فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب أخرى » جواهر التاريخ الجزء الثالث سيرة الإمام الحسن  

كتب أخرى

 

الكتب جواهر التاريخ الجزء الثالث سيرة الإمام الحسن

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ علي الكوراني العاملي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٤/٣٠ المشاهدات المشاهدات: ٧٨١٨ التعليقات التعليقات: ٠

جواهر التاريخ الجزء الثالث
سيرة الإمام الحسن عليه السلام وتسلط بني أمية ومواجهة أهل البيت عليهم السلام لخططهم

تأليف: علي الكوراني العاملي

الفهرس

مقدمة
الفصل الأول: خلافة الإمام الحسن عليه السلام وانهيار الأمة!
بيعة المهاجرين والأنصار للإمام الحسن عليه السلام
أهداف الإمام الحسن عليه السلام من خلافته
الإمام الحسن عليه السلام يؤكد الحجة على معاوية والأمة
معاوية يتحرك بجيشه نحو العراق
الإمام الحسن عليه السلام يحرك في الأمة ثُمالة شعلته
الإمام الحسن عليه السلام بين المعادلة الإسلامية والجاهلية
الإمام الحسن عليه السلام يمتحن جمهوره
الإمام الحسن عليه السلام يمتحن جيشه!
الملاحظة الأولى: في حركة الجيش ومكان المعركة
الملاحظة الثانية: شخصية قيس بن سعد بن عبادة
الملاحظة الثالثة: لا خيار شرعياً للإمام عليه السلام إلا التنازل عن الحكم
آخر مراحل انهيار الأمة في عهد الإمام الحسن عليه السلام
ثلاث محاولات لاغتيال الإمام الحسن عليه السلام في يوم واحد!
ما روي عن خيانة بعض قادة الجيش ورؤساء القبائل
حكم أهل البيت عليهم السلام استثناءٌ من السياق الطبيعي للتاريخ!
مفاوضات الصلح بين المدائن وحلب!
الفصل الثاني: شروط الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية
الزعيمان الأمويان الضامنان لتنفيذ معاوية لشروط للصلح
الزعماء الأربعة الذين أرسلهم الإمام الحسن عليه السلام
نصوص عهد الصلح من أهم المصادر
رواية البلاذري
رواية ابن الأعثم
رواية ابن المطهر المقدسي
رواية ابن حجر وابن طلحة الشافعي
رواية ابن شهرآشوب
رواية هامش نهاية ابن كثير
تصنيفٌ لشروط عهد الصلح
الشرط الأول: أن يعمل معاوية بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله
الشرط الثاني: أن لا يعهد معاوية بالخلافة بعده إلى أحد بل تكون بعده للحسن، فإن حدث به حدثٌ فللحسين عليهما السلام
الشرط الثالث: إعلان العفو العام، خاصة لشيعة علي عليه السلام
الشرط الرابع: أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام
الشرط الخامس: أن لا يغتال الإمام الحسن أو الحسين عليهما السلام وآلهم
الشرط السادس: أربعة بنود مالية
الشرط السابع: أن لا يسميه أمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة
ملاحظات على نصوص عهد الصلح
١- السبب في تفاوت الشروط وتعارضه
٢- النُّسَخ المروية لا يمكن أن تكون نسخة الرق
٣- لماذا لم ينشر معاوية نسخة عهد الصلح؟
٤- حاكم إيران من قبل الإمام الحسن عليه السلام يستفيد من شروط الصلح!
بدعة معاوية في استلحاق زياد وجعله ابن أبي سفيان!
الفصل الثالث: تسلط معاوية وعودة الإمام الحسن عليه السلام إلى مدينة جده صلى الله عليه وآله
الإمام الحسن عليه السلام يعود من المدائن إلى الكوفة
الإمام الحسن عليه السلام يخطب في الكوفة قبل أن يغادرها إلى المدينة
معاوية يدخل الكوفة فاتحاً فيثأر لفتح مكة!
معاوية يَتَهتَّك ويكشف نواياه عند وصوله الكوفة!
إذا امتلأ القلب بالزيف فاض على اللسان!
لا يفي بعهده للمسلمين لكن يفي للروم ويدفع لهم الجزية!
عائلة عثمان تعترض على كذب معاوية!
الإمام الحسن عليه السلام يسجل مطالباته بتنفيذ الشروط
معاوية يدخل مسجد الكوفة
شموخ الإمام الحسن عليه السلام أمام غطرسة معاوية!
حادثة أخرى سجلت شموخ الإمام الحسن عليه السلام
معاوية يعلن في النخيلة انتهاء الدولة الإسلامية وقيام الإمبراطورية الأموية!
خطبة معاوية الثانية الأسوأ!
معجزة لأمير المؤمنين عليه السلام ظهرت عند دخول معاوية إلى الكوفة!
معاوية المريض بالشك بالنبي صلى الله عليه وآله يمتحن علم الإمام الحسن عليه السلام
رجوع الإمام الحسن عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام إلى المدينة
معاوية يعرض على الإمام الحسن عليه السلام أن يكون قائد جيش عنده!
الفصل الرابع: ظلم مصادر الحكومات للإمام الحسن عليه السلام وتلميعها لمعاوية
عملهم لتشويه شخصية الإمام الحسن عليه السلام وتلميع شخصية معاوية!
١- بخاري يمدح معاوية ويبطِّن ذمَّ الإمام الحسن عليه السلام!
٢- طعنهم في أمير المؤمنين عليه السلام على لسان ولده الإمام الحسن عليه السلام!
٣- كذبهم عليه بأنه كان ضد نهضة أخيه الحسين عليهما السلام!
٤- زعمهم أن الإمام الحسن يشبه النبي صلى الله عليه وآله ولا يشبه علياً عليهما السلام
٥- روايات السلطة حول قبر النبي صلى الله عليه وآله على لسان الإمام الحسن عليه السلام
الفصل الخامس: برنامج الإمام الحسن عليه السلام في المدينة بعد الصلح
١- الانسحاب من المسرح السياسي ولا الدور السيء!
٢- العالم الأعلى الذي يعيش فيه المعصوم عليه السلام
٣- برنامج الإمام الحسن عليه السلام في المدينة بعد الصلح
أ - جعلَ الإمام عليه السلام المسجد النبوي منبراً لرد الأفكار الأموية:
ب- كشَف الإمام عليه السلام ضحالة قصاصي الدولة وثقافتها:
ج- هل عطل الإمام الحسن عليه السلام بدعة التراويح:
د- مكانة الإمام الحسن عليه السلام عند محبيه وأعدائه:
هـ- دعوة ابن الزبير للإمام عليه السلام إلى مائدته وإعجابه به:
و - إعجاب أبي هريرة بالإمام (عليه السلام) وبكاؤه عليه!
ز- إعجاب مروان بن الحكم بالإمام عليه السلام وبكاؤه عليه!
ح- عائشة تروي عن الإمام الحسن عليه السلام قنوت النبي صلى الله عليه وآله!
ط- إعجاب معاوية بشخصية الإمام عليه السلام وفرحه بقتله!
ي- جابر بن عبد الله يرى الإمام عليه السلام فيفرح ويجهر بفضله!
ك- المسلمون يتذكرون مكانة الحسنين عليهما السلام عند النبي صلى الله عليه وآله
٤- خط الإمام الحسن عليه السلام: الوفاء بالصلح والعمل ضد معاوية
٥- الإمام الحسن عليه السلام في زيارات معاوية للمدينة ومكة
أ- موكب معاوية بـ(سيارات المارسيدس)
ب- موكب أحد رفقاء معاوية بـ(الشاحنات)!
ج- معاوية يذهب بدون دعوة إلى مائدة عبدالله بن جعفر
د- لم يستطع معاوية إخفاء حقده على بني هاشم والأنصار:
هـ- رَدَدْتُها عليك وأنا ابن فاطمة عليها السلام!
الإمام الحسن عليه السلام يواجه خطط معاوية ضد الإسلام:
١- ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية!
٢- لم يجرؤ معاوية على شتم عليً عليه السلام في حياة الحسن عليه السلام وابن وقاص!
٣- هيبة الإمام الحسن عليه السلام تفرض نفسها على معاوية ووزيره!
٤- الإمام الحسن عليه السلام يبعث برسالة شديدة إلى ابن العاص!
٥- خوف معاوية من تعاظم شعبية الإمام الحسن عليه السلام
٦- معاوية يحاول الحط من مكانة الإمام الحسن عليه السلام
٧- معاوية يتراجع في مشادة بين بني هاشم وبني أمية
٨- الإمام الحسن عليه السلام يرد جبرية معاوية ويؤكد حرية الإنسان!
٩- الإمام عليه السلام يردُّ على معاوية والطلقاء ويؤكد قرآنية البسملة
الإمام الحسن عليه السلام يجاهر بمذهب أهل البيت عليهم السلام ويفضح الإنحراف!
١- يروي مناقب علي عليه السلام لمواجهة اللعن الأموي
٢- ويجهر بفضائل أهل البيت عليهم السلام وفريضة ولايتهم
٣- ويجهر بحديث جده صلى الله عليه وآله أن مبغض العترة يهودي أو...!
٤- ويجاهر برأيه في سقيفة قريش!
٥- ويصارح معاوية بالأئمة الإثني عشر والطغاة الإثني عشر!
٦- ويبشر بالإمام المهدي ودولة أهل البيت عليهم السلام
مناظرات الإمام الحسن عليه السلام في المدينة ودمشق
١- المناظرات مادة مهمة لدراسة التاريخ والسيرة
٢- ندم معاوية على طلبه من الإمام عليه السلام أن يخطب!
٣- أكثر المناظرات في الإسلام ضجيجاً وتحدياً وصراحة!
٤- مناظرات ابن عباس مع معاوية
من كرامات الإمام الحسن عليه السلام ومعجزاته
الفصل السادس: قتل معاوية للسبط الأول للنبي صلى الله عليه وآله!
١- محاولات معاوية المستمرة لقتل الإمام عليه السلام
٢- أبو سفيان حليف اليهود المتخصصين في القتل بالسُّم!
٣- معاوية صاحب الرقم القياسي في قتل معارضيه بالسُّم وغيره!
٤- النبي صلى الله عليه وآله أخبر والإمام الحسن عليه السلام أخبر بما يجري عليه!
المسألة الأولى: أن المعصوم عليه السلام يعلم أجله!
المسألة الثانية: معنى قوله عليه السلام أموت بالسُّمِّ كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله
المسألة الثالثة: معنى قولهم عليهم السلام: ما منا إلا مسمومٌ أو مقتول!
المسألة الرابعة: نفاق الأشعث وأسرته وتعامل النبي صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام معهم!
٥- طال مرض الإمام عليه السلام من السُّم نحو أربعين يوماً!
٦- ورتَّبَ معاوية بريدين يومياً عن حالة الإمام الحسن عليه السلام
٧- معاوية يدير المعركة.. ويهاً مروان أنت لها!
٨- قبلت عائشة بدفن الإمام عليه السلام جنب جده صلى الله عليه وآله ثم تراجعت!
وقائع شهادة الإمام الحسن السبط عليه السلام ومراسم دفنه
١- الإمام الحسن عليه السلام: لا يومَ كيومك يا أبا عبد الله!
٢- وصية الإمام الحسن لأخيه الإمام الحسين عليهما السلام
٣- الإمام الحسن عليه السلام يوصي أخاه محمد بن الحنفية
٤- ما رآه الإمام عليه السلام قرب موته
٥- أخرجوني إلى صحن الدار حتى أنظر في ملكوت السماوات!
٦- ارتجَّت المدينة لموت الإمام الحسن عليه السلام وضجَّت بالبكاء
٧- دعوة ضواحي المدينة إلى تشييع الإمام عليه السلام
٨- حاكم المدينة سعيد بن العاص وقف على الحياد
٩- الإمام الحسين يتولى مراسم جنازة أخيه الإمام الحسن عليهما السلام
١٠ - الإمام الحسين (عليه السلام) يخرج بالجنازة إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله)
١١- مروان يركض إلى عائشة مستنجداً ويأتي بها على بغل!
١٢- محاولتهم نفي ركوب عائشة البغلة
١٣- أبو هريرة وأبو سعيد الخدري يواجهان مروان وعائشة!
١٤- الإمام الحسين عليه السلام يستنفر حلفاء بني هاشم بحلف الفضول!
١٥- هدف الإمام الحسين عليه السلام من إحياء حلف الفضول
١٦- وساطات عدد من الصحابة والشخصيات
١٧- وصفهم احتشاد المسلمين في تشييع الإمام الحسن عليه السلام
١٨- صلاة والي المدينة على جنازة الإمام الحسن عليه السلام
١٩- سجلوا (انتصارهم) على بني هاشم فرموا الجنازة بالسهام!
٢٠- تأبين الإمام الحسين عليه السلام ومحمد بن الحنفية لأخيهم
٢١- العزاء في المدينة ومكة أسبوعاً، وحداد بني هاشم سنة!
٢٢- العزاء على الإمام الحسن عليه السلام في البصرة
٢٣- فرح معاوية بقتله للإمام الحسن عليه السلام!
٢٤- أقام ابن عباس مجلس العزاء في الشام
٢٥- رثاء الشعراء للإمام الحسن عليه السلام
٢٦- جريمة سُمِّ الإمام الحسن عليه السلام ثابتة في رقبة معاوية
٢٧- من تحريفات أتباع معاوية للتغطية على جريمته!
٢٨ - معاوية يكافئ مروان بولاية المدينة!
الفصل السابع: خمس مسائل حول الحجرة النبوية الشريفة
المسألة الأولى: قداسة الحجرة النبوية الشريفة وأهميتها!
المسألة الثانية: ادعاؤهم وراثة عائشة أو ولايتها على الحجرة النبوية
المسألة الثالثة: ردُّ ادعائهم بأن الحجرة النبوية ملك لعائشة؟!
المسألة الرابعة: تناقضات أقوال عائشة في الحجرة النبوية الشريفة!
المسألة الخامسة: أين دفن النبي صلى الله عليه وآله؟
الفصل الثامن: معاوية يستميت لأخذ البيعة ليزيد!
لولا هوايَ في يزيد لأبصرت رشدي!
نَصَحَهُ الصحابة والمشفقون على أمة النبي صلى الله عليه وآله وعليه
تلميع معاوية ليزيد بتأميره على الحج!
تزوير معاوية (غزوة القسطنطينية) من أجل يزيد!
غزوة معاوية لقبرص مكذوبة كغزوة ابنه يزيد!
قائمة بفعاليات معاوية لبيعة يزيد وقمع المعارضين
الفصل التاسع: مواقف الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة معاوية
خط الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام واحدٌ لا يتجزأ!
١- عرضنا جانباً من مواجهته لمعاوية ورفضه بيعة يزيد.
٢- وموقفه من عائشة ومروان في جنازة الحسن عليهما السلام وقد كان معاوية وراءهما!
٣- موقفه ضد معاوية في حرب صفين
٤- موقفه الثابت مع أخيه عليهما السلام في عدم نقض الصلح
٥- غضبه على مروان عندما لعن أمير المؤمنين عليه السلام
٦- مواجهته مرسوم معاوية بلعن علي بالتسمية باسم علي عليه السلام
٧- معاوية يطلب من الإمام الحسين عليه السلام أن يخطب
٨- جوابه لمعاوية عن يقين علي عليه السلام وشجاعته
٩- رأي الإمام الحسين عليه السلام في تصنُّع معاوية وإظهاره الحلم
١٠- كلمه معاوية بدون احترام فلم يجبه الإمام عليه السلام
١١- موقفه عليه السلام عندما خطب معاوية بنت أخته ليزيد!
١٢- قصة أرينب أو زينب بنت إسحاق
١٣- مواجهته الحرب الإقتصادية على أهل البيت عليهم السلام
١٤- الإمام الحسين عليه السلام يصادر قافلة من بيت المال لمعاوية
١٥- رده لمِنَّة معاوية في العطاء من بيت المال
١٦- جوابه لمعاوية عندما افتخر بقتل حجر بن عدي عليهم السلام
١٧- رسالة معاوية إلى الإمام الحسين عليه السلام وجوابه
١٨- تحيُّر معاوية في سياسته مع الحسين عليه السلام
١٩- حثه الشيعة على النهوض بمسؤوليتهم وعدم التخاذل
٢٠- إعداده عليه السلام لبني هاشم والأنصار لكربلاء في حياة معاوية
الفصل العاشر: معاوية يهوي.. ويسلِّم أمبراطوريته إلى غلام أهوج
آمال معاوية بيزيد ومستقبل إمبراطوريته!
هلاك الطاغية وانتقال السلطة بسهولة إلى ابنه
وصية الأمبراطور الطاغية إلى ولده المدلل
خطبة العرش: تعجيل المخصصات وتخفيض الفتوحات
الهوية الشخصية ليزيد بن معاوية:
١- الأم والخؤولة والشكل...
٢- هوايات يزيد الشاذة واستهتاره
٣- أهلك الأمَّةَ جَوْرُه، وأهلكَهُ فِسْقُه
٤- عشق يزيد حُوَّارين فجعلها عاصمته!
٥- لا قبر ليزيد في دمشق ولا حوارين ولا جثمان!
الفصل الحادي عشر: لمحة عن جرائم يزيد الكبرى
كربلاء.. ملحمة الهدى الإلهي مع الضلال البشري
حفيد قائد المشركين ينتقم من أنصار النبي صلى الله عليه وآله بموقعة الحَرَّة!
الملك عقيم.. ولا مقدسات عند صاحبه حتى الكعبة!
الفصل الثاني عشر: انهيار الدولة الأموية الأولى
هلاك يزيد وتزلزل الدولة الأموية
ابن يزيد يكشف جرائم جده وأبيه ويعلن تشيعه!
قتلهم الوحشي لأستاذه يكشف عن قتلهم له!
تناقض الأمويين والرواة في أمر معاوية الثاني!
معاوية الثاني شتمَ مروان بن الحكم وَطَرَدَهُ
شاب في مقتبل العمر ضحى بأمبراطوريته وبدمه!
الدميري والدمشقي يرويان تشيع معاوية
أستاذه عالم شامي يروي عن أبي ذر رحمه الله
الفصل الثالث عشر: المؤسس الثاني للدولة الأموية: مروان بن الحكم
انهيار الدولة السفيانية وقيام الدولة المروانية
اعترفوا بأن مروان ملعونٌ ابن ملعون وزغٌ ابن وزغ!
مطرود النبي.. صلى الله عليه وآله يتسلم مقدرات خلافة النبي صلى الله عليه وآله!
كان مروان مع عائشة في حرب الجمل
مطرود النبي صلى الله عليه وآله من المدينة طرده منها المسلمون ثانيةً
ونكثَ مروان ورجع مع جيش يزيد لاستباحة المدينة!
النظام الأموي على أكف عفاريت!
معركة مرج راهط بين وزراء البلاط الأموي!
مروان يسيطر على مصر
مروان تحت المخدة
الفصل الرابع عشر: الإمام زين العابدين عليه السلام.. رقم استعصى على أعدائه
جاذبية الشخصية الربانية
عندنا إمامٌ معصوم عليه السلام وعندهم وليٌّ يملك الاسم الأعظم
كيف واجه الإمام زين العابدين عليه السلام خطط بني أمية؟
الإمام زين العابدين عليه السلام ومروان
جيش مروان بعد الحرة إلى المدينة!
عهد عبد الملك بن مروان
نماذج من طغيان عبد الملك!
(والله لا يأمرني أحد بتقوى الله إلا ضربت عنقه)!
ودَّع لقلقة لسانه بالقرآن ورحَّب بشرب الخمر والدماء!
من مروان الوزغ إلى مروان الحمار مقلدون لآل أبي سفيان
عبد الملك يُحَوِّل الحجَّ من مكة إلى بيت المقدس!
دلالات تحجيج المسلمين إلى بيت المقدس!
مواجهة الإمام زين العابدين عليه السلام لكعبة عبد الملك
تحير عبد الملك في قتل الإمام زين العابدين عليه السلام!

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
هذا هو المجلد الثالث من (جواهر التاريخ) وهو يتضمن تاريخ مرحلة انهيار الأمة في أيدي بني أمية، مرحلة خلافة الإمام الحسن عليه السلام واضطراره إلى التنازل عن الحكم لمعاوية، وإعلان معاوية انتهاء الحكم الإسلامي وقيام الأمبراطورية الأموية، كما يتضمن عرضاً لنشاط الإمام الحسن وأئمة أهل البيت عليهم السلام في مواجهة خطط معاوية وبني أمية المعادية للإسلام!
وقد أفضنا في دراسة شروط الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، وفي نشاط الإمام عليه السلام في العشر سنوات التي عاشها بعد الصلح، خاصة مقاومته لخطط معاوية الثقافة والسياسية، وفصلنا أحداث شهادته عليه السلام، وبحثنا بمناسبة منعهم دفنه عند جده المصطفى صلى الله عليه وآله الملكية الشرعية للحجرة النبوية الشريفة، وأثبتنا أنه صلى الله عليه وآله دفن في بيته ولم يدفن في بيت عائشة كما زعموا.
ثم بحثنا فعاليات معاوية بعد قتله للإمام الحسن عليه السلام لأخذ البيعة ليزيد واختراعه له غزوة القسطنطينية ليعطيه صفة مجاهد، كما اخترع لنفسه غزوة قبرص!
وبما أن منهجنا أن لا نتوسع فيما كثرت فيه الكتابة، فقد اكتفينا بعرض الهوية الشخصية والسياسية ليزيد، ونقاط عن جرائمه الكبرى في فاجعة كربلاء، ووقعة الحرة في المدينة، وضربه الكعبة بالمنجنيق بالأحجار وقنابل النفط!
واكتفينا من سيرة الإمام الحسين عليه السلام بمواقفه مع معاوية، وتأثير شهادته عليه السلام في ضمير الأمة ومسارها، وتأثيرها في سقوط الحكم الأموي، وأرخنا لظاهرة معاوية بن يزيد الذي أعلن تشيعه، وعمل لنقل الخلافة إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام فقتله بنو أمية.
وبعد الحديث عن سقوط الدولة الأموية الأولى وانتهاء آل أبي سفيان، استعرضنا قيام الدولة الأموية الثانية بقيادة مروان وأولاده، وكيف واجه الإمام زين العابدين عليه السلام خططهم التحريفية، ومنها تبنيهم للإسرائيليات وبناؤهم مسجد الصخرة في القدس بناء أفخم من بناء المسجد الحرام، ونقلهم حج المسلمين اليه بدل الكعبة!
في الختام، نذكر القارئ المحترم بأن مصادر هذا البحث هي كتب برنامج مكتبة أهل البيت عليه السلام الذي توفقنا لإعداده، وهو في متناول الجميع ويشمل ألوف المصادر، وبرامج إسلامية ومصادر أخرى ذكرناها في محالها، وذكرنا أحياناً المجلد والصفحة لأكثر من طبعة. والله ولي التوفيق والمثوبة.

كتبه: علي الكوراني العاملي
قم المشرفة، منتصف ربيع الثاني١٤٢٦

الفصل الأول: خلافة الإمام الحسن عليه السلام وانهيار الأمة!

بيعة المهاجرين والأنصار للإمام الحسن عليه السلام
بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام أفاقت الأمة على خسارتها التي لا تعوَّض، ووجدت نفسها تحتضن بحبات قلوبها بقية عترة نبيها صلى الله عليه وآله الحسن والحسين عليهما السلام، فبادرت إلى بيعة الإمام الحسن عليه السلام كبير السبطين، والإمام بنص جده وأبيه عليهم السلام.
قال الطبري في تاريخه:٤/١٢١: (ذكر بيعة الحسن بن علي. وفي هذه السنة أعني سنة أربعين بويع للحسن بن علي بالخلافة، وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد قال له: أبسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المحلين فقال له الحسن: على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط، فبايعه وسكت، وبايعه الناس). انتهى.
وقال اليعقوبي:٢/٢١٤: (واجتمع الناس فبايعوا الحسن بن علي، وخرج الحسن بن علي إلى المسجد الجامع فخطب خطبة له طويلة، ودعا بعبد الرحمن بن ملجم فقال عبد الرحمن: ما الذي أمرك به أبوك؟ قال: أمرني ألا أقتل غير قاتله وأن أشبع بطنك وأنعم وطاءك، فإن عاش اقتص أو عفى، وإن مات ألحقنك به. فقال ابن ملجم: إن كان أبوك ليقول الحق ويقضي به في حال الغضب والرضى، فضربه الحسن بالسيف فالتقاه بيده فندرت، وقتله).
وفي مقاتل الطالبيين/٣٢: (خطب الحسن بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (قد قبض في هذه الليلة رجل لم يَسبقه الأولون ولا يُدركه الآخرون بعمل. لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه. ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم والتي توفي فيها يوشع بن نون، وما خلَّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله. ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه. ثم قال:
أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.
فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة قام عبد الله بن العباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة! فبايعوه، ثم نزل من المنبر). (وشرح النهج:١٦/٣٠، ونهج السعادة:٨/٥٠٧)
أقول: عقيدتنا نحن الشيعة أن إمامة أئمة العترة النبوية عليهم السلام إنما هي بالنص لا بالبيعة، فالبيعة اعترافٌ بحق فرضه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وليست إنشاءً لهذا الحق، نعم تجب البيعة إذا طلبها النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام المعصوم عليه السلام.
والمقطوعة المتقدمة فقرة من أول خطبة خطبها الإمام الحسن بعد شهادة أمير المؤمنين عليهما السلام، وقد نصَّ المحدثون والمؤرخون كما رأيت في اليعقوبي على أنها طويلة، لكن الرواة لم ينقلوا منها إلا قليلاً، كعادتهم في أكثر الخطب والأحاديث الصريحة التي تبين مقام أهل البيت عليهم السلام وظلامتهم! حيث كانوا وما زالوا يخافون غضب بني أمية وأتباعهم إن رووها! (قال عمر بن ثابت: كنت أختلف إلى أبي إسحاق السبيعي أسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي عقيب وفاة أبيه ولا يحدثني بها، فدخلت إليه في يوم شاتٍ وهو في الشمس وعليه برنسة فكأنه غول، فقال لي من أنت؟ فأخبرته فبكى وقال: كيف أبوك وكيف أهلك؟ قلت: صالحون، قال: في أي شيء تتردد منذ سنة؟ قلت: في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه فقال: حدثني هبيرة بن مريم قال: خطب الحسن...) (شرح النهج:١٦/٣٠). ولكن تعب ابن ثابت ذهب سدىً! فلم يزد له السبيعي على ما تقدم منها، لأنه يخاف أن يتهم بالرفض!!
وتدل الفقرات التي وصلت الينا على أن الإمام الحسن عليه السلام بيَّن في خطبته مكانة أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، وكشف جانباً من مؤامرة قبائل قريش عليهم، وحذَّر من الفتنة الأموية على الإسلام، ودعا المسلمين مجدداً إلى جهادهم، مؤكداً خط أبيه أمير المؤمنين عليه السلام وجهوده لإعادة العهد النبوي.
ويظهر أن شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وخطبة الإمام الحسن عليه السلام كان لهما تأثير عميق على المسلمين وأن كانت بيعتهم له كانت بالإجماع: راجع من مصادرنا: شرح إحقاق الحق:٤/٤١٦، و:١٩/٣٤٨، و٢٤/١١٨، و:٣٣/١٨، والدر النظيم/٥٠٧، والبحار:٤٤/٢١، وبشارة المصطفى/٣٦٩. ورواها من مصادر السنة بنحو ما تقدم: الطبراني في الأوسط:٣/٨٧، والحاكم:٣/١٧٢، وينابيع المودة:١/٧٤، و:٣:٣٦٣ وشرح النهج:١٦/٣٠، كما روت عامة مصادرهم الفقرة الأولى منها، كالطبراني في الكبير:٣/٨٠ وابن سعد في الطبقات:٣/٣٨، وابن حنبل في مسنده:١/١٩٩، و٥٤٨ وفضائل الصحابة:١/٥٤٨، والنسائي في السنن الكبرى: ٥/١١٢، وأبو يعلى في مسنده:٦/١٦٩، وابن حبان في صحيحه:٩/٤٥).
أهداف الإمام الحسن عليه السلام من خلافته
الإمام الحسن عليه السلام على بصيرة من ربه، كان يرى أن الأمة آخذة في الانهيار بين يدي أبيه عليهما السلام وقد ظهرت بوادر استسلامها لموجة بني أمية! لكنه أراد أن يستغل مدة خلافته القصيرة، وبالأحرى ما تبقي لخلافة أبيه عليهما السلام، لتحقيق هدفين:
الأول، تركيز مشروع أبيه لإعادة العهد النبوي بكل ما يمكنه من قول وفعل.
والثاني، تقليل خسائر الانهيار وخسائر الصلح المفروض عليه إلى أقل حد ممكن، وضمان ما يمكن ضمانه من مصلحة الإسلام والأمة، مع علمه أن معاوية لا يفي لأحد بعهد ولا ذمة! فقد أنزل الله فيه وفي أسلافه: (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). (التوبة:١٠).
الإمام الحسن عليه السلام يؤكد الحجة على معاوية والأمة
بَدأ الإمام الحسن عليه السلام بدعوة الأمة إلى القيام بواجبها في جهاد عدوها، وأخَذَ بترتيب عماله في المناطق التي تخضع لسلطته، وأرسل رسالة إلى معاوية يُثبت فيها حقه، ويؤكد عليه الحجة ويدعوه إلى البيعة والطاعة.
(كتب الحسن إلى معاوية مع حرب بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي(أمير المؤمنين) إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله جل جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنة للمؤمنين وكافة للناس أجمعين (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)، فبلغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وانٍ، وبعد أن أظهر الله به الحق ومحق به الشرك، وخص به قريشاً خاصة فقال له: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)، فلما توفي تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وأن الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وأولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصَف منهم باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير.
ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده! فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه! والله حسيبك فسترد فتعلم لمن عقبى الدار وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد.
إن علياً لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم مَنَّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حياً ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب. واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين). (مقاتل الطالبيين/٣٦). وقد وضعنا كلمة (أمير المؤمنين) بين قوسين، لأنه عندنا لقب خاص من الله تعالى بعلي عليه السلام دون غيره حتى الأئمة الطاهرين المعصومين عليهم السلام، فلا يمكن أن يستعمله الإمام الحسن عليه السلام لنفسه أو لغير صاحبه.

