب تقاد بين يديه(١٢٩). قد حج قبل ذلك خمسا او عشرا زمن ابيه عليه السلام.
وهذا حفيده من ابنته الإمام الصادق عليه السلام يصف عبادة جده الحسن عليه السلام قال حدثني أبي عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام:
كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم،
وكان إذا حج حج ماشيا، وربما يمشي حافيا،
وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل،
وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله تعالى الجنة، ويعوذ به من النار،
وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه،
وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا(١٣٠).
انتشار سنة النبي صلى الله عليه وآله لدى أهل البلاد المفتوة شرقاً وغرباً بفضل مشروع علي عليه السلام وصلح الحسن عليه السلام
وهكذا انتشرت ثقافة الولاء لأهل البيت عليهم السلام التي أسسها الكتاب والسنة وانفتح أهل البلاد شرقاً وغرباً بعضهم على بعض وصاروا أمة واحدة وعلى مستوى واحد من المعرفة بحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وغيرها من النصوص التي تؤسس الإمامة الإلهية لأهل البيت عليهم السلام وأولهم علي عليه السلام أخذ بها من شاء وتركها من شاء، شأنهم شأن المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله. عملاً بقاعدة (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة/ ٢٥٦ التي أسسها النبي صلى الله عليه وآله في المعتقد.
وكانت الفترة التي استغرقتها نهضة علي عليه السلام من أيام الحج سنة ٢٧ هجرية إلى وفاة ولده الحسن عليه السلام مسموماً نهاية سنة ٥٠ هـ لإحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله ونشرها كثقافة في الأمة الإسلامية ثلاث وعشرين سنة، وهي نظير الفترة التي استغرقتها مهمة نشر أحكام الإسلام منذ بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم بلغ النبي صلى الله عليه وآله أمته في غدير خم بولاية علي عليه السلام الإلهية.
وفي الفصل الآتي نذكر طرفا من اخبار نشاط أصحاب علي في الشام أيام الصلح وطرف من أحاديث النبي في حق علي عليه السلام وطرف من سيرة علي عليه السلام.
الباب الثاني/ الفصل الثاني: السنوات العشر الاولى من الصلح (سنوات الفتح المبين لمشروع علي عليه السلام)
رؤيتان للسنوات العشر قبل وفاة الحسن عليه السلام
هناك جملة من الروايات التاريخية وهي التي استندت إليها الرؤية السائدة والمشهورة، تصور لنا ان معاوية دخل الكوفة وأخذ البيعة من الناس ثم خطب فيهم بحضور الحسن والحسين ووجوه أصحابهم واعلن لهم ان كل شرط اشترطه الحسن فهو مردون، ثم تناول عليا بالطعن وأمر ولاته بذلك... ثم تتابعت سياسة ترويع الشيعة وتهجيرهم وسجنهم(١٣١).
غير ان هذه الروايات على فرض صحة سندها تواجهها عدة قضايا:
١. ان تهجير خمس وعشرين ألف من الكوفة ومثلهم من البصرة انما كان بعد سنة خمسين أي بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسن عليه السلام(١٣٢).
٢. قتل حجر بن عدي وأصحابه انما تم بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسن عليه السلام(١٣٣).
٣. إعادة لعن علي إلى المجتمع انما تم بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسن عليه السلام كما تفيد روايات امتناع سعد عن لعن علي وتهديده بان يقاطع المسجد إذا لعن علي فيه.
روى ابن عبد ربه قال: لما مات الحسنُ بن عليّ حَجّ معاوية، فدخل المدينة وأراد أن يَلْعن عليَّا على مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيل له: إن هاهنا سعدَ بن أبي وقاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخَذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرُجن من المسجد، ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد(١٣٤).
فلما مات لَعنه عَلَى المنبر،
وكتب إلى عماله أن يَلعنوه على المنابر، ففعلوا.
فكتبتْ أم سَلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى معاوية: إنكم تلعن الله ورسولَه على منابركم، وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أن الله أحبَّه ورسولَه، فلم يلتفت إلى كلامها.
ومن المعلوم ان وفاة سعد كانت بعد وفاة الامام الحسن عليه السلام وفي السنة نفسها سنة ٥١ هـ.
ويؤيد ذلك روية المسعودي ان زيادا جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي فمن أبى ذلك عرضه على السيف(١٣٥). ومن المعلوم ان ولاية زيادا على الكوفة كانت سنة ٥١ بعد موت المغيرة بن شعبة.
٤. ان استضافة معاوية للشخصيات العراقية وحواراته معهم وموضوعه الأساس سيرة علي وقد ترحم عليه مرارا أمر لا ينسجم مع حالة الاعلام السلبي ضده الا بافتراض انه قد تم في سنوات الصلح قبل وفاة الحسن عليه السلام، وان إعادة الاعلام السلبي انما كان بعد موت الحسن عليه السلام.
٥. ان معاوية ما كان يحلم ان يتسلم ملك العراق، بل كان قصارى ما يفكر فيه هو ان يترك علي عليه السلام في زمانه ثم الحسن من بعده الشام له يحكمها كما يرغب، وحين عرض عليه الحسن كانت أمامه مهمة قبول العرض وتحقيق طموح جديد باللين وإظهار الانفتاح على علي وشيعته والوفاء بالعهود ليتم له حكم البلاد كلها، وبغير ذلك فان مع الحسن كل شيعته وهم قادرون على عن الدفاع عن انفسهم وإعادة سلطانهم في العراق(١٣٦).
قال مُعاوية لجارية بن قُدَامة: ما كان أهْونَك على أهْلِك إذ سَمِّوْك جارية! قال: ما كان أهونَك على أهلك إذ سَمِّوْك مُعاوية! وهي الأنثى من الكلاب، قال: لا أمَّ لك! قال: أمِّي وَلَدتْنِي للسيوف التي لَقِيناكَ بها في أيْدِينا؛ قال: إنك لتُهَدِّدني؛ قال: إنك لم تَفْتَتِحْنا قَسْراً، ولم تَمْلِكنا عَنْوةً، ولكنَّك أعْطَيتنا عَهْداً وَمِيثاقاً، وأعطيناك سَمْعاً وطاعةً، فإن وَفَّيت لنا وَفَّينا لك، وإن فَزِعْت إلى غير ذلك، فإنّا تَركنا وراءَنا رجالاً شِدَاداً، وأَلْسِنَةً حِدَاداً قال له مُعاوية: لا كَثّر الله في النَاس أمثالَك؛ قال جارية: قُلْ مَعْرُوفاً ورَاعِنا، فإن شَرَّ الدّعاء المُحْتَطب(١٣٧).
روى ابن عبد ربه وابن كثير قالا: قدم معاوية المدينة أول حجة حجها (سنة ٤٤ هجرية) بعد عام الصلح، فتوجه إلى دار عثمان، فلمادنا إلى باب الدار. صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها. فقال لها: يا بنت أخي ان الناس قد اعطونا سلطاننا، فاظهرنا لهم حلما تحته غضب، واظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا وباعونا هذا بهذا، فان اعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم سيفه وهو يرى مكان شيعته (وفي الرواية وهو يرى انصاره)، فان نكثناهم نكثوا بنا ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا؟ وان تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من ان تكوني امرأة من عُرُوض الناس. (وفي رواية ابن كثير: وان تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين احب إلي ان تكوني أمة من إماء المسلمين ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك(١٣٨).
أقول: والشاهد في الرواية هو صيحة ابنة عثمان بوجه معاوية وتذكيرها له بابيها تريد منه ان ينفذ الشعار الذي كان يرفعه وهو الأخذ بثار عثمان واستطاع معاوية ان يقنع عائشة بجوابه انها ابنة عم رئيس الدولة وهذا لا يتم الا إذا عطى الأمان للناس بما فيهم قتلة عثمان بزعم الاعلام الأموي.
أقول: وفي هذه السنة كان مع معاوية في حجه معاوية بن حديج وكان من أسب الناس لعلي فمر في المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي جالس في نفر من أصحابه فقيل له هذا معاوية بن حديج الساب لعلي رضي عنه فقال علي بالرجل فأتاه الرسول فقال أجب قال من قال الحسن بن علي يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن بن علي رضي الله عنه أنت معاوية بن حديج قال نعم فرد عليه ثلاثا فقال له الحسن الساب لعلي فكأنه استحيى فقال له الحسن رضي الله عنه أم والله إذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى(١٣٩).
أقول:
والشاهد في الرواية هو ملاحقة الحسن لمعاوية بن حديج لسبه عليا فلو كان السب قد مضى عليه اربع سنوات لكان الأجدر هو محاسبة معاوية بن أبي سفيان الذي أمر بسب علي على المنابر وليس متابعة معاوية بن حديج.
وكذلك ما رواه البلاذري قال حدثني أبو مسعود، عن ابن عون عن أبيه قال: لمّا ادّعى معاوية زيادا وولَّاه، طلب زياد رجلا كان دخل في صلح الحسن وأمانه، فكتب الحسن فيه إلى زياد، ولم ينسبه إلى أب فكتب إليه زياد: أما بعد فقد أتاني كتابك في فاسق تؤوي مثله الفسّاق من شيعتك وشيعة أبيك! فأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك، فإن أحبّ لحم إليّ أن آكله للحم أنت منه! فلما قرأ الحسن الكتاب قال: كفر زياد، وبعث بالكتاب إلى معاوية، فلما قرأه غضب فكتب إليه: أما بعد يا زياد، فإن لك رأيين: رأي من أبي سفيان، ورأي من سميّة، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحزم وحلم، وأما رأيك من سميّة فما يشبهها فلا تعرض لصاحب الحسن، فإني لم أجعل لك عليه سبيلا، وليس الحسن مما يرمى به الرجوان وقد عجبت من تركك نسبته إلى أبيه أو إلى أمّه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فالآن حين اخترت له والسلام(١٤٠).
وبرواية الجاحظ قال: حدثني سليمان بن أحمد الخرشي قال حدثني عبد الله بن محمد بن حبيب قال طلب زياد رجلا كان في الأمان الذي سأله الحسن بن علي لأصحابه فكتب فيه الحسن رضي الله تعالى عنه إلى زياد مم الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك عرضت له فأحب ان لا تعرض له إلا بخير.
فلما أتاه الكتاب ولم ينسب الحسن إلى أبي سفيان غضب فكتب من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك وأيم الله لأطلبنهم ولو بين جلدك ولحمك وان أحب لحم إلي آكله للحم أنت منه، فلما وصل الكتاب الحسن وجه به ألى معاوية فلما قرأه معاوية غضب وكتب من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان أما بعد فان لك رأيين رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم محزم وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها وقد كتب إلي الحسن بن علي انك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فاني لم أجعل لك إليه سبيلا وان الحسن ابن علي ممن لا يرمي به الرجوان والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أفإلى أمه وكلته وهو ابن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم فالآن حين اخترت له والسلام(١٤١).
تحقق الأمان داخل البلاد الإسلامية عشر سنوات وانفتح الشاميون على العراقيين في جو من الحب والتقدير لتأييدهم الحسن عليه السلام في تنازله المشروط عن السلطة المدنية وان تكون في بلاد الشام بدلا من العراق وان يكون العراق تابعا بدلا من ان يكون متبوعا عن قدرة وليس عن عجز أو تخاذل، وتهيأت نفوسهم للاستماع من العراقيين رواياتهم عن علي عليه السلام وسيرته المشرقة وعن أحاديث النبي التي لم يسمعوها من قبل في علي وأهل بيته.
وخطط معاوية لكسب ثقة وجوه العراقيين حين كان يستقدمهم مكرمين معززين يستمع إلى أحاديثهم وفي كثير من الأحيان كان يستثيرهم ويسألهم عن سيرة علي عليه السلام ثم يرجعهم إلى بلادهم مع عطاء وفير ليقترب من قلوبهم، وكان يتحمل منهم خشونة كلامهم أحيانا.
لقد كان معاوية في هذه السنوات العشر يبدي حلما خاصا تشبُّها بسياسة علي عليه السلام وأخلاقه في تحمله جهل الجاهلين الذين استغلوا سماحة علي عليه السلام.
قال معاوية لصعصعة بن صوحان وزملائه بعد محاورة جرت بينه وبينهم: لو لا اني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلتُ جهلَهمُ حلماً ومغفرةً * * * والعفو عن قدرةِ ضرب من الكرم

 لقتلتكم(١٤٢).
وعن جعدة بن هبيرة المخزومي، قال: استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية، فأذن لها، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف، فسلمت ثم جلست، فقال: كيف أنت يا بنت صفوان؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف حالك؟ قالت: ضعفت بعد جلد وكسلت بعد نشاط.
قال: سيان بينك اليوم وحين تقولين:

يا عمرو دونك صارما ذا رونق * * * عضب المهزة ليس بالخوار
أسرج وادك مسرعا ومشمرا * * * للحرب غير معرد لفرار
أجب الإمام ودب تحت لوائه * * * وافر العدو بصارم بتار
يا ليتني أصبحت ليس بعورة * * * فأذب عنه عساكر الفجار

قالت: قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ومثلك عفا، والله تعالى يقول: (عفا الله عما سلف) قال: هيهات! أما إنه لو عاد لعدت، لكنه اخترم دونك، ثم ذكر له قولها في رثاء علي عليه السلام اذكري حاجتك. قالت: هيهات بعد هذا! والله لا سألتك شيئا. ثم قامت فعثرت، فقالت: تعس شانئ علي، فقال: يا بنت صفوان زعمت إلا، قالت: هو ما علمت.
فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم كثيرة وقال: إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه؟(١٤٣)
(وكان معاوية يقول: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له: كيف؟ قال: إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها.
وأغلظ له رجل فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ قال: إنا لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. وعن احمد عن علي عن عبد الله وهشام بن سعد عن عبد الملك بن عمير قال: اني لا احول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا)(١٤٤).
وروى البلاذري قال حدثني أبو مسعود عن عليّ بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال، قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية: يا أمير المؤمنين، لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك، فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلَّين وكنت لهم قاهرا، فقال: ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد، ولو لا ذلك لجعلت عاليها سافلها، فقالت: والله ما بقي أحد إلَّا وأنت عليه قادر، قال: فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت: نعم، فأدخلها بيتا وأسبل عليها ستره، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلا من أشراف من بالباب، فأدخل عليه رجلا من قيس يقال له الحارث، فقال له معاوية: يا حويرث، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقّصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالا، فقال: يا معاوية إنّما دعوتني لهذا؟ والله إنّ ساعدي لشديد، وإنّ رمحي لمديد، وإنّ سيفي لحديد، وإنّ جوابي لعتيد، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعنّ عمّا نكره بصغر، فقال: أخرجوه عنّي، فأخرج، فقالت فاختة: ما أجرأ هذا وأقوى قلبه!! فقال معاوية: ما ذاك إلَّا لإدلاله بطاعة قومه له، ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلا من ربيعة يقال له جارية، فقال له معاوية: إيه يا جويرية، أنت الذي بلغني عنك تخبيب للجند وقلَّة من الشكر؟ فقال: وعلام نشكر؟ ما تعطي إلَّا مداراة ولا تحلم الَّا مصانعة، فاجهد جهدك، فإنّ ورائي من ربيعة ركنا شديدا لم تصدأ أدرعهم مذ جلوها، ولا كلَّت سيوفهم مذ شحذوها، فقال: أخرجوه، ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلا من أهل اليمن يقال له عبد الله، فقال له: إيه يا عبيد السوء، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام، فقال: أيا معاوية ألهذا دعوتني، ثم صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنّما سمّيت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب، فأربع على ظلعك فذلك خير لك، فقال لحاجبه: أخرجه، فقالت فاختة: صانع الناس بجهدك، وسسهم برفقك وحلمك، فأخزى الله من لامك(١٤٥).
وروى العُتبي عن أبيه قال قال معاوية لقريش: الا اخبركم عني وعنكم؟ قالوا بلى قال: فانا أطير إذا وقعتم واقع إذا طرتم ولو وافق طيراني طيرانكم سقطنا جميعا(١٤٦).
وروى ابو الفرج لما تم الصلح بين الحسن ومعاوية ارسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة، فجاءه وكان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الأرض وما وجهه طاقه شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا إدخاله إليه قال سعد اني حلفت الا ألقاه الا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينه وبينه ليبر (قيس) يمينه.
وكان معاوية جالسا على سرير فقال له معاوية: أتبايع يا قيس؟ قال: نعم، ووضع يده على فخذه، ولم يمدها إلى معاوية، فجاء معاوية من سريره، وأكب على قيس حتى مسح يده على يده وما رفع إليه قيس يده(١٤٧).
أقول: والشاهد في الروايات الآنفة الذكر هو المرونة التي أبداها معاوية مع قيس بن سعد في الموردين الأخيرين ومع غيره في الموارد السابقة فانه يكشف عن سياسة معاوية في السنوات العشر أيام الحسن عليه السلام.
طرف من اخبار شيعة علي عليه السلام في سنوات الصلح
عكرشة بنت الأطش:
دخلت عِكرِشة بنت الأطش على معاوية وهي متوكئة على عكاز لها فسلمت عليه بالخلافة، فقال لها معاوية: هية يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين؟
قالت: نعم إذ لا عليَّ حيٌّ.
فقال لها معاوية: ألستِ صاحبة الكور المسدول، والوسط المشدود والمتقلدة بالسيف ذي الحمائل، وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين:
أيها الناس عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذ اهتديتم... إنَّ معاوية دلف إليكم بعجم العرب، غلف القلوب، لا يعرفون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه. فالله، الله عباد الله في دين الله وإياكم والتواكل فإن ذلك نقض عرى الإٍلام وإطفاء نور الحق، وإظهار الباطل، وذهاب للسنة.
هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى...
ثم قال: ما حملك على ذلك؟
قالت: يا أمير المؤمنين، يقول الله، عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) المائدة/ ١٠١، إنَّ اللبيب إذا كره شيئاً لا يحب إعادته.
قال: صدقت، اذكري حاجتك.
قالت يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى جعل صدقاتنا على فقرائنا ومساكيننا، وردَّ أموالنا فينا إلا بحقها، وإنّا فقدنا ذلك، فما ينتعش لنا فقير ولا ينجبر لنا كسير، فإن كان ذلك من رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة، وراجع العقل وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة، واستعمل الظلمة.
قال معاوية: يا هذه، إنه تنوبنا النوائب هي أولى بنا منكم، من بحور تنبثق، وثغور تنفتق.
قالت: يا سبحان الله ما فرض الله لنا حقاً جعل فيه ضرراً على غيرنا ولو علم جل ثناؤه أنَّ في ما جعل لنا ضرراً على غيرنا لما جعله لنا، هو علام الغيوب.
قال معاوية:
هيهات يا أهل العراق قد فقهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا.
ثم أمر لها برد صدقاتها، وإنصافها، وضيَّفها، وأطرفها، وردها إلى أهلها مكرَّمة(١٤٨).
دارمية الحجونية: (١٤٩)
بعث إليها فجيء بها، فلما رآها قال لها:
كيف حالك يا بنت حام؟ قالت: بخير، ولست لحام، ولكني ابنة أبيك، ولن يضر المرء نسب أمه.
قال: صدقت، فهل تعلمين لِمَ بعثتُ إليك؟
قالت: يا سبحان الله العظيم، لا يعلم الغيب إلا الله.
قال: بعثت إليك أسألك علام أحببت علياً وأبغضتني، وعلام واليته وعاديتني؟
قالت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين من ذلك؟!
قال: ما كنت بفاعل، ولا أعفيك!
قالت: أما إذا أبيتَ عليَّ:
فإني أحببت عليّاً على عدله في الرعية وقسمته بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك، وواليت علياً على حبه المساكين وإعطائه أهل السبيل وفقهه في الدين وبذله الحق من نفسه، وما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله من الولاية، وعاديتك على إرادتك الدنيا، وسفكك الدماء، وشقك العصا...
ثم قال لها معاوية: هل رأيتِ علياً قط؟
قالت: إي والله لقد رأيتُه.
قال: كيف رأيتِه؟
قالت: رأيته شَثِنَ القدم والكف، لم يعبَ بالملك، ولم تشغله النعمة.
قال: فهل سمعتِ كلامه؟
قالت: نعم.
قال: كيف سمعتِه؟
قالت: كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ.
قالت: صدقت، هل لك من حاجة؟
قالت: أو تفعل ذلك إذا سألتك؟
قال: نعم.
قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء، وألف راعية من رواعي فحولها وغلمانها.
قال لها معاوية: ما تصنعين بها؟
قالت: اغذوا بألبانها الصغار، وأُتحِف بها الكبار، وأُصلح بها بين العرب.
قال: فإن أعطيتِك هل أحلُّ منكِ محلَّ علي بن أبي طالب عليه السلام؟
قالت: يا سبحان الله! أو دونه قليلاً؟
فأنشأ معاوية يقول:

إذا لم اجُدْ بالحلم مني عليكم * * * فمن ذا الذي بعدي يؤمَّل للحلم
خذيها هنيئاً، واذكري فعل ماجد * * * حباكِ على حين العداوةِ بالسلم

ثم قال لها: والله لو كان علياً ما أعطاكِ شيئاً.
قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين يعطيني.
ثم أمر لها بما سألت، وردها إلى منزلها مكرمة(١٥٠).
سودة بنت عمارة الهمدانية:
لما دخلت على معاوية قال لها:
هيه يا ابنة الأشل، ألست القائلة لأخيك يوم صفين:

شمر كفعل أبيك يا بن عمارة * * * يم الطعان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسين ورهطه * * * واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخا النبي محمدٍ * * * علم الهدى ومنارة الإيمان
فَقِهِ الحتوفَ وسِرْ أمام لوائه * * * قُدُما بأبيضَ صارم وسنان؟

قالت: بلى يا أمير المؤمنين وما مثلي رغب عن الحق، واعتذر بالكذب.
قال: فما حملك على ذلك؟
قالت: حب عليّ عليه السلام، واتباع الحق.
قال: والله ما أرى عليك من عليِّ أثرا!
قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى وتذكار ما نُسِي.
قال: هيهات ما مثل مقام أخيك يُنسى، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك.
قالت: صدق فوكَ يا أمير المؤمنين، لم يكن أخي والله ذميم المقام، ولا خفيَّ المكان هو والله كقول الخنساء:

وإن صخراً لتأتم الهداة به * * * كأنه علم في رأسه نار

فأطرقت، ثم قالت: وأنا أسأل يا أمير المؤمنين إِعفائي مما استعفيته.
قال: قد فعلت، فما حاجتك؟
قالت: يا أمير المؤمنين، إنك أصبحت للناس سيداً، ولأمورهم متقلداً والله سائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك، يبطش بسلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسف، ويسألنا الجليلة. هذا ابن أرطاة قدم، فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، يقول لي. فوهى بما استعصم بالله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عِز ومِنعَة. فأما عزلته فشكرناك، وأما لا فعرفناك.
فقال معاوية: أبقومك تهددين؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس، فأدركك إليه فينفد فيك حكمه.
فبكت. ثم رفعت رأسها وهي تقول:

صلى الإله على روح تضمَّنَها * * * فبرٌ فأصبح فيها العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * * * فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال: ومن ذلك؟
قالت: علي ابن أبي طالب.
قال: وما علمك به؟
قالت: أتيته في رجل ولاه صدقاتنا، لم يكن بيننا وبينه إلا ما بين الغث والسمين، فوجدته قائماً يصلي، فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته الخبر. فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك.
ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، ثم كتب فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
(قد جاءكم بينة من ربكم:
(أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (٨٦)) هود/ ٨٥ ـ ٨٦.
إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك م عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام.
فأخذته والله، وما خزمه بخزام، ولا ختمه بطين.
فقال: رحم الله أبا الحسن. أكتبوا لها بالعدل.
قالت: لي خاصة، أم لقومي عامةً.
قال: ما أنتِ وغيركِ؟
قالت: هي والله إذاً الفحشاء واللؤم إن كان عدلاً شاملاً، وإلا فأنا كسائر قومي.
فقال:
هيهات يا أهل العراق، لقد لمظكم علي بن أبي طالب الجرأة على السلطان فبكيء ما تفطمون.
أكتبوا لها ولقومها(١٥١).
الزرقاء بنت عدي بنت غالب بن قيس الهمدانية:
كتب معاوية إلى عامله بالكوفة أن يوفد إليه الزرقاء بنت عدي الهمدانية مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها... فلما دخلت على معاوية قال: مرحبا وأهلا! قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟
قالت: بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لك النعمة، قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا، قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟
قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؟ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر والواقفة بين الصفين [يوم صفين] تحضين على القتال وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعد الأمر،
قال لها معاوية: [صدقتِ] أتحفظين كلامك؟ [يوم صفين] قالت: لا والله! لا أحفظه، ولقد أنسيته،
قال: لكني أحفظه، لله أبوك! حين تقولين:
أيها الناس! ارعووا وارجعوا،... إن المصباح لا يضئ في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين [والأنصار] على الغصص، ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، إيها في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين.
ثم قال لها: والله يا زرقاء! لقد شركت عليا في كل دم سفكه.
قالت: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك! فمثلك بشر بخير وسر جليسه، قال لها: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله لقد سررت بالخير، فأنى لي بتصديق الفعل؟
فضحك معاوية، وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته!
اذكري حاجتك.
قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد من غير طلبة،
قال: صدقت! وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكُسا(١٥٢).
أم سنان بنت خيثمة:
روى أحمد بن أبي طاهر: أن مروان حبس غلاما من بني ليث، فخرجت أم سنان جدته لأبيه إلى معاوية،
فقال لها: ما أقدمك أرضي وقد عهدتك تشنأينني وتحضين علي عدوي؟
قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما زاهرة، لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا يتعقبون بعد عفو، فأولى الناس باتباع سنن آبائه أنت، قال: صدقت نحن كذلك، فكيف قولك:

عزب الرقاد فمقلتي ما ترقد * * * والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشردوا * * * إن العدو لآل أحممد يقصد
هذا علي كالهلال يحفه * * * وسط السماء من الكواكب أسعد
هير الخلائق وابن عم محمد * * * وكفى بذاك لمن شناه تهدد
ما زال مذ عرف الحروب مظفرا * * * والنصر فوق لوائه ما يفقد

قالت: كان ذلك وأنا لنطمع بك خلفا.
فقال رجل من جلسائه: كيف؟ وهي القائلة:

أما هلكت أبا الحسين فلم تزل * * * بالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * * * فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا لنا * * * أوصى إليك بنا فكنت وفيا(١٥٣)

قالت يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق فيك ما ظنناه لحظك الأوفر والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأدحض مقالتهم وأبعد منزلتهم فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا.
قال وإنك لتقولين ذلك.
قالت يا سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب إلينا من غيرك.
قال ممن:
قالت من مروان ابن الحكم وسعيد بن العاص.
قال وبم استحققت ذلك عندك.
قالت بسعة حلمك وكريم عفوك.
قال وإنهما يطمعان في ذلك.
قالت هما والله لك من الرأي علي مثل ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله تعالى.
قال والله لقد قاربت فما حاجتك؟
قالت يا أمير المؤمنين إن مروان تبنَّك(١٥٤) بالمدينة تبنك من لا يريد منهما البراح لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن ابني فأتيتته فقال كيت وكيف فألقمه أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصبر ثم رجعت إلي نفسي باللائمة وقلت لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولي بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا وعليه معديا.
قال صدقت لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه.
قالت يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفذ زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم(١٥٥).
أروى بنت الحارث:
قال ابن أبي طاهر طيفور روى ابن عائشة عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن انس بن مالك قال دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم وهي عجوز كبيرة.
فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك يا خالة! كيف كنت بعدي؟
قالت: كيف أنت يا ابن أختي؟ لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك، بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا ولا سابقة كانت لكم، بل كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود وأصغر منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله، فكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا هو المنصور على من ناواه، فوثبت قريش علينا من بعده حسدا لنا وبغيا، فكنا بحمد الله ونعمته أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان سيدنا فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، وغايتنا الجنة وغايتكم النار...
ثم قال: يا خالة اقصدي لحاجتك ودعي أساطير النساء عنك.
قالت: تعطيني ألفي دينار وألفي دينار وألفي دينار. قال: ما تصنعين بألفي دينار؟
قالت: أزوج بها فقراء بني الحارث بن عبد المطلب.
قال: هي كذلك، فما تصنعين بألفي دينار؟
قالت: استعين بها على شدة الزمان وزيارة بيت الله الحرام.
قالت: قد أمرت بها لك، فما تصنعين بألفي دينار؟
قالت: أشتري بها عينا خرارة في أرض حوارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب.
قال: هي لك يا خالة، أما والله لو كان ابن عمك علي ما أمر بها لك!
قالت: تذكر عليا فضل الله فاك وأجهد بلاك! ثم علا نحيبها وبكاؤها، وجعلت تقول:

ألا يا عين ويحك فاسعدينا * * * ألا فابكي أمير المؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا * * * وجال بها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها * * * ومن قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين * * * رأيت البدر راق الناظرينا
...
كأن الناس إذ فقدوا عليا * * * نعام جال في بلد سنينا
فلا والله لا أنسى عليا * * * وحسن صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش حيث كانت * * * بأنه خيرها حسبا ودينا

قال: فبكى معاوية! ثم قال: يا خالة لقد كان كما قلت وأفضل(١٥٦).
أم الخير بنت الحريش بن سراقة:
لما قدمت على معاوية قالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال: وعليكِ السلام، وبالرغم منكِ والله دعوتِني أمير المؤمنين.
قالت: يام أمير المؤمنين مَهْ، فإنَّ بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه.
قال: صدقت. كيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟
قالت: بخير لم أزل في عافية، وسلامة حتى أدتني إليك الرِّكاب.
قال: أخبريني كيف كان كلامُك يوم قتل عمار بن ياسر؟
قالت: لم أكن رويته قبل، ولا درسته بعد، وإنها كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فإن أحببت أن أحدث لك مقالاً غيره فعلت.
قال: لا.
ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم يحفظ كلامها؟
فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، أنا أحفظه كحفظي سورة الحمد.
قال: هاته. قال: نعم، كأني بها في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل، وبيدها سوط، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، وهي تقول:
... هلموا، رحمكم الله إلى الإمام العدل، والتقيِّ الوفي، والصدِّيق الوصي إنها إحَن بدرية، وضغائن جاهلية، وأحقاد أحدية، وثب بها معاوية عند الغفلة، ليدرك بها الفرصة من ثارات بني عبد شمس ثم قالت: (وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) التوبة/ ١٢.
... أيها الناس أفراراً عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوج إبنته، وأبي سبطيه. خُلق والله من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره وجعله باب مدينته، و(علم) بحبه (المؤمنين)، وأبان ببغضه المنافقين(١٥٧).
أم البراء بنت صفوان بن هلال:
عن جعدة بن هبيرة المخزومي، قال: استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية، فأذن لها، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف، فسلمت ثم جلت، فقال: كيف أنت يا بنت صفوان؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف حالك؟ قالت: ضعفت بعد جلد وكسلت بعد نشاط، قال: سيان بينك اليوم وحين تقولين:

يا عمرو دونك صارما ذا رونق * * * عضب المهزة ليس بالخوار
أسرج جوادك مسرعا ومشمرا * * * للحرب غير معرد لفرار
أجب الإمام ودب تحت لوائه * * * وافر العدو بصارم بتار
يا ليتني أصبحت لست بعورة(١٥٨) * * * فأذب عنه عساكر الفجار

قالت: قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ومثلك عفا، والله تعالى يقول: عفا الله عما سلف.
قال: هيهات! أما إنه لو عاد لعدت، لكنه اخترم دونك، فكيف قولك حين قتل؟
قالت: نسيته يا أمير المؤمنين.
فقال بعض جلسائه: هو والله حين تقول يا أمير المؤمنين:

يا للرجال لعظم هول مصيبة * * * فدحت فليس مصابها بالهازل
الشمس كاسفة لفقد إمامنا * * * خير الخلائق والإمام العادل
يا خير من ركب المطي ومن مشى * * * فوق التراب لمحتف أو ناعل
حاشا النبي لقد هددت قواءنا * * * فالحق أصبح خاضعا للباطل