معاوية يتحرك بجيشه نحو العراق
تعددت الرسائل بين الإمام عليه السلام ومعاوية وكان آخر جواب من معاوية أنه رفض الإستجابة لطلبه وقال للرسولين: جندب بن عبد الله الأزدي، والحرث بن سويد التميمي: (إرجعا فليس بيني وبينكم إلا السيف)! (شرح النهج:٤/١٣) وأخذ يجمع ما يستطيع من جيش للتحرك نحو العراق لتنفيذ مشروعه الذي كان يعدُّ له من زمن علي عليه السلام وهو أن يفرض الصلح على الإمام الحسن عليه السلام أو يقتله أو يأخذه أسيراً! فقد جاءته بشائر الأشعث عن بعض رؤساء القبائل وقادة الجيش الذين اشتراهم له الأشعث! (قال جندب: فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائرٌ إليك، فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدِّر أنه ينقاد لك فلا والله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين! ولما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين. سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتل خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليَّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته! فاجتمعت العساكر إلى معاوية، وروي أنهم بلغوا ستين ألفاً، فسار بها قاصداً إلى العراق). (مقاتل الطالبيين/٣٨).
الإمام الحسن عليه السلام يحرك في الأمة ثُمالة شعلته
(وبلغ الحسن خبره ومسيره نحوه وأنه قد بلغ جسر منبج فتحرك عند ذلك، وبعث حجر بن عدي فأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة! فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، وقال الحسن: إذا رضيتَ جماعة الناس فأعلمني، وجاءه سعيد بن قيس الهمداني فقال له: أخرج فخرج الحسن عليه السلام، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: إصبروا إن الله مع الصابرين، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروْا. قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له قال فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف. فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم! سبحان الله ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم؟! أين خطباء مضر أين المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب! أما تخافون مقت الله وعيبها وعارها؟! ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره. قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافيني فليواف! ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه. وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكراً!
وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن عليه السلام بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام:
صدقتم رحمكم الله! ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيراً. ثم نزل. وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى العسكر، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه فجعل يستحثهم ويستخرجهم حتى يلتئم العسكر. وسار الحسن في عسكر عظيم وعدة حسنة، حتى نزل دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يا ابن عم، إني باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر، الرجلُ منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم وألِنْ لهم جانبك وابسط لهم وجهك وافرش لهم جناحك وأدنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين عليه السلام، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكاً وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس. وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن). (مقاتل الطالبيين/٤٠. ومسكن من الدجيل قرب سامراء - معجم البلدان:٥/١٢٧).
الإمام الحسن عليه السلام بين المعادلة الإسلامية والجاهلية
بعد أن تراجع المسلمون عن الجهاد مع أمير المؤمنين عليه السلام تخاذلاً وحباً للحياة! ونجح معاوية في سياسة تخذيلهم وشراء شخصيات مؤثرة منهم، وغاراته على مناطق العراق والحجاز واليمن.. وصل تفكير معاوية إلى غزو العراق وإجبار أمير المؤمنين عليه السلام على الصلح، أو قتله بواسطة عملائه المباشرين كجماعة الأشعث، أو غير المباشرين كالخوارج!
في هذا الجو كانت شهادة أمير المؤمنين وبيعة الإمام الحسن عليهما السلام، وكانت المعادلة عنده واضحةً فإما أن يستعمل أساليب معاوية غير المشروعة لإقامة دولة دنيوية تعادي القيم الإسلامية والإنسانية، وإما أن يواصل مشروع أبيه في إعادة العهد النبوي، ويحافظ على ما حققه من نصر، ويكون الثمن خضوعه لموجة بني أمية المتفاقمة، وانسحابه مع أهل بيته من المسرح السياسي لمصلحة معاوية!
وطبيعي أن يختار الإمام الحسن عليه السلام هذا الخيار، مهما كان صعباً ومؤلماً!
فهو من جهة، الإمام المعصوم من ربه، كأبيه وأخيه وأمه فاطمة الزهراء عليهم السلام.
وهو من جهة، شريك أبيه في قناعاته وسياسته وحربه وسلمه، وهو أحد أركان العترة النبوية الطاهرة عليهم السلام التي تحملت مؤامرة قريش وهجومها على بيتهم ليحرقوه عليهم، فصبروا من أجل الإسلام، وتنفيذ وصية جدهم الحبيب صلى الله عليه وآله.
وهو مع كل هذا، يعلم ما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله بأنه سيجري على هذه الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وآله والثمن الباهظ الذي يجب على أهل البيت عليهم السلام أن يدفعوه، فقد أخبرهم بذلك جدهم الحبيب صلى الله عليه وآله، وأعدَّهم لما يجب أن يفعلوه!
إن بين جنبي الإمام الحسن روح جده صلى الله عليه وآله، الروح الشامخة التي تأبى الضيم.. لكن عبوديته لله تعالى أشد عمقاً ورسوخاً وشموخاً! والدين في فهمه النبوي ليس إعمال الرأي مهما بدا صائباً ومفيداً، بل طاعة أمر الرب ونهيه، مهما كان صعباً! فقد قال جده المصطفى صلى الله عليه وآله لأبيه المرتضى عليه السلام: (وتجاهد أمتي كل من خالف القرآن، ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما هو أمرٌ من الرب ونهي). (الإحتجاج:١/٢٩٠). وها هو الإمام الحسن بعد شهادة أبيه عليهما السلام يواجه مرحلة امتحانه في طاعة ربه عز وجل فينجح، ويتحمل لأجل الإسلام آلام الخضوع لطاغية زمانه، فيكون الإمام الممتحن بانهيار أمة جده في عهده، وخضوعها لابن أبي سفيان! فهذه هي الرؤيا التي أراها الله لجده المصطفى صلى الله عليه وآله وهو على منبره، أراه قادة أمته قروداً ينزون على منبره! وأنزل عليه قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً)).(الإسراء:٦٠)
الإمام الحسن عليه السلام يمتحن جمهوره
ذكر المؤرخون والمحدثون هذه الخطبة للإمام الحسن عليه السلام ولم يحددوا وقتها، ويبدو أنها كانت في الكوفة قبل حركته بجيشه إلى المدائن.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:٣/٢٦٩: (وفي مجتنى ابن دريد: قام الحسن بعد موت أبيه فقال: والله ما ثنانا عن أهل الشام شكٌّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع! وكنتم في منتدبكم إلى صفين دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم! ألا وإنا لكم كما كنا ولستم لنا كما كنتم. ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر! ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَة، فإن أردتم الموت رددنا عليه، وإن أردتم الحياة قبلناه).
ونحوه في نزهة الناظر للحلواني/٧٧، وفيه: (فإن أردتم الموت رددناه إليه، وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا بالرضا. فناده القوم: البقية البقية)!
ورواه في تاريخ دمشق:١٣/٢٦٨، وفيه: (فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله جل وعز بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا، فناداه القوم من كل جانب: البقية البقية). (ونحوه في أسد الغابة:٢/١٣ والكامل:٣/٢٧٢، وابن حمدون/١٣٦٩، ونهاية الإرب/٤٣٩٩. وفي ابن خلدون:٢ ق٢/١٨٧: كرواية الذهبي).
الإمام الحسن عليه السلام يمتحن جيشه!
كان الإمام الحسن عليه السلام كأبيه علي وأخيه الحسين عليهم السلام يعرفون حالة الأمة في الكوفة جيداً، لذلك لا بدَّ من ردِّ كل الروايات التي تدعي أن أحداً منهم عليهم السلام انخدع بكلام أهل الكوفة ووعودهم! فهم ذوا علم رباني ومنهج مسدد من ربهم وقد يستوجب منهجهم مماشاة الناس أحياناً، أو كشفهم بعض الأحيان.
كيفَ؟ والإمام الحسن عليه السلام يرى الخيانات من حوله، وتزايد نفوذ عملاء معاوية في عاصمته ونشاط الأشعث في شراء ذمم رؤساء القبائل وقادة الجيش!
ثم رأى حالة قادة جيشه، ومنهم ابن عمه المقرب اليه عبيدالله بن العباس!
وقد صرح الإمام الحسن عليه السلام برأيه في أهل الكوفة مراراً قبل الصلح وبعده، ووبخهم كما وبخهم أبوه عليهما السلام فقال: (والله ما سلمتُ الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصاراً، ولو وجدتُ أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمةَ في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون ويقولون لنا إن قلوبهم معنا وإن سيوفهم لمشهورة علينا!). (الإحتجاج:٢/١٢).
وقال عليه السلام: (أرى والله أن معاوية خيرٌ لي من هؤلاء الذين يزعمون أنهم لي شيعة! ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي! والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأأمن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي! والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً! والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنَّ عليَّ فيكون سُبَّةً على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية، لايزال يمنُّ بها وعقبه على الحيِّ منا والميت).(الإحتجاج:٢/١٠).
وفي الخرائج:٢/٥٧٤: (لما مات عليٌّ جاء الناس إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقالوا له: أنت خليفة أبيك ووصيه ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك. قال عليه السلام: كذبتم! والله ماوفيتم لمن كان خيراً مني فكيف تفون لي؟! وكيف أطمئن إليكم وأثق بكم؟! إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن فوافوني هناك. فركب وركب معه من أراد الخروج، وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوه وبما وعدوه، وغروه كما غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله!
وأورد رواية أخرى جاء فيها قوله عليه السلام: قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟! مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو ولا بنو أمية إلا فَرَقاً من السيف؟! ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوزٌ درداء لبغت دين الله عوجاً! وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله).
وفي طريقه إلى مكان التجمع الموعود في المدائن، قام الإمام عليه السلام بامتحان جيشه ليكشف المطيعين له من الكاذبين، ويُثبت للناس والتاريخ حقيقة الذين استجابوا لدعوته في الظاهر، وتحركوا معه لقتال معاوية!
ففي مقاتل الطالبيين/٤٠: (وأخذ الحسن عليه السلام على حمَّام عمر(اسم قرية) حتى أتى دير كعب ثم بكَّر فنزل ساباط دون القنطرة، فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمداً رسول الله، أرسله بالحق وائتمنه على الوحي، صلى الله عليه وآله. أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنته وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظرٌ لكم خيراً من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليَّ رأيي. غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه محبته ورضاه، إن شاء الله! ثم نزل.
قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه يريد أن يصالح معاوية ويكل الأمر إليه، كفر والله الرجل! ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه! فبقي جالساً متقلداً سيفاً بغير رداء! فدعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعَّفوه لما تكلم به فقال: أدعوا إليَّ ربيعة وهمدان فدُعوا له فأطافوا به ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوْبٌ من غيرهم فلما مر في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد، ثم من بني نصر بن قعين يقال له جراح بن سنان وبيده مِغْوَل (سيف دقيق يستعمل للإغتيال) فأخذ بلجام فرسه وقال: الله أكبر يا حسن! أشرك أبوك ثم أشركت أنت! وطعنه بالمِغْول فوقعت في فخذه فشقته حتى بلغت أربيته! وسقط الحسن عليه السلام إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه فخرَّا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الأخطل الطائي ونزع المغول من يد جراح بن سنان فخضخضه به وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم أخذا له الآجُرَّ فشدخا رأسه ووجهه حتى قتلوه. وحُمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن وبها سعيد بن مسعود الثقفي والياً عليها من قبله وقد كان علي عليه السلام ولاه المدائن فأقره الحسن عليه السلام عليها فأقام عنده يعالج نفسه). (ونحوه في المناقب:٣/١٨٧).
أقول: هذه صورة عن انهيار الأمة مع إمامها الحسن عليه السلام فلا هُمْ أهل حرب ولا أهل صلح، ولا أهل طاعة لإمامهم، ولا خارجون عليه صراحةً!
وقد يتصور البعض أن خطبته عليه السلام لم تكن في محلها، لكنها ضرورية نظراً لذلك الظرف ونوعيات الناس في جيشه عليه السلام، لأن ظهور حقيقتهم السلبية هنا أفضل من أن تظهر عندما يشتبك الإمام مع طليعة جيش معاوية، التي وصلت إلى مواجهة مقدمة جيشه على بعد نحو خمسين كيلو متراً! فقد كانت مقدمته بقيادة قيس بن سعد في مسكن وهي من الدجيل، والمكان الذي خطب وامتحن جيشه فيه هو مظلم ساباط قرب المدائن! أما معاوية فكان في بقية جيشه في جسر منبج قرب حلب على مسافة خمسة أيام أو ستة من المدائن!
قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١١: (فلما أصبح عليه السلام أراد أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة له ليتميز بذلك أولياءه من أعدائه، ويكون على بصيرة في لقاء معاوية وأهل الشام، فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال... وحُمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي، وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل بنفسه يعالج جرحه).
ونسجل هنا ملاحظات:
الملاحظة الأولى: في حركة الجيش ومكان المعركة
أن حركة جيش الإمام الحسن عليه السلام تأخرت حتى تحرك معاوية من داخل الشام فبعد أن وصل معاوية إلى جسر منبج قرب حلب، وجه الإمام أربعة آلاف بقيادة الكندي وأمرهم أن يرابطوا في الأنبار، أي الفلوجة داخل العراق في طريق جيش معاوية القادم من الشام، فخان قائدهم الكندي وفرَّ إلى معاوية، وتفرق أكثر جيشه! ثم أرسل أربعة آلاف بقيادة المرادي، فخان المرادي واشتراه معاوية أيضاً وتفرق أكثر جيشه!
ثم تحرك الإمام عليه السلام وأرسل من الطريق عبيدالله بن العباس وقيس بن سعد في اثني عشر ألفاً هم شرطة الخميس، فعسكروا في مسكن قرب الأنبار، ففر عبيدالله إلى معاوية! وثبت قيس بن سعد وقاد الجيش: (وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلى بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه! فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له: إنهض بنا إلى عدونا على اسم الله فنزل فنهض بهم).(الخرائج:٢/٥٧٤).
وفي تهذيب الكمال:٦/٢٤٥: (وجه إلى الشام عبيد الله بن العباس ومعه قيس بن سعد فسار فيهم قيس حتى نزل مسكن والأنبار وناحيتها، وسار الحسن حتى نزل المدائن، وأقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن حتى نزل جسر منبج).
ومعناه أنَّ الإمام الحسن عليه السلام اتخذ معسكراً بمن معه في المدائن، حيث واعد المتحمسين بألسنتهم للحرب، وبعث مقدمة جيشه إلى مسكن قرب سامراء.
وأن معاوية اتخذ معسكراً عند جسر منبج قرب حلب، وبعث مقدمته بقيادة بسر بن أبي أرطاة وهو أخبث قادته فوصلوا إلى مسكن، وعسكروا مقابل جيش قيس واشتبكوا معه مناوشة. ففي تاريخ ابن عساكر: ٥٩/ ١٤٩: (وقدم بسر بن أبي أرطأة إليهم، فكانت بينهم مشاولة ولم يكن قتل ولا جراح، ثم تحاجزوا).
ومعنى هذا أن تخاذل أهل الكوفة سبَّبَ نقل مكان المعركة إلى داخل العراق، بعد أن كانت حرب صفين في الرقة داخل سورية. وأن الجيشين اللذين أرسلهما الإمام إلى الأنبار أي الفلوجة قد تفككا بهروب قائديهما، بل تذكر بعض الروايات أن الذين ثبتوا مع قيس من الإثني عشر ألفاً كانوا أربعة آلاف فقط!
قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤٠: (وقام بأمر الناس بعد عبيد الله، قيس بن سعد وقال في عبيد الله قولاً قبيحاً وذكر أخاه وما كان بينه وبين علي، ونسب عبيد الله إلى الخيانة والغدر والضعف والجبن، فبايع قيساً أربعة آلاف على الموت. وظن معاوية أن مصير عبيد الله قد كسر الحسن فأمر بسر بن أبي أرطاة، وكان على مقدمته وناساً معه فصاحوا بالناس من جوانب العسكر فوافوهم وهم على تعبئة، فخرجوا إليهم فضاربوهم، واجتمع إلى بسر خلق فهزمهم قيس وأصحابه، وجاءهم بسر من الغد في الدُّهم فاقتتلوا، فكشف (غلب) بسراً وأصحابه وقتل بين الفريقين قتلى).
الملاحظة الثانية: شخصية قيس بن سعد بن عبادة
كان قيس بن سعد بن عبادة كأبيه سعد زعيم الخزرج وعامة الأنصار، أوفياء لموقفهم ضد خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وشاركوا مع علي عليه السلام بفعالية في حرب الجمل وصفين، ولم يشارك منهم مع معاوية إلا شخصان!
وكان موقفهم من الخلافة أنه يجب تنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله بخلافة عترته عليهم السلام لكن لما اتفقت قبائل قريش على أخذ الخلافة وإبعاد العترة، قال سعد بن عبادة نحن أولى بها من قريش التي كذبت النبي صلى الله عليه وآله وحاربته! وأرادوا بيعة سعد فجاءهم أبو بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة وفرضوا عليهم بيعة أبي بكر، فاعترض سعد بشدة، لكنه كان مريضاً فاستطاعوا بمساعدة منافسيه من الأوس أن يعزلوه، ثم نفاه عمر إلى حوران، وقتل بها، فقالت الخلافة قتله الجن!
فسعد وابنه قيس مع العترة النبوية في مقابل قريش إلى حد، فهم شيعة بالمعنى العام، وليسوا شيعة كعمار وسلمان والمقداد وحذيفة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، وعشرات المعتقدين بأن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والعترة فريضة إلهية سواء أطاعت الأمة أم عصت.
ولذلك نجد أن قيساً خالف أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه كان والياً له على مصر، فقد أمره عليه السلام أن يناجز عملاء معاوية وكانوا معسكراً بقيادة والي مصر السابق معاوية بن حديج السكوني، فلم يطعه قيس بحجة أنهم ضمنوا له عدم الخروج عليه، واعتزلوا في قرية قرب الإسكندرية، وكتب له إن لم تعجبه سياسته أن يبعث والياً غيره، فعزله أمير المؤمنين عليه السلام وولى محمد بن أبي بكر رحمه الله! ولا بد أن قيساً عرف صحة رأي الإمام عليه السلام عندما تفاقم أمر ابن حديج ومهد لدخول جيش معاوية بقيادة ابن العاص، فأخذوا مصر وقتلوا محمد بن أبي بكر بوحشية!
وفي نفس الوقت كان موقف قيس مع الإمام الحسن عليه السلام مشرفاً، فقد ثبت أمام إغراء معاوية إلى آخر مرحلة، وجرت بينهم مراسلات وانتهت بلهجة شديدة جداً، حتى(اضطر) معاوية أن يزوِّر رسالة ويقرأها على جيشه، زعم فيها أن قيساً أرسلها اليه، وأنه قَبِل الصلح وبايعه وأنه ترحم على عثمان! وقد تقدم في تزويرات معاوية! والصحيح أن قيساً لم يقبل الصلح حتى أرسل له معاوية رقاً مختوماً ليشترط فيه ما شاء، كالذي أرسله إلى الإمام الحسن عليه السلام.
قال الطبري في تاريخه:٤/١٢٥: (واشترط الحسن لنفسه ثم بايع معاوية، وأمَّرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه، على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة، فخلص معاوية حين فرغ من عبد الله بن عباس والحسن إلى مكايدة رجل هو أهمُّ الناس عنده مكايدةً ومعه أربعون ألفاً(!) وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول: على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك؟! فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجلٍّ قد ختم عليه في أسفله، فقال: أكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك! قال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله! فقال معاوية: على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك؟! وإني والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً. فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة عليٍّ الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالاً، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومن معه في طاعته). انتهى.
أقول: الصحيح أن جيش قيس كان اثني عشر ألفاً لا أربعين ألفاً، بل ورد أن الذين ثبتوا معه وجددوا له البيعة منهم أربعة آلاف، ويظهر أنهم طليعة الأربعين ألفاً الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام قبل شهادته على حرب معاوية حتى الموت. أما بيعته لمعاوية فكانت في الكوفة بأمر الإمام الحسن عليه السلام وحضوره.
وأضاف الطبري:٤/١٢٥: (وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط، فقالوا ذوو رأى العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، ومن المهاجرين عبد الله بن بديل الخزاعي، وكان قيس وابن بديل مع علي عليه السلام وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية، إلا أن المغيرة كان معتزلاً بالطائف حتى حكم الحكمان).
وفي مقاتل الطالبيين/٤٧: (ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة، فأتيَ به وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الأرض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خِصْيَ الأنصار فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف! فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه، ليبرَّ يمينه)!
الملاحظة الثالثة: لا خيار شرعياً للإمام عليه السلام إلا التنازل عن الحكم
إن موقف الإمام الحسن عليه السلام هو غاية ما يمكن فعله مع أمة صارت بين يدي إمامها كالتراب، واستسلمت لطامعٍ فاغرٍ فاه، تعلم أنه منافق، وأنه وأباه ألدُّ أعداء نبيها وعترته صلى الله عليه وآله! لقد تعب رؤساؤها فتخلوا عن العمل بالدوافع الدينية، بل تخلوا عن أي حساب لمستقبلهم، وصاروا يتحركون بدوافع مادية آنية فقط!
قال زيد بن وهب الجهني: (لما طعن الحسن بن علي عليه السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا بن رسول الله فإن الناس متحيرون؟ فقال: أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي، وأومن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً! والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن علي فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر، ومنة لمعاوية لايزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت! قال قلت: تترك يا بن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع؟! قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد أدى به إليَّ ثقاته: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً: يا حسن أتفرح كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟! كيف بك إذا وليَ هذا الأمر بنو أمية، وأميرها الرحب البلعوم الواسع الإعفجاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، يدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن أهل البدع الضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به ويذل في ملكه المؤمن، ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولاً ويتخذ عباد الله خولاً يدرس في سلطانه الحق ويظهر الباطل ويقتل من ناواه على الحق ويدين من والاه على الباطل! فكذلك، حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكلَبٍ من الدهر وجهل من الناس، يؤيده الله بملائكته ويعصم أنصاره وينصره بآياته، ويظهره على أهل الأرض حتى يدينوا طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر إلا آمن به، ولا صالح إلا صلح، ويصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها وينزل السماء بركتها وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه).(الإحتجاج:٢/٢٩٠، ومعجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام رقم٦٩٢).
أقول: يدل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على أن الظلم في الأمة سيستمر بعد بني أمية حتى يظهر الإمام المهدي عليه السلام. وقوله: يحكم أربعين سنة، كناية عن طول مدته فقد ثبت أنه عليه السلام يحكم بعدد سنيِّ أهل الكهف، وأن دولتهم عليهم السلام تمتد إلى يوم القيامة، وتكون نَقْلةَ نوعيةَ في الحياة على الأرض، فلا يعود اليها الظلم.
آخر مراحل انهيار الأمة في عهد الإمام الحسن عليه السلام
صار اليوم الذي أجبر فيه المنافقون أمير المؤمنين عليه السلام على قبول إيقاف الحرب في صفين بعد أن شارف على قطف النصر، محطةً بارزة في تاريخ الأمة فقد تجمع الخوارج وأحاطوا به وهددوه بالقتل إن لم يقبل بتحكيم الحكمين، أو بالأسر وتسلميه إلى معاوية! فاضطر عليه السلام إلى إجابتهم!
ففي ذلك اليوم ظهر الخوارج الذين دفعهم الأشعث بن قيس ومعاوية فأجبروا أمير المؤمنين عليه السلام على قبول التحكيم، ثم أفاقوا وندموا وزعموا أنهم كفروا بذلك وأن أمير المؤمنين عليه السلام كفر مثلهم برضوخه لإصرارهم وتهديديهم! فعليه أن يعترف بأنه كفر ويتوب ويدخل في الإسلام ليقبلوه إماماً، وإلا قاتلوه!!
كما ظهر الاتجاه الذي يميل إلى معاوية بزعامة الأشعث بن قيس، رئيس قبائل كندة، والذي اعتمد عليه معاوية وأمدَّه بالمال في صفين فاشترى من استطاع من رؤساء القبائل وقادة جيش علي عليه السلام، وداهن الخوارج حتى عُدَّ منهم!
وبذلك تمَّ فرز جيش أمير المؤمنين عليه السلام إلى شيعته المخلصين لإمامته ومشروعه وهم أقلية، والحزب الأموي وهم الأكثرية، ثم حزب الخوارج وهم أقلية أيضاً!
وقد أظهرت حادثة التحكيم نفاد مخزون الأمة للعمل مع علي عليه السلام في مشروعه لإعادة العهد النبوي، وأنه لم يبق معه إلا خاصة شيعته!
ومع أنه عليه السلام انتصر على الخوارج بعد بضعة شهور من صفين، في معركة سريعة حاسمة، لكن تيارهم في الناس كان قوياً! ثم جاءت شهادته عليه السلام بيد ابن ملجم الخارجي ثأراً لهزيمتهم في النهروان، ودفعةً لوجودهم الاجتماعي، كما جاءت الفرصة للحزب الأموي ليكسب أنصاراً جدداً، ويتحول إلى تيار ينشر الوعود في أهل العراق، ويمنيهم بحياة في حكم معاوية أفضل من حياتهم عهد علي عليه السلام!
في ذلك الظرف السياسي كانت بيعتهم للإمام الحسن عليه السلام بالخلافة لكونه سبط النبي صلى الله عليه وآله وابن أمير المؤمنين علي عليه السلام اللذيْن شهدا ونصَّا على إمامته، لكن الإمام الحسن عليه السلام كان يعرف ضعف الإيمان في الأمة، وقوة التيارين اللذين يعملان ضده، خاصة التيار الأموي الذي يمتاز عن الخوارج بأن له بديلاً محدداً هو خلافة معاوية، بينما الخوارج أكثر شجاعة وفتكاً، وإن كان لابديل عندهم!
ولعل الأشعث وحزبه أرسلوا في اليوم الذي بايعوا فيه الإمام الحسن عليه السلام، إلى معاوية يشجعونه على التوجه إلى العراق، ليساعدوه في السيطرة عليه!
قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٤: (وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة له في السر، واستحثوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به، وبلغ الحسن ذلك!). انتهى.
فأرسل اليهم معاوية يحثهم على أن يضربوا ضربتهم في أقرب فرصة!
قال الصدوق رحمه الله في علل الشرائع:١/٢٢٠: (دسَّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، والى حجر بن الحجر، وشبث بن ربعي، دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي! فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلأم ولبس درعاً وكفَّرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللأمة، فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم، فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي (المدائن) وعليها عم المختار بن أبي عبيد مسعود بن قيلة، فقال المختار لعمه: تعال حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فبدر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه، فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا! فقال الحسن عليه السلام: ويلكم والله إن معاوية لايفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي! وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي صلى الله عليه وآله وأني أقدر أن أعبد الله وحدي! ولكني كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون! فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديكم: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)! فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن عليه السلام من فوره ذلك إلى معاوية: أما بعد، فإن خَطْبي انتهى إلى اليأس من حق أحييه، وباطل أميته وخَطْبك خطبُ من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شراً لك في معادك، ولي شروط أشرطها لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف إن غدرت- وكتب الشرط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء وترك الغدر- وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل أو قعد عن الحق، حين لا ينفع الندم، والسلام).
ثلاث محاولات لاغتيال الإمام الحسن عليه السلام في يوم واحد!
ذكرت المصادر محاولتين لاغتيال الإمام الحسن عليه السلام وهو في طريقه بجيشه إلى جهاد معاوية، والثالثة كانت على شكل هجوم لنهب مركز قيادته!
فقد خطب عليه السلام ليمتحن جيشه قبل الصلاة، فصاح الخوارج بشعارهم: لا حكم إلا لله.. أشرك الحسن كما أشرك أبوه! وساعدهم حزب معاوية وحسبوها فرصة لقتل الإمام عليه السلام، فرموه في أثناء صلاته بسهم فلم يعمل!
قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٤: (ولبس درعاً وكفَّرها (غطاها) وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللأمة) (لباس الحرب). ومعناه أن أحدهم رماه بسهم وهو يصلي إماماً فأصاب الدرع التي تحت ثيابه ولم ينفذ إلى بدنه، ففشلت محاولتهم!
ثم أشاعوا خبراً كاذباً بأن قيس بن سعد قائد مقدمة جيش الإمام عليه السلام قد اشتبك مع جيش معاوية وقُتل! ونادوا في الغوغاء أن يتفرقوا وحركوهم فيهم غريزة الغارة والنهب والفرار من المعسكر فنهبوا ما تصل اليه أيديهم، ووصلوا إلى سرادق الإمام الحسن عليه السلام وكانوا غير مسلحين وأخذوا ينهبون الأمتعة! فأمر الإمام عليه السلام بعدم مقاومتهم! ولابد أنهم دسوا بينهم من يتحين الفرصة لقتل الإمام عليه السلام لكنهم رأوه متقلداً سيفه مراقباً ساكتاً، وقد أحاط به بعض شيعته!
وتركهم الإمام عليه السلام حتى أكملوا نهبهم فأمر الإمام عليه السلام بالمسير، فدبروا له كميناً في النفق المسقوف(مظلم ساباط)! قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٣٨: (ثم سار الحسن فأتى دير كعب فبات به، ثم سار حتى أتى ساباط المدائن فنزل دون جسرها مما يلي ناحية الكوفة، فخطب الناس فقال: إني أرجو أن أكون أنصح خلف لخلقه، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقداً ولا مريدٌ به غائلة ولا سوءاً. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ، غفر الله لي ولكم. فنظر بعض الناس إلى بعض وقالوا: عزم والله على صلح معاوية وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه فدخلوه وانتزعوا مصلاهُ من تحته وانتهبوا ثيابه! ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه فبقى متقلداً سيفه(فدهش ثم رجع ذهنه) فركب فرسه وأطاف به الناس فبعضهم يعجِّزه ويضعِّفه، وبعضهم ينحِّي أولئك عنه ويمنعهم منه!
وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نصر بن الهون بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ويقال له الجرَّاح بن سنان وكان يرى رأي الخوارج، إلى مظلم ساباط فقعد فيه ينتظره، فلما مرَّ الحسن به دنا من دابته فأخذ بلجامها، ثم أخرج مغولاً كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل! وطعنه بالمِغْوَل في أصل فخذه فشق في فخذه شقاً كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه ثم اعتنقا وخرَّا إلى الأرض ووثب عبد كلام بن الحمل الطائي وبعضهم يقول عبد الله بن الحصل فنزع المغول من يد الجراح، وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات). انتهى.
أقول: وقد وضعنا عبارة(فدهش ثم رجع ذهنه) بين قوسين، لأن من يعرف الإمام الحسن عليه السلام لايمكن أن يوافق عليها، بل يعرف أنه عليه السلام تعمد السكوت ليسرقوا ما بدا لهم وحفظ نفسه منهم، وقد يكون وضع حرساً قريباً منه! ويدل الكمين الذي احتاجوا اليه لاغتياله أنه كان محروساً متيقظاً في موجة نهبهم لسرادقه، في تلك المنطقة التي أقام فيها ثلاثة أيام!
ويظهر أن محاولة اغتياله جرت في نفس اليوم الذي رموه فيه بسهم، فكمن له الشقي الجراح بن سنان في الساباط، وهو نفق مسقف طويل.
قال الحموي في معجم البلدان:٥/١٥٢: (مظلم: يقال له مظلم ساباط مضاف إلى ساباط التي قرب المدائن: موضع هناك، ولا أدري لم سمي بذلك). انتهى.
لكن الحموي لم يقرأ ما كتبه الطبري في تاريخه:٣/٨٠، يصف جيش فتح العراق: (فكان أول من خاض المخاضة هاشم بن عتبة في رجله... ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس وجبنوا عنه، فكان أول من دخله بجيشه هاشم بن عتبة، فلما أجاز ألاح للناس بسيفه، فعرف الناس أن ليس به شيء تخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها من الفئ أفضل مما أصابوا بالقادسية).
فـ(مظلم ساباط) بناء فوق الأرض، وهو إسم فارسي معناه الساباط المظلم فهم يقدمون الصفة على الموصوف، وظلمته لطوله وعدم وجود نوافذ فيه وكان موجوداً في الفتح الإسلامي، ولم يكن موجوداً في عصر الحموي في القرن السابع، فبقي إسمه على مكانه. وقد كمن الشقي في آخر الساباط على ظهر فرسه حتى إذا وصل الإمام عليه السلام حاذاه وشكه بالمِغْوَل، وهو سيف دقيق لايصلح للضرب بل يغرزه المغتال غرزاً في بدن المغدور! ولا بد أنه استهدف صدر الإمام عليه السلام أو بطنه ولكنه قاومه فوقعت الشكة في فخذه. بل تدل الرواية التالية على أن الإمام عليه السلام ضربه بالسيف(الخرائج:٢/٥٧٤) ثم منعه من الفرار وأمسكه بلحيته ولوى عنقه وأسقطه على الأرض على رأسه، فتمسك به الشقي فسقطا عن فرسيهما معاً! ففي تاريخ اليعقوبي:٢/٢١٥: (فركب الحسن فرساً له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح بن سنان الأسدي، فجرحه بمعول في فخذه، وقبض على لحية الجراح، ثم لواها فدق عنقه. وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفاً شديداً). وفي كشف الغمة:٢/١٦٢: (وخرَّا جميعاً إلى الأرض، فأكب عليه رجل من شيعة الحسن عليه السلام فقتله بمغوله، وقُتل معه شخص آخر كان معه).
ونسجل هنا ملاحظات:
الملاحظة الأولى
قد يقال: لماذا أرسل الإمام الحسن عليه السلام عمدة شيعته المخلصين، وهم شرطة الخميس مقدمةً لجيشه، وكان عددهم اثني عشر ألفاً وفيهم أبطال الإسلام وقادة الفتوح الكبرى، وسار هو مع أخلاط الناس الذين يكثر فيهم الخوارج وعملاء معاوية، ولم يشدد حراسته مع علمه بأن حياته مستهدفة؟ قال في تهذيب الكمال:٦/٢٤٥: (فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفاً، وكانوا يسمون شرطة الخميس).
والجواب: أنه كان المناسب للإمام الحسن عليه السلام أن يرسل فرقة قوية من جيشه لمواجهة تقدم معاوية، ويبقى هو مدداً لهم يحث الناس على الالتحاق به للجهاد ولذا بقي عشرة أيام في معسكر النخيلة.
على أن الفرق ليس كبيراً بين من رافقهم الإمام عليه السلام وبين شرطة الخميس! فمعه قبائل ربيعة وهمدان وهم أكثر القبائل إخلاصاً له، وقد دعاهم عندما لزم الأمر فكانوا حوله. قال الإربلي في كشف الغمة:٢/ ١٦٢: (وشدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته! ثم شد عليه رجل يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالساً متقلداً السيف بغير رداء! ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، ودعا ربيعة وهمدان فأطافوا به ومنعوه، فسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط...). انتهى. هذا، مضافاً إلى أن غرض الإمام عليه السلام أن يكشف للأجيال حالة الأمة في عصره، وغلبة غوغائها على قراراتها!
الملاحظة الثانية
يحتمل أن يكون الخوارج وراء محاولة اغتيال الإمام عليه السلام الأخيرة، لكن المرجح أن يكون وراءها الحزب الأموي، خاصة بعد أن أرسل معاوية إلى عدد من رؤساء القبائل وقادة الجيش يحثهم على قتل الإمام عليه السلام، وعين لهم جائزة مغرية على ذلك! لذلك لا نطمئن إلى ما ذكره المؤرخون من أن الشقي الذي ضرب الإمام عليه السلام كان خارجياً، وقد تتبعت ترجمته فلم أجد ما يؤيد ذلك. وينبغي أن تعرف أن بني أمية ورواتهم دأبوا على تبرئة الخليفة الأموي وولاته ما استطاعوا، وإلقاء مسؤولية جرائمهم على عاتق الخوارج! وكذلك الأمر في الذي رمى الإمام بسهم وتستر الرواة على اسمه! وكذلك الذين نادوا في معسكر الإمام (قتل قيس بن سعد) ودعوا الناس إلى التفرق والنهب! فالمرجح أنهم أمويون!
الملاحظة الثالثة
ذكرت المصادر موقفاً خيانياً للمختار الثقفي، حيث اقترح على عمه سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل الإمام الحسن عليه السلام على المدائن أن يسلِّم الإمام عليه السلام أسيراً إلى معاوية، ليجعله حاكماً للعراق كله أو يعطيه خراج منطقة منه، فرفض عمه ذلك وفضح سرَّ ابن أخيه ووبَّخه! قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٣٨: (فأشار عليه المختار أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخى سنة، فأبى ذلك وقال للمختار: قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد ائتمنني وشرفني! وهبني نسيت بلاء أبيه أأنسى رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبه؟! ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوَّله إلى أبيض المدائن). انتهى. وأبيض المدائن: قصر كسرى والمدائن عاصمته، وما زالت بقية طاق كسرى الضخمة موجودة إلى الآن.
وهذا العمل من المختار يدل على أنه كان رجلاً دنيوياً ولم يكن متديناً ولا شيعياً! وقد يكون تشيع فيما بعد، والمتيقن عندي أنه شيعي بالمعنى العام وأن الأئمة عليهم السلام لم يؤيدوا حركته بل أيدوا أخذه بثأر الإمام الحسين عليه السلام وحثوه على ذلك، وقد ورد الترحم عليه عن الإمام الصادق عليه السلام فعسى الله أن يرحمه.
وينبغي الالتفات إلى كثرة المكذوبات الأموية والزبيرية على المختار رحمه الله فقد تعمدوا تشويه صورته ونسبوا اليه أنه ادعى الإمامة والنبوة، ونشروا ذلك بين الناس وما زال يملأ مصادرهم، ويتناقله رواتهم على أنه حقائق!
الملاحظة الرابعة
الظاهر أن الأحداث بدأت بخطبة الإمام الحسن عليه السلام ثم صلى بهم فرموه بسهم وهو يصلي، ثم نادوا في معسكره ودعوا الناس إلى التفرق والنهب، ثم هدأهم وسار بهم فحاولوا اغتياله في الساباط فحملوه على سرير إلى المدائن حيث عالج ضربته، وأدار المفاوضات مع معاوية حتى استكملها، ثم رجع إلى الكوفة، وبعد أيام وصل معاوية إلى الكوفة.
وقد خلط بعض الرواة والمؤرخين في تسلسل هذه الأحداث وأمكنتها، فجعلها بعضهم كلها في المدائن...(راجع: الطبري:٤/١٢١، والعبرللذهبي:١/٢٤، وسير أعلام النبلاء:٣/١٤٥، و٢٦٣، وتاريخ ابن عساكر:١٣/٢٦٢، وتهذيب الكمال:٦/٢٤٤، والكامل لابن الأثير:٣م٢٧١، ومقاتل الطالبيين/٤١، وتاريخ اليعقوبي:٢/٢١٥، وأنساب الأشراف/٧٣٩، وكشف الغمة:٢/١٦٢).
ما روي عن خيانة بعض قادة الجيش ورؤساء القبائل
في الخرائج والجرائح:٢/٥٧٤: (ثم وجه إليه قائداً في أربعة آلاف، وكان من كندة، وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئاً حتى يأتيه أمره. فلما توجه (القائد الكندي) إلى الأنبار ونزل بها وعلم معاوية بذلك بعث إليه رسلاً، وكتب إليه معهم: إنك إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام أو الجزيرة غير منفس عليك. وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي المال وقلب على الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية، في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته!
وبلغ الحسن عليه السلام فقام خطيباً وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا! وأنا موجِّهٌ رجلاً آخر مكانه وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه...!
فبعث إليه رجلاً من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس وتوكد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنه لا يفعل! فقال الحسن عليه السلام: إنه سيغدر! فلما توجه إلى الأنبار أرسل معاوية إليه رسلاً، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ومنَّاه أي ولاية أحب من كور الشام أو الجزيرة، فقلب على الحسن عليه السلام وأخذ طريقة إلى معاوية ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود...! ثم كتب معاوية إلى الحسن عليه السلام: يا ابن عم لا تقطع الرحم الذي بيني وبينك فإن الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك فقالوا: إن خانك الرجلان وغدرا فإنا مناصحون لك! ثم إن الحسن عليه السلام أخذ طريق النخيلة فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف...). (فأما معاوية فإنه وافى(أي مقدمة جيشه بقيادة بسر بن أرطاة) حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية بمسكن، وأقبل عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أنَّ الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلِّم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم أعجِّل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلَّ عبيد الله إليه ليلاً فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده!
وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلى بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه! فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له: إنهض بنا إلى عدونا على اسم الله فنزل فنهض بهم. وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق: ويحكم! هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح فعلامَ تقتلون أنفسكم! فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين، إما القتال مع غير إمام وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.
فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبداً، إلا بيني وبينك الرمح! فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه: أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي، تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وغدرك وإن ظهر أبغضهم إليك، نكَّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه ورمى غير غرضه، فأكثرَ الحزَّ وأخطأ المفصل فخذله قومه وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً. والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً وأقمت فيه فَرَقاً وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يَقْدُمْ إسلامك ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله وحزباً من أحزاب المشركين، وعدواً لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده.
وذكرتَ أبي، فلعمري ما أوتر إلا قوسه ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره ولا يبلغ كعبه! وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه. والسلام). (شرح النهج:١٦/٣٣ ومقاتل الطالبيين/٤١، وأنساب الأشراف/ ٧٣٨).
أقول: حاول بعض المؤلفين الدفاع عن عبيدالله بن العباس، والقول بأنه استقال من قيادة الجيش ولم يلتحق بمعاوية، ولكن الظاهر يأباه وإطباق النصوص!
وكذلك الدفاع عن ذلك الجيل من أهل الكوفة بعمومه، أمر غير ممكن!
وفي الوقت الذي كان الإمام الحسن عليه السلام في المدائن، وكان يراسل معاوية في شروط الصلح.. نقلوا أن عدداً من رؤساء القبائل ذهبوا إلى معاوية في جسر منبج قرب حلب فبايعوه! قال البلاذري وغيره: (وجعل وجوه أهل العراق يأتون معاوية فيبايعونه، فكان أول من أتاه خالد بن معمر فقال أبايعك عن ربيعة كلها ففعل! وبايعه عفاق بن شرحبيل بن رهم التيمي، فلذلك يقول الشاعر:

فإنك لولا خالدٌ لم تؤمَّرِ معاويَ أكرم خالدَ بن معمَّرِ

وبلغ ذلك الحسن فقال: يا أهل العراق، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثم اختلفتم عليه، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لاتغروني في ديني ونفسي). (مقاتل الطالبيين/٤٧ وأنساب الأشراف/٧٣٩)
وقال الثقفي في الغارات:٢/٧٩١: (كانت راية ربيعة كوفيتها وبصريتها مع خالد بن معمر). وروى في الإصابة:٢/٢٩٩، بيعته لمعاوية، وفي تاريخ دمشق:١٦/٢٠٥، أنه هو الذي غدر بالحسن بن علي وبايع معاوية... وقال في:١٠/٣١١: (كان خالد ممن سعى على الحسن بن علي عليهما السلام وقال لمعاوية أنا أكفيك ربيعة كلها، وقام بأمرها فلما استقام أمره جفاه). انتهى.
لكن النعمان المغربي عدَّه ممن التحق بمعاوية في عهد علي عليه السلام قال: (والتحق أيضاً بمعاوية خالد بن معمر في عامة بني سدوس لأمر نقمه على علي صلوات الله عليه، ولقدره، وكثرة من جاء به إلى معاوية من قومه. وممن هرب عن علي صلوات الله عليه إلى معاوية من مثل هؤلاء كثير من وجوه العرب ورؤسائهم، ومن أهل البأس والنجدة والرياسة في عشائرهم، لما اتصل عن معاوية من بذله الأموال، وإفضاله على الرجال، وإقطاعه القطائع مثل إطعامه عمرو بن العاص خراج مصر، وإقطاعه ذا الكلاع، وحبيب بن سلمة، ويزيد بن حجبة، وغيرهم ما أقطعهم وأنالهم إياه، وعلموا ما عند علي عليه السلام من شدته على الخائن، وقمعه الظالم، وعدله بين الناس، واسترجاعه ما أقطعه عثمان، وفشى ذلك عنه، وتفاوض أهل الطمع وقلة الورع فيه حتى قال خالد بن المعمر للعباس (العلباء) بن الهيثم: إتق الله في عشيرتك وانظر في نفسك! ما تؤمِّل من رجل سألته أن يزيد في عطاء ابنيه الحسن والحسين دريهمات لما رأيته من حالتهما فأبى عليَّ، وغضب من سؤالي إياه ذلك! فكان ذلك مما تهيأ به لمعاوية ما أراده، وهو في ذلك مذموم غير مشكور بل مأثوم مأزور، ومما امتحن الله به علياً عليه السلام وهو فيه محمود مشكور مثاب مأجور وفيما منع منه معذور! على أن أكثر من نزع عن علي عليه السلام ولحق بمعاوية لم يكونوا جهلوا فضل علي عليه السلام ولاغبيَ عنهم نقص معاوية، ولكنهم إنما قصدوه للدنيا التي أرادوها وقصدوها). (شرح الأخبار:٢/٩٦).
أقول: يظهر أن مشكلة ابن معمر ورؤساء القبائل كانت مساواة علي عليه السلام بين المسلمين، فالتحق خالد بن معمر بمعاوية، لكن قبيلته ربيعة لم تستجب له بل بقيت وفية لأهل البيت عليهم السلام فعندما تحركت الغوغاء للنهب في جسر ساباط قال الإمام الحسن عليه السلام:(أدع لي ربيعة وهمدان)؟(مقاتل الطالبيين/٤٠).
وذكر الثقفي في الغارات:٢/٧٩١، أن رئيس ربيعة هو الحضين بن المنذر. ومعنى ذلك أن خالد بن معمر التحق بمعاوية في عهد علي عليه السلام فلم تطعه قبيلته والتفت حول رئيسها الشيعي الحازم ابن المنذر فرجع خالد اليها، ثم التحق بمعاوية وحده أيضاً في عهد الإمام الحسن عليه السلام. كما أن ابن معمر كان يمدح علياً عليه السلام حتى أمام معاوية ولذلك قرر معاوية قتله!
ففي البلدان لليعقوبي/٤٦:(وولى معاوية خالد بن معمر السدوسي خراسان فسار يريدها، فدس إليه زياد سماً فمات ولم يصل إلى خراسان)!
وفي إكمال الكمال:٧/٢٧٠: (فولاه أرمينية فوصل إلى نصيبين فيقال إنه احتيل له شربة سم فمات فقبره بها). انتهى. وزياد لا يجرؤ على ذلك بدون أمر معاوية!
أما قبليته ربيعة فبقيت وفية لرئيسها ابن المنذر الذي كان مميزاً بعقله حتى أن معاوية يحب أن يتشاور معه، قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤٤: (فكان حضين بن المنذر الرقاشي أبو ساسان يقول: ماوفى معاوية للحسن بشيء مما جعل! قتل حجراً وأصحابه وبايع لابنه ولم يجعلها شورى، وسمَّ الحسن). انتهى.
وأما عفاق بن شرحبيل الذي عده البلاذري من وجوه العراق فقال: (وجعل وجوه أهل العراق يأتون معاوية فيبايعونه، فكان أول من أتاه خالد بن معمر فقال أبايعك عن ربيعة كلها ففعل. وبايعه عفاق بن شرحبيل بن رهم التيمي) (أنساب الأشراف/٧٣٩)، فهو من بني تيم وليس من بني تميم ولا رئيسهم، بل رئيسهم يزيد بن حجية الذي سرق خراج الريّ في عهد علي عليها السلام وهرب إلى معاوية، فدعا عليه علي عليه السلام وتعصب له عفاق فضربه الناس وأنقذه منهم علي عليه السلام ووهبه لابن عم له! (أنساب الأشراف/٤٥٩). قال ابن حبان في ثقاته:٢/٢٩٨: (فلما دخلت السنة التاسعة والثلاثون استعمل عليٌّ يزيد بن حجية التيمي على الري ثم كتب إليه بعد مدة أن أقدم فقدم على علي فقال له: أين ما غللت من مال الله؟ قال: ما غللت! فخفقه بالدرة خفقات وحبسه في داره فلما كان في بعض الليالي قرَّب يزيد البواب وماحَلَه، ولحق بالرقة وأقام بها حتى أتاه إذن معاوية! فلما بلغ علياً لحوقه معاوية قال: اللهم إن يزيد أذهب بمال المسلمين ولحق بالقوم الظالمين، اللهم فاكفنا مكره وكيده).
وفي تاريخ دمشق:٦٥/١٤٧: فقال: اللهم إن ابن حجية هرب بمال المسلمين وناصبنا مع القوم الظالمين، اللهم أكفنا كيده واجزه جزاء الغادرين، فأمَّن القوم. فقال عفاق بن أبي رهم التيمي: ويلكم تؤمنون على ابن حجية، شُلَّت أيديكم! فوثب عليه عنق من الناس فضربوه، فاستنقذه زياد بن خصفة التيمي).
وفي شرح النهج:٤/٨٥: (فقال: تربت أيديكم، أعَلى أشرافنا تدْعُون! فقاموا إليه فضربوه حتى كاد يهلك، وقام زياد بن خصفة وكان من شيعة علي فقال: دعوا لي ابن عمي فقال علي: دعوا للرجل ابن عمه، فتركه الناس فأخذ زياد بيده فأخرجه من المسجد).انتهى.
فعفاق وابن حجية تيميان كانا مع معاوية من زمن علي عليه السلام!
فهذا يدل على أن رواياتهم عن خيانة رؤساء القبائل بهروبهم إلى معاوية غير دقيقة، بل دخلت فيها إشاعات معاوية، والذي هرب بعض قادة الجيش فقط! والصحيح ما رواه المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٤: (وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به، وبلغ الحسن ذلك....!).
حكم أهل البيت عليهم السلام استثناءٌ من السياق الطبيعي للتاريخ!
يوجد قانون للتناسب بين حالة الأمة ونوع قيادتها، وأن قيادة المجتمع ناتجٌ لمعادلة مركبة من مجموع الخير والشر والهدى والضلال الموجود في ذلك المجتمع. ولا ندري كيف تتم حسابات هذه المعادلة.
أما قيادة الأنبياء والأوصياء عليه السلام فلها قانونها الخاص.
ويمكن الاستدلال لقانون التناسب المذكور بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (كما تكونوا يولى عليكم، أو يؤمر عليكم)، وهذا الحديث وإن لم يصح سنده عند أحد (كشف الخفاء:١/١٤٦و:٢/١٢٦) لكن مضمونه صحيح، وهو قريب مما ثبت عن علي عليه السلام: (لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم).(نهج البلاغة:٣/٧٧).
وفي الكافي:٥/٥٦: عن الإمام الرضا عليه السلام: (لتأمرون بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم). انتهى.
وعليه، فالأمة عندما نكثت بيعتها لعلي عليه السلام يوم الغدير، وخالفت وصايا النبي صلى الله عليه وآله المتكررة بعلي وعترته أهل بيته عليهم السلام لم تكن تستحق قيادةً أفضل من زعامة قبائل قريش! وقد استمرت هذه الحالة حتى طفح كيل الأمويين في عهد عثمان وكظَّ الأمة ظلمهم والجوع، فاتجهت جماهيرها إلى أهل البيت النبوي هاتفةً: لا نبايع إلا علياً، مالها غيرك يا أبا الحسن! وهذا يعني أن مضمون الخير في الأمة ارتفع إلى مستوى استحقت به أن تطيع نبيها صلى الله عليه وآله، فيقودها علي عليه السلام!
ومن المحتمل أن تكون حالتها تلك استثناء طلبه النبي صلى الله عليه وآله من ربه، فقد أخبر علياً عليه السلام بأن الأمة ستغدر به بعده، ثم يأتي يوم تطلب منه أن يتولى أمرها!
ومهما يكن، فإنا نتعجب عندما نجد أن عامة الصحابة وأهل الحل والعقد في الأمة، نقموا على ظلم عثمان وتسليطه بني أمية على رقاب المسلمين، وطالبوه أن يعزل نفسه فلم يفعل، فقتلوه وجاؤوا بعلي عليه السلام منقذاً لهم من تسلط بني أمية.. ثم لم يمض إلا وقت قصير من حكم علي حتى حنُّوا إلى ظلم بني أمية وناصروا معاوية على علي عليه السلام مع أنهم شهدوا جميعاً بعدالة علي وظلم معاوية وبني أمية!
وقد بلغ من هوس رؤساء قبائلهم وقادة جيوشهم وشوقهم إلى ظلم بني أمية أنهم أخذوا يعملون جدياً لقتل علي عليه السلام ثم لقتل الحسن عليه السلام نجل علي وسبط النبي صلى الله عليه وآله أو أسْره وتسليمه وتسليم الأمة إلى معاوية!
فما معنى هذا التحول ضد بني أمية وقريش، ثم هذه الرجوع السريع اليهم؟!
يمكن أن نقول بميزان المعادلات والقوى السياسية:
إن قريشاً وبني أمية كانوا متجذرين مادياً في أجهزة الدولة، وكان لهم في البلاد المختلفة نفوذهم وصنائعهم وبعض الجمهور، فاستطاعوا أن يعملوا ضد علي عليه السلام ويشنوا عليه حملة مضادة، ويستعيدوا الخلافة التي(صادرها) الصحابة منهم وأعطوها إلى بني هاشم، ويعيدوا الاعتبار للخليفة الأموي(المظلوم) عثمان!
نعم هذا صحيح، ولكن عمق القضية هو قانون التناسب بين الأمة وقيادتها، ومنطقه: أن الأمة أفاقت على غير عادتها وصعَّدت نقمتها على عثمان وبني أمية، كما أفاقت على وصية نبيها صلى الله عليه وآله بكتاب الله وعترته عليهم السلام، فانتزعت الخلافة من عثمان وقدمتها على طبق الولاء لعلي عليه السلام، لكنها لما رأت أن مشروع علي عليه السلام لإعادة العهد النبوي كلفها حرب الجمل، ثم حرب صفين المهولة، أعادت حسابها في صفين.. فرأت أن الأسهل عليها آنياً أن تصرف النظر عن الحكم النبوي الباهظ التكاليف، وترضى بحكم قبلي أموي علماني، وليكن ما يكون في المستقبل، مما يحذرها منه علي عليه السلام أو حذرها منه النبي صلى الله عليه وآله!
إن هذا القرار في لا وعي الأمة يعني انتهاء فترة الوعي واليقظة التي أطاحت بعثمان وجاءت بعلي عليه السلام ويعني أن الأمة عادت إلى التفكير الآني دون المستقبلي والى التفكير بالمعادلة المادية، والإعراض عن التفكير بمعادلة إسلامية!
وهذا يدل على أن استحقاقها لعلي عليه السلام انتهت مدته! فيجب أن يُرفع من بينها، ويبقى مشروعه محفوظاً مخزوناً في ذاكرتها ليوم ما!ومعناه أن دور الإمام الحسن بعد أبيه عليهما السلام، في واقعه دور تسلُّم وتسليم لما قررته الأمة في صفين! واقتضاه قانون التناسب الرباني بين المستوى الإيماني في الأمة ونوعية قيادتها.
كما يمكن وصف دور عليه السلام بأنه دور العمل لحفظ المخزون النبوي الذي حققه والده عليهما السلام، وفتْحُ به باب العودة للأمة اليه عندما تكظها مجدداً أنياب بني أمية!
أما (يقظة) الخوارج وتحفزهم لقتال علي ومعاوية والناس أجمعين! فهي أشبه بإفاقة المصروع، لأن أذهانهم تشبه "موتور" سيارة يدور بالعكس! فهم مقاتلون محترفون يريدون الحق والدين لكن بفهمهم العامي الخشن، ويرفضون دولة معاوية القبلية العلمانية، لكن من أجل إثبات ذاتهم بدلها، وليس من أجل تحقيق العدالة الإسلامية حسب النص القرآني والحديث النبوي!
وقد تقدم تحليل حالتهم في المجلد الأول.
مفاوضات الصلح بين المدائن وحلب!
استقر الإمام الحسن عليه السلام في المدائن(نحو٥٠ كلم عن بغداد) يداوي جرحه البليغ في فخذه، وينتظر توافد الذين وعدوه بالحرب معه فواعدهم المدائن، وأخذت الأخبار تأتيه بانهيار الأمة أمام الموجة الإعلامية والسياسية لبني أمية، وأنه لم يصمد من جيشه إلا قيس بن سعد في بضعة آلاف مقاتل في منطقة الدجيل، مقابل جيش معاوية بقيادة بسر بن أرطاة! (وورد عليه كتاب قيس بن سعد رضي الله عنه.... فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المُحَكِّمَة فيه (الخوارج) بما أظهروه له من السب والتكفير واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصةٌ من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه! واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطاً كثيرة، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بداً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى كثير منهم عليه في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان في خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة).(الإرشاد:٢/١٤)
وفي سيرأعلام النبلاء:٣/٢٧٧: (ومن الإستيعاب لأبي عمرو قال: سار الحسن إلى معاوية وسار معاوية إليه، وعلم أنه لاتغلب طائفة الأخرى حتى تذهب أكثرها، فبعث إلى معاوية أنه يصير الأمر إليك بشرط أن لا تطلب أحداً بشيء كان في أيام أبي، فأجابه وكاد يطير فرحاً، إلا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا، فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه: إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده. فقال: لا أبايعك. فبعث إليه معاوية برق أبيض مختوم بخاتمه في أسفله وقال: أكتب ما شئت فيه وأنا التزمه، فاصطلحا على ذلك.
واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية. فقال له عمرو: إنه قد انْفَلَّ حدهم وانكسرت شوكتهم! قال: أما علمت أنه قد بايع علياً أربعون ألفاً على الموت، فوالله لا يُقتلون حتى يقتل أعدادهم منا، وما والله في العيش خير بعد ذلك). (وهو في الإستيعاب بهامش الإصابة:١/٣٧٠)

الفصل الثاني: شروط الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية

الزعيمان الأمويان الضامنان لتنفيذ معاوية لشروط للصلح
في تاريخ الطبري:٤/١٢٢: (فلما انتهى كتاب الحسن بن علي إلى معاوية، أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما المدائن وأعطيا الحسن ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف، في أشياء اشترطها). انتهى.
أقول: أرسل معاوية هذين الزعيمين من بني أمية بطلب الإمام الحسن عليه السلام لأن الأعراف القبلية العربية تقضي أن يضمن وفاء الطرف بشروطه شخصيات من قبيلته. وعبد الرحمن بن سمرة، من شخصيات بني أمية (الطبقات:٧/٣٦٦) ومن موثقي رواة الخلافة.(ابن معين:١/٤٧). وابن كريز ابن خال عثمان وقد ولاه البصرة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وعزل عنها أبا موسى الأشعري! (الطبري:٣/٣١٩) ثم عزله علي عليه السلام عنها ثم ولاه معاوية عليها، وكان معاوية يفتخر به فقال عند موته: (يرحم الله أبا عبد الرحمن، بمن نفاخر وبمن نباهي؟!). الطبقات:٥/٤٨)
وهو جد أبان بن عثمان وعبد الملك بن مروان لأميهما، وابنته هند هي زوجة يزيد التي انتفضت عليه عندما أدخلوا عليه سبايا أهل البيت ورأس الحسين عليه السلام!
قال الطبري في تاريخه:٤/٣٥٦:(ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث! قال: فسمعَتْ دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز وكانت تحت يزيد بن معاوية، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! قال: نعم، فأعولي عليه وحُدِّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره! ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين ابن الحمام المري:

يفلقنَ هاماً من رجالٍ أحبةٍ إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلم

قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله (ص) يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكتُ بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربما رأيت رسول الله (ص) يرشفه! أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك! ويجئ هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه! ثم قام فولى)! انتهى.
أقول: يناسب هنا أن نشير إلى التناقض الأموي ليزيد كأبيه وجده! فهو من جهة يقول لزوجته أقيمي المأتم على الحسين عليه السلام (فأعولي عليه وحُدِّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله)! ومن جهة يعقد مجلساً للناس والرأس الشريف بين يديه، ويشمت به وينكت على فمه بقضيب!
ومضافاً إلى ضمان هذين الزعيمين الأمويين لمعاوية ليفي بالشروط، فقد جعل الإمام الحسن عليه السلام عليه عهد الله ومواثيقه المغلظة! ومع كل ذلك بقي معاوية على وقاحته فقال بعد الصلح: كل ما شرطته للحسن فهو تحت قدمي!!
ففي مناقب آل أبي طالب:٣/١٩٥: (وأنفذ(الإمام الحسن عليه السلام) إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فتوثق منه لتأكيد الحجة أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، والأمر من بعده شورى، وأن يترك سب علي، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، ويوفر عليه حقه كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده على ذلك معاوية وحلف بالوفاء به. وشهد بذلك: عبد الرحمن بن الحارث، وعمرو بن أبي سلمة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن أبي سمرة، وغيرهم). انتهى.
الزعماء الأربعة الذين أرسلهم الإمام الحسن عليه السلام
من الملفت أن الإمام الحسن عليه السلام أرسل إلى معاوية عدة شخصيات للمفاوضة، ولم يكن فيهم أحد من آل أبي طالب! وقد يكون السبب أن الإمام عليه السلام لا يحتاج إلى ضمان لتعهده، لأن تنازله لمعاوية سوف يُعلن وينتهي الأمر، أما معاوية فهو يحتاج إلى ضمانات لتنفيذ مواد الاتفاق. لكن هذا لا يكفي لاستبعاد آل أبي طالب عن المفاوضات، فكأن الإمام عليه السلام يقول بذلك: إن هذا الصلح اضطرار لي أنا، ولا دخل فيه لغيري حتى من أهل بيتي! والشخصيات الذين أرسلهم هم:
الأول: عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه هند بنت أبي سفيان. فهو من فرع نوفل من بني هاشم وابن هند أخت معاوية، في الأربعينات من عمره فقد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وتوفي سنة٧٩، ووثقه علماء الرواة من الفريقين وعدوه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. (معجم رجال الحديث:١١/١٦٤) وذكروا أنه سكن البصرة، وأنه كان زعيماً محترماً فيها (الطبقات:٥/٢٤) وأن أهلها اختاروه والياً في زمن ابن الزبير فأقره عليها، ثم خرج إلى عمان فمات بها. ووثقه العجلي:٢/٢٥، والرازي:٥/٣٠، وقال ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار/١١٥: (عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أبو إسحاق قتله السموم(الريح) سنة تسع وسبعين).
وقال ابن حجر في الإصابة:٥/٨: (وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ظاهر الصلاح وله رضا في العامة، ولما مات يزيد بن معاوية وهرب عبد الله بن زياد عامله على العراقين، رضي أهل البصرة بعبد الله بن الحارث هذا. وذكر البغوي في ترجمته أنه وليَ البصرة لابن الزبير وكانت وفاته بعمان سنة أربع وثمانين).
واختيار الإمام الحسن عليه السلام يدل على ارتضائه له، وأنه مقبول عند خاله معاوية.
والثاني: عمر بن أبي سلمة، قال في مستدركات علم رجال الحديث: ٦/٧٣: (عمر بن أبي سلمة المخزومي، ابن أم سلمة، ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ولاه البحرين). وقال ابن حبان في المشاهير/٥٠: (عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ربيب رسول الله (ص) كان مولده بأرض الحبشة في السنة الأولى من الهجرة وتوفي في إمارة عبد الملك بن مروان). (راجع أيضاً: وتاريخ ابن خياط/٢٥، والكبير للبخاري:٦/١٣٩، والجرح والتعديل للرازي:١/١٤٦، وسير اعلام النبلاء للذهبي:٣/٤٠٦). واختيار الإمام الحسن له يدل على أنه مقبول عند الجميع وأنه محسوب في العرف العشائري من بني هاشم، لأنه ربيبهم.
والثالث: عمرو بن سلمة الهمداني اليماني. قال ابن سعد في الطبقات:٦/١٧١: (عمرو بن سلمة بن عميرة.. من همدان، روى عن علي وعبد الله وكان شريفاً، وهو الذي بعثه الحسن بن علي بن أبي طالب مع محمد بن الأشعث بن قيس في الصلح بينه وبين معاوية، فأعجب معاوية ما رأى من جهر عمرو وفصاحته وجسمه، فقال: أمضري أنت؟ قال لا: ثم قال:

إني لمن قوم بنى الله مجدهم على كل باد في الأنام وحاضر
أبوتنا آباء صدق نمى بهم إلى المجد آباء كرام العناصر
وأمَّاتُنا أكرم بهنَّ عجائزاً ورثن العلا عن كابر بعد كابر
جناهن كافور ومسك وعنبر وليس ابن هند من جناة المغافر!