فقال معاوية: قاتلك الله يا بنت صفوان! ما تركت لقائل فقال مقالا، اذكري حاجتك.
قالت: هيهات بعد هذا! والله لا سألتك شيئا. ثم قامت فعثرت، فقالت: تعس شانئ علي، فقال: يا بنت صفوان (زعمت ان لا تعودي إلى ما كنت عليه في أيام علي فما هذا الكلام)(١٥٩).
قالت: هو ما علمت.
فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم كثيرة وقال: إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه؟(١٦٠).
ضرار بن ضمرة:
ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب(١٦١) قال: قال معاوية لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا، قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه:
فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.
كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبه له.
يعظم أهل الدين ويقرب المساكين.
لا يطمع القوي في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله.
وأشهد اني لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوفت.
هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك قليل.
آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
فبكى معاوية وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟
قال حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها(١٦٢).
عدي بن حاتم الطائي:
روى ابن عساكر:
قال: دخل عدي بن حاتم على معاوية وكانت عينه أصيبت يوم الجمل،
فلما دخل قال له ابن الزبير متى أصيبت عينك يا أبا طريف،
قال يوم قتل أبوك وضُرِبتَ على قفاك وأنت مولي،
فضحك معاوية، وقال له ما فعلت الطرفات يا أبا طريف؟
قال: قُتِلوا.
قال ما أنصفك ابن أبي طالب أن قُتل بنوك معه وبقي له بنوه؟
قال: إن كان ذلك لقد قتل وبقيت أنا من بعده(١٦٣).
وقد روى ابن قتيبة كلام عدي في صفين: قال قام عدي بن حاتم، فقال: أيها الناس، إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي يديه من الله سبب...
وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشام على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل، فليس لكم مثله، فسلموا له، وإلا فنازعوا عليه، والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله، والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة، إنه لأظهر الناس زهدا، وأنهكهم عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز إنه لأشد الناس عقلا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة(١٦٤).
الأحنف بن قيس:
قال الأحنف بن قيس دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبارد والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ثم قدم لونا لم اعرف ما هو.
فقلت ما هذا؟
فقال مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذر عليه بالطبرزد.
فبكيت فقال ما يبكيك؟
قلت ذكرت عليا بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره وسألني المقام فجئ له بجراب مختوم
فقلت ما في هذا الجراب؟
قال سويق شعير.
قلت خفت عليه ان يؤخذ؟ أم بخلت به؟
فقال لا ولا احدهما ولكني خفت ان يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت.
فقلت محرم هو يا أمير المؤمنين؟
فقال لا ولكن يجب على أئمة الحق ان يعدوا انفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغي الفقير فقره.
فقال معاوية ذكرت ما لا ينكر فضله(١٦٥).
معاوية يطلب من ابن عباس ان يخبره عن علي عليه السلام
روى ابن شاذان عن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، عن ربعي، عن خراش قال: سأل معاوية ابن عباس قال: فما تقول في علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال: أبو الحسن عليه السلام علي، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجى، ومحتد الندا، وطود النهى، وعلم الورى، ونورا في ظلمة الدجى، وداعيا إلى المحجة العظمى، ومستمسكا بالعروة الوثقى، وساميا إلى المجد والعلا، وقائد الدين والتقى وسيد من تقمص وارتدى، بعل بنت المصطفى، وأفضل من صام وصلى، وأفخر من ضحك وبكى، صاحب القبلتين، فهل يساويه مخلوق كان أو يكون.
كان والله كالأسد مقاتلا ولهم في الحروب حاملا على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد.
إيضاح: المحتد بالكسر الأصل، والندا: العطاء، والطود الجبل العظيم(١٦٦).
حوار بين معاوية وقيس بن سعد بن عبادة
وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشا بشا، ذا فكاهة.
قال قيس: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك!
أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام!(١٦٧)
نماذج من أحاديث حملة الحديث من الكوفيين الذين دخلوا الشام
يعلى بن مرة الثقفي:
يعلى بن مرة بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف أبو المرازم الثقفي، له صحبة عداده في أهل الكوفة وقيل في أهل البصرة وله بها دار شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية وخيبر والفتح وحنينا والطائف وروى عنه أحاديث ت س ق وعن علي بن أبي طالب.
روى عنه أبو قابت أيمن بن ثابت وراشد بن سعد بخ وسعيد بن راشد ت ق ويقال بن أبي راشد مولى آل معاوية وعبد الله بن حفص بن أبي عقيل الثقفي س وابناه عبد الله بن يعلى بن مرة وعثمان بن يعلى بن مرة ت وعطاء بن السائب قد مرسل وعياض أبو أشرس السلمي ومحمد ويقال محمود بن أبي جبيرة والمنهال بن عمرو الأسدي ق مرسل ويونس بن خباب ق كذلك وأبو البختري قد وأبو حفص بن عمرو ت س على خلاف فيه ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقيف وقال أسلم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية وبيعة الرضوان وخيبر وفتح مكة والطائف وحنينا وكان فاضلا(١٦٨).
قال البخاري قال لنا أبو صالح نا معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الاندلس ت (١٥٨)(١٦٩) عن راشد بن سعد الحمصي (ت ١١٤) عن يعلى بن مرة قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فدعينا لطعام قال فإذا الحسين يلعب في الطريق فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم إمام القوم يعني ثم بسط يديه فجعل حسين يمر مرة ههنا ومرة ههنا والنبي صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه ثم اعتنقه فقبله وقال: حسين مني وأنا منه (من حسين) أحب الله من أحب الحسي (حسين) الحسن والحسين سبطان من الأسباط(١٧٠).
أقول: اما راوي الحديث عن يعلى فهو (راشد بن سعد المقرائي الحبري الحميري) من أهل حمص قال ابن سعد كان ثقة مات سنة ١٠٨ وذكره بن حبان في الثقات وقال (مات سنة ١٣ أي بعد المائة وكذا أرخه أبو عبيد وخليفة والحربي وابن قانع وقد ذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية)(١٧١). وشهد المقرائي صفين مع معاوية وهو ابن العشرين، ومن الطبيعي ان يلتقي المقرائي الحمصي مع يعلى بن مرة في سنوا الصلح بين سنة ٤٠ وسنة ٥٠ هجرية.
وليعلى بن مرة روايات أخرى لابد انه قد حدق بها في الشام منها:
ما رواه ابن الاثير عن أبي العباس بن عقدة حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة حدثنا حسن بن زياد عن عمرة بن سعد النصري عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه (عبد الله بن يعلى)(١٧٢) عن جده يعلى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلما قد عليٌ الكوفة نشد الناس فانتشد له بضعة عشر رجلا فيهم أبو أيوب صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناجية بن عمرو الخزاعي أخرجه أبو نعيم وأبو موسى(١٧٣).
وروى هذا الحديث ابن حجر بترجمة ناجية بن عمرو الخزاعي قال ذرك بن عقدة في كتاب الموالات وأخرج من طريق عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه فلما قدم علي الكوفي نشد الناس فانتشدنا له بضعة عشر رجلا منهم أبو أيوب وناجية بن عمرو الخزاعي(١٧٤).
وما رواه ابن عدي قال ثنا محمد بن جعفر بن يزيد المطيري، ثنا إبراهيم بن سليمان النهمي الكوفي، ثنا عبادة بن زياد، ثنا عمر بن سعد، عن عمر بن عبد الله الثقفي، عن أبيه، عن جده يعلى بن مرة الثقفي قال: سمعت ـ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (من أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصى عليا فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر أو منافق)(١٧٥).
وما رواه الخطيب البغدادي بسنده عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيهي عن جده. وعن أنس بن مالك قالا: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طير، ما نراه إلا حبارى. فقال: (اللهم ابعث إلي أحب أصحابي إليك يواكلني هذا الطير)(١٧٦).
وما رواه ابن حبان وأخرجه عن أبي حاتم بسنده عن أبي يعلى قال: حدثنا سهل بن زنجلة قال: حدثنا الصباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن أبي يعلى بن مرة ع أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس وترك عليا آخرهم لا يرى أن له أخا فقال: يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني قال: ولم تراني تركتك؟ لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فإن حاجك أحد فقل إني أخو عبد الله ورسوله لا يدعيها أحد بعدك إلا كذاب(١٧٧).
ومنها ما رواه الشوكاني قال وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلي بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء. واهتم رسول الله صلى الله علي هوآله وسلم لذلك(١٧٨).
وما رواه الحاكم النيسابوري قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحجازي بحمص، ثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن مريم، عن راشد بن سعد عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا بلغت بنو أمية أربعين تخذوا عباد الله خولا ومال الله خولا وكتاب الله دخلا)(١٧٩).
ومنها: ما رواه عبد الرزاق الصنعاني عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حفص عن يعلي بن مرة قال اجتمعنا ـ أصحاب علي ـ فقلنا لو حرسنا أمير المؤمنين فإنه محارب ولا نأمن عليه أن يغتال قال فبتنا عند باب حجرته حتى خرج لصلاة الصبح قال فقال ما شأنكم؟ فقلنا له حرسناك يا أمير المؤمنين فإنك محارب وخشينا أن تغتال فحرسناك فقال أفمن أهل السماء تحرسوني أم من أهل الأرض؟ قال فقلنا بل من أهل الأرض وكيف نستطيع أن نحرسك من أهل السماء قال فإنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقدر في السماء وليس من أحد إلا وقد وكل به ملكان يدفعان عنه ويكلانه حتى يجئ قدره فإذا جاء قدره خليا بينه وبين قدره(١٨٠).
ورواه ابن عساكر قال ونا أبو داود نا محمد بن بشار نا عبد الرحمن نا زائدة بن قدامة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن يعلى بن مرة قال كان علي يخرج بالليل إلى المسجد ليصلي تطوعا وكان الناس يفعلون ذلك حتى كان شبث الحروري فقال بعضنا لبعض لو جعلنا علينا عقبا يحضر كل ليلة منا عشرة فكنت في أول من حضر فألقى درته ثم قام يصلي فلما فرغ أتانا فقال ما يجلسكم قلنا نحرسك فقال من أهل السماء قال فإنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء وإن علي من الله جنة حصينة فإذا جاء أجلي كشف عني وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه ليكن ليصيبه.
قال وحدثنا أبو داود نا محمد بن كثير نا همام عن عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة قال ائتمرنا أن نحرس عليا كل ليلة عشرة قال فخرج فصلى كما كان يصلي ثم أتانا فقال ما شأن السلاح وساق نحو حديث قبله قال لا يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستقين يقينا غير ظان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال وقال قتادة إن آخر ليلة أتت على علي قال جعل لا يستقر فارتاب به أهله فجعل يدس بعضهم إلى بعض حتى اجتمعوا قال فناشدوه فقال إنه ليس من عبد إلا ومعه ملكان يدفعان عنه ما لم يقدر أو قال ما لم يأت القدر فإذا أتى القدر خليا بينه وبين القدر قال وخرج إلى المسجد يعني فقتل(١٨١).
زيد بن وهب أبو سليمان الجهني (٨٤ هـ):
قال الخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٤٤١ زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني ثم الجهني جاهلي ذُكِر أنه رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق وأسلم. وكان قد نزل الكوفة وحضر مع علي بن أبي طالب الحرب بالنهروان.
وقال ابن سعد زيد بن وهب الجهني ويكنى أبا سليمان. شهد مع علي بن أبي طالب مشاهده. في ولاية الحجاج بعد الجماجم وكان ثقة كثير الحديث(١٨٢).
وقال المزي: قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراض كوفي ثقة دخل الشام(١٨٣).
وقال ابن حجر: اتفقوا على توثيقه مات سنة ست وتسعين(١٨٤).
وقال الذهبي: وكان ثقة كثير العلم(١٨٥)، وقال أيضا متفق على الاحتجاج به الا ما كان من يعقوب الفسوي فانه قال في حديثه خلل كثير ولم يصيب الفسوي(١٨٦). وقال أيضا: ٢٨٧ ع/ زيد بن وهب، تابعي جليل ثبت وإنما أوردته (أي في الضعفاء) لأن يعقوب الفسوي قال في تاريخه: (في حديثه خلل كثير ثم ذكر له قول عمر بالله يا حذيفة أنا من المنافقين) قال: وهذا محال أخاف أن يكون كذبا رواه الأعمش عنه، قال ومما يستدل به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة إن خرج الدجال تبعه من كان يحب عثمان) وهذا الذي استنكره الفسوي ما استنكره أحد ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا السنن بالوهم)(١٨٧).
قال الشيخ الطوسي زيد الجهني له كتاب خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها، أخبرنا به أحمد بن محمد بن موسى عن أحمد بن سعيد بن عقدة عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي عن نصر بن مزاحم المنقري عن عمرو بن ثابت عن عطية بن الحارث عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن أبي منصور الجهني عن زيد بن وهب قال: خطب أمير المؤمنين وذكر الخطب جميعها)(١٨٨).
أقول: قد نقل نصر بن مزاحم في كتاب صفين والطبري في تأريخه في موارد عديدة من كتابيهما عن مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب الجهني عن علي عليه السلام.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٤٤١ عن الأعمش قال كنت إذا سمعت الحديث من زيد بن وهب فكأنك سمعته من الذي يحدث عنه. وفي رواية: لم يضرك أن لا تسمعه من صاحبه.
روى الخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٤٤١ بسنده عن أبي عن سلمة بن كهيل الجعفي عن زيد بن وهب قال كنت مع علي بن أبي طالب يوم النهروان فنظر إلى بيت وقنطرة فقال هذا بيت بوران بنت كسرى وهذه قنطرة الديزجان قاقل حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أسير هذا المسير وأنزل هذا المنزل.
وروى النسائي عن زكريا بن يحيى قال حدثنا عثمان قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا مالك بن مغول عن الحارث بن حصيرة عن أبي سليمان الجهني قال سمعت عليا على المنبر يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله صلى الله عليه وسلم لا يقولها إلا كذاب مفتري(١٨٩).
قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد وهو بن وهب عن علي بن أبي طالب قال لما كان يوم النهروان لقي الخوارج فلم يبرحوا حتى شجروا بالرماح فقتلوا جميعا قال علي اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه، فقال علي ما كذبت ولا كذبت اطلبوه فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى فإذا رجل على يده مثل سبلات السنور فكبر علي والناس وأعجبهم ذلك(١٩٠).
وقال أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل قال حدثنا زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج،
فقال علي: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئا، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلمون الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تلكوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد، وليست له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة ثدي المرأة، عليه شعرات بيض.
فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله.
قال سلمة فنزلني زيد منزلا منزلا، (قال) حتى مررنا على قنطرة فلما التقينا على الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم. قال فسلوا السيوف وألقوا جفونها وشجرهم الناس يعني برماحهم فقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان.
قال علي التمسوا فيهم المخدج فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قتلى بعضهم على بعض. قال جردوهم فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر علي وقال صدق الله وبلغ صلى الله عليه وسلم.
فقام إليه عبيدة السلماني فقال يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أي والله الذي لا إله إلا هو لسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له(١٩١).
وروى احمد في مسنده قال حدثنا عبد الله ثنا أحمد بن جميل أبو يوسف أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب قال لما خرجت الخوارج بالنهروان قام علي رضي الله تعالى عنه في أصحابه فقال ان هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس وهم أقرب العدو إليكم وان تسيروا إلى عدوكم أنا أخاف ان يخلفكم هؤلاء في أعقابكم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تخرج خارجة من أمتي ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ولا قراءتكم إلى قراءتهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وآية ذلك ان فيهم رجلا له عضد وليس لها ذراع عليها مثل حلمة الثدي عليها شعرات بيض لو يعلم الجيش اللذين يصيبونهم ما لهم على لسان نبيهم لا تكلوا على العمل فسيروا على اسم الله فذكر الحديث بطوله(١٩٢).
وقال النسائي أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا الفضل بن دكين عن موسى بن قيس الحضرمي ن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب قال خطبنا علي بقنطرة الديزجان فقال إنه (أي النبي) قد ذكر لي خارجة تخرج من قبل المشرق وفيهم ذو الثدية فقاتلهم فقالت الحرورية بعضهم لبعض لا تكلموه فيردكم كما ردكم يوم حروراء فشجر بعضهم بعضا بالرماح فقال رجل من أصحاب علي اقطعوا العوالي والعوالي الرماح فداروا واستداروا وقتل من أصحاب علي اثنا عشر رجلا أو ثلاثة عشر رجلا فقال علي التمسو المخدج وذلك في يوم شات فقالوا ما نقدر عليه فركب علي بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الشهباء فأتى وهدة من الأرض فقال التمسوه في هؤلاء فأخرج فقال ما كذبت ولا كذبت فقال اعملوا ولا تتكلوا لو لا أني أخاف أن تتكلوا لأخبرتكم بما قضى الله لكم على لسانه يعني النبي صلى الله عليه وسلم ولقد شهدنا ناس باليمن قالوا كيف يا أمير المؤمنين قال كان هواؤهم معنا.
وروى ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش عن زيد بن وهب قال لما شجرهم علي عليه السلام بالرماح قال اطلبوا ذا الثدية فطلبوه طلبا شديدا حتى وجدوه في وهده من الأرض تحت ناس من القتلى فأتى به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور فكبر علي عليه السلام وكبر الناس معه سرورا بذلك(١٩٣).
وفي المعجم الكبير قال حدثنا عبدان بن أحمد بن ثنا يحيى بن حاتم العسكري ثنا بشر بن مهران ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال أول شيء علمت من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت مكة في عمومة لي فأرشدنا على العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرة جعد إلى أنصاف أذنيه أشم أقنى أذلف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة شئن الكفين والقدمين عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر يمشي على يمينه غلام أمرد حسن الوجه مراهق أو محتلم تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلم الغلام يديه وكبر وقام الغلام عن يمينه ورفع يديه وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبرت وأطال القنوت ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فقنت وهو قائم ثم سجد وسجد الغلام والمرأة معه يصنعان مثل ما يصنع ويتبعانه قال فرأينا شيئا لم نكن نعرفه فيكم أشيء حدث قال أجل والله أما تعرفون هذا قلنا لا قال هذا بن أخي محمد بن عبد الله والغلام علي بن أبي طالب والمرأة خديجة بنت خويلد أم والله ما على ظهر الأرض أحد يعبد الله على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة(١٩٤).
وقال حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا أبو إسرائيل الملائي عن الحكم عن أبي سليمان زيد بن وهب عن زيد بن أرقم قال ناشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الذي قال له فقام ستة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال زيد بن أرقم فكنت فيمن كتم فذهب بصري وكان علي رضي الله تعالى عنه دعا على من كتم(١٩٥).
وفي فتح الباري أخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال بينا نحن حول حذيفة إذ قال كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف قلنا يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك قال انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فانها على الهدى(١٩٦).
وروى الطبري في حوادث سنة ٣٧ قال أبو مخنف: حجثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن عليا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا. فقام في الناس عشية الثلاثة ليلة الأربعاء بعد العصر فقال:
الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، وما أبرم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار فلفت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلوشاء عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. إلا أنكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله عز وجل النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين.
ثم انصرف.
ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها...
قال: فلما كان من الليل خرج علي فعبى الناس ليلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فأخذ علي يقول: من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة فنسبت له قبائل أهل الشام حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد: اكفوني الأزد، وقال لخثعم: اكفوني خثعم. فأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منهم بالعراق احد مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا عدد قليل فصرفهم إلى لخم.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن عليا خرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم فقال:
اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة.
ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم.
ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض.
ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا.
إن أطهرتنا على عدونا فجنبنا البغي، سددنا للحق.
وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة(١٩٧).
وفيه أيضا قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن ابن بديل قام في أصحابه فقال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر وزادهم رجسا إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين. فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم، فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وآله مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه(١٩٨).
وفيه أيضا قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام وأنتم لهاميم العرب والسنانم الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن. وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد أدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدي وشفى بعض أحاح نفسي إني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة. وثبتكم الله عز وجل باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه إن في الفرار موجدة الله عز وجل عليه والذل اللازم والعار الباقي واعتصار الفيء من يده وفساد العيش عليه. وإن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها الإقرار عليها(١٩٩).
وروى عن هشام بن الكلبي عن أبي مخنف قال: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بنب وهب الجهني أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ: أين من يبتغي رضوان الله عليه ولا يئوب إلى مال ولا ولد، فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما والله ما طلبتهم بدمه، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم، وليس للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان.
اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.
ثم مضى ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عمرو فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا طالما بغيت في الإسلام عوجا.
وقال لعبيد الله ابن عمر بن الخطاب: صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الإسلام وابن عدوه(٢٠٠).
وروى أيضا عن أبي مخنف: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال: أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان بين. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإني أعرف بهم منكر عرفتهم أطفالا ورجالا، فهم أهل المكر والغدر وإنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم فعصيتموني حتى أقررت بأن حكمت فلما فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفنا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأول، فما الذي بكم ومن أين أتيتم؟
قالوا: أنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين.
فقال علي: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر، أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وآله وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.
ثم انصرف عنهم(٢٠١).
وروى الحسكاني بسنده عن الأعمش عن زيد بن وهب ن حذيفة ان أناسا تذاكروا فقالوا: ما نزلت آية في القرآن فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا في أصحاب محمد فقال حذيفة: ما نزلت في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا كان لعلي لبُّها ولُبابها(٢٠٢).
وروى أيضا بسنده عن زيد بن وهب عن حذيفة في قوله (وصالح المؤمنين) قال هو علي بن أبي طالب(٢٠٣).
قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي ثنا معلى بن عبد الرحمن ثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: سرنا معه يعني عليا حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال علي ما هذه القبور فقالوا يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين وأوصى أن يدفن في ظهر الكوفة، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم، وعلى أبواب دورهم فلما رأوا خبابا أوصى أن يدفن بالظهر دفن الناس.
فقال علي: رحم الله خباباب لقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
ثم دنا من القبور فقال: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع عما قليل لاحق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله عز وجل(٢٠٤).
وقال: حدثنا، إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن بن عيينة عن الأعمش عن زيد بن وهب قال قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا قال قد نهينا عن التجسس فإن يظهر لنا يعني نقيم عليه(٢٠٥).
وروى الثقفي قال: حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن عمرو بن المبارك البجلي قال: حدثني أبي عن بكر بن عيسى قال: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب:
أن عليا عليه السلام قال للناس وهو أول كلام له بعد النهروان وأمور الخوارج التي كانت فقال: يا أيها النسا استعدوا إلى عدو في جهادهم القربة من الله وطلب الوسيلة إليه، حيارى عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالكفر والجور لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلال، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) الأنفال ٦٠، وتوكلوا على الله (كفى بالله وكيلا، وكفى بالله نصيرا) النساء ٤٥.(٢٠٦)
وقال: حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم، قال: أخبرنا يوسف بن بهلول السعدي قال: حدثنا شريك بن عبد الله بن عثمان الاعشى عن زيد بن وهب قال:
قدم على علي عليه السلام وفد من أهل البصرة فيهم رجل م نرؤساء الخوارج يقال له: الجعدة بن نعجة فقال له في لباسه: ما يمنعك أن تلبس؟ ـ فقال: هذا أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدى بي المسلم، فقال له: اتق الله فانك ميت قال: ميت؟! بل والله قتلا ضربة على هذا يخضب هذه، قضاءا مقضيا وعهدا معهودا، وقد خاب من افترى(٢٠٧).
أقول: وقد رواه احمد ابن حنبل، في مسنده قال: حدثنا عبد الله، حدثني علي بن حكيم الاودي، أنبأنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن زيد بن وهب قال: قدم على علي عليه السلام قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له: الجعدة بن بعجة فقال له: اتق الله يا علي فانك ميت، فقال علي عليه السلام بل مقتول ضربة على هذا تخضب هذي يعني لحيته من رأسه عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى، وعاتبه في لباسه فقال: مالكم واللباس؟ ـ هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدى بي المسلم. وفي العمدة: وعاتبه قوم في لباسه فقالوا: ما يمنعك أن تلبس، إلى آخره).
وعثمان بن أبي زرعة الواقع في سند مسند ابن حنبل هو عثمان الاعشى المذكور في سند الغارات كما تقدم آنفا.
عبد الرحمن بن أبي ليلى ت ٨٣:
قال ابن عبد البر في ترجمة أبي ليلى: أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى. اختلف في اسمه. فقيل يسار بن نمير. وقيل أوس بن خولى. وقيل داود بن بليل بن بلال بن أحيحة. وقيل يسار بن بلال بن أحيحة بن الجلاح. وقيل بلال بن بليل. وقال ابن الكبي: أبو ليلى الأنصاري اسمه داود بن بلال بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه أحدا وما بعدها من المشاهد، ثم انتقل إلى الكوفة، وله بهار دار في جهينة، يلقب بالأيسر. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وشهد هو وابنه عبد الرحمن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مشاهده كلها(٢٠٨). وقال في ترجمة أم ليلى الأنصارية، انها والدة عبد الرحمن بن أبي ليلى، كانت من المبايعات حديثها عند أهل بيتها من الكوفيين(٢٠٩).
قال المزي: عبد الرحمن بن أبي ليلى ولد لست بقين من خلافة عمر بن الخطاب، قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من الأنصار إذا سئل أحدهم عن شيء أحب ان يكفيه صاحبه. وقال عبد الملك بن عمير لقد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب، وقال يزيد بن أبي زياد قال عبد الله بن الحارث يعني بن نوفل اجمع بيني وبين عبد الرحمن بن أبي ليلى فجمعت بينهما فقال عبد الله بن الحارث ما ظننت ان النساء ولدت مثل هذا(٢١٠).
قال ابن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا قيس عن أبي حصين قال لما قدم الحجاج أراد أن يستعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء فقال له حوشب إن كنت تريد أن تبعث علي بن أبي طالب على القضاء فافعل. قال أخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا همام بن عبد الله التميمي قال رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى مضروبا عليه سراويل أفواف ضربه الحجاج قال وحوشب كان على شرط الحجاج وهو أبو العوام بن حوشب. (افواف جمع فوف وهو القطن أي سراويل قطن أو سراويل ابيض) قال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش قال رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد أوقفه الحجاج وقال له العن الكذابين علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد قال فقال عبد الرحمن: لعن الله الكذابين، ثم ابتدأ فقال عليُّ بن أبي طالب وعبدُ الله بن الزبير والمختارُ بن أبي عبيد، قال الأعمش: فعلمت أنه حين ابتدأ فرفعهم لم يعنِهم. قال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه كان إذا سمعهم يذكرون عليا وما يحدثون عنه، قال قد جالسنا عليا وصحبناه فلم نره يقول شيئا مما يقول هؤلا ء، أولا يكفي عليا أنه بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأبو حسن وحسين شهد بدرا والحديبية. قال وأجمعوا جميعا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى خرج مع من خرج على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بنب الأشعث وأنه قتل بدجيل(٢١١).
وقال الذهبي عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام أبو عيسى الأنصاري الكوفي الفقيه والد القاضي محمد رأى عمر يمسح على خفيه، قال بن سيرين جلست إليه وأصحابه يعظمونه كأنه أمير(٢١٢).
روى النسائي في سننه قال أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا عبيد الله قال أخبرنا بن أبي ليلى عن الحكم والمنهال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه:
أنه قال لعلي وكان يسير معه إن الناس قد أنكروا منك أنك تخرج في البرد في الملاءتين وتخرج في الحر في الحشو والثوب الغليظ. قال: أولم تكن معنا بخيبر قال بلى. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وعقد له لواء فرجع. وبعث عمر وعقد له لواء فرجع بالناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار فأرسل إلي وأنا أرمد، قلت: إني أرمد. فتفل في عيني وقال: اللهم اكفه أذى الحر والبرد فما وجدت حرا بعد ذلك ولا بردا(٢١٣).
وروى الحاكم في مستدركه قال أخبرني عبد الله بن محمد الصيدلاني حدثنا محمد بن أيوب أنبأ يحيى بن المغيرة السعدي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) المجادلة/ ١٢، قال: كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد فنزلت (أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المجادلة/ ١٣.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(٢١٤).
وروى احمد عن أبي سعيد ثنا إسرائيل حدثنا أبو اسحاق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك على انه مغفور لك لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله الا هو الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين(٢١٥).
وروى النسائي قال أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا يزيد قال حدثنا العوام قال حدثني عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن علي رضي الله تعالى عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة فعلمنا ما نقول إذ أخذنا مضجعا ثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة وأربعا وثلاثين تكبيرة قال علي فما تركتها بعد قال له رجل ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين(٢١٦).
وفي مسند احمد قال حدثنا عبد الله حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهدت عليا رضي الله تعالى عنه في الرحبة ينشد الناس أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد قال عبد الرحمن فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم فقلنا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه(٢١٧).
وفيه أيضا قال حدثنا عبد الله ثنا أحمد بن عمر الوكيعي ثنا زيد بن الحباب ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي حدثنا سماك بن عبيد بن الوليد العبسي قال دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني انه شهد عليا رضي الله تعالى عنه في الرحبة قال أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم الا قام ولا يقوم الا من قد رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصروه واخذل من خذلوه فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته(٢١٨).

أقول: وقد روى البلاذري قال حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن غياث بن إبراهيم عن المعلى بن عرفان الأسدي عم أبي وائل شقيق بن سلمة قال قال علي على المنبر نشدت الله رجلا سمع رسول الله يقول يوم غدير خم: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الا قام فشهد وتحت المنبر انس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبد الله فأعادها فلم يجبه أحد فقال اللهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها.
قال: فبرص انس وعمي البراء ورجع جرير أعرابيا بعد هجرته فأتى السراة فمات في بيت امه بالسراة(٢١٩).
وفي المناقب للخوارزمي بالاسناد عن ثوير بن أبي فاختة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن والده (أبي ليلى قتل بصفين سنة ٣٧) قال قال أبي: دفع النبي صلى الله عليه وآله الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب ففتح الله تعالى على يده، وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة(٢٢٠).
وروى البخاري في صحيحه قال حدثنا قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو قرة مسلم بن سالم الهمداني قال حدثني عبد الله بن عيسى سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم فقلت بلى فأهدها لي فقال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم قال قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد(٢٢١).
وروى الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثني أبو أسامة عن مسعر والأجلح ومالك بن مغول عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.
قال وفي الباب عن علي وأبي حميد وأبي مسعود وطلحة وأبي سعيد وبريدة وزيد بن خارجة ويقال بن جارية وأبي هريرة قال أبو عيسى حديث كعب بن عجرة حديث حسن صحيح وعبد الرحمن بن أبي ليلى كنيته أبو عيسى وأبو ليلى اسمه يسار(٢٢٢).
وفي شرح نهج البلاغة قال أبو مخنف فحدثني موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال... لما دخل الحسن وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستنفر الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال ايها الناس أنا جئنا ندعوكم إلى الله وكتابه وسنة رسوله والى افقه من تفقه من المسلمين واعدل من تعدلون وافضل من تفضلون واوفى من تبايعون من لم يعبه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة، إلى من قربه الله تعالى إلى رسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة، إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم محجمون وصدَّقه وهم يكذِّبون، إلى من لم ترد له رواية ولا تكافأ له سابقة، وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به الصالحون(٢٢٣).
وفيه أيضا روى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث انه قال فيما كان يخص به الناس على الجهاد اني سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين واثابه ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام:
(ايها المؤمنون انه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فانكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن انكره بلسانه فقد اجر وهو افضل من صاحبه ومن انكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين)(٢٢٤).
وروى الطبري في تفسيره قال حدثنا محمد بن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن هلال الوزان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا قال نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط(٢٢٥).
وروى ابن عساكر بسنده عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آخر زادك من الدنيا ضياح(٢٢٦) لبن، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتلك الفئة الباغية(٢٢٧).
أقول:
قال ابن عبد البر وروى الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: شهدنا مع علي رضي الله عنه صفّين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفّين إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتبعونه، كأنه علم لهم. وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عقبة: يا هاشم، تقدم الجنة تحت الأبارقة اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:

نحن ضربناكم على تنزيله * * * فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * * * ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحقّ إلى سبيله

قال: فلم أر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ(٢٢٨).
وقال ابن عساكر أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم أنا أبو العباس أحمد بن منصور أنا أبو محمد بن أبي نصر أنا عمي أنا أبو علي نا أحمد بن عمر القاضي نا وكيع نا ابن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب أنه قال يوم الجمل ادع إلي الزبير لَعلّي أذكِّره شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعي الزبير فجاء على دابته وجاء علي على دابته حتى اختلف رؤوس دوابهما فلم يزل علي يذكره ووجه الزبير يتغير ثم انصرفا.
فأما الزبير فمضى فنزل على ناس من بني سعد فأخبر طلحة أن الزبير قد انصرف.
فقال مروان إن لم أدرك ثأري اليوم لم أدركه أبدا فرماه بسهم فقتله، قال وقتل ابن جرموز الزبير. فقال علي أقتله وقد أمنته ائذنوا له وبشروه بالنار(٢٢٩).
قال ابن عبد البر حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر أحمد ابن زهير، قال حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو سلمة التّبوذكيّ، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا أبو فروة، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال قال عمر رضي الله عنه: عليّ أقضانا(٢٣٠).
أقول: وجدنا في روايات هؤلاء المحدثين الثلاثة وقد دخلوا الشام نماذج من الحديث النبوي واخبار سيرة علي عليه السلام التي انتشرت في الشام مما كان أهل الشام قد جهلوه بسبب سياسة منع الحديث، وسياسة الحرب والاعلام الكاذب مما يؤكد نجاح الحسن في خطته في مواجهة المخطط الأموي.
الباب الثاني/ الفصل الثالث: سيرة الإمام الحسن عليه السلام (معالم امامته الدينية ومرجعيته في عمل الخير)
المبحث الأول في سنوات الصلح
عالج الامام الحسن عليه السلام الانشقاق الذي كان ينطوي على مخاطر جسيمة على الرسالة والأمة تحدثنا عنها في الفصول السابقة، وفتح الشام لمشروع علي عليه السلام الاحيائي للسنة ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة واقام حكومة المجتمع المدني وقدم اختيار اهل الشام على اهل العراق مؤقتا، محتفظا لنفسه بموقع الإمامة الهادية الذي لم يأته ببيعة الناس بل بالوصية من النبي صلى الله عليه وآله وهو موقع لا يزيده الحكم شيئا ولا ينقصه شيئا.
وقد سجلت له كتب التاريخ من فعل الخير وعبادة الله تعالى في هذه السنوات ما يجعله مصداقا لقوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الأنبياء/ ٧٣ الأمر الذي جعله يرتقي في الشرف عند الناس ما لم يبلغه احد الا رسول الله صلى الله عليه وآله، ويكون يوم وفاته كيوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله حين حشد أهل المدينة انفسهم جميعا الرجال والنساء والاطفال لكي يحضروا جنازته. وفيما يلي طرف من أعمال الخير هذه قد اقف عند بعضها بتحليل مختصر، واترك الباقي لوضوحها في الإفصاح عن نفسها:
عبادته عليه السلام وخوفه من الله تعالى:
عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا، وربما يمشي حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر المرر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله تعالى الجنة، وتعوذ به من النار، وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا(٢٣١).
وقال لي ابن عساكر عن عبد الله بن العباس قال: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا، ولقد حج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه(٢٣٢).
كرمه وتعامله عليه السلام مع المال:
روى ابن عساكر عن أبي هشام القناد، قال: كنت أحمل المتاع من البصرة إلى الحسن بن علي وكان يماكسني فلعلي لا أقوم من عنده حتى يهب عمامته، ويقول: إن أبي حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المغبون لا محمود ولا مأجور(٢٣٣).
وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب سمع إلى جنبه رجلا يسأل أن يرزقه الله عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه.
قال هشام بن حسان، عن ابن سيرين: إن الحسن بن علي كان يجيز الرجل الواحد بمئة ألف.
قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات وخرج من ماله لله تعالى مرتين(٢٣٤).
سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال له ائت بحمال يحمللك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة فقال هذا كرى الحمال.
وجاءه بعض الأعراب فقال: اعطوه ما في الخزانة، فوجد فيها عشرون ألف درهم فدفعت إليه، فقال الأعرابي يا مولاي الا تركتني ابوح بحاجتي وانشر مدحتي؟ فانشأ الحسن يقول:

نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والامل
تجود قبل السؤال انفسنا * * * خوفا على ماء وجه من يسل(٢٣٥)

أقول:
من الواضح ان هذا التصرف من الحسن عليه السلام يستهدف الضغط على معاوية وإثارته ليقتدي بالحسن وليكون اكثر كرما منه وبذلك يتحرك المال الذي اكتنزه معاوية في خزانته في المجتمع لقضاء حوائج الناس. ومع ذلك كله فان معاوية لا يلحق بالحسن عليه السلام لانه عليه السلام قاسم الله عز وجل ثلاث مرات ماله حتى ان كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطى خفا ويمسك خفا. وخرج من ماله مرتين (رواه ابن حبيب)(٢٣٦).
رأفته عليه السلام ونبله تقييمه للنفوس النبيلة:
روي أنه عليه السلام كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف، فقال له الحسن: ما حملك على أن شاطرته فلم تغابنه فيه بشيء؟ فقال: استحت عيناي من عينيه أن أغابنه. فقال له: غلام من أنت؟ قال: غلام أبان بن عثمان. فقال له: والحائط؟ قال: لابان بن عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك. فمر فاشترى الغلام والحائط وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك. فقام قائما فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي. قال: فقد اشتريت الحائط وأنت حر لوجه الله والحائط هبة مني إليك. قال: فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له(٢٣٧).
سعيه عليه السلام في قضاء حوائج المؤمنين:
روى ابن عساكر عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين قال: خرج الحسن يطوف بالكعبة فقام إليه رجل فقال: يا أبا محمد اذهب معي في حاجتي إلى فلان. فترك الطواف وذهب معه، فلما ذهب خرج إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمد تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟ قال: فقال له الحسن: وكيف لا أذهب معه؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجة وعمرة وإن لم تقض له كتبت له عمرة. فقد اكتسبت حجة وعمرة ورجعت إلى طوافي(٢٣٨).
تربيته عليه السلام للشباب:
قال محمد بن سعد: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثنا مسعود ابن سعد، قال: حدثنا يونس بن عبد الله بن أبي فروة، عن شرحبيل أبي سعيد، قال: دعا الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال: يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته(٢٣٩).
نشاطه عليه السلام اليومي:
قال محمد بن سعد: أخبرنا علي بن محمد، عن محمد بن عمر العبدي، عن أبي سعيد: إن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن بن علي.
قال: يا أمير المؤمنين، إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل له شرف إلا أتاه فيتحثون.
حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين، ثم نهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه.
ثم ينصرف إلى منزله ثم يروح فيصنع مثل ذلك.
فقال: ما نحن معه في شيء(٢٤٠).
نشاطه عليه السلام العلمي:
كان يتتبع ما تفرق من سيرة أبيه ومسائله وخطبه يجمعها من أصحاب أبيه.
إجابته عليه السلام على الأسئلة الفقهية تاكيدا لفتاوى أبيه علي عليه السلام:
حدثني أبي قال حدثنا حسين بن حسن قال حدثنا شريك عن خارجة الصيرفي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال سألت الحسن بن علي عن قول علي في الخيار فدعا بربعة فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي في الخيار(٢٤١).
سفراته عليه السلام إلى الشام وحواراته مع معاوية ورجاله:
روى أبو عثمان الجاحظ قال: دخل الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير وكان معاوية يحب أن يغري بين قريش فقال يا أبا محمد أيهما كان اكبر سنا علي أم الزبير؟ فقال الحسن ما اقرب ما بينهما وعلي أسنّ من الزبير، رحم الله عليا.
فقال ابن الزبير رحم الله الزبير.
وهناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب، فقال يا عبد الله وما يهيجُك من أن يترحَّم الرجل على أبيه
قال: وأنا أيضا ترحمت على أبي.
قال: أتظنه ندا له وكفؤا.
قل وما يعدِل بهب عن ذلك؟ كلاهما من قريش، وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له.
قال: دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش، ومن الرسول صلى الله عليه وآله حيث تعلم. ولما دعا إلى نفسه أتُّبع فيه وكان رأسا، ودعا الزبير إلى أمر وكان الرأس فيه امرأة، ولما تراءت الفئتان نكصَ على عقبيه وولى مُدبِرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه، أويدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجلٌ لو قِيسَ ببعض أعضائه لكان اصغر، فضرب عنقه وأخض سَلَبه وجاء برأسه، ومضى عليٌّ قُدُما كعادته مع ابن عمه! رحم الله عليا.
فقال ابن الزبير: اما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلِم.
فقال: إن الذي تُعرِّض به يرغب عنك.
وكفَّه معاوية فسكتوا.
وأخبرت عائشة بمقالتهم. ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا أبا سعيد انت القائل لابن أختي كذا، فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا، فقال إن الشيطان يرانا ولا نراه، فضحكت عائشة وقالت لله أبوك ما اذلق لسانك(٢٤٢).
سؤدده عليه السلام وهيبته وحلمه:
روى ابن عساكر: عن رجل من أهل الشام قال: قدمت المدينة فرأيت رجلا جُهريا كحالة (أي ذا منظرا وهيئة حسنة).
فقلت: من هذا؟
قالوا: الحسن بن علي.
قال: فحسدت والله عليا أن يكون له ابن مثله، قال: فأتيته.
فقلت: أنت ابن أبي طالب؟
قال: أني ابنه.
فقلت: بك وبأبيك وبك وبأبيك.
قال: وأزم لا يرد إلي شيئا، ثم قال: أراك غريبا فلو استحملتنا حملناك، وإن استرفدتنا رفدناك، وإن استعنت بنا أعناك.
قال فانصرفت والله عنه وما في الأرض أحد أحب إلي منه(٢٤٣).
قال وحدثنا ابن أبي الدنيا حدثني سليمان بن أبي شيخ حدثني أبي صالح بن سليمان قالا قدم رجل من المدينة وكان يبغض عليا فقطع به فلم يكن له زاد ولا راحلة فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة فقال له عليك بحسن بن علي فقال له الرجل ما لقيت هذا إلا في حسن وأبي حسن فقيل له فإنك لا تجد خيرا إلا منه فأتاه فشكا إليه فأمر له بزاد وراحلة فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقيل للحسن أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة قال أفلا اشتري عرضي منه بزاد وراحلة(٢٤٤).
قصته عليه السلام مع معاوية بن حديج سنة ٤٤ هجرية:
عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية قال حج معاوية بن أبي سفيان وحج معه معاوية بن حديج وكان من أسب الناس لعلي فمر في المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي جالس في نفر من أصحابه فقيل له هذا معاوية بن حديج الساب لعلي رضي الله عنه فقال علي بالرجل فأتاه الرسول فقال أجب قال من قال الحسن بن علي يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن بن علي رضي الله عنه أنت معاوية بن حديج قال نعم فرد عليه ثلاثا فقال له الحسن الساب لعلي فكأنه استحيى فقال له الحسن رضي الله عنه أم والله إذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى(٢٤٥).
وروى ابن عساكر عن عبد الرزاق، قال: قال لي عبد الله بن مصعب:
كان رجل عندنا قد انقطع في العبادة، فإذا ذكر عبد الله بن الزبير بكى، وإذا ذكر عليا نال منه!
قال: فقلت: ثكلتك أمك لروحة من علي أو غدوة منه في سبيل الله خير من عمر عبد الله بن الزبير حتى مات.
وعن عبد الله بن عروة أخبره قال: رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي في غداة من الشتاء باردة، قال: فوالله ما قام حتى تفسخ جبينه عرقا!. قال: فغاظني ذلك فقمت إليه فقلت: يا عم. قال: ما تشاء؟ قلت: رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي فما قمت من عنده حتى تفسخ جبينك عرقا! قال: ابن أخي انه ابن فاطمة لا والله ما قامت النساء عن مثله(٢٤٦).
وقيل للحسن: فيك عظمة، فقال عليه السلام: بل فيَّ عزة قال الله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(٢٤٧).
وقال معاوية لعبد الله بن الزبير سنة ٤٤ حين زار المدينة الا ترى الحسن زارني مرة واحدة... قال ان مع الحسن مائة ألف سيف لو شاء ضربك بها.
قال محمد بن إسحاق: ما بلغ احد من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما يمر احد من خلق الله الا جلس إجلالا له فاذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس. ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى فما من خلق الله احد الا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص فقد نزل ومشى إلى جنبه(٢٤٨).
وقال مدرك بن زياد لابن عباس وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما (انت اسن منهما تمسك لهما بالركاب؟ فقال يا لكع وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله اوليس مما انعم الله علي بن ان امسك لهما واسوي عليهما!(٢٤٩)
قال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك(٢٥٠).
تعليمه عليه السلام:
روى الكليني عن عليبن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي برزة الأسلمي قال: ولد للحسن بن علي عليهما السلام مولود فأتته قريش فقالوا: يهنئك الفارس، فقال: وما هذا من الكلام؟ قولوا: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ الله به أشده، ورزقك بره(٢٥١).
وروى ايضا عن البرقي، عن بكر بن صالح، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هنا رجل رجلا أصاب ابنا، فقال: يهنئك الفارس، فقال الحسن عليه السلام له: ما علمك يكون فارسا أو راجلا؟ قال: جعلت فداك فما أقول؟ قال: تقول: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشده، ورزقك بره(٢٥٢).
وروى عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الرحمن بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري رفعه قال: إن الحسن بن علي عليهما السلام خرج من الحمام فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالاست ههنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم العرق؟ قال: طاب حمامك: فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟
قال: طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك(٢٥٣).
حسن خلقه عليه السلام:
عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان احب إلي إذا تكلم ان لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرو فإنه كان بين حسين بن علي وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في ارض فعرض حسين أمرا لهم لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم انفه قال فهذا اشد كلمة فحش سمعتها منه قط(٢٥٤).
روى ابن سعد قال: جلس رجل إلى الحسن بن علي فقال انك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن(٢٥٥):
طرف من كلماته عليه السلام:
قال عليه السلام: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.
وقال عليه السلام: اللؤم أن لا تشكر النعمة.
وقال عليه السلام: لبعض ولده: يا بني لا تواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره فإذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة.
وقال عليه السلام: ما أعرف أحدا إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه.
وقال عليه السلام: من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب أحدى ثمان: آية محكمة وأخا مستفادا وعلما مستطرفا ورحمة منتظرة وكلمة تدله على الهدى أو ترده عن ردى وترك الذنوب حياء أو خشية.
ورزق غلاما فأتته قريش تهنيه فقالوا: يهنيك الفارس، فقال عليه السلام أي شيء هذا القول؟ ولعله يكون راجلا، فقال له جابر: كيف نقول يا ابن رسول الله؟ فقال: عليه السلام: إذا ولد لاحدكم غلام فأتيتموه فقولوا له: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، بلغ الله به أشُدَّه ورزقك بِرَّه.
وقال عليه السلام: إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به.
قال عليه السلام: إن من طلب العبادة تزكى لها. إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها.
وقال عليه السلام: اتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب، وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات وهادم اللذات فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعها ولا تتوقى في مساويها، غرور حائل، وسناد مائل، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالأثر، وازدجروا بالنعيم. وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا.
وقال عليه السلام: إذا لقي أحدكم أخاه فليقبل موضع النور من جبهته.
ومرَّ عليه السلام في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه(٢٥٦) فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وقصر آخرون فخابوا. فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه والمسيء مشغول بإساءته، ثم مضى(٢٥٧).
قال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطوة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشيء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب.
وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا علي بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء ـ من أهل تستر ـ ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبي إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه ـ يعني الحسن ـ عن أشياء من المروءة، فقال: يا بني ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.
قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المرء ماله.
قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير.
قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه.
قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر واليسر.
قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا.
قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء.
قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.
قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس.
قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ، فإنما الغنى غنى النفس.
قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شيء.
قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس.
قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية.
قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران.
قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك.
قال: فما المجد؟ قال: أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم.
قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته.
قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح.
قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، والرّفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم.
قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الإخوان، وحفظ الجيران.
قال: فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة.
قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد.
قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك.
قال ثم قال علي: يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الإيمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر) ثم قال علي: يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا، فان كان أكبر منك فعدّه أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة)(٢٥٨).
أقول: ورواه المزي ثم قال بعده قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا: في هذا الخبر من جوابات الحسن أباه عما سائله عنه من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه وحفظه ورعاه، وعمل به، وأدب نفسه بالعمل عليه وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده، وفيما رواه في أضعافه أمير المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مالا غنى لكل لبيب عليم، ومدره حكيم عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتقبله، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله.
قال المزي تابعه أبو عمر خشيش بن أصرم البصري، عن أحمد بن عبد الله الحبطي. أخبرنا به أبو الحسن ابن البخاري، قال: أنبأنا أبو سعد ابن الصفار، قال: أخبرنا أبو عبد الله الفزاري، قال: أخبرنا أبو عثمان الصابوني، قال: حدثنا الأستاذ أبو منصور محمد بن عبد الله بن حمشاذ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد المؤمن الجرجاني بجرجان، قال: أحسب عليكم هذا الحديث بمئة حديث(٢٥٩).
المبحث الثاني مراحل حياته عليه السلام
ولد الحسن في ١٥ رمضان من السنة الثالثة من الهجرة وتوفي في صفر أو ربيع الأول سنة ٥٠ هـ، وقيل سنة ٤٩ هـ وقيل سنة ٥١ هـ والأول اشهر وقد اخترناه في هذا البحث وبذلك يكون قد عاش ٤٧ سنة تقريبا تفصيلها كما يلي:
سبع سنوات مع النبي صلى الله عليه وآله.
خمس وعشرون سنة عاش مع أبيه علي عليه السلام في محنته مع الخلفاء في المدينة.
خمس سنوات مع بيعة أبيه في حكمه.
سبعة شهور نم بيعته حاكما.
عشر سنوات في عهد صلحه (سنوات مرجعيته الدينية المستقلة عن السلطة).
طفولته عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله سبع سنوات:
ولد الحسن بن علي عليهما السلام في المدينة ليلة النصف من رمضان وكان يشبه النبي(٢٦٠) صلى الله عليه وآله وسأل النبي علياً إن كان قد سماه فقال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله: وما كنت لأسبق ربّي باسمه، فأوحى الله إليه: أنَّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون قال: وما اسم ابن هارون؟ قال: شُبَّر، قال: لساني عربي، قال: سمِّه الحسن فسمّاه الحسن(٢٦١).
أخذه النبي صلى الله عليه وآله من فور ولادته فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ثم عق عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة فكان وزن درهما وشيئا وأمر فطلي راسه طيبا وسنت بذلك سنة العقيقة والتصدق بوزن الشعر.
روى ابن عساكر عن شعبة، قال: سمعت بريد ابن أبي مريم يحدث عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في في قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعابها فجعلها في التمر، فقيل: يا رسول الله ما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة(٢٦٢).
قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة.
قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت(٢٦٣).
وروى الدولابي قال حدثنا أحمد بن يحيى نا عبد الحميد بن صالح نا أبو شهاب عن مسعر عن أبي مصعب السلمي قال: حدثني ثلاثة رجال منهم: الحسن بن علي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (اللهم أقلني عثرتي واستر عورتي وآمن روعتي واكفني من بغى علي وانصرني ممن ظلمني وأرني ثاري منه)(٢٦٤).
وروى أيضا حدثنا أبو جعفر ـ أحمد بن يحيى الصوفي نا إسماعيل بن صبيح اليشكري نا صباح بن واقد الأنصاري عن سعد الإسكاف عن عمير بن مأمون عن الحسن بن علي قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من صلى الفجر فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار(٢٦٥).
وروى أبو نعيم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا يوسف القاضي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا مبارك بن فضالة: حدثنا الحسن، حدثني أبو بكرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيجئ الحسن ـ وهو ساجد ـ صبي صغير حتى يصير على ظهره ـ أو رقبته ـ فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى صلاته قالوا: يا رسول الله إنك لتصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد؟! فقال: إن هذا ريحانتي وإن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين(٢٦٦).
وروى الحاكم في المستدرك: عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته(٢٦٧).
وفي تهذيب الكمال: قد رأيت الحسن بن علي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فيركب ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر(٢٦٨).
روى ابن عساكر بسنده عن نصر بن علي أنا علي بن جعفر بن محمد حدثني أخي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي أخذ الحسن والحسين فقال من احبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة. قال ابن عساكر: أخرجه الترمذي عن نصر بن علي(٢٦٩).
وروى أيضا بسنده عن سفيان عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي جلل عليا وحسنا وحسينا وفاطمة كساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أنا، وأنا منهم؟ قال انك إلي خير(٢٧٠).
وروى عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب/ ٣٣.
قلت: يا رسول الله الست من أهل البيت؟ قال انك إلى خير، انك من أزواج رسول الله، قالت: وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين(٢٧١).
وروى عن سالم بن أبي الجعد عن قيس بن أبي حازم عن حذيفة بن اليمان قال: بت عند رسول الله ليلة فرأيت شخصا فقال لي النبي هي رأيت قلت نعم، قال فإن ملكا هبط عليَّ من السماء لم يهبك عليَّ إلا ليلتي هذه فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال الراوي وحدثونا به انه قال وأبوهما خير منهما(٢٧٢).
وروى عن أبي إسحاق عن زيد بن ارقم قال أني لعند رسول الله إذ مرَّ علي وفاطمة والحسن والحسين.
فقال رسول الله: أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم(٢٧٣).
وروى عن عبد الرحمن بن أبي ذئاب حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله دخل على ابنته فاطمة وابناها إلى جانبها وعلي نائم فاستسقى الحسن فأتى رسول الله ناقة لهم تحلب فحلب منها ثم جاء به فنازعه الحسين أن يشرب قبله حتى بكى فقال يشرب أخوك ثم تشرب فقالت فاطمة كأنه آثر عندك منه؟
قال: ما هو بآثر عندي منه وانهما عندي بمزلة واحدة، وانك وهما وهذا المضطجع معي في مكان واحد يوم القيامة(٢٧٤).
احداث سنوات محنة أبيه عليه السلام مع الخلفاء (خمس وعشرون سنة):
قال في ينابيع المودة أخرج الدارقطني: إن الحسن جاء لابي بكر رضي الله عنهما وهو على المنبر، فقال: انزل عن مجلس أبي وفي رواية عن منبر أبي. فقال: صدقت، والله إنه لمجلس أبيك. ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضي الله عنه: أما والله ما كان عن رأيي. فقال: صدقت، والله ما اتهمتك(٢٧٥).
انسحبت ظلامة أبيه فلم يرع الخلفاء حقه وحق أبيه، وتبنوا تقديم عبد الله بن عباس في المجتمع(٢٧٦).
اما الرواية التي تقول انه عليه السلام كان في جيش الفتوح زمن عثمان فهي موضوعة.
احداث سنوات حكم أبيه عليه السلام خمس سنوات:
حضر الجمل وصفين والنهروان. ولم يسمح علي عليه السلام له ولا لأخيه الحسين ان يشتركا في القتال واثر عنه كلامه فيهما في يوم صفين: أملكوا عني هذين الفقيين، أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله(٢٧٧).
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أقبلنا مع الحسن وعمّار بن ياسر من ذي قار(٢٧٨) حتى نزلنا القادسيّة، فنزل الحسن وعمّار ونزلنا معهما، فاحتبى(٢٧٩) عمّار بحمائل سيفه، ثمّ جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم... قال: فلمّا دخل الحسن وعمّار الكوفة اجتمع إليهما الناس، فقام الحسن فاستنفر الناس، فحمد الله وصلّى على رسوله، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّا جئنا ندعوكم إلى الله، وإلى كتابه، وسنّة رسوله، وإلى أفقه من تفقّه من المسلمين، وأعدل من تُعدّلون، وأفضل من تُفضّلون، وأوفى مَن تُبايعون، من لم يعِبْه القرآن، ولم تُجَهِّلْه السنّة، ولم تقعد به السابقة. إلى من قرّبه الله تعالى إلى رسوله قرابتين: قرابة الدين، وقرابة الرحم. إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثره. إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم مُحجِمون، وصدّقه وهم يُكذّبون. إلى من لم تُردّ له رواية ولا تُكافأ له سابقة، وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحقّ، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثّلوا بعمّاله، وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم الله، فمُروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون(٢٨٠).
قال أبو مخنف: حدثني جابر بن يزيد، قال: حدثني تميم بن حذيم الناجي، قال: قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر، يستنفران الناس إلى علي عليه السلام، ومعهما كتابه، فلما فرغا من قراءة كتابه، قام الحسن ـ وهو فتى حدث، والله اني لأرثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه ـ فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا فوضع يده على عمود يتساند إليه، وكان عليلا من شكوى به، فقال: الحمد لله العزيز الجبار، الواحد القهار، الكبير المتعال، (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أمتن علينا بنبوته، واختصه برسالته، وأنزل عليه وحيه، واصطفاه على جميع خلقه، وأرسله إلى الإنس والجن، حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان، وجحد الرحمن، فصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين.
أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ أرشد الله أمره، وأعز نصره ـ بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، وإلى العمل بالكتاب، والجهاد في سبيل الله، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله. ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه، ثم شهشد مع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع مشاهده. وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيا عنه، حتى غمضه بيده وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعداته، وغير ذلك من أموره، كل ذلك مِنْ مَنِّ الله عليه. ثم والله ما دعا إلى نفسه، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه، ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه. فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته، والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته، وألهمنا وإياكم تقواه، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه. واستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرحبة، فهيا منزلا لابيه أمير المؤمنين. قال جابر: فقلت لتميم كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه فقال ولما سقط عني من قوله أكثر، ولقد حفظت بعض ما سمعت(٢٨١).
قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل: وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن علي عليه السلام بعد خطبة عبد الله ابن الزبير:

حسن الخير يا شبيه أبيه * * * قمت فينا مقام خير خطيب
قمت بالخطبة التي صدع الله بها * * * عن أبيك أهل العيوب
وكشفت القناع فاتضح الأمر * * * وأصلحت فاسدات القلوب
لست كابن الزبير لجلج في القول * * * وطاطا عنان فسل مريب
وأبى الله أن يقوم بما قام به * * * ابن الوصي وابن النجيب
إن شخصا بين النبي ـ لك الخير * * * وبين الوصي غير مشوب(٢٨٢)