أنا امرؤ من همدان، ثم أحد أرحب. وكان ثقة قليل الحديث).
وقال الرازي في الجرح والتعديل:٦/٢٣٥: (عمرو بن سلمة الهمداني وهو ابن سلمة بن الحارث الكوفي، سمع سلمان بن ربيعة عن علي وروى عن ابن مسعود عن النبي (ص) سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد: روى عن عمرو بن سلمة ابنه يحيى وهو يحيى بن عمرو بن سلمة. (سمعت أبي يقول: أخطأ البخاري في عمرو بن سلمة حيث جمع بينهما وهذا جرمي وذاك همداني). انتهى.
ويقصد الرازي خطأ البخاري في تاريخه الكبير:٦/٣٣٧.
والرابع: محمد بن الأشعث بن قيس، وأبوه الأشعث رأس النفاق في العراق وأخبث عدو لأمير المؤمنين عليه السلام وقد شرك في دمه! وهلك بعد شهادة أمير المؤمنين بنحو أربعين يوماً! وابنه محمد على كأبيه وقد شرك في دم الحسين عليه السلام فكان قائداً في كربلاء! ولعل السبب الذي جعل الإمام الحسن عليه السلام يختاره، أنه يريد إشعار الحزب الأموي بأنه شريك في المفاوضة!
نصوص عهد الصلح من أهم المصادر
رواية البلاذري
قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤١: (ووجه معاوية إلى الحسن عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فقال ابن عامر: إتق الله في دماء أمة محمد أن تسفكها لدنيا تصيبها وسلطان تناله، لعل أن يكون متاعك به قليلاً، إن معاوية قد لجَّ، فنشدتك الله أن تلجَّ فيهلك الناس بينكما، وهو يوليك الأمر من بعده ويعطيك كذا. وكلمه عبد الرحمن بن سمرة بمثل كلام عبد الله أو نحوه فقبل ذلك منهما وبعث معهما عمرو بن سلمة الهمداني ثم الأرحبي، ومحمد بن الأشعث الكندي ليكتبا على معاوية الشرط ويعطياه الرضا. فكتب معاوية كتاباً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن لك خراج فسا ودرأبجرد، تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدا لك. شهد عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سلمة الهمداني، وعبد الرحمن بن سمرة، ومحمد بن الأشعث الكندي. وكُتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين. فلما قرأ الحسن الكتاب قال: يطمعني معاوية في أمر لو أردت لم أسلمه إليه. ثم بعث الحسن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان فقال له: إئت خالك فقل له إن أمَّنت بالناس بايعتك، فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء قد ختم في أسفلها، وقال: أكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى، والناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى أن لا يبغي الحسن بن علي غائلة سراً ولا علانية، ولا يخيف أحداً من أصحابه. شهد عبد الله بن الحارث. وعمرو بن سلمة وردهما إلى معاوية ليشهد ويشهدا عليه).
رواية ابن الأعثم
وقال ابن الأعثم في كتاب الفتوح:٤/٢٩٠: (ثم دعا الحسن بن علي بعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن أخت معاوية، فقال له: صر إلى معاوية فقل له عني: إنك إن أمَّنت الناس على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ونسائهم بايعتك، وإن لم تؤمنهم لم أبايعك. قال: فقدم عبد الله بن نوفل بن الحارث على معاوية فخبره بمقالة الحسن، فقال له معاوية: سل ما أحببت! فقال له: أمرني أن أشرط عليك شروطاً، فقال معاوية: وما هذه الشروط؟ فقال: إنه مسلم إليك هذا الأمر على أن له ولاية الأمر من بعدك، وله في كل سنة خمسة آلاف ألف درهم من بيت المال، وله خراج دارا بجرد من أرض فارس، والناس كلهم آمنون بعضهم من بعض. فقال معاوية: قد فعلت ذلك. قال: فدعا معاوية بصحيفة بيضاء، فوضع عليها طينة وختمها بخاتمه، ثم قال: خذ هذه الصحيفة فانطلق بها إلى الحسن، وقل له فليكتب فيها ما شاء وأحب ويشهد أصحابه على ذلك، وهذا خاتمي بإقراري. قال: فأخذ عبد الله بن نوفل الصحيفة، وأقبل إلى الحسن ومعه نفر من أصحابه من أشراف قريش، منهم عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن سمرة ومن أشبههما من أهل الشام. قال: فدخلوا فسلموا على الحسن ثم قالوا: أبا محمد! إن معاوية قد أجابك إلى جميع ما أحببت، فاكتب الذي تحب. فقال الحسن: أما ولاية الأمر من بعده فما أنا بالراغب في ذلك، ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه إليه، وأما المال فليس لمعاوية أن يشرط لي في المسلمين، ولكن أكتب غير هذا. وهذا كتاب الصلح. قال: ثم دعا الحسن بن علي بكاتبه فكتب: هذا ما اصطلح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية المؤمنين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسيرة الخلفاء الصالحين. وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم. وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه. وعلى أنه لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله غائلةً سراً وعلانية ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق. شهد على ذلك عبد الله بن نوفل بن الحارث وعمر بن أبي سلمة وفلان وفلان. ثم رد الحسن بن علي هذا الكتاب إلى معاوية مع رسل من قبله ليشهدوا عليه).
رواية ابن المطهر المقدسي
قال في البدء والتاريخ:٥/٢٣٦: (فكتب إليه معاوية أما بعد فأنت أولى بهذا الأمر وأحق به لقرابتك وكذا وكذا، ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكْيَد للعدو لبايعتك! فاسأل ما شئت. وبعث إليه بصحيفة بيضاء مختومة في أسفلها أن اكتب فيها ما شئت! فكتب الحسن أموالاً وضياعاً، وأماناً لشيعة علي، وأشهد على ذلك شهوداً من الصحابة. وكتب في تسلم الأمر كتاباً على أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الماضين وأن لا يعهد بعده إلى أحد ويكون الأمر شورى وأصحاب علي آمنين حيثما كانوا).
رواية ابن حجر وابن طلحة الشافعي
وهي الرواية المشهورة بين الكتاب المعاصرين وهي في الصواعق لابن حجر الهيتمي:٢/٣٩٩ وينابيع المودة:٢/٤٢٥ والغدير:١١/٦ وغيرها، وننقل نصها من مطالب السؤول لابن طلحة/٣٥٧:
(بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله محمد (ص) وسيرة الخلفاء الراشدين. وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم. وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه. وعلى أنه لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (ص) غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك الله وكفى بالله شهيداً، وفلان وفلان. والسلام).
رواية ابن شهرآشوب
في مناقب آل أبي طالب:٣/١٩٥: (وأنفذ إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فتوثق منه لتأكيد الحجة أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه والأمر من بعده شورى، وأن يترك سب علي، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، ويوفر عليه حقه كل سنة خمسون ألف درهم. فعاهده على ذلك معاوية وحلف بالوفاء به، وشهد بذلك عبد الرحمن بن الحارث، وعمرو بن أبي سلمة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن أبي سمرة، وغيرهم).
رواية هامش نهاية ابن كثير
قال محقق النهاية هامش:٨/١٨: (صورة معاهدة الصلح التي وقعها الفريقان. وقد أخذناها من مصادرها حرفياً:
المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله *-/المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج: ٤/٨، وبسيرة الخلفاء الصالحين: فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية/١٥٦ ط ١.
المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده. تاريخ الخلفاء للسيوطي/١٩٤ والإصابة ٢/١٢ و١٣ الإمامة والسياسة/١٥٠ دائرة معارف وجدي:٣/٤٤٣*/- وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد: المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد:٤/٨ والفصول المهمة وغيرهما.
المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليا إلا بخير. الأصفهاني مقاتل الطالبيين/٢٦، شرح النهج:٤/١٥ وقال آخرون: إنه أجابه على أن لا يشتم علياً وهو يسمع، وقال ابن الأثير: ثم لم يف به أيضاً.
المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن وله خراج دارأبجرد. الطبري:٦/٩٢ الإمامة والسياسة/٢٠٠وفي الأخبار الطوال/٢١٨: أن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي ألف ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس.
المادة الخامسة: أن لا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم. الأخبار الطوال/٢١٨. وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم. ابن الأعثم:٤/١٦٠.
تصنيفٌ لشروط عهد الصلح
الشرط الأول: أن يعمل معاوية بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله
جاء في النص المروي (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان: صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين، على أن يعمل فيهم بكتاب الله، وسنة رسول الله وسيرة الخلفاء الراشدين). (الغدير:١١/٦).
ولا يمكن قبول ما زعمه بعض الرواة من أن الإمام الحسن عليه السلام شرط عليه العمل بسنة الشيخين أو سيرة الخلفاء الراشدين، ويقصدون بهم أبا بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام، فإن علياً عليه السلام رفض الخلافة كلها عندما اشترط عليه عبد الرحمن بن عوف في الشورى التي رتبها عمر، أن يعمل بسيرة الشيخين!
ومعناه أن والده الذي هو قدوته وأسوته عليهما السلام ترك كل الخلافة حتى لا يجعل سيرة أبي بكر وعمر جزءاً من الإسلام، ولا يُدخل فيه ما ليس منه.. فكيف يشترط هو على معاوية أن يعمل بسيرتهما ويجعلها جزءً من الدين؟!
ففي تاريخ اليعقوبي:٢/١٦٢: (فقال (عبد الرحمن بن عوف): لنا الله عليك إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال(علي عليه السلام): أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت. فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، ثم خلا بعلي فقال له مثل مقالته الأولى فأجابه مثل الجواب الأول، ثم خلا بعثمان فقال له مثل المقالة الأولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثم خلا بعلي فقال له مثل المقالة الأولى، فقال: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى أحد! أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عني. فخلا بعثمان فأعاد عليه القول فأجابه بذلك الجواب، وصفق على يده). انتهى.
ومعنى قول علي عليه السلام لعبد الرحمن: (أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عني): أنك تعرف أني لا يمكن أن أكرز سيرة الشيخين جزءً من الإسلام، فليس هدفك إلا أن تحصل مني على مبرر وتبعد الخلافة عني!
ومعنى قوله: (إن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله لا يحتاج معهما إلى إجِّيري أحد!) أن الكتاب والسنة ليسا ناقصين حتى تكملهما باشتراط سنة أحد وسيرته! والإجِّيري: (بكسر فتشديد: العادة، وقيل همزتها بدل من الهاء. وقال ابن السكيت: ما زال ذلك إجِّيراه، أي عادته).(تاج العروس:٣/٨) وفي الإمامة والسياسة:١/١٢٥، أنه عليه السلام قال لرجل: (وما يدخل سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه؟!).
وفي مسند أحمد:١/٧٥: (عن عاصم عن أبي وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً؟! قال: ما ذنبي قد بدأت بعلي فقلت أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، قال فقال: فيما استطعت. قال: ثم عرضتها على عثمان فقبلها). (ونحوه أسد الغابة:٤/٣٢، وتاريخ دمشق:٣٩/٢٠٢، والفصول للجصاص:٤/٥٥، وغيرها. وفي فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة /٦٤ نحو ما في اليعقوبي. وفي فتح الباري:١٣/١٧٠: فلما أصبح عرض على علي فلم يوافقه على بعض الشروط وعرض على عثمان فقبل). فكيف يعقل أن يتبنى الإمام الحسن عليه السلام سيرة أبي بكر وعمر، ويجعلها شرطاً على معاوية! أما سيرة عثمان فلا يمكن أن يشترطها معاوية لأنها كانت في رأي عامة المسلمين انحرافاً عن الإسلام، ولهذا قتلوه!
وقد عمل معاوية وبنو أمية لإعادة الاعتبار إلى عثمان وإلحاق سيرته بسيرة الشيخين، ثم أطلق العباسيون صفة الخلفاء الراشدين على أبي بكر وعمر، ثم وسعوها فيما بعد لغيرهما. وأما سيرة علي عليه السلام فكانت عدالتها وما زالت موضع إجماع المسلمين وإعجابهم، لكن أنى لمعاوية أن يقبل شترطها أو يسير بها!
الشرط الثاني: أن لا يعهد معاوية بالخلافة بعده إلى أحد بل تكون بعده للحسن، فإن حدث به حدثٌ فللحسين عليهما السلام
قال ابن حجر في فتح الباري:١٣/٥٥: (وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج بسند قوي إلى أبي بصرة، أنه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية: إني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال: كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه، فوصلت الصحيفة لمعاوية، وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح، ومع الرسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط ما شئت فهو لك، فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولاً، فلما التقيا وبايعه الحسن سأله أن يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله، فتمسك معاوية إلا ما كان الحسن سأله أولاً، واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه، فاختلفا في ذلك، فلم ينفذ للحسن من الشرطين شيء!
وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال: لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا، فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده). (ونحوه في تاريخ دمشق:١٣/٢٦١، والإستيعاب:١/٣٨٦، ونهاية ابن كثير:٨/٤١، وتهذيب التهذيب:٢/٢٥٩، وتهذيب الكمال: ٢/٢٤٤. وسير أعلام النبلاء:٣/٢٦٤، واعتقاد أهل السنة:٨/١٤٥١، والعبر:١/٤٩، وغيرها.
وتقدم نقل شرط ولاية العهد للإمام الحسن عليه السلام في هامش النهاية:٨/١٦ عن تاريخ الخلفاء للسيوطي/١٩٤، والإصابة:٢/١٢ و١٣، والإمامة والسياسة/١٥٠، وفي طبعة:١/١٨٣: وفيه: فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما كان حياً، فإذا مات فالأمر للحسن).
ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الصلح كان على شرط ولاية العهد للإمام الحسن عليه السلام، قال في الاستيعاب:١/٣٨٧: (قال أبو عمر رضي الله عنه: هذا أصح ما قيل في تاريخ عام الجماعة، وعليه أكثر أهل هذه الصناعة من أهل السير والعلم بالخبر، وكل من قال إن الجماعة كانت سنة أربعين فقد وهم ولم يقل بعلم والله أعلم، ولم يختلفوا أن المغيرة حج عام أربعين على ما ذكر أبو معشر ولو كان الإجتماع على معاوية قبل ذلك لم يكن كذلك والله أعلم. ولا خلاف بين العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياته لا غير، ثم تكون له من بعده وعلى ذلك إنعقد بينهما ما انعقد في ذلك. ورأى الحسن ذلك خيراً من إراقة الدماء في طلبها وإن كان عند نفسه أحق بها). (ونهاية الإرب/٤٤٠١).
وفي ذخائر العقبى للطبري/١٣٩:(إلا أنه قال عشرة أنفس فلا أؤمنهم! فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول إني قد آليت أنني متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده، فراجعه الحسن إني لا أبايعك أبداً، وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة، قلَّتْ أو كثرت، فبعث إليه معاوية حينئذ برق أبيض قال: أكتب ما شئت فيه، فأنا التزمه! فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية، واصطلحا على ذلك).
أما ابن عنبة في عمدة الطالب/٦٧، فقال: (وشرط عليه شروطاً إن هو أجابه إليها سلم إليه الأمر، منها أن له ولاية الأمر بعده، فإن حدث به حدث فللحسين).
وهو شرط ينسجم مع قبول معاوية بما يكتبه الإمام الحسن عليه السلام في الصحيفة المختومة، والإمام الحسن يعرف النص النبوي على إمامته وإمامة أخيه عليهما السلام، كما ينسجم مع اشتراط الإمام الحسن عليه السلام أن لا يبغي معاوية(للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت). كما في رواية ابن طلحة وابن حجر.
وفي الصواعق:٢/٣٩٩: (وأن لايبتغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله، غائلةً، سراً ولا جهراً). انتهى.
أقول: بعد أن يرى الباحث إجماع المؤالف والمخالف على شرط أن الخلافة تكون بعد معاوية للإمام الحسن عليه السلام، فلا بد له أن يحكم على روايتهم بأن الإمام الحسن عليه السلام لم يرد الخلافة، أو أنه شرط أن تكون بعد معاوية شورى ولم يشرط أن تكون له ثم لأخيه عليهما السلام، بأنها من وضع أتباع الأمويين لتبرير بيعة معاوية ليزيد!
نعم إن الإمام الحسن والحسين عليهما السلام زاهدان في الحكم لأن الله أعطاهما منصب سيدي أهل الجنة الذي لا قيمة لجميع مناصب الأرض عنده! لكنهما مسؤولان بنص جدهما وأبيهما عن أمتهما أن لا تقع في فتنة بني أمية الفاغرة فاها كالغول!
الشرط الثالث: إعلان العفو العام، خاصة لشيعة علي عليه السلام
(على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمَّن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يُتَّبَعَ أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة. وعلى أمان أصحاب علي عليه السلام حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي عليه السلام بمكروه، وأن أصحاب علي عليه السلام وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي عليه السلام حيث كانوا).(مناقب ال أبي طالب:٣/١٩٥ وإعلام الورى:١/٤٠٣، وكشف الغمة:٢/١٣٨، والصواعق المحرقة:٢/٣٩٩، وغيرها).
الشرط الرابع: أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام
وهذا الشرط يدل على أن معاوية كان ديدنه لعن علي عليه السلام ليستوفي به لعن النبي صلى الله عليه وآله الهاشمي لأبيه أبي سفيان وغيره من أئمة الكفر القرشي! وقد ذكرت هذا الشرط مصادر الجميع، ففي مناقب آل أبي طالب:٣/١٩٥: (وأن يترك سب علي عليه السلام، وأن يؤمِّن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم، ويوصل إلى كل ذي حق حقه ويوفر عليه حقه كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده على ذلك معاوية وحلف بالوفاء به. وشهد بذلك عبد الرحمن بن الحارث، وعمرو بن أبي سلمة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن أبي سمرة وغيرهم).
وفي الإرشاد للمفيد:٢/١٤: (فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتأكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله عز وجل وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه. فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده عليه، وحلف له بالوفاء به). (ونحوه إعلام الورى:١/٤٠٣، وكشف الغمة:٢/١٦٤، وإمتاع الأسماع:١٢/٢٠٥، وأعيان الشيعة:١/٥٦٩).
وقد أضاف رواة بني أمية إلى هذا البند قولهم: (وهو يسمع)! فجعلوا شرط الإمام الحسن عليه السلام على معاوية أن لايسب علياً عليه السلام في حضوره فقط، أما في غيابه فلا بأس! وهو أمر غريب يريدون به تبرير فعل معاوية وتحليل سبه لعلي عليه السلام، وتصوير الإمام الحسن عليه السلام ضعيفاً لا غيرة له على معصية الله تعالى بشتم أبيه عليه السلام!
قال ابن خلدون في تاريخه:٢ ق٢/١٨٦: (فكتب إلى معاوية يذكر له النزول عن الأمر على أن يعطيه ما في بيت المال بالكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف، ويعطيه خراج دارا بجرد من فارس، وألا يشتم علياً وهو يسمع)! انتهى. هذا مع أن ابن خلدون ذكر بعدها الصحيفة المختومة التي أرسلها معاوية، إلى الإمام الحسن عليه السلام وتعهد بتنفيد أي شروط يكتبها فيها!
وفي إمتاع الأسماع للمقريزي:٥/٣٥٨: (وكتب إلى معاوية أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط ألا يطلب أحداً من أهل الحجاز والمدينة والعراق، بشيء كان في أيام أبيه، وكاد معاوية يطير فرحاً وبعث إليه برق أبيض وقال: أكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه، فاصطلحا على ذلك واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر بعده وأن يعطيه ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، وخراج دارابجرد من فارس، وألا يُشتم عليٌّ (وهو يسمع) فالتزم شروطه كلها). انتهى.
وفي كامل ابن الأثير:٣/٤٠٥:(وأن لا يشتم علياً، فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي فطلب أن لايُشتم وهو يسمع فأجابه إلى ذلك، ثم لم يفِ له به أيضاً).انتهى.
والمتأمل يعرف أن تحريف هذا الشرط من عمل رواة بني أمية لتبرير لعن معاوية!
الشرط الخامس: أن لا يغتال الإمام الحسن أو الحسين عليهما السلام وآلهم
(وعلى أن لايبغي للإمام الحسن ولا لأخيه الحسين عليهما السلام، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله، غائلة، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق). انتهى. وقد تقدم فيما أوردناه من الغدير:١١/٦، وينابيع المودة:٢/٤٢٥، وكشف الغمة:٢/١٩٣، والنصائح الكافية١٤٩، وغيرها.
وهو يدل على أن تخوف العترة النبوية عليهم السلام من غدر معاوية، كان في محله!
الشرط السادس: أربعة بنود مالية
١- التعويض على عوائل شهداء حرب الجمل وصفين بمبلغ مليون درهم: (وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل وأولاد من قتل معه عليه السلام في صفين ألف ألف درهم). (علل الشرائع:١/٢١١).
٢- أن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، ويستثني ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة ملايين ليكون تحت تصرف الإمام الحسن عليه السلام.
٣- وأن يعطي للإمام الحسن عليه السلام كل عام مليوني درهم، ويجعل له خراج دار أبجرد، وهي ولاية بفارس قرب الأهواز.
٤- أن لا يمنع عطاء أحد من شيعة علي عليه السلام وأن يكون عطاؤهم وافياً.
ويدل شرط تفضيل بني هاشم على بني أمية على أن الإمام الحسن عليه السلام أراد أن يثبِّت هذا الإمتياز للعترة النبوية الطاهرة على بني عبد شمس وقبائل قريش كلها، لعله يكون رادعاً لمعاوية وبني أمية عما ينوونه لهم من تقتيل وتشريد ومطاردة، وإفقار وتجويع! وقد كان تفضيل بني هاشم أمراً متفقاً عليه عند قريش بحيث لم يستطع عمر بن الخطاب إلا أن يثبته في ديوان الدولة والعطاء، مع أنه وأبا بكر صادرا أوقاف النبي صلى الله عليه وآله ومزرعة فدك التي وهبها لها النبي صلى الله عليه وآله في حياته! وحرما الزهراء عليها السلام من إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله بحجة أن الأنبياء مستثنون من حكم التوريث!
الشرط السابع: أن لا يسميه أمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة
نقل الصدوق رحمه الله في علل الشرائع:١/٢١٠، نصاً مهماً عن شيخ البخاري ابن خزيمة الذي يسميه السنة إمام الأئمة، يكشف موادَّ جديدة من كتاب الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، قال: (قال محمد بن علي مصنف هذا الكتاب: قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب (الفروق بين الأباطيل والحقوق) في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية، فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراشي في هذا المعنى، والجواب عنه، وهو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال:حدثنا أبو داود قال:حدثنا القاسم بن الفضل قال: حدثنا يوسف ابن مازن الراشي قال: بايع الحسن بن علي معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي شيئاً، وعلى أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد. قال: ما ألطف حيلة الحسن هذه في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين! قال يوسف: فسمعت القاسم بن محمية يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه وإني قرأت كتاب الحسن إلى معاوية يعدُّ عليه ذنوبه إليه والى شيعة علي، فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي، ومن قتلهم معه). انتهى.
أقول: هذا النص مهم، لأنه عن ابن خزيمة شيخ البخاري، وهو يكشف عن أن الصلح مشروط بأن لايعطي أي شرعية لمعاوية، وهو ينسجم مع تصريحات الإمام الحسن وأهل البيت عليهم السلام في معاوية وبني أمية، قبل الصلح وبعده!
ولعل وجود هذا الشرط وأمثاله كان السبب في عدم نشر معاوية لنص ماكتبه الإمام الحسن عليه السلام في الرق المختوم، ولعل الإمام عليه السلام نشره ولم يصل الينا، فما أكثر مالم يصل!!
ملاحظات على نصوص عهد الصلح
١- السبب في تفاوت الشروط وتعارضه
نقلت مصادر الحديث والتاريخ أخبار المفاوضات بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، بين المدائن ومنبج، وفقرات متعددة من شروط الصلح الذي تمَّ التوصل اليه، واتفقت على أن معاوية أرسل إلى الإمام الحسن عليه السلام سجلاً أو رقّاً أبيض مختوماً ليكتب فيه ما يريد من شروط، كما أرسل له زعيمين من بني أمية ليضمنا للإمام عليه السلام وفاء معاوية بهذه الشروط!
لكن أين صارت نسخة هذا الرق؟! لم تظهر نسخته لأن نشرها ليس من مصلحة معاوية كما سيأتي، ولأنه توجد ثلاث وثائق على الأقل في عهد الصلح غير الرق فقد تقدم من البلاذري نص وثيقة كتبها معاوية ووقعها وأرسلها إلى الإمام الحسن عليه السلام، وثانية كتبها الإمام الحسن عليه السلام ووقعها، وأرسلها إلى معاوية ووقع عليها: (هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً.... فكتب الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده....الخ.).
بل ذكرت النصوص وثيقة ثالثة كتبها الإمام الحسن عليه السلام، أما المقدسي فقد نص على أن الصلح تضمن عهداً ثالثاً خاصاً بالخلافة، قال: (وكتب في تسلم الأمر كتاباً على أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الماضين، وأن لايعهد بعده إلى أحد ويكون الأمر شورى... الخ.). ويدل قوله: (وكتب في تسلم الأمر كتاباً) على أن شروط تسليم الخلافة كانت مفصولةً عن الشروط الأخرى كتأمين قيس بن سعد، والمالية الفعلية والسنوية التي شرطها الإمام عليه السلام، أو كتبها له معاوية حسب الرواية. ولاشك أن نسخة الرق هي المرجع، لأنها متأخرة عن النسخ الأخرى، ويفترض أن تكون شاملة لكل ما تضمنته النسخ السابقة.
٢- النُّسَخ المروية لا يمكن أن تكون نسخة الرق
وذلك لقرائن عديدة، منها: أنها لا ديباجة فيها ولا أسماء شهود كثيرة، كما نرى في وثيقة الصلح في صفين، التي وصل الينا نصها ووصفها.
ومنها: أن الشروط المذكورة في أكثر النسخ تناقض الشروط التي روتها مصادر موثقة، كشرط مستقبل الخلافة، حيث ذكرت أن تكون بعد معاوية شورى بين المسلمين، بينما ذكرت الروايات الموثقة أن معاوية قبل شرط أن لا يعهد بالخلافة إلى أحد بعده، وأن تكون للإمام الحسن عليه السلام وزاد بعضها: فإن حدث به حادث فللإمام الحسين عليه السلام، وهو شرط ينسجم مع قبول معاوية بما يكتبه الإمام الحسن عليه السلام في الصحيفة التي ختمها وبعثه اليه، ومع إيمان الإمام الحسن عليه السلام بالنص النبوي على إمامته وإمامة أخيه بأنهما إمامان وسيدا شباب أهل الجنة عليهما السلام! ويؤيده شرط ينص أن لا يبغي معاوية غائلة للحسن والحسين عليهما السلام، مضافاً إلى أن الإمام الحسين عليه السلام مشمول بشرط عدم الإعتداء على حياة أهل البيت عامة عليهم السلام، فتخصيصه بالشرط يشير إلى ارتباط حياته بمستقبل الخلافة.. إلى غير ذلك من الشروط المنصوصة التي لم ترد في هذه النسخ، أو وردت في بعضها فقط، أو وردت بنص ضعيف في بعضها قوي في آخر.. الخ.
ومنها: أن نصوص هذه النسخ وشروطها متفاوتة فيما بينها كثيراً في الكم والكيف، فلابد أن تكون نسخاً متصورة من بعض الرواة، أو نسخاً في مراحل المداولات، وهي إن كان لها قيمة شرعية كاملة لأنها موقعة من معاوية، لكنها ليست النسخة الأصلية والرق المختوم منه.
٣- لماذا لم ينشر معاوية نسخة عهد الصلح؟
عندما نقارن بين وثيقتي صفين والمدائن، نجد أن الوثيقتين تشتركان في الأهمية والزمان والأطراف تقريباً، فلماذا رووا نص الأولى بتفاصيل توجب الاطمئنان، بينما كثر التشويش والتناقض في روايتهم لنص الثانية؟!
والجواب الصحيح البسيط: أن معاوية وبني أمية أطلقوا لهم رواية نص الأولى لأنها بتصورهم لمصلحتهم، بينما منعوا رواية الثانية لأنها ضدهم!
والرواة والمؤرخون الرسميون يحرصون على مصلحة معاوية وبني أمية حتى لو كانت ضد الواقع، بل وضد الإسلام، وسترى ما فعله البخاري نموذجاً!
لذا لا يصح أن نتوقع من معاوية أن يعترف أني شرطت على نفسي أن تكون الخلافة بعدي للحسن، وحلفت على ذلك أغلظ الأيْمان، وبعثت له ضامنيْن من بني أمية، ثم قتلته وجعلت الخلافة ملكاً عضوضاً إرثاً لولدي يزيد؟!
وهل تريد منه أن يعترف بأنه شرط للحسن أن لا يسب علياً عليهما السلام على المنابر وفي قنوت الصلاة وحلف عليه بأغلظ الأيمان وأشهد الشهود، ثم خالف ذلك ليستوفي لعن النبي صلى الله عليه وآله لأبي سفيان في قنوت الصلاة؟! وأنه حلف له وشرط له أن لا يضطهد شيعة علي عليه السلام ولا يسفك دماءهم، ثم نكث؟!
إن معاوية أحرص الناس على أن يخفي وثيقة الصلح لينسى الناس تعهداته خاصة تعهده تجاه مستقبل الخلافة وتجاه أهل بيت النبي عليهم السلام وشيعتهم، ووعوده السخية لأهل العراق بالأمن والأمان والعفو والرفاهية!
يكفي دليلاً على ذلك ما رواه الجميع من أن معاوية تعمد أن يتحدى أهل الكوفة والإمام الحسن عليه السلام عندما دخل الكوفة بجيشه، فكشف نيته وأعلن غدره وأنه لن يفي بشيء، وأن ما شرطه لهم فهو تحت قدمه!
٤ - حاكم إيران من قبل الإمام الحسن (عليه السلام) يستفيد من شروط الصلح!
كان زياد بن أبيه واليا للإمام الحسن (عليه السلام) على فارس، وبعد الصلح طالبه معاوية ببيت المال وهدده، فاحتج عليه بالعفو العام عن شيعة علي (عليه السلام) الذي نصت عليه شروط الصلح بين معاوية والإمام الحسن (عليه السلام)! قال الطبري: ٤ / ١٢٨ (ونحوه اليعقوبي: ٢ / ١٩٤): (فبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى البصرة في رجب سنة ٤١، وزياد متحصن بفارس (في جبال شمال إيران) فكتب معاوية إلى زياد: إن في يديك مالا من مال الله، وقد وليت ولاية فأد ما عندك من المال.
فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء من المال، وقد صرفت ما كان عندي في وجهه، واستودعت بعضه قوما لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه. فكتب إليه معاوية: أن أقبل إلي ننظر فيما وليت وجرى على يديك، فإن استقام بنا أمر فهو ذاك وإلا رجعت إلى مأمنك، فلم يأته زياد! فأخذ بسر بني زياد الأكابر منهم فحبسهم: عبد الرحمن وعبيد الله وعبادا، وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين، أو لأقتلن بنيك!
فكتب اليه زياد: لست بارحا من مكاني الذي أنا به، حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، فإن قتلت من في يديك من ولدي فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائكم الحساب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فهم بقتلهم فأتاه أبو بكرة (أخ زياد لأمه) فقال: أخذت ولدي وولد أخي غلمانا بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب علي حيث كانوا! فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل! قال: إن على أخيك أموالا قد أخذها فامتنع من أدائها! قال: ما عليه شيء فاكفف عن بني أخي حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم، فأجله أياما قال له إن أتيتني بكتاب معاوية بتخليتهم وإلا قتلتهم، أو يقبل زياد إلى أمير المؤمنين! قال فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه في زياد وبنيه وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنه وتخلية سبيلهم فخلاهم)! انتهى.
وفي تاريخ الطبري: ٤ / ١٢٩: (كتب بسر إلى زياد لئن لم تقدم لأصلبن بنيك! فكتب إليه: إن تفعل فأهل ذاك أنت! إنما بعث بك ابن آكلة الأكباد! فركب أبو بكرة إلى معاوية فقال: يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل أولاد زياد! فكتب معاوية إلى بسر: أن خل من بيدك من ولد زياد، وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل علي (عليه السلام) يتوعده...
عن الشعبي قال كتب معاوية حين قتل علي إلى زياد يتهدده فقام خطيبا فقال: العجب من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق ورئيس الأحزاب، كتب إلي يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله (ص) يعني ابن عباس والحسن بن علي في تسعين ألفا، واضعي سيوفهم على عواتقهم لا ينثنون! لئن خلص إلي خلص إلي ليجدنني أحمر ضرابا! فلم يزل زياد بفارس واليا حتى صالح الحسن (عليه السلام) معاوية وقدم معاوية الكوفة، فتحصن زياد في القلعة التي يقال لها قلعة زياد). انتهى.
إلى آخر قصة زياد التي ختمت بعد سنوات بطاعته لمعاوية وتقريبه له حتى جعله أخاه! ومعنى قول زياد (ليجدنني أحمر ضرابا) أي فارسيا مقاتلا، وكان زياد يلكن بالعربية لأن لغته فارسية من أمه سمية.
بدعة معاوية في استلحاق زياد وجعله ابن أبي سفيان!
يناسب هنا أن نذكر خلاصة ما كتبه الحافظ محمد بن عقيل في كتابه القيم (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية / ٨٠: (ومن موبقاته الشنيعة: استلحاقه زياد بن عبيد وجعله زياد بن أبي سفيان! وهو أول استلحاق جاهلي عمل به في الإسلام علنا، واستنكره الصحابة وأهل الدين! أخرج البخاري في صحيحه... عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر.... وفي الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا إلى يوم القيامة... فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي لم يبال به معاوية، ولم يكترث بما يترتب على ذلك الإستلحاق من اختلاط الأنساب، وهتك الحرم! سعيا وراء أغراض دنيوية سياسية. وقد ذكر المحدثون والمؤرخون أسباب هذا الإستلحاق، ولنذكر ملخص ما ذكره العلامة ابن الأثير قال: لما ولي علي الخلافة استعمل زيادا على فارس فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله (ص) في المهاجرين والأنصار! أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر مخشا ضرابا بالسيف! وبلغ ذلك عليا فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وإني أراك له أهلا، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس، لا توجب له ميراثا ولا تحل له نسبا. وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام! فلما قتل علي وكان من أمر زياد ومصالحة معاوية ما كان، رأى معاوية أن يستميل زيادا ويستصفي مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك وأحضر الناس وحضر من شهد لزياد، وكان فيمن حضر خمار يقال له أبو مريم السلولي فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا، فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال ائتني بها على قذرها ووضرها، فأتيته بها فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها ليقطران منيا، فقال له زياد: مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا، ولم تبعث شاتما!
فاستلحقه معاوية! وكان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله (ص) قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضى معاوية بعكس ذلك طبقا لما كان العمل عليه قبل الإسلام. يقول الله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) (المائدة: ٥٠) وقد لام معاوية على هذه الفعلة الشنيعة أهل الدين والفضل، وعيره أهل الشعر والنقد وكتب إليه ابن مفرغ الحميري.

ألا أبلغ معاوية بن صخر * * * مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف * * * وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أن رحمك من زياد * * * كرحم الفيل من ولد الأتان).

وكتب زياد إلى الإمام الحسن (عليه السلام): (من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن علي... فكتب اليه الحسن (عليه السلام): (من الحسن بن فاطمة بنت رسول الله (ص) إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر...)
فغضب زياد وأرسل الكتاب إلى معاوية يشكو اليه! (تاريخ دمشق: ١٩ / ١٩٨، وشرح النهج: ١٦ / ١٩٣، والنصائح الكافية / ٧٨، والإيضاح / ٥٤٩، والقواعد الفقهية للبجنوردي: ٤ / ٢٤).
أقول: زياد هذا يعرف بزياد بن عبيد وزياد بن أبيه وابن سمية، وهي جارية
فارسية أهداها أحد دهاقين كسرى إلى الطبيب الحارث بن كلدة لأنه عالجه، فأتى بها إلى الطائف فولدت له أبا بكرة فلم يعترف به (تاريخ دمشق: ١٩ / ١٧٣)! وقيل كان عنينا فتزوجت غلاما اسمه عبيد وفتحت محلا للبغاء، فهي أمة الحارث وزوجة عبيد! وكان ابن كلدة خبيرا بالسموم وروي أنه عالج كسرى من السم. وقد استدعاه أبو بكر عندما بايعوه بالخلافة ليراقب طعامه من السم وكان لا يأكل إلا معه، فقال له يوما إرفع يدك فإن الطعام مسموم وأموت أنا وأنت معا بعد ثلاثة أيام وفي رواية بعد سنة! فمات أبو بكر وطبيبه! لكن لم يفتح أحد ملف اغتيالهما! (الطبقات: ٣ / ١٩٨ وتاريخ دمشق: ٣٠ / ٤٠٩، والإصابة: ٤ / ١٤٩، والرياض النضرة: ٢ / ٢٤٣، ومسائل الإمام أحمد / ٧٥، وتخريج الدلالات السمعية للخزاعي / ٤٧، والصواعق: ١ / ٢٥٣، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / ٦١).
أما سبب استلحاق معاوية له وجعله أخاه، فقد رأى أبو سفيان زياد بن سمية في المدينة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فأعجبه فادعى أنه ابنه لأنه زنى بأمه! فأراد معاوية بعد ثلاثين سنة أن يثبت كلام أبيه ولو كان ضد قول النبي (صلى الله عليه وآله)! فاستلحق زيادا فأطاعه القضاة والرواة! وصار اسم زياد عندهم: (زياد بن أبي سفيان رضي الله عنه)! (بخاري: ٢ / ١٨٣ / والمستدرك: ٣ / ٤٤٢).
قال الشوكاني في نيل الأوطار: ٥ / ١٩٤: (وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية، فإنما هو تقية!).
وفي الإستيعاب: ٢ / ٥٢٦: (لما ادعى معاوية زيادا دخل عليه بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم فقال له: يا معاوية لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة! فأقبل معاوية على مروان وقال: أخرج عنا هذا الخليع! فقال مروان: والله إنه لخليع إنه ما يطاق..). انتهى.
يقصد أن معاوية يريد تكثير إخوته أولاد أبي سفيان، في مقابل بني مروان!
وفي أعلام الزركلي: ٣ / ٣٠٥، أن عبد الرحمن هذا (كان حاضرا عند يزيد بن معاوية لما جئ إليه برأس الحسين ورآه عبد الرحمن، فبكى وقال من أبيات:

سمية أمسى نسلها عدد الحصى * * * وبنت رسول الله ليس لها نسل!

فشتمه يزيد وأسكته)!! انتهى.
وقد وقع استلحاق زياد سنة ٤٤ هجرية (تاريخ دمشق: ١٩ / ١٧٢) وفيه قصص ونوادر! وقد أبطل العباسيون نسب آل زياد في بني أمية وردوهم إلى نسبهم إلى عبيد غلام ثقيف، وصدر بذلك مرسوم من حاكم البصرة (الطبري: ٦ / ٣٦٤. راجع أيضا: الطبري: ٤ / ٢٣٥، وتاريخ دمشق: ٣٤ / ٣١٤، النهاية: ٨ / ١٠٣، وغيرها).
وقد اعترف معاوية لعائشة أنه إنما فعل ذلك تنفيذا لرغبة أبي سفيان! قال: (يا أم المؤمنين... وأما زياد فإن أبي عهد إلي فيه). (شرح الأخبار: ٢ / ١٧٢).
وكان معاوية يعرف قول النبي (صلى الله عليه وآله) جيدا: الولد للفراش وللعاهر الحجر! فعندما ادعى نصر بن الحجاج أن عبد الله بن رباح مولى عبد الرحمن بن خالد، أخوه لقول أبيه إنه زنى بأمه، فاختصموا ورفعوا أمرهم إلى معاوية: (أعد لهم معاوية حجرا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم! فقالوا له: نسوغ لك ما فعلت في زياد ولا تسوغ لنا ما فعلنا في صاحبنا؟! فقال: قضاء رسول الله خير لكم من قضاء معاوية)! (الطبري: ٦ / ٣٦٥، والفتح: ١٢ / ٣٣، وأبو يعلى: ١٣ / ٣٨٣، وتاريخ دمشق: ٣٧ / ٤٢٨، وغيرها).
هذا، وقد استفاد زياد من بنود صلح معاوية مع الإمام الحسن (عليه السلام)، لكن استلحاق معاوية له كان وبالا عليه! فقد نفذ معاوية به سياساته الدموية وقتل بيده ألوفا مؤلفة من خيار الأمة، ثم لما رآه طمع أن يكون ولي عهده بدل يزيد لم يتردد في قتله، كما تقدم في المجلد الثاني!

* * *
الفصل الثالث: تسلط معاوية وعودة الإمام الحسن عليه السلام إلى مدينة جده صلى الله عليه وآله

الإمام الحسن عليه السلام يعود من المدائن إلى الكوفة
تم توقيع عهد الصلح، بعدما وافق معاوية على النقاط التي أرسلها له الإمام الحسن عليه السلام فوقع عليها، ثم أرسل معاوية رقاً أبيض موقعاً مختوماً بخاتمه، ليكتب فيه الإمام عليه السلام كل ما أراد، فكتب ما أراد واحتفظ به.
(ولما أراد الحسن المسير من المدائن إلى الكوفة حين جاءه ابن عامر وابن سمرة بكتاب الصلح، وقد أعطاه فيه معاوية ما أراد، خطب فقال في خطبته: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). (أنساب الأشراف للبلاذري/٧٤٢).
(جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلتْ: قتلكم أبي، وطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا. قال ثم نزل فدخل القصر).(وأنساب الأشراف /٧٤٢، وتاريخ بغداد:١/١٤٩، وتاريخ دمشق:١٣/٢٧٠،
وفيه: دخل القصر وأغلق الباب دونهم، والإصابة:٢/٦٥، والمعرفة والتاريخ /٢٧٥٣، وغيرها).
ثم عاد الإمام الحسن عليه السلام من المدائن إلى الكوفة ليسلم السلطة إلى معاوية، ثم ينسحب إلى مدينة جده صلى الله عليه وآله ويواجه مع العترة النبوية موجة الظلم الأموية.
الإمام الحسن عليه السلام يخطب في الكوفة قبل أن يغادرها إلى المدينة
وصل الإمام الحسن عليه السلام إلى الكوفة قبل معاوية بفترة، وذكر ابن الأثير أنه خطب في المسجد خطبته مؤثرة فبكى الحاضرون وخَنُّوا! والخنين النشيج.
ففي أسد الغابة:٢/١٤: (ولما بايع الحسن معاوية خطب الناس قبل دخول معاوية الكوفة، فقال: أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وكرر ذلك حتى ما بقى إلامن بكى حتى سُمع نشيجُه). ومثله في الكامل:٣/٢٧٣، ونحوه في مجمع الزوائد:٩/١٧٢، وفيه: (فما زال يومئذ يتكلم حتى ما ترى في المسجد إلا باكياً. رواه الطبراني ورجاله ثقات). (وهو في الطبراني الكبير:٣/٩٣).
وفي شواهد التنزيل:٢/٣٢: (فما رأيت يوماً قط أكثر باكياً من يومئذ).
وفي تفسير ابن كثير:٣/٤٩٥، وتاريخ دمشق:١٣/٢٦٩: (فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يخنُّ بكاء) وفي/٢٦٩: (قال هلال: فما سمعت يوماً قط كان أكثر باكياً ومسترجعاً من يومئذ).
وفي ينابيع المودة:٢/٤٢٣: (وما بقي أحد في المجلس إلا وهو يبكي. وكان الحسن رضي الله عليه سيداً حليماً كريماً زاهداً، ذا سكينة ووقار وذا حشمة، وجواداً ممدوحاً). وفي تاريخ الطبري:٤/١٢٦: (فجعل الناس يبكون. ثم تحملوا إلى المدينة). ومثله في الصواعق المحرقة:٢/٤١٠.
أقول: يظهر أن هذه الخطبة كانت في مسجد الكوفة، بعد وصول معاوية وخطبته في النخيلة! وأنها آخر خطبة للإمام عليه السلام لأهل الكوفة قبل أن يغادرها إلى المدينة، كما تشير العبارة الأخيرة في تاريخ الطبري وغيره.
معاوية يدخل الكوفة فاتحاً فيثأر لفتح مكة!
وصف المحدثون والمؤرخون حالة معاوية عندموافقة الإمام الحسن عليه السلام على الصلح بأنه (كاد يطير فرحاً)! (سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٧، وإمتاع الأسماع:٥/٣٥٨، ونهاية الإرب/٤٣٩٩). وبهذه الحالة أسرع من قرب حلب يغذُّ السير إلى الكوفة، فدخل معسكر النخيلة في أوائل جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين للهجرة.(الحاكم:٣/١٧٤)
وفي تاريخ دمشق:١٣/٢٦٥: (أرسل الحسن بن علي عبد الله بن الحارث بن نوفل إلى معاوية حتى أخذ له ما سأل، وأرسل معاوية عبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما المدائن إلى الحسن فأعطياه ما سأل وما أراد ووثقا له، فكتب إليه الحسن أن أقبل، فأقبل من جسر منبج إلى مسكن في خمسة أيام وقد دخل يوم السادس، فسلم إليه الحسن الأمر وبايعه ثم سارا جميعاً حتى قدما الكوفة فنزل الحسن القصر، ونزل معاوية النخيلة فأتاه الحسن في عسكره غير مرة). (ورواه في تهذيب الكمال:٦/٢٤٥).
والصحيح أن الإمام الحسن عليه السلام عاد إلى الكوفة أولاً، ثم وصل اليها معاوية بمن جاء معه، وانضم اليه جيشه الذي كان في مسكن أي الدجيل، فاستقبله في معسكر النخيلة قرب الكوفة عملاؤه القدماء والجدد الذين اشتراهم له الأشعث! ونزل في معسكر النخيلة، ثم زاره الإمام عليه السلام في النخيلة، ثم كان المجلس العام في مسجد الكوفة بمناسبة غلبة معاوية على رقاب المسلمين!
قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤٢: (وشخص معاوية من مسكن إلى الكوفة فنزل بين النخيلة ودار الرزق، معه قُصَّاص أهل الشام وقراؤهم). انتهى.
معاوية يَتَهتَّك ويكشف نواياه عند وصوله الكوفة!
ادعت عائشة وطلحة والزبير أنهم خرجوا على علي عليه السلام وقاتلوه وسفكوا دماء المسلمين قربة إلى الله تعالى، وأنهم لامطلب لهم من علي عليه السلام إلا أن يدفع إليهم قتلة عثمان فيقتصوا منهم! وكان جوابه عليه السلام أن عليهم أن يفوا ببيعته ويدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، ثم يطلب منه أولاد عثمان أولياء دم أبيهم القصاص من القتلة، وحينئذ يقضي بينهم بالحق، ! وكانت هذه الحقيقة واضحة لعائشة!
ففي شرح النهج:٩/٥٤٨: (خرج عثمان بن الحنيف(والي البصرة من قبل علي عليه السلام) إلى طلحة والزبير في أصحابه فناشدهم الله والإسلام وأذكرهما بيعتهما علياً فقالا: نطلب بدم عثمان. فقال لهما: وما أنتما وذاك؟! أين بنوه أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم؟! كلا والله ولكنكما حسدتماه حيث اجتمع الناس عليه وكنتما ترجوان هذا الأمر وتعملان له، وهل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما؟! فشتماه شتماً قبيحاً وذكرا أمه)!
وقد كتب علي عليه السلام عائشة وأرسل اليها من احتج عليها لكنها كانت مغترة بجيشها فأجابته:(قد جلَّ الأمر عن الخطاب يابن أبي طالب). (المناقب:٢/٣٣٨، والكافئة في رد توبة الخاطئة للمفيد/٢٠).
ولم ينتصر أصحاب الجمل حتى تنكشف نواياهم على ألسنتهم كما حدث لمعاوية! فقد ادعى معاوية مثلهم أنه إنما خرج على علي عليه السلام طلباً بدم عثمان لأنه أموي فهو ولي دمه، وقام بدعاية واسعة في الشام لذلك، وأرسل قميص عثمان وبعض أصابع زوجته نائلة إلى القرى والأرياف، وأقام له مجالس العزاء والنوح!
قال الطبري في تاريخه:٣/٥٦١: (وضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس وبكوا سنة، وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، وآلى الرجال من أهل الشأم ألا يأتوا النساء ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم! فمكثوا حول القميص سنة والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحياناً فيلبسه، وعلق في أردانه أصابع نائلة). انتهى.
وقال الذهبي في السير:٣/١٤٠: (عن ابن شهاب قال: لما بلغ معاوية هزيمة يوم الجمل وظهور علي، دعا أهل الشام للقتال معه على الشورى والطلب بدم عثمان فبايعوه على ذلك أميراً غير خليفة). وفي مصنف ابن أبي شيبة:٧/٢٥٠: (عن أبي بردة قال قال معاوية: ما قاتلت علياً إلا في أمر عثمان). انتهى.
قال الدكتور حسن بن فرحان المالكي في كتابه نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي/٢٧٩:
(كون معاوية هو ولي دم عثمان باطل، فإن أبناء عثمان هم أولياء دم عثمان، وكانوا شباباً بالغين خرجوا مع عائشة يوم الجمل، فهم أولياء دمه وليس معاوية! أما كونه كبير أسرة بني أمية فإن القبلية قد أبطلها الإسلام! فقول الفقيهي فيه إقرار بشرعية العصبية القبلية على حساب الأحكام الشرعية! وللأسف أن أكثر المؤرخين الإسلاميين اليوم إذا تحدثوا عن خلاف معاوية، فإنهم يرتكزون على الجانب القبلي الجاهلي في تسويغ خروج معاوية، وينسون الجانب الشرعي الإسلامي أو يتناسونه)! انتهى.
إذا امتلأ القلب بالزيف فاض على اللسان!
فقد وصل معاوية إلى معسكر النخيلة بالكوفة ليلة الجمعة أو يومها، وصلى بهم الجمعة، وخطب خطبة مشحونة بالتحدي لأهل الكوفة والإذلال، أعلن فيها أنه لم يقاتل علياً عليه السلام وأهل العراق من أجل عثمان ولا الإسلام، وإنما لأجل أن يتسلط على المسلمين ويحكمهم، وها هو وصل إلى هدفه رغم أنوفهم!
قال ابن أبي شيبة في مصنفه:٧/٢٥١: (عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة بالنخيلة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون). (وابن عساكر في تاريخه:٥٩/١٥٠، وابن كثر في النهاية:٨/١٤٠، والذهبي في سير أعلام النبلاء:٣/١٤٦، وقال في هامشه: أخرجه البخاري:٥/٢٢٤، ٢٢٥ في الصلح، و: ١٣/٥٢، ٥٧، وسيذكره المؤلف بتمامه في /٢٧٠، ٢٧١).
قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٥: (سار معاوية حتى نزل بالنخيلة، وكان ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون!! ألا وإني كنت منَّيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له)!!
وفي مقاتل الطالبيين/٤٥: (كان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول: هذا والله هو التهتك)! وفي الملاحم والفتن/١٠٨: (رغم أنفكم).
وفي تاريخ دمشق:٥٢/٣٨٠: (إني والله ما قاتلتكم على الصوم والصلاة والزكاة وإني لأعلم أنكم تصومون وتصلون وتزكون ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم..... قوموا فبايعوا، فبايعه الناس فمر به شيخ فقال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه فقال: لا شرط لك، فقال: لا بيعة لك، فإنما خاف معاوية أن يفسد عليه الناس قال أجلس فتركه حتى إذا رأى أنه قد عقل، قال: أيها الشيخ لا خير في أمر لا يعمل فيه بكتاب الله وسنة نبيه، فبايع أيها الشيخ فبايعه). انتهى.
لا يفي بعهده للمسلمين لكن يفي للروم ويدفع لهم الجزية!
قال البلاذري في فتوح البلدان:١/١٨٨: (حدثني هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو وسعيد بن عبد العزيز أن الروم صالحت معاوية على أن يؤدى إليهم مالاً، وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك. ثم إن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم، وخلوا سبيلهم وقالوا: وفاء بغدر، خير من غدر بغدر. قال هشام: وهو قول العلماء الأوزاعي وغيره). انتهى. وهذا يدل على أن ميزان معاوية في وفائه وخيانته، ليس هو تقواه كما يصورها النص، بل المعادلة العسكرية والسياسية كما يفهمها، ولو كان ميزانه التقوى لوفى بما وقع عليه للإمام الحسن عليه السلام وحلف عليه بأغلظ الأيمان، وأشهد عليه الله تعالى وشخصيات المسلمين!
عائلة عثمان تعترض على كذب معاوية!
روى الطبري في تاريخه:٣/٥٦٩: أن علياً عليه السلام أرسل ثلاثة من شخصيات المسلمين إلى معاوية هم بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال: إئتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعي: يا أمير المؤمنين ألا تطعمه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال علي: إئتوه فألقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه..الخ. وأورد الطبري احتجاهم البليغ على معاوية فكان جوابه: ونطلُّ دم عثمان رضي الله عنه؟! لا والله لا أفعل ذلك)!! انتهى.
وفي الغدير:١/٢٠٢: (قال الأصبغ: فدخلت على معاوية وهو جالس على نطع من الأدم متكئاً على وسادتين خضراوتين وعن يمينه عمرو بن العاص وحوشب وذو الكلاع، وعن شماله أخوه عتبة وابن عامر بن كريز والوليد بن عقبة، وعبد الرحمن بن خالد، وشرحبيل بن السمط. وبين يديه أبو هريرة وأبو الدرداء والنعمان بن بشير وأبو أمامة الباهلي، فلما قرأ الكتاب قال: إن علياً لا يدفع إلينا قتلة عثمان. قال الأصبغ فقلت له: يا معاوية لاتعتل بدم عثمان فإنك تطلب الملك والسلطان، ولو كنت أردت نصره حياً لنصرته، ولكنك تربصت به لتجعل ذلك سبباً إلى وصول الملك! فغضب من كلامي، فأردت أن يزيد غضبه فقلت لأبي هريرة: يا صاحب رسول الله إني أحلفك بالذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة وبحق حبيبه المصطفى إلا أخبرتني أشهدت يوم غدير خم؟ قال: بلى شهدته. قلت: فما سمعته يقول في علي قال: سمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقلت له: فإذاً أنت يا أبا هريرة واليت عدوه وعاديت وليه! فتنفس أبو هريرة الصعداء وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون).(الحنفي في مناقبه/١٣٠، وسبط ابن الجوزي في تذكرته/٤٨).
لكن معاوية عندما سيطر على المسلمين نسي دم عثمان وأطلَّه، وجعله تحت قدمه كشروط الصلح، ولم يهتم لاعتراض أولاد عثمان واستغاثتهم!
قال ابن كثير في النهاية:٨/١٤١: (فتوجه(معاوية) إلى دار عثمان بن عفان فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا ودخل فسكَّن عائشة بن عثمان وأمرها بالكف وقال لها: يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته وهو يرى مكان شيعته فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا؟ ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين أحب إلي أن تكوني أمة من إماء المسلمين ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك).(وروته مصادر عديدة كالبيان والتبيين/٤٦٧، والعقد الفريد/١٠٧٨، وشرح الأخبار:٢/١١٣، وتاريخ دمشق:٥٩/١٥٤).
الإمام الحسن عليه السلام يسجل مطالباته بتنفيذ الشروط
روى الطبري في تاريخه:٤/١٢٤مطالبة الإمام الحسن عليه السلام معاوية بتنفيذ شروطه، قال:
(وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك! فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه يسأله ما فيها.
فلما التقى معاوية والحسن سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، فقال: لك ماكنت كتبت إليَّ أولاً تسألني أن أعطيكه، فإني قد أعطيتك حين جاءني كتابك. قال الحسن: وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه، فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشروط شيئاً)!! انتهى.
أقول: إن ادعاء الرواة أن الإمام الحسن عليه السلام:(اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده) تبريرٌ لنكث معاوية، فإن الذي يبعث بصحيفة بيضاء موقعة مختومة، لايعتذر بأن شروطها أكثر مما جرت المفاوضات حوله!
كما أن حجة معاوية بأنه نفَّذَ كل ما عليه، وهو ما طلبه الإمام الحسن عليه السلام في رسالته.. ويقصد بها الراوي الرسالة المتقدمة التي اقتصرت على شرطين: تطبيق الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الصالحين، وعدم عهده بالخلافة بعده لأحد!
هذه الحجة لا يمكن قبولها، ولو قالها معاوية فلا بد أن الإمام أجابه ورد حجته بأنها رسالته كانت في المفاوضات حول نقطة وليست كل الشروط!
ويبدو أن مطالبة من الإمام الحسن عليه السلام هذه كانت بعد خطبة معاوية في الكوفة وإعلانه أنه لن يفي بشيء، وأن شروطه التي شرطها لهم تحت قدمه!!
قد يقال: لماذا لم يقم الإمام الحسن عليه السلام على الفور بحركة مطالبة لمعاوية بالوفاء بالشروط ويضغط عليه بالرأي العام، أو لماذا لم يقم بعد فترة بعد تصريح معاوية بخيانته لتعهداته، ومواصلته سياسة سب علي عليه السلام واضطهاد شيعته؟!
والجواب: أن معاوية لم يعلن ذلك في الكوفة إلا بعد أن دخلها بجيش مطيع من أهل الشام، وهو يعرف أن أهل العراق قد تفككت قوتهم، وأنهم ذلوا بمعصيتهم لإمامهم عليه السلام فلا يستطيعون أن يواجهوه! فقرر أن يتحداهم ويذلهم!
معاوية يدخل مسجد الكوفة
كان كلامه في مسجد الكوفة أسوأ من تصريحه في النخيلة، وقد دخله في نفس اليوم فتكلم ابن العاص بعد كلام الإمام الحسن عليه السلام، ثم تكلم معاوية فواصل غطرسته وتحديه وإذلاله لأهل الكوفة، وإعلانه عدم وفائه بشيء من شروط عهد الصلح! قال ابن الأعثم في كتابه الفتوح:٤/٢٩٤: (وقام عمرو بن العاص فقال: يا أهل العراق! إنا كنا نحن وأنتم جميعاً على كلمة هي السواء ففرق بيننا وبينكم الأهواء ثم تحاكمنا إلى الله فحكم أنكم أنتم الظالمون لنا، فتداركوا ما سلف منكم بالسمع والطاعة، يصلح لكم دينكم ودنياكم. والسلام!
ثم تكلم معاوية فقال: أيها الناس! إنه لم تتنازع أمة كانت قط من قبلنا في شيء من أمرها بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها (وهنا تلعثم فقال) إلا هذه الأمة فإن الله تعالى أظهر خيارها على أشرارها، وأظهر أهل الحق على أهل الباطل، ليتم لها بذلك ما أسداها من نعمة عليها فقد استقر الحق قراره، وقد كنت شرطت لكم شروطاً أردت بذلك الألفة واجتماع الكلمة وصلاح الأمة وإطفاء النائرة، والآن فقد جمع الله لنا كلمتنا وأعز دعوتنا، فكل شرط شرطته لكم فهو مردود، وكل وعد وعدته أحداً منكم فهو تحت قدمي.
قال: فغضب الناس من كلام معاوية وضجوا وتكلموا، ثم شتموا معاوية وهموا به في وقتهم ذلك وكادت الفتنة تقع، وخشي معاوية على نفسه فندم على ما تكلم به أشد الندم. وقام المسيب بن نجبة الفزاري إلى الحسن بن علي فقال: لا والله جعلني الله فداك ما ينقضي تعجبي منك! كيف بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف، ثم لم تأخذ لنفسك ولا لأهل بيتك ولا لشيعتك منه عهداً وميثاقاً، في عقد طاهر، لكنه أعطاك أمراً بينك وبينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت، والله ما أراد بهذا الكلام أحداً سواك. فقال له الحسن: صدقت يا مسيب! قد كان ذلك فما ترى الآن؟ فقال: أرى والله أن ترجع إلى ما كنت عليه وتنقض هذه البيعة، فقد نقض ما كان بينك وبينه! قال: ونظر الحسن بن علي إلى معاوية وإلى ما قد نزل به من الخوف والجزع، فجعل يسكن الناس حتى سكنوا، ثم قال للمسيب: يا مسيب! إن الغدر لا يليق بنا ولا خير فيه، ولو أني أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر مني على اللقاء ولا أثبت عند الوغاء، ولا أقوى على المحاربة إذا استقرت الهيجاء، ولكني أردت بذلك صلاحكم وكف بعضكم عن بعض، فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر لله حتى يستريح بر ويستراح من فاجر...الخ.). (وأنساب الأشراف ص٧٤٤، وترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات ص ٧٩).
أقول: هذا النص على ما فيه يكشف لنا عدة أمور:
أولاً: أن معاوية دخل الكوفة بنشوة النصر والانتقام، ولم يخف نواياه في ذلك بل تعمد أن يظهرها ويعلن تشفيه بإذلال خصمه، وأنه سينتقم سينتقم!
فهو لم يَنْسَ أن محمداً جدَّ الإمام الحسن صلى الله عليه وآله دخل مكة بالأمس فاتحاً فأرسل نداءه إلى أهلها بالعفو العام قبل دخول رايته! فبادر أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وأعلن إسلامه وحفظ دمه، بينما اضطر معاوية إلى الهرب إلى اليمن لأن النبي صلى الله عليه وآله هدر دمه لبذاءة لسانه!
وهو لم ينسَ أن أهل العراق لم يؤذوه معشار ما آذى هو وأبوه رسول الله صلى الله عليه وآله! ولكنه شخص مادي الإحسابات والأهداف والعواطف، فلم يعمل يوماً بالقيم الإسلامية أو الإنسانية، حتى نطلب منه أن يعمل بها اليوم في فتح الكوفة!
ثانياً: إن قول عمرو العاص:(ثم تحاكمنا إلى الله فحكم أنكم أنتم الظالمون لنا) يدلك على التفكير المادي الذي يحكم ذهنه ومعاوية، فالغلبة الدنيوية ميزان الحق فالغالب على حق والمغلوب على باطل! وهو التفكير اليهودي المادي.
وقوله: (فتداركوا ما سلف منكم بالسمع والطاعة يصلح لكم دينكم ودنياكم)، يدل على منهجه في مصادرة الدين لمصلحة المتسلط، فهو يطلب منهم أن يسمعوا ويطيعوا حتى يصلح دينهم، ويرضى عنهم الله تعالى!
ثالثاً: المتأمل في مجرى مفاوضات الصلح، يلاحظ أن الإمام الحسن عليه السلام بذل أقصى الجهد، وحصل على أكثر ما يمكن من تعهدات، فما نسبته اليه رواية ابن الأعثم من أنه أقر بتقصيره في شروط الصلح لابد من رده أو تأويله! فقد زعمت أن المسيب قال له: (لم تأخذ لنفسك ولا لأهل بيتك ولا لشيعتك منه عهداً وميثاقاً في عقد ظاهر، لكنه أعطاك أمراً بينك وبينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت والله ما أراد بهذا الكلام أحداً سواك. فقال له الحسن: صدقت يا مسيب! قد كان ذلك فما ترى الآن؟). ومعناه الصحيح أن الإمام عليه السلام قال له: أفرض أن ما تقوله صحيحاً فما العمل برأيك الآن؟ وهنا دعاه المسيب إلى إعلان نقض الصلح! وهو يدل على سذاجة المسيب فإن هدف معاوية دفع الإمام الحسن عليه السلام إلى حركة تنتهي بقتله!
رابعاً: ماذا يفعل الإمام الحسن عليه السلام أمام هذا الطغيان الأموي واستخذاء الأمة؟! لقد وجه معاوية كلامه إلى زعماء الكوفة قبل الإمام عليه السلام وهم حاضرون يسمعون! وأعلن بصلافة ووقاحة وتحدٍّ وإذلال في معسكر النخيلة ثم في مسجد الكوفة، أنه لن يفي لهم بشروط الصلح! فكانت غاية ردة فعل البعض منهم أنه تبرم وأنحى باللائمة على الإمام الحسن عليه السلام!
فأين هم التسعون ألف سيف أو الأربعون ألفاً الذين تتحدث عنهم مصادر السنة والمسيب بن نجية؟ ولماذا لم يتحرك هو وغيره بعشائرهم، فيتجمهروا معترضين على إعلان معاوية نقض الشروط؟! وهل يريدون من الإمام الحسن عليه السلام أن يعلن أن معاوية نقض الشروط وأن الصلح قد بطل، ويدعوهم إلى جهاد معاوية فيتفرقوا عنه، فيقتله معاوية أو يأخذه أسيراً؟! أم يريدون أن يدعوهم إلى اجتماع في مسجد الكوفة ويخرج لهم نسخة الرق المختوم بختم معاوية ويقرأها ويطلب منهم تهديد معاوية لإلزامه بتنفيذ الشروط التي قطعها على نفسه؟! وهل ستكون نتيجة مثل هذه الدعوة إلا خوفهم من مجرد الحضور فيعلن معاوية أن الحسن عليه السلام نكث الصلح ودعا إلى حربه فحلَّ دمه ودم أهل بيته! فيقتله وأهل بيته أو يأسرهم، وهم يتفرجون؟!
وقد نسب البلاذري هذا الكلام إلى سليمان بن صرد عندما جاء في وفد أهل الكوفة إلى الإمام عليه السلام بالمدينة، قال في أنساب الأشراف/٧٤٤: (فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف.... ثم لم يف بها ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الناس: إني كنت شرطت شروطاً.... فإن ذلك تحت قدمي.... فإذا شئت فأعد الحرب جذعة وأنذر لي في تقدمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عامله وأظهر خلعه وتنبذ إليه عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ.
وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسن: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أربض وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأساً، ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدم فارضوا بقضاء الله وسلموا لأمره والزموا بيوتكم وأمسكوا، أو قال: كفوا أيديكم حتى يستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر).
فإذا كانوا بعد أن ذاقوا ظلم معاوية لمدة سنتين يطلبون من الإمام عليه السلام أن يعلن هو بطلان الصلح، فما هو حالهم في موجة الصلح؟!
ثالثاً: كان الإمام الحسن عليه السلام على بصيرة من مجتمعه، وهو يرى أن المرحلة لا تتحمل أكثر من تسجيل الموقف الصريح من معاوية نظرياً، ليكون محفوظاً لأجيال المسلمين، ولمن يستفيق بعد مدة من ذلك الجيل الجبان المستسلم! لذلك بيَّن مقام أهل بيت النبي عليهم السلام وكشف حقيقة بني أمية ومعاوية، وطالبه بنتفيذ شروطه، وفي نفس الوقت أعلن أنه لايغدر ولا يتراجع عن صلحه!
كما واصل بعد الصلح وعودته إلى المدينة اعتراضه على معاوية هو والإمام الحسين عليه السلام وأبرار الصحابة والأمة! لكن هل ينفع مع معاوية اعتراض؟!
قال ابن خزيمة شيخ البخاري كما رواه الصدوق في علل الشرائع:١/٢١٠: (قال يوسف: فسمعت القاسم بن محمية يقول: ما وفَى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه، وإني قرأت كتاب الحسن إلى معاوية يعدُّ عليه ذنوبه إليه والى شيعة علي، فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه). انتهى.
رابعاً: من مظاهر الإستخذاء في أهل الكوفة في عصر الإمام الحسن عليه السلام أن زعماء الكوفة(وأشرافها) كما وصفتهم النصوص، بادروا إلى الخروج لاستقبال معاوية في معسكر النخيلة(العباسيات) التي تبعد عن الكوفة عدة ساعات. فواجههم معاوية بخطبة نمرودية مهينة أعلن فيها أنه لايفي لهم بشرط، فخرسوا أمامه!
ثم أمرهم بعد أيام أن يخرجوا إلى حرب الخوارج فخرجوا! والطريف أن الخوارج خصموهم بالحجة، فمسح بها جنود الزعماء(الشرفاء) شواربهم!
قال الطبري في تاريخه:٤/١٢٦: (قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة فأرسل إليهم معاوية خيلاً من خيل أهل الشام فكشفوا أهل الشام(أي هزموهم)! فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفُّوا بوائقكم(أي تعالجوا سيئاتكم)! فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم! فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون منا؟ أليس معاوية عدونا وعدوكم؟! دعونا حتى نقاتله وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا! قالوا: لا والله حتى نقاتلكم! فقالوا: رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة)! انتهى.
أقول: إن الفرق كبير بين قتال أهل الكوفة للخوارج تحت راية هدى مع إمام حق بالنص والبيعة عليه السلام، وبين قتالهم لهم تحت راية ضلال وقيادة متسلط بالقهر والجبر، وإمام لأهل النار بالنص! ولكن أذهان الخوارج لاتدرك مدى التغير الشرعي والنفسي الذي طرأ على مقاتليهم اليوم ومقاتليهم بالأمس في النهروان.
خامساً: ينبغي الإشارة إلى أن معاوية أتقن برنامج دخوله إلى الكوفة، فقد عمل حزبه بنشاط متواصل لحشد رؤساء القبائل لاستقباله في النخيلة، ثم لاستقباله في مسجد الكوفة، وأرسل أمامه أبا هريرة ليحدث المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله ويذم علياً عليه السلام ويهيئ الجو لمعاوية في المسجد!
فقد نقل الرواة عن الأعمش رحمه الله ما كذبه أبو هريرة كما في شرح النهج:٤/٦٧: قال: (لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار؟! والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: إن لكل نبي حرماً، وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة). انتهى. ويقصد أبو هريرة بقوله إن علياً عليه السلام أحدث في المدينة أنه عندما أغار بسر بن أرطاة من قبل معاوية على المدينة، وأجبرهم على خلع بيعة علي عليه السلام والبيعة لمعاوية وكان أبو هريرة متحمساً لمعاوية! فجعله بسر والياً على المدينة! فجاء جارية بن قدامة السعدي رحمه الله بجيش من الكوفة فهرب منه بسر بجيشه وهرب أبو هريرة أيضاً!
قال الطبري:٤/١٠٧:(ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنَّوْر لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي فبايعوه). (والنهاية:٧/٣٥٧، وقد بايعوا الحسن لأنه بلغهم قتل علي عليهما السلام).
قال الشيخ محمود أبو رية في كتابه: أضواء على السنة المحمدية /٢١٦، تعليقاً على ضرب أبي هريرة على صلعته واتهامه علياً عليه السلام: (على أن الحق لايعدم أنصاراً وأن الصحابة إذا كان فيهم مثل أبي هريرة ممن يستطيع معاوية أن يستحوذ عليه، فإن فيهم كثرة غالبية لا يستهويها وعدٌ ولا يرهبها وعيد. فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة، لما قدم الكوفة مع معاوية، كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال: يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعتَ رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. فقال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه! ثم قام عنه بعد أن لطمه هذه اللطمة الأليمة).
وفي مصنف ابن أبي شيبة:٧/٤٩٩ أن شاباً قام اليه وسأله: (فقال الشاب: أنا منك برئ! أشهد أنك قد عاديت من والاه وواليت من عاداه، قال: فحصبه الناس بالحصباء). انتهى. أي رمى أتباع معاوية الشاب بالحصى! وينبغي أن نشير هنا إلى خيانة الرواة والمؤلفين الذين بتروا هذا الحديث، فحذفوا كلام الشاب المسلم! كما ترى في مجمع الزوائد:٩/١٠٥، وأبي يعلى:١١/٣٠٧، وابن سعد:٢/١١٠، وتاريخ دمشق:٤٢/٢٣٢ والنهاية:٥/٢٣٢. وقد استوفاه الأميني رحمه الله في المناشدة والإحتجاج بحديث الغدير/٨٢، والسيد الميلاني في نفحات الأزهار:٧/٥٣ والسيد الطباطبائي في رسالة طرق حديث من كنت مولاه/٨١، والأنصاري في المسانيد:٢/٤٩٣).
شموخ الإمام الحسن عليه السلام أمام غطرسة معاوية!
الإمام الحسن عليه السلام شخصية ربانية، بين جنبيه روح جده وأمه وأبيه عليهم السلام فهو في عالم أعلى من عوالم الناس، سواءً كان حاكماً أم محكوماً. وهذا أمرٌ يصعب على معاوية أن يفهمه لأن ذهنه مسكون بالمقياس المادي والغلبة الدنيوية!
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:٦٥٢: (لما ورد معاوية الكوفة واجتمع عليه الناس قال له عمرو بن العاص: إن الحسن مرتفع في الأنفس لقرابته من رسول الله (ص) وإنه حديث السن عَيِيٌّ، فمره فليخطب فإنه سيعيى فيسقط من أنفس الناس فأبى! فلم يزالوا به حتى أمره، فقام على المنبر دون معاوية:
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو ابتغيتم بين جابلق وجابرس رجلاً جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه! وإنا قد أعطينا معاوية بيعتنا ورأينا أن حقن الدماء خير. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ) وأشار بيده إلى معاوية! فغضب معاوية فخطب بعده خطبة عيية فاحشة ثم نزل وقال: ما أردت بقولك فتنة لكم ومتاع؟ قال: أردت بها ما أراد الله بها).(وأسد الغابة:٢/١٤، وتاريخ دمشق: ١٣/٢٧٦).
وفي تاريخ الطبري:٤/١٢٤: (فقال عمرو: لكني أريد أن يبدو عيُّه للناس فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية فخطب الناس، ثم أمر رجلاً فنادى الحسن بن علي عليه السلام فقال: قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد في بديهة أمر لم يَرْوَ فيه ثم قال: أما بعد يا أيها الناس فإن الله قد هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ). فلما قالها قال معاوية: أجلس، فلم يزل ضرماً على عمرو، وقال: هذا من رأيك). انتهى.
أقول: بخل علينا الرواة على عادتهم، فلم ينقلوا إلا يسيراً من خطبة الإمام الحسن عليه السلام! ويظهر من مجموع نصوصها أنها كانت خطبة قوية صريحة، أفاض فيها الإمام عليه السلام في الثناء على الله تعالى والرضا بمقاديره في الأمم بعد أنبيائها عليهم السلام، وكشف للأمة طرفاً من مؤامرة قريش على العترة النبوية، وزيف ما يدعيه معاوية من حق قريش وبني أمية في قيادة أمة النبي صلى الله عليه وآله!
ففي المناقب:٣/١٩٦: (وإن معاوية نازعني حقاً هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر! (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ)).
وروى سليم بن قيس رحمه الله /٤٨٥، فقرات من أول الخطبة، قال: (قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنبر حين اجتمع مع معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية! أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله. فأقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها ولما طمعت فيها يا معاوية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ولَّتْ أمةٌ أمرها رجلاً قطُّ وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل! وقد ترك بنو إسرائيل هارون واعتكفوا على العجل وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى! وقد تركت الأمة علياً وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي. وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وهو يدعوهم إلى الله حتى فرَّ إلى الغار، ولو وجد عليهم أعواناً ما هرب منهم. ولو وجدتُ أعواناً ما بايعتك يا معاوية! وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه ولم يجد عليهم أعواناً، وقد جعل الله النبي صلى الله عليه وآله في سعة حين فرَّ من قومه لما لم يجد أعواناً عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد أعواناً. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً.
أيها الناس، إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب، لم تجدوا رجلاً من ولد النبي غيري وغير أخي...).(ورواه في الإحتجاج: ٢/٨).
وأكمل ما وصل الينا من نصوص هذه الخطبة، ما رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في أماليه بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده علي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام، قال في/٥٦١: (لما أجمع الحسن بن علي عليه السلام على صلح معاوية خرج حتى لقيه، فلما اجتمعا قام معاوية خطيباً فصعد المنبر وأمر الحسن عليه السلام أن يقوم أسفل منه بدرجة، ثم تكلم معاوية فقال: أيها الناس، هذا الحسن بن علي وابن فاطمة، رآنا للخلافة أهلاً، ولم يرَ نفسه لها أهلاً، وقد أتانا ليبايع طوعاً. ثم قال: قم يا حسن! فقام الحسن عليه السلام فخطب فقال: الحمد لله المستحمد بالآلاء وتتابع النعماء، وصارف الشدائد والبلاء، عند الفهماء وغير الفهماء، المذعنين من عباده لامتناعه بجلاله وكبريائه، وعلوه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه ظنانة المخلوقين من أن تحيط بمكنون غيبه رويَّات عقول الرائين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده في ربوبيته ووجوده ووحدانيته، صمداً لا شريك له، فرداً لا ظهير له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اصطفاه وانتجبه وارتضاه وبعثه داعياً إلى الحق وسراجاً منيراً، وللعباد مما يخافون نذيراً ولما يأملون بشيراً، فنصح للأمة وصدع بالرسالة، وأبان لهم درجات العمالة، شهادةً عليها أموت وأحشر، وبها في الآجلة أُقرَّبُ وأحْبَر.
وأقول: معشرَ الخلائق فاسمعوا، ولكم أفئدة وأسماع فعوا: إنا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا واحتبانا، فأذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيراً، والرجس هو الشك فلا نشك في الله الحق ودينه أبداً، وطهرنا من كل أفَنٍ وغَيَّة مُخْلَصين إلى آدم عليه السلام، نعمةً منه، لم يفترق الناس قط فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما، فأدت الأمور وأفضت الدهور إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله للنبوة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه، ثم أمره بالدعاء إلى الله عز وجل فكان أبي عليه السلام أول من استجاب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله، وأول من آمن وصدق الله ورسوله، وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، فرسول الله الذي على بينة من ربه، وأبي الذي يتلوه وهو شاهدٌ منه. وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله حين أمره أن يسير إلى مكة والموسم ببراءة: سرْ بها يا عليُّ فإني أمرت أن لايسير بها إلا أنا أو رجل مني وأنت هو، فعليٌّ من رسول الله ورسول الله منه. وقال له نبي الله صلى الله عليه وآله حين قضى بينه وبين أخيه جعفر بن أبي طالب ومولاه زيد بن حارثة في ابنة حمزة: أما أنت يا عليُّ فمني وأنا منك وأنت وليُّ كل مؤمن من بعدي، فصدَّق أبي ورسول الله في كل موطن يقدمه ولكل شديدة يرسله، ثقةً منه به وطمأنينة إليه لعلمه بنصيحته لله ورسوله، وأنه أقرب المقربين من الله ورسوله، وقد قال الله عز وجل: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ). وكان أبي سابق السابقين إلى الله عز وجل والى رسوله صلى الله عليه وآله وأقرب الأقربين، فقد قال الله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً)، فأبي كان أولهم إسلاماً وإيماناً، وأولهم إلى الله ورسوله هجرةً ولحوقاً، وأولهم على وجده ووسعه نفقة، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). فالناس من جميع الأمم يستغفرون له سبقه إياهم إلى الايمان بنبيه صلى الله عليه وآله وذلك أنه لم يسبقه إلى الإيمان به أحد، وقد قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأولونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ)، فهو سابق جميع السابقين، فكما أن الله عز وجل فضل السابقين على المتخلفين والمتأخرين فكذلك فضل السابقين على السابقين، وقد قال الله عز وجل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). فهو المؤمن بالله والمجاهد في سبيل الله حقاً وفيه نزلت هذه الآية. وكان ممن استجاب لرسول الله صلى الله عليه وآله عمه حمزة وجعفر ابن عمه فقتلا شهيدين رضي الله عنهما، في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله ومنزلتهما وقرابتهما منه صلى الله عليه وآله. وصلى رسول الله على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه، وكذلك جعل الله تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وآله للمحسنة منهن أجرين، وللمسيئة منهن وزرين ضعفين لمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وآله. وجعل الصلاة في مسجد رسول الله بألف صلاة في سائر المساجد، إلا المسجد الحرام ومسجد إبراهيم خليله عليه السلام بمكة وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وآله من ربه. وفرض الله عز وجل الصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله على كافة المؤمنين فقالوا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلى على محمد وآل محمد، فحق على كل مسلم أن يصليَ علينا مع الصلاة على النبي فريضة واجبة.