بيعته وحكومته عليه السلام سبعة اشهر:
بويع الحسن عليه السلام على الحكم الإسلامي بعد وفاة ابيه عليه السلام في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ٤٠ هجرية.
قال الدولابي أخبرني أبو القاسم كهمس بن معمر: أن أبا محمد إسماعيل بن محمد بن إسحاقبن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب حدثهم: حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد بن حسين بن زيد عن الحسن بن زيد بن حسن بن علي عن أبيه قال: خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه رايته ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.
ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله والسراج المنير وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل فينا ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذين (أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبيه: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا). فاقتراف الحسنة: مودتنا أهل البيت(٢٨٣).
وقال حدثنا أحمد بن يحيى الأودي نا إسماعيل بن أبان الوراق نا عمرو عن جابر عن أبي الطفيل وزيد بن وهب وعبد الله بن نجي وعاصم بن ضمرة عن الحسن بن علي قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه أحد كان قبله ولم يخلف بعده مثله وهو علي بن أبي طالب حبيب رسول الله وأخوه(٢٨٤).
وقال أخبرني أحمد بن شعيب أخبرني إسحاق بن إبراهيم أنا النضر بن شميل نا يونس بن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: خرج إلينا الحسن بن علي وعليه عمامة سوداء فقال: لقد كان فيكم بالأمس رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ولا يرد رأسه حتى يفتح الله عليه(٢٨٥).
أقول: صالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادي الأولى سنة ٤١ هجرية. فكانت مدة حكمه المباشر سبعة اشهر وأربعة وعشرين يوما. وإذا أضفنا إليها عشر سنوات بعد ذلك حيث كان المؤسس لإطارها العام من الأمان والحرية الفكرية والحكم بالدستور الكتاب والسنة تكون مدة تأثيره الإيجابي الفاعل في الساحة الإسلامية والسياسية مدة عشر سنوات وسبعة اشهر وأربعة وعشرين يما. ويكون وفاته ونقض معاوية للعهد الذي أعطاه للحسن من الأمان والعمل بكتاب الله وسنة نبيه هو بداية حكم بني أمية الذي استمر مدة ألف شهر تقريبا، وتساوي ثلاثة وثمانين سنة، بينما إذا حسبناها من سنة ٤١ للهجرة تكون مدة حكم بني أمية ثلاثة وتسعين سنة أي ألف ومائة وعشرين شهرا تقريبا.
أولاده عليه السلام وأمهاتهم:
أولاد الحسن بن علي عليهما السلام خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى:
الحسين بن الحسن الملقب بالاثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن، أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي.
زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية.
والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية.
وعمرو بن الحسن وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد.
وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد.
وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن عليه السلام لأمهات شتى(٢٨٦).
أوصافه عليه السلام:
قال الدولابي سمعت أبا عبد الله جعفر بن علي بن إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن... يقول: سمعت أحمد بن محمد بن أيوب المغيري يقول: كان الحسن بن علي بن أبي طالب أبيضا مشرب حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه إبريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ـ ليس بالوطيل ولا القصير ـ مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن(٢٨٧).
قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وأشبه الناس به الحسن بن علي رضي الله عنهم(٢٨٨).
وفاته عليه السلام:
قال المدائني: سقي الحسن السم اربع مرات(٢٨٩).
قال الامام الصادق عليه السلام: ان الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن وابنه محمد شرك في دم الحسين(٢٩٠).
عن حنبل بن إسحاق قال سمعت عبيد الله بن محمد بن عائشة قال مات الحسن بن علي سنة إحدى وخمسين ويقال سنة خمسين. وعن أبي قتيبة من ولد أبي بكرة قال اخبر أبو بكرة بموت الحسن بن علي فاسترجع وماتا في سنة إحدى وخمسين. عن شعبة عن أبي بكر بن حفص قال توفي الحسن بن علي بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين(٢٩١).
أقول: وسيأتي في الفصل الآتي تحقيق عن وفاته عليه السلام بالسم.
مدفنه عليه السلام:
روى سبط بن الجوزي بسنده إلى ابن سعد عن الواقدي لما احتضر الحسن قال: ادفنوني عند أبي يعني رسول الله صلى الله عليه وآله... فقامت بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكان واليا على المدينة فمنعوه!! قال ابن سعد ومنهم عائشة وقالت: لا يدفن مع رسول الله احد(٢٩٢).
وروى ابو الفرج الاصفهاني: ان عائشة ركبت على بغل واستعونت بني أمية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو قول القائل: فيوما على بغل ويوما على جمل. وروا المسعودي ان القاسم بن محمد بن أبي بكر قال لعائشة: يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين ان يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت.
ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسد بن هاشم(٢٩٣).
قال الواقدي: عن ثعلبة بن أبي مالك: شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه إبرة ما وقعت إلى على راس إنسان(٢٩٤).
وروى ابن عساكر أيضا قال: بكى على الحسن بن علي بمكة والمدينة سبعا النساء والصبيان والرجال(٢٩٥).
وفي الطبقات الكبرى: عن أبي جعفر قال: مكث الناس يبكون على حسن بن علي سبعاما تقوم الأسواق(٢٩٦).
روى ابن عساكر عن جهم بن أبي جهم قال: لما مات الحسن بن علي بعثت بنو هاشم إلى العوالي صائحا يصيح في كل قرية من قرى الأنصار بموت حسن فنزل أهل العوالي ولم يتخلف أحد عنه(٢٩٧).
وروى ابن كثير قال قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا. قال حدثتنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة(٢٩٨).
الباب الثاني/ الفصل الرابع: السنوات العشر بعد وفاة الحسن عليه السلام (الغدر المبين لمعاوية)
موت الحسن عليه السلام بالسم قضية سياسية وليست شخصية
لم يكن العمر الذي مات فيه الحسن عليه السلام عمر موت لأمثاله، ولم يكن الموت موتا طبيعيا بل كان موتا بالسم بعد عدة محاولات لم تكن مميتة(٢٩٩)، وقد عُرِف امرُه عند كل أهل المدينة وعنها انتشر إلى بقية الأمصار.
وليس لاحد ان يفسر ذلك بعداوة شخصية بين الحسن وبين احد من الناس استغل علاقة خاصة مع خادم أو زوجة من زوجاته لخلقه الكريم حتى مع أعدائه، بل لا مفر من القول انه كان بعداوة سياسية وقدرة على الاغراء لا تملكها الا دولة، والمفروض ان الحسن بعد تنازله عن الملك لمعاوية ان لا يكون معاوية هو العدو السياسي الذي يحاول اغتياله لأنه كان قد بوأه الحسن ملكا لا يحلم به وقيده بشروط يتحول بها الحكم المدني إلى خدمة حقيقية للامة وتهيئ لمعاوية فرصة المراجعة الحقيقية لمسيرته إلى الله لو أراد تصحيحها، فإلى من تتجه الانظار في التهمة إذن إذا نفيناها عن معاوية(٣٠٠) كما نفاها المستشرق لامنس عنه ومن قبله ابن كثير والذهبي وابن خلدون؟(٣٠١).
أقول: في مثل قضية وفاة غير طبيعية استغرقت أربعين يوما(٣٠٢) لرجل كالإمام الحسن بلغ من الشرف ما لم يبلغه احد بعد النبي كما قال المؤرخ الأقدم ابن إسحاق، وايدت الوقائع التاريخية قوله فيه وفي عمر ليس هو عمر الموت، وبكون هذه الشخصية هي التي سوف تلي الحكم بعد موت معاوية بموجب معاهدة تمت بينهما لحل مشكلات كانت قد استعصى حلها، وكان الحسن صاحب الفضل فيها بلا منازع.
اصابع الاتهام تتجه الى معاوية:
في مثل قضية كهذه حين يتجه الاتهام إلى معاوية ويثبته خصماؤه وينفيه محبوه وأولياءه لابد لنا من تحقيق، وببساطة متناهية يثير التحقيق أربعة أسئلة يثبت الجواب عنها التهمة على معاوية أن ينفيها وهي:
الأول: هل سجلت على معاوية سابقا ولاحقا سلوكات من هذا القبيل مع خصومه الذين يخشى منهم؟
الثاني: ما هو موقف معاوية بصفته راس الدولة التي كان الحسن وراء ما تمتع به من حرية وأمان ازاء أعداءها من الداخل وعزة وقوة ازاء أعداءها من الخارج وبصفة الحسن يمثل الحاكم الذي سيلي الأمور بعد الحس نفهل كان حزينا أم كان مسرورا.
الثالث: ما هو ظرف الدفن وما هي طبيعة وحجم مشاركة الدولة فيه؟
الرابع: وهو اهم الأسئلة على الإطلاق هل استمرت سياسة الدولة التي تمثلت بتطبيق شروط تم الاتفاق عليها بعد وفاة الحسن أم أخذت وجهة أخرى؟.
السؤال الأول: هل لمعاوية ممارسة مماثلة سابقة ولاحقة مع خصومه؟
فيجبنا التاريخ أيضا بالإيجاب.
فقد دس السم لمالك الاشتر لما بعثه عليه إلى مصر واليا، ودس السم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لما عرف ان الناس يميلون إليه دون ولده يزيد ودس السم لسعد بن أبي وقاص لما عرف عنه ان لا يقبل بلعن علي عليه السلام.
قصة موت مالك الاشتر رضوان الله عليه:
روى الطبري عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال: وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية لأشتر على مصر فعظم عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له ان الأشتر قد ولى مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لأهل الشام ان عليا وجه الأشتر وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإنه كانت لعلي ابن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر(٣٠٣).
وفي رواية البلاذري قال: وأتت معاوية عيونُه بشخوص الأشتر واليا على مصر، فبعث إلى رأس أهل الخراج بالقلزم فقال له: إن الأشتر قادم عليك، فإن أنت لطفت لكفايتي إياه لم آخذ منك خراجا ما بقيت. فأتاه بشربة منه قد جعل فيها سمّا، فلما شربها قتلته من يومه أو من غده. وبلغت معاوية وفاته فقال: كانت لعلي يدان ـ يعني قيس بن سعد (بن عبادة) والأشتر ـ فقد قطعت إحداهما وجعل يقول: إن لله لجندا من عسل(٣٠٤).
وقال ابن عبد البر (١٤٠٢) في ترجمة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عنه، ولا سمع عنه، وأبوه خالد بن الوليد من كبار الصحابة وجلَّتهم، وكان عبد الرحمن من فرسان قريش وشجعانهم، وكان له فضل وهدى حسن وكرم، إلا أنه كان منحرفا عن عليّ وبني هاشم مخالفة لأخيه المهاجر بن خالد، وكان أخوه المهاجر محبا لعلي، وشهد معه الجمل وصفّين، وشهد عبد الرحمن صفّين مع معاوية(٣٠٥)، ثم إنه قد كبرت سنّي، وقرب أجلي، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، وإنما أنا رجل منكم فأروا رأيكم، فأصفقوا واجتمعوا، وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد، فشقّ ذلك على معاوية، وأسرّها في نفسه. ثم إن عبد الرحمن مرض فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا ـ وكان عنده مكينا ـ أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانحرق بطنه، فمات، ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له، فرصدا ذلك اليهوديّ، فخرج ليلا من عند معاوية، فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه، فقتله المهاجر، وقصّته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها، ذكرها عمر بن شبّة في أخبار المدينة وذكرها غيره(٣٠٦).
قصة موت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد:
روى الطبري في حوادث سنة ٤٦ قال: حدثني عمر قال: حدثني علي عن مسلمة ابن محارب: أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه.
قال: وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة، فجلس يوما إلى عروة بن الزبير، فسلم عليه، فقال له عروة: من أنت قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟
فقام خالد من عنده وشخص متوجها إلى حمص، ثم رصد بها ابن أثالث فرآه يوما راكبا، فاعترض له خالد بن عبد الرحمن، فضربه بالسيف فقتله، فرفع إلى معاوية، فحبسه أياما وأغرمه ديته ولم يقده منه.
ورجع خالد إلى المدينة، فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال، فقال: قد كفيتك ابن أثالث ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة(٣٠٧).
قصة وفاة سعد بن أبي وقاص:
روى البلاذري أيضا قال حجثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص قال: توفى سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي بعد ما مضت من إمرة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سمهما(٣٠٨).
السؤال الثاني: ما هو موقف معاوية من خبر موت الحسن عليه السلام:
روى الجاحظ ان معاوية لم يظهر حزنا(٣٠٩).
أقول: بل اعترض على المقدام حين اعتبر موت الحسن مصيبة كما في الرواية التالية:
روى أبو داود في سننه قال حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي ثنا بقية، عن بحير، عن خالد، قال: وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفى؟ فرجع المقدام، فقال له رجل: أتراها مصيبة؟ قال له: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال: (هذا مني وحسين من علي)؟!
فقال الأسدي: جمرة أطفأها الله عز وجل، قال: فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك ما تكره، ثم قال: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قال: أفعل، قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية(٣١٠)، قال الذهبي: إسناده قوي. ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببرئ من الهنات، والله يعفو عنه(٣١١).
قال العظيم ابادي فيشرح الحديث:
و(المقدام بن معد يكرب) هو ابن عمرو الكندي الصحابي المشهور نزل الشام (وعمرو بن الأسود) العنسي حمصي مخضرم ثقة عابد (ورجل من بني أسد من أهل قنسرين) بكسر القاف وفتح النون المشددة وكسر الراء المهملة كورة بالشام (إلى معاوية بن أبي سفيان) حين إمارته... وكان وفاة الحسن رضي الله عنه مسموما سمته زوجته جعدة بإشارة يزيد بن معاوية سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها، قوله (فرجع) من الترجيع أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله (فقال له فلان) وفي بعض النسخ وقع رجل مكان فلان، والمراد بفلان هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، والمؤلف لم يصرح باسمه وهذا دأبه في مثل ذلك. وقد أخرج أحمد في مسنده من طريق حياة بن شريح حدثنا بقية حياتنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معد يكرب وفيه فقال له معاوية أيراها مصيبة الحديث(٣١٢).
قوله: (أتعدها) وفي بعض النسخ أتراها أي أتعد يا أيها المقدام حادثة موت الحسن رضي الله تعالى عنه مصيبة، والعجب كل العجب من معاوية فإنه ما عرف قدر أهل البيت حتى قال ما قال، فإن موت مثل الحسن بن علي رضي الله عنه من أعظم المصائب وجزى الله المقدام ورضي عنه فإنه ما سكت عن تكلم الحق حتى أظهره، وهكذا شأن المؤمن الكامل المخلص.
قوله (فقال) أي المقدام.
قوله (له): أي لذلك الفلان وهو معاوية رضي الله عنه.
قوله: (وقد وضعه) أي الحسن رضي الله عنه والواو للحال
قوله: (فقال هذا) أي الحسن
قوله (مني وحسين من علي) أي الحسن يشبهني والحسين يشبه عليا، وكان الغالب على الحسن الحلم والأناة كالنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الحسين الشدة كعلي. قاله في شرح الجامع الصغير.
قوله (فقال الأسدي) أي طلبا لرضاء معاوية وتقربا إليه.
قوله (جمرة) قال في المصباح جمرة النار القطعة الملتهبة. وفي القاموس النار المتقدة.
قوله (أطفأها الله) أي خمد الله تعالى تلك الجمرة وأماتها فلم يبق منها شيء، ومعنى قوله والعياذ بالله أن حياة الحسن رضي الله عنه كانت فتنة فلما توفاه الله تعالى سكنت الفتنة، فاستعار من الجمرة بحياة الحسن ومن إطفائها بموته رضي الله عنه، وإنما قال الأسدي ذلك القول الشديد السخيف لأن معاوية رضي الله عنه كان يخاف على نفسه من زوال الخلافة عنه وخروج الحسن رضي الله عنه عليه(٣١٣).
أقول: وروى الزمخشري انه سجد هو ومن حوله شكراً(٣١٤).
ويرى أيضا انه لما بلغ موته سمع تكبير من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير. فقالت فاختة بنت قرط لمعاوية: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين ما الذي كبرت له قال: مات الحسن قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبر قال: والله ما كبرت شماتة لموته ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة(٣١٥).
وفي خبر آخر دخل غلام معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين بشراي، قال: وما ذلك، قال: في هذه الصحيفة ما تحب. قال: لك بشراك، فدفعها إليه، ولما قرأها خر ساجدا، ثم رفع رأسه، (قال الراوي) فعرفنا السرور في وجهه، فنعى الحسن بن علي(٣١٦).
السؤال الثالث: ما هو ظرف دفن الامام الحسن عليه السلام وما هي طبيعة وحجم مشاركة الدولة فيه؟
والجواب هو: ان مصادر التاريخ قد ذكرت بوضوح ان الدولة ليس فقط لم تشارك العزاء بشكل فعال وهو طبيعي لموقف رئيسها، وزادت عليه ان تصدى رهطه وهم بنو أمية بقيادة مروان لمنع بني هاشم من دفن الحسن عند جوار جده النبي وفي غرفة امه الصديقة.
ففي طبقات ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبيد الله بن مرداس، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال: لما مرض حسن بن علي مرض أربعين ليلة، فلما استعز به وقد حضرت بنو هاشم فكانوا لا يفارقونه يبيتون عنده بالليل، فلما استعز به بعث مروان بن الحكم رسولا إلى معاوية يخبره بثقل الحسن بن علي، وكان حسن رجلا قد سقي وكان مبطونا إنما كان يختلف أمعاءه. فلما حضر وكان عنده إخوته عهد أن يدفن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أستطيع ذلك، فإن حيل بينه وبينه وخيف أن يهراق فيه محجم من دم دفن مع أمه(٣١٧) بالبقيع. وجعل الحسن يوعز إلى الحسين: يا أخي إياك أن تسفك الدماء فيَّ فإن الناس(٣١٨) سراع إلى الفتنة.
فلما توفي الحسن ارتجت المدينة صياحا فلا يلقى أحد إلا باكيا، فانتهى حسين بن علي إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: احفروا هاهنا، فنكب عنه سعيد بن العاص وهو الأمير فاعتزل ولم يحل بينه وبينه، وصاح مروان في بني أمية ولفها وتلبسوا السلاح، وقال مروان: لا كان هذا أبدا، فقال له حسين: [يا بن الزرقاء] ما لك ولهذا، أوال أنت؟! قال: لا كان هذا ولا خلص إليه وأنا حي، فصاح حسين بحلف الفضول، فاجتمعت هاشم وتيم وزهرة وأسد وبنو جعونة(٣١٩) بن شعوب من بني ليث قد تلبسوا السلاح، وعقد مروان لواء، وعقد حسين بن علي لواء، فقال الهاشميون: يدفن مع النبي صلى الله عليه وآله حتى كانت بينهم المراماة بالنبل، وابن جعونة بن شعوب(٣٢٠) يومئذ شاهر سيفه، فقام في ذلك رجال من قريش، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والمسور بن مخرمة بن نوفل، وجعل عبد الله بن جعفر يلح على حسين وهو يقول: يا بن عم ألا تسمع إلى عهد أخيك، إن خفت أن يهراق في محجم من دم فادفني بالبقيع مع أمي، أذكرك الله أن تسفك الدماء، وحسين يأبى دفنه إلا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول: ويعرض مروان لي؟! ما له ولهذا؟!
قال: فقال المسور بن مخرمة: يا أبا عبد الله اسمع مني، قد دعوتنا بحلف الفضول فأجبناك، تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم: يا بن مخرمة، إني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن وجد إلى ذلك سبيلا، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم فليدفني مع أمي بالبقيع، وتعلم أني أذكرك الله في هذه الدماء، ألا ترى ما هاهنا من السلاح والرجال والناس سراع إلى الفتنة.
قال: وجعل الحسين يأبى، وجعلت بنو هاشم والحلفاء يلغطون ويقولون: لا يدفن أبدا إلا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم(٣٢١).
قال ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محرز بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن علي: قاتل الله مروان، قال: والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد دفن عثمان بالبقيع! فقلت: يا مروان اتق الله ولا تقل لعلي إلا خيرا(٣٢٢).
قال ابن عساكر وروى الزبير (ابن بكار) قال وحدثني محمد بن الضحاك الحرامي قال لما بلغ مروان بن الحكم انهم قد اجمعوا أن يدفنوا الحسن بن علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعيد بن العاص وهو عامل المدينة فذكر ذلك له فقال ما أنت صانع في أمرهم فقال لست منهم في شيء ولست حائلا بينهم وبين ذلك قال فخلني وإياهم فقال أنت وذاك فجمع لهم مروان من كان هناك من بني أمية وحشمهم ومواليهم وبلغ ذلك حسينا فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفن حسنا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم واقبل مروان في أصحابه وهو يقول:
يا رب هيجاء هي خير من دعة.
أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن حسن في بيت النبي صلى الله عليه وسلم والله لا يكون ذلك أبدا وأنا احمل السيف فلما صلوا على حسن خشي عبد الله بن جعفر أن يقع في ذلك ملحمة عظيمة فأخذ بمقدم السرير ثم مضى نحو البقيع فقال له حسين ما تريد قال عزمت عليك بحقي أن لا تكلمني كلمة واحدة فصار به إلى البقيع فدفنه هناك رحمه الله وانصرف مروان ومن معه.
وبلغ معاوية ما كانوا أرادوا في دفن حسن في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع.
إن يك ظني بمروان صادقا لا يخلصون إلى ذلك وجعل يقول: ويها مروان أنت لها(٣٢٣).
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هاشم بن عاصم، عن المنذر بن جهم، قال: لما اختلفوا في دفن حسن بن علي [نزل] سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة من أرضهما، فجعل سعد يكلم حسينا يقول: الله، الله، فلم يزل بحسين حتى ترك ما كان يريد(٣٢٤).
أقول:
ونستفيد من الروايات الآنفة الذكر ان الموقف السلبي من بني أمية بقيادة مروان ومنع دفن الحسن عليه السلام عند جده وهي غرفة امه السيدة فاطمة عليها السلام لم يكن بعيدا عن مشورة معاوية ورضاه وبخاصة وقد ابرد مروان إليه يخبره بالخبر ولابد انه ابرد إليه بالموقف، بل الموقف صريحا منه في رواية الزبير بن بكار.
ونستفيد أيضا:
ان الحسين عليه السلام وبني هاشم لم يعدلوا عن دفن الحسن عليه السلام في غرفة امه الصديقة عليها السلام عند جده لضعف منهم فقد كان معهم احلافهم في حلف الفضول وهم بنو المطلب وتيم وزهرة وأسد وبنو جعونة بن شعوب من بني ليث(٣٢٥). ولكنها وصية الامام الحسن عليه السلام ان لا يراق في دفنه محجمة دم وتدخل الوسطاء.
السؤال الرابع: هل استمرت سياسة الدولة بعد وفاة الحسن عليه السلام على ما كانت عليه أيام حياته؟ وهل عهد معاوية إلى احد؟
وقد أجابت مصادر التاريخ ان معاوية قد غير سياسة الأمان لشيعة علي إلى رعب وقتل وملاحقة وسياسة ذكر علي بخير إلى لعن وذكر بسوء، وعيَّن ابنه يزيد خلفا له من بعده وبذلك أوجد حدثا جديدا في الإسلام لم يكن له سابقة وهو ان يحصر الحاكم الحكم في اسرته مضافا إلى إحلاله العهد.
فقد روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الاحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته...
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه.
وشفع ذلك بنسخة أخرى:
من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره.
فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة(٣٢٦).
وسجلت مصادر التاريخ الأولى قتل حجر وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابها العابدين المصلين، وقطع الايدي وسمل الاعين والنفي الدفن لبعضهم وهو حي، ثم ختم معاوية سياسته هذه بتعيين ولده يزيد ولي عهده ليضمن مواصلة سياسته فكان قتله للحسين وأهل بيته وصحبه وسبي نسائه في نهاية هذه السنوات العشر سنوات اشد محنة عرفها أهل البيت وشيعتهم في التاريخ ثم غزوه المدينة واباحتها لجيشه ثلاثة أيام ورمي الكعبة بالمنجنيق بما لم يقع مثله في تاريخ الإسلام وليس من شك ان كل أعمال يزيد يتحملها معاوية ميتا.
وفيما يلي تفصيل اكثر عن نقض معاوية شروط الحسن بعد موته وقبل ذلك نجد من المفيد ان نحدد سنة وفاة الحسن عليه السلام.
تسلسل الحوادث بعد وفاة الحسن سنة ٥٠ هـ:
توفي الحسن عليه السلام سنة ٥٠ هجري في شهر ربيع الأول كما نختاره من بين الأقوال وفي ضوئه يكون تسلسل الحوادث كما يلي:
كتب معاوية إلى ولاته ولا يبعد ان يكون في أواخر ربيع الأول سنة ٥٠ هـ يأمرهم بلعن علي عليه السلام(٣٢٧). روى النسائي قال أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا جعفر بن عون عن شقيق بن أبي عبد الله قال حدثنا أبو بكر بن خالد بن عرفطة قال رأيت سعد بن مالك بالمدينة فقال ذُكِر أنكم تسبون عليا قلت قد فعلنا قال لعلك سببته قلت معاذ الله قال لا تسبه فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت الترغيب في موالاة علي رضي الله تعالى عنه والترهيب في معاداته. والشاهد في الرواية هو ان خالد بن عرفطة مولى بني زهرة وابن أخت سعد وقد سكن الكوفة هو وولده وكان مع سعد في القادسية، وكان يهمه ان يعرف خبر الكوفة بوصفها مركز ولاية علي عليه السلام هل سب أهلها عليا؟ وهو ينهى ابن أبين أخته ان يسب عليا عليه السلام وهذا يؤكد ان سب علي في الكوفة وبقية الأمصار أمر جديد حصل بعد وفاة الحسن عليه السلام.
حج معاوية في سنة ٥٠ هـ وكان معه سعد بن أبي وقاص. وكان حواره معه حول لعن علي فلم يرضه سعد. قال المسعودي لمَّا حجَّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلمَّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبَّه فزحف سعد ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي والله لأن يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال علي(٣٢٨)...
وقال البلاذري حدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده، عن أبي صالح قال: قدم معاوية مكة/ فلقيه ابن عباس فقال له معاوية: عجبا للحسن شرب عسلة طائفية بماروحة فمات منها. فقال ابن عباس: لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك، قال: وأنت اليوم سيد قومك. قال: أما ما بقي أبو عبد الله فلا!(٣٢٩). أقول: هذه الحجة كانت سنة خمسين هجرية والخبر يشهد ان الحسن عليه السلام توفي في ربيع الأول سنة خمسين.
رجع معاوية من الحج إلى المدينة ودس السم لسعد في بقية ذي الحجة سنة ٥٠ هـ ومن ثم قالوا في الحسن عليه السلام وسعد بن أبي وقاص ماتا في سنة واحدة. قال أبو الفرج: حدثني أحمد، قال: حدثني يحيى بن بكير، عن شعبه، عن أبي بكر بن حفص، قال: توفى الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام متقاربة، وذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يروون أنه سقاهما السم(٣٣٠).
أمر معاوية بعد موت سعد آخر سنة ٥٠ هجرية بلعن علي عليه السلام على منبر النبي صلى الله عليه وآله.
مات المغيرة بن شعبة سنة ٥١ هـ وكان قد وفد إلى معاوية فيها وحاول ان يثنيه عن لعن علي فقال له لا والله الا دفنا دفنا وقال المغيرة لولده جئتك من عند اخبت الناس.
ضم معاوية ولاية الكوفة إلى زياد بعد موت المغيرة سنة ٥١ هـ وتتبع شيعة علي عليه السلام بابشع واقسى ما يتصوره المرء.
ولى زياد بن أبي سفيان الربيع بن زياد الحارثي سنة إحدى وخمسين هـ خراسان، وحول معه من أهل المصرين (الكوفة والبصرة) زهاء خمسين ألفا بعيالاتهم. وأسكنهم دون النهر. ولما بلغه مقتل حجر بن عدي الكندي (سنة ٥٣ هـ كما مروج الذهب للمسعودي) غمه ذلك، فدعا بالموت فسقط من يومه، ومات سنة ثلاث وخمسين(٣٣١).
سيَّر زياد حجرا وأصحابه إلى معاوية فأمر ان يعرضوا على البراءة من علي وامتنعوا(٣٣٢) فقتلهم سنة ٥٣ ه(٣٣٣) وهي السنة التي توفي فيها زياد(٣٣٤) بالآكلة.
سياسة معاوية بعد وفاة الحسن عليه السلام:
وكانت اهم بنودها ما يلي:
١. لعن علي عليه السلام وشتمه على منابر المسلمين ليربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، ويستهدف هذا البند تهديم موقع علي كإمام هدى وحجة على الناس معين من الله ورسوله بشكل مباشر.
٢. المنع من رواية فضائل علي وأهل بيته عليهم السلام، ويستهدف هذا البند تغييب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أشادت بعلي عليه السلام وبينت إمامته الهادية بإذن الله ورسوله.
٣. اختلاق أخبار قبيحة في علي وأهل بيته عليهم السلام، ويستهدف هذا البند بناء قاعدة فكرية تبرر لعن علي عليه السلام.
٤. اختلاق الفضائل للخلفاء وبني أمية، ويستهدف هذا الأساس بناء القاعدة الفكرية التي تطرح الخلفاء وبني أمية على انهم أئمة هدى والحجة على الناس بعد الرسول إذ ان القاعدة التي شيد عليها حكم قريش المسلمة في السقيفة (ان العرب لا ترضى ان يكون هذا الأمر في غير قريش) لم تعد مؤثرة ولا يمكن إحياء الإمامة الدينية لقريش المسلمة بعد انتشار أحاديث النبي في تأسيس إمامة أهل بيته الا بوضع أحاديث مثلها ومنع تداول الأحاديث الصحيحة.
٥. ترويع شيعة علي عليه السلام قتلا وسجنا ونفيا وتهجيرا، ويستهدف هذا البند تصفية نخبة الأمة التي حملت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأخبار سيرة علي عليه السلام ونشرها بين الناس، وكذلك تصفية الوجود البشري الذي انفتح على علي عليه السلام بصدق واخلاص وتعلم منه وجعله الحجة بينه وبين الله تعالى بعد النبي صلى الله عليه وآله.
ثم خصَّ العراق بسياسة معينة.
وكان قبل ذلك قد اعتمد على رجال ركنوا إلى الدنيا، أمثال عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الفهري، وزياد بن عبيد الثقفي الذي الحقه بنفسه فقيل زياد بن أبي سفيان، وسمرة بن جندب، وعمرو بن حريث، وغيرهم حيث ولّاهم اهم البلدان والمناصب لكي يضبط تطبيق هذه السياسة.
ونحن حين ننعم النظر في بنود تلك السياسة، نجدها جميعا مما خالف فيه معاوية الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وآله.
فَلَعْنُ علي عليه السلام، وتربيةُ النسا على بغضه مخالفةٌ صريحة، لما أَمَرَ به الله ورسوله في إيجاب مودته وولايته.
والنهيُ عن رواية أحاديث النبي في فضل علي عليه السلام ومنزلته، مخالفةٌ صريحة لأمر النبي بتبليغ سنته إلى من لم يسمعها.
ووضعُ الحديث في ذم علي عليه السلام، ومدحُ أناس لم يمدحهم النبي صلى الله عليه وآله، كذبٌ متعمَّدٌ على الرسول صلى الله عليه وآله، يستحق فاعله النار لقول النبي صلى الله عليه وآله: (من كذب عليَّ متعمدا فليتبوّأْ مقعده من النار)(٣٣٥).
وترويعٌ المؤمنين، وإخافتُهم، وسجنُهم، وقتلُهم، لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مخالفةٌ بكتاب الله ورسوله، استحق فاعلُها النار بنص القرآن (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) آل عمران/ ٢١.
هذا مضافا إلى مخالفات صريحة أخرى لكتاب الله وسنة نبيه من قبيل: استلحاقِه زياد بن عبيد، وهو ردٌ صريحٌ لقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومن قبيل امرِه بترك التلبية نهارَ عرفة قبل الزوال(٣٣٦)، وهو ردٌ صريحٌ لسنة النبي في التلبية في الحج.
ومن قبيل امرِه بتحريم متعة الحج، وهو مخالفةٌ صريحةٌ لكتاب الله وسنة النبي.
ومن قبيل تعطيله حد السرقة في سارق لتشفّع أم السارق فيه(٣٣٧).
ومن قبيل حرمان قربى النبي صلى الله عليه وآله من خمس الغنائم وهو مخالفة صريحة للقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وآله.
ومن قبيل أمره لقادة الفتوح بان يستصفوا له ذهب الغنائم وفضتها قبل القسمة.
وغير ذلك.
وفيما يلي الحديث عن بعض بنود تلك السياسة
لعن علي عليه السلام وسبه على المنابر:
أوردت الصحاح كتب الحديث المعتبرة، أحاديث نبوية صحيحة تفرض حب علي عليه السلام وولايته وتنهى عن إيذائه وبغضه وتصف فاعل ذلك بالنفاق والحرب لله ولرسوله وفيما يلي بعضها:
روى الطبراني: عن أبي عبد الله الجدلي قال: قالت لي أم سلمة: أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم على رؤوس الناس؟ فقلت: سبحان الله وأنى يسب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقالت: أليس يسب علي بن أبي طالب ومن يحبه؟ فأشهد ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحبه(٣٣٨).
وفي رواية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول من سب عليا فقد سبني(٣٣٩).
روى احمد في مسنده: عن عمرو بن شاس الأسلمي قال: (وكان من أصحاب الحديبية) قال خرجت مع علي إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدت في نفسي عليه، فلما تقدمت أظهرت شكايته في المسجد، حتى بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول الله صلى الله عليه وآله في ناس من أصحابه، فلما رآني أبدَّني عينيه، يقول: حدَّدَ إلي النظر حتى إذا جلست، قال: يا عمرو والله لقد آذيتني، قلت: أعوذ بالله أو أوذيك يا رسول الله، قال: بلى! من آذى عليا فقد آذاني(٣٤٠).
وروى ابو يعلى: عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: كنت جالسا في المسجد أنا ورجلين معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم وما لي، من آذى عليا فقد آذاني(٣٤١).
وروى احمد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لم نسالمكم(٣٤٢).
ورواه الطبراني عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم(٣٤٣).
وروى مسلم: عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي عليه السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إليَّ، أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق(٣٤٤).
وروى الطبراني: عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل، قال سمعت أم سلمة تقول: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحب عليه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله(٣٤٥).
وروى ابو يعلى عن أبي الجارود عن الحارث الهمداني قال: رأيت عليا جاء حتى صعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قضاء قضاه الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله النبي الأمي، أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق، وقد خاب من افترى.
قال: قال النضر: وقال علي عليه السلام: أنا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه، لا يقولها أحد بعدي(٣٤٦).
وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب(٣٤٧).
وروى احمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: من أذل لي وليا فقد استحل محاربتي(٣٤٨).
أقول: وإذا ضممنا إلى هذه النصوص، الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة ككل، المنتشرة في كتب الحديث، لم يكن من السهل على الكثير من المعاصرين ان يقبل ما يعتقده الشيعة في بني أمية من أمور، منها انهم كانوا قد سفُّوا سنة لعن علي عليه السلام وسبِّه، وغفل هؤلاء، عن حقيقة ان الاخبار والروايات في هذه القضية بالذات من الكثرة بحيث لم يستطع ان يغفلها أصحاب الصحاح انفسهم.
قال الدكتور عبد الحليم عويس: (لا يعقل ما يشاع عن بني أمية، من انهم كانوا يسبون عليا على المنابر)(٣٤٩)، وقد وافقه آخرون أمثال محب الدين الخطيب(٣٥٠) ومحمود شاكر(٣٥١) وإبراهيم شعوط(٣٥٢) وغيرهم وزاد بعضهم قوله (ولم يردنا بطريق صحيح)(٣٥٣).
وقد رد على هؤلاء أناس من غير الشيعة أيضا(٣٥٤) بذكر اخبار من كتب الصحاح وفيما يلي بعضها:
روى البخاري: قال حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه (سلمة بن دينار) أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يدعو عليا عند المنبر قال: فيقول ماذا؟ قال يقول له: أبو تراب فضحك، قال: والله ما سماه إلا النبي وما كان والله له اسم أحب إليه منه(٣٥٥).
وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه أكثر وضوحا، قال سهل بن سعد: أن رجلا أتاه فقال: هذا فلان ـ لأمير من أمراء المدينة ـ يدعوك غدا فتسب عليا على المنبر، قال: فأقول ماذا؟ قال: تقول أبو تراب، فضحك سهل، ثم قال: والله ما سماه إياه الا رسول الله صلى الله عليه وآله والله ما كان من اسم أحب إليه منه(٣٥٦).
قال في فتح الباري:
قوله (هذا فلان لأمير المدينة): أي عنى أمير المدينة ولم أقف على اسمه صريحا(٣٥٧).
وروى مسلم قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني أبن أبي حازم، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال:
فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليا، قال: فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب! فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب وإن كان ليفرح إذا دعي بها(٣٥٨).
وقال في ارشاد الساري: ان هذا الوالي هو مروان بن الحكم(٣٥٩).
وروى مسلم أيضا قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد، وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا حاتم وهو بن إسماعيل عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقال عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا(٣٦٠) فقال: ما منعك ان تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن اسبه(٣٦١) لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي به ارمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولما نزلت هذه الآية: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي(٣٦٢).
وروى احمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا عشبة عن حصين عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم قال: خطب المغيرة بن شعبة فنال من علي، فخرج سعيد بن زيد فقال: ألا تعجب من هذا يسب عليا؟(٣٦٣)
وروى النسائي عن شقيق بن أبي عبد الله قال: حدثنا أبو بكر بن خالد بن عرفطة قال: رأيت سعد بن مالك بالمدينة فقال: ذكر أنكم تسبون عليا؟ قلت: قد فعلنا، قال: لعلك سببته، قلت: معاذ الله، قال: لا تسبه، فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته، بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ما سمعت(٣٦٤).
أقول:
يتضح من هذه الروايات الصحيحة وفق مسلك أهل السنة في تصحيح الرواية، وقد وردت في اهم مصادرهم الحديثية، ان معاوية وولاته (مروان والمغيرة) كانوا يسبون عليا على المنابر.
وفي المصادر التاريخية تفصيل اكثر نورد طرفا منه فيما يلي:
(قال ابو عثمان الجاحظ(٣٦٥): ان معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم ان أبا تراب ألحد في دينك وصدَّ عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما).
وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية، إلى ان قام عمر بن عبد العزيز فأزاله(٣٦٦).
وقال أيضا: وما كان عبد الملك مع فضله وأناته وسداده ورجحانه، ممن يخفى عليه فضل علي، وان لعنه على رؤوس الاشهاد، وفي اعطاف الخطب، وعلى صهوات المنابر، مما يعود عليه نقصه ويرجع إليه وهنه، لانهما جميعا من بني عبد مناف، والأصل واحد، ولكنه أراد تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف، وان يقرر في انفس الناس ان بني هاشم لاحَظّ لهم في هذا الأمر، وان سيدهم الذي يصولون به ويجولون، وبفخره يفخرون، هذا حاله وهذا مقداره، فيكون من انتمى إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه اشحط(٣٦٧).
وقد بلغ الأمر ببني أمية انهم لا يحتملون لشخص ان يجمع بين اسم علي وكنيته.
روى ابن سعد في ترجمة علي بن عبد الله بن عباس قال: ويكنى أبا محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب رحمة الله عليه في شهر رمضان سنة أربعين، فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعا، فغير أحدهما فغير كنيته فصيرها أبا محمد(٣٦٨).
ثم تمادى بهم الأمر إلى انهم صغَّروا كل عَلِيّ فقالوا عُلَيّ.
قال ابن حبان في ترجمة علي بن رباح اللخمي(٣٦٩): وهو الذين يقال له: عُلَيّ بن رباح، وكان يقول: من قال لي عَلِيّ ليس مني في حل، وذاك أن أهل الشام كانوا يصغِّرون كل علي، لما في قلوبهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(٣٧٠).
ونقل العلامة ابن عقيل رحمه الله عن الحافظ السيوطي: انه كان في أيام بني أمية اكثر من سبعين ألف منبر، يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك(٣٧١).
وقد بقيت أثار هذه التربية عند بعض اتباع بني أمية من حملة الحديث حتى بعد زوال حكمهم كما يذكر أصحاب التراجم عن حريز بن عثمان.
قال ابن حجر: حريز بن عثمان أبو عون الحمصي(٣٧٢) (خ ٤ البخاري والأربعة) قال أحمد: حريز صحيح الحديث إلا أنه يحمل على علي عليه السلام، وقال المفضل بن غسان:
يقال في حريز مع تثبته أنه كان سفيانيا، وقال العجلي: شامي، ثقة وكان يحمل على علي، وقال عمرو بن علي كان ينتقص عليا وينال منه، وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي، وقال ابن عمار: يتهمونه أنه كان ينتقص عليا ويروون عنه ويحتجون به ولا يتركونه، وقال أحمد بن سعيد الدارمي عن أحمد بن سليمان المروزي سمعت إسماعيل بن عياش، قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب عليا ويلعنه، قال إسماعيل بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) حق ولكن أخطأ السامع، قلت: فما هو؟ فقال: إنما هو أنت بمنزلة قارون من موسى، قلت: عمن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر، وقال ابن عدي: وحريز من الاثبات في الشاميين ويحدث عن الثقات منهم، وقد وثقه القطان وغيره، وإنما وُضَع منه ببغضه لعلي، قال يزيد بن عبد ربه(٣٧٣): قال ابن حجر: وحكى الأزدي في الضعفاء: أن حريز بن عثمان روى أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحل حزام البغلة ليقع النبي صلى الله عليه وآله، قال الأزدي: من كانت هذه حاله لا يروى عنه، قال ابن حجر: لعله سمع هذه القصة أيضا من الوليد، وقال غنجار قيل ليحيى بن صالح: لم لم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف اكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين مرة، وقال ابن حبان: كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة فقيل له في ذلك، فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي، وكان داعية إلى مذهبه يتنكب حديثه انتهى. قال ابن حجر: وإنما أخرج له البخاري لقول أبي اليمان(٣٧٤) أنه رجع عن النصب كما مضى نقل ذلك عنه الله أعلم(٣٧٥).
أقول:
وقد بقيت آثار التربية أيضا في بعض البلدان فلم يعد أهلها يتحملون سماع فضيلة لعلي عليه السلام حتى من محدِّثيهم.
روى الذهبي في ترجمة ابن السقاء: الحافظ الامام محدِّث واسط أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي، وقال علي بن محمد الطيب الجلابي في تاريخه ابن السقاء من أئمة الواسطيين والحفاظ المتقنين، توفي في جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة، قال السلفي: سألت الحافظ خميسا الحوزي عن ابن السقاء؟ فقال: هومن مزينة مضر ولم يكن سقاء بل لقب له من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ، رحَل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى وابن زيدان البجلي والمفضل بن الجندي، وبارك الله في سنه وعلمه، واتفق انه أملى حديث الطير فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا به واقاموه وغسلوا موضعه فمضى ولزم بيته، فكان لا يحدث أحدا من الواسطيين، فلهذا قال حديثه عندهم وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة. قال الذهبي: حدثني ذلك شيخنا أبو الحسن المغازلي(٣٧٦).
وقد بقيت تربية الإنحراف في دمشق عن علي عليه السلام بشكل ظاهر، بعد اكثر من قرن ونصف من قيام الدولة العباسية، قال الامام النسائي(٣٧٧) (لما سئل عن سبب تصنيف كتابه الخصائص) قال: (دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، وصنف كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله)(٣٧٨).
خطة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة
عقبتان أمام مخطط معاوية بعد وفاة الحسن عليه السلام:
كان للكوفة في نظر معاوية اكثر من جُرم، فقد انطلقت منها الشرارة الأولى في الاعتراض على سياسة ولاة عثمان، ثم هي مركز أنضار علي وشيعته، وهي القاعدة الصلبة التي استند إليها الحسن عليه السلام لتحقيق أهدافه في الصلح، وجعلت معاوية يعاني جهدا نفسيا كبيرا مدة تسع سنوات، ليظهر بمظهر الحليم، ويتحمل انتشار أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام، وانتشار سيرته المشرقة في الشام وغيرها، ويكرم وجوه أصحابه وهم ألدّ أعدائه.
وضع معاوية في حسابه ان يبذل كل جهده لتغيير وجهة الولاء الفكري والسياسي في الكوفة الذي كان لصالح علي وولده الطاهرين عليهم السلام، وتحويلها إلى مدينة موالية لبني أمية، وليس من شك انه أمر عسير جدا، ودونه عقبات كؤود أهمها عقبتان اثنتان بعد ان تخلص من الحسين عليه السلام وهما:
١. الجيش(٣٧٩) والشرطة فان النسبة الغالبة منهم ان لم يكونوا كلهم شيعة علي عليه السلام.
٢. الوجوه البارزة في المجتمع واغلبهم من الشيعة وفيهم رموز العلم والتقوى أمثال: حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهما من الصحابة والتابعين.
الجيش والشرطة:
اعتمد معاوية في خطته لغربلة الجيش وقوى الأمن الداخلي في الكوفة من كل شيعي فيه واستبداله بشيعة بني أمية بمرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى في حياة الحسن عليه السلام:
ويبدو ان اهم وسيلة اعتمدها معاوية في هذه المرحلة، هي مقاتلة الخوارج وملاحقتهم، فان المخلصين والواعين من الشيعة كانوا يمتنعون من مقاتلة الخوارج، للكلام المأثور عن علي عليه السلام: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فانه ليس من طلب الحق فاخطأه كمن عرف الباطل وأصابه)(٣٨٠)، وقال عليه السلام: (إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فان لهم بذلك مقالا)(٣٨١).
المرحلة الثانية بعد وفاة الحسن عليه السلام:
وكان أسلوب الغربلة في هذه المرحلة يعتمد على سياسة الدولة في لعن علي عليه السلام والبراءة منه، فمن يرفض لعن علي عليه السلام وسبه كان نصيبه ان يسقط اسمه من ديوان العطاء، بل كان نصيب كل متهم بحب علي هو ان يسقط اسمه من ديوان العطاء، وليس من شك ان المخلصين والواعين من الشيعة لا تطيب نفوسهم بسب علي عليه السلام حتى في حالات الضرورة المسموح بها فضلا عن البراءة وهي غير مسموح بها لأنها أمر قلبي، وقد كان هذا الأسلوب الذي استخدمه معاوية اقوى أسلوب لتصفية الجيش وقوى الأمن الداخلي من الشيعة بل من كل متهم بحب علي.
إجراءات زياد بن عبيد الثقفي في الكوفة:
كان زياد بن عبيد الثقفي الذي غَيَّرَ نَسَبَه معاوية في قصة معروفة إلى زياد بن أبي سفيان، يعتبر بحق باني الجيش الأموي في العراق وقوى الأمن الداخلي فيه. وكانت من اهم اجراءاته في هذا السبيل (إلى جنب صرامته في تطبيق السياسة العامة التي اشرنا إليها آنفا) أربعة أمور أساسية هي:
الأول: إحياء الخروج الإلزامي للغزو، وهو أول إجراء اتخذه عند قدومه الكوفة، قال البلاذري: لما استعمل معاوية زيادا حين هلك المغيرة(٣٨٢) على الكوفة جاء حتى دخل المسجد ثم خطب، فقال:... وأي رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان ثم هو أمير نفسه، وأي رجل مكتبه قريب فاجله سنة ثم هو أمير نفسه(٣٨٣).
الثاني: تغيير نظام الأسباع الذي كان على عهد الامام علي عليه السلام(٣٨٤) إلى نظام الأرباع، وفي هذا النظام جعل تعبئة قبيلة همدان مع قبيلة تميم ربعا، وعليهم خالد بن عرفطة(٣٨٥)، وربيعة وكندة ربعا وعليهم قيس بن خالد، ومذحج واسد ربعا وعليهم ابو بردة بن أبي موسى الاشعري(٣٨٦)، وأهل المدينة ربعا، وعليهم عمرو بن حريث المخزومي، ومن الواضح ان الهدف من هذا التغيير هو تطويق القبائل المعروفة بتشيّعها(٣٨٧).
الثالث: تسيير خمسين ألف مقاتل عراقي مع عوائلهم إلى خراسان(٣٨٨)، منهم خمس وعشرون ألف من الكوفة، عيِّن عليهم عبدالله بن عقيل، والباقون من البصرة، عيِّن عليهم الربيع بن زياد الحارثي(٣٨٩).
كما عيّنه على الجميع(٣٩٠)، وكان فيهم بريدة بن الحصيب الاسلمي، وبمرو توفي أيام يزيد بن معاوية، وكان فيهم أيضا ابو برزة الاسلمي عبد بن نضلة، وبها مات واسكنهم دون النهر(٣٩١).
الرابع: اعتماد الحمراء مادة أساسية في قوى الأمن الداخلي، والحمراء كانوا يعملون مع الجيش الفارسي وأصلهم من الديلم(٣٩٢)، كان منهم مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف، ويسمون جند شاهنشاه، فاستأمنوا على ان ينزلوا حيث احبوا، ويحالفوا من احبوا، فاعطاهم سعد ذلك، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم ونزلوا الكوفة(٣٩٣).
قال المرحوم آية الله الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسن عليه السلام: والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الافاعيل بالشيعة سنة ٥١ وحواليها(٣٩٤).
ونقل الجاحظ عن زياد قوله: ينبغي ان يكون صاحب الشرطة زميتا قطوبا ابيض اللحية اقنى احنى ويتكلم بالفارسية(٣٩٥).
وذكر الطبري ان الشرطة في عهد زياد في البصرة قد بلغ عددهم أربعة آلاف(٣٩٦).
أقول: من المؤكد ان عددهم في الكوفة اكثر من ذلك.
وفي قصة عبد الله بن خليفة الطائي من أصحاب حجر لما طلبه زياد قال الطبري: (فبعث إليه الشُّرط وهم أهل الحمراء يومئذ فأخذوه)(٣٩٧)، وفي قصة حجر بن عدي الكندي قال ابن سعد: (فأرسل ابن زياد إلى حجر الشُّرط والبخارية وأتي به إلى زياد وباصحابه)(٣٩٨).
قال عمر بن شبة: وكان زياد أول من شد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وألزم الناس الطاعة وتقدم في العقوبة وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفا شديدا(٣٩٩).
استعان زياد في البصرة بعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله منهم سمرة ابن جندب(٤٠٠) وأنس بن مالك(٤٠١).
اما في الكوفة فقد استعان بالصحابي عمرو بن حريث المخزومي(٤٠٢) وغيره.
قال الطبري: وقيل: إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب، ومشى بين يديه بالعمد، واتخذ الحرس رابطة خمسمائة واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بني سعد فكانوا لا يبرحون المسجد(٤٠٣).
أقول: مراد من قال ذلك العراق، والا فان أول من سير الحراب بين يديه هو معاوية في الشام.
خلاصة بما قام به معاوية وولاته
١. بنى معاوية بشكل عام قوة عسكرية وأجهزة ضبط داخلي (الشرطة) خالصة الولاء له معادية لعلي وأهل بيته عليهم السلام.
٢. عني بالكوفة مركز التشيع لعلي عليه السلام عناية خاصة فغير نظام الأسباع فيها إلى نظام الأرباع، وأخلاها من وجوه أصحاب علي البارزين قتلاً وسجناً ونفياً، وصفّاها من كثافتها الشيعية بتهجير خمس وعشرين ألف بعوائلهم، كما صفّا جيشها من كل متهم بحب علي فضلا عن كل شيعي، واعتمد الحمراء والبخارية مادة أساسية لجهاز الشرطة فيها.
٣. أوجد حركة دينية فكرية وسياسية واجتماعية مضادة لعلي وأهل بيته عليهم السلام تقوم على أساسين:
الأول: لعن علي عليه السلام والبراءة منه بعد كل صلاة جمعة بصفته ملحدا في الدين (أي محرفا فيه). والمنع من ذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في علي وأهل بيته عليهم السلام في المدارس والمحافل العامة والمساجد، والحث على وضع روايات على لسان النبي صلى الله عليه وآله تمدح معاوية وعثمان وبني أمية وغيرهم، ووضع أحاديث كاذبة في علي وأهل بيته عليهم السلام تسوغ لعنهم والبراءة منهم.
الثاني: الحط من مقام شيعة علي عليه السلام اجتماعيا، فلا تقبل شهادة لشيعي، ويحرم من العطاء ليكون فقيرا ويخمل ذكره، وفي المقابل تقبل شهادة المحب لعثمان ويزاد في عطائه ليشرف في المجتمع ويعلو ذكره.
٤. عرض الحاكم الأموي على انه خليفة الله وان طاعته رأس الدين ومفتاحه، وكون المطيع له ولي الله والعاصي له عدو الله.
٥. غالى في أمر الجهاد والغزو، وعرضه على انه افضل عمل بعد الإيمان بالله ورسوله، أي جعله المقياس الأعلى للأعمال الصالحة والدخول للجنة، وأمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووضع الأحاديث في ذلك.
٦. عين ابنه يزيد ولي عهده، من اجل ان يواصل رعاية مشروعه التحريفي للإسلام على الأصول التي بناها عليه.
أقول: لقد كان الامام الحسن عليه السلام يتوقع هذا الغدر من معاوية بل كان متيقنا منه، ولكنه كان يعلم ان ذلك سوف يكون منه الا بعد ان يحقق الصلح أهدافه الأساسية/ معالجة الانشقاق، افتضاح معاوية وظهور ظلامة علي عند أهل الشام، وانتشار أحاديث النبي في حق علي بينهم في الشام، ووضوح نسق الحكم المدني الذي أسسه الحسن في الأمة وانتشار أخباره بالشكل الذي لن ينمحي من ذاكرة الجيل التي عايشها، مع ادخار الحسين لمواجهة هذا الغدر المبين بالبقية الباقية من رجال المشروع ليشق طريقه من جديد في الأمة.
خلاصة في اسرة معاوية ونسبه ومرض وفاته
اسرة معاوية:
قال ابن ابي الحديد: وكان معاوية على اس الدّهر مبغضا لعليّ عليه السلام شديد الانحراف عنه وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه يوم بدر وخاله الوليد بن عتبة وشرك في جده وهو عتبة أو في عمّه وهو شيبة على اختلاف الرّواية وقتل من بني عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم وأماثلهم، ثمّ جاءت الطَّامّة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه وانضواء كثير من قتلته إليه عليه السلام فتأكدت البغضة وثارت الأحقاد وتذكرت تلك التراث الأولى حتّى أفضى الأمر إلى ما افضى إليه.
ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة، وقد ذكرنا في نقض السّفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلاميّة عنه من الالحاد والتّعرّض لرسول الله وما تظاهر به من الجبر والارجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك لكان في محاربته الامام عليه السلام ما يكفي في فساد حاله(٤٠٤).
نسب معاوية:
هو معاوية:
ابن ابي سفيان؛ واسمه صخر (مجمع قريش والقبائل خارج مكة) لقتال النبي صلى الله عليه وآله والصد عن دعوته.
ابن حرب؛ وهو الذي اجاره عبد المطلب من وُلدِه حين لحقوه لما اخفر ذمة الزبير بن عبد المطلب في التميمي ولطمه ثم هرب الى عبد المطلب وقال له اجرني من ولدك الزبير واخوته، فاكفأ عليه جفنة كانت لهاشم يطبخ للحجيج بها، والبسه قباءه الخاص واخرجه(٤٠٥).
وفي قصة مخاصمة بني كلاب وبني رباب من بني نضر مع عبد المطَّلب في مال قريب من الطائف فقال عبد المطَّلب: المال مالي فسلوني أعطكم، قالوا: لا، قال: فاختاروا حاكما قالوا: ربيعة بن حذار الأسديّ فتراضوا به وعقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا: الإبل والمال لمن حكم له، وخرجوا وخرج مع عبد المطَّلب حرب بن أميّة فلما نزلوا بربيعة وقالوا له احكم لأشدّنا طعانا، وأوسعنا مكانا، قال عبد المطلب: احكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عن السوآت وأكرمنا أمهات، فقال ربيعة: والغسق والشفق، والخلق المتّفق، ما لبني كلاب وبني رباب من حقّ، فانصرف يا عبد المطَّلب على الصواب، ولك فصل الخطاب؛ فوهب عبد المطَّلب المال لحرب بن أميّة(٤٠٦).
ابن امية الاكبر: الذي نافر عبد المطلب على عشر سنين يخرج عن مكة فحكم له وخرج من مكة(٤٠٧)، وكانت اول عداوة بين بني امية وهاشم.
بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي مؤسس التجمع القرشي.
جدته لابيه حمامة من ذوات الرايات(٤٠٨).
امه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، قاتلة حمزة واكلة كبده.
عزي معاوية الى اربعة(٤٠٩).
لم يكن معاوية صريح النسب الى ابي سفيان فقد عزي الى اربعة.
وقد كتب معاوية الى علي عليه السلام: (أما بعد، فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن، لم يجنها بعضنا على بعض. وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي. وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت. وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقت الأكباد وذهبت الرجال. ونحن بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز ولا يسترق به ذليل، والسلام).
قال سليم: فلما قرأ علي عليه السلام كتابه ضحك وقال: العجب من معاوية وخديعته لي فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أكتب: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه (أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض)، وإنا وإياك ـ يا معاوية ـ على غاية منها لم نبلغها بعد. وأما طلبك الشام، فإني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست بأمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك (إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض)، فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن والمبطل كالمحق. في أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم، والسلام)(٤١٠).
قوله عليه السلام (ولكن ليس أمية كهاشم):
اراد عليه السلام بهذه المقارنة الاشارة الى ان بني امية ينتسبون الى امية (الاكبر) بن عبد شمس بن عبد مناف ولم ينسبهم الى جدهم عبد شمس لانهم ليسوا العقب الوحيدة له، وبنو هاشم ينتسبون الى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وليس لهاشم عقب من غير عبد المطلب.
قوله عليه السلام (ولا حرب كعبد المطلب):
مرت علينا قصة اجارة عبد المطلب لحرب، وقصة هبته له كمية من المال، ومن هاتين القصتين نعلم ان حربا من رعايا عبد المطلب فكيف يوازنه معاوية بمن كانت تسميه قريش ب (براهيم الثاني)؟ بل من هو ابوه امية ازاء عبد المطلب، قال ابو الفرج: دخل دغفل النسابة على معاوية فقال له: من رأيت من عِلية قريش قال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه، في جبينه نور النبوّة وعزّ الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال: فصف أميّة. فقال: رأيه شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبد ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه، وأمّا الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به(٤١١). وهكذا فان حربا فضلا عن ابيه (امية) لا يقاسان بعبد المطلب بل لا يقاس بعبد المطلب كل قريش انذاك.
قوله عليه السلام (ولا أبو سفيان كأبي طالب):
قاد ابو سفيان قريشا والقبائل فيما بعد ضد النبي ليصد عن دعوته الالهية ويسفك دمه فكيف يقايسه معاوية بابي طالب الذي وظف كل ما حباه الله من قدرات في نصرة النبي صلى الله عليه وآله قال عليه السلام يخاطبه صلى الله عليه وآله:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم * * * حتى اوسد في التراب دفينا
فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة * * * ابشر وقر بذاك عيونا