وأحل الله تعالى خمس الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأوجبها له في كتابه، وأوجب لنا من ذلك ما أوجب له، وحرم عليه الصدقة وحرمها علينا معه، فأدخلنا فله الحمد فيما أدخل فيه نبيه صلى الله عليه وآله وأخرجنا ونزهنا مما أخرجه منه ونزهه، كرامة أكرمنا الله عز وجل بها، وفضيلة فضلنا بها على سائر العباد فقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجوه: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، فأخرج رسول الله من الأنفس معه أبي ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء أمي فاطمة من الناس جميعاً، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه ونحن منه وهو منا وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فلما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله أنا وأخي وأمي وأبى فجعلنا ونفسه في كساء لأم سلمة خيبري، وذلك في حجرتها وفي يومها فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وهؤلاء أهلي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: أنا أدخل معهم يا رسول الله؟! فقال لها رسول الله: يرحمك الله أنت على خير والى خير وما أرضاني عنك! ولكنها خاصة لي ولهم. ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك بقية عمره حتى قبضه الله إليه يأتينا كل يوم عند طلوع الفجر فيقول: الصلاة يرحمكم الله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وأمر رسول الله بسد الأبواب الشارعة في مسجده غير بابنا فكلموه في ذلك فقال: أما إني لم أسد أبوابكم وأفتح باب عليٍّ من تلقاء نفسي ولكن أتبع ما يوحى إليَّ، إن الله أمر بسدها وفتح بابه، فلم يكن من بعد ذلك أحد تصيبه جنابة في مسجد رسول الله ويولد فيه الأولاد غير رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام تكرمةً من الله تعالى لنا وتفضلاً اختصنا به على جميع الناس. وهذا باب أبي قرين باب رسول الله في مسجده، ومنزلنا بين منازل رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبني مسجده فبنى فيه عشرة أبيات تسعة لبنيه وأزواجه، وعاشرها وهو متوسطها لأبي فها هو بسبيل مقيم، والبيت هو المسجد المطهر وهو الذي قال الله تعالى: "أهْلُ البَيْت" فنحن أهل البيت، ونحن الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
أيها الناس: إني لو قمت حولاً فحولاً أذكر الذي أعطانا الله عز وجل وخصَّنا به من الفضل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله لم أحصه، وأنا ابن النبي النذير البشير والسراج المنير الذي جعله الله رحمة للعالمين، وأبي عليٌّ وليُّ المؤمنين وشبيه هارون. وإن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً فكذب معاوية! وأيمُ الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان رسول الله، غير أنا لم نزل أهل البيت مُخَافين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول الله، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا ونزل على رقابنا وحمل الناس على أكتافنا، ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفئ والغنائم، ومنع أمنا فاطمة عليها السلام إرثها من أبيها! إنا لا نسمي أحداً ولكن أقسم بالله قسماً تالياً لو أن الناس سمعوا قول الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الأمة سيفان، ولأكلوها خضراء خَضِرَةً إلى يوم القيامة، وإذاً ما طمعت فيها يا معاوية! ولكنها لما أخرجت سالفاً من معدنها، وزحزحت عن قواعدها تنازعتها قريش بينها وترامتها كترامي الكرة، حتى طمعت فيها أنت يا معاوية وأصحابك من بعدك! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ولَّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا! وقد تركت بنو إسرائيل وأصحاب موسى هارون أخاه وخليفته ووزيره وعكفوا على العجل وأطاعوا فيه سامريهم، ويعلمون أنه خليفة موسى عليه السلام! وقد سمعت هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ذلك لأبي عليه السلام: إنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وقد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله حين نصبه لهم بغدير خم وسمعوه ونادى له بالولاية ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب! وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله حذراً من قومه إلى الغار، لما أجمعوا أن يمكروا به وهو يدعوهم لما لم يجد عليهم أعواناً، ولو وجد عليهم أعواناً لجاهدهم. وقد كف أبي يده وناشدهم واستغاث أصحابه فلم يُغث ولم يُنصر، ولو وجد عليهم أعواناً ما أجابهم، وقد جعل في سعة كما جعل النبي صلى الله عليه وآله في سعة! وقد خذلتني الأمة وبايعتك يا ابن حرب! ولو وجدت عليك أعواناً يخلصون ما بايعتك، وقد جعل الله عز وجل هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه، كذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا، ولم نجد عليهم أعواناً! وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً.
أيها الناس: إنكم لو التمستم بين المشرق والمغرب رجلاً جده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوه وصيُّ رسول الله، لم تجدوا غيري وغير أخي، فاتقوا الله ولا تضلوا بعد البيان، وكيف بكم وأنى ذلك لكم؟ ألا وإني قد بايعت هذا، وأشار بيده إلى معاوية، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
أيها الناس: إنه لا يُعاب أحد بترك حقه، وإنما يعاب أن يأخذ ما ليس له، وكل صواب نافع، وكل خطأ ضار لأهله...
أيها الناس: إسمعوا وعوا واتقوا الله وراجعوا، وهيهات منكم الرجعة إلى الحق وقد صارعكم النكوص وخامركم الطغيان والجحود، (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)؟! والسلام على من اتبع الهدى!
فقال معاوية: والله ما نزل الحسن عليه السلام حتى أظلمت عليَّ الأرض وهممتُ أن أبطش به، ثم علمت أن الإغضاء أقرب إلى العافية). انتهى.
نلاحظ في هذه الخطبة:
١- أن هذا الشموخ في شخصية الإمام عليه السلام ناشئ من عالمه السامي الذي يعيش فيه عليه السلام، وهذا ما لايفهمه بعضهم فيتصورونه تكبراً! قال ابن شعبة في تحف العقول/٢٣٤: قيل للإمام الحسن عليه السلام: (إن فيك عظمة فقال عليه السلام: بل فيَّ عزة، (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)).(ورواه الزمخشري في ربيع الأبرار /٦٣٨، والتوحيدي في البصائر/٢٧، وفي نثر الدرر للآبي/١٥٠، ونزهة الناظر للحلواني/٧٤، ومناقب آل أبي طالب:٣/١٧٦).
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام:١/١٧٦:(وكان نقش خاتم الحسن بن علي عليهما السلام: العزة لله، وكان نقش خاتم الحسين: إن الله بالغ أمره).
٢- أن منطق معاوية مع الإمام الحسن عليه السلام هو نفس منطق أبي سفيان مع النبي صلى الله عليه وآله فهو يقوم على تسقيط الآخرين، والفرعنة والعلو بدون دليل! ويفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة التي يستعملها رؤساء القبائل عادة في مثل هذه المناسبة! فلو كان المتكلم بدل معاوية الأحنف بن قيس رئيس بني تميم، وحتى الأشعث رئيس كندة، عدو علي والحسن عليها السلام، لقالا كلاماً فيه شيء من اللياقة! أما معاوية فقد أفرغ كل سمه و(يهوديته) في كلامه فقال:
(أيها الناس، هذا الحسن بن علي وابن فاطمة رآنا للخلافة أهلاً ولم يرَ نفسه لها أهلاً، وقد أتانا ليبايع طوعاً. ثم قال: قم يا حسن)!
فانظر إلى قوله (ابن علي وابن فاطمة) الذي يقصد به أن الحسن وارث علي ومحمد من آل عبد المطلب، جاءنا طائعاً واعترف بحقنا نحن بني أمية، وبالخصوص آل أبي سفيان، وشهد على نفسه وأبيه وجده بأنا نحن معدن الحق وأهل القيادة دونهم! فقم يا حسن فبايع! وبهذا يلغي معاوية النبوة والوحي والإسلام كلياً من صراع بني أمية وقبائل قريش مع النبي صلى الله عليه وآله! فالمؤمن بالإسلام لا يمكنه أن يتكلم بمثل هذا المنطق!
٣- أن الإمام الحسن عليه السلام لم تهتز منه شعرة لمنطق معاوية الفرعوني، فتصدى له بمنطق النبوة، فتحدث بعمق وصراحة عن بعثة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وما خصه الله تعالى به، وعن موقف المكذبين القرشيين بقيادة أبي سفيان ومعه أولاده وابنه معاوية، والحقوق الشرعية التي ترتبت عليهم، حتى صاروا أسرى حرب للنبي وآله صلى الله عليه وآله في فتح مكة! وأفاض في موقف المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وفي طليعتهم علي عليه السلام والعترة، وما وفقهم الله اليه من نصرة النبي صلى الله عليه وآله وما رتبه لهم من حقوق بنص كتابه ونص نبيه صلى الله عليه وآله، وما خصهم به من فرض طاعتهم على جميع الأمة، بمن فيها الصحابة والقرشيين الأسرى الطلقاء!
٤- أن الإمام عليه السلام كان يرى أنه اضطر إلى بيعة الطاغية معاوية والتنازل له عن الحكم، لكنه غير مضطر أبداً إلى مداراته والسكوت على منطقه الجاهلي، ولذلك كان دائماً قوياً في بيان الحق وقمع باطل معاوية وإفحامه، فيجب عنده أن يسجل موقفه للأجيال وأن يُلفت الأمة التي استسلمت لمعاوية وتركت عترة نبيها صلى الله عليه وآله أيَّ طريق ضلال اختارته! وفي بلعوم أي طاغية وضعت نفسها!
٥- من الطبيعي بمقتضى الصلح، أن يخطب معاوية عند قدومه إلى الكوفة، ويخطب الإمام الحسن عليه السلام فيعلن للمسلمين تنازله عن الحكم لمعاوية! لهذا لا يمكن قبول ما روي من أن خطبته عليه السلام كانت بناء على طلب عمرو بن العاص وإصراره على معاوية، وأن غرض عمرو أن يخجل الإمام الحسن عليه السلام لأنه لا يجيد التصرف في مثل ذلك الموقف أو لا يجيد الخطابة، وأن معاوية لم يكن راغباً في أن يخطب الإمام عليه السلام ولكنه وافق، ثم ندم ولام ابن العاص.. الخ.
فهذا أمر غير معقول، ولذا نقله في الإحتجاج:١/٤٢٠، بصيغة(رُوِيَ)، بل الصحيح ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه:٨/٦٣٤ من أن الإمام الحسن عليه السلام أراد ترك الكوفة لمعاوية بدون أن يخطب فاعتبر معاوية ذلك خطيراً، لأن ترك الخطبة بمثابة ترك الإمضاء العملي للصلح قال: (عن الشعبي قال: لما كان الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية أراد الحسن الخروج إلى المدينة فقال له معاوية: ما أنت بالذي تذهب حتى تخطب الناس، قال قال الشعبي: فسمعته على المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: فإن أكيسَ الكيْس التقى، وإن أعجز العجز الفجور وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا فيه ومعاوية حقٌّ كان لي فتركته لمعاوية، أو حق كان لايُرى أحق به مني، وإنما فعلت هذا لحقن دمائكم، (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ)، ثم نزل). وما رواه الذهبي في تاريخ الإسلام:٤/٣٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق:٤٦/٥٩، والوافي بالوفيات:١٢/٦٩: (لما بايع الحسن معاوية قال له عمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي: لو أمرت الحسن فصعد المنبر فتكلم فإنه عيي عن المنطق فيزهد فيه الناس! فقال معاوية: لا تفعلوا فوالله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمص لسانه وشفته ولن يعيا لسان مصه النبي له شفة، قال فأبوا على معاوية فصعد معاوية المنبر ثم أمر الحسن فصعد، وأمره أن يخبر الناس إني قد بايعت معاوية فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإني قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم، وأن يوفر عليكم غنائمكم وأن يقسم فيكم فيأكم، ثم أقبل على معاوية فقال: أكذاك؟ قال: نعم. ثم هبط من المنبر وهو يقول ويشير بإصبعه إلى معاوية: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، فاشتد ذلك على معاوية فقالوا: لو دعوته فاستنطقته يعني استفهمته ما عنى بالآية؟ فقال مهلاً فأبوا عليه فدعوه فأجابهم فأقبل عليه عمرو فقال له الحسن: أما أنت فقد اختلف فيك رجلان رجل من قريش ورجل من أهل المدينة فادَّعياك فلا أدري أيهما أبوك!
وأقبل عليه أبو الأعور فقال له الحسن: ألم يعلن رسول الله صلى الله عليه وآله رعلاً وذكوان وعمرو بن سفيان؟! وهذا اسم أبي الأعور! ثم أقبل عليه معاوية يعينهما فقال له الحسن: أما علمت أن رسول الله لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو الأعور السلمي)! (ورواه في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من طبقات ابن سعد/٧٩).
أقول: لقد خلط الرواة بين خُطَب للإمام الحسن عليه السلام أحدها هذه في الكوفة، والثانية جواباً على كلام معاوية ولعلها كانت في المدينة. وثالثتها المناظرة الصاخبة القاصعة بينه وبين معاوية ووزرائه، وهي التي طعن فيها في نسب ابن العاص وغيره وقد جعلتها رواية الذهبي جزء من خطبته عليه السلام في الكوفة!
وينبغي الإلفات إلى أن مقولة أن الإمام الحسن عليه السلام كان في لسانه تأتأة، قد تسربت إلى بعض مصادرنا! والفأفأة: تكرار التاء في أول الكلام. والرُّثَّة بالثاء والضم: العجمة في الكلام وعدم بيان حروفه، والرُّتَّة: بالتاء أشد منها وهي إدغام حرف في حرف وعدم بيان الحروف.(منتهى المطلب:١/٣٧٢، وصحاح الجوهري:١/٢٤٩، ولسان العرب:٢/٣٤) وهذا عيبٌ مكذوب على الإمام الحسن عليه السلام وأراد الراوي تخفيف ذلك بتشبيهه بموسى عليه السلام لكن دعاءه عليه السلام: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي). وقوله: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي). لايدل على أنه كان مصاباً بالفأفأة أو الرُّتة أو الرُّثة! بل يعني أن درجة انفعاله أكثر من انفعال أخيه هارون عليهما السلام.
ويبدو أن الذين ادعوا المهدية لمحمد بن عبدالله بن الحسن المثنى وضعوا هذه الرواية لتبرير فأفأة مهديهم والرتة في لسانه فقالوا إن جده الحسن عليه السلام كان كذلك! ففي مقاتل الطالبيين لأبي الفرج/٣١: (عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي: وكان في لسان الحسن بن علي ثقل كالفأفأة....كانت في لسان الحسن رتَّة فقال سلمان الفارسي: أتته من قبل عمه موسى بن عمران عليه السلام). انتهى.
ثم أضافوا إلى صفات المهدي عليه السلام أن في لسانه رتة وفافأة! ففي مقاتل الطالبيين/١٦٤ عن أبي هريرة: (أن المهدي إسمه محمد بن عبد الله في لسانه رتة)! كما أضافوا إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله:(إسمه إسمي وكنيته كنيتي): (وإسم أبيه إسم أبي) لينطبق على محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى! وقد شهد علماء الجرح والتعديل بأنها زيادة كما بحثناه في(معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام:١/ حديث١٠٠).
حادثة أخرى سجلت شموخ الإمام الحسن عليه السلام
خلط بعض الرواة والمؤلفين بين خطبة الإمام الحسن عليه السلام بحضور معاوية في مسجد الكوفة، وبين خطبته عندما نال معاوية من أمير المؤمنين عليه السلام! وقد نصت عدة مصادر على أن الثانية كانت في المدينة وليس في الكوفة وهو الصحيح لأنه لايمكن أن يقوم معاوية بلعن أمير المؤمنين عليه السلام في أول قدومه إلى الكوفة، لا لتقواه! بل للجو العام الذي يخشى معه ردة فعل أهل الكوفة، خاصة وأنه أعلن نقضه لتعهداته وعدم وفائه بشروطه! ولعل أصل الإشتباه من أبي الفرج الأصفهاني المتوفى٣٥٦، وأن المفيد رحمه الله ومن تأخر عنه نقلوا عنه، قال في مقاتل الطالبيين/٤٦: (لما بويع معاوية خطب فذكر علياً فنال منه ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرنا قدماً وأقدمنا كفراً ونفاقاً. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: ونحن أيضاً نقول: آمين. قال أبو الفرج. وأنا أقول. آمين).
لكن الصحيح رواية المستطرف:١/١٥٧ و٢٨٩، والإتحاف١٠، ونزهة الناظر للحلواني/٧٤، والتذكرة الحمدونية/٧٠٨، واللفظ للأول: (لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب وقال: من ابن علي ومن علي؟! فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا جعل له عدواً من المجرمين، فأنا ابن علي وأنت ابن صخر، وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتك قتيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكراً، وأعظمنا كفراً، وأشدنا نفاقاً! فصاح أهل المسجد: آمين آمين. فقطع معاوية خطبته ودخل منزله). انتهى.
إنه منطق النبوة الرباني في مواجهة منطق الجاهلية الشيطاني! وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قَعَدَا!
ومما يؤيد أن الحادثة كانت في المدينة أن الإمام الحسين عليه السلام اعترض على معاوية في حج سنة٥١ بعد قتله حجراً رحمه الله لنيله من علي عليه السلام وقال له كما في الإحتجاج:٢/١٩: (ولقد بلغني وقيعتك في علي وقيامك ببغضنا واعتراضك بني هاشم بالعيوب).انتهى. ويبدو أن صاحب الغدير رحمه الله تنبه إلى أن هذا الحديث وقع في المدينة وليس في الكوفة: (١٠/١٦٠). وسيأتي أن معاوية لم يجرؤ على لعن أمير المؤمنينً عليه السلام في حياة الإمام الحسن عليه السلام وسعد بن أبي وقاص.
معاوية يعلن في النخيلة انتهاء الدولة الإسلامية وقيام الإمبراطورية الأموية!
إذا أردت أن تفهم بني هاشم وبني أمية فاقرأ آيات الشجرتين الطيبة والخبيثة، ثم اقرأ سورة محمد صلى الله عليه وآله وأعدائه المفسدين في عصره وبعده!
إن سورة محمد صلى الله عليه وآله كآيات الشجرتين، لوحة ربانية متكاملة تتحدث عن شخصية النبي صلى الله عليه وآله وعظمة مقامه ورسالته، وموقف فئات العالم كلها منه، ومنهم فئة المنافقين مرضى القلوب الذين سيحكمون أمته!
فمَن هم جبابرة هذه الأمة الذين خاطبهم الله تعالى بقوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). (محمّد:٢٢-٢٤)؟
ومَن هم الأنواع الثلاثة من أعداء النبي وآله صلى الله عليه وآله الذين أخبر الله عنهم في سورة محمد صلى الله عليه وآله بأنهم: (كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).(محمّد:٩) (اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).(محمّد:٢٨) (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شيئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ). (محمّد:٣٢).
فمن هؤلاء الذين سيأتون بعد النبي صلى الله عليه وآله فتحدث الله بسين الإستقبال عن عملهم ووعد بإحباط خطتهم؟! مَن هم إن لم يكونوا بني أمية، ومَن مهد لهم؟
بعد أن تمكن معاوية من إجبار الإمام الحسن عليه السلام على التنازل له عن الحكم، أخذه زهو انتصار أمية وسقوط دولة بني هاشم صريعةً في يده بعد ثلاثين سنة فقط من وفاة نبيهم صلى الله عليه وآله! وها هو ابن أبي سفيان قائد قريش صار حاكم العرب المطلق، وإمبراطور البلاد التي فتحها أتباع نبي بني هاشم صلى الله عليه وآله!
لقد جاءت خطبته في معسكر النخيلة بالكوفة إعلاناً أموياً كاملاً بانتهاء العهد النبوي الإسلامي وقيام الإمبراطورية الأموية! وقد تكلم الرواة عن هذه الخطبة بتذمر ولم ينقلوها كاملة، لكن كل فقرة نقلوها منها جاءت معولاً في هدم الإسلام، وطعناً للنبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله وشيعتهم! قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين/٤٥: (وسار معاوية حتى نزل النخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة، لم ينقلها أحد من الرواة تامة وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى الينا من ذلك! فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار....عن الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ثم إنه انتبه فندم فقال: إلا هذه الأمة فإنها وإنها....عن أبي إسحاق قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميَّ هاتين لا أفي به! قال أبو إسحاق: وكان والله غداراً.... عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا! إنكم لتفعلون ذلك وإنما قاتلتكم لأتأمَّرَ عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون! قال شريك في حديثه: هذا هو التهتك). انتهى.
وفي الصراط المستقيم للبياضي:٣/٤٨: (وروى الأعمش أنه لمام قدم الكوفة قال: ما قتلتكم على أن تصلوا وتصوموا.... فقال الأعمش: هل رأيتم رجلاً أقل حياء منه؟ قتل سبعين ألفاً فيهم عمار وخزيمة وحجر وعمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر والأشتر وأويس وابن صوحان وابن التيهان وعائشة وابن حسان! ثم يقول هذا)! ويبدو أن معاوية قال ذلك في سفرة أخرى، بعد قتل حجر سنة٥١.
وقال في شرح الأخبار:٢/١٥٨: (فقال في خطبته: إنه لم تختلف أمة بعد نبيها إلا غلب أهل باطلها على أهل حقها! وهذا حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله أجراه الله على لسانه فلما قاله ندم فقال: إلا هذه الأمة فإنها، فتلجلج لسانه ولم يدر ما يقول في ذلك فأخذ في غيره).(وكان يتلجلج في خطبه). (تذكرة ابن حمدون/١٣٦٩:
خطبة معاوية الثانية الأسوأ!
قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤٣: (وخطب معاوية أيضاً بالنخيلة فقال: إني نظرت فعلمت أنه لايصلح الناس إلا ثلاث خصال: إتيان العدو في بلاده فإنكم إن لم تأتوه أتاكم، وهذا العطاء والرزق أن يقسم في أيامه، وأن يقيم البعث القريب ستة أشهر والبعيد سنة، وأن تستجم بلاد إن جمدت خربت، وقد كنت شرطت شروطاً ووعدت عداة ومنيتُ أماني لما أردت من إطفاء نار الفتنة وقطع الحرب ومداراة الناس وتسكينهم. ثم نادى بأعلى صوته: ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يخرج فيبايع، ألا وإني طلبت بدم عثمان فقتل الله قاتليه وردِّ الأمر إلى أهله على رغم معاطس أقوام، ألا وإنا قد أجلناكم ثلاثاً، فمن لم يبايع فلا ذمة له ولا أمان له عندنا. فأقبل الناس يبايعون من كل أوب).
ومعنى قول البلاذري: (وخطب معاوية أيضاً بالنخيلة) أنها خطبة أخرى بعد أن رجع من الكوفة إلى النخيلة في طريق عودته إلى الشام!
وقوله: طلبت بدم عثمان فقتل الله قاتليه وردِّ الأمر إلى أهله على رغم معاطس أقوام) يدل على تفكيره، ولا بد أنه كرر هذا المعنى في زهو انتصاره! ويبدو أن قوله: (قد قتل الله طاغيتكم وردَّ الأمر إلى معدنه)! كان في ذلك اليوم فهو بيت القصيد عنده! وقد روت مصادرنا ردَّ الإمام الحسن عليه السلام عليه وقوله لمعاوية: (العجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه! فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟! ويلٌ لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس وسَنُّوا لك هذه السنَّة!!). (كتاب سليم/٣٦٨، والإحتجاج:٢/٦، والدر النظيم/٤٩٩، والعدد القوية/٤٩).
أقول: تكفي أقوال معاوية وأفعاله وسياساته دليلاً على أنه كان ينظر إلى نفسه كمؤسس لأمبراطورية أموية، وأن الحق له ولأبيه، وأن بني هاشم كانوا غصبوه!
وهو في هذه الخطبة يعلن تمرده على قيم الإسلام وأحكامه، وتمرده على التعامل الإنساني السليم مع الإمام الحسن عليه السلام وأهل العراق، الذين يمثلون بامتدادهم وفتوحاتهم ثقل الأمة الإسلامية! فانظر كيف يصف أولياؤه وأتباعه خطبته بأنها (خطبة بليغة) ويعتبروها بداية مرحلة جيدة من تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية؟! قال ابن كثير في النهاية:٨/٢٣: (ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس واستوثقت له الممالك شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي). انتهى. فالمهم عند ابن كثير وهو عالم إمام لأتباع الخلافة، هو(الغلبة) فيجب التغاضي عن الحاكم ولو كان برنامجه التمرد على قيم الإسلام وأحكامه، وكان كاتبه وصاحب أمره وسره رومياً نصرانياً!
لكن ابن كثير يمثل حزبه الأموي فقط! أما المسلمون العاديون من أتباع المذاهب فيمثلهم ابن سعد صاحب الطبقات، الذي وصف خطبة معاوية في مسجد الكوفة بقوله: (فغضب معاوية فخطب بعده خطبة عيية فاحشة ثم نزل)!
(سير أعلام النبلاء:٦٥٢، ونحوه أسد الغابة:٢/١٤، وتاريخ دمشق: ١٣/٢٧٦).
ولماذا لا تكون فاحشة قد قرأت فيها غروره وتهديده بالموت من لم يبايعه!
لهذا لا تستغرب إذا وصف مستشرق غربي موقف المسلمين من معاوية فقال:
(اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء، والتي جاهدها رسول الله حتى قضى عليها، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم الله، فقضوا عليها. وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام!
لذلك لا ندهش إذا كره المسلمون بني أمية وغطرستهم، لاسيما أن جمهور المسلمين كانوا يرون بين الأمويين رجالاً كثيرين لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية، ولا غرو فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكاً كسروياً وليس أدل على ذلك من قوله: أنا أول الملوك).(نيكلسون: تاريخ الإسلام:١/٢٧٨).
معجزة لأمير المؤمنين عليه السلام ظهرت عند دخول معاوية إلى الكوفة!
روى الشريف الرضي رحمه الله في خصائص الأئمة عليهم السلام /٥٢: (عن أم حكيم بنت عمرو قالت: خرجت وأنا أشتهي أن أسمع كلام علي بن أبي طالب، فدنوت منه وفي الناس رقة(أي يمكن تخطي الحضور) وهو يخطب على المنبر حتى سمعت كلامه فقال رجل: يا أمير المؤمنين إستغفر لخالد بن عرفطة فإنه قد مات بأرض تيماء فلم يرد عليه، فقال الثانية فلم يرد عليه ثم قال الثالثة فالتفت إليه فقال: أيها الناعي خالد بن عرفطة كذبت، والله ما مات ولايموت حتى يدخل من هذا الباب يحمل راية ضلالة! قالت: فرأيت خالد بن عرفطة يحمل راية معاوية حتى نزل نخيلة وأدخلها من باب الفيل)!! ورواه في مناقب آل أبي طالب/٤٦، وفيه: (ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، وبين يديه خالد بن عرفطة ومعه رجل يقال له حبيب بن جماز يحمل رايته، حتى دخل الكوفة فصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل فاجتمع الناس إليه. فحدثني أبو عبيد الصيرفي.....عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: بينما علي عليه السلام على المنبر إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة! فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد يعني باب الفيل براية ضلالة يحملها له حبيب بن جماز! قال: فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن جماز وأنا لك شيعة! قال: فإنه كما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن جماز! قال مالك: حدثنا الأعمش بهذا الحديث فقال: حدثني صاحب هذا الدار وأشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء أنه سمع علياً عليه السلام يقول هذه المقالة)!
ورواه في تاريخ بغداد مبتوراً:١/٢١٤: (عن أم حكيم بنت عمرو الجدلية قالت: لما قدم معاوية يعني الكوفة فنزل النخيلة دخل من باب الفيل، وخالد بن عرفطة يحمل راية معاوية حتى ركزها في المسجد). (ونحوه في بغية الطلب:٧/٣٠٩١).
وقال المفيد في الإرشاد:١/٣٣٠: (وهذا أيضاً خبر مستفيض لا يتناكره أهل العلم الرواة للآثار، وهو منتشر في أهل الكوفة، ظاهر في جماعتهم لا يتناكره منهم اثنان، وهو من المعجز الذي بيناه). انتهى.
وروى هذا الحديث الصفار في بصائر الدرجات/٣١٨ بنحو آخر، عن أبي حمزة عن سويد بن غفلة وفيه: (فأعادها عليه الثالثة فقال: سبحان الله أخبرك أنه مات وتقول لم يمت! فقال له علي عليه السلام: لم يمت والذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جماز! قال فسمع بذلك حبيب فأتى أمير المؤمنين فقال أناشدك فيَّ وأنا لك شيعة لك! وقد ذكرتني بأمر لا والله ما أعرفه من نفسي! فقال له علي عليه السلام: إن كنت حبيب بن جماز فَلَتَحْمِلنَّها! فولى حبيب بن جماز وقال: إن كنت حبيب بن جماز لتحملنها! قال أبو حمزة: فوالله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام بن علي عليه السلام وجعل بن عرفطة على مقدمته، وحبيب صاحب رايته!). (ورواه كذلك في الإرشاد:١/٣٢٩، والراوندي في الخرائج والجرائح:٢/٧٤٥، وابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب:٢/١٠٥، والطبرسي في إعلام الورى: ١/٣٤٥، والعلامة الحلي في كشف اليقين/٧٩. ونقله في الإصابة:٢/٢٠٩ عن ابن المعلم المعروف بالشيخ المفيد الرافضي، في مناقب علي)!
أقول: لا تنافي بين الروايتين، لأن ابن عرفطة من قادة جيش معاوية (الإصابة:٢/٢٠٩) وهو حليف بني زهرة (الطبقات:٤/٣٥٥، كنى بخاري/١١١) وروي أنه ابن أخت سعد بن وقاص: (بعث سعد إلى الناس خالد بن عرفطة وهو ابن أخته). (غريب الحديث للحربي:٣/٩٢٩، والنهاية لابن الأثير:٤/٣٤٢، ولسان العرب: ٧/٢٣٤)، وروي أنه حليف بني أمية (تاريخ الطبري:٣/٧٧ و٧٩) وقد أقطعه عثمان أرضاً في العراق عند حمام أعين(فتوح البلدان:٢/٣٣٥) وكذلك أقطعه سعد وقاص(تاريخ الكوفة/١٦٠)، وبنى داراً كبيرة في الكوفة (تاريخ الكوفة/٤٣٣)، وله فيها بقية وعقب (الطبقات:٤/٣٥٥) وكان من رؤساء الأرباع في الكوفة (أعيان الشيعة: ٤/٥٧٨) وقد شارك في قتل الإمام الحسين عليه السلام فقتله المختار سنة٦٤، غلاه في الزيت! قال في إمتاع الأسماع:٤/٢٤٧: وأخذ خالد بن عرفطة مصاحف ابن مسعود، فأغلى الزيت وطرحها فيه... وقاتل مع معاوية، فلما كانت أيام المختار بن أبي عبيد، أخذه فأغلى له زيتاً وطرحه فيه). ومات سنة٦٤ (تقريب التهذيب/١٨٩، وفي كاشف الذهبي:١/٣٦٦ سنة٦١).
والحجة تامة على ابن عرفطة في معاداته لعلي عليه السلام وقتله الحسين عليه السلام، لأنه اعترف بأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يحذرهم: (إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي) رواه الطبراني الكبير:٤/١٩٢، قال في الزوائد:٩/١٩٤: رواه الطبراني والبزار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير عمارة وعمارة وثقه ابن حبان).كما اعترف ابن عرفطة بأن النبي صلى الله عليه وآله حذَّره شخصياً من الفتنة وقتل أهل بيته صلى الله عليه وآله! كما في مسند أحمد:٥/٢٩٢: (قال قال لي رسول الله (ص) : يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل). (ورواه الحاكم:٣/٢٨١، و: ٤/٥١٧، وابن شيبة:٨/٦٠٥، والطبراني الكبير:٤/١٨٩، وبخاري في تاريخه:٣/١٣٨، ونعيم في الفتن/٨٧، أو١٥٦، وابن عاصم في الديات/٢١، وابن الأثير في أسد الغابة:٢/٨٨، والسيوطي في الدر المنثور:٢/٢٧٥، والضحاك في الآحاد والمثاني:١/٤٦٦، والعجلوني في كشف الخفاء:٢/١٣٤، والألباني في إرواء الغليل:٨/١٠٤، وقال: (من طريق علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عنه، سكت عنه الحاكم والذهبي. وعلي بن زيد هو ابن جدعان سئ الحفظ لكن الأحاديث التي قبله تشهد له).
معاوية المريض بالشك بالنبي صلى الله عليه وآله يمتحن علم الإمام الحسن عليه السلام
تدلنا الرواية التالية على عدم إيمان معاوية، بل وسوء نظرته إلى النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (لما صالح الحسن بن علي عليهما السلام معاوية جلسا بالنخيلة فقال معاوية: يا أبا محمد بلغني أن رسول الله كان يخرص النخل فهل عندك من ذلك علم؟ فإن شيعتكم يزعمون أنه لا يعزب عنكم علم شيء في الأرض ولا في السماء؟! فقال الحسن عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخرص كيلاً وأنا أخرص(لك) عدَّاً! فقال معاوية: كم في هذه النخلة؟ فقال الحسن عليه السلام: أربعة آلاف بُسْرة وأربع بُسرات! فأمر معاوية بها فصرمت وعدت فجاءت أربعة آلاف وثلاث بُسْرات! فقال: والله ما كذبت ولا كذبت! فنظر فإذا في يد عبد الله بن عامر بن كريز بُسْرة! ثم قال: يا معاوية أما والله لولا أنك تكفر لأخبرتك بما تعمله! وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في زمان لا يكذَّب وأنت تكذِّب وتقول: متى سمع من جدِّه على صغر سنه! والله لتدعين زياداً، ولتقتلن حجراً، ولتُحملن إليك الرؤوس من بلد إلى بلد! فادعى زياداً، وقتل حجراً، وحمل إليه رأس عمرو بن الحمق الخزاعي)!. (البحار:٤٣/٣٣٠ وفرج المهموم لابن طاووس/٢٢٥).
فمعاوية يريد أن يمتحن الإمام الحسن عليه السلام فيقول له بأسلوب السخرية والشك: بلغني أن جدك محمداً كان عنده علم يخمِّن به مقدار حمل النخلة من الرطب فيصيب، وهاهم شيعتكم يا بني هاشم يدعون لجدكم ولكم علم الغيب! فهل عندك من هذا العلم شيء؟! فأخبره الإمام عليه السلام بأن عنده من علم جده، مما علمه الله تعالى، ثم أخبره بعدد حبات الرطب على النخلة، وبما سيكون منه، وأتمَّ عليه الحجة! لكن أنى لمعاوية المسكين أن ينتفع ببرهان وهو لايرى إلا ماديات الدنيا، وإن رأى غيرها فهي ومضة نور تمر عليه عابرة: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)). (البقرة:١٧). فلو كان يرى غير الماديات لما أجاب أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله بالجواب المادي التالي عندما سمع شكواهم من سياسة الإفقار التي اتبعها معهم! (قدم معاوية بن أبي سفيان حاجاً في خلافته فاستقبله أهل المدينة، فنظر فإذا الذين استقبلوه ما فيهم أحد من الأنصار، فلما نزل قال: ما فعلت الأنصار وما بالها لم تستقبلني؟ فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب(خيول). فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ (جمالهم التي تسقي زرعهم، وهو إهانة يستعملها أهل مكة للأنصار) فقال قيس بن سعد بن عبادة وكان سيد الأنصار وابن سيدها: أفنوها يوم بدر وأحد وما بعدهما من مشاهد رسول الل ه صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون! فسكت معاوية! فقال قيس: أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا أنا سنلقي بعده إثرة (أي استئثاراً عليكم وظلماً) فقال معاوية: فما أمركم به؟ فقال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقوه)! (الإحتجاج:٢/١٥). هكذا! بكل وقاحة: إصبروا على حكمي حتى تلقوا نبيكم في الآخرة وتشتكوا له عليَّ! فالمهم أن لا تثوروا عليَّ ولا تمسوا دنياي! فكيف لمثل هذا الشخص أن يرى أعلى من ماديات الدنيا؟!
مسكين معاوية! فقد كان يحلم أن يتأمر على رقاب العرب والمسلمين، ويبني لأسرته إمبراطورية تمتص دولة نبي بني هاشم صلى الله عليه وآله الإسلامية، وتمتد في ذريته سلالات(خلفاء الله في أرضه) كقياصرة الروم وأكاسرة الفرس! وقد دفع لذلك ثمناً باهظاً من إزهاق أرواح الناس وهدر كراماتهم وأموالهم!
لكنه لم يكن يعلم أن ابنه يزيداً سوف يدمر كل ما بناه في سنتين، ثم يأتي حفيده معاوية بن يزيد فيعلن للمسلمين (إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق فركب منه ما تعلمون حتى صار مرتهناً بعمله، ثم تقلده أبي ولقد كان غير خليق به فركب ردعه واستحسن خطأه) (البدء والتاريخ /٤٥٤، وتاريخ مختصر الدول/٩١).
وأنه سيطلب من بني أمية أن يفوضوه ليرجع الخلافة إلى أهلها! وأن بني أمية سيدفنونه مع أستاذه، ولا يبقى من ذرية معاوية إلا أطفال يزيد الصغار! فيتلقفها العجوز مروان بن الحكم وبنوه ويطفؤون ذكر آل أبي سفيان، بل سيصفه عبد الملك بالمداهن، ويصف يزيداً بالمأبون! (العقد الفريد/١١٠٣)!
وبسبب هذه الحقيقة أجاب الإمام الصادق عليه السلام عن سؤال عن العقل و(عقل) معاوية فقال: (العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، أما الذي كان في معاوية فهو الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل).(الكافي:١/١١). وكيف يكون عاقلاً من يسفك دماء الآلاف ويرتكب العظائم لهدف تافه وحلم زائل؟!
رجوع الإمام الحسن عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام إلى المدينة
قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٥: (ولما استقر الصلح بين الحسن عليه السلام وبين معاوية على ما ذكرناه، خرج الحسن عليه السلام إلى المدينة فأقام بها كاظماً غيظه، لازماً منزله منتظراً لأمر ربه جل اسمه، إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وعزم على البيعة لابنه يزيد، فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكانت زوجة الحسن عليه السلام مّن حّمّلها على سمه، وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم فبقي عليه السلام مريضاً أربعين يوماً، ومضى لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة، فكانت خلافته عشر سنين، وتولى أخوه ووصيه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، بالبقيع).
معاوية يعرض على الإمام الحسن عليه السلام أن يكون قائد جيش عنده!
دعا النبي صلى الله عليه وآله على معاوية أن لايشبع! فلم يشبع لا من طعام ولا دنيا، فكان يطمع في تحويل كل الناس لخدمة مشروعه الأموي! قال البلاذري في أنساب الأشراف/٧٤٣:(ثم إن الحسن شخص إلى المدينة وشيعه معاوية إلى قنطرة الحيرة وخرج على معاوية خارجي فبعث إلى الحسن من لحقه بكتاب يأمره فيه أن يرجع فيقاتل الخارجي وهو ابن الحوساء الطائي، فقال الحسن: تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتهم أفتراني أقاتل معك؟!). وفي الروائع المختارة/١٠٧: (لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك).وفي الإمامة والسياسة:١/١٨٣: (ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده).انتهى. فأرسل معاوية فرسان الشام إلى ابن الحوساء فانهزموا! فأجبر أهل الكوفة على قتاله فقاتلوه!!