وقال ايضا يخاطب قريشا:

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * * * ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع دونه * * * ونذهل عن ابنائنا والحلائل

قوله عليه السلام (ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن والمبطل كالمحق) اراد بـ (المهاجر) و(المؤمن) و(المحق) نفسه الشريفة، واراد بـ (الطليق) و(المنافق) و(المبطل) معاوية.
وفي رواية الشريف الرضي في نهج البلاغة(٤١٢) ومصادر اخرى(٤١٣) اضافة لم تكن في رواية مسلم وغيره وهي:
قوله عليه السلام (ولا الصريح كاللصيق):
وقد اراد عليه السلام بقوله (الصريح) الاشارة الى نفسه الشريفة وهو اول هاشمي ولد لهاشمية، فان اباه ابو طالب بن عبد المطلب بن هاشم وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم وقالوا عنه وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين(٤١٤).
وبقوله (اللصيق) الاشارة الى شبهة النسب في معاوية، غير ان البعض نفى انها تشير الى ذلك.
قال ابن ابي الحديد: (فإن قلت: فما معنى قوله: (ولا الصريح كاللصيق)س، وهل كان في نسب معاوية شبهة ليقول له هذا؟ قلت: كلا إنه لم يقصد ذلك، وإنما أراد الصريح بالإسلام واللصيق في الاسلام، فالصريح فيه هو من أسلم اعتقادا وإخلاصا، واللصيق فيه من أسلم تحت السيف أو رغبة في الدنيا).(٤١٥)
أقول:
بل اراد عليه السلام النسب، لان لفظة (الصريح) صريحة في خالص النسب وكذلك اللصيق والمُلصَق فانها صريحة في دعي النسب (لسان العرب).
قال الزمخشري: كان معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح، مغن كان لعمارة بن الوليد. قال: وقد كان أبو سفيان دميما قصيرا، وكان الصباح عسيفا (اجيرا) لأبي سفيان، شابا وسيما، فدعته هند إلى نفسها فغشيها. وقالوا: إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا، وقالوا: إنها كرهت أن تدعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد، فوضعته هناك(٤١٦).
وفي هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عام الفتح:

لمن الصبي بجانب البطحاء * * * في الترب ملقى غير ذي معه
نجلت به بيضاء آنسة * * * من عبد شمس صلتة الخد(٤١٧)

والعسيف: الأجير. نجلت به ولدته، وصلتة الخد، الصلت: الأملس.
أقول:
لقد كانت امام معاوية فرصة التاريخ الذهبية حين صالحه الحسن عليه السلام على امرة المسلمين جميعا بشروطه المعروفة، وحين برزت اثار الصلح العظيمة، غير ان النشاة الاولى والحضن الخسيس والنطفة المشتبهة، ودماء الصلحاء والابرياء في صفين بل في الجمل لانه المخطط لها، وحبه ليزيد الذي اعماه عن رشده كما قال هو عن نفسه كما سياتي/ كل ذلك جعله يصر على المأثم، ويتحول الى مرحلة اسوأ في تاريخه، حين حرف تاريخ الاسلام وسفك الدماء الاخيار من شيعة العراق ودسه السم للحسن واخذه الناس ببيعة ابن يزيد الفاسق، بما وضحناه بشكل مختصر في الفصل السابق.
مرض اللقوة اول الغضب الالهي على معاوية:
قال ابن الفقيه: ولمّا حجّ معاوية (الظاهر انها سنة ٥٦ هـ) حرّك المنبر (منبر النبي) يريد أن يخرج به إلى الشام فانكسفت الشمس، فقال جابر بن عبد الله: بئس ما صنع معاوية ببلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهاجره الذي اختاره الله له، والله ليصيبنّ معاوية شيء في وجهه، فأصابته اللَّقوة نسأل الله العافية(٤١٨).
أقول: ان فهم جابر بن عبد الله الانصاري اعمق من ذلك، واني اشك ان الرواية له، ولكني اوردتها لاقرِّب فكرة ان مرض معاوية باللقوة هي عقوبة الهية ولكنها ليست لاجل منبر النبي صلى الله عليه وآله بل لاجل ما صنعه نقضه الشرط مع الحسن عليه السلام وإعادته لعن علي عليه السلام وبخاصة قد اصيب باللقوة في سنة ٥٦ هـ وهي السنة التي اخذه فيها البيعة ليزيد نفسها(٤١٩).
قال ابن اعثم: ثم رحل معاوية (من مكة بعد ان اخذ البيعة ليزيد)، فلما صار بالأبواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته فاطلع في بئر الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه فأصبح لما به، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به، فقال: أيها الناس! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر، وإن ابتليت فقد ابتلى الصالحون من قبلي، وأنا أرجو أن أكون منهم، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر، ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني لأني اليوم ابن بضع وسبعين، فرحم الله عبدا نظر إلي فدعا لي بالعافية، فإني وإن كنت غنيا عن خاصتكم لقد كنت فقيرا إلى عامتكم. قال: فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده. وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به، فقال له مروان بن الحكم: أجزعا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا يا مروان! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي(٤٢٠).
وقال ابن عساكر: حج معاوية بن أبي سفيان عاما حتى إذا كان بالأبواء اطلع في بئر لها عادية فضربته اللَّقوة، فمضى حتى أتى مكة فدخل داره وأرخى حجابه ودعا حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال أيها الناس إن ابن آدم بعرض بلاء إما مبتلى ليؤجر وإما معاقب بذنب وإما مستعتب ليعتب وما أعتذر من واحدة من ثلاث... قال فعج الناس يدعون له فبكى معاوية.
فلما خرجوا من عنده قال له مروان بن الحكم يا أمير المؤمنين لم بكيت قال يا مروان كبر سني ورق عظمي وابتليت في أحسن ما يبدو مني وخشيت أن تكون عقوبة من ربي ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(٤٢١).
وقال البلاذري حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال:
لما صار معاوية بالأبواء في حجّته اطَّلع في بئر فأصابته اللقوة، فقال:... فأنا ابن بضع وستين، فرحم الله من دعا لي بالعافية، فوالله لئن عتب علي بعض خاصتكم... وقد ابتليت في أحسني، وخفت أن يكون عقوبة من ربّي، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(٤٢٢).
أقول: وقول معاوية (ولولا هواي في يزيد لابصرت رشدي) يعلق عليه ابن حجر المكي بقوله: وقوله: ولولا هواي... الخ، فيه غاية التسجيل على نفسه (اي على معاوية) بأن مزيد محبته ليزيدي أعمت عليه طريق الهدى، وأوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى) انتهى كلامه.
ويؤكد هذا القول ان معاوية قد اصابته اللقوة سنة ٥٦ هـ وهي السنة التي اخذ فيها معاوية البيعة لولده يزيد.
وفي لسان العرب اللقوة: داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق، والشدق جانب الفم(٤٢٣). قال الذهبي في معاوية (أصابته لقوة، يعني بطل نصفه) اي تعطل نصف وجهه.
قال الزبيدي: واللَّقْوَةُ، بالفتح: داءٌ في الوَجْهِ؛ زادَ الأزْهرِي: يَعْوَجُّ منه الشِّدْق. وقالتِ الأطبَّاء: اللَّقْوةُ مَرَضٌ يَنْجذِبُ له شِقّ الوجْهِ إلى جهَةٍ غيْر طَبِيعِيَّة ولا يحسنُ الْتِقاء الشفَتَيْن ولا تَنْطَبِقُ إحْدَى العَيْنَيْن(٤٢٤).
وقال الازهري: اللَّقْوَةُ أنْ يَتَعَوَّجَ وَجْهُهُ ولا يَقْدِرَ على تَغْمِيضِ إحْدَى عَيْنَيْهِ(٤٢٥).
وقال ابن سيدة: اللقوة، اضطراب شكل الوجه واعوجاجه، وقد لقي(٤٢٦).
وقال العلامة المجلسي: اللقوة ـ بالفتح والكسر ـ: علة ينجذب لها شق الوجه إلى جهة غير طبيعية، فيخرج النفخة والبزقة من جانب واحد، ولا يحسن التقاء الشفتين، ولا تنطبق إحدى العينين(٤٢٧).
وقد ذكر المصادر التي ذكرت لقوة معاوية انه استمرت معه الى موته.
قال ابن كثير: وكان به النقابة ـ يعني لوقة ـ فمات من يومه ذلك(٤٢٨).
أقول: النقابة مصحب الناقبة وهي القرحة التي تخرج بالجنب(٤٢٩)، وقد اخطا ابن كثير بقوله هي لوقة، ومراده (اللِقوة التي اصابته سنة ٥٦ هـ)، فهما مرضان لا مرض واحد.
وفي اخريات حياته اصابته قرحة في ظهره وقُرٌّ جعلته يفقد الراحة التي ينشدها لنفسه وهو يرأس اعظم دولة في العالم انذاك.
قال ابن عساكر: لما كبر معاوية خرجت به قرحة في ظهره فكان إذا لبس دثارا ثقايلا والشام أرض باردة أثقله ذلك وغمه فقال اصنعوا لي دثارا خفيفا دفيئا من هذه السخال فصنع له فلما ألقي عليه تسار إليه ساعة ثم غمه فقال جافُوه عني ثم لبسه ثم غمه فألقاه ففعل ذلك مرارا ثم قال قبحك الله من دار ملكتك أربعين سنة عشرين خليفة وعشرين إمارة ثم صيرتني إلى ما أرى قبحك الله من دار(٤٣٠).
عن أبي بردة قال دخلت على معاوية بن أبي سفيان حين أصابته قرحته فقال لهم يا بن أخي تحول فناظر قال فتحولت فنظرت فإذا هي قد سبرت يعني قرحته فقلت ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين(٤٣١).
وقال ابن كثير: (وروى ابن جرير(٤٣٢) أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثاً)(٤٣٣).
وقال ابن اعثم: وكان (معاوية) في مرضه يرى أشياء لا تسره حتى كأنَّه ليهذي هذيان المُدنَف وهو يقول: اسقوني اسقوني! فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى. وكان ربما غشي علهي اليوم واليومين، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته: ما لي وما لك يا حجر بن عدي! ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق! ما لي وما لك يا بن أبي طالب!(٤٣٤)
مضافا الى ذلك اهم المضاعفات لمرض اللقوة وهو النفث لعدم قدرته على اطباق فمه كليا.
روى الطبري قال حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير قال لما ثقل معاوية... قال وكان به النفاثات فمات من يومه ذلك(٤٣٥).
قال ابن منظور: النَّفْثُ: أَقلُّ من التَّفْل، لأَن التفل لا يكون إِلَّا معه شيء من الريق؛ والنفثُ: شبيه بالنفخ؛ وقيل: هو التفل بعينه(٤٣٦).
أقول: المناسب لمرض اللقوة هو ان يكون النفث هو التفل بعينه.
وهكذا تتضح حالة معاوية التي لا يحسد عليها منذ اصابته اللقوة (الشلل النصفي في وجهه) واستمرت تلاحقه خمس سنوات اقضت عليه مضجعه:
ـ عدم قدرة على اغماض احد عينيه.
ـ عدم القدرة على تقطيب وجهه.
ـ اعوجاج الفم الى احد الجانبين.
ثم اصابته بقرحة الظهر وبالقُرّ، ثم بالنفاثات.
وفي ضوء ذلك كان معاوية خلال خمسة سنوات قد معاوية لذة الكلام وتفاعل الوجه مع الحوادث والعواطف ولذة الطعام وجمال تناسق الوجه، وهو يحس بان مبغضيه يتشفون به كلما رأوه. وخمس سنوات من معاناة المرض جسيما ونفسيا اخرج حب الدنيا من نفسه مع تعلقه بها وهو الغارق فيها الى قمة راسه وقد عمل لها كل حياته! وقد اقترن هذا العذاب باخذه البيعة لولده يزيد الذي قال فيه لولا هواي في يزيد لابصرت رشدي.
وبعد فهل يكون مصداق لقوله تعالى (سنسمه على الخرطوم) اوضح من معاوية الذي اصيب باللقوة في وجهه جزاء لصده عن سبيل الله قال تعالى في سورة القلم:
(بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)) القلم/ ١ ـ ٣٣.
وقد ورد في الرواية انها في بني امية(٤٣٧).
الباب الثاني/ الفصل الخامس: تعليقات على موارد من كتاب صلح الحسن عليه السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله
لابد لي قبل ذكر هذه التعليقات ان أبين ان آية الله الشيخ راضي آل ياسين قد كان جريئا ومفكرا لامعا حين طرح ان الحسن عليه السلام بصلحه قد فصل بين الإمامة الدينية والسلطة الزمنية في الإسلام، ومن المؤسف ان لا تأخذ هذه الفكرة الجريئة طريقها إلى البحث التفصيلي، كما انه قد جلى صورة شخصية الامام الحسن عليه السلام بما يناسبه كإمام هدى وكسياسي. من الطراز الأول فيما اشترط على معاوية من شروط، ولم تكن مشكلة الكتاب الا في عدم تمييزه بين سنوات الصلح العشر أيام الحسن عليه السلام حيث لم يروع فيها شيعي واحد من أهل العراق وسنوات الغدر المبين بعد وفاة الحسن عليه السلام وهي مشكلة الرؤية القديمة والمشهورة وقد اضطلع البحث بالكشف عن ذلك لأول مرة مضافا إلى التعليل الجديدة في مبررات الصلح التي تنسجم مع الحقيقة المكتشفة.
وكنت قد ذكرت في التمهيد ملاحظاتي الإجمالية على الرؤية السائدة في تعليل الصلح وفي هذا الفصل اوردت اربعة عشرة تعليقة على كلامه رحمه الله حول بنود الصلح وعلى كلامه حول الوفاء بالشروط وما بعدها.
كلامه رحمه الله على بنود الصلح (٤٣٨)
قال رحمه الله:
[وروى فريق من المؤرخين، فيهم الطبري وابن الأثير: (أن معاوية أرسل إلى الحسن صحيفة بيضاء مختوما على أسفلها بختمه)، وكتب إليه: (أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك)(٤٣٩). (انظر التعليقة رقم ١).
(ثم بتروا الحديث، فلم يذكروا بعد ذلك، ماذا كتب الحسن على صحيفة معاوية. وتتبعنا المصادر التي يسر لنا الوقوف عليها، فلم نر فيما عرضته من شروط الحسن عليه السلام، الا النتف الشوارد التي يعترف رواتها بأنها جزء من كل. وسجل مصدر واحد صورة ذات بدء وختام، فرض أنها [النص الكامل لمعاهدة الصلح]، ولكنها جاءت ـ في كثير من موادها ـ منقوضة بروايات أخرى تفضلها سندا، وتزيدها عددا. ولنا لو أردنا الاكتفاء، أن نكتفي ـ في سبيل التعرف على محتويات المعاهدة ـ برواية (الصحيفة البيضاء)، كما فعل رواتها السابقون، فبتروها اكتفاء باجمالها عن التفصيل، ذلك لان تنفيذ الصلح على قاعدة (اشترط ما شئت فهو لك) معناه أن الحسن أغرق الصحيفة المختومة في أسفلها، بشتى شروطه التي أرادها، فيما يتصل بمصلحته، أو يهدف إلى فائدته، سواء في نفسه أو في أهل بيته أو في شيعته أو في أهدافه، ولا شيء يحتمل غير ذلك. وإذا قدر لنا ـ اليوم ـ أن لا نعرف تلك الشروط بمفرداتها، فلنعرف أنها كانت من السعة والسماحة والجنوح إلى الحسن، بحيث صححت ما يكون من الفقرات المنقولة عن المعاهدة أقرب إلى صالح الحسن، ورجحته على ما يكون منها في صالح خصومه، كنتيجة قطعية لحرية الحسن عليه السلام في أن يكتب من الشروط ما يشاء. ورأينا بدورنا، وقد أخطأنا التوفيق عن تعرف ما كتبه الحسن هناك، أن ننسق ـ هنا ـ الفقرات المنثورة في مختلف المصادر من شروط الحسن على معاوية في الصلح، وأن نؤلف من مجموع هذا الشتات صورة تحتفل بالأصح الأهم، مما حملته الروايات الكثيرة عن هذه المعاهدة، فوضعنا الصورة في مواد، وأضفنا كل فقرة من الفقرات إلى المادة التي تناسبها، لتكون ـ مع هذه العناية في الاختيار والتسجيل ـ أقرب إلى واقعها الذي وقعت عليه. واليك هي صورة المعاهدة التي وقعها الفريقان:
المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله (المدائني ـ فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٤ ص ٨)، وبسيرة الخلفاء الصالحين(٤٤٠). (انظر التعليقة رقم ٢).
المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده(٤٤١). (انظر التعليقة رقم ٣).
المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة(٤٤٢)، وأن لا يذكر عليا الا بخير(٤٤٣).
المادة الرابعة: استثناء ما في بيت المال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد(٤٤٤). (انظر التعليقة رقم ٤).
المادة الخامسة: (على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحدا بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة(٤٤٥) وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحدا من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئا، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا(٤٤٦)...) وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لاحد من أهل بيت رسول الله، غائلة، سرا ولا جهرا، ولا يخيف أحدا منهم، في أفق من الآفاق(٤٤٧).
قال ابن قتيبة: (ثم كتب عبد الله بن عامر ـ يعني رسول معاوية إلى الحسن عليه السلام ـ إلى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والايمان المغلظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه به إلى عبد الله ابن عامر، فأوصله إلى الحسن(٤٤٨).
وذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق الله عليه من الوفاء بها، بما لفظه بحرفه: (وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك، عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه(٤٤٩).
وكان ذلك في النصف من جمادي الأولى سنة ٤١ ـ على أصح الروايات ـ لتكن صيغة المعاهدة بما اشتملت عليه من عناصر موضوعية لها أهميتها في الناحيتين الدينية والسياسية، شاهدا جديدا على ما وفق له واضع بنودها من سمو النظر في الناحيتين جميعا.
ومن الحق ان نعترف للحسن بن علي عليهما السلام ـ على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه ـ بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها، لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين وحكام المسلمين اللامعين... بما تضعه في هذه المعاهدة من خطوط، وبما تستقبل به خصومها من شروط. وانك لتلمح من بلاغة المعاهدة بموادها الخمس، أن واضعها لم يعالج موضوعه جزافا، ولم يتناوله تفاريق وأجزاء، وإنما وضع الفكرة وحدة متماسكة الأجزاء متناسقة الاتجاهات. وتوفر فيها على تحري أقرب المحتملات إلى التنفيذ عمليا، في سبيل الاحتياط لثبوت حقه الشرعي، وفي سبيل صيانة مقامه ومقام أخيه، وتيسير شؤون أسرته وحفزهم، واعتصم فيها بالأمان لشيعته وشيعة أبيه وإنعاش أيتامهم، ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ووفائهم مع أبيه، وليحتفظ بهم أمناء على مبدئه وأنصارا مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه، يوم يعود الحق إلى نصابه. وسلم فيها (الأمر) إلى معاوية مشروطا بالعمل على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسيرة الخلفاء الصالحين (انظر التعليقة رقم ٢) فقلص بذلك من نفوذ عدوه في (الأمر) بما عرضه ـ من وراء هذا الشرط ـ للمخالفات التي لا عد لها ولا حد لنقمتها،... فلم يهدف معاوية في صلحه مع الحسن عليه السلام، الا للاستيلاء على الملك، ولم يرض الحسن بتسليم الملك لمعاوية الا ليصون مبادئه من الانقراض، وليحفظ شيعته من الإبادة، وليتأكد السبيل إلى استرجاع الحق المغصوب يوم موته معاوية.
ومن سداد الرأي أن لا نفهم مغزى هذه المعاهدة الا على هذا الوجه. (انظر التعليقة رقم ٥).
المادة السابعة: ان لا يسميه بأمير المؤمنين وان لا يقيم عنده شهادة(٤٥٠): وجاء فيما يرويه الكليني رحمه الله: (ان الحسن اشترط على معاوية أن لا يسميه أمير المؤمنين) (انظر التعليقة رقم ٦).
وجاء فيما يرويه ابن بابويه رحمه الله(٤٥١)، ورووا غيره أيضا: (أن الحسن اشترط على معاوية أن لا يقيم عنده شهادة) (انظر التعليقة رقم ٧). ولا أكثر مما تضمنته هاتان الروايتان تحفظا عن الاعتراف بصحة خلافة معاوية فضلا عن البيعة له. ولم يكن ثمة الا تسليم الملك الذي عبرت عنه المعاهدة (بتسليم الأمر) وعبر عنه آخرون بتسليم الحكم.
اما قول الدينوري في (الإمامة والسياسة) أن الحسن بايع معاوية على الإمامة (انظر التعليقة رقم ٧)، فهو القول الذي يصطدم قبل كل شيء بقابليات معاوية التي عرفنا قريبا النسبة بينها وبين الخلافة وصلاحية البيعة على المسلمين، ويصطدم ثانيا بتصريحات الحسن في انكار خلافة معاوية. سواء في خطابيه الآنفين، أو في تحفظاته الواضحة في هاتين الروايتين.
(انتهت كلمات الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله التي نريد التعليق عليها وهي سبع موارد حملت أرقام التعليقات ١ ـ ٧) كما يلي:
تعليقاتنا على كلامه السابق رحمه الله من رقم ١ الى رقم ٨
التعليقة رقم ١:
أقول: فهم بعض المؤرخين والباحثين ان الحسن هو البادئ بالصلح وانه بعض إلى معاوية اني اسلمك الأمر بشروط وبعث له معاوية بصحيفة بيضاء مختومة. ولكن روايات أخرى وما تقتضيه طبيعة الأشياء هو ان معاوية كان المبادر بصلح يكرس الانشقاق إذ عرض على الحسن ان يبقى على بلده العراق الذي بايعه ويبقى هو على بلده الشام الذي بايعه وتوقف الحرب وتحقن الدماء ولكن الحسن فاجأه بان يتنازل عن ملك العراق له لقاء شروط والتفصيل في الهامش الرابع.
التعليقة رقم ٢:
أقول: المراد بسيرة الخلفاء الصالحين هم الثلاثة الأول ولا يترقب من الحسن عليه السلام ان يشترط على معاوية التزامها لان أباه عليا قد ترك الخلافة المشروطة بالعمل بسيرة الشيخين مضافا إلى ان نظام الحكم في العراق أيام علي والحسن كان قائما على الكتاب والسنة دون سيرة الشيخين.
التعليقة رقم ٣:
ان تسليم حكم العراق لمعاوية من قبل الحسن هو جزء من صيغة صلح تقدم بها الحسن لعلاج الانشقاق وإقامة حكم مدني يحفظ للجميع حقوقهم وطريقتهم في التعبد ردا على صيغة معاوية وكانت صيغته تكرس الانشقاق وصيغة الحسن تعالجه ويقدم الحسن على وضع الشروط بعد ان يوافق معاوية على اصل الأطروحة وقد وافق عليها وبعث بصحيفة بيضاء وقال له اكتب ما شئت التزمه. ومن ثم كانت شروط الحسن اولها: ان يعمل معاوية في رئاسة الدولة الجديدة بكتاب الله وسنة نبيه دون سيرة الشيخين لأنها رأي وليست من الكتاب والسنة، ثانيها أن يترك سب علي لأنه ليس من السنة بل السنة تامر بذلك علي بخير، وتجعل الساب له سابا لله ولرسوله، الخ الشروط...
التعليقة رقم ٤:
نحن نشك في اشتراط المال انظر الباب الرابع الفصل الثالث من هذا الكتاب صفحة ٥٦٥.
التعليقة رقم ٥:
أقول: هناك عدة قضايا ينبغي الانتباه إليها:
القضية الأولى: من البادئ بطلب الصلح هل الامام الحسن أم معاوية؟
والجواب هو ان طبيعة الأشياء وطريقة تفكير معاوية تقتضي ان يكون هو المبادر فانه حين بايعه أهل الشام على ما بويع عليه عثمان من الملك والإمامة الدينية وبذلك حقق لدى أهل الشام فكرة مفادها انه امتداد للخلفاء القرشيين الثلاثة وانه الخط الشرعي للنبي وهذا المكسب بنفسه يستلزم ان يحافظ عليه معاوية بان يكرر ما عرض على علي عليه السلام سابقا ان تكون له الشام وان يكون لعلي سائر البلاد ورفض علي آنذاك، فان استجاب الحسن لطلب معاوية فهو المطلوب وبذلك يتفرغ لمواجهة مشكلة الإرهاب الداخلي ومشكلة الخطر الرومي من الشمال الشرقي لحدوده، وان رفض الحسن فان ذلك سوف يزيد أهل الشام قناعة بصدق اعلامهم بان عليا وولده طلاب فتنة وما عليهم الا الدفاع عن انفسهم ومحاربتهم.
القضية الثانية: ان الحسن له صفتان الأول صفة الإمامة الدينية بالنص والوصية من النبي صلى الله عليه وآله وهذه الصفة تستلزم العصمة وليست موضوعا للتنازل مطلقا وهي فاعلة سواء كان الحسن حاكما أو لم يكن، الثانية صفة الحكومة وهذه لها أهلية ولها فعلية اما الأهلية فمن الله ورسوله بالتسمية، اما الفعلية قبيعة أهل الحل والعقد وقد بايع الحسن أهل العراق على ذلك وهذه الصفة قابلة لان يتنازل عنها الامام عليه السلام.
القضية الثالثة: لابد ان نسأل عن السبب الذي دفع الحسن لان يتنازل عن ملك العراق؟ هل هو ضعف الجيش الكوفي أو انحصار علاج الانشقاق المستعصي وما ينطوي عليه من مخاطر على الإسلام والمسلمين وفتح قلوب اهل الشام لمشروع علي عليه السلام بذلك؟
والجواب هو الثاني؛ كما مر بيانه مفصلا في الفصول السابقة. وصار الحسن عليه السلام فيه نظير المرأتين اللتين تنازعتا ولدا وأصرت كل واحدة انه ولدها فاعلن علي عليه السلام وقد اسند الحكم إليه انه سوف يقسمه إلى قسمين لكل واحدة منهن قسم فصاحت الأم الحقيقية انها تهب حصتها للأخرى ليعيش ولدها ولا يقتل، هكذا عالج الحسن الانشقاق بان وهب حصته التي اقرّ معاوية بانها له وصارت البلاد واحدة بشروط ضمن فيها الحسن عليه السلام أمان شيعته ومصلحته مع مصالح الآخرين المشروعة.
التعليقة رقم ٦:
أقول: شرط الحسن عليه السلام على معاوية ان لا يسميه أمير المؤمنين مبني على ان اسم أمير المؤمنين يشير إلى الإمامة الدينية وليس إلى الملك، والذي صالح عليه الحسن عليه السلام معاوية ليس هو الإمامة الدينية بل هو الحكم المدني الذي قيده الحسن بالكتاب والسنة وشروط أخرى فرضها الواقع العراقي، وتكون طاعته فيما إذا كان أمره بالكتاب والسنة وعدم مخالفته للشروط الأخرى في حقل ولايته التنفيذية وليس هذا معناه انه عادل في ذاته نظير القائد في الحرب الدفاعية يطاع أمره في الحرب باعتبار كفاءته وان لم يكن عدلا في شخصه.
التعليقة رقم ٧:
أقول: تفيد المادة ان الحسن عليه السلام فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وان راس الدولة الجديدة لا ينبغي له ان يقضي وإنما له الولاية التنفيذية في شؤون المجتمع في غير القضاء والتشريع.
التعليقة رقم ٨:
أقول: ان مصطلح الإمامة يراد به احد معنيين، الأول: الحكم والسلطة.

الثاني: يراد به من كنا قوله حجة في الدين لنصب الهي والشيعة يقصرونه على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت(٤٥٢)، اما عند غيرهم فهم يطلقونه على من كل قوله حجة في أي فن من الفنون فقالوا هذا امام في النحو وهذا امام في التاريخ وهذا امام في الفقه. وقول الدينوري يحمل على الأول.
يبقى هل ان الحسن بايع معاوية على الحكم؟
الجواب لم يكن موضوع الصلح عند معاوية حين تقدم به إلى الحسن هو ان يتنازل الحسن لمعاوية ويبايعه بل كان هو أن يبقى الحسن على بلده الذي بايعه وان يبقى معاوية على الشام، وكذلك الأمر في الصيغة التي تقدم بها الحسن لم يكن موضوعها ان يبايع الحسن معاوية، بل موضوع ان يتنازل الحسن عن ملك العراق لتأسيس حكم مدني مشروط بالكتاب والسنة وشروط أخرى تحفظ مصالح الجزء الكبير من الأمة الذي تنازل عن الملك وفي هذه الصيغة لم يتنازل الحسن عن الملك مطلقا بل اشترط ان يكون الملك له بعد موت معاوية. ان الحسن صالح معاوية على إقامة حكم مدني بشروط شخصت حاكمين وليس حاكما واحدا وهما من بايعه أهل العراق وأهل الشام، وقدم الحسن بيعة أهل الشام على أهل العراق من اجل إيجاد الحكم المدني الجديد وحل أزمة الانشقاق إذن سوف يكون الحسن بعد التنازل حاكما على الأمة كلها مع وقف التنفيذ لحين موت معاوية، فلا مجال لما رواه المؤرخون/ وهم ما بين مغرض أو راو لمن هو افقه) من افتراض ان يبايع الحسن معاوية على الحكم.
كلامه رحمه الله في دراسة الشروط والوفاء بها
قال رحمه الله تحت عنوان (الاجتماع في الكوفة): وكان طبيعيا أن يتفق الفريقان بعد توقيعهما الصلح، على مكان يلتقيان فيه على سلام، ليكون اجتماعهما في مكان واحد تطبيقا عمليا للصلح الذي يشهده التاريخ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده. واختارا الكوفة، فأقفلا إليها، وأقفل معهما سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكبرى، وهم ـ على الأكثر ـ أجناد الفريقين، تركوا معسكريهما وخفوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمه أو راغبة.
وخطب معاوية في الناس و(على رواية المدائني) قال: (يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون! ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين!!.. وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسندا، أنه ذكر في هذه الخطبة عليا فنال منه، ثم نال من الحسن!
وزاد أبو اسحق السبيعي فيما رواه من خطبة معاوية قوله: (الا وان كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!) (انظر التعليقة رقم ٩).
قال أبو اسحق: (وكان والله غدارا).
وتجهز الحسن ـ بعد ذلك ـ للشخوص إلى المدينة، فلما صار بدير هند (الحيرة) نظر إلى الكوفة وقال: 

وما عن قلى فارقت دار معاشري * * * هم المانعون حوزتي وذماري

قال الشيخ رحمه الله: وأي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن بوائقها ما لقيت، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر، فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض، الا وفاء الأوفياء (المانعين الحوزة والذمار) وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن، فكانوا إخوان الصدق وخيرة الأنصار، على قلتهم.
وصب الله على الكوفة بعد خروج آل محمد منها، الطاعون الجارف، فكان عقوبتها العاجلة على موقفها من هؤلاء البررة الميامين. وهرب منها واليها الأموي [المغيرة بن شعبة] خوف الطاعون، ثم عاد إليها فطعن به فمات (انظر التعليقة رقم ١٠).
وكان الحسن ـ كما نعلم ـ أعرف الناس بمعاوية وبحظه من الصدق والوفاء، وهو إذ يأخذ عليه الصيغ المغلظة في الإيمان والعهود، لا يقصد من ذلك إلى التأكد من صدقه أو وفائه، ولكن ليكشف للأغبياء قابليات الرجل في دينه وفي ذمامه وفي شرفه بالقول، وانها للمبادأة الأولى التي ابتدأ الحسن عليه السلام زحفه منها إلى ميدانه الثاني.
ومن هنا وضع أول حجر في البناء الجديد لقضية أهل البيت عليهم السلام. ثم مشى موكب الزمان، فإذا بالخطوات الموفقة تمشي وثيدا مع الزمان وإذا بطلائع النجاح كفيالق الجيش التي تتلاحق تباعا لتتعاون على الفتح. وان من الفتوح ما لا يعتمد في أداته على السلاح، ومنها ما يكون وسائله الأولية أشبه بالهزيمة، حتى ليخاله الناس تسليما محضا، ولكنه في منطق العقلاء، ظفر لامع وفتح مبين (انظر التعليقة رقم ١١).
وكان من أبرز الخطوات التي وفقت إليها خطة الحسن عليه السلام عن طريق الصلح، في سبيل التشهير بمعاوية حيا وميتا، والنكاية ببني أمية اطلاقا:
١ ـ أنها ألبت على معاوية في بداية عهده الاستقلالي عددا ضخما من الشخصيات البارزة في المملكة الإسلامية. فلعنه صراحة بعضهم، وخبثه آخر، وقرعه وجاها ثالث بل ثلاثة، وقاطعه رابع، وانكر عليه حتى مات غما من فعاله كبير خامس، وقال فيه أحدهم: (وكان والله غدارا). وقال الآخر: (اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا واحدة لكانت موبقة).
٢ ـ وخلقت له معارضة الطبقات التي شملتها بنود المعاهدة، سواء في الأمان المفروض فيها، أو في الحقوق المالية المنصوص عليها. فإذا بعالم عظيم من الناس أصبح ينظر إلى معاوية نظره إلى العدو الواتر في النفس والمال، بما نقضه من شروطهم، في نفوسهم وأموالهم.
٣ ـ وظن معاوية أنه سيجعل من نقضه معاهدة الحسن وضعا شكليا لبيعة ابنه يزيد، يتغلب به على عنعنات الإسلام المقررة بين المسلمين في أمر البيعة وصلاحية الخلافة. ولكنه لم يلبث أن اصطدم بالواقع، فإذا بهذه البيعة الجديدة، مثار النقمة الإسلامية العامة التي أصبحت تتحسس منذ ترشيح يزيد للخلافة بنوايا بني أمية من الإسلام.
٤ ـ ثم كانت البوائق الدامية التي جهر بها معاوية بعد نقض الصلح، في قتله خيار المسلمين ـ من صحابة وتابعين ـ بغير ذنب، عوامل أخرى للتشهير به، ولتحطيم معنوياته المزعومة، تمشيا مع الخطة المكينة، التي أراها الامام الحسن عليه السلام منذ قرر الاقدام على الصلح.
٥ ـ وقضية الحسين في كربلاء سنة (٦١) هجرية، كبرى قضايا الحسن فيما مهد له من الزحف على عدوهما المشترك، وعدو أبيهما من قبل. ولا ننسى أنه قال له يوم وفاته: (ولا يوم كيومك أبا عبد الله). وهذه الكلمة على اختزالها ـ المقصود ـ هي الرمز الوحيد الذي سمع من الحسن عليه السلام، فيما يشير به إلى الخطة المقنعة بالسر، التي اعتورها الغموض من ست جهاتها، منذ يوم الصلح إلى يوم صدور هذا الكتاب. وانك لتقرأ من هذه الكلمة لغة (القائد الأعلى) الذي يوزع القواد لوقائعهم، ويوزع الأيام لمناسباتها، ثم يميز أخاه ويوم أخيه فيقول: (ولا يوم كيومك..). وكان من طبيعة الحال ان تبعث المناسبات الزمنية حلقات الخطة كلا ليومها. وكان لابد لكل حلقة أن توقظ الأخرى، وأن تؤرث السابقة اللاحقة، وتوقد الأولى جذورة الثانية، وهكذا دواليك. وحسب الحسن لكل هذه الخطوات حسابها المناسب لها، منذ قاول معاوية على هذا الصلح المعلوم، ودرس ـ إلى ذلك ـ نفسيات خصومه بما كانت تشرئب له من النقمة عليه وعلى أخيه وعلى شيعته وعلى أهدافه جميعا. وكانت هذه المطالعات بنطاقها الواسع، الأساس الذي بنى عليه الحسن خطواته المستقبلية فيما مهده لنفسه ولعدوه معا. وكان من طبيعة الحال، أن تلقي هذه الخطوات قيادتها إلى الحسين فيما لو حيل بين الحسن وبين قيادتها بنفسه. وهذا هو ما أردناه في بداية هذا القول. وهكذا كانت نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري العظيم. (انظر التعليقة رقم ١٢).
وقال رحمه الله تعالى تحت عنوان (زعماء الشيعة المروعون): وذكر أولهم عبد الله بن هاشم المرقال: كان كبير قريش في البصرة، ورأس الشيعة فيها. وكان أبوه هاشم ـ المرقال ـ بن عتبة بن أبي وقاص، القائد الجريء المقدام الذي لقي منه معاوية إلى عامله زياد: (اما بعد، فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة، فشد يده على عنقه، ثم ابعث به إلي). فظرقه زياد في منزله ليلا، وحمله مقيدا مغلولا إلى دمشق. فأدخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: (هل تعرف هذا؟) قال: (هذا الذي يقول أبوه يوم صفين...) وقرأ رجزه وكان يحفظه ثم قال متمثلا:
وقد بنبت المرعى على دمن الثرى
وتبقى حزازات النفوس كما هيا
واستمر قائلا: (دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب، فأشخب أوداجه على أثباجه، ولا ترده إلى العراق، فإنه لا يصبر على النفاق، وهم أهل الغدر وشقاق وحزب إبليس ليوم هيجانه، وانه له هوى سيوديه، ورأيا سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة مثلها). وكان مثل هذا المحضر ومثل هذا التحامل على العراق وأهله هو شنشنة عمرو بن العاص المعروفة عنه، ولا نعرف أحدا وصف أهل العراق هذا الوصف العدو قبله.
أما ابن المرقال فلم يكن الرعديد الذي يغلق التهويل عليه قريحته، وهو الشبل الذي تنميه الأسود الضراغم فقال، وتوجه بكلامه إلى ابن الاص: (يا عمرو! ان اقتل، فرجل أسلمه قومه، وادرك يومه. أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال... فقال عمرو: (أما والله... لا أحسبك منفلتا من مخالب أمير المؤمنين). فقال معاوية: (أيها عنكما). وأمر بإطلاق عبد الله لنسيبه (انظر التعليقة رقم ١٣).
ثم ذكر صعصعة بن صوحان وهو سيد من سادات العرب، وعظيم من أقطاب الفضل والحسب. أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه لم يلقه لصغره، وأشكلت على عمر أيام خلافته قضية فخطب الناس وسألهم عما يقولون ـ فقام صعصعة، وهو غلام شاب، فأماط الحجاب، وأوضح منهاج الصواب ـ، وعملوا برأيه ـ، وكان من أصحاب الخطط في الكوفة، وشهد مع أمير المؤمنين (الجمل) و(صفين). قال في الإصابة (ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين، وقيل إلى جزيرة ابن كافان فمات بها) (انظر التعليقة رقم ١٤).
(انتهى كلامه رحمه الله وفيما يلي تعليقاتنا التي تحمل الارقام من ٧ ـ ١٣)
تعليقات على كلامه رحمه الله من رقم ٩ الى رقم ١٤
التعليقة رقم ٩:
أقول: نحن أمام ما ذكروه من قول معاوية عند دخوله الكوفة (ان شروط الحسن تحت قدميه) بين أمرين اما ان نقول بصحة صدور هذا القول من معاوية في الأسبوع الأول بعد الصلح ولكن النقض عمليا قد تم بعد عشر سنوات من الأمان. أو ان القول وتنفيذه قد صدر منه بعد عشر سنوات والذي نراه بعد الاغماض عن سندها هو الثاني وكان بعد قتل حجر وأصحابه لما سئل كيف قتلتهم وقد أعطيتهم الأمان قال كل شرط أعطيته للحسن فهو تحت قدمي، وقد بينا في الفصل الثاني كيف ان الكوفة عاشت مع بقية البلاد الإسلامية عشر سنوات آمنة عزيزة انطلق منها شيعة علي لنشر أخبار سيرته المشرقة، فلا يمكن طرح الروايات الكثيرة والشواهد العديدة التي تؤكد الأمان لرواية أو روايتين يمكن حملهما على ما بعد موت الحسن وليس قبله، على اننا لا نوافق قول القائل ان معاوية اكتفى بها ملكا بل حولها إلى خلافة إلهية، فلا يترقب منه ان يقول قاتلتكم لا تامر عليكم بيانا لحقده وهو يخطط لكي يرتقي بالحكم المدني المحدود الذي فرضه عليه الحسن إلى الخلافة الإلهية، بل لا نوافق ان يكون معاوية احمق إلى الدرجة التي يفتح فيها جبهة مع أهل العراق ومع الحسن في الوقت الذي كان بأمس الحاجة اليهم لمواجهة خطر الروم والخوارج، ان معاوية من الدهاء بمكانة عالية حين استطاع ان يدوس على جراحاته ويتحد من جديد مع طلحة مع علمه ان دم عثمان عنده من اجل ان يوحد قريشا ضد علي ودهاؤه هنا هو ان يستوعب أطروحة الحسن ويتقيد بها لخمس سنين أو عشر سنين ريثما يستقر له الملك ثم يتفرغ لمشروع علي يطوقه ويلاحق رجاله ثم يؤسس الخلافة الإلهية له ولأسرته بأحاديث كاذبة، وقد ناقشنا سند الرواية في الباب الرابع الفصل الثاني، انظر الصفحة رقم ٥١٧ من هذا الكتاب.
التعليقة رقم ١٠:
الكوفة بما هي كوفة صارت حاضرة تحمل مشروع علي عليه السلام منذ ان استنجد بها علي عليه السلام: وهو بذي قار/ على قريش حين احتلت البصرة، وأجابه منها ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل. ثم انجدته في صفين إذ خرجت معه تقاتل معاوية، وانجدته بقتال ابناءها وآباءها في النهروان ووفت له حين بايعت/ ولم تتردد/ ولده الحسن عليه السلام على كتاب الله وسنة نبيه بصفته إمام الهدى، ثم ساندت الحسن في مشروع الصلح حين رضيت ان يسلم أمرها: وهي مقر أهل الحل والعقد/ إلى معاوية وعياً منهم وثقةً بقائدهم ان ذلك في صالح الرسالة وفي صالح مشروع علي مع حفظ وحدة الأمة.
التعليقة رقم ١١:
أقول: ليس الفتح المبين هو ان يعلن معاوية غدره بشروط الحسن في أول يوم بل هو ان يعلن قبول معاوية الملك بشروط الحسن وهي في وجهها الآخر تعني الفتح المبين لمشروع علي في الشام. لان معاوية كان قد بايعه أهل الشام على ما بويع عليه عثمان من العمل بسيرة الشيخين ولعن علي وقتال شيعته الذين قتلوا عثمان كخط تلتزمه الدولة في اعلامها وسياستها وهو الآن يترحم على علي، ويترك شيعته امنين يذكرون فضائله حتى في الشام وهم يزعمه قتلى عثمان ويترك الناس احرارا بلحاظ سيرة الشيخين في الحج وفي غيره يعمل كل شيخ باختياره.
التعليقة رقم ١٢:
أقول: هذه كلها تصدق على معاوية بعد عشر سنوات الصلح أي بعد وفاة الحسن واعلانه الغدر المبين.
اما قول الشيخ رحمه الله (ان نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري العظيم) فهي كلمة صائبة تعبر عن الارتباط بين حدث الغدر المبين الذي شكل طوقا جديدا على مشروع علي عليه السلام ونهضة الحسين المخطط لها ان تكسره وتفتح الطريق إلى الإمامة الهادية من جديد.
التعليقة رقم ١٣:
أقول: ولي زياد البصرة سنة ٤٤ هجرية. فالقصة إذن قد وقعت في ضوء هذه الرواية سنة ٤٤ هـ وكان عمرو بن العاص في زيارة للشام. ولكن الصحيح ان القصة وقعت أثناء حرب صفين وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق انه جئ به أسيرا في صفين كما يبين ذلك شعره الذي رواه الرواة في القصة ثم سجنه معاوية ثم اطلق سراحه أيام التحكيم.
قال ابن عساكر: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن خسرو، أنا أبو غالب محمّد بن الحسن بن أحمد، أنا أبو علي بن شاذان، أنا أبو الحسين أحمد بن إسحاق بن نيخاب، نا إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي، نا يحيى بن سليمان، حدّثني نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد، عن رجل، عن أبي سلمة قال: لما قتل هاشم بن عتبة وثب ابنه عبد الله بن هاشم فأخذ الراية، فقاتل مليا، ثم أسر، فأتي به معاوية وعنده عمرو بن العاص فقيل: هذا المختال بن المرقال قال: فقال له ابن هاشم: ما أنا بأول رجل خذله قومه، وأدركه يومه، فقال له معاوية:
تلك أضغان صفين، وما جنى عليك أبوك، فقال عمرو: أيها الأمير، ادفعه إليّ فأشخب أوداجه على أثباجه، فقال له ابن هاشم: ألا كان هذا يا ابن العاص، حيث أدعوك إلى النّزال، وقد ابتلت أقدام الرجال، وتضايقت بك المسالك، وأشرفت على المهالك،... فأعجب معاوية ما سمع من كلامه، فأمر به إلى الحبس، وأنشأ يقول عمرو بن العاص أبياتا وبعث بها إلى معاوية:

أمر تلك أمرا حازما فعصيني * * * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وكان أبوه يا معاوية الذي * * * رماك على جد بحز الغلاصم
فقتلنا حتى جرت من دمائنا * * * بصفّين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يشبهه ابنه * * * ويوشك أن تقرع به سنّ نادم

فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في الحبس، فقال أبياتا وبعث بها إلى معاوية فقال:

معاوي إنّ المرء عمرا أبت له * * * ضغينة صدر غشّها غير نائم
يرى لك قتلي يا ابن هند وإنّما * * * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم * * * إذا كان فيه منعة للمسالم
وقد كان منا يوم صفّين نقرة * * * عليك جناها هاشم وابن هاشم
هي الوقعة العظمى التي تعرفونها * * * وما مضى إلّا كأحلام نائم
مضى من قضاء الله فيها الذي مضى * * * وما مضى إلّا كأضغاث حالم
فإن تعف عنّي تعف عن ذي قرابة * * * وإن تر قتلي تستحل محارمي