الفصل الرابع: ظلم مصادر الحكومات للإمام الحسن عليه السلام وتلميعها لمعاوية

عملهم لتشويه شخصية الإمام الحسن عليه السلام وتلميع شخصية معاوية!
إذا أردت تعرف معنى دس السُّم في العسل، فانظر إلى أحاديثهم عن الإمام الحسن عليه السلام ففيها أنواعٌ من السم مدسوسة في عسل! ظاهرها المدح للإمام الحسن عليه السلام وباطنها المدح لبني أمية والذم لعلي والحسين والإمام الحسن عليهم السلام! لذلك عليك أن تحذر من كل ما رووه عن الإمام الحسن عليه السلام! فقد صوَّروه وكأنه خرج من العترة وببني هاشم ودخل في الحزب القرشي، وصار لايؤمن بحق العترة النبوية بالإمامة والخلافة، لأنه لايجوز أن تجتمع النبوة والإمامة في بني هاشم! بل الخلافة حق إلهي لبطون قريش جميعاً وخاصة لبني أمية!
وصوروه كأنه ضد أبيه عليهما السلام وضد حرب الجمل وصفين! وكذبوا عليه أنه أوصى أخاه الإمام الحسين عليه السلام أن لايخرج على بني أمية!
ثم زعموا أن الحسن عليه السلام شبيه بالنبي صلى الله عليه وآله والحسين شبيه بعلي عليه السلام! ثم أرادوا أن ينصفوا الحسن والحسين عليهما السلام فقالوا إن الحسن شبيه بجده إلى سرته والحسين شبيه به من سرته إلى قدمه، وكأنهم رأوا ذلك من النبي صلى الله عليه وآله والحسنين عليهما السلام!
١- بخاري يمدح معاوية ويبطِّن ذمَّ الإمام الحسن عليه السلام!
قال في صحيحه:٣/١٦٩: (باب قول النبي (ص) للحسن بن علي رضي الله عنهما: إبني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين. وقوله جل ذكره: فأصلحوا بينهما... عن أبي موسى قال: سمعت الحسن (البصري) يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها! فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين! إن قتلَ هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم؟! فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال: إذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال! وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به، فصالحه! فقال الحسن(البصري): ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله (ص) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
وقال بخاري: ٨/٩٨: (باب قول النبي (ص) للحسن بن علي: إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين...الحسن(البصري) قال: لما سار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها! قال معاوية: من لذراري المسلمين؟ فقال: أنا. فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: نلقاه فنقول له الصلح). انتهى. ونحوه في مستدرك الحاكم:٣/١٧٤، وفيه: (فصالح الحسن معاوية وسلم الأمر له وبايعه بالخلافة على شروط ووثائق، وحمل معاوية إلى الحسن مالاً عظيماً! يقال خمس مائة ألف ألف درهم، وذلك في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وإنما كان وليَ قبل أن يسلم الأمر لمعاوية سبعة أشهر وأحد عشر يوماً). انتهى.
لقد اختار بخاري من بين عشرات الروايات التي حفلت بها المصادر ورواها شيوخ بخاري، عن خلافة الإمام الحسن عليه السلام وحربه وصلحه مع معاوية، هذه الرواية الكاذبة الخبيثة التي تصور الأمر وكأن فئتي الصراع على حق وليس فيهما فئة باغية وأن النبي صلى الله عليه وآله وصفهما بأنهما:(فئتين عظيميتن من المسلمين)!
ثم صوَّر بخاري جيش الإمام الحسن عليه السلام بأنه كتائب أمثال الجبال جاهزة للحرب، لكن معاوية فكر في حفظ دماء المسلمين لتقواه، فأرسل زعيمين من بني أمية إلى الإمام الحسن عليه السلام ليعطياه ما يريد، فوجداه يريد المال فأعطياه ملايين وتم الصلح!
فهل بعد هذا مسخٌ وتزوير وافتراءٌ على سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد شباب أهل الجنة، من أجل تلميع شخصية معاوية القاتل الدموي الطليق بن الطليق؟!
أليس بخاري هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله أن عماراً تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! فكيف صار معاوية الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأنه إمام ضلال يدعو المسلمين إلى جهنم حريصاً على دماء المسلمين ومصالحهم؟! وهل أخطأ رسول الله صلى الله عليه وآله في وصفه لمعاوية فلم يذكر تقواه؟
ومتى كانت قوات الإمام الحسن عليه السلام كأمثال الجبال التي فسرها شارح بخاري: (أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لايرى من قابل الجبل طرفه) (فتح الباري:١٣/٥٣)
ومتى كان الإمام الحسن عليه السلام بهذه الشخصية الضعيفة والمادية التي صوَّرها الأمويون للناس! وسوَّقها بخاري ليغشَّ بها أجيال المسلمين؟!
قال ابن حجر في الفتح:١٣/٥٥: (فقال معاوية: إذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، أي ما شاء من المال. وقولا له: أي في حقن دماء المسلمين بالصلح. واطلبا إليه: أي أطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الأمر لمعاوية، وابذلا له في مقابل ذلك ما شاء..).انتهى. فالمسألة إذن مالية! وسبط الرسول سيد شباب أهل الجنة إنما هو عند هؤلاء تاجرٌ بخلافة جده المصطفى صلى الله عليه وآله!!
والعجيب أن ابن حجر روى بعد هذا وصحح سنده، أن الإمام الحسن عليه السلام قد شرط على معاوية أن تكون الخلافة له من بعده! واعترف بأن معاوية نقض الشروط ونكث العهود كلها ولم يفِ له بشيء أبداً! فهل بقيت له شرعية؟!
قال: (وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح...وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع الرسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه: أن اشترط ما شئت فهو لك...فلم ينفذ للحسن من الشرطين شيء!...وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله ابن شوذب قال: لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا، فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده). انتهى.
تأثير بخاري على ثقافة المذاهب!
من تأثيرات بخاري على المذاهب مساواته الفئة الباغية بالفئة المحقة، ومساواته علياً والحسن عليهما السلام بمعاوية! بل لقد جعل معاوية أفضل منهما بدرجة! وجعل موقف الحسن تخطئة لأبيه عليهما السلام، فخلط الأوراق لمصلحة بني أمية!
فإن لم يكن هذا تشويهاً للتاريخ، فكيف يكون التشويه؟!
أنظر إلى ما قاله ابن حجر في شرحه:١٣/٥٧: (وفي هذه القصة من الفوائد علَمٌ من أعلام النبوة، ومنقبةٌ للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله، لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة! (يعني كان أفضل من أبيه)! وفيها ردٌّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبي (ص) للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومن ثم كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله من المسلمين يعجبنا جداً! (يعجبهم: لأنه يساوي بين الحق والباطل والإمام الشرعي بالنص والغاصب المتغلب، وبين الفئة الباغية والمبغي عليها، وبين الدعاة إلى النار والدعاة إلى الجنة!).
ثم قال ابن حجر: (وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين ودلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب. ((وبهذا يكون أحق بالخلافة من الإمام الحسن عليه السلام)! وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل، لأن الحسن ومعاوية وليَ كل منهما الخلافة، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان. قاله ابن التين! (فيكون الإمام الحسن عليه السلام كمعاوية، ويكون أي بدري أفضل من سيد شباب أهل الجنة والإمام بنص النبي صلى الله عليه وآله)! ثم قال ابن حجر: وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك. (يعني أن الإمام الحسن عليه السلام خلع نفسه وباع الخلافة بيعاً)! واستُدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة، وسائر من اعتزل تلك الحروب! (يعني أن موقف الحياد والتخلف عن علي هو الصحيح، مع أن علياً عليه السلام مع الحق بنص النبي صلى الله عليه وآله الصحيح عندهم، وفئته الفئة المحقة بنص النبي صلى الله عليه وآله الصحيح عندهم، ومع أن ابن عمر ندم وخطّأ نفسه مراراً لتخلفه عن بيعة علي عليه السلام وعدم جهاده بني أمية معه)!
ثم قال ابن حجر: وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي امتثال قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا). الآية.. ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لايذم واحد من هؤلاء، بل يقولون اجتهدوا فأخطأوا(يعني أن معاوية وحزبه بغاة ظالمون دعاة إلى النار وقتالهم فريضة، ودماؤهم هدر وقتلهم طاعة لله وقربة، والى جهنم وبئس المصير، لكنهم مجتهدون مأجورون في دعوتهم المسلمين إلى جهنم!). ثم قال ابن حجر:
(ذهب طائفة قليلة من أهل السنة وهو قول كثير من المعتزلة، إلى أن كلاً من الطائفتين مصيب وطائفة إلى أن المصيب طائفة لا بعينها). انتهى.
فانظر إلى هذا التزوير والهروب من قول الحق، وتعمد الخلط والإمعان فيه!
على أنه لا بد لنا أن نشكر ابن حجر وغيره، لأنهم كشفوا عن أن بعض الرواة أضافوا إلى الحديث صفة(عظيميتن)! فوضعوا يدنا على واحد من التزويرات الأموية في نص الأحاديث، وأعطونا الحق في أن نشك في أصل الحديث، لأنه موظف بالكامل لمصلحة بني أمية ولأن شهادتهم بالتزوير الجزئي توجب الشك في الكل! قال ابن حجر: (قوله: بين فئتين من المسلمين، زاد عبد الله بن محمد في روايته عظيمتين وكذا في رواية مبارك بن فضالة، وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي... ولفظه عند الطبراني والبيهقي: قال للحسن إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين. قال البزار: روي هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسناداً وحديث جابر غريب).انتهى. وفي تحفة الأحوذي:١٠: ١٨٩: (زاد البخاري في رواية: عظيمتين). وقال الألباني في إرواء الغليل:٦/٤١: (وزاد: ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. زاد أصحاب السنن: عظيمتين)! انتهى. فهذه شهادة من كبارهم بكذب الرواة في قسم من هذا الحديث لمصلحة بني أمية!
وقد فاق العجلي الوضاعين فوصف الفئتين بالمؤمنين! قال: (ويصلح الله به بين فئتين من المؤمنين عظيمتين)! (الثقات:١/٢٩٧).
لكن ابن حجر فاق الجميع جميعاً في تبنيه أقوال المغالين في بني أمية، فزعم أن الإمام الحسن عليه السلام كان شاكاً في أنه أهل للخلافة وأحق بها من معاوية فاحتاط لدينه وأعطاها إلى معاوية! قال في فتح الباري:١٣/٥٣: (قال ابن بطال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن علياً لما قُتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى: يا معاوية إني اخترت ما عند الله فإن يكن هذا الأمر لك فلا ينبغي لي أن أنازعك فيه، وإن يكن لي فقد تركته لك! فكبَّر أصحاب معاوية! وقال المغيرة عند ذلك: أشهد أني سمعت النبي (ص) يقول: إن ابني هذا سيد.. الحديث..).انتهى.
فتأمل في"سيناريو" ابن بَطَّال الذي تبناه ابن حَجَر واسأله: من هؤلاء أهل العلم بالأخبار؟ أليست الأخبار التي رويتموها وصححتموها في الصلح؟! فلماذا تركتها وتبنيت رواية ابن بطال اللقيطة التي سندها: (ذكر أهل العلم بالأخبار)!
لا يغرُّك ابناء بطال وتيمية وحجر وأمثالهم، فهم أمويون أكثر من بني أمية! وعندما ترى أحدهم يقول(قال أهل العلم) فاعرف أنه قول شخص مغمور أخفاه لمهانته، أو هو قوله هو يلبَّسه لأهل العلم ليغشَّ به المسلمين!
هذا، وينبغي أن تعرف أن بخاري المحب لمعاوية المتعصب له، مضطر لأن يستعمل الأسلوب المبطن والتقية في صحيحه، لأنه كتبه للمتوكل العباسي الذي هو مثله! لكنه يخشى بني العباس إن مدح معاوية، وإلا لكشف عن دخيلته!
٢- طعنهم في أمير المؤمنين عليه السلام على لسان ولده الإمام الحسن عليه السلام!
من ذلك ما رواه النووي في المجموع:١٩/٢٠٢عن الإمام الحسن عليه السلام أنه عندما رأى محمد بن طلحة قتيلاً فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون هذا فرع قريش والله! فقال له أبوه ومن هو يا بني؟ فقال محمد بن طلحة. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إنْ كان ما علمتُه لشاباً صالحاً، ثم قعد كئيباً حزيناً! فقال له الحسن: يا أبتِ قد كنت أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان! قال قد كان ذلك يا بنيَّ، فلوددت أني متُّ قبل هذا بعشرين سنة). انتهى.
أقول: يقصد الراوي الوضَّاع بفلان وفلان عماراً والأشتر رضوان الله عليهما، فهما يمينا علي عليه السلام بتعبير معاوية، وهما من أبعض الناس لأتباع بني أمية! ولهذا يحاولون تصوير أنهما دفعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى حرب الجمل وحرب صفين، وأن الإمام الحسن نصحه وأمره بعدم الحرب فلم يقبل منه، ثم ندم أمير المؤمنين عليه السلام عندما رأى ابن طلحة العدوي القرشي مقتولاً، فتأسف وتمنى أنه مات هو من عشرين سنة!
بل تفاقم كذبهم على الإمام الحسن عليه السلام فنسبوا اليه أنه رأى مناماً أن القيامة قامت وأن أبا بكر وعمر نجا وتمسكا بحزام النبي صلى الله عليه وآله لكنه لم ير علياً معهما! بل رأى الدم ينصبُّ على الأرض! روى الطبراني في الكبير:٣/٩١ (فلفلة الجعفي قال: سمعت الحسن بن علي رضي الله عنه يقول: رأيت النبي (ص) في المنام متعلقاً بالعرش ورأيت أبا بكر رضي الله عنه أخذ بحقوي النبي (ص) ورأيت عمر أخذ بحقوي أبي بكر ورأيت عثمان أخذ بحقوي عمر. ورأيت الدم ينصب من السماء إلى الأرض! فحدث الحسن بهذا الحديث وعنده قوم من الشيعة فقالوا: وما رأيت علياً؟ فقال الحسن: ما كان أحد أحب إليَّ أن أراه أخذ بحقوي النبي من علي، ولكنها رؤيا رأيتها)! انتهى.
والكذب والخبث واضحان في هذه الرواية لكل مسلم بل كل منصف!
٣- كذبهم عليه بأنه كان ضد نهضة أخيه الحسين عليهما السلام!
تبنى الذهبي في سيره:٣/٢٧٨قول ابن عبد البر: (قال: وروينا من وجوه: أن الحسن لما احتضر قال للحسين: يا أخي: إن أباك لما قبض رسول الله (ص)، استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه، فلما احتضر أبو بكر تشرف أيضاً لها فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى إلى أحدهم فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها، فما صفا له شيء منها!
وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرفنَّ استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك! وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أدفن في حجرتها فقالت نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا ما مت فاطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك فإن فعلوا فادفني في البقيع.
فلما مات قالت عائشة: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت. والله لا يدفن هناك أبداً! منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن حسن في بيت عائشة! فلبس الحسين ومن معه السلاح واستلأم مروان أيضاً في الحديد ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة. أعاذنا الله من الفتن، ورضي عن جميع الصحابة، فترضَّ عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم فالله حكم عدل). (وأوله في تاريخ الخلفاء/١٥٠، والتحفة اللطيفة:١/٢٨٢، ونفحات الأزهار:٤/٢٤٤ عن الإستيعاب: ١/٣٩١).
أقول: معنى هذه الرواية وأمثالها أن علياً والحسين عليهم السلام كانا طامعيْن في الحكم والدنيا، وأن الإمام الحسن كان خيراً منهما عليهم السلام ولذلك فهو ينصح أخاه الحسين أن لايخرج على يزيد ولا يطلب الدنيا، ولكنه لم يطعه!
وهذا هو رأي بني أمية تماماً، وهو تزوير للحقيقة وطعنٌ في دين العترة الطاهرة الذين مدحهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله بأنهم فوق الدنيا وأنهم سادة أهل الجنة!
ومما يزيدك معرفة بوظيفة هذه الرواية ما رواه الهيثمي في موارد الظمآن: ٧/١٩٩: (عن الشعبي قال: بلغ ابن عمر وهو بمال له أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة يومين أو ثلاثة فقال: إلى أين؟ فقال: هذه كتب أهل العراق وبيعتهم، فقال: لا تفعل فأبى! فقال له ابن عمر: إن جبريل أتى النبي (ص) فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله كذلك يريده بكم، فأبى! فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعتك الله والسلام).
تحذير من الدس القرشي في وصية الإمام الحسن عليه السلام
يبدو أننا نحتاج في كل فصل من سيرته عليه السلام إلى التحذير من الدس الأموي والقرشي في أحاديثه! والقاعدة لكشف ذلك: أن المدسوس يتضمن تنقيصاً بشخصية المعصوم عليه السلام ويتنافى مع سموها الذي نص عليه النبي صلى الله عليه وآله أو يتضمن تبريراً لأعمال السلطة، أو يدعو لقبول الحاكم، وينهى عن مبدأ الخروج عليه. وبعض الدس ظاهر وبعضه خفي، تسرب منه إلى مصادرنا مع الأسف!
ومن أمثلته هنا، قولهم إن الإمام الحسن أوصى أخاه الحسين عليهما السلام أن لايطلب الخلافة وأن لايخرج على بني أمية كما تقدم!
ومنه قولهم إن الإمام الحسن عليه السلام جَزِعَ عند الموت، وقال إنه لايعرف مصيره إلى الجنة أو النار! فطمأنه الحسين عليه السلام فاطمأن، أو لم يطمئن فبكى معه! قال ابن كثير:٨/٤٧: (وقال أبو نعيم: لما اشتد بالحسن بن علي الوجع، جَزِعَ فدخل عليه رجلٌ فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي (ص) وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب، قال: فسرى عنه. وفي رواية أن القائل له ذلك الحسين وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله وأرى خلقاً من خلق الله لم أر مثله قط! قال: فبكى الحسين رضي الله عنهما. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما). (ونحوه تاريخ دمشق:١٣/٢٨٦).
وأسوأ منه ما في تاريخ دمشق:١٣/٢٨٧: (لما حضر الحسن بن علي الموت بكى بكاء شديداً! فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول الله (ص) وعلى علي وفاطمة وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك سيد شباب أهل الجنة، وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجاً! وإنما أراد أن يطيب نفسه. قال: فوالله ما زاده إلا بكاء وانتحاباً، وقال: يا أخي أني أقدم على أمر عظيم مهول لم أقدم على مثله قط)!! انتهى.
فهذا دسٌّ ينتقص من مقام الإمام عليه السلام ويلغي قول النبي صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة! ويتضمن التهوين من المقام العظيم الذي بلَّغه النبي صلى الله عليه وآله إلى أمته، وعبر عنه الراوي الكاذب باستخفاف بقوله: (وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك سيد شباب أهل الجنة)! وكأنه شيء جرى على لسان النبي صلى الله عليه وآله من نفسه، لا وحياً يوحى! ثم تضيف الرواية القرشية أن الإمام الحسن عليه السلام لم يطمئن بذلك بل زاد بكاؤه وانتحابه، وكأنه لايؤمن بكلام جده صلى الله عليه وآله! وقد تكرم بعضهم بالقول إن الإمام الحسن عليه السلام:(سُرِّيَ عنه) أي ارتاح شيئاً ما! (سبل الهدى:١١/٧٠).
وقد تسربت بعض رواياتهم إلى مصادرنا مع الأسف، كما في رواية مناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٣ قال: (وحكي أن الحسن عليه السلام لما أشرف على الموت قال له الحسين عليه السلام: أريد أن أعلم حالك يا أخي؟ فقال الحسن: سمعت النبي لا يفارق العقل منا أهل البيت ما دام الروح فينا، فضع يدك في يدي حتى عاينت ملك الموت أغمز يدك، فوضع يده في يده فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزاً خفيفاً، فقرب الحسن أذنه إلى فمه فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فإن الله عنك راض وجدك شافع). انتهى. ولعل ابن شهراشوب رحمه الله عبر عنها رحمه الله بـ(حكي) لأنها تزعم أن الحسن والحسين عليهما السلام شكَّا في قول جدهما إنهما: (سيدا شباب أهل الجنة)!!
إنها وأمثالها نفثات من حسدهم للأئمة الطاهرين عليهم السلام عندما رأوهم يواجهون الموت باستبشار ويقين لامثيل له، كقول أمير المؤمنين عليه السلام (فزت ورب الكعبة)! فقد أرادوا أن يساووا بينهم وبين القرشيين والأمويين الذين انفضح أمرهم عند موتهم واشتهر جزعهم وصراخهم! وتمنى بعضهم لو أنه كان تراباً! وبعضهم لو كان خروفاً! وبعضهم لو كان تبنةً! وبعضهم زاد صراخه فتمنى لو كان عذرة!
كما ينبغي التنبيه إلى أن بعضهم نسبوا إلى الإمام الحسن عليه السلام كلام الحسن البصري وحالاته! وأين الثريا من الثرى! قال الذهبي في سيره:٤/٥٨٧: (عن يونس قال: لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع فقام إليه ابنه فقال: يا أبت قد غممتنا فهل رأيت شيئاً، قال: هي نفسي لم أصب بمثلها).انتهى. فنسبوا هذا الكلام بعينه إلى الإمام الحسن عليه السلام! وأخذته عنهم بعض مصادرنا مع الأسف، ولم تتنبه لما فيه من الحط من مقام الإمام عليه السلام! وقد تنبه الإربلي رحمه الله إلى بعضها دون بعض فقال في كشف الغمة:٢/٢١٠ونحوه١٧٤: (روي أنه لما حضرت الحسن بن علي الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليهما السلام كأنه يعزيه: يا أخي ما هذا الجزع! إنك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك! فقال له الحسن عليه السلام: أي أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقاً من خلق الله لم أر مثله قط! قال فبكى الحسين).انتهى.
ولو تتبعت أن أصل الرواية أخذها السيوطي في الخلفاء/١٥٠من كتاب الطيوريات ومن كتاب ابن طرار الجليس الصالح/٧٧٦!
وأخيراً، نشير إلى كذب الأمويين على الإمام الحسن عليه السلام أنه كان يبكي عند وفاته خوفاً من أن يخطب حفيد عثمان بعد موته فاطمة بنت الحسين عليه السلام، وأنها أعطت عمها العهد أن لا تقبل به فهدأ، ثم نقضته بعد وفاته وتزوجت به!
(نسب قريش للزبيري/٣٣، وأخبار النساء لابن قيم الجوزية/٨٣، وذم الهوى لابن الجوزي/٦٤٨، وتاريخ دمشق:٧٠/١٧، ومقاتل الطالبيين/ ١٣٨، وأعيان الشيعة:٨/٣٨٨ عن الأغاني)
٤- زعمهم أن الإمام الحسن يشبه النبي صلى الله عليه وآله ولا يشبه علياً عليهما السلام
اشرنا إلى أنهم وضعوا روايات بأن الحسن عليه السلام شبيه بجده صلى الله عليه وآله وليس شبيهاً بأبيه علي عليه السلام! ومعناه أن علياً عليه السلام أراد الدنيا فحارب معاوية، أما الحسن عليه السلام فلم يرد الدنيا فصالح معاوية! وأن الحسين عليه السلام شبيه بعلي وليس شبيهاً بالنبي صلى الله عليه وآله لأنه خرج على يزيد وطلب الدنيا!
وزعموا أن أبا بكر بفراسته الخارقة كان يتفاءل خيراً بالحسن ويقول إنه يشبه جده النبي صلى الله عليه وآله ولايشبه علياً! قال بخاري: ٤/١٦٤ و٢١٧ إن أبا بكر خرج بعد صلاة العصر: (يمشي فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيه بالنبي لاشبيه بعلي وعلي يضحك)! وفي فضائل الصحابة للنسائي/١٩(فوضعه على عنقه). وفي مستدرك الحاكم:٣/١٦٨(فضمه إليه) وفي ثقات العجلي:١/٢٩٧: (فاستقبل الحسن بن علي عنه فأخذه أبو بكر فجعل يقبله ويقول..) وفي مسند أحمد:١/٨، وتاريخ دمشق:١٣/١٧٤: (بعد وفاة النبي (ص) بليال وعلي يمشى إلى جنبه فمر بحسن بن علي يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول.. فأخذه فحمله على عنقه) وفي تاريخ دمشق:١٣/١٧٥(رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن علي وبقول...) وفي الطبراني الكبير:٣/٩١:(وحمل أبو بكر الحسن بن علي على عاتقه ولعابه يسيل وعلي إلى جانبه، وجعل أبو بكر يقول).
ونقاط الضعف في روايتهم كثيرة، من أبسطها: كيف استطاع أبو بكر على ضعفه وهرمه أن يحمل الإمام الحسن عليه السلام وهو رشيد الجسم ابن ثمان سنوات؟!
ومنها: أن روايتهم انتقلت من لسان أبي بكر إلى لسان الزهراء عليها السلام وأنها كانت: (تنقز الحسن بن علي(ترقِّصه) وتقول: بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي) (أحمد:٦/٢٨٣).
ومنها: أن وظيفة الرواية أن أبا بكر قال لعلي إن الحسن خير منك لأنك تطلب الخلافة وتعارضني والحسن لا يطلبها! لكنهم ناقضوا أنفسهم فروى بخاري نفسه وغيره أن الإمام الحسين عليه السلام كان أشبههم بجده رسول الله صلى الله عليه وآله!
قال في صحيحه:٤/٢١٦: (عن أنس بن مالك: أُتِيَ عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فجُعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله وكان مخضوباً بالوسمة).
وفي سنن الترمذي:٥/٣٢٥، والطبراني الكبير:٣/١٢٥: (فجئ برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً). (ومسند أحمد:٣/٢٦١، ومسند أبي يعلى:٥/٢٢٨، وصحيح ابن حبان:١٥/٤٢٩، وتاريخ دمشق:١٤/١٢٦و١٢٧، وأسد الغابة:٢/٢٠).
لكن الكذَبَةَ الأمويين لايضيق عليهم مسلك! فقد حلوا تناقض بخاري وغيره بأن الحسن يبقى أفضل من الحسين عليهما السلام لأنه يشبه جده المصطفى صلى الله عليه وآله من رأسه إلى سرته، بينما الحسين عليه السلام يشبهه من سرته إلى قدمه!
وبما أنك قد تسأل الراوي: وهل رأيتَ القسم الأسفل من الحسين والنبي صلى الله عليه وآله؟! فقد وضع الحديث على لسان علي عليه السلام! قال الطيالسي في مسنده/٢٠: (كان الحسن بن علي أشبه الناس برسول الله (ص) من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس بالنبي (ص) ما أسفل من ذلك)!
وفي تاريخ أبي الفداء/٢٣١: (من سرته إلى قدمه).
وفي مسند أحمد:١/٩٩: (عن هانئ عن علي رضي الله عنه قال: الحسن أشبه الناس برسول الله (ص) ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس بالنبي ما كان أسفل من ذلك). (ونحوه مجمع الزوائد:٩/١٧٦، ومسند أبي يعلى:٦/٢٧٦ وصحيح ابن حبان:١٥/٤٢٩، والذرية الطاهرة النبوية/١٠٤، وتاريخ دمشق:١٤/١٢٥و١٢٧، وغيرها.
راجع تمحلاتهم لتصحيح روايتي بخاري: فتح الباري:٦/٤١١ و٧/٧٥، ومقدمته/٤٧٤).
وراجع أحاديثهم الكثيرة في أن الإمام الحسن عليه السلام كان أشبههم بالنبي: صلى الله عليه وآله تاريخ دمشق:١٣/١٧٦، وفتح الباري:٦/٤١١، وتحفة الأحوذي:١٠/١٩١، وكبير الطبراني:٣/٢٤وأبي يعلى:٦/٢٧١، والإصابة:٢/٦٢، وتاريخ دمشق:١٣/١٧٨، و١٨١، و١٨٣، ونبلاء الذهبي:٣/٢٤٩).
وراجع من روى ذلك من مصادرنا متأثراً به أو ناقلاً: مناقب آل أبي طالب:٣/ ١٥٩، وروضة الواعظين/١٦٥، ومقاتل الطالبيين/١٢٧، وشرح الأخبار:٣/٩٧، ودلائل الإمامة/١٧٨).
٥- روايات السلطة حول قبر النبي صلى الله عليه وآله على لسان الإمام الحسن عليه السلام
ومنها ما كذبوه عليه أنه قال: (إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله (ص) قال: لاتتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)! (الجنائز للألباني/٢٢٠، ونحوه مصنف عبد الرزاق:٣/٧١).
وقد بينا في المجلد الأول أن السلطة خافت أن يستجير بنو هاشم بقبر النبي صلى الله عليه وآله ويطالبوا بتنفيذ وصيته بخلافة علي عليه السلام، فأعلنوا الأحكام العرفية عند القبر ومنعوا مجلس فاطمة الزهراء عليها السلام عنده، وكل تجمع أو صلاة قرب القبر، وظهر هذا الحديث وأمثاله!
أما مصادرنا فمما ثبت فيها أن الإمام الحسن عليه السلام قال لجده رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا أبه، ما جزاء من زارك؟ فقال: من زارني أو زار أباك أو زارك أو زار أخاك، كان حقاً عليَّ أن أزوره يوم القيامة حتى أخلصه من ذنوبه). (أمالي الصدوق/١١٤).
ولا يتسع المجال لاستعراض تحريفاتهم ومكذوباتهم، وقد تسرب بعضها إلى مصادرنا مع الأسف لخفاء تحريفه وغرضه! وقد علمنا لإمام الحسن عليه السلام ضرورة التنبه إلى الأهداف الخفية لبني أمية فكشف غرض معاوية من كلامه التالي في مدح بني هاشم! قال المزي في تهذيب الكمال:٦/٢٤١: (قال معاوية يوماً في مجلسه: إذا لم يكن الهاشمي سخياً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الزبيري شجاعاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن المخزومي تائهاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الأموي حليماً لم يشبه حسبه! فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: والله ما أراد الحق ولكنه أراد أن يغري بني هاشم بالسخاء فيفنوا أموالهم ويحتاجوا إليه! ويغري آل الزبير بالشجاعة فيفنوا بالقتل، ويغري بني مخزوم بالتيه فيبغضهم الناس! ويغري بني أمية بالحلم فيحبهم الناس)! (وتاريخ دمشق:١٣/٢٥٨).