قال: فعفا عنه معاوية، وكسّاه، وخلّى سبيله وأحسن إليه(٤٥٣).
التعليقة رقم ١٤:
أقول: ولكن القاضي المغربي روى عن تميم بن مالك القرشي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى زياد: أن ابعث لي خطباء أهل العراق: وابعث إلي صعصعة بن صوحان. ففعل. فلما قدموا على معاوية خطبهم. فقال: (مرحبا بكم يا أهل العراق) قدمتم على إمامكم، وهو جنة لكم يعطيكم مسألتكم، ولا يعظم في عينه كبيرا، ولا يحقر لكم صغيرا، وقدمتم على أرض المحشر والمنشر والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء. ثم قال في خطبته: ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا أكياسا. ولما فرغ من خطبته: قال لصعصعة: قم واخطب يا صعصعة. فقام صعصعة: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: إن معاوية ذكر إنا قدمنا على إمامنا وهو جنة لنا فما يكون حالنا إذا انخرقت الجنة، وذكر إنا قدمنا على أرض المحشر والمنشر والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء. فالمحشر والمنشر لا يضر بعدهما مؤمنا ولا ينفع قربهما كافرا. والأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس العباس أعمالهم. ولقد وطأها من الفراعنة أكثر مما وطأها من الأنبياء. وذكر إن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لكانوا أكياسا، فقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان آدم (صلوات الله عليه) فولد الكيس والأحمق (والجاهل والعالم). ـ فغضب معاوية ـ وقال: اسكت لا أم لك ولا أب ولا أرض. فقال صعصعة: الأب والأم ولداني ومن الأرض خرجت واليها أعود. فأمر برده إلى زياد، ثم كتب إليه: أقمه للناس وأمره أن يلعن عليا عليه السلام، فإن لم يفعل، فاقتله. فأخبره زياد بما أمره بن فيه وأقامه للناس. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال:، أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله، ونزل. فقال زياد لصعصعة: لا أراك لعنت إلا أمير المؤمنين. قال: إن تركتها مبهمة وإلا بينتها. قال (زياد): لتلعن عليا، وإلا أسب عليا عليه السام وقد (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله)، وما كنت بالذي أسب الله ورسوله. فكتب زياد بخبره إلى معاوية، فأمره بقطع عدائه وهدم داره. ففعل. بعض الشيعة إلى بعضهم، فجمعوا له سبعين ألفا(٤٥٤).
أقول: اما بقية الأسماء التي ذكرها الشيخ رحمه الله كحجر بن عدي وأصحابه فانه من الثابت تاريخيا ترويعهم وقتله كان بعد وفاة الحسن.
ويتضح من ذلك ان السنوات العشر الأولى زمن الحسن كانت سنوات أمان، وان الغدر بدأ به معاوية بعد وفاة الحسن وقد بدأ غدره بالحسن عليه السلام حين دس له السم واتضح أمره فيه كما بينا أدلته.
الباب الثاني/ الفصل السادس: مسار الإمامة الإلهية لأربعين سنة
مرت قضية الإمامة الهادية للامة ومصادر الثقافة والتشريع بعد النبي خلال الأربعين سنة منذ حجة الوداع وحتى وفاة الحسن سنة ٥٠ هـ بأربعة مراحل وهي:
المرحلة الأولى: على عهد النبي صلى الله عليه وآله
١. دعا القرآن بوضوح إلى اتخاذ (القرآن وسنة النبي) مصدرا للتشريع والتثقيف وشجب (كتب الأنبياء السابقين) ان تكون مصدرا للتثقيف بسبب ما نالها من تحريف معتمد من قبل كتبتها افقدها قدرتها على استيعاب نمو الإنسان وتفتحه العقلي.
قال تعالى:
(قل أيّ شيء أكبر شهادةً قل الله شهيد بيني وبينكم، وأوحي إليّ هذا القرآن لأُنذركم به ومن بلغ) الأنعام/ ١٩.
(إنّ علينا جمعه وقرآنه (١٧) فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه (١٨) ثمّ إنّ علينا بيانه (١٩)) القيامة/ ١٧ ـ ١٩
(وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون) النحل/ ٤٤.
(ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إنّي معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأُكفّرنّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٦)) المائدة/ ١٢ ـ ١٦.
٢. وحث القرآن المؤمنين له على تبليغ الكتاب والسنة وعدم كتمانها.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)) البقرة/ ١٥٩ ـ ١٦٠
وحث النبي امته على نشر حديثه (نضَّرَ(٤٥٥) الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)(٤٥٦).
٣. اثبت القرآن وجود شهداء من آل إبراهيم بعد النبي أورثهم السنة النبوية ووثائقها عرضهم أئمة هدى على الناس وكلفهم حفظ الرسالة وجعلهم مطهرين معصومين وجعلهم مع النبي تحت عنوان واحد وهو (أهل البيت) ولم يسمِّهم القرآن وسمّاهم النبي.
كما ورد عن أبي سعيد الخدري وأم سلمة وواثلة بن الاسقع وغيرهم: قالوا نزلت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) الأحزاب/ ٣٣ في خمسة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين(٤٥٧).
واثبت القرآن ان موقع (الشهيد على الناس) الذي جعله الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله ابتداء (يا أيها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً) الأحزاب/ ٤٥ مستمر في الأمة بعد النبي في أهل بيته قال تعالى (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)(٤٥٨) هود/ ١٧.
وهؤلاء الشهداء بعد النبي من ذرية إبراهيم كما في قوله تعالى: (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الحج/ ٧٨.
وهؤلاء هم آل إبراهيم المشار اليهم في قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)) النساء/ ٥٤ ـ ٥٥
وآل إبراهيم هنا هم البقية الباقية من عترته المشار إليها في قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)) البقرة/ ١٢٧ ـ ١٢٩.
وآل إبراهيم هؤلاء قد أورثهم النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى الكتاب وبيانه وراثة خاصة قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)) فاطر/ ٣٢ فالوارث للكتاب هو السابق بالخيرات. اما المقتصد فهو المتعلم منهم، اما الظالم لنفسه فهو التارك لهم الصادّ عنهم. وهذه الوارثة نظير وراثة آل هارون تراث موسى المشار إليه في قوله تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) البقرة/ ٢٤٨.
وقد كلف الله تعالى هؤلاء الوارثين السابقين بالخيرات بإذن الله ان يحفظوا الرسالة بعد النبي وعرضهم على الناس أئمة هدى وفرض الاقتداء بهم (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)) الأنعام(٤٥٩).
وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله مفاهيم هذه الآيات بقوله: (اني تارك فيكم أمرين (وفي رواية ثقلين)(٤٦٠) لن تضلوا إن اتبعتموهما (وفي رواية ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا): كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. ثم قال صلى الله عليه وآله: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وآله: من كنتم مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)(٤٦١). وقوله صلى الله عليه وآله: (يا علي انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي من بعدي)(٤٦٢). وقوله صلى الله عليه وآله: (يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش).
روى النسائي واحمد عن علي عليه السلام أنه قال: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله مُدخلان مُدخل بالليل ومُدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي(٤٦٣) وفي رواية أخرى قال: كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وآله منزلة لم تكن لأحد من الخلائق اني كنت آتيه كلَّ سَحَر فأُسلِّم عليه حتى يتنحنح(٤٦٤). فان تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه.
وروى الصفار عن علي عليه السلام انه قال: ما دخل رأسي يوما... حتى علمت من رسول الله صلى الله عليه وآله ما نزل به جبرائيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنة أو أمر أو نهي فيما نزل فيه وفي من نزل... قال الراوي: وإذا غاب عنه كان يتحفظ على رسول الله الأيام التي غاب فيها فإذا التقيا قال له رسول الله: يا علي نزل عليَّ في يوم كذا كذا وكذا وفي يوم كذا وكذا حتى يعدهما عليه إلى آخر اليوم الذي وافى فيه(٤٦٥).
وروى الصفار أيضاً عن علي عليه السلام انه قال: فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار.. إلا أقرأنيها وأملاها علي وكتبتها بيدي وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها وكيف نزلت وأين نزلت وفي من أنزلت إلى يوم القيامة(٤٦٦).
وفي رواية الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله لعلي: اكتب ما أُملي عليك، قال: يا نبي الله أتخاف عليَّ النسيان؟ قال: لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله أن يحفِّظك ولا يُنسِيَك ولكن اكتب لشركائك، قال: قلت ومن شركائي يا نبي الله؟ قال: الأئمة من ولدك...(٤٦٧)
قال تعالى: (أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهدٌ منه) هود/ ١٧.
روى ابن عساكر بسنده عن ضُمرة عن عطاء عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: رسول الله علي على بينة من ربه، وأنا الشاهد منه(٤٦٨).
وروى الحسكاني بسنده عن علي بن أبي المغيرة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب قال: رسول الله على بينة من ربه، وأنا الشاهد منه أتلوه وأتبعه(٤٦٩).
وروى أحمد والطبراني وابن ماجة وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: علي مني وأنا منه ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي(٤٧٠).
ومراده صلى الله عليه وآله من ذلك هو التبليغ المساوق لتبليغ النبي عن ربه من حيث عدم احتمال الشك فيه انه صلى الله عليه وآله نسي أو اشتبه في قليل أو كثير مما يبلغه. وقد جاء هذا الاختصاص واضحا صريحا في قصة تبليغ براءة لما بعث النبي بها أبا بكر ليبلغها إلى المشركين في موسم الحج ثم نزل جبرئيل أن يبعث علياً ويأخذها منه لأنه للا يبلِّغ عنه إلا هو أو رجل منه(٤٧١).
المرحلة الثانية: قريش المسلمة تمارس الإمامة الدينية بعد النبي صلى الله عليه وآله بدلا من أهل البيت عليهم السلام
١. الخلافة القرشية تفسح المجال لنشر ثقافة أهل الكتاب:
على الرغم من ان الخليفة عمر كان صاحب تجربة مباشرة مع النبي صلى الله عليه وآله في شهود موقف الإلغاء هذا رأيناه يفسح المجال لمسلمة أهل الكتاب لنشر أساطيرهم.
روى أحمد بن حنبل بسنده عن الشعبي، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقال يا رسول الله: إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب (وفي رواية عمر نسخ صحيفة من التوراة) (وفي رواية قال: يا رسول الله: إني مررت بأخ لي من يهود من قريضة فكتب لي جوامع من التوراة قال: أفلا أعرضها عليك؟): فغضب وقال: أمتهوكون(٤٧٢) فيها يابن الخطاب: فوالذي نفسي بيده! لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء...(٤٧٣) فانهم لن يهدوكم وقد ضلوا(٤٧٤).
ومن مسلمة أهل الكتاب تميم الداري(٤٧٥) الذي سمح له عمر ان يقص في المسجد النبوي ساعة قبل خطبة الجمعة. وقد انتشرت بواسطته أسطورة الجساسة.
ومنهم كعب بن ماتع الحميري (ت سنة ٣٤ هجـ) أحد كبار علماء اليهود الذي لم يدخل في الإسلام زمن النبي على الرغم من ان همدان كلها قد أسلمت على يد علي ودخل في الإسلام زمن عمر وكان آنذاك قد ناهز الثمانين، وكأن الخليفة قد وجد بغيته فيه فقربه إليه واعتمده في تفسير آيات المبدأ والمعاد وقصص الأنبياء لتملأ الفراغ الثقافي الذي أوجدته سياسة منع نشر الحديث النبوي ومنع السؤال عن تفسير القرآن، وارتفعت منزلته لديه حيث كان يطلب عمر منه ان يعظه ويخوّفه.
وعلى أثر اعتماد الخليفة عليه ركن الآخرون إلى كعب كما يظهر ذلك مما رواه السيوطي(٤٧٦) قال: أخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط... بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها وعندها كعب رضي الله عنه فذكر إسرافيل عليه السلام فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل عليه السلام؟... قال: له أربعة أجنحة جناحان في الهواءِ وجناح قد تسربل بهِ وجناح على كاهلهِ والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلمِ ثم درست الملائكةِ وملك كالصور جاث على إحدى ركبتيهِ وقد نصب الأخرىِ فالتقم الصورِ محنى ظهره وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور(٤٧٧).
أقول: ومما بثه كعب بين المسلمين قصة داود مع أوريا وهي كما جاءت في التوراة: (قام داود عن سريره وتمشّى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم. وكانت المرأة جميلة المنظر جدا. فارسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟ فارسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود وقالت: اني حبلى. فارسل داود إلى يوآب يقول: أرسل إلى أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود فأتى أوريا إليه، فسأل داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك واغسل رجليك، فخرج أوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك، ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته: فاخبروا داود قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته.
فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر، فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر. فقال داود لأوريا: أقم هنا اليوم أيضاً وغدا أطلقك. فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داد أمامه وشرب واسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده. وإلى بيته لم ينزل.
وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديد وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في حاصرة يوآب المدينة انه جعل أوريا في الموضع الذي علم ان رجال البأس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات أوريا الحثي أيضاً.. فلما سمعت امرأة أوريا انه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها. ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا(٤٧٨).
قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن كعب قال: سجد داود نبي الله أربعين يما وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى قرأ دمعه ويبس... وإذا جبريل عليه السلام قائم على رأسهِ قال: يا داود إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب كيف تغفر لي وأنت الحكم العدل؟ قال " إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا ثم استوهبك منه فيهبك لي وأثيبه الجنة... فذهب يرفع رأسه فإذا هو يابس لا يستطيع فمسحه جبريل عليه السلام ببعض ريشه فانبسط فأوحى الله تعالى إليه بعد ذلك: يا داود قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها فولدت له سليمان(٤٧٩).
قال السيوطي: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن كعب رضي الله عنه أنه قال لابي هريرة ألا أخبرك عن اسحق قال بلى قال رأى إبراهيم أن يذبح اسحق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل الشيطان رجلا يعرفونه فاقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة، فقال أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق قالت لبعض حاجته قال له والله قالت فلم غدا قال ليذبحه قالت لم يكن ليذبح ابنه قال بلى والله قالت سارة فلم يذبحه؟ قال زعم ان ربه أمره بذلك قالت قد أحسن أن يطيع ربه ان كان أمره بذلك فخرج الشيطان فأدرك اسحق وهو يمشي على أثر أبيه قال أين أصبح أبوك غاديا قال لبعض حاجته قال لا والله بل غدا بك ليذبحك قال ما كان أبي ليذبحني، قال بلى قال لم قال زعم ان الله أمره بذلك قال اسحق فوالله لئن أمره ليطيعنه فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال أين أصبحت غاديا بابنك قال لبعض حاجتي، قال لا والله ما غدوت به الا لتذبحه قال ولم أذبحه قال زعمت ان الله أمرك بذلك فقال والله لئن كان الله أمرني، لأفعلن قال فتركه ويئس أن يطاع فلما أخذ إبراهيم اسحق ليذبحه وسلم اسحق عافاه الله وفداه بذبح عظيم..(٤٨٠)
أخذ صحابة أمثال أبي هريرة عن كعب وتشجع صحابة آخرون أمثال عبد الله بن عمرو بن العاص لنشر أساطير أهل الكتاب في المجتمع الإسلامي.
روى أحمد بن حنبل(٤٨١) قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله. وفي رواية النسائي (ص ٢٤٦) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أتيت الطور فوجدت ثم كعبا فمكثت أنا وهو يوما أحدثه عن رسول الله ويحدثني عن التوراة وفي المستدرك (١/ ٤١٤) فحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث عن التوراة فما اختلفا حتى مررت بيوم الجمعة قال قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم جمعة ساعة لا يوافقها مؤمن وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال كعب تلك في كل سنة فقلت ما كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع فتلا ثم قال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جمعة. وروى البيهقي في سننه بسنده عن أبي هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة فقلت له قال كعب ذلك في كل سنة يوم فقال عبد الله كذب كعب فقلت نعم. ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي قال أبو هريرة فقلت له فأخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة وكيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك ساعة لا يصلي فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس في مجلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة قلت بلى قال هو ذلك(٤٨٢).
روى ابن عساكر والذهبي وابن كثير عن بكير بن الاشج. قال: قال أنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس ـ أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز هذا من هذا(٤٨٣).
أما عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كانت معه راية أبيه يوم اليرموك سنة ١٤ هـ وأصاب حمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحث منها. قال ابن حجر: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين(٤٨٤).
وروى أحمد في مسنده قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم سمعت سيفا يحدث عن رشيد الهجري عن أبيه ان رجلا قال لعبد الله بن عمرو حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده(٤٨٥).
وقال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو الجواب ثنا عمار بن رزيق عن الأعمش عن أبي سعيد قال أتيت عبد الله بن عمرو فقلت حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ولا تحدثني عن التوراة والإنجيل فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه(٤٨٦).
٢. الخلافة القرشية تنهى عن نشر حديث النبي صلى الله عليه وآله:
اما مسألة النهي فتوضحه الأخبار الآتية:
روى الذهبي ان أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه)(٤٨٧).
وروى أيضا عن قرظة بن كعب انه قال: لما سيَّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا نعم تكرمة لنا، قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القران واقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، قال قرظة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله)(٤٨٨).
وكان في الصحابة مثل قرظة بن كعب ممن تابعوا سنة الخلفاء وامتنعوا عن نشر سنة الرسول نظير عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص.
فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه(٤٨٩). عن الشعبي قال: جالست ابن عمر سنة فما سمعته يذكر حديثا عن رسول الله، وفي رواية أخرى عنه، قال قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا الا هذا الحديث.
وروي عن السائب بن يزيد، قال: خرجت مع سعد ـ ابن أبي وقاص ـ إلى مكة فما سمعت يحدث حديثا عن رسول الله حتى رجعنا إلى المدينة. وكان في الصحابة من خالف سنة الخلفاء في نهبهم عن نشر الحديث النبوي وأصر على رواية سنة الرسول وتحمل في سبيل ذلك الإرهاق والأذى.
وروى الذهبي: ان عمر بن الخطاب حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله(٤٩٠).
وروى الدارمي: ان أبا ذر كان جالسا عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: الم تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه، فقال أرقيب انت عليَّ؟ لو وضعتم الصَّمامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت اني انفذ كلمة سمعتها من رسول الله قبل ان تجيزوا عليَّ لأنفدتها(٤٩١).
اما مسألة إحراق مدونات الصحابة في الحديث فتوضحه الاخبار التالية:
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عائشة أنَّ أبا بكر جمع خمسمائة من حديث النبي ودعا بنار فاحرقها(٤٩٢).
وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى القاسم بن محمد ان عمر بن الخطاب بلغه انه قد ظهر في ايدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وقال: ايها الناس انه قد بلغني انه قد ظهرت في ايديكم كتب فاحبها إلى الله اعدلها واقومها فلا يبقين احد عنده كتابا الا أاني به فأرى فيه رأيي، قال فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بكتبهم فاحرقها بالنار، ثم قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب(٤٩٣).
وروى ابن سعد: قال عبد الله بن العلاء: سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث، فقال: ان الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فانشد الناس ان يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال فمنعني القاسم يومئذ ان اكتب حديثا(٤٩٤).
وروى الخطيب البغدادي: عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة: ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده منها شيء فليمحه(٤٩٥).
وروى أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبي، فاستأذنا على عبد الله (بن مسعود) فدخلنا عليه، قال فدفعنا إليه الصحيفة، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها أحاديث حِسانا، قال فجعل يميثها فيها ويقول: القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه). (وماث يميت مَيْثاً اذاب الملح في الماء). وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (جاء رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة، فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه، فقال: يا أبا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء، فاخذ الصحيفة فجعل يقرأ فيها وينظر حتى أتى منزله فقال يا جارية أتيني بالإجّانة مملوءة ماء، فجاءت بها فجعل يدلكها ويقول: اقصصا احسن من قصص الله تريدون أو حديثا احسن من حديث الله تريدون(٤٩٦).
٣. قريش المسلمة والإمامة الدينية:
اما عرض الخليفة القرشي نفسه إماما في الدين بدلا من أهل البيت فتوضحه الروايات الآتية:
في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرهم عن أبي موسى الاشعري قال: كنت أفتي الناس بذلك (أي بالحل بعد إتمام أعمال متعة الحج) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في شان النُّسُك فقلت: أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه ائتموا(٤٩٧).. ثم ذكر أمره بفصل الحج عن العمرة(٤٩٨).
وفي حلية الأولياء: ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في اشهر الحج وقال: فعلتها مع رسول الله وأنا أنهى عنها. وذلك ان أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا في اشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله ان كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهَلَّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما، والحج افضل من العمرة، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهم تحت الأراكن مع ان أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع، وإنما ربيعهم بمن يطرأ عليهم(٤٩٩).
وفي رواية مسلم: فقال عمر: قد علمت ان النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يضلوا معرَّسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم(٥٠٠).
وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم(٥٠١) عن القاضي عياض ان عمر كان يضرب على متعة الحج.
اما إضافة سيرة الشيخين إلى مصادر التشريع فتوضحه روايات قصة الشورى وبيعة عثمان وقد مرت ونذكر خلاصتها:
قال عبد الرحمن بن عوف لعلي بن أبيط الب: عليك عهد الله وميثاقه، إن بايعتك لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة أبي بكر وعمر!(٥٠٢)
فقال علي عليه السلام: ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرَى احد)(٥٠٣).
فأقبل على عثمان، فقال له مثل ذلك، فقال: نعم لا أزول عنه ولا أدع شيئا منه. فقال: ابسط يدك يا عثمان، فبسط يده فبايعه.
أقول: وكان ابرز تشريعات الإمامة القرشية هي قضية النهي عن حج التمتع وكان عثمان حريصا على السير على هدي الخليفتين فيها وفي غيرها.
قال ابن حزم(٥٠٤): ان عثمان سمع رجلا يُهِلُّ بعمرة وحج، فقال: عليَّ بالمُهِل، فضربه وحلقه.
أي أراد المُهل ان يحج حج التمتع.
وقوله: ضربه وحلقه. أي ضربه تأديبا وحلقه تشهيرا.
المرحلة الثالثة: الإمامة الهادية على عهد علي عليه السلام
١. إحياء العمل بالكتاب والسنة وشجب الروايات الإسرائيلية:
روى مالك في الموطأ: ان المقداد بن الأسود دخل على علي عليه السلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا. فقال هذا عثمان بن عفان ينهى عن ان يقرن بين الحج والعمر، فخرج علي عليه السلام على يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط، على ذراعيه، حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة، فقال: عثمان ذلك رأيي، فخرج عليٌّ عليه السلام مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا(٥٠٥).
وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للأول عن سعيد بن المسيب قال: حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيتموه قد ارتحل فلبى علي وأصحابه بالعمرة...(٥٠٦)
قال الإمام السندي بهامشه: قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله، وانه لا طاعة له في مقابل السنة(٥٠٧).
وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسين عليهما السلام عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا عليه السلام وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وآله لقول أحد(٥٠٨).
وفي لفظ النسائي: فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لأدع سنة رسول الله لأحد من الناس.
كان هذا في بدء مشروعه الإحيائي سنة ٢٨ هـ اتسع أمر الإحياء لكل السنن غير انه لم يرغم أحدا على ذلك وإنما اكتفى برفع الحظر الذي فرضته الخلافة القرشية على العمل بالسنن، وبقي بعض النسا يعمل بما سنته الخلافة على الرغم من مخالفته للسنة.
٢. الحث على نشر السنة النبوية وتدوينها:
كان علي يحث على نشر السنة النبوية وتدوينها سواء فيما يتعلق بفضائله وفضائل أهل بيته أو في الأحكام.
روى احمد بن حنبل حدثني عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يونس بن ارقم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس: انشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم (من كنت مولاه فعلي مولاه) لما قام فشهد؟ قال عبد الرحمان: فقام اثنا عشر بدرياً كأني انظر إلى احدهم فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم (الست أولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجي أمهاتهم) فقلنا بلى يا رسول الله قال: (فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)(٥٠٩).
وفي رواية أخرى بسنده عن سماك العبسي قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني انه شهد عليا في الرحبة قال: انشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهده يوم غدير خم الا قام ولا يقوم الا من قد رآه؟ فقام اثنا عشر رجلا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) فقام الا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته(٥١٠).
وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة تـ ١٠٠ ه(٥١١) قال:
(جمع علي عليه السلام الناس في الرحبة ثم قال لهم: انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس.
قال أبو واثلة: فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت عليا عليه السلام يقول كذا وكذا.
قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له)(٥١٢).
وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر(٥١٣).
ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده علي عليه السلام لم يكن يتضمن ذكر علي عليه السلام فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته.
وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:
(خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهينا إلى غدير خم نزل رسول الله بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجرات ثم راح رسول الله صلى الله عليه وآله عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه... ثم قال:
أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(٥١٤) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه...)(٥١٥).
وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي (وان اللطيف الخبير نَبَّأَني انهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما ربي، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم)(٥١٦).
٣. إحياء إمامة أهل البيت عليهم السلام ونفي إمامة غيرهم من قريش:
قال علي عليه السلام: (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، أن رَفَعَنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى، ويُستجلى العَمى.
انَّ الأئمةَ من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم)(٥١٧).
وقال عليه السلام في ذكر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله: (هم موضعُ سرَّه، ولجأُ أمره، وعيبةُ علمه، وموثلُ حكمه، وكهوفُ كتبه، وجبالُ دينه، بهم أقام انحناء ظهره، واذهب ارتعادَ فرائصه.
لا يقاسُ بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا.
هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي.
ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة)(٥١٨).
أقول: والكتب التي ذكرها عليه السلام في هذا الكلام هي ما كتبه بيده عن النبي صلى الله عليه وآله في لقاءاتهما الخاصة التي يعرفها المسلمون جميعا.
وقال صلى الله عليه وآله: (ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم)(٥١٩).
وقال صلى الله عليه وآله: (انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم من ردى، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا)(٥٢٠).
وقال صلى الله عليه وآله: (فأين تذهبون! وأنى تؤفكون! والاعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم! وهم أزمة الحق، وأعلام الدين، والسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيها الناس، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه! إنه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجة لكم عليه ـ وهو أنا(٥٢١).
قال ابن ابي الحديد: تؤفكون: تقلبون وتصرفون. الاعلام: المعجزات هاهنا، جمع علم، وأصله الجبل أو الراية والمنارة، تنصب في الفلاة ليهتدي بها.
وقوله صلى الله عليه وآله: (فأين يتاه بكم!) أي أين يذهب بكم في التيه! وتعمهون: تتحيرون وتضلون.
وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله: أهله الأدنون ونسله، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله عترته من هي، لما قال صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم الثقلين)، فقال صلى الله عليه وآله: (عترتي أهل بيتي)، وبين في مقام آخر من أهل بيته حيث طرح عليهم كساء. وقال صلى الله عليه وآله حين نزلت: (إنما يريد الله ليذهب): (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم). فإن قلت: فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الكلام؟ قلت: نفسه وولداه.
وقوله صلى الله عليه وآله: (وهم أزمة الحق): جمع زمام، كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا وذاهبا معهم حيثما ذهبوا، كما أن الناقة طوع زمامها، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وآله على صدق هذه القضية بقوله: (وأدر الحق معه (أي مع علي) حيث دار).
وقوله صلى الله عليه وآله: (وألسنة الصدق) من الألفاظ الشريفة القرآنية، قال الله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) لما كان يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق، والصواب جعلهم كأنهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب أصلا، بل هي كالمطبوعة على الصدق.
وقوله صلى الله عليه وآله: (فأنزلوهم منازل القرآن) أمر المكلفين بأن يجروا العترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها، والطاعة لأوامرها مجرى القرآن. فإن قلت: فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة، فما قول أصحابكم في ذلك؟ قلت: نص أبو محمد بن متّويه رحمه الله تعالى في كتاب الكفاية على أن عليا عليه السلام معصوم، وإن لم يكن واجب العصمة، ولا العصمة شرط في الإمامة، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته، والقطع على باطنه ومغيبه، وأن ذلك أمر اختص هو به دون غيره من الصحابة، والفرق ظاهر بين قولنا: (زيد معصوم)، وبين قولنا: (زيد واجب العصمة)، لأنه إمام، ومن شرط الامام أن يكون معصوما، فالاعتبار الأول مذهبنا، والاعتبار الثاني مذهب الإمامية.
ثم قوله صلى الله عليه وآله: (وردوهم ورد الهيم العطاش)، أي كونوا ذوي حرص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم، كحرص الهيم الظماء على ورود الماء)(٥٢٢).
ثم قوله صلى الله عليه وآله: (انه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلى منا وليس ببال فلا تقولوا بما لا تعرفون فان أكثر الحق فيما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه وانا هو الم اعمل فيكم بالثقل الأكبر واترك فيكم الثقل الأصغر وركزت فيكم راية الايمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلي وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي وأريتكم كرائم الاخلاق من نفسي فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ولا يتغلغل اليه الفكر).
أقول: أي أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام تبقى هدايتهم في قولهم وفعلهم بعد موتهم فاعلة مؤثرة كما هي في حياته.
وقال صلى الله عليه وآله: ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم(٥٢٣)...
اما كلماته في قريش المسلمة التي ظلمته فمنها:
(اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغرّوا عظيم منزلتي، واكفأوا إنائي، واجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه، وفي الحق ان تُمنعه، فاصبر مغموما، أو مُت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن المنية، فاغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار)(٥٢٤).
وقوله عليه السلام في رسالته لأخيه عقيل:
(فإن قريشاً قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبل اليوم، وجعلوا حقّي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجَدُّوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجزِ قريشاً عني بفعالها، قد قطعت رحمي وظاهرت عليَّ...)(٥٢٥).
المرحلة الرابعة: الامام الحسن عليه السلام يؤسس المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة ويتنازل عن السلطة المدنية
ان الامام الحسن عليه السلام بصلحه وتنازله عن السلطة مؤقتا لمعاوية وتقييد حكمه بالكتاب والسنة دون سيرة الشيخين يكون قد اكد للامة منهج علي عليه السلام ومن قبل منهج النبي صلى الله عليه وآله ان الدين والقانون هو الكتاب والسنة لا غير وان سيرة الشيخين ليستا من الدين في شيء وإنما هي اجتهادات من عمل بها ينبغي له ان يعرف مسبقا انه يعمل باجتهادات ما انزل الله فيها من سلطان وليس له ان يرتقب الثواب من الله تعالى عليها، واكد للامة ان مهمة الحاكم في المجتمع هو تنفيذ القانون لا تشريعه، وان التشريع مطلقا لله تعالى ولرسوله في حدود مساحة معينة بإذن الله تعالى، وأيضا لأوصياء النبي صلى الله عليه وآله
يأذن بها الرسول في حدود صلاحياته الإلهية. وقد أسست قريش المسلمة مبدأ ان من يأتي بعد الشيخين يتقيد بسيرتها وفي الوقت نفسه يكون من حقه ان يشرع في طول تشريع الخليفتين الأمر الذي رفضه علي في الشورى وقبله عثمان وحاول معاوية ان يسير على منهاج عثمان في هذا المسالة حين بويع على سيرة الشيخين من قبل أهل الشام بعد شهادة علي عليه السلام ويجئ صلح الحسن ليصحح بيعة معاوية كحاكم ملزم بكتاب الله وسنة النبي وان القانون الإلهي يؤخذ من العلماء به المنصوص عليهم المطهرون وهم أهل البيت وفق حديث الثقلين لاذي مرت نصوصه. وهكذا فان تنازل الحسن عن السلطة الزمنية قد اصلح الانشقاق وهدم خطة معاوية في وأد مشروع علي وفتح الشام لإخباره وذكرت في بلاط معاوية وترحم معاوية على علي عليه السلام وذكره مرات بخير مدة عشر سنوات.
المرحلة الخامسة: معاوية يحيي الإمامة الدينية القرشية ويسميها خلافة الله
انقلب معاوية على الحسن عليه السلام ونقض كل عهوده معه، واحيا منهج قريش المسلمة بان يكون الحاكم مشرعا يتحرك وفق تشريع من سبقه وقد يتحرر منه حين تتوفر أسباب لذلك ومن هنا حرص على سلب موجبات الإمامة الدينية الهادية لعلي عليه السلام وهي أحاديث النبي فيه وفي أهل بيته بالطهارة والعلم والقرب الإلهي ليوصف بالإفساد في الدين وينتحل فضائله ليوصف بالهدى، ومن هنا رأيناه يطرح في اعلامه ان الحاكم خليفة الله وبذلك أسس هذا الأساس لخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس ويترتب على ذلك ان الأمة لا يجوز لها ان تقوم في وجه الحاكم لأنه خليفة الله وقائد إلى الجنة وقد فصلنا في هذا الأمر في كتابنا (الامام الحسين عليه السلام في مواجهة الضلال الأموي)..
الباب الثاني/ الفصل السابع: مقارنة بين صلح النبي صلى الله عليه وآله الحديبية وصلح الحسين عليه السلام
الخلفية التاريخية لكلا الصلحين:
كانت الخليفة التاريخية لكل من الصلحين هي الاعلام الكاذب وتشويه الحقيقة تسويغا للموقف العملي المتمثل بالقتال بهدف استئصال الطرف الآخر.
فقد شنت قريش المشركة (الآباء) بقياد أبي سفيان الحرب على النبي في بدر وأحد وكانت تقول في تفسيرها للحرب انها تدافع عن نفسها وعن بيت إبراهيم ودين إبراهيم وان محمدا كان كاذبا ساحرا افسد في دين إبراهيم وانه هتك حرمة البيت وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام حين اعتدى على القوافل القرشية وقطع الطرق الآمنة عليها، مع ان العرب كانت تحترمها وتدافع عنها لأنه قوافل سدنة البيت وخدمة الحجيج. ولم تكشف قريش الحقيقة من انها كانت البادئ بالظلم حين عذبت المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم ثم صادرت أموالهم بعد هجرتهم إلى يثرب، وان النبي بعث سراياه تغير على قوافل قريش مقاصَّةً لها لا غير.
واستمرت قريش في اعلامها الكاذب ونجحت فيه حين استطاعت ان تحشد قريبا من عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة مضافا إلى خيانة يهود المدينة لعهدهم مع النبي صلى الله عليه وآله ان لا يعينوا عدوه عليه.
بعد ان باءت خططها في الخندق بالفشل أوحى الله تعالى إلى نبيه ان يغير الخطة مع قريش بان يذهب إلى مكة معتمرا معه الهدي ويعرض عليهم الصلح فإذا ما صدوا زيارته للبيت وطلبه للصلح عرفت ان قريشا هي التي تصر على الحرب وليس محمدا، وانها هي التي تصد عن البيت وليس محمدا، وإذا ما قبلوا الصلح وتعنتوا في الشروط لحميتهم وجاهليتهم فسوف تعرف القبائل ان قريشا هي التي تصد عن البيت وليس محمدا لأنه ردوه وأصحابه مع انهم جاؤوا محرمين معهم الهدي تعظيما للبيت، وبالتالي سوف يفتح النسا على حقيقة جديدة هي ان قريشا كانت كاذبة في اعلامها ضد محمد وان على الناس ان يتعرفوا عن قرب على محمد ورسالته.
وكذلك كانت قريش المسلمة (الأبناء) بدفعٍ وتخطيط من معاوية بن أبي سفيان والي الشام، حيث اقتطعت البصرة بعد ان غدرت ببيعتها لعلي ثم غدرت بعهدها مع عثمان بن حنيف والي علي عليها، ثم جاءها علي ليقاتل الناكثين ويعيد البصرة وأهلها إلى الأمة، وبعد هزيمتها وخسارتها في المعركة اصطفت وراء معاوية في الشام، ليعلن عن فصل الشام عن الأمة وعلي، ولم يكن أمام علي عليه السلام الا ان يبادر إلى مقاتلة القاسطين البغاة ليرجع الشام وأهلها إلى الأمة، ولم تنته المعركة كما انتهت في الجمل بل استطاع معاوية ان يقف على رجليه ويحقق فصل الشام ثم مصر وافريقيا وكما استطاع ان ينشئ اعلاما كاذبا يفسر حرب الجمل وصفين للجند وللناس الذين يحكمهم بتفسير كذب خلاصته: ان عليا هو سبب الحروب وانه كان يطلب الملك، وانه قتل عثمان، وانه مفسد في دين النبي، واستطاع معاوية ان يوزع جيشه على شكل كتائب وسرايا تغير على أطراف البلاد الخاضعة لحكومة علي عليه السلام، وجهز علي جيشه العقائدي ليضع حدا لغارات معاوية وشاء الله تعالى ان يغتاله ابن ملجم وهو في الكوفة.
وبايع العراقيون الحسن على العمل بكتاب الله وسنة النبي انطلاقا مما لديهم من النصوص النبوية فيه وفي أبيه من قبل، وبايع الشاميون معاوية على العمل بكتاب الله وسنة النبي وسيرة الشيخين كما بويع عثمان من قبل، وعرض معاوية الصلح على الحسن بان يبقى كل طرف على بلاده التي بايعته، وجعل الحسن أمام إحراجين اما قبول الصلح وهذا معناه تكريس الانشقاق وتكريس الاعلام الكاذب ضد علي، واما رفضه ومعناه تكريس الاعلام السلبي ضد علي أيضا بان ولده على خط أبيه في إثارة الحرب، وبادره الحسن بأطروحة صلح تستهدف فضحه وكسر الطوق الاعلامي الكاذب عن علي في الشام مستمدا روحها من صلح الحديبية، وهي معادلة قوامها: ان يسلم الحسن ملك العراق بشروط يعينها الحسن ولا مجال للمساومة عليها، فاما ان يقبل معاوية الشروط ويتسلم الملك ويتحقق الأمان للناس ووحدتهم والفتهم وتفهمهم للحقائق واما ان يرفض الشروط فيكون معاوية هو طالب الحرب وطالب الانشقاق.
الواقع التاريخي لمجريات صلح الحديبية ونتائجه:
١. خرج النبي في ألف وأربعمائة أو ألف وثمانمائة وخمسين شخص من أصحابه مُحْرِمين يسوقون الهدي بني أيديهم وكان ذلك سِتّ من الهجرة وسمعت قريش بذلك، فخرجوا جميعا يعاهدون الله أن لا يدخل محمد وأصحابه مكة أبداً وبعث النبي صلى الله عليه وآله إليهم أحدَ حُلَفائهم الحُلَيْس بن علقمة الكناني سيِّد الأحابيش وكان قد أثَّر فيه مشهد النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه والهدي أمامهم وقال لقريش: (رأيت البُدْنَ(٥٢٦) قد قُلِّدت وأُشْعِرت فما أرى أن يُصَدّوا عن البيت).
فقالوا: (اجلس إنَّما أنت أعرابيّ لا عِلمَ لك).
فغضب وقال: (يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم أيُصَدُّ عن بيت الله من جاءه معظِّما له؟ والذي نفسي لَتُخْلُنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرَة رجل واحد).
قالوا: (مه، كُفّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به).
٢. وبعثت قريش سُهيْلَ بن عمرو ليصالح النبي صلى الله عليه وآله شريطةَ أن يَرجِع النبي صلى الله عليه وآله هذا العام. وفوض النبي عليا في صلحه. وقَبِلَ النبي صلى الله عليه وآله شرط قريش وشروطاً أخرى أملتها عليه ظاهرها التنازل من النبي صلى الله عليه وآله لقريش.
٣. أثارت شروط قريش حفيظة أصحاب النبي حيث خفيت عليه حكمة الصلح مما تسبب في شكهم بالنبوة وقام بعضهم بتشويشات. قال عمر: ارتبت ارتياباً لم ارتبه منذ أسلمت إلّا يومئذ، وراجعت النبي صلى الله عليه وآله يومئذ مراجعة ما راجعته(٥٢٧) مثلها قط، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة(٥٢٨)، (وفي رواية مائة على مثل رأيي) تخرج عنهم رغبةً عن القضية لخرجت(٥٢٩).
٤. ثم أمر رسول الله المسلمين أصحبه أن يحلِقوا وينحَروا هَدْيَهم في الحِلّ، فحلق رجال وقصَّرَ آخرون(٥٣٠) منهم عثمان بن عفان(٥٣١). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرحم الله المحلِّقين. قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال عليه السلام: والمقصرين، قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين(٥٣٢) دون المقصرين؟ قال عليه السلام: لأنَّهم لم يشكُّوا(٥٣٣). قال مالك بن ربيعة: وأنا محلوق يومئذ فما سرَّني حمر النَّعم أو خطر عظيم(٥٣٤).
٥. انصرف الرسول صلى الله عليه وآله إلى المدينة وفي الطريق نزلت سورة الفتح. روى البخاري أنَّ عمر بن الخطاب كان يسير مع النبي صلى الله عليه وآله ليلاً فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يُجِبْهُ رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر: ثكلتك أُمّك يا عمر نَزَرْتَ(٥٣٥) رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبُك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمتُ أمام المسلمين وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نَشِبْتُ(٥٣٦) أن سمعت صارخاً يصرُخ بي قال: لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمت عليه، فقال: لقد أُنزِلت عليَّ الليلة سورة لَهِيَ أحبُّ إليّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ (إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)(٥٣٧).
قال مُجَمَّع بن جارية: شهدت الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجِفون(٥٣٨) الأباعر(٥٣٩) فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال فخرجنا نوجِف مع الناس حتى وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله واقفا عند كُراع الغَميم(٥٤٠)، فلما اجتمع إليه بعض من يريد من الناس قرأ عليهم (إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)، قال رجل من أصحاب محمد: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده إنّه لفتح(٥٤١).
قال ابن عُقْبَة: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ما هذا بفتح، لقد صُدِدُنا(٥٤٢) عن البيت وصُدَّ هّدْيُنا وردَّ رسول الله صلى الله عليه وآله، رجلين من المسلمين كانا خرجا إليه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قول أولئك فقال: بئس الكلام بل هو أعظم الفتح(٥٤٣)...
٦. قال سَلَمة بن الأكْوَع: بينما نحن قافِلون(٥٤٤) من الحديبية نادى منادي النبي صلى الله عليه وآله: أيها الناس البيعة، البيعة، قال: فسرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو تحت شجرة سَمُرة(٥٤٥) فبايعناه، وذلك قول الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) الفتح/ ١٨.(٥٤٦)
أقول: من الواضح ان هذه البيعة هي بيعة لتصحيح إيمان الذين خدشوا إيمانهم بشكهم في النبوة الانف الذكر.
قال علي بن إبراهيم: واشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً يفعله ولا يخالفوه في شيء أمرهم به(٥٤٧),(٥٤٨).
٧. تحقَّق للنبي ما أراد من الصلح حيث أدركت القبائل أن قريشاً هي التي تصُدُّ عن البيت زواره وليس محمداً، وفي ظل الأجواء الآمنة الجديدة تفهمت القبائل حقيقة الأمر في النبي صلى الله عليه وآله وحقيقة رسالته وانفتحت على الإسلام أعداد كبيرة من الناس واستطاع النبي ان يحشد عشرة آلاف مقاتل لما غزا مكة بعد ان نقضت قريش الصلح بعد سنتين ونصف.
٨. كان صلح الحديبية هو (الفتح المبين) كما سماه القرآن وهو (اعظم الفتوح) كما سماه النبي لأنه الأساس في فضح قريش وكسر الاعلام الكاذب ضد النبي ومن ثم اختلاط الناس بعضهم ببعض ليعرفوا حقيقة الرسالة، وكل المكاسب التي جاءت بعد هذا الصلح وكان أبرزها فتح مكة فهي من ثمراته اليانعة.
٩. لم يؤثر على اعظم الفتوح ما حصل بعد ذلك من انقلاب على الأعقاب(٥٤٩) قامت به قريش المسلمة بعد وفاة النبي وغيرت كثيرا من معالم الرسالة باسم الإسلام كان أبرزها حج التمتع حيث نهت عنه قريش المسلمة بزعامة الخليفة الثاني(٥٥٠)، وحرَّمت على أهل البلاد المفتوحة شرقا وغربا فضلا عن الصحابة ان يحجوا حج التمتع كما نهت عن تداول أحاديث النبي في أهل بيته، فقد نهض علي الذي اعده الله ورسوله لمهمة الهداية بعد النبي سنة ٢٧ هجرية مستندا إلى الثروة الفكرية المخزونة في صدور الصحابة لإحياء حج التمتع وأحاديث النبي في أهل بيته الممنوعة من قبل قريش المسلمة، وحقق نجاحا كاملا في النصف الشرقي من البلاد المفتوحة.
مجريات صلح الحسن عليه السلام مع معاوية:
١. استشهد علي عليه السلام بعد ان بايعه أربعون ألف على الموت لقتال معاوية ووضع حد لغاراته، وبايعوا بعده ولده الحسن عليه السلام ثم بادر معاوية إلى الصلح على ان يبقى كل على البلاد التي بايعته، وبادره الحسن بالتنازل المشروط لتوحيد الأمة وتأسيس حكم مدني يترك للناس اختيارهم في شؤونهم العبادية الفردية واستجاب معاوية وطار فرحا بذلك.
٢. ذكرت كتب التاريخ ان البعض قد اعترض على الحسن بعد إبرام الصلح وسلم عليه بقوله يا مذل المؤمنين، ونسب بعض المؤرخين ذلك إلى حجر بن عدي، وهذا لا يصح في حق حجر وهو من خيار أصحاب علي علما وخلقا، نعم بالتأكيد صدر من أشخاص لم يؤمنوا أساسا بمشروع علي الإحيائي للسنة.
٣. تحقق للحسن كل ما أراد من توحيد شِقَّيْ الأمة والأمان، ونشر المؤمنون بمشروع علي من العراقيين صحابة وتابعين كل أحاديث النبي في حقه وكذلك سيرة علي المشرقة التي تبرزه إماما هاديا بعد النبي، وأقيمت الحجة على أهل الشام بذلك لهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة.
٤. كان صلح الحسن عليه السلام مع معاوية فتحا مبينا لمشروع علي عليه السلام في الشام، لأنه الأساس في توحيد أهل القبلة على محبة أهل البيت ومعرفة حديث الغدير وحديث الكساء وحديث المنزلة وغيرها من الأحاديث التي تؤسس الإمامة الإلهية لأهل البيت إلى آخر الدنيا وكسر الاعلام الكاذب ضد علي.
٥. وكما اعقب غدر قريش بعهدها مع النبي صلى الله عليه وآله فتح مكة وإعلاء كلمة التوحيد والشهادة للنبي صلى الله عليه وآله بالرسالة ابد الدهر كذلك حين غدر معاوية بعهده مع الحسن بدس السم له بعد عشر سنوات من الصلح وملاحقة شيعة علي عليه السلام واضطهادهم وإعادة الطوق الاعلامي ضد علي في الأمة كلها وليس في الشام فقط اعقب نهضة الحسين لكسر هذا الطوق لينطلق مشروع علي وإمامته الهادية وانتهاء لعن علي في الأمة إلى الأبد.
تحريف الاعلام الأموي أخبار صلح الحديبية عداوةً لعلي عليه السلام:
روى عبد الرزاق عن معمر قال سألت الزهري عن كاتب كتاب الحديبية فضحك وقال هو علي بن أبي طالب ولو سألت عنه هؤلاء(٥٥١).
وهذه الرواية تشير بشكل واضح إلى سياسة الأمويين في تحريف الاخبار.
وقد روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت ٢٢٥ هـ)(٥٥٢) في كتابه (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة(٥٥٣). (أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته). فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاً عليه السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام.
وكتب إليهم: (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرِّبوهم وأكرموهم اكتبوا لي بكلَّ ما يروي كلَّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته). ففعلوا ذلك حتَّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكِساء والحِباء والقَطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيءُ أحد مردود من الناس عاملاً من عمَّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلَّا كتب اسمه وقرَّبه وشفَّعه فلبثوا بذلك حيناً.
ثم كتب إلى عُمَّاله: (إنَّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشا في كل مِصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلَّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحض لِحُجَّة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله).
فقُرئت كتبه على الناس فرُويت أخبار كثير في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.
وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتَّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وأُلقِيَ إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتَّى رووه وتعلَّموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله)(٥٥٤).
أقول:
ومن هذه الاخبار الموضوعة: ما اشتهر في كتب الحديث والتاريخ من ان قريشا فوضت أمر صلحها إلى سهيل بن عمر وانه جاء إلى النبي يفاوضه مباشرة، بينما تنص رواية الطبري على ان النبي فوض أمر صلحه إلى علي(٥٥٥).
ومنها أيضا: قصة بيعة الرضوان حيث جعلها الاعلام الأموي من اجل عثمان حيث بعثه النبي صلى الله عليه وآله إلى قريش ليفهمهم انه جاء معظما للبيت وانه يريد الصلح معهم، ثم اشيع ان قريش قتلت عثمان، وليس من شك ان ذلك ليس متوقعا من قريش لمكانه من بني أمية، ومكانة بني أمية من قريش في حروبها مع النبي صلى الله عليه وآله.
وقد اشتهر ان البيعة تمت قبل الصلح، بينما تفيد أخبار أخرى صحيحة ان: بيعة الرضوان قد حصلت بعد ان تم الصلح وقفلوا من الحديبية راجعين إلى المدينة والغرض منها هو تصحيح الإيمان وليس شيئا آخر وقد مرت المصادر في ذلك.
الباب الثاني/ الفصل الثامن: مقتطفات من تاريخ الكوفة من سنة ١٤ هـ ـ ١٤٨ هـ
الكوفة قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل تمصيرها
الكوفة جغرافيا تتألف من ارض حمراء سهلة مستوية (٢٣ ـ ٢٤ م عن سطح البحر) قريبة من مستوى نهر فرات الكوفة تبدأ أرضها بالارتفاع التدريجي باتجاه الغرب والجنوب الغربي والشمال الغربي حتى يصل ارتفاعها إلى ٨٠ م ـ ١٠٠ م عن سطح البحر ويعرف المرتفع منها ب (ظهر الكوفة) ويمتد هذا الظهر من منطقة الذكوات البيض موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام في الجنوب الشرقي من الهضبة إلى كربلاء موضع قبر ولده الحسين الشهيد عليه السلام في الشمال الشرقي من الهضبة.
وقد روي عن الامام علي عليه السلام انه قال حين ذكر مقتل الحسين (بأبي هو وأمي المقتول بظهر الكوفة).
وفي معجم البلدان: الف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي وسمي الطف لأنه مشرف على العراق من أطف على الشيء بمعنى أطلَّ، والطف: طف الفرات، أي الشاطئ(٥٥٦).
والطرف المرتفع من (ظهر الكوفة) هذا من كربلاء إلى النجف طوله مائة وعشرة من الكيلومترات يتألف من قوسين، القوس الأسفل ويعرب ب (طار النجف) أو (طارات النجف)، والقوس الأعلى ويعرف ب (طار كربلاء) أو طارات كربلاء، يلتقي منتهى طار النجف بمنتهى طار كربلاء للقادم من بحيرة الرزازة في منطقة تسمى ب (منطقة التقاء الطارين وترتفع ١٥٠ م ـ ٢٠٠ م عن سطح البحر، وتشكل هذه الطارات على امتدادهما من الشمال إلى الجنوب الضفة الشرقية أو الجرف الشرقي لنهر فرات الكوفة قبل مليون سنة، ثم تبدل مجرى النهر إلى جهة الشرق، وهذا الطار بجزئيه يراه القادم من جهة الغرب كأنه الحد الفاصل بين ارض السواد والصحراء، وقد سماه بطليموس في خارطته ب (جبال بابل)، وسماه أمير المؤمنين عليه السلام ب (طورسينين) قال (إذا أنا مت فادفنوني في هذا الظهر وهو أول طور سينين)، و(سينين) أو (سيناء) اسم لمدينة بابل قبل ان تعرف سيناء المصرية(٥٥٧).
وهكذا تتعدد الأسماء: (ظهر الكوفة)، (طور سينين أو طور سيناء) (طف الفرات) (جرف الفرات).
وأيضا (نجف الحيرة) أي المرتفع قرب الحيرة، (نجف الكوفة)
والنجف: الأرض المرتفعة التي لا يعلوها السيل.
وأيضا (بانقيا) وتعني حرفيا الأرض الحمراء.
وكان إلى جانب هذا الجرف من جهة الغرب بحر يسمى ببحر (النجف) وهي تسميته منذ ألف سنة أو اكثر وكان يسمى أيضا قبل ذلك ب (بحر بانقيا) وبانقيا هي (فينقيا) بإبدال الباء إلى فاء والألف إلى ياء وهو كثير في اللغات السامية أو اللهجات المحلية، وفينقيا حرفت إلى (فينكس) () في معجم (كتابات هوميروس) (اللغة الإغريقه الأقدم): اللون الأحمر، وأيضا النخل، التمر. وقد سماه من قبل (بيروسس الكلداني) ب (البحر الأحمر) وهو ترجمة لبحر بانقيا. اما البحر الأحمر اليوم فقد كان اسمه الأقدم كما في خارطة بطليموس (البحر العربي) وكان الخليج في خارطته اسمه الخليج الفارسي.
ويبدأ تاريخ الكوفة الحضاري والديني من زمن ادم وأوصياءه عليه السلام، ففيها مسجد الكوفة وهو مسجد ادم ومسجد السهلة وهو بيت إدريس، وعلى الذكوة الجنوبية الشرقية من الذكوات البيض التي عليها مسجد الطريحي اليوم رست عليها سفينة نوح وبقيت السفينة بعد الطوفان قلعة الحياة تحيطها المياه، ولما انسحبت المياه باتجاه الشرق بنى نوح مسجد الكوفة وسكن وأولاده عنده ثم تفرقت ذرية نوح فيما بعد إلى الشمال والجنوب وبنوا مدن بابل وسومر وغيرهما من مدن الوسط والجنوب.
ان اسم النجف والحيرة قديم فقد وجد في وثيقة ملحمة جلجامش باللغة الأكدية منذ اكثر من أربعة آلاف سنة. كما ان اسم كربلا قديم أيضا حيث وجد في ملحمة زيوسدرا السومرية بأقدم من ذلك.
قال الحميري في الروض المعطار: الكوفة: هي أول مدينة اختطها المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة، وهي على معظم الفرات ومنه شرب أهلها، سميت بجبل صغير في وسطها كان يقال له كوفان وعليه اختطت ولها ضياع ومزارع ونخل كثير، وأهلها مياسير، ومياهها عذبة، وماؤها صحيح، وأهلها من صرح العرب لكنهم الآن متحضرون. وقال محمد بن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كانت الكوفة منزل نوح عليه السلام(٥٥٨).
ومن اهم محالّ الكوفة قديما الحيرة عاصمة ملوك لخم كان يقصدها شعراء العرب قبل البعثة. وتقع على بحر النجف الذي تكون من بقايا الفرات الأول ومن السيول التي تغزو المنطقة من الهضبة الغربية سنويا ولولا جرف النجف هذا لما امكن السكن في سهل الكوفة، وكان هذا السهل أيام الفتح رملة حمراء خالية من السكان، بعد الفتح الإسلامي وقع الاختيار عليها ومصرت زمن الخليفة عمر بن الخطاب وحددت معالم المسجد من قبل سلمان المحمدي أو حذيفة بن اليمان أخذ ذلك عن علي عليه السلام وقد ورد في الكوفة رواية يرويها أمير المؤمنين علي عن النبي قال (كوفان يُرَدُ اولُها على آخرها) كما ورد فيها انها عاصمة المهدي عند ظهوره.
الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب ١٤ ـ ٢٣ هجـ (عشر سنوات) مكرسة لسياسة الخليفتين
قال البلاذري ان عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص (لما فتح بالعراق) يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة، وأن يجعل بينه وبينهم بحرا. فاختط الكوفة أقطع الناس المنازل، وأنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها وذلك في سنة سبع عشرة(٥٥٩).
قال البلاذري قال عمر: بالكوفة وجوه الناس. وقال: هم رمح الله وكنز الإيمان وجمجمة العرب، يحرسون ثغورهم ويمدون أهل الأمصار(٥٦٠). وقالوا: لما هرب يزدجرد من حلوان في سنة تسع عشرة، تكاتبت الفرس وأهل الري وقومس وإصبهان وهمذان والماهين وتجمعوا إلى يزدجرد وذلك في سنة عشرين، فأمر عليهم مردانشاه ذا الحاجب، وكانت عدة المشركين يومئذ ستين ألفا ويقال مئة ألف. وقد كان عمار بن ياسر كتب إلى عمر بن الخطاب بخبرهم، فهمَّ أن يغزوهم بنفسه، ثم خاف أن ينتشر أمر العرب بنجد وغيرها، وأشير عليه بأن يغزى أهل الشام من شامهم، وأهل اليمن من يمنهم، فخاف إن فعل ذلك أن تعود الروم إلى أوطانها وتغلب الحبشة على ما يليها. فكتب إلى أهل الكوفة يأمرهم أن يسير ثلثاهم ويبقى ثلثهم لحفظ بلدهم وديارهم(٥٦١).
ومن ذلك تتضح أهمية الكوفة في الجبهة الشرقية للبلاد الإسلامية، فهي مركز البعوث المهمة إلى بلدان المشرق في قبال الشام مركز البعوث المهمة إلى المغرب.
وقد حرص الخليفة عمر على ان تنضبط الكوفة ببنود سياسة الدولة القرشية حين انزل بمن يخالف سياسته منهم اعظم العقاب من اجل ان يكون نكالا لغيره، ولا نعلم عقوبة في التاريخ الإسلامي أقسى من عقوبة عمر لصَبيغ التميمي على ذنب كذنبه، فقد عاقبة الخليفة بنفسه لمدة يومين يضربه بعراجين النخل على ظهره وراسه حتى تفجرت الدماء منه، ولم يكن لصبيغ ذنب سوى مخالفته لأمر عمر بعدم السؤال عن تفسير القرآن!، وفي اليوم الثالث جاءه الخليفة ليواصل ضربه له توسل به صبيغ قائلا يا أمير المؤمنين ان كنت تريد قتلى فاقتلني غير هذه القتلة وان كنت تريد شفائي مما بي فقد شفيت، فعفا عنه (وحمله على قَتَب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته)(٥٦٢). وكتب إلى والي الكوفة منطقته مسؤوله العسكري ان يقطع عطاءه وان لا يعاشره احد، فكان الناس إذا دخل المسجد يتحامون اللقاء به لان الخليفة قد أمر بعدم السلام عليه فهذه العقوبة لذلك الذنب مما لم يعرف نظيره في تاريخ الإسلام!
وليس من شك ان هذه العقوبة لأجل أهمية العسكر الكوفي فكل من يسمع بهذه القصة سوف يرتدع عن مخالفة أي مرسوم تصدره الدولة فيما بعد.
وهذا السياسة القاسية ليست فقط في الأمصار المستحدثة بل حتى في المدينة وهي مركز صحابة النبي صلى الله عليه وآله حيث تذكر لنا كتب الحديث ان أبا موسى الاشعري طرق باب عمر في إحدى زياراته له ولم يجبه وانصرف أبو موسى فبعث عمر حاجبه يرفأ خلفه وارجعه، وسأله عمر هلا انتظرت. قال اني سمعت رسول الله (إذا استأذن أحدكم على أخيه ثلاثا فلم يجبه فلينصرف)، قال له عمر لتأتينِّي ببيِّنة عليه أو لأُدمِيَنَّ ظهرك(٥٦٣).
وكتب عمر إلى ولاته في الأمصار ان يلاحقوا الصحف المنتشرة لإتلافها كما في الرواية الآتية:
روى الخطيب عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة (ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده منها شيء فليمحه)(٥٦٤).
روى الخطيب أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (جاء علقمة بكتاب من مكة او اليمن صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبي، فاستأذنها على عبد الله (بن مسعود) فدخلنا عليه، قال فدفعنا إليه الصحيفة، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها أحاديث حِسانا، قال فجعل يميثها(٥٦٥) فيها ويقول: نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا إليك هذا القرآن القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه).. وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (جاء رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة، فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه، فقال: يا أبا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء وقصص من قصصه، فاخذ الصحيفة فجعل يقرأ فيها وينظر حتى أتى منزله فقال يا جارية آتيني بالإجّانة مملوءة ماء، فجاءت به فجعل يدلكها ويقول: (الم تلك آيات الكتاب المبين... نحن نقص عليك احسن القصص) اقصصنا احسن من قصص الله تريدون أو حديثا احسن من حديث الله تريدون)(٥٦٦).
روى الدارمي قال أخبرنا يزيد بن هارون أنا أضعث بن سوار عن الشعبي عن قُرَظة بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب رهطا من الأنصار إلى الكوفة فبعثني معهم فجعل يمشي معنا حتى أتى (صرار) وصرار ماء في طريق المدينة فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث... فأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم فيه. قال قرظة وان كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله وأني لمن أحفظهم له فإذا ذكرت وصيَّة عمر سكتُّ.
قال أبو محمد (الدارمي): معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله(٥٦٧).
وروى الطحاوي عن سفيان، عن بيان، عن عامر الشعبي، فلما قدم قرظة قالوا: حدَّثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب رضي الله عنه(٥٦٨).
وروى ابن الاثير عن محمد بن إسحاق قال أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجمعهم من الآفاق عبد الله بن حذافة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الآفاق قالوا: أتنهانا قال: لا أقيموا عندي لا والله لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم فما فارقوه حتى مات(٥٦٩).
وبفعل هذه السياسة كان الطابع العام لأهل الكوفة بل لغيرهم أيضا هو الجل بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله اما على مستوى الولاء فولاؤهم للخليفتين من قريش الحاكمة، ولم يكن فيها موالون لعلي وأهل بيته الا افرادا معدودين مرتبطين بعمار وسلمان وحذيفة. نعم كان بعض بطون قبيلة همدان في الكوفة لهم ارتباط سابق بعلي عليه السلام حيث اسلموا على يده في اليمن سنة ١٠ من الهجرة او قبلها، ولكن الذي كانت له علاقة من اغلب هؤلاء هم آباؤهم والقليل منهم ممن التقاه في اليمن مضافا إلى بُعد العهد وسياسة الدولة القرشية في إهمال علي عليه السلام. ثم صار الولاء لعلي عليه السلام ظاهرا أيام عثمان حينما حمل لواء التشيع لعلي حجر بن عدي ومالك الاشتر ونظراؤهم بعد نهضة علي في إحياء حج التمتع كما سيأتي.
الكوفة على عهد عثمان ٢٣ ـ ٢٨ هـ قبل انشقاق قريش عليه مكرسة لسيرة الشيخين (ست سنوات)
قال عمرو بن ميمون:
(ان عمر لما طُعِنَ قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت! قال: من استخلف؟
لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته... ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته... ثم قال عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله (انهم من أهل الجنة) علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فليختاروا رجلا. ثم دعا بهم وقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساء وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلّا فيكم(٥٧٠).
وقال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه، وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس(٥٧١).
واستشار عبد الرحمن الناس(٥٧٢) فقال له عمار بن ياسر ان أردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا، فقال المقداد بن الأسود صدق عمار ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا.
وقال ابن أبي سرح ان أردت إلا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا.
وقال عمار: أيها الناس ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.
فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها(٥٧٣).
فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتن الناس.
ودعا عبد الرحمن علي فقال له عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.
قال أرجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي(٥٧٤).
ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال نعم فبايعه(٥٧٥).
فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلّا ليرد الأمر إليك(٥٧٦).
فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فأني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان.
فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتوي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا لا أقول ان أحداً اعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا(٥٧٧).
فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة)
قال عوانة قال إسماعيل قال الشعبي فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي قال كنت جابسا بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول... اما والله لو ان لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد.
فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس فإني أخاف ان تكون صاحب فتنة وفرقة.
قال المقداد ان من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة والفرقة.
قال فتربد وجه عبد الرحمن ثم قال لو اعلم انك إياي تعنى لكان لي ولك شأن.
قال المقداد إياي تهدد يا بن أم عبد الرحمن ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف.
قال جُندُب بن عبد الله فاتبعته وقلت له يا عبد الله أنا من أعوانك، فقال رحمك الله ان هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان ولا الثلاثة، قال فدخلت من فوري ذلك على علي عليه السلام فلما جلست إليه قلت يا أبا الحسن والله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك فقال صبر جميل والله المستعان. فقلت والله انك لصبور قال فان لم اصبر فماذا اصنع، قلت إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا وعبد الرحمن بن عوف فقالا كذا وكذا ثم قام المقداد فاتبعته فقلت له كذا فقال لي كذا فقال علي عليه السلام لقد صدق المقداد، فماذا اصنع؟
فقلت تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك وبخبرهم انك أولى بالنبي صلى الله عليه وآله، وتسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك فإذا أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين، فان دانوا لك فذاك وإلا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت، وكنت أعلى عند الله حجة، فقال عليه السلام: أترجو يا جندب ان يبايعني من كل عشرة واحد؟ قلت أرجو ذلك، قال لكني لا أرجو ذلك، لا والله ولا من المائة واحد، وسأخبرك ان الناس ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله، واما قريش بينها تقول ان آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا ويرون انهم أولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من الناس وهم ان وَلَوْه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها، لا والله لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا.
فقلت جعلت فداك يا بن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول أفلا ارجع إلى المصر فأوذن النسا بمقالتك وأدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذاك.
قال فانصرفت إلى العراق فكنت اذكر فضل علي على الناس فلا اعدم رجلا يقول لي ما اكره واحسن ما اسمعه قول من يقول دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك فأقول ان هذا مما ينفعني وينفعك فيقوم عني ويدعني(٥٧٨).
وفي الإرشاد قال: فكنتُ كلّما ذكرتُ للناس شيئاً من فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومناقبه وحقوقه زَبرُوني ونَهَرُوني، حتى رُفِعَ ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة لياليَ وَلِيَنَا، فبعث إليّ فحبسني حتى كُلّمَ فيَّ فخلَّى سبيلي(٥٧٩).
ومن هذه الرواية نفهم عدة أمرو منها:
١. ان الولاء العام للكوفيين هو لقريش وليس لعلي عليه السلام رصيد فيها كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين حين قال لجندب (اترجو يا جندب ان يبايعني من كل عشرة واحد؟ قلت أرجو ذلك، قال لكني لا أرجو ذلك، لا والله ولا من المائة واحد).
٢. ان الداعي إلى علي وفضائله تسجنه السلطة كما رأينا في سجن جندب نفسه.
٣. ان أمير المؤمنين نصع جندبا ان لا يدعو الناس إلى علي فان لازمان ليس ذلك.
٤. ان تصرف جندب وسجنه عمَّق عنده دقة تشخيص أمير المؤمنين للموقف حين سألف (أفلا ارجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك وأدعو الناس إليك) فكان جوابه عليه السلام (يا جندب ليس هذا زمان ذاك).
٤. ان أهل البلاد المفتوحة بشكل عام والكوفة منها كانوا لا يعرفون عليا ومناقبه، بل حين ذكر جُندب بعض مناقبه زبره الناس ونهروه وقاموا عنه/ لأنه كلام لم يأتِهم بطريق رسمي/ ورفع أمره إلى الوليد فحَبَسَه. فإذا عَرَفنا ان الوليد قد وُلِّي الكوفة سنة ٢٥ هـ أو سنة ٢٦ هـ وعُزِل عنها سنة ٣٠ هجرية عرفنا ان الجو العام في الكوفة في ذلك الوقت كان لا يسمح بذكر فضائل علي عليه السلام الا سرا.
نهضة علي عليه السلام على عهد عثمان سنة ٢٧ هـ لإحياء حج التمتع
استحكم الانشقاق بين عثمان وبطون قريش سنة ٢٧ هـ عندما استحكم الخلاف بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وهو آخر من تذمر من عثمان من بطون قريش حين بنى قصره طمار الزوراء(٥٨٠) في المدينة، وتكونت جبهة قرشية معارضة لسياسة عثمان في تقريب اسرته وتسليمهم ولاية الأمصار، فقد عزل عمرو بن العاص عن مصر سنة ٢٥ هـ وعين اخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان النبي قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان ثم عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة ٢٥ هـ وعيَّن أخاه لامه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن. وفي سنة ٢٦ هـ جمع الشام كلها لمعاوية. وفي سنة ٢٧ هـ عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة وضم إليه ولاية فارس.
قرر علي عليه السلام في جو استحكام الخلاف بين بطون قريش وعثمان وتذمر الناس من تصرف ولاته ان يحيي حج التمتع الذي نهى عنه عمر صار هذا النهي جزءا من السيرة التي التزمها عثمان في خلافته وكانت مدخلا ميَّز عليا عليه السلام في نهضته في قبال المعارضة القرشية لعثمان التي كانت تستهدف الاطاحة بحكم عثمان وبني أمية وتداول السلطة في بطون قريش كما كان أيام أبي بكر وعمر.
نهض مع علي وجوه من صحابة النبي كما في رواية البخاري:
روى مالك في الموطأ:
(ان المقداد بن الأسود (ت ٣٣) دخل على علي عليه السلام بالسُقْيا(٥٨١) وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي عليه السلام وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط، على ذراعيه، حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة، فقال: عثمان ذلك رأيي، فخرج عليٌّ عليه السلام مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا)(٥٨٢).
وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للأول عن سعيد بن المسيب قال:
(حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته (وفي نسخة السندي إذا رأيتموه) ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة)(٥٨٣).
قال الإمام السندي بهامشه:
(قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله، وانه لا طاعة له في مقابل السنة)(٥٨٤).
موقف عبد الله بن مسعود من عثمان:
قالوا في ترجمة عبد الله بن مسعود حليف بني زهرة(٥٨٥): أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال عبد الله لقد رأيتني سادس ستة وما على الأرض مسلم غيرنا وكان يقول أخذت من في رسول الله سبعين سورة أخرجه البخاري شهد فتوح الشام سيَّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم وبعث عمارا أميرا وقال إنهما من النجباء من أصحاب محمد فاقتدوا بهما. وعن زيد بن وهب قال أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس فلما رآه مقبلا قال كنيف مليء فقها(٥٨٦).
كان عبد الله بن مسعود من الأوفياء لسياسة عمر وفتاواه(٥٨٧) منسجما كل الانسجام مع السلطة الحاكمة وقد روى البلاذري ان ابن مسعود وكان أول الناس جاء ببيعة عثمان إلى الكوفة وأخذها على الناس(٥٨٨) غير انه اصطدم فيما بعد مع عثمان في قصة تغيير المصاحف بسبب عدم إشراكه في اللجنة الخاصة وتفضيل زيد بن ثابت عليه فدعا الكوفيين إلى عدم تسليم مصاحفهم وامتنع هو من تسليم مصحفه لمبعوث عثمان مع ملاحظات سابقة له على سيرة الوليد بن عقبة فأمر عثمان بإشخاصه إلى المدينة وضُرب هناك وكسرت أضلاعه ومنع من العطاء سنتين.
روى ابن شبة قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تُغّيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل، فإن من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال: لقد قرأت القرآن من في (أي فم) رسول الله سبعين سورة، وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم(٥٨٩).
وفي رواية أخرى عن محمد بن عبد الله بن المثنى الانصاري قال، حدثنا إسرائيل بن يونس، عن ثوبر بن أبي فاختة، عن أبيه قال: بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه. قال: ولم؟ قال: لأنه كتب القرآن على حرف زيد. قال: أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه، ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل، والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة(٥٩٠).
وروى ابن عبد البر عن الأعمش عن شقيق أبى وائل قال لما أمر عثمان في المصاحف بما أمر قام عبد الله بن مسعود خطيبا فقال: أيأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت نفسى بيده لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب به الغلمان والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل وما أحد أعلم بكتاب الله مني ولو أعلم أحداً تبلغنيه الإبل أعلم بكتاب الله منى لأتيته ثم استحيي مما قال فقال وما أنا بخيركم قال شقيق فقعدت في الحق فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعت أحدا أنكر ذلك عليه ولا رد ما قال(٥٩١).
قال اليعقوبي كتب عثمان في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت، ثم سلقها بالماء الحار والخل، وقيل أحرقها، فلم يبق مصحف إلا فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود(٥٩٢). وكان ابن مسعود بالكوفة، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر، وكتب إليه عثمان: أن أشخصه، إنه لم يكن هذا الدين خبالا وهذه الأمة فسادا(٥٩٣). فدخل المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء، فكلمه ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان، فجُرَّ برجله حتى كسر له ضلعان، فتكلمت عائشة، وقالت قولا كثيرا.
وفي رواية البلاذري: احتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه... وقام علي بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان: إن ابن مسعود أفسد عليك العراق افتريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح من المدينة حتى توفي(٥٩٤) بعد ثلاث سنوات من إقامته الجبرية وكان قد استُقدِم من الكوفة سنة ٢٩ هـ.
وروى البلاذري قال: أشخص عثمانُ ابنَ مسعود إلى ما قِبَله واسمعه، ولم يأذن له في الخروج من المدينة فأقام بها ثلاث سنين حتى مات، وكان موته قبل مقتل عثمان. ولما مرض مرضه الذي مات فيه مرَّضه أزواح النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، وأتاه عثمان يعوده فقال له: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: بخير. قال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: أفلا آمر لك بعطائك، وكان قد قطعه عنه لموجدته عليه (وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه قال: وكان قد حرمه عطاءه سنتين)(٥٩٥) وفي رواية حرمه عطاءه ثلاث سنين(٥٩٦)، فقال: منعتنيه وانا محتاج إليه وتعطينيه وانا مستغن عنه(٥٩٧). وأوصى ان لا يصلي عليه عثمان(٥٩٨). قال أبو نعيم وغيره مات (عبد الله بن مسعود) بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل مات سنة ثلاث والأول اثبت(٥٩٩).
وروى البخاري قال حدّثنا عمر بن حفص قال حدّثنا أبي قال حدّثنا الأعمش قال سمعت شقيق بن سلمة قال كنت عند عبد الله وأبي موسى فقال له أبو موسى أرأيت يا أبا عبد الرّحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع فقال عبد الله لا يصلّي حتّى يجد الماء فقال أبو موسى فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكفيك قال ألم تر عمر لم يقنع بذلك فقال أبو موسى فدعنا من قول عمّار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبد الله ما يقول فقال إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمّم فقلت لشقيق فإنّما كره عبد الله لهذا قال نعم(٦٠٠).
صحيح البخاري ـ (ج ٢/ ص ٧٦) حدّثنا محمّد بن سلام قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعريّ فقال له أبو موسى لو أنّ رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا أما كان يتميمّم ويصلّي فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة فقال عبد الله لو رخّص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا الصّعيد قلت وإنّما كرهتم هذا لذا قال نعم فقال أبو موسى ألم تسمع قول عمّار لعمر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في الصّعيد كما تمرّغ الدّابّة فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال إنّما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثمّ نفضها ثمّ مسح بهما ظهر كفّه بشماله أو ظهر شماله بكفّه ثمّ مسح بهما وجهه فقال عبد الله أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمّار وزاد يعلى عن الأعمش عن شقيق كنت مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى ألم تسمع قول عمّار لعمر إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت بالصّعيد فأتينا رسول الله صلّى الله عليم وسلّم فأخبرناه فقال إنّما كان يكفيك هكذا ومسح وجهه وكفّيه واحدة.
وروى الحاكم بسنده عن سعيد بن زيد قال حدثنا الحسن ان رجلا قال لعمران بن الحصين ما هذه الأحاديث التي تحدثوناها وتركتم القرآن، قال أرأيت لو أبيتَ أنت واصحابُك إلا القرآن (وفي رواية لو وُكِلت أنتَ واصحابُك إلى القرآن) من أين كنتَ تعلم ان صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة ورمى الجمار كذا، واليد أين تقع أمن ههنا أم ههنا أم من ههنا ووضع يده على مفصل الكف ووضع يده عند المرفق ووضع يده عند المنكب، وقال: اتبعوا حديثنا ما حدثناكم، وإلّا واللهِ ضللتم.
وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حماد، عن علي بن زيد، عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين وعنده أصحابه يحدثهم فقال رجل: لا تحدثنا إلَّا بالقرآن ـ أو لا نريد إلَّا القرآن ـ فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن؟ أكنت تجد صلاة الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً وصلاة المغرب ثلاثا، تقرأ في الركعتين الأولتين، حتى عد الصلوات كلها؟! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد في كل مائتين خمسة، ومن الإبل كذا وكذا، وفي البقر كذا وكذا؟! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك، أكنت تجد الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة كذا وكذا؟!(٦٠١).
الكوفة على عهد علي عليه السلام
انفتحت الكوفة على مشروع علي عليه السلام الإحيائي للسنة النبوية بقيادته وتبنت نصرته وكانت أول نصرتها له حين نكث طلحة والزبير بيعتهما معه واقتطعا البصرة عنه.
ثم نصروه في صفين وقاتلوا أهل الشام معه.
ثم نصروه في حرب النهروان حين قاتلوا أبناءهم وإخوانهم وأساتيذهم لما تحولوا إلى مفسدين.
وكان علي عليه السلام خلال ذلك يعلمهم ويفقههم وصارت الكوفة في أواخر عهده كأنما بُنِيت على حُبِّه والايمان به لما رأى أهلها من عدله وعلمه وحسن سيرته فيهم إلى جانب ما عرفوا من سابقته مع النبي صلى الله عليه وآله وأحاديث النبي فيه وما نزل من القرآن في حقه وما جرى على يده من الكرامات، انهم شاهدوا في سيرة علي عليه السلام انه من رسول الله كالضوء من الضوء أو كالصنو من الصنو، وكالذراع من العضد(٦٠٢).
رأوا فيه ما اخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله (انه منه بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده) حين قارنوا ذلك بما قصه القرآن من نصرة هارون لموسى وتصديقه ومعاونته ونصرته وكون الإمامة بعد موسى في ذريته وكذلك علي عليه السلام.
لقد بايع عليا عليه السلام بعد معركة النهروان أربعون ألف على الموت ليقاتلوا معاوية ولكنه الأجل الذي قدره الله تعالى له.
لقد صارت الكوفة على عهد علي عليه السلام بلد الأنصار وأهل الحل والعقد في المشروع الإحيائي للسنة نظير المدينة كانت على عهد النبي بلد الأنصار وأهل الحل والعقد في مشروع الرسالة.
قاتلت المدينة قريشا المشركة التي استهدفت محاصرة الرسالة بل قتل النبي وأصحابه. وقاتلت الكوفةُ قريشا المسلمة في البصرة والشام التي استهدفت محاصرة علي بل قتله وقتل أصحابه.
وكما كان يوجد في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وآله من يكره عليا عليه السلام ويبغضه وكانوا يسرونه لما يعلمون من غضب النبي عليهم إذا اظهروه وقد عرفوا بالمنافقين وقد ورد في الرواية: (كنا لا نعرف المنافقين على عهد النبي الا ببغضهم عليا)(٦٠٣)، وقد تآمروا على النبي ليقتلوا في عقبة هرشى بعد عودته من تبوك أو بعد عودته من حجة الوداع، كذلك كان الأمر في الكوفة حيث وجد فيها من يبغض عليا ولكنه لا يخفيه بل يظهره وقد عرفوا بالخوارج الذين مردوا على بغض علي وقاتلوه وقاتلهم ونال الشهادة على يد شر افرادهم عبد الرحمن بن ملجم.
الكوفة في سنوات الصلح سنوات الفتح المبين لعلي عليه السلام
بايعت الكوفة الحسن بن علي بصفته وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ووارث علومه وعلوم أبيه واحد أفراد آية المباهلة وآية التطهير وحديث الكساء ووارث، وامتاز أهل الكوفة عن أهل المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله حين تخلف الأنصار عن نصرة أهل بيت رسول الله وبايعوا غيرهم وتخلفوا عن سنة النبي وعملوا بسنه غيره ووفى أنضار علي في الكوفة مع بيت رسول الله فبايعوا الحسن وعملوا بسنة رسول الله التي احياها علي، وبايعته تبعا لبيعتهم البصرة والبحرين ومكة والمدينة واليمن وايران وما وراءها.
ونصرت الكوفة الحسنَ في مشروعه الاصلاحي العظيم حين استجابت لخطوته الاصلاحية الرائدة التي لم تخطر ببال معاوية وأهل الشام فانهم كانوا يتوقعون احد أمرين لطلبهم الصلح مع الحسن اما الرفض والقتال، أو الاستجابة للصلح بان يبقى الحسن على دولته في الشرق ومعاوية على دولته في الغرب وتنشأ علاقات سلمية بينهم كدولتين مستقلتين، وإذا بالحسن يفاجئهم بمشروعه التوحيدي للامة الإسلامية وتقديمه معاوية بشروط يضعها الحسن وهو أمر مهما كانت الشروط فيه فانه لا يستوعبه الا من كان يفهم مشروع علي الإحيائي للسنة، ولذلك رأينا رد فعل الخوارج هو تسفيه هذه الخطوة ومحاولة اغتيال الحسن، بخلاف حَمَلَةِ مشروع علي عليه السلام فانهم قد فهموا المغزى العميق للخطوة الرائدة التي تحقق أمرين في وقت واحد:
الأول: فضح معاوية عند أهل الشام بانه طالب ملك لا غير، فانه تنازل عن الأساس الذي بويع عليه عثمان وهو العمل بسيرة الشيخين وقبل ان يتقيد بالكتاب والسنة وخلى عن مطلبه الأخذ بثأر عثمان، بمجرد انه اعطي حكم العراق، وفي قبال ذلك تبرز مبدائية علي عليه السلام حين عرض عليه الحكم بشرط العمل بسيرة الشيخين فلم يقبل ورفض الملك.
الثاني: اصلاح الأمة برأب الصدع الكبير وعودتها إلى سابق عهدها موحدة وكسر الطوق عن مشروع علي واخبار سيرته المشرقة في الشام.
وليس من شك فان رجال هذين المكسبين هم شيعة علي الذين حملوا حديث النبي فيه واخبار سيرته المشرقة وكلهم شوق ان ينشروا ذلك كما كان المسلمون زمن النبي قبل صلح الحديبية كلهم شوق لان ينشروا اخبار سيرة النبي صلى الله عليه وآله المشرقة.
وطار معاوية فرحا بالأطروحة الحسنية للصلح وانفتحت قلوب أهل الشام لشيعة علي وتحول الكوفيون خلال عشر سنوات إلى دعاة لعلي ينشرون اخبار سيرته المشرقة داخل الشام وخارجها.
وتأكَّد لأهل الشام حقانية علي في نهضته وأولويته بكتاب الله وسنة نبيه وحقانية أهل العراق في نصرة مشروع علي في إحياء سنة النبي وان بيعتهم للحسن كانت موفقة.
الكوفة على عهد الغدر المبين لمعاوية ٥٠ ـ ٦٠ هـ عشر سنوات
لم تطب نفس معاوية بما حققه الحسن وشيعة أبيه من خدمة حقيقية للامة، فدفعه حقدُه الأعمى إلى الانتقام من الحسن ومن العراقيين فتخلص من الحسن عليه السلام بالسم بعد عشر سنوات، وأعاد سياسته في لعن علي والبراءة منه، وأعاد تداول الأحاديث الكاذبة التي وضعها اعلامه أيام صفين في تسويغ ذلك، واستطاع ان يربي جيلا جديدا من الأمة لا يعرف عليا الا إمام ضلالة مفسدا في الدين يجب لعنه والبراءة منه، (روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت ٢٢٥ هـ)(٦٠٤) في كتابه (الأحداث) قال: [كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة. (أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته). فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاً عليه السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشدَّ النسا بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمَّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقَطَّع الأيدي والأرجل وسَمَّلَ العيون وصلَّبهم على جذوع النخل وطردهم وشرَّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عُمَّاله في جميع الآفاق:
(ألَّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة).
وبعد قتل حجر وأصحابه سنة ٥٣ هـ أمر الحسين أصحابه في الكوفة ان يكونوا أحلاس بيوتهم بعد ان قضوا ما عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ادخارا لهم ليوم خروجه عليه السلام بعد موت معاوية.
الكوفة على عهد نهضة الحسين عليه السلام وشهادته وحركة سليمان بن صرد ودولة المختار ٦٠ ـ ٦٧ هـ
نهضت الكوفة مع الحسين وهم عدته في التغيير المطلوب في الأمة من الاطاحة ببني أمية الطغمة الضالة الظالمة اليت أحلت نقض العهد وسفكت الدم الحرام، نهضت الكوفة مع الحسين وهي متلهفة لإعادة تجربة على في الأمة بالحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وترك الناس واختيارهم في الاقتداء بمن شاؤوا في عبادتهم بعلي أو بعمر، ولكنه القدر الإلهي للحسين ان يستشهد لتكون شهادته وظلامته الباب الاوسع لتحقيق الاهداف الآنفة الذكر، وقد استطاع الكوفيون من خلال نهضة سليمان بن صرد والمختار بن عبيد بعد شهادة الحسين عليه السلام ان يعيدا تجربة علي في الكوفة وهي على قصرها (٦٥ هـ ـ ٦٧ هـ استطاعت ان تعيد ثقافة الولاء لعلي إلى الجيل الذي حرم منها وقد فصلنا ذلك في كتابنا (الامام الحسين في مواجهة الضلال الأموي).
الكوفة على عهد ابن الزبير ٦٧ ـ ٧٢ هـ
حاول مصعب بن الزبير والي اخيه عبد الله بن الزبير ان ينتقم من الكوفة العلوية التي نهضت مع المختار ونصرت مشروع علي وولديه الحسن والحسين وقتل يوم قتل المختار سبعة آلاف صبرا ممن لم يكن قد قاتل المختار بل لأنهم شيعة(٦٠٥).
موقف عبد الملك بن مروان من الكوفة
بعد مرور ثلاث سنوات من انهيار دولة عبد الله بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي ولاه عبد الملك سنة ٧٥ هجرية العراق، وكتب إليه كتابا بخطه: أما بعد، يا حجاج، فقد وليتك العراقيين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة، وإياك وهوينا الحجاز...، وقد رميت العرض الاقصى، فارمه بنفسك، وأرد ما أردته بك، والسلام.
فلما قدم الكوفة صعد المنبر متلثما بعمامته متنكبا قوسه وكنانته، فجلس على المنبر مليا لا يتكلم، حتى هموا أن يحصبوه، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق والمراق، ومساوئ الأخلاق، إن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجمها عودا عودا، فوجدني أمرها عودا وأصعبها كسرا، فرماكم بي، وإنه قلدني عليكم سوطا وسيفا، فسقط السوط وبقي السيف... وتكلم بكلام كثير فيه توعد وتهدد.
وذاقت الكوفة في عهده المر، وثاروا عليه تحت قيادات مختلفة آخرها تحت قيادة ابن الأشعث ولم يتطع ان يخمد ثورتهم الا بعد ان استعان بجيش الشام سنة ٨١ هـ، ثم بنى لهم واسط لكي لا يختلطوا بهم وتتأثر اخلاقهم بهم(٦٠٦).
الوليد بن عبد الملك يأمر بإخراج الشيعة العراقيين من الحجاز وإرجاعهم إلى الكوفة
وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري، عامله على الحجاز، يأمره بإخراج من بالحجاز من أهل العراقين، وحملهم إلى الحجاج بن يوسف، فبعث خالد إلى المدينة عثمان بن حيان المري لإخراج من بها من أهل العراقين، فأخرجهم جميعا، وجماعاتهم في الجوامع، إلى الحجاج، ولم يترك تاجرا ولا غير تاجر، ونادى: ألا برئت الذمة ممن آوى عراقيا، وكان لا يبلغه أن أحدا من أهل العراق في دار أحد من أهل المدينة إلا أخرجه(٦٠٧).
من قتلهم أو روَّعهم الحجاج من شيعة علي عليه السلام
كان ممن قتلهم الحجاج من شيعة علي:
كميل بن زياد النخعي المذحجي (٨٢ هـ) رحمه الله:
قال الذهبي في ترجمة كميل: قدم دمشق زمن عثمان، وشهد صفين مع علي، وكان شريفاً مطاعاً ثقةً عابداً على تشيعه، قليل الحديث، قتله الحجاج. قاله ابن سعد. وقال محمد بن عبد الله بن عمار: كميل رافضي ثقة.
وقال ابن حجر: كميل بن زياد بن نهيك ويقال بن عبد الله النخعي التابعي الشهير له إدراك، أدرك من الحياة النبوية ثماني عشرة سنة، وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم روى عنه عبد الرحمن بن عابس وأبو إسحاق السبيعي والأعمش وغيرهم قال بن سعد شهد صفين مع علي وكان شريفا مطاعا ثقة قليل الحديث من رؤساء الشيعة.
وقال هشام بن عمار: ثنا أيوب بن حسان، ثنا محمد بن عبد الرحمن قال: منع الحجاج النخع أعطياتهم حتى يأتوه بكميل بن زياد، فلما رأى ذلك كميل أقبل على قومه فقال: أبلغوني الحجاج فأبلغوه، فقال الحجاج: يا أهل الشام، هذا كميل الذي قال لعثمان أقدني من نفسك، فقال كميل: فعرف حقي، فقلت: أما إذ أقدتني فهو لك هبة (وفي رواية: لطمني فطلبت القصاص فأقادني فعفوت)، فمن كان أحسن قولاً أنا أو هو، فذكر الحجاج علياً، فصلى عليه كميل، فقال الحجاج: والله لأبعثن إليك إنساناً أشد بغضاً لعلي من حبك له، فبعث إليه ابن أدهم الحمصي فضرب عنقه. وقال المدائني: مات كميل سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن تسعين سنة(٦٠٨).
وقال جرير عن مغيرة طلب الحجاج كميل بن زياد فهرب منه فحرم قومه عطاءهم فلما رأى كميل ذلك قال أنا شيخ كبير قد نفذ عمري لا ينبغي ان حرم قومي عطاءهم فخرج إلى الحجاج فلما رآه قال له لقد أحببت ان أجد عليك جميلا فقال له كميل ان ما بقي من عمري الا القليل فاقض ما أنت قاض فان الموعد الله وقد أخبرني أمير المؤمنين على انك قاتلي قال بلى قد كنت فيمن قتل عثمان اضربوا عنقه فضربت عنقه(٦٠٩).
قال ابن حجر: كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صبهان بن سعد بن مالك بن النخع وقيل كميل بن عبد الله وقيل بن عبد الرحمن روى عن عمر وعلي وعثمان وابن مسعود وأبي مسعود وأبي هريرة روى عنه أبو إسحاق السبيعي والعباس بن ذريح وعبد الله بن يزيد الصهباني وعبد الرحمن بن عابس والأعمش وغيرهم.
وذكره بن حبان في الثقات وذكره المدائني في عباد أهل الكوفة وقال خليفة قتله الحجاج سنة ٨٢ قلت وحكى بن أبي خثيمة أنه سمع يحيى بن معين يقول مات كميل سنة ثمان وثمانين وهو بن سبعين سنة وقال بن حبان في الضعفاء لا يحتج به.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار كميل بن زياد رافضي وهو ثقة من أصحاب علي وقال في موضع آخر كميل بن زياد من رؤساء الشيعة وكان بلاء من البلاء
وذكره بن حبان في كتاب الثقات وقال أبو الحسن المدائني وفيهم يعني أهل الكوفة من العباد أويس القرني وعمرو بن عتبة بن فرقد ويزيد بن معاوية النخعي وربيع بن خثيم وهمام بن الحارث ومعضد الشيباني وجندب بن عبد الله وكميل بن زياد النخعي.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد السلام التميمي وأبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد قالا أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي قال أخبرنا تميم بن أبي سعيد الجرجاني قال أخبرنا أبو سعد الكنجروذي قال أخبرنا الحاكم أبو أحمد الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي بالكوفة قال حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال أخبرنا عاصم بن حميد الحناط أو رجل عنه قال حدثنا ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ علي بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال يا كميل بن زياد القلوب أربعة فخيرها أوعاها إحفظ ما أقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني وعالم متعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة وصحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه يفنى المال بزوال صاحبه مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ها إن ها هنا وأشار بيده إلى صدره علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على عباده أو منقاد لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا ولا ذاك أو منهوم باللذة سلس القياد للشهوات أو مغري بجمع الأموال والإدخار ليسا من دعاة الدين أقرب شبههما بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا بهم يدفع الله من حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم فيزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر تلك أبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في بلاده والدعاة إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم.
ورواه أبو نعيم ضرار بن صرد عن عاصم بن حميد فزاد فيه ألفاظا أخبرنا به أحمد بن هبة الله بن أحمد قال أخبرنا عمي أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن قال أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني قال أخبرنا عمي الشريف الأمير عماد الدولة أبو البركات عقيل بن العباس الحسيني قال أخبرنا الحسين بن عبد الله بن محمد بن أبي كامل الأطرابلسي قراءة عليه بدمشق قال أخبرنا خال أبي خيثمة ضرار بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي قال حدثنا نجيح بن إبراهيم الزهري قال حدثنا ضرار بن صرد قال حدثنا عاصم بن حميد الحناط بإسناده نحوه وقال ومحبة العالم دين يدان بها فتكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته العلم حاكم والمال محكوم عليه وصنيعة المال تزول بزواله وقال هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون(٦١٠).
ورواه الذهبي قال قرأت على أبي الفضل بن عساكر عن عبد المعز بن محمد أنا تميم بن أبي سعيد المقرئ أنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن سنة تسع وأربعين وأربع مائة أنا محمد بن محمد الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي بالكوفة أنا إسماعيل بن موسى الفزاري أنا عاصم بن حميد الحناط أو رجل عنه قال ثنا ثابت بنأبي صفية أبو حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ علي رضي الله تعالى عنه بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس فقال يا كميل القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ ما أقول لك الناس ثلاثة... وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم رواه ضرار بن صرد عن عاصم بن حميد ويروى من وجه آخر عن كميل(٦١١).
ورواه البغدادي قال حدثنا بن مرزوق نا أبو بكر الشافعي ثنا بشر بن موسى ثنا عبيد بن الهيثم ثنا إسحاق بن محمد بن أبو يعقوب النخعي ثنا عبد الله بن الفضل بن عبد الله بن أبي الهياج حدثنا هشام بن محمد بن السائب أبو منذر الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن فضيل بن خديج عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالكوفة فخرجنا حتى انتهينا إلى الجبانة فلما اصحر تنفس الصعداء ثم قال لي يا كميل بن زياد ان هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها للعلم احفظ عني ما أقول لك الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق يا كميل بن زياد العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان تكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته ومنفعة المال تزول بزواله العلم حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان الأموال وهم إحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ألا أن ههنا وأشار إلى صدره لعلما جما لو أصبت له حملة بلى أصبت لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين للدنيا وذكر الحديث(٦١٢).
قيس بن عُباد (٨٢ هـ) رحمه الله:
الاصابة: قيس بن عباد بضم أوله وتخفيف الموحدة القيسي الضبعي نزيل البصرة له إدراك ذكره بن قانع في الصحابة وأورد له حديثا مرسلا وقال بن أبي حاتم وغيره قدم المدينة في خلافة عمر فروى عنه وعن أبي ذر وعلي وأبي سعد وعمار وعبد الله بن سلام وغيرهم.
روى عنه ابنه عبد الله والحسن وابن سيرين وأبو مجلز وغيرهم قال بن سعد كان ثقة قليلة الحديث وذكره العجلي في التابعين وقال ثقثة من كبار الصالحين ووثقه النسائي وغيره وذكره بن حبان في ثقات التابعين وذكر أبو مخنف انه من جملة من قتلهم الحجاج ممن خرج مع بن الأشعث.
قال المزي: قيس بن عباد: ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة قال: وكان ثقة، قليلالحديث. زاد العجلي: من كبار الصالحين.
وقال يعقوب بن شيبة: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا عبيد الله بن النضر، عن أبيه، عن قيس بن عباد، قال: كان يركب الخيل ويرتبطها، وكانت له فرس عربية، فكلما نتجت مهرا فأدرك حمل عليه في سبيل الله.
وقال أيضا: يونس بن محمد، قال: حدثنا عبيد الله بن النضر، عن أبيه، عن قيس بن عباد أنه كان إمامهم، فإذا صلى الغداة لم يزل يذكر الله حتى يرى السقائين قد مروا بالماء مخافة أن يصير الماء أجاجا أو يصير غورا، وحتى يرى الشمس قد طلعت من مطلعها مخافة أن تطلع من مغربها.
وقال أيضا: حدثنا يونس بن محمد المؤدب، قال: حدثنا عبيد الله بن النضر، قال: حدثني أبي، عن قيس بن عباد أنه إذا كان بين الرجلين من الحي كلام فرأى أن أحدهما ظالما، لم يمنعه شرفه ولا حسبه أن يأتيه فيكلمه ويوبخه ويأمره أن يرجع إلى الحق ويقلع عن الظلم.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا الحكم بن عطية، قال: حدثنا النضر بن عبد الله، عن قيس بن عباد، قال: إن الصدفة لتطفئ الخطايا والذنوب كما يطفئ الماء النار.
وقال أحمد بن عمران الأخنسي: سألت محمد بن الفضيل بن غزوان، فحدثني، قال: قال لي: أخذ رجل لجام قيس بن عباد فجعل يذكره ويسبه، فلما بلغ إلى منزله، قال: خل عن لجام الدابة يغفر الله لي ولك.
وقال محمد بن جرير الطبري فيما حكى عن أبي مخنف، عن شيوخه، قال: فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه.
وقال حوشب، يعني: ابن يزيد بن الحارث بن يزيد ابن رويم الشيباني، للحجاج بن يوسف: إن منا مراء صاحب فتق ووثوب على السلطان لم تكن فتنة بالعراق قط إلا وثب فيها وهو ترابي(٦١٣) يلعن عثمان رضي الله عنه، وقد خرج مع ابن الأشعث، فشهد معه مواطنه كلها يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله جلس في بيته، فبعث إليه الحجاج فضرب عنقه. روى له الجماعة سوى الترمذي(٦١٤).
قال البخاري: حدثني محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا معتمر قال سمعت أبي يقول حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة(٦١٥).
سعيد بن جبير (٩٥ هـ) رحمه الله:
قال السيوطي: سعيد بن جبير بن هشام الوالبي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي أحد الأئمة الأعلام روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وطائفة وعنه الأعمش وسلمة بن كهيل وخلائق وكان يختم القرآن في كل ليلتين وكان بن عباس إذ أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول أليس فيكم سعيد بن جبير، قتله الحجاج شهيدا في شعبان سنة خمس وتسعين وهو بن سبع وخمسين وقيل تسع وأربعين قال ميمون بن مهران ولقد مات وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه(٦١٦).
قال ابن حبان سعيد بن جبير بن هشام مولى بنى والبة بن الحارث من بني أسد بن خزيمة يروى عن بن عمر وابن عباس وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان فقيها عابدا ورعا فاضلا وكان يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود حيث كان على قضاء الكوفة ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى حيث كان على قضائها ثم خرج مع بن الأشعث في جملة القراء فلما هزم بن الأشعث بدير الجماجم هرب سعيد بن جبير إلى مكة فاخذه خالد بن عبد الله القسري بعد مدة وكان واليا لعبد الملك على مكة وبعث به إلى الحجاج فقال له الحجاج اختر لنفسك أي قتلة شئت فقال اختره أنت فان القصاص أمامك فقتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين وهو بن تسع وأربعين سنة ثم مات الحجاج بعده بأيام وكان مولد الحجاج سنة أربعين(٦١٧).
قال المزي: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي، حدثنا أبو حامد بن جبلة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا عباد بن العوام أبو سهل قال أخبرني هلال بن خباب قال خرجنا مع سعيد بن جبير في جنازة قال فكان يحدثنا في الطريق ويذكرنا حتى بلغ فلما بلغ جلس فلم يزل يحدثنا حتى قمنا فرجعنا وكان كثير الذكر لله عز وجل وبه قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير قال وددت أن الناس أخذوا ما عندي فإنه مما يهمني(٦١٨).
قال الطحاوي حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا أبو عوانة قال لا أعلمه الا عن أبي بشر أن سعيد بن جبير كان يصلي في رمضان في المسجد وحده والإمام يصلي بهم فيه(٦١٩).
أقول: أي ان سعيد بن جبير كان لا يصلي صلاة التراويح لأنها بدعة عمر وليست سنة النبي صلى الله عليه وآله.
قال الدارمي أخبرنا يزيد بن هارون أنا أصبغ عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء قال وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه، وقال أخبرنا محمد بن سعيد أنا شريك عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال كنت أسمع من بن عمر وإبن عباس الحديث بالليل فاكتبه في واسطة الرحل.
وقال أيضا: أخبرنا أبو النعمان ثنا عبد الواحد ثنا عثمان بن حكيم قال سمعت سعيد بن جبير يقول كنت أسير مع بن عباس في طريق مكة ليلا وكان يحدثني بالحديث فاكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح فاكتبه.
وقال أيضا: أخبرنا إسماعيل بن أبان عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال كنت اكتب عند بن عباس في صحيفة واكتب في نعلي.
وقال أيضا أخبرنا مالك بن إسماعيل ثنا مندل بن علي العنزي حدثني جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال كنت أجلس إلى بن عباس فاكتب في الصحيفة حتى تمتلئ ثم أقلب نعلي فاكتب في ظهورهما(٦٢٠).
قال ابن سعد: قال أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرنا عمرو بن أبي المقدام عن مؤذن بني وداعة قال دخلت على عبد الله بن عباس وهو متكيء على مرفقة من حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول له انظر كيف تحدث عني فإنك قد حفظت عني حديثا كثيرا.
وقال أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا حدثنا سفيان عن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى بن عمر فسأله عن فريضة فقال ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض منها ما أفرض.
وقال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش عن مسعود بن مالك قال قال لي علي بن حسين عليهما السلام ما فعل سعيد بن جبير قال قلت صالح قال ذاك رجل كان يمر بنا فنسائله عن الفرائض وأشياء مما ينفعنا الله بها وإنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء وأشار بيده إلى العراق(٦٢١).
أقول: هذه الرواية مكذوبة على علي بن الحسين عليه السلام، والبلاء من أبي معاوية الضرير فانه كان يضع الحديث لهارون الخليفة العباسي.
وقال أيضا أخبرنا عفان بن مسلم وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا أبو شهاب قال كان سعيد بن جبير يقص لنا كل يوم مرتين بعد صلاة الفجر وبعد العصر.
وقال أخبرنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا إسماعيل عن أبي الجحاف عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير أنه كان لا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا يقول إن أردت ذلك ففي وجهه.
قال محمد بن سعد: وكان سعيد لما انهزم أصحاب بن الأشعث من دير الجماجم هرب فلحق بمكة قال أخبرنا عارم بن الفضل وسليمان بن حرب قالا حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال كان سعيد بن جبير حائنا إنه فعل ما فعل ثم أتى مكة يفتي الناس قال أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثني حفص بن خالد قال حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول يوم أخذ وشي بي واش في بلد الله الحرام أكله إلى الله. وقال وكان الذي أخذ سعيد بن جبير خالد بن عبد الله القسري وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة فبعث به إلى الحجاج.
قال أخبرنا موسى بن إسماعيل قال حدثني عبد الله بن مروان عن شريك عن هشام الدستوائي قال رأيت سعيد بن جبير يطوف بالبيت مقيدا ورأيته دخل الكعبة عاشر عشرة مقيدين قال أخبرنا يزيد بن هارون عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سمع خالد بن عبد الله صوت القيود فقال ما هذا فقيل له سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما يطوفون بالبيت فقال اقطعوا عليهم الطواف.
وقال أخبرنا علي بن محمد عن أبي اليقظان قال كان سعيد بن جبير يقول يوم دير الجماجم وهم يقاتلون قاتلوهم على جورهم في الحكم وخروجهم من الدين وتجبرهم على عباد الله وإمانتهم الصلاة واستذلالهم المسلمين. فلما انهزم أهل دير الجماجم لحق سعيد بن جبير بمكة فأخذه خالد بن عبد الله فحمله إلى الحجاج(٦٢٢).
روايات في فضائل أهل البيت عليهم السلام عن ابن عباس كثيرة منها
فيي مسند احمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الفضل بن دكين ثنا بن أبي عيينة عن الحسن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة قال غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه(٦٢٣).
وفي المستدرك للحاكم: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا أحمد بن نصر أخبرنا محد بن علي الشيباني بالكوفة ثنا أحمد بن حازم الغفاري وأنبأ محمد بن عبد الله العمري ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالوا ثنا أبو نعيم ثنا بن أبي غنية عن الحكم عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن بريدة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال غزوت مع علي إلى اليمن فرأيت منه جفوة فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله فقال من كنت مولاه فعلي مولاه وذكر الحديث هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(٦٢٤).
وروى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن أبي عاصم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا الفضل بن دكين عين بن أبي غنية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال مررت مع علي رضي الله تعالى عنه إلى اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه(٦٢٥).
وفي المعجم الكبير قال الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا الحسن بن أبي جعفر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق(٦٢٦).
وفيه أيضا قال حدثنا محمد بن عبد الله ثنا حرب بن الحسن الطحان ثنا حسين الأشقر عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما(٦٢٧).
وقال أيضا حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا حرب بن الحسن الطحان ثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما رضي الله تعالى عنهم(٦٢٨).
وقال أيضا حدثنا علي بن العباس البجلي الكوفة ثنا محمد بن تسنيم ثنا حسن بن حسين العربي ثنا يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي ودمه دمي هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(٦٢٩).

وقال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن مرزوق ثنا حسين الأشقر ثنا نصير بن زياد عن عثمان أبي اليقظان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قالت الأنصار فيما بينهم لو جمعنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالا فبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا فأنزل الله عز وجل فخرجوا مختلفين فقال بعضهم ألم تروا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم، فأنزل الله عز وجل (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)) الشورى/ ٢٤ ـ ٢٦.
فعرض لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة(٦٣٠).
وفي الكامل لابن عدي روى ابن عدي في الكامل ٣/ ٤٣١ عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن أبي جبير عن ابن عباس عن النبي قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من احبهما فقد احبني ومن ابغضهما فقد ابغضني(٦٣١).
وفي تذكرة الحفاظ للذهبي قال حدثنا محمد بن شداد أخبرنا أبو نعيم أنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم اني قتلت بيحيى سبعين ألفا واني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا غريب وعبد الله خرج له مسلم(٦٣٢).
وفي كشف الاستار للبزار عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث رسول الله إلى خيبر ـ احسبه قال أبا بكر فرجع منهزما يجبن أصحابه ويحبنه أصحابه فقال رسول الله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله رسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه فثار الناس فقال أين علي. فإذا هو يشتكي عينيه فتفل في عينيه فدفع إليه الراية فهزها ففتح الله عليه(٦٣٣).
وفي رواية البخاري عن محمد حدثنا بن عيينة عن سليمان الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما له أهجر استفهموه فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها قال سفيان هذا من قول سليمان(٦٣٤).
وروى أيضا قال حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا المغيرة بن النعمان قال حدثني سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي إن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح(٦٣٥).
وروى الحاكم قال أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار بن حاتم ثنا جعفر بن سليمان ثنا مالك بن دينار قال سألت سعيد بن جبير فقلت يا أبا عبد الله من كان حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فنظر إلي وقال كأنك رخيَّ البال فغضبت وشكوته إلى إخوانه من القراء فقلت ألا تعجبون من سعيد أني سألته من كان حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلي وقال إنك لرخي البال، قالوا إنك سألته وهو خائف من الحجاج وقد لاذ لابيت فسله الآن فسألته فقال كان حاملها علي رضي الله تعالى عنه هكذا سمعته من عبد الله بن عباس هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولهذا الحديث شاهد من حديث زنفل العرفي وفيه طول فلم أخرجه(٦٣٦).
وروى النسائي قال أنبأ أحمد بن عثمان بن حكيم الكوفي الأودي عن خالد بن مخلد قال حدثنا علي بن صالح عن ميسرة عن حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال كنا مع ابن عباس بعرفات فقال مالي لا أسمع الناس يلبون فقلت يخافون من معاوية فخرج بن عباس من فسطاطه فقال لبيك اللهم لبيك فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي(٦٣٧).
وروى المزي عن عباد بن زياد عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن أبي الحمراء قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت عن يمين العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله ايدته بعلي ونصرته(٦٣٨).
عطية العوفي (١١٠ هـ) رحمه الله:
قال أبو جعفر الطبري في كتاب ذيل المذيل: عطية بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس يكنى أبا الحسن، قال ابن سعد: أخبرنا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال جاء سعد بن جنادة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو بالكوفة فقال يا أمير المؤمنين انه قد ولد لي غلام فسمه فقال هذا عطية الله فسمي عطية وكانت أمه رومية وخرد عطية مع ابن الأشعث، هرب عطية إلى فارس وكتب الحجاج إلى محمد ابن قاسم الثقفي ان ادع عطية فان لعن علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط وحلق رأسه ولحيته فلما ولي قتيبة بن مسلم خراسان خرج إليه عطية فلم يزل بخراسان حتى ولي عمر بن هبيرة العراق فكتب إليه عطية يسأله الإذن له في القدوم فأذن له فقدم الكوفة فلم يزل بها إلى أن توفي سنة ١١١ وكان كثير الحديث ثقة ان شاء الله(٦٣٩).
أقول: وفي الطبقات ٦/ ٣٠٥، تنهي الترجمة بقول ابن سعد: وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به ولم يوردها الطبري في المنتخب.
قال الشيخ القمي رحمه الله: وحكي عن ملحقات الصراح قال: عطية العوفي ابن سعيد له تفسير في خمسة اجزاء قال عطية عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير واما على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرة(٦٤٠).
قال المزي: ولعطية عن أبي سعيدا أحاديث عدد، وكان يعد مع شيعة أهل الكوفة قال محمد بن عبد الله الحضرمي توفي سنة إحدى عشرة ومئة(٦٤١).
أقول: وكان عطية العوفي على راس ثمانمائة طليعة اربعة آلاف مقاتل في الجيش الذي بعثه المختار إلى مكة ليخلص بني هاشم من حصار ابن الزبير لهم من اجل ان يبايعوه.
قال ابن سعد في الطبقات ٥/ ١٠٣: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وإسحاق بن يحيى بن طلحة وهشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم والحسين بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده وغيرهم أيضا قد حدثني قالوا:... قطع المختار بعثا إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف فعقد لأبي عبد الله الجدلي عليهم وقال له سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدا وانفذ لما أمروك به وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى بن الزبير ثم لا تدع من آل الزبير شفرا ولا ظفرا وقال يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حجج وعشر عمر فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة فجاء المستغيث اعجلوا فما أراكم تدركونهم فقال الناس لو أن أهل القوة عجلوا فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ويقال بل تعلق بأستار الكعبة وقال أنا عائذ الله، قال عطية: ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر لو أن نارا تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة أخرناه عن الأبواب وعجل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه وأقبل أصحاب بن الزبير فكنا صفين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلا إلى صلاة حتى أصبحنا، وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس فقلنا لابن عباس وابن الحنفية ذرونا نريح الناس من ابن الزبير، فقالا هذا بلد حرمه الله ما أحله لاحد إلا للنبي عليه السلام ساعة ما أحله لاحد قبله ولا يحله لاحد بعده فامنعونا وأجيرونا قال فتحملوا وإن مناديا لينادي في الجبل ما غنمت سرية بعد نبيها ما غنمت هذه السرية إن السرايا تغنم الذهب والفضة وإنما غنمتم دماءنا فخرجوا بهم حتى أنزلوهم منى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين وصلى عليه محمد بن الحنفية، وبقينا مع بن الحنفية فلما كان الحج وحج بن الزبير من مكة فوافى عرفة في أصحابه ووافى محمد بن الحنفية من الطائف في أصحابه فوقف بعرفة ووافى نجدة بن عامر الحنفي تلك السن في أصحابه من الخوارج فوقف ناحية وحجت بنو أمية على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم.
أقول: ومن رواياته في فضائل أهل البيت عليهم السلام:
روى الطبراني قال حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا فضيل بن مرزوق (ت في حدود ال ١٦٠ هـ)(٦٤٢) ثنا عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي) (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهي جالسة على الباب فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت قال أنت إلى خير(٦٤٣).
وقال حدثنا الحسن بن أمد بن حبيب الكرمتنني بطرسوس حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا عمار بن محمد عن سفيان الثوري عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف (ت ١٤٥) عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قول عز وجل (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال نزلت في خمسة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي فاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم لم يروه عن سفيان إلا عمار بن محمد بن أخت سفيان تفرد به أبو الربيع(٦٤٤).
وقال حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ربيعة الكلابي أبو مليل الكوفي حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقري عن أبي سلمة الصائغ(٦٤٥) عن عطية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له لم يروه عن أبي سلمة إلا بن أبي حماد تفرد به عبد العزيز بن محمد(٦٤٦).
روى ابن عساكر قال أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم قال قرأت على عمي الشريف الأمير نقيب الطالبيين أبي البركات عقيل بن العباس الحسيني قلت أخبركم أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد بن أبي كامل الأطرابلسي قراءة عليه بدمشق أنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي نا جعفر بن محمد بن عنبسة اليشكري بالكوفة نا يحيى بن عبد الحميد الجماني نا قيس بن الربيع عن سعد الخفاف عن عطية العوفي عن محدوج بن زيد الذهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره ثم قال يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أما تعلم تعلم أن أول) (من يدعى به يوم القيامة يدعى بي فأقام عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة ثم يدعى بأبيك إبراهيم عليه السلام فيقام عن يمين العرش فيكسى حلة خضراء من حلل الجنة ثم يدعى بالنبيين والمرسلين بعضهم على إثر بعض فيقومون سماطين فيكسون حللا خضرا من حلل الجنة وأنا أخبرك يا علي أنه أول من يدعى بي من أمتي يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد يستبشر به ادم وجميع من خلق الله عز وجل من الأنبياء والمرسلين فيستظلون بظل لوائي فتسير باللواء بين السماطين الحسن بن علي عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش فتكسى حلة خضراء من حلل الجنة فينادي مناد من عند العرش يا محمد نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك وهو علي يا علي إنك تدعى إذا دعيت وتحيا إذا حييت وتكسى إذا كسيت)(٦٤٧).
وروى احمد قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عمار بن خالد ثنا إسحاق بن الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان (ت ١٤٥)(٦٤٨) عن عطية عن زيد بن أرقم قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة يوم غدير خم وهو آخذ بعضد علي فقال يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعذا مولاه(٦٤٩).
وروى الطبراني قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا سويد بن سعيد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(٦٥٠).
وروى احمد قال حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو إسرائيل يعني إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي(٦٥١) عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(٦٥٢).
أقول: رواه عن عطية أيضا: الأعمش وكثير النوى وطلحة بن مصرف وأبو الجحاف وعبد الملك بن سليمان العرزمي وهارون بن سعيد واسرائيل وفضيل بن مرزوق.
يحيى بن يعمر البصري الفقيه قاضي مرو:
قال الذهبي يحيى بن يعمر القاضي أبو سليمان ويقال أبو عدي العدواني البصري الفقيه قاضي مرو روى عن أبي ذر وعمار وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأبي الأسود الديلي وغيرهم وعنه عبد الله بن بريدة وقتادة ويحيى بن عقيل وعطاء الخراساني وسليمان التيمي وإسحاق بن سويد العدوي قال أبو داود لم يسمع من عائشة قلت فما الظن بالذين قبلها وقيل أنه أول من نقط المصحف وكان أحد الفصحاء الفقهاء أخذ العربية عن أبي الأسود وكان الحجاج قد نفاه فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان وكان له عدة نواب ثم عزله قتيبة لما بلغه عنه شرب المنصف متفق على حديثه وثقته(٦٥٣).
قال ابن حجر قال قال الحاكم: وقال الحاكم يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مروزي تابعي وأكثر روايته عن التابعين وأخذ النحو عن أبي الأسود الديلي نفاه الحجاج إلى مرو فقبله قتيبة بن مسلم وقد قضى في أكبر مدن خراسان وكان إذا انتقل من بلد استخلف على القضاء بها وقال أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في الكامل مات سنة تسع وعشرين ومائة كذا قال وفيه نظر وقال غيره مات في حدود العشرين(٦٥٤).
قال السيوطي: وأخرج أبو الشيخ ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني انك تزعم ان الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخره فلما أجده قال ألست تقرأ سورة الانعام (ومن ذريته داود وسليمان) حتى بلغ (ويحيى وعيسى) قال بلى قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب قال صدقت.
قال الرازي في تفسير قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) عن الشعبي قال كنت عند الحجاج فاتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلا بالحديد فقال له انت زعمت ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله فقال بلى فقال الحجاج لتاتيني بها بينة واضحة من كتاب الله أو لاقطعنك عضوا عضوا... (وتلا عليه) قوله تعالى (ومن ذريته داود وسليمان..) فاطرق ملياهم رفع راسه فقال كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا وكذا(٦٥٥).
دور الامام السجاد والباقر والصادق عليهم السلام في الكوفة بعد نهضة الحسين عليه السلام
كانت إمامة السجاد عليه السلام من سنة ٦١ هـ إلى موته سنة ٩٤ هـ ثم إمامة ولده الباقر عليه السلام إلى سنة ١١٤ هـ ثم إمامة ولده الصادق عليه السلام إلى سنة ١٤٨ هـ وقد استهدف هؤلاء الأئمة الثلاثة مهمتين أساسيتين:
الأول: تربية الشيعة على الحزن والبكاء والزيارة للحسين كصفة دائمية في شخصيتهم واحياء العشرة الأولى من المحرم بذكر مصيبة الحسين وبخاصة يوم العاشر ثم الأربعين التي بدأها علي بن الحسين وجابر بن يزيد الانصاري ثم إقامة مجالس العزاء وانشاد الشعر فيه وقد بدأ ذلك علي بن الحسين بنفسه الشريفة حين بكى أباه قريبا من أربعين سنة، ونمت الظاهرة وترعرعت برعاية الامامين الباقر والصادق عليهما السلام حتى برزت كظاهرة اجتماعية.
الثانية: تربية نوعين من العلماء الأول علماء بكتب علي عليه السلام في الفقه والسيرة والتفسير ليثقفوا الشيعة بثقافة كتاب علي عليه السلام أمثال محمد بن مسلم الطائفي وزرارة بن اعين وحمران بن اعين وأبان بن تغلب وغيرهم. الثاني علماء من ذرية علي عليه السلام ينهضون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نهج الحسين والثورة على الأمويين للإطاحة بهم وإقامة حكم على نهج علي عليه السلام. كزيد بن علي بن الحسين وولده يحيى وعيسى ومحمد وإبراهيم ولدا عبد الله بن الحسن وآخرين من ولده أيضا ومنهم إدريس مؤسس ملك الادارسة في المغرب.
الكوفة على عهد هشام وثورة زيد رحمه الله ١١٢ هـ
قال البلاذري وهو يترجم لزيد بن علي رضي الله عنه: وقرأت في كتب سالم كاتب هشام كتاباً نسخته:
(أمّا بعد فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبِّهم أهل البيت ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم ووظَّفوا عليهم شرائع دينهم ونحلتهم إيّاهم عظيم ما هو كائن ممَّا استأثر الله بعلمه دونهم حتّى حملوهم على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة(٦٥٦)..
قال البلاذري: وبعث يوسف بن عمر إلى أم امرأة لزيد أزدية، فهدم دارها وحملت إليه، فقال لها: أزوَّجتِ زيدا؟ قالت: نعم زوجته وهو سامع مطيع، ولو خطب إليك إذ كان كذلك لزوَّجته. فقال شُقّوا عليها ثيابها، فجلدها بالسياط وهي تشتمه وتقول: ما أنت بعربي تعرِّيني وتضربني لعنك الله، فماتت تحت السياط، ثم أمر بها فأُلقيت في العراء، فسرقها قومها ودفنوها في مقابرهم.
وأخذ امرأة قوَّت زيدا على أمره، فأمر بها أن تقطع يدها ورجلها... وضرب عنق زوجها.
وضرب امرأة أشارت على أمها أن تؤوي ابنة لزيد خمسمائة سوط. وهدم دورا كثيرة.
وأُتِيَيوسف بعبد الله بن يعقوب السلمي من ولد عتبة بن فرقد (وكان زوَّجَ ابنته من يحيى بن زيد) فقال له يوسف: ائتني بابنتك، قال: وما تصنع بها جارية عاتق(٦٥٧) في البيت؟ قال: أقسم لتأتيني بها أو لأضربنَّ عنقك، (وقد كان كتب إلى هشام يصف طاعته) فأبى أن يأتيه بابنته فضرب عنقه، وأمر العريف أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى، فأمر به فدُقَّت.
قال البلاذري: ولما فرغ يوسف من أمر زيد صعد منبر الكوفة فشتم أهلها وقال: يا أهل المِدْرَة الخبيثة! (والله ما يقعقع لي بالشِّنان ولا تقرن بي الصعبة) لقد هممت أن أخرب بلدكم وأن أحربكم بأموالكم، والله ما أطلت منبري إلا لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنكم أهل بغي وخلاف، ولقد سألت أمير المؤمنين (هشام بن عبد الملك) أن يأذن لي فيكم ولو فعل لقتلت مقاتلتكم وسبيت نساءكم. إن يحيى بن زيد(٦٥٨) ليتنقل في حجال نسائكم كما كان أبوه، يفعل، وما فيكم مطيع إلا حكيم بن شريك المحاربي، والله لو ظفرت بيحياكم لعرقت خصييه كما عرقت خصيتي أبيه(٦٥٩).
الكوفة مركز مرجعية الامام الصادق عليه السلام
تحرك الأئمة السجاد والباقر ثم الصادق عليه السلام في المدينة بصفتهم رواة حديث يأخذون عن الصحابة والتابعين في الجو الذي سمحت به السلطة الأموية على عهد بني مروان امتدادا للسياسة التي وضعها معاوية لإحياء معالم الدولة الأموية الأولى في إطار سيرة الشيخين كخط في قبال الثقافة التي احياها علي عليه السلام ومنعت منها الدولة الأموية الثانية، ثم كونوا لهم بمقدار ما يسمح لهم الظرف السياسي وسطهم الخاص بهم وانفتحوا تدريجيا على الثقاة من اصحابهم يدعونهم إلى ولايتهم ويعرفونهم بكتاب علي عليه السلام الذي املاه النبي عليه في السنة، وكان الجيل الجديد من الشيعة الذي ولد أيام الحجاج لا يعرف من احكام الإسلام الا الذي تبنته الدولة الأموية الثانية وقد اشارت الى ذلك رواية الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى، عن عيسى بن السري أبي اليسع قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شيء منها، الذي من قصر عن معرفة شيء منها فسد دينه ولم يقبل [الله] منه عمله ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله...
فقال: شهادة أن لا إله إلا الله والايمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال الزكاة، والولاية التي أمر الله عز وجل بها: ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله،.
قال: فقلت له: هل في الولاية فضل يعرف لمن أخذ به؟ قال: نعم قال الله عز وجل: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولي الأمر منكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عليا عليه السلام وقال الآخرون: كان معاوية، ثم كان الحسن عليه السلام ثم كان الحسين عليه السلام وقال الآخرون: يزيد بن معاوية ولا سواء ولا سواء قال: ثم سكت ثم قال: أزيدك؟
فقال له حكم الأعور: نعم جعلت فداك.
قال: ثم كان علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبا جعفر.
وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس(٦٦٠).
وكان الفرد الشيعي آنذاك لا يفاتح بكتاب علي عليه السلام وفتاواه الخاصة التي تخالف المشهور عند الناس آنذاك، حتى تؤخذ منه العهود ان لا يحدث به حتى يأتيه الإذن كما في رواية زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجد فقال (ما أجد أحدا قال: فيه إلا برأيه إلا أمير المؤمنين عليه السلام) قلت: أصلحك الله فما قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام؟
فقال (إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب علي)
قلت: أصلحك الله حدثني فإن حديثك أحب إلي من أن تقرأينه في كتاب،
فقال لي الثانية (أسمع ما أقول لك إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب، فأتيته من الغد بعد الظهر وكانت ساعتي التي كنت أخلو به فيها بين الظهر والعصر وكنت أكره أن أسأله إلا خاليا خشية أن يفتيني من أجل من يحضرني بالتقية فلما دخلت عليه أقبل علي ابنه جعفر، فقال (أقرئ زرارة صحيفة الفرائض) ثم قام لينام فبقيت أنا وجعفر في البيت فقام فأخرج إلي صحيفة مثل فخذ البعير.
فقال (لست أقرئكها حتى تجعل لي عليك الله أن لا تحدث بما تقرأ فيها أحدا أبدا حتى آذن لك) ولم يقل: حتى يأذن لك أبي، فقلت: أصلحك الله ولم تضيق علي ولم يأمرك أبوك بذلك؟
فقال لي: ما أنت بناظر فيها إلا على ما قلت لك)
فقلت: فذاك لك، وكنت رجلا عالما بالفرائض والوصايا، بصيرا بها، حاسبا لها، ألبث الزمان اطلب شيئا يلقيي علي من الفرائض والوصايا لا أعلمه فلا أقدر عليه، فلما ألقى إلي طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ يعرف أنه من كتب الأولين فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس من الصلة والأمر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف وإذا عامته كذلك فقرأته حتى أتيت على آخره بخبث نفس وقلة تحفظ وسقام رأي وقلت وأنا أقرأوه باطل حتى أتيت على آخره ثم أدرجتها ودفعتها إليه فلما أصبحت لقيت أبا جعفر عليه السلام.
فقال لي (أقرأت صحيفة الفرائض؟)
فقلت: نعم، فقال (كيف رأيت ما قرأت؟)
قال: قلت: باطل ليس بشيء هو خلاف ما الناس عليه،
قال (فإن الذي رأيت والله يا زرارة هو الحق، الذي رأيت إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي عليه السلام بيده)(٦٦١).
وقد استغل الامام الباقر عليه السلام تغير السياسية الأموية من الشدة إلى السماحة النسبية أيام عمر بن عبد العزيز (٩٩ ـ ١٠١ هـ) وكذلك الامام الصادق استغل أخريات العهد الأموي وبدايات العهد العباسي ان يربيا فقهاء الشيعة أمثال محمد بن مسلم وزرارة بن اعين وأبان بن تغلب(٦٦٢) وكان الامام الباقر يقول لهذا الأخير: (اجلس في مجلس المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك).
وعن سليمان ابن خالد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أجد أحدا أحيا ذكرنا وأحاديث أبي عليه السلام إلا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي عليه السلام على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة(٦٦٣).
روى ابن عدي عن إبراهيم بن محمد الرماني أبو نجيح قال سمعت حسن بن زياد يقول سمعت أبا حنيفة وسئل من أفقه من رأيت فقال ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إلي فقال يا أبا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك تلك الصعاب فقال فهيأت له أربعين مسألة ثم بعث إلي أبو جعفر فأتيته بالحيرة فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت وأذن لي أبو جعفر فجلست ثم التفت إلى جعفر فقال يا أبا عبد الله تعرف هذا قال نعم هذا أبو حنيفة ثم أتبعها قد أتانا ثم قال يا أبا حنيفة هات من مسائلك سل أبا عبد الله فابتدأت أسأله قال فكان يقول في المسألة أنتم تقولون فيها كذا وكذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرج منها مسألة ثم قال أبو حنيفة أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(٦٦٤).
وقال الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القمي: إني أدركت في هذا المسجد: يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد عليه السلام(٦٦٥).
قال البراقي وقد صنف الافظ أبو العباس بن عقدة الهمداني الكوفي المتوفى سنة ٣٣٣ كتابا في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن (الإمام الصادق) عليه السلام فذكر ترجمة (٤٠٠٠) رجل(٦٦٦).
الكوفة على عهد حركة ولدي عبد الله بن الحسن المثنى رضي الله عنه
قال الطبراني حدثني سعيد بن تسنيم بن الحواري بن زياد بن عمرو بن الأشرف قال سمعت من لا أحصى من أصحابنا يذكرون أن أبا جعفر (الخليفة) شاور في أمر إبراهيم فقيل له إن أهل الكوفة له شيعة، والكوفة قدر يفور أنت طبقها فاخرج حتى تنزلها ففعل(٦٦٧).
قال وحدثني عبد الملك ابن سليمان عن حبيب بن مرزوق قال حدثني تسليم بن الحواري قال لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن علي وهو محبوس عنده ان هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشربه علينا وكان ذا رأي عندهم فقال إن المحبوس محبوس الرأي فأخرجني حتى يخرج رأيي فأرسل إليه أبو جعفر، لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك وأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك، فأرسل إليه عبد الله ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة فاجثم على أكبادهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم ثم احففها بالمسالح فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك وكان بالري واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم ففعل(٦٦٨).
قال الطبري حدثني مسلم الخصي مولى محمد بن سليمان قال كان أمر إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة وأنا يومئذ لأبي جعفر فأنزلنا الهاشمية بالكوفة ونزل هو بالرصافة في ظهر الكوفة وكان جميع جنده الذين في عسكره نحوا من ألف وخمسمائة فكان يطوف الكوفة كلها في كل ليلة وأمر مناديا فنادى من أخذناه بعد عتمة فقد أحل بنفسه فكان إذا أخذ رجلا بعد عتمة لفه في عباءة وحمله فبيَّتَه عنده فإذا أصبح سأل عنه فان علم براءته أطلقه وإلا حبسه.
وحدثني جواد ابن غالب قال حدثني العباس بن مسلم مولى قحطبة قال كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر أبى سلما بطلبه فكان يمهل حتى إذا غسق الليل وهدأ الناس نصب سلما على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله ويأخذ خاتمه قال أبو سهل جواد فسمعت جميلا مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم والله لو لم يورثك أبوك إلا خواتيم من قتل أهل الكوفة كنت أيسر الأبناء.
قال الطبري: وحدثني يحيى بن ميمون من أهل القادسية قال سمعت عدة من أهل القادسية يذكرون أن رجلا من أهل خراسان يكنى أبا الفضل ويسمى فلان ابن معقل ولى القادسية ليمنع أهل الكوفة من اتيان إبراهيم وكان الناس قد صُدُّوا في طريق البصرة فكانوا يأتون القادسية ثم العذيب ثم وادى السباع ثم يعدلون ذات اليسار في البر حتى قدموا البصرة قال فخرج نفر من الكوفة اثنا عشر رجلا حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيهم رجل من موالى بني أسد يسمى بكرا من أهل شراف دون واقصة بميلين من أهل المسجد الذي يدعى الموالى فأتى ابن معقل فأخبره فأدركهم بخفان وهي على أربعة فراسخ من القادسية فقتلهم أجمعين(٦٦٩).
وقال حدثني عبد الله بن راشد بن يزيد قال سمعت إسماعيل بن موسى البجلي وعيسى بن النضر السمانين وغيرهما يخبرون أن غزوان كان لآل القعقاع بن ضرار فاشتراه أبو جعفر فقال له يوما يا أمير المؤمنين هذه سفن منحدرة من الموصل فيها مبيضة تريد إبراهيم بالبصرة قال فضم إليه جندا فلقيهم بباحمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين وكانوا تجارا فيهم جماعة من العباد من أهل الخير وغيرهم وفيهم رجل يدعى أبا العرفان جارك إنما شخصت برقيق لي فبعتهم فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبث برؤوسهم إلى الكوفة فنصبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة قال أبو أحمد عبد الله بن راشد فأنا رأيتها منصوبة على كوم التراب.
قال وحدثنا أبو علي القداح قال حدثني داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القداحين قالوا كنا بالموصل وبها حرب الراوندي رابطة في ألفين لمكان الخوارج بالجزيرة فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه فشخص فلما كان بباحمشا اعترض له أهلها وقالوا لا ندعك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم فقال لهم ويحكم إني لا أريد بكم سوءا انما أنا مار دعوني قالوا لا والله لا تجوزنا أبدا فقاتلهم فأبارهم وحمل منهم خمسمائة رأس فقدم بها على أبي جعفر وقض عليه قصتهم قال أبو جعفر هذا أول الفتح.
قال جعفر بن ربيعة قال الحجاج بن قتيبة لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلما وما أظنه يقدر على رد السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون(٦٧٠).
الخلاصة:
مصِّرت الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب وكان طابعها العام هو العمل بسيرة الشيخين شانها شان بلدان الفتوح ثم تبنت نهضة علي والحسن والحسين عليه السلام ولم تتخلف عن نصرة مشروعهم الإحيائي للسنة النبوية ودفعت الثمن غاليا حين حاول الأمويون والمروانيون والزبيريون محو ولاية علي وأهل بيته عليهم السلام والأحاديث النبوية التي تدعو إلى ولايتهم من ساحتها فلم يفلحوا، ثم برزت مرة أخرى في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري قلعة لمشروع علي عليه السلام الإحيائي للسنة النبوية بخطين الأول خط مرجعية الأئمة من ذرية الامام الصادق عليه السلام والثاني خط الثوار بقيادة زيد وولده والثوار من ولد عبد الله بن الحسن المثنى.
الباب الثالث: العباسيون يحذون حذو الأمويين في تحريف التاريخ
استهدف الباب الثالث في تسعة فصول تفسير وجود ذلك الكم الهائل من الروايات الذي انتج رؤية الانهيار المبين للحسن وللكوفيين، وكونها من وضع الامويين والعباسيين لمواجهة اخطر ثلاثي متعاون واجهه الحكم العباسي وهم الحسنيون الثائرون عليهم ـ مرجعية الامام الصادق الدينية الآخذة بالتوسع ـ الكوفة القلعة التاريخية التي تمد كلا الخطين بالقاعدة الشعبية.
ففي الفصل الأول عرضٌ مختصر في تحريف الأمويين لتاريخ خصومهم بوصفه التجربة الأقدم التي شهدها العباسيون الآباء ثم استفاد منها الأبناء لتحريف خصومهم، وقد انتزعنا هذا الفصل من كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ.
وفي الفصل الثاني عرض مختصر لانشقاق العباسيين عن الحسنيين والأئمة من أهل البيت عليهم السلام فكريا وسياسيا إذ كانوا في بدء الأمر جزء من حركة العلويين ثم انشقوا عنها.
وفي الفصل الثالث عرض وثائق الاعلام العباسي ضد الحسن والكوفة والتشيع من خلال خطب أبي العباس السفاح وأبي جعفر الدوانيقي والشعر ومحاورات الدوانيقي مع مالك بن انيس وغيره.
وفي الفصل الرابع عرض لشخصيتين مارستا الوضع في العهد العباسي المبكر لمواجهة حركة التشيع اليت يقودها الامام الصادق حين وضعتا اخبارا وصفت التشيع لعلي بانه من وضع شخص يهودي من صنعاء اسلم على عهد عثمان اظهر القول بالوصية لعلي وقرنه بالطعن على الخلفاء وبالتالي فان الشيعة من تأسيس يهودي حاقد على الإسلام، وهاتان الشخصيتان هما سيف بن عمر وعبد الرحمن بن مالك بن مغول وقد عُرفا في كتب الرجال بانهما وضّاعان للاخبار.
وفي الفصل الخامس عرض لكتاب أبي مخنف الذي استهدف تحميل أهل الكوفة تبعة قتل الحسين تعبيرا عن خذلانهم وضعف إرادتهم بخلاف ما بينه أهل البيت عليهم السلام من قتلة الحسين هم من أهل الشام وان أهل الكوفة انصارهم الاوفياء.
وفي الفصل السادس عرض للاخبار الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسن، وانها من وضع الأخباريين العباسيين من خلال ترجمة الكثير من رواة تلك الاخبار.
وفي الفصل السابع عرض للاخبارالطاعنة في الحسن عليه السلام وترجمة لرواتها ممن كان يعمل مع العباسيين.
وفي الفصل الثامن مناقشة لرواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر العسقلاني لها.
وفي الفصل الثامن عرض للروايات الطاعنة في الكوفيين على لسان الرواة الآخرين وذكر المنبهات على انها من وضع الأخباريين العباسيين أيضا.
الباب الثالث/ الفصل الأول: تحريف الأمويين للتاريخ
أوردنا في كتابنا (المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ) اربع وثائق تتحدث عن تحريف بني أمية للحديث والتاريخ ننقلها بتمامها لكفايتها:
١. ما رواه الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات
قال الزبير بن بكار: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثني الزبير قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن الواقدي قال: حدثني ابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن زيد قال:
وفد علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً سنة اثنتين وثمانين، وهو ولي عهد، فمرَّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلَّموا علهي، وركب إلى مشاهد النبي صلى الله عليه وآله التي صلَّى فيها وحيث أُصيب أصحابه في أحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أحمد، فأتوا به قُباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة أم إبراهيم، وأحد، وكل ذلك يسألهم، ويخبرونه عمَّا كان.
ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبي صلى الله عليه وآله ومغازيه.
فقال أبان: هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أتق به، فأمر بنسخها، وألقى فيها إلى عشرة من الكُتَّاب، فكتبوها في رقّ.
فلما صارت إليه، نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فإمَّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم وإمَّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان بن عثمنا: أيها الأمير لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه من القول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا، قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتَّى أذكره لأمير المؤمنين لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحُرِّق، وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.
فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان.
فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تُعرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها!
قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين أمرت بتخريق ما كنتُ نسخته حتَّى أستطلع رأي أمير المؤمنين، فصوّب رأيه، وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك.
ثم إنَّ سليمان جلس مع قبيصة بن ذؤيب، فأخبره خبر أبان بن عثمان وما نسخ من تلك الكتب وما خالف أمير المؤمنين فيها.
فقال قبيصة: لولا ما كرهه أمير المؤمنين لكان من الحظِّ أنْ تَعْلَمها وتُعلِّمَها ولدك وأعقابهم، إنَّ حظَّ أمير المؤمنين فيها لوافر، إنَّ أهل بيت أمير المؤمنين لأكثر من شهد بدراً فشهدها من بني عبد شمس ستة عشر رجلاً من أنفسهم وحلفائهم ومواليهم وحليف القوم منهم ومولى القوم منهم. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وعمَّاله من بني أمية أربعة: عتاب بن أُسيد على مكة، وأبان بن سعيد على البحرين، وخالد بن سعيد على اليمن، وأبو سفيان بن حرب على نجران، عاملاً لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكنِّي رأيت أمير المؤمنين كره من ذلك شيئاً فما كره فلا تخالفه.
ثم قال قبيصة: لقد رأيتني وأنا وهو ـ يعني عبد الملك ـ وعدةً من أبناء المهاجرين ما لنا علم غير ذلك حتَّى أحكمناه، ثم نظرنا بعد في الحلال والحرام، فقال سليمان: يا أبا إسحاق ألا تخبرني عن هذا البغض من أمير المؤمنين وأهل بيته لهذا الحيَّ من الأنصار وحرمانهم إيَّاهم لِمَ كان؟ فقال: يا ابن أخي أوّل من أحدث ذلك معاوية بن أبي سفيان، ثم أحدثه أبو عبد الملك (يريد مروان) ثم أحدثه أبوك.
فقال: علامَ ذلك؟
قال: فوالله ما أريد به إلَّا لأعلمه وأعرفه.
قال: لأنَّهم قتلوا قوماً من قومهم، وما كان من خذلانهم عثمان فحقدوه عليهم، وحنقوه وتوارثوه، وكنت أحب لأمير المؤمنين أن يكون على غير ذلك لهم وأن أخرج من مالي فكلَّمه.
فقال سليمان: أفعل والله. فكلَّمه وقبيصة حاضر، فأخبر قبيصة بما كان من محاورتهم.
فقال عبد الملك: والله ما أقدر على غير ذلك فدعونا من ذكرهم فأسكت القوم(٦٧١).
وحكى الزهري(٦٧٢): (أن عبد الملك رأى عند بعض ولده حديث المغازي فأمر به فأحرق، وقال: عليك بكتاب الله فاقرأه والسنة فاعرفها واعمل بها).
قال الدكتور حسين عطوان: (ولم يزل الخلفاء الأمويون يحظرون رواية المغازي والسير إلى نهاية القرن الأول فلما استخلف عمر بن عبد العزيز، أقرَّ بأنَّ من سبقه من الخلفاء الأمويين حاربوا رواية المغازي والسير، ومنعوا أهل الشام من معرفتها، ودفعوهم عن الإطلاع عليها، وردعوهم عن الاشتغال بها وأنكر صنيعهم، وشهَّر به تشهيراً قوياً)(٦٧٣).
قال ابن عساكر في ترجمة عاصم بن عمر بن قتادة: ووفد عاصم عيل عمر بن عبد العزيز في خلافته في دين لزمه فقضاه عنه عمر وأمر له بعد ذلك بمعونة وأمره أنْ يجلس في مسجد دمشق فيحدِّث الناس بمغازي رسول الله صلى الله عليه وآله ومناقب أصحابه وقال إنَّ بني مروان كانوا يكرهون هذا وينهون عنه فاجلس فحدِّث الناس بذلك ففعل(٦٧٤).
أقول: ومن الجدير ذكره، ان عمر بن عبد العزيز حين رفع الحظر عن رواية المغازي والحديث لم يكن قد رفعه بشكل كامل، لذلك فإن من عُرِف بروايته لفضائل علي وسيرته وأُمِرَ بلزوم الإقامة الجبرية في بلده كعامر بن وائلة، لم يرفع الحظر عنه، وقد روى ابن عساكر في ترجمة عامر بن واثلة أبي الطفيل أنَّه أدركته إمرة عمر بن عبد العزيز فكتب يستأذنه في القدوم عليه، فقال عمر: ألم تؤمر بلزوم البلد(٦٧٥)؟
ومن الثابت أنَّ أبا الطفيل كان صحابياً من شيعة علي عليه السلام وقد ترك البخاري حديثه لأنّه كان (بزعمه) يفرط في التشيع(٦٧٦).
٢. ما رواه أبو الفرج في كتابه الأغاني
روى أبو الفرج بسنده عن ابن شهاب(٦٧٧) قال: قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر فمضيت فيه أياماً ثم أتيته، فقال لي ما صنعت؟ فقلت بدأت بنسب مضر وما أتممته، فقال: اقطعه قطعه الله مع أصولهم، واكتب لي السيرة، فقلت له: فإنَّه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب افأذكره؟
فقال: لا إلَّا أنْ تراه في قعر الجحيم(٦٧٨).
وهذا الحديث يفسِّر لنا بوضوح لماذا جاءت روايات الزهري للسيرة التي رواها عنه عبد الرزاق الصنعاني بواسطة معمر خالية من ذكر علي عليه السلام وفيما يلي نماذج من روايات الزهري بواية عبد الرزاق الصنعاني في كتابه المصنّف:
١. روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال سألت الزهري: (عن أوّل من أسلم)؟ قال: ما علمنا أحداً أَسلم قبل زيد بن حارثة(٦٧٩).
٢. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديث عن عروة قال: كانت وقعة أحد في شوال، على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير.
قال الزهري عن عروة في قوله (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون): إنَّ النبي صلى الله عليه وآله قال يوم أحد حين غزا أبو سفيان وكفّار قريش: إنَّي رأيت كأنِّي لبست درعاً حصينة، فأوّلتها المدينة، فاجلسوا في ضيعتكم وقاتلوا من ورائها، وكانت المدينة قد شبكت بالبنيان، فهي كالحِصن، فقال رجلٌ مسنٌ لم يشهد بدراً: يا رسول الله، اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم، وقال عبد الله بن أبي سلول: نعم، والله، يا نبي الله، ما رأيت إنّا والله ما نزل بنا عدو قط فخرجنا إليه، إلَّا أصاب فينا، ولا يأتينا في المدينة، وقاتلنا من ورائها إلَّا هَزَمنا عدوُّنا.
فكلَّمه أُناس من المسلمين، فقالوا: بلى، يا رسول الله، أخرج بنا إليهم، فدعا بلأمته فلبسها، ثم قال: أظنُّ الصرعى إلَّا ستكثر منكم ومنهم، إنِّي أرى في النوم منحورة، فأقول بقر، والله بخير فقال رجل: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمي فاجلس بنا، فقال: إنَّه لا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتَّى يلقى الناس، فهل من رجل يدلنا الطريق على القوم من كثب؟ فانطلقت به الأدلاء بين يديه، حتَّى إذا كان بالشوط من الجبانة انخذل عبد الله بن أبي بثلث الجيش، أو قريب من ثلث الجيش، فانطلق النبي صلى الله عليه وآله حتَّى لقوهم بأحد، وصافوهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله عهد إلى أصحابه أنَّهم هزموهم، أنْ لا يدخلوا لهم عسكراً، ولا يتَّبعوهم، فلمَّا التقوا هزموا(٦٨٠)، وعصوا النبي صلى الله عليه وآله، وتنازعوا، واختلفوا، ثم صرفهم الله عنهم ليبتليهم، كما قال الله وأقبل المشركون، وعلى خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة، فقتل من المسلمين سبعين رجلاً وأصابهم جراح شديدة، وكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله، ودمي وجهه، حتَّى صاح الشيطان بأعلى صوته: قتل محمد.
قال ابن إسحاق حدَّثني ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك أخو بني سلمة قال: قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وآله، فأشار إليَّ أنْ أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وآله نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه: أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصمة، في رهط من المسلمين، فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين يا محمد أين يا محمد لا نجوت إنْ نجوت، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله رجل منّا؟ فقال: دعوه فلمَّا دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم فيما ذكر لي، فلمَّا أخذها رسول الله صلى الله عليه وآله انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر من ظهر البعير إذا أنتفض بها، ثم استقبله فطعنه بها طعنة تردّى بها عن فرسه مراراً(٦٨١).
قال عبد الرزاق قال معمر حدثني الزهري: فنادى أبو سفيان بعدما مُثِّل ببعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وجُدِعوا، ومنهم من بُقِرَ بطنُه.
فقال أبو سفيان: إنَّكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل، فإنَّ ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا سادتنا(٦٨٢)، ثم قال أبو سفيان: أعلُ هُبَل. فقال عمر بن الخطاب: الله أعلى وأجل.
فقال: أنعمت عيناً(٦٨٣)، قتلى بقتلى بدر.
فقال عمر: لا يستوي القتلى، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
فقال أبو سفيان: لقد خِبنا إذا، ثم انصرفوا راجعين.
وندب النبي صلى الله عليه وآله أصحابه في طلبهم، حتَّى إذا بلغوا قريباً من حمراء الأسد، وكان فيمن طلبهم يومئذ عبد الله بن مسعود، وذلك حين قال الله (الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران/ ١٧٣.(٦٨٤)
٣. قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري في حديثه عن المسيب: وذكر قصَّة نعيم بن مسعود الأشجعي وسعيه في الوقعية بين أبي سفيان وبني قريضة وما أرسل الله تعالى من الريح على المشركين وإنهزامهم بغير قتال، ثم قال: فذلك حين يقول (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله عزيزاً) الأحزاب/ ٢٥.(٦٨٥)
٤. عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لمَّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله حتَّى أتى المدينة، فغزا خيبر من الحديبية فأنزل الله عليه (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه) إلى (ويهديكم صراطاً مستقيماً) فلمَّا فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية، وبايع تحت الشجرة، ممَّن كان غائباً أو شاهداً، من أجل أنَّ الله كان وعدهم إيَّاها، وخمَّس رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين، ومن غاب عنها من أهل الحديبية(٦٨٦).
٥. عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني كُثّير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين، قال: فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله وما معه إلَّا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وآله فلم نفارقه، وهو على بغلة شهباء وربما قال معمر: بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي.
قال: فلمَّا التقى المسلمون والكفَّار ولَّى المسلمون مدبرين(٦٨٧)، وطفق رسول الله صلى الله عليه وآله يُركِض بغلتَه نحو الكفار قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله ألقفها، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغرز(٦٨٨) رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا عباس، ناد أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلاً صيتاً، فناديت بأعلى صوتي: أي أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك.
وأقبل المسلمون، فاقتتلوهم والكفار.
فنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصر الداعون على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج.
قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا حين حمي الوطيس.
قال ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله حصيات فرمى بهن وجوه الكفَّار، ثم قال: انهزموا وربِّ الكعبة.
قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى.
قال: فوالله ما هو إلَّا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وآله بحصياته، فما زلت أرى حدَّهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتَّى هزَّمهم الله تعالى، قال: وكأنِّي أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله يركض خلفهم على بغلة له.
٣. رواية المدائني في كتابه الأحداث
روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت ٢٢٥ هـ)(٦٨٩) في كتابه (الأحداث) قال:
[كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة.
(أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أب تراب وأهل بيته).
فقالمت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاً عليه السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.
وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمَّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقَطَّع الأيدي والأرجل وسَمَّلَ العيون وصلَّبهم على جذوع النخل وطردهم وشرَّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عُمَّاله في جميع الآفاق:
(ألَّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة).
وكتب إليهم: (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرِّبوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكلِّ ما يروي كلَّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته).
ففعلوا ذلك حتَّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكِساء والحِباء والقَطائع، ويفيضه في العرب مهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيءُ أحد مردود من الناس عاملاً من عمَّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلَّا كتب اسمه وقرَّبه وشفَّعه فلبثوا بذلك حيناً.
ثم كتب إلى عُمَّاله:
(إنَّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشا في كل مِصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلَّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحض لِحُجَّة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله).
فقُرئت كتبه على الناس فرُويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.
وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتَّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وأُلقِيَ إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتَّى رووه وتعلَّموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثم كتب إلى عُمَّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:
(انظروا من قامت عليه البيِّنة أنَّه يحبُّ عليَّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه).
وشفع ذلك بنسخة أُخرى:
(من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره).
فلم يكن البلاء أشدُّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيَّما بالكوفة، حتَّى إنَّ الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرَّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتَّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة لَيَكْتُمَنَّ عليه).
قال ابن ابي الحديد:
فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر.
ومضى على ذلك الفقهاء والقضا والولاة.
وكان أعظم الناس في ذلك بليَّةً القُرّاء المُراؤون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقرِّبوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل.
حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلُّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنَّها حق ولو علموا أنَّها باطلة لما رووها ولا تديَّنوا بها(٦٩٠).
قال ابن أبي الحديد: وقد روي أنَّ أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيَّانا وتظاهرهم علينا وما لَقِيَ شيعتنا ومحبونا من الناس...
وكان عُظْمُ ذلك وكُبْرهُ زمنَ معاوية بعد موت الحسن عليه السلام.
فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطِّعت الأيدي والأرجل على الظِّنة.
وكان من يُذْكَر بحبِّنا والانقطاع إليه سُجِنَ أو نُهِب مالُه، أو هُدِمَت دارهُ، ثمَّ لم يزل البلاء يشتدُّ ويزداد إلى زمان عبيد الله قاتل الحسين عليه السلام.
ثم جاء الحجَّاج فقتلهم كلَّ قتلة وأخذهم بكلَّ ظنَّة وتهمة، حتَّى إنَّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبُّ إليه من أن يقال له شيعة علي.
وحتَّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً يحدِّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنَّها حقٌّ لكثرة من قد رواها ممَّن لم يُعرَف بكذب ولا بقلة ورع(٦٩١).
أقول:
ومن الغريب أنَّ ابن أبي الحديد بعد أن يورد ذلك كله يعقِّب عليه بقوله:
(واعلم أنَّ أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة. فإنَّهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو:
حديث (السطل). وحديث (الرمانة). وحديث (غزوة البئر) التي كان فيها الشاطين وتعرف كما زعموا بـ (ذات العلم). وحديث (غسل سلمان الفارسي وطي الأرض). وحديث (الجمجمة)، ونحو ذلك.
فلمَّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث:
نحو (لو كنتُ متخذاً خليلاً)، فإنَّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء.
ونحو (سد الأبواب) فإنَّه كان لعلي عليه السلام فنقلته البكرية إلى أبي بكر.
ونحو (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان). ثم قال: (يأبى الله تعالى والمسلمون إلَّا أبا بكر)، فإنَّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه: (آئتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلُّون بعده أبداً)، فاختلفوا عنده. وقال قوم منهم، لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله.
ونحو حديث: (أنا راض عنك فهل أنت عنِّي راض!). ونحو ذلك...
فلمَّا رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث، فوضعوا:
حديث (الطوق)، الحديث الذي زعموا أنَّه جعله في عنق خالد.
وحديث (اللَّوح)، الذي زعموا أنَّه كان في غدائر الحنفيَّة أُمِّ محمد.
وحديث (لا يفعلن خالد ما آمر به).
وحديث (الصحيفة)، الَّتي علِّقت عام الفتح بالكعبة.
وحديث (الشيخ)، الَّذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر، فسبق الناس إلى بيعته.
وأحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة والتابعين الأوَّلين وكفرهم.
فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في عليّ عليه السلام وفي ولديه.
ونسبوه تارةً إلى ضعف العقل، وتارةً إلى ضعف السياسة، وتارةً إلى حبِّ الدُّنيا والحرص عليها.
ولقد كان الفريقان في غنية عمَّا اكتسباه واجترحاه.
ولقد كان في فضائل علي عليه السلام الثابتة الصحيحة، وفضائل أبي بكر المحقَّقة المعلومة ما يغني عن تكلُّف العصبية لهما، فإنَّ العصبية لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل
إلى ذكر الرذائل، ومن تعديد المحاسن إلى تعديد المساوي والمقابح. ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى وحبِّ العصبيَّة، وأن يجرينا على ما عوَّدنا من حبِّ الحقِّ أين وجد وحيث كان، سخط ذلك من سخط، ورضى به من رضى بمنَّه ولطفه(٦٩٢).
أقول:
ليس من شك أنَّ قول ابن أبي الحديد هذا مجانب للصواب، إذ أنَّ البادئ بوضع الحديث وتشجيع الناس عليه هو معاوية كما مرَّت الأخبار التي رويناها عن ابن أبي الحديد نفسه. وذلك لما انتشر عند أهل الشام في السنوات العشر من صلح الحسن عليه السلام من حديث الغدير، وحديث الثقلين، والمباهلة، والدار، والكساء، والمنزلة، والمؤآخاة، وخيبر، وأُحد، وحديث بريدة بن الحصيب لمَّا جاء برسالة خالد بن الوليد من اليمن، يقع فيها في علي عليه السلام، وغيرها وأيضا ما ورد في حقِّه من القرآن.
قال ابن أبي الحديد: قد روى ابن عرفة المعروف بابنِ (نفطويه)(٦٩٣)، وهو من أكابر المحدِّثين وأعلامهم في تاريخه، قال: إنَّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة أُفتعلت في أيّام بني أُمية، تقرُّباً إليهم بما يظنُّون أنَّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم(٦٩٤).
وقال أبو جعفر الإسكافي (ت ٢٢٠ هـ)(٦٩٥):
إنَّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جُعَلّا يُرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير(٦٩٦).
نموذجان من حديث عروة في ذم عليّ عليه السلام:
روى الزهري أنَّ عروة بن الزبير حدَّثه قال: حدثتني عائشة قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة إنَّ هذين يموتان على غير ملَّتي أو قال ديني.
وروى عبد الرزاق عن معمَّر قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما الله أعلم بهما إنِّي لأتهمهما في بني هاشم.
قال ابن أبي الحديد: فأمَّا الحديث الأوّل فقد ذكرناه.
وأمَّا الحديث الثاني فهو: أنَّ عروة زعم أنَّ عائشة حدَّثته، قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي، فقال صلى الله عليه وآله: يا عائشة إن سَرَّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرتُ فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. نموذج من حديث عمرو بن العاص في علي عليه السلام:
وأمَّا عمرو بن العاص فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إنَّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنَّما وليي الله وصالح المؤمنين)(٦٩٧).
نموذج من حديث أبي هريرة في ذم عليّ عليه السلام:
وأمَّا أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه أنَّ عليَّاً عليه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأسخطه، فخطب على المنبر وقال: لاها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، إنَّ فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فإنْ كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد أو كلاماً هذا معناه(٦٩٨).
قال ابن أبي الحديد: هذا الحديث مخرَّج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري(٦٩٩).
٤. ما رواه سليم بن قيس في كتابه
قال سليم بن قيس:
إنَّ معاوية مرَّ بحلقة من قريش، فلمَّا رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس فقال له: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلَّا لموجدة عليَّ بقتالي إيَّاكم يوم صفين، يا ابن عباس إنَّ ابن عمِّي عثمان قُتل مظلوماً.
قال ابن عباس: فعمر بن الخطَّاب قد قتل مظلوماً فَسَلِّم الأمر إلى ولده، وهذا أبنه؟!.
قال: أنَّ عمر قتله مشرك.
قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟
قال: قتله المسلمون!
قال: فذلك أدحض لحُجَّتك، إنْ كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلَّا بحث.
قال: فإنَّا قد كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليَّ وأهل بيته، فكُفّ لسانك يا ابن عباس واربَع على نفسك.
قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا.
قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم.
قال: فنقرأه ولا نسأل عمَّا عنى الله به؟ قال: نعم.
قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به.
قال: فكيف نعمل به حتَّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال سل عن ذلك من يتأوَّله على غير ما تتأوَّله أنت وأهل بيتك.
قال: إنَّما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟!...
قال: فارقؤوا القرآن ولا ترووا شيئا ممَّا أنزل الله فيكم وممَّا قال رسول الله فيكم وارووا ما سوى ذلك!
قال ابن عباس: قال الله في قرآنه: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)) التوبة/ ٣٢.
قال معاوية: يا ابن عباس اكفني نفسك وكُفَّ عنّي لسانك، وإنْ كنت لابدَّ فاعلاً فليكن ذلك سرَّاً ولا يسمعه أحدٌ منك علانية(٧٠٠)!
أقول: إنَّ هذه المحاورة قد جرت في المدينة سنة (٥٥ هجـ) بعد رجوع معاوية من الحج الذي أقامه لتلك السنة؟
وقد جرت قبل ذلك في مكة محاورة أخرى بينه وبين سعد بن أبي وقاص رواها النسائي (ت ٣٠٣ هـ) صاحب السنن قال:
أخبرنا محمد بن المثنى قال: أخبرنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا بكر بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول:
قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أنْ تسب ابن أبي طالب؟
قال: لا أسبُّه ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله صلى الله عليه وآله لأن يكون لي واحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم.
ما أسبُّه: ما ذكرتُ حين نزلت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: رب هؤلاء أهل بيتي وأهلي.
ولا أسبُّه: ما ذكرت حين خلَّفه في غزوة غزاها قال علي: خلفتني مع الصبيان والنساء؟ قال: أولا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبوة بعدي.
وما أسبُّه: ما ذكرت يوم خيبر حين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأعطينَّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويفتح الله بيده، فتطاولنا، فقال: أي علي؟ فقالوا: هو أرمد، قال: ادعوه، فبصق في عينيه ثم أعطاه الراية، ففتح الله عليه.
فوالله ما ذكره معاوية بحرف حتَّى خرج من المدينة(٧٠١).
أقول: وقد كانت هذه المحاورة قبل صدور قرار معاوية إلى ولاته بسبب علي على المنابر، وكان هدفه من هذا الحوار حبس نبض سعد ولمَّا عرف موقفه دس له السم كما دس السم للحسن عليه السلام.
قال أبو الفرج الاصفهاني (ت ٣٥٦ هـ): حدثني أحمد بن عبيد الله قال حدثني عيسى بن مهران قال حدثنا يحيى بن أبي بكر قال حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: توفي الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين.
وقال أبو الفرج: كانوا يرون أنَّه سقاهما سُمّاً(٧٠٢).
الباب الثالث/ الفصل الثاني: انشقاق العباسيين عن العلويين
العباسيون وأطروحتهم الفكرية والسياسية
العباسيون هم ذرية عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. وعبد الله بن عباس وإخوانه عبيد الله بن العباس وقثم وغيرهم كانوا منظوين تحت قيادة علي عليه السلام وكان جدهم عبد الله بن عباس واخوانه قد رباهم واعتمد عليهم في حكمه حيث ولى عبد الله البصرة وعبيد الله اليمن وقثم مكة.
وكان عميد اسرة العباس مخلصا لعلي عليه السلام وقد نهض لنشر العلم خاصة بعد شهادة الحسين عليه السلام ووقف في وجه حركة ابن الزبير التي استهدفت استرجاع المدرسة الفكرية التي اسستها قريش في حكمها وبخاصة تحريم المتعتين. وكان ابن عباس معظما للحسن والحسين تعظيما خاصا لما يعرف من فضلهما.
وقد روى ان مدرك بن زياد قال لابن عباس وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما (انت اسن منهما تمسك لهما بالركاب؟ فقال يا لكع وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله اوليس مما انعم الله علي بن ان امسك لهما واسوي عليهما!.
كان وجه وُلد عبد الله بن عباس هو علي بن عبد الله بن عباس.
ثم وَلَدَ علي بن عبد الله، محمدا بن علي بن عبد الله وقد عرف بالعبادة كابيه وجده، وكان بينه وبين أبيه اربع عشر سنة واشهر، فلما شابا خضب علي بالسواد وخضب محمد بن علي بالحنا فلم يكن يفرق بينهما الا بخضابهما لتشابهما وقرب سن بعضهما من بعض.
وكان علي بن عبد الله اثيرا عند عبد الملك حتى طلق عبد الملك أم ابيها بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فتزوجها علي فتغير له وثقل عليه، فلما ولي ولده الوليد اقصاه وتحبنى عليه حتى ضربه وسيَّره. توفي سنة ١١٧ هجرية وله ثمان وسبعون أيام هشام بن عبد الملك.
ولد علي بن عبد الله بن عباس
وهم تسعة: محمد بن علي، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وسليمان بن علي، وصالح بن علي، وإسماعيل بن علي، وعبد الصمد بن علي، ويعقوب بن علي، وعبد الله بن علي الاصغر.
فاما محمد بن علي فقد مات سنة ١٢٥ هجرية وكان عمره سبعون سنة. وهو مؤسس الدعوة العباسية، وقد اختار مدينة خراسان لتكون مركزا لنشاط دعاته كما سيأتي.
واما داود بن علي: فكان لسِناً خطيبا ولي مكة والمدينة لابي العباس السفاح وكان المتكلم يوم استخلف ابو العباس.
واما عيسى بن علي فان أبا العباس ولاه فارس، ونهر عيسى ينسب إليه.
واما سليمان بن علي فقد ولي البصرة وكور دجلة والاهواز والبحرين وعمان للمنصور بعد أبي العباس.
واما صالح بن علي فهو المتوجه إلى مصر لملاحقة مروان بن محمد فقتل مروان وفتح مصر.
واما عبد الله بن علي الاصغر فقد ولاه ابو العباس محاربة مروان وضم إليه وجوه قواد خراسان فلقي مروان بالزاب نحو الموصل ومروان في مائة ألف فقاتله وهزمه.
واما عبد الصمد بن علي فكان مع عبد الله بن علي بالشام. وولي للمنصور وغيره وتوفي ببغداد سنة ١٨٥ هجرية.
ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
وهم: إبراهيم الامام وامه جان أم ولد، وعبد الله أبو العباس السفاح وامه ريطة الحارثية، وعبد الله أبا جعفر المنصور وامه سلامة البربرية، وهؤلاء الثلاثة هم الذين اعتمدهم ابوهم فامسكوا بقيادة الدعوة والدولة العباسية، وموسى لام ولد، ويحيى امه أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث من ولد نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهوبيَّة، والعباس لام ولد.
اما إبراهيم الامام فقد سجنه مروان لما وصلته معلومات عن نشاطه ثم مات في السجن بعد ان وضع راسه في جراب نورة. وكان قد أوصي إلى اخيه ابي العباس السفاح.
اما ابو العباس السفاح فقد بويع في الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة ١٣٢ هجرية.
واما أبو جعفر المنصور فقد وجهه أبوه إلى البصرة ليزورها ويدعو الى (الرضا من آل محمد) وقد تولى الخلافة بعد اخيه سنة ١٣٦ هجرية.
تغير ولاء العباسيين وتبدل أطروحتهم الفكرية
تغير موقف العباسيين بشكل واضح منذ ان أوصي ابو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ت سنة ٩٨ هجرية بقيادة التنظيم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس(٧٠٣).
وفي مرحلة لاحقة بدلوا الأطروحة الفكرية التي شيد عليها ابو هاشم تنظيمه السياسي من تبني إمامة علي ووراثته للنبي إلى أطروحة أخرى مفادها ان الاحق بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله هو العباس وليس عليا عليه السلام.
وقد أشار محمد بن عبد الله بن الحسن في رسالته إلى أبي جعفر المنصور إلى هذه الحقيقة قائلا: (فان الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وان ابانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده إحياء؟، وكتب المنصور يفنِّد هذه الدعوى قائلا: واما قولك انكم بنو رسول الله فان الله تعالى يقول في كتابه (ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم) الأحزاب/ ٤٠ ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة فكيف تورث بها(٧٠٤)...
جدَّ محمد بن علي في أمره وأعاد بناء التنظيم وشهدت بداية القرن الثاني الهجري وبخاصة أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز/ حيث غَّرَ سياسة الحكم الاعلامية فيما يخص لعن علي عليه السلام/ نشاطا ملحوظا، وكرَّس جهده على منطقة خراسان بوصفها منطقة يحن أهلها إلى بلد ابائهم/ الكوفة/ منذ ان سيَّرهم زياد، وأَمر الدعاة ان يحافظوا على الشعار العام الدعوة إلى الرضا من آل محمد دون ان يسموا أحدا.
روى المدائني ان محمد بن علي بعث رجلا إلى خراسان فامره ان يدعو الى (الرضا من آل محمد) ولا يسمي أحدا، ومثَّل له مثالا يعمل به، فأجابه ناس فلما صاروا سبعين جعل منهم اثني عشر نقيبا(٧٠٥).
قال محمد بن علي يوصي دعاته:
لا أرى بلدا الا واهله يميلون عنا إلى غيرنا.
اما أهل الكوفة فميلهم إلى ولد علي بن أبي طالب،
واما أهل البصرة فعثمانية.
واما أهل الشام فسفيانية مروانية.
واما أهل الجزيرة فخوارج.
واما أهل المدينة فقد غلب عليهم حب أبي بكر وعمر ومنهم من يميل إلى الطالبيين، ولكن أهل خراسان قوم فيهم الكثرة والقوة والجلَد وفراغ القلوب من الاهواء فبعث إلى خراسان(٧٠٦).
وفي كلام له أيضا في حضور الدعاة لحل نزاع بينهم قال:
ان أهل الشام أعوان الظالمين، وآفة هذا الدين، وقد ابتعثوا بنصرة بني أمية، وأغري أكثر أهل العراق بمشايعة بني أبي طالب، وقد خصنا الله بأهل خراسان، فهم أنصارنا وأعواننا وذخائرنا، وقد حلت عليهم من الله رحمة قد غشيتهم، ويوشك أن تتبعهم ريح الحياة فتعز ذليلهم، وتقوي ضعيفهم، وتقتل من قاتلهم حتى يعز دين الله ويظهر الحق وأهله، يقول الله عز وجل: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) فكأنكم بالاودية قد سالت برجل خراسان أشد في طاعتنا من زبر الحديد، أسماؤهم الكنى، وأنسابهم القرى، يقدمهم النصر، ويحوطهم العز، فاله عن غير أهل خراسان، فإنه ليس لكم بغيرها دعوة ولا من غير أهلها مجيب(٧٠٧)...
وكشفت كلمات السفاح والمنصور والخلفاء من ذريته انهم كانوا يعتقدون ان المراد ب (آل محمد) هم ذرية العباس عم النبي صلى الله عليه وآله.
روى الطبري عن علي بن محمد أن جبلة بن فروخ وأبا السري وغيرهما قالا أن أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أعلاه وصعد داود بن علي فقام دونه فتكلم أبو العباس فقال:
(الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته وأنشأنا من آبائه وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته.
جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤفا رحيما ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وقال: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودة في القربى) وقال: (وأنذر عشيرتك الاقربين) وقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى) وقال: فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبا تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم.
وزعمت السبائية(٧٠٨) الضُّلّال أن غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم، بمَ ولمَ أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم؟ وبصرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ورفع بنا الخسيسة وتم بنا النقيصة وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم ودنياهم وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الامم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصا منها.
ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها بينهم فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولى نصرنا والقيام بأمرنا ليمنَّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا.
وإني لأرجو ان لا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.
يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا.
فأنا السفاح المبيح والثائر المبير.
وكان موعوكا فاشتد به الوعك فجلس على المنبر.
وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال:
الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
أيها الناس الآن أقشعت حنادس الدنيا وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحق ونصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.
أيها الناس إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً ولا عقياناً ولا نحفر نهراً ولا نبني قصراً وإنما أخرجنا الآنفة من ابتزازهم حقنا والغضب لبني عمنا وما كَرَثَنا من أموركم وبهظنا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم وخرقهم بكم واستذلالهم لكم واستئثارهم وبفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم.
لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تباً تباً لبني حرب بن أمية وبني مروان آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة والدار الفانية على الدار الباقية فركبوا الآثام وظلموا الانام وانتهكوا المحارم وغشوا الجرائم وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الاوزار وتجلبب الآصار ومرحوا في أعنة المعاصي وركضوا في ميادين الغي جهلا باستدراج الله وأمناً لمكر الله فأتاهم الله بياتا وهم نائمون فأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق فبعدا للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان وقد غرَّه بالله الغرور، ومحق ضلاله وجعل دائرة السوء به وأحيا وشرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا.
ثم قال: يا أهل الكوفة إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنت به تنتظرون وإليه تشوفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ومن عليكم بإمام منحه العدالة وأعطاه حسن الايالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فان الأمر أمركم فان لكل أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا.
ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار بيده إلى أبي العباس فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حق نسلمه إلى عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا(٧٠٩).
محمد بن عبد الله بن الحسن رحمه الله:
لم تكن الساحة خالية لمحمد بن علي وإخوته وولده وابناء عمومته إذ كان أمامهم بيت عبد الله بن الحسن وولداه محمد وإبراهيم وإخوته. وبيت الامام الصادق عليه السلام. ولكل شيعته وانصاره.
فمحمد بن عبد الله بن الحسن صاحب حركة سياسية واسعة النطاق هي امتداد لحركة زيد بن علي الذي استشهد في صفر سنة ١٢٢ هجرية وحركة ولده يحيى واستشهاده سنة ١٢٥ هجرية كما يفهم ذلك من ت