الفصل الخامس: برنامج الإمام الحسن عليه السلام في المدينة بعد الصلح

١- الانسحاب من المسرح السياسي ولا الدور السيء!
للعترة النبوية عليهم السلام معادلة تقول: قيمة الحكم بقدر ما تستطيع أن تُقيم فيه من حق أو تدفع من باطل. (قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت لا قيمة لها. فقال: والله لهي أحب إلي من إمْرتكِم إلا أن أقيمَ حقاً أو أدفعَ باطلاً).(نهج البلاغة:١/٨٠).
وهم جميعاً مؤمنون بهذه القاعدة، فعندما يكون ثمن وصولهم إلى الحكم أو بقائهم فيه يتعارض معها، فموقفهم رفضه بدون تردد!
لذلك رفض علي عليه السلام الخلافة عندما شرطوا عليه العمل بسنة أبي بكر وعمر!
وتنازل عنها الحسن عليه السلام عندما توقف بقاؤه فيها على انتهاج (ميكافيلية) معاوية!
فلا يمكن لعلي عليه السلام أن يعترف بأن سنة أبي بكر وعمر جزءٌ من الإسلام، ولا بالأساس الذي قامت عليه، وهو الغلبة ووراثة القرشيين القبلية لمحمد صلى الله عليه وآله!
ولا يمكن للحسن عليه السلام أن يكون كمعاوية فيضع قيم الإسلام تحت قدميه ويقتل ويضرب ويسجن ويُرهب، ويُقرِّب من أطاعه وتملَّق له ويجعل لهم بيت مال المسلمين، ويَسرقه لهم من أصحابه الشرعيين المحتاجين!
إن مشروع معاوية تأسيس ملك دنيوي لبني أمية، ومشروع الإمام الحسن عليه السلام إقامة الدين وإعادة دولة العدل النبوي، فهو وأخوه الحسين عليهما السلام ومن تبعهم، منفذون للخريطة النبوية الربانية، فإن لم يمكنهم ذلك فلا معنى للحكم عندهم، لا ابتداءً ولا بقاءً! فبقاؤهم في المسرح مرتبط بإمكانية أن يرسموا اللوحة النبوية في الناس بقيمها وعدالتها، أما إذا غلب على المسرح أعداء القيم والعدل واستخذت الأمة ولم تنصر أهل بيت نبيها صلى الله عليه وآله فلابد لهم من ترك المسرح والعودة إلى العمل الفكري وترسيخ الإسلام في الأمة كدين، والتوعية على نموذج العدل النبوي، حتى يأتي يوم تطبيقه!
كنا ونحن صغارٌ نتحرق ألماً لماذا لم يقبل أمير المؤمنين عليه السلام الخلافة بدل عثمان، ويجيبهم عن شرط سنة الشيخين بجواب مجمل؟ إذن لتغير التاريخ!
ولماذا لم يستعمل الدهاء ضد معاوية وهو القائل:(والله ما معاوية بأدهى مني)؟
ولماذا قبل الإمام الحسن عليه السلام بالتنحي عن الحكم ولم يستعمل أسلوباً آخر..؟
ثم عرفنا أن المسألة أعمق من أخذ المعصوم منصباً أو بقائه فيه، فهي قضية الصراع بين الهدى الإلهي والضلال البشري، وهي عِلْمٌ له معادلاته في المجتمعات والنفوس، وفي خطة الله تبارك وتعالى للأرض وإنسانها!
وله وسائله لدى الأنبياء والأوصياء عليهم السلام! وكل ذلك كان حاضراً عند علي والحسن عليهما السلام عندما قررا رفض الخلافة أو التخلي عنها! على أنه قرارٌ من علم الله المكنون وأمره المطاع، كانا يعلمانه قبل مجئ وقته!
لكنه لا يعني العزلة كما يفعل السياسيون، فلا رهبنة في مهمة المعصوم عليه السلام!
٢- العالم الأعلى الذي يعيش فيه المعصوم عليه السلام
بالنظرة العادية لا يمكنك أن تفهم مكونات شخصية الإمام المعصوم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وكيف يعيش ويفكر ويتصرف؟ لأنه إنسان مختلف، سواء في عالمه الداخلي وعالمه الذي يحيط به. فكذلك هم الأئمة الربانيون الذين وعد الله خليله إبراهيم عليه السلام أن يجعلهم من ذريته في الأمة الآخرة: (أما إسماعيل، فقد استجبت لطلبتك من أجله. سأباركه حقاً وأجعله مثمراً، وأكثِّر ذريته جداً فيكون أباً لاثني عشر رئيساً(قيماً، إماماً) ويصبح أمة كبيرة). (التوراة - سفر التكوين:١٧-٢٠).
فالوعد الإلهي بهم قديم وتكوينهم مميز: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيء. (النمل:٨٨) لأن مهمتهم عظيمة، سواء في جيل عصرهم أو مستقبل الحياة الإنسانية!
الإمام المعصوم عليه السلام يعيش عالم الغيب كما نعيش نحن عالم المحسوس وحضور الله عنده دائمٌ قوي. نعم، إنه يملك في سلوكه الحرية والإختيار لكن الله يتولى رعايته في صغير أموره وكبيرها، وملائكة الله تحفظه وتسدده.
ومن هنا كان عالم الإمام الحسن عليه السلام وتفكيره يختلف كلياً عن عالم معاوية!
فمَن يكونُ معاوية وأبو معاوية وكل الماديين في هذا البرنامج الرباني؟!
الإمام الحسن عليه السلام يعيش في كَوْنٍ له ربٌّ، يديره بتكوينه وأمره ونهيه، وله أهدافٌ في إنسانه، أرسل من أجلها رسولاً صلى الله عليه وآله وأنزل عليه هدى وشريعة، وجعل بعده أئمة ربانيين عليهم السلام! فقضية الإمام الحسن عليه السلام أن يقوم بأعباء الإمامة وينفذ أوامر ربه وجده صلى الله عليه وآله، ثم ليكن ما يكون! أما معاوية فقضيته هي التي أعلنها بقوله: إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم! ثم ليكن ما يكون!
وتفكير معاوية في نظر الإمام عليه السلام خطأ قاتل لصاحبه، ولذلك كتب إلى معاوية قبل الصلح: (وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل أو قعد عن الحق، حين لا ينفع الندم)! (علل الشرائع:١/٢٢٠).
وبالفعل ذهب معاوية إلى ربه بعد أن حطب ما حطب، وسلَّمَ حصيلة عمره إلى ولدٍ أهوج هدر كل جهود أبيه وجده، وهدر نفسه وأسرته! وندم معاوية حيث لاينفع الندم! وفاز الإمام الحسن عليه السلام حيث ينفع الفوز، مع أبيه وأمه وجده والنبيين والشهداء والصالحين صلوات الله عليهم، في رضوان ربهم ونعيمه.
٣- برنامج الإمام الحسن عليه السلام في المدينة بعد الصلح
عاد الإمام الحسن عليه السلام إلى مدينة جده صلى الله عليه وآله، هو وأخوه الحسين عليهما السلام وبقية أبناء الرسول وبناته وكل بني هاشم.. إلى هذه المدينة التي اختارها الله لرسوله وأسرته وجعلها حرمهم وبيتهم عليهم السلام، فهي تعني عندهم الجد والأب والأم والبيت والذكريات الغالية الحنونة، وأمجاد الرسالة النازلة من السماء.
المدينة تعني القاعدة الثابتة لهم كما لجدهم صلى الله عليه وآله، فتراهم صلى الله عليه وآله ينطلقون منها ثم يعودون اليها. وعندما يضطرون لمغادرتها كالإمام الرضا والجواد عليهما السلام يتركون فيها أبناءهم وبناتهم، ليكونوا استمرار وجودهم فيها، فكأنهم أخذوا على أنفسهم التواجد فيها ما أمكنهم، حتى يأتي وعد الله بمهديهم عليه السلام!
واستقبله الأنصار، وحفُّوا به كما حفوا بأبيه في الجمل وصفين والنهروان!
وكلهم معه وكلهم غاضبٌ من بني أمية، وفي وجود الحسن عليه السلام ضمانٌ لهم من أن يستبيحهم معاوية، بحقده القديم عليهم من بدر وأحد، والجديد من صفين!
وفي وجوده بينهم قوة لهم أمام حاكم المدينة وجهازه الأموي، الذي ينظر إليهم شزراً، كأنه يطالبهم بدم زعمائه في بدر، وبدم عثمان بالأمس!
وبقدر ما كان الأنصار يحبون الإمام الحسن عليه السلام ويحبهم كان معاوية يكرههم ويكرهونه، وكان يعرف ذلك جيداً! (دخل المدينة فقصد المسجد وعلا المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني والله وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها! وإني لعالم بما في نفوسكم ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة)! (تاريخ دمشق:٥٩/١٥٣).
واستمر برنامج الإمام الحسن عليه السلام في المدينة نحو عشر سنوات:
زيارةٌ لقبر جده الحبيب صلى الله عليه وآله يومياً ولقبر عمه حمزة أحياناً، ومجلسٌ في المسجد النبوي اتخذه منبراً لرد أباطيل بني أمية، بتفسير القرآن ونشر أحاديث جده صلى الله عليه وآله ومناقب أبيه والعترة الطاهرة عليهم السلام. ومجلسٌ أمام بيته عصراً. ومضيفٌ للحاضر والبادي. ومتابعةٌ لأوضاع المسلمين عامة وشيعته خاصة، وكتابة رسائل إلى معاوية وولاته، اعتراضاً أو وساطة لجماعة أو لشخص.
والسفر إلى مكة للعمرة أحياناً، وللحج في كل عام في موكب مهيب خاشع، يذكَّر المسلمين بموكب رسول الله صلى الله عليه وآله ومهابته، حتى أن سعد بن وقاص عندما رآه أخذته هيبته فترجل عن فرسه ومشى إلى جانب الإمام عليه السلام مسافة! فقد كان الإمام عليه السلام يمشي والخيل تقاد بين يديه، فيركب من يريد ويواسي الإمام في التواضع لربه من يريد! ولم يسجل التاريخ سَفَراً آخر للإمام عليه السلام إلا سفراتٍ إلى الشام من أجل مجالس المناظرات والمحاضرات التي كانت بمثابة قناة فضائية حرة في عصرنا، وكان يحرص عليها معاوية، فيحولها الإمام الحسن عليه السلام إلى منبر لبيان حق العترة النبوية عليهم السلام وباطل بني أمية!
روى في تاريخ دمشق:١٣/٢٤١: (أن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن بن علي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إذا صلى الغداة جلس في مصلاة حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره فلا يبقي في مسجد رسول الله (ص) رجل له شرف إلا أتاه، فيتحدثون حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين ثم ينهض، فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله، ثم يروح فيصنع مثل ذلك. فقال: ما نحن معه في شيء).انتهى.
أقول: معنى كلام معاوية أنه مادام لم يخرج علينا فليس لنا به شغل! لكن معاوية يكذب! فهو يقول ذلك لتطمين الإمام الحسن عليه السلام والمسلمين بأنه لا يبغيه شراً كما التزم في عهد الصلح، مع أنه مشغول به ليل نهار، يتساءل هل سينقض الصلح لعدم وفاء معاوية بشروطه؟ وهل يعدُّ أنصاره ليعلن نفسه خليفة شرعياً بوصية جده صلى الله عليه وآله وبموجب الصلح، بمجرد أن يأتيه خبر موت معاوية؟!
وهل يغيب عن معاوية قول القرشي الذي سأله عنه: (فلا يبقي في مسجد رسول الله (ص) رجل له شرف إلا أتاه فيتحدثون...)؟!
وفي إعلام الورى بأعلام الهدى:١/٤١٢: (ما رواه محمد بن إسحاق قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ما بلغ الحسن بن علي عليه السلام كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما مر أحد من خلق الله إجلالاً له فإذا علم قام ودخل بيته فمرَّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة نزل عن راحلته فمشى فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى حتى رأيت سعد بن أبي وقاص قد نزل ومشى إلى جنبه)! (ومناقب آل أبي طالب:٣/١٧٤، وأعيان الشيعة:١/٥٦٣).
وفي أمالي الصدوق/٦٧١: عن(عمير بن مأمون العطاردي قال: رأيت الحسن بن علي عليه السلام يقعد في مجلسه حين يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، وسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، ستره الله عز وجل من النار). (كان إذا فرغ من الفجر لم يتكلم حين تطلع الشمس وإن زحزح). (مناقب آل أبي طالب:٣/١٨٠).
ونورد فيما يلي أنواعاً من نشاطاته عليه السلام في المدينة:
أ - جعلَ الإمام عليه السلام المسجد النبوي منبراً لرد الأفكار الأموية:
أصدر معاوية مرسوماً خلافياً وعممه على البلاد بمنع رواية أي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله حتى أحاديث تفسير القرآن، خوفاً من أحاديث مدح أهل البيت عليهم السلام!!
ورأى معاوية ابن عباس ذات يوم، يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام فقال له: (فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكفَّ لسانك! فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟! قال: لا. قال: أتنهانا عن تأويله؟! قال: نعم. قال: فنقرؤه ولا نَسأل عما عنى الله به؟! ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به. قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟!
قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك! قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان؟!). (الإحتجاج:٢/١٦).
وروى الثعلبي في تفسيره:٦/١٦٥، أن رجلاً دخل المسجد النبوي فرأى ثلاثة مجالس لابن عباس وابن عمر والإمام الحسن عليه السلام، وقد تحلق الناس حولهم وهم يحدثونهم عن النبي صلى الله عليه وآله ويجيبون على أسئلتهم. وهذا يدل على نجاح الإمام الحسن عليه السلام في نقض قرار معاوية بمنع التحديث!
ويقول الراوي إنه سأل ابن عباس وابن عمر عن قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)، فقالا:(أمّا الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة أو النحر) ثم سأل الإمام الحسن عليه السلام فقال:(أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعته يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). وقال عز وجل: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود)). ووصف الراوي صباحة وجه الحسن عليه السلام وجماله. (والطبري مختصراً:٣٠/١٣٠، والدر المنثور:٨/٤٦٤، والآلوسي:٣٠/٨٦، وكشف الغمة:٢/١٦٦، عن تفسير الأوحدي، وفيه: (وكان جواب الحسن أحسن). بل تدل سيرة الإمام الحسن عليه السلام على أنه كان يصدع في المسجد بأحاديث جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسيرته ومواجهة قريش المشركة للنبي صلى الله عليه وآله بقيادة أبي سفيان ومعاوية، ثم تحالف قبائل الطلقاء ضد عترته وضد علي عليه السلام خاصة..الخ. كما يأتي!
ب- كشَف الإمام عليه السلام ضحالة قصاصي الدولة وثقافتها:
في تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٧: (مرَّ الحسن يوماً وقاصٌّ يقصُّ على باب مسجد رسول الله فقال الحسن: ما أنت؟ فقال: أنا قاص يا ابن رسول الله. قال: كذبت، محمدٌ صلى الله عليه وآله القاص، قال الله عز وجل: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ)! قال: فأنا مذكر. قال: كذبتَ محمد صلى الله عليه وآله المذكر! قال له عز وجل: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ). قال: فما أنا؟ قال: المتكلف من الرجال). انتهى. والمتكلف مذموم في القرآن والسنة، وهو الجاهل بلباس العالم مثل هذا الموظف ليغش المسلمين بظنونه وإسرائيلياته فيقول ما لا يعلم، ويعمل ما لا يلزم، ويحاول ما لا يتقن، ويدعي ما لا يصح!
والمُطلع على قصة استبدال المحدثين بالقصاصين في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، وحضور عمر مجالس قصّ تميم وكعب! يعرف أن وجود القاص الأموي على باب المسجد النبوي في زمن الحسن عليه السلام، يعني أنه كان ممنوعاً من القصَّ داخل المسجد، وأن هذا المنع ظل سارياً من خلافة علي عليه السلام! وأن الإمام الحسن عليه السلام أراد بعمله هذا فضح القاص الأموي وطرده حتى من أمام المسجد! (وقد بحثنا تسرب الإسرائيليات والقصاصين إلى ثقافة المسلمين، في كتاب تدوين القرآن/٣٤٠،
و٤٤٤، وتعرض له كل من بحث تحريم الخلافة القرشية لتدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله كالسيد الجلالي في كتابه تدوين السنة، والسيد جعفر مرتضى في كتابه الصحيح من السيرة:١/١٢١).
ج- هل عطل الإمام الحسن عليه السلام بدعة التراويح:
اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وآله صلى نافلة ليالي شهر رمضان ذات ليلة فائتم به الحاضرون في المسجد، فأمرهم بصلاتها فرادى لا جماعة، وذهب إلى منزله حتى لا يأتموا فيها، وقالت عائشة كما في بخاري:٢/٢٥٢: (فتوفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك) أي فرادى. لكن عمر(جمع الناس على أبيِّ بن كعب (وتميم) في قيام رمضان قال: ثم خرجتُ مع عمر ليلة أخرى والناس يصلون مع قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة). (المدونة:١/٢٢٢، والموطأ:١/١١٤). قال الكحلاني في سبل السلام:٢/١٠: (وأما قوله: نعم البدعة، فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة، وأما الكمية وهي جعلها عشرين ركعة، فليس فيه حديث مرفوع إلا ما رواه عبد بن حميد والطبراني من طريق أبي شيبة... قال في سبل الرشاد: أبو شيبة ضعفه أحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وداود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، وكذبه شعبة، وقال ابن معين ليس بثقة وعد هذا الحديث من منكراته)! انتهى.
وعندما تولى أمير المؤمنين عليه السلام الخلافة عمل على إعادة الأمور إلى السنة النبوية ومَنَعَ الجماعة في النوافل، فتمَّ له ذلك في المدينة وبعض البلاد، لكن بعض أهل الكوفة أصروا عليه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم التراويح أي نافلة شهر رمضان، فرفض وشرح لهم أن النوافل لا جماعة فيها، وبعث اليهم الإمام الحسن عليه السلام لينهاهم ويهددهم بالضرب بالسوط! فلم ينفع معهم ذلك ونادوا واعمراه! فتركهم أمير المؤمنين عليه السلام على سنة عمرهم! قال الشريف المرتضى في الشافي:٤/٢١٩:(وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم نافلة شهر رمضان زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم، فبعث إليهم الحسن عليه السلام فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا واعمراه). (ونهج الحق للعلامة/٢٨٩). ولم أجد نصاً يدل على حالة التراويح في المسجد النبوي بعد الصلح فلعل الإمام الحسن عليه السلام أبقي سنة جده صلى الله عليه وآله نافدةً بدل سنة عمر!
وقد شكى أمير المؤمنين عليه السلام هذه الحالة في خطبة بليغة رواها الكافي:٨/٥٨ بسند صحيح، بيَّن فيها عليه السلام عدداً من التحريفات ارتكبها الحكام قبله، وقد تقدمت في المجلد الأول وفيها: (وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تُبتدع يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجالٌ رجالاً! ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغث فيمزجان فيجللان معاً، فهنالك يستولى الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى.... والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة! فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غُيِّرَتْ سنةُ عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري! ما لَقِيتُ من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار...).
د- مكانة الإمام الحسن عليه السلام عند محبيه وأعدائه:
من عجائب الإمام الحسن أنه استطاع كأبيه وأخيه عليهم السلام أن يقيموا علاقات طيبة مع أعدى أعدائهم بمن فيهم الذين قاتلوهم بالأمس كعائشة ومروان وابن الزبير! وقد ساعدهم على ذلك أنهم عاملوهم بالعفو ومنَّوا عليهم جميعاً! وستعرف أنه كان للإمام الحسن عليه السلام علاقة مجاملة مع معاوية وظفها لهدفه في صراعه مع خطته! وقد بين الإمام عليه السلام القاعدة التي يتبعها في تعامله مع فئات المجتمع عندما سئل ما هو العقل؟ فقال: (التجرع للغصة ومداهنة الأعداء)! (أمالي الصدوق/٧٦٩).
وفيما يلي نماذج من علاقاته عليه السلام مع المحب والمخالف تؤكد ذلك:
هـ- دعوة ابن الزبير للإمام عليه السلام إلى مائدته وإعجابه به:
في مجمع الزوائد:١٠/١٠٦: (عن عمير بن المأموم قال: أتيت المدينة أزور ابنة عم لي تحت الحسن بن علي فشهدت معه صلاة الصبح في مسجد الرسول (ص) وأصبح ابن الزبير قد أوْلَمَ، فأتى رسول ابن الزبير فقال: يا ابن رسول الله إن ابن الزبير قد أصبح قد أوْلمَ وقد أرسلني إليك، فالتفتَ إليَّ فقال: قد طلعت الشمس؟ قلت لا أحسب إلا قد طلعت. قال: الحمد لله الذي أطلعها من مطلعها ثم قال: سمعت أبي وجدي يعني النبي (ص) يقول: من صلى الغداة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس جعل الله بينه وبين النار ستراً، ثم قال: قوموا فأجيبوا ابن الزبير فلما انتهينا إلى الباب تلقاه ابن الزبير على الباب فقال: يا ابن رسول الله أبطأت عني في هذا اليوم! فقال: أما إني قد أجبتكم وأنا صائم قال: فهاهنا تحفة فقال الحسن بن علي: سمعت أبي وجدي يعني النبي (ص) يقول تحفة الصائم الذرائر، أن تُغلَّف لحيته(بالطيب) وتُجَمَّر ثيابه ويُذرَّر(بالبخور). قال قلت: يا ابن رسول الله أعد عليَّ الحديث قال: سمعت أبي وجدي يعني النبي (ص) يقول: من أدامَ الإختلاف إلى المسجد أصاب آيةً محكمةً أو رحمةً منتظرةً أو علماً مستطرفاً أو كلمةً تزيده هدى أو ترده عن ردى، أو يدع الذنوب خشيةً أو حياءً). انتهى.
وفي هذا الحديث دلالاتٌ عن جو مجتمع المدينة آنذاك، ومكانة الإمام عليه السلام المحترمة بل المقدسة حتى عند مخالفيه، وعن كسره لقرار معاوية المشدد بتغييب السنة، ومنع التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله!
وفي تهذيب الكمال:٦/٢٣٣: عن عبدالله بن عروة بن الزبير قال: (رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي في غداة من الشتاء، فأراه قال: فوالله ما قام حتى تفسخ جبينه عرقاً فغاظني ذلك فقمت إلى فقلت: يا عم، قال: ما تشاء؟ قلت: رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي فما قمت حتى تفسخ جبينك عرقاً! قال: يا ابن أخي إنه ابن فاطمة، لا والله ما قامت النساء عن مثله)! انتهى.
وابن الزبير هذا، كان مع المنهزمين في حرب الجمل، وكان جريحاً جرحاً بليغاً بسيف الأشتر فاختبأ يتداوى، فأعلن علي عليه السلام العفو العام وسمح لخالته عائشة أن تحضره الى(قصرها) وتعالجه، فكان هو ومروان وغيرهم معها!
وابن الزبير هذا، كان أشدَّ عداوةً لأهل البيت عليهم السلام من بني أمية، فعندما سيطر على مكة حبس بني هاشم وهددهم بأن يحرقهم إذا لم يبايعوه! وترك ذكر النبي والصلاة عليه صلى الله عليه وآله في خطبه وربما في صلاته! لئلا يشمخ أهل بيته صلى الله عليه وآله بأنوفهم!
قال في العقد الفريد/١١١١: (ولما توطد لابن الزبير أمره وملك الحرمين والعراقين أظهر بعض بني هاشم الطعن عليه وذلك بعد موت الحسن والحسين، فدعا عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته فأبوا عليه فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر. وأسقط ذكر النبي (ص) من خطبته فعوتب على ذلك فقال: والله ما يمنعني أني لا أذكره علانية من ذكره سراً وأصلي عليه! ولكن رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبَّت أعناقهم، وأبغض الأشياء إليَّ ما يسرهم! ثم قال: لتبايعن أو لأحرقنكم بالنار! فأبوا عليه فحبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر من بني هاشم في السجن، وكان السجن الذي حبسهم فيه يقال له سجن عارم...).وفي/١٧٢٦: (عن الزهري أنه قال: كان من أعظم ما أنكر على عبد الله بن الزبير تركه ذكر رسول الله (ص) في خطبته وقوله حين كلم في ذلك: إن له أُهَيْلَ سوء إذا ذكر استطالوا ومدوا أعناقهم لذكره)! (والصحيح من السيرة: ٢ / ١٥٣، وفيه عن العقد الفريد: ٤ / ٤١٣ ط دار الكتاب العربي، وأنساب الأشراف: ٤ / ٢٨، وغيرهما).
وفي أنساب الأشراف / ٨٥٧، أنه فقال لابن عباس: (لقد كتمت بغضك وبغض أهل أبيك مذ أربعون سنة! فقال ابن عباس: ذلك والله أبلغ إلى جاعريتك (يقصد أنه لا يشبه خؤولته وجدته صفية بنت عبد المطلب فهو كجعرور التمر) بغضي والله أضرك وأثمك إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبك، فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل سوء فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم!
فقال ابن الزبير: أخرج عني فلا تقربني. قال: أنا أزهد فيك من أن أقربك ولأخرجن عنك خروج من يذمك ويقليك. فلحق بالطائف فلم يلبث يسيرا حتى توفي فصلى عليه ابن الحنفية، فكبر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا).
وفي العقد الفريد / ١٢٩٩: (وأظهر سوء الرأي في بني هاشم وترك ذكر النبي (ص) من أجلهم! وقال: إن له أهيل سوء فإن ذكر مدوا أعناقهم لذكره! وحبس ابن الحنفية في الشعب حتى شخص من أهل الكوفة من شخص وعليهم أبو عبد الله الجدلي، فلم يقدر له على مضرة).
و - إعجاب أبي هريرة بالإمام (عليه السلام) وبكاؤه عليه!
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجاهر بأن أبا هريرة كذاب ويقول: (ألا إن أكذب الأحياء على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي). (شرح النهج:٤/٦٨، وأبو هريرة للسيد شرف الدين/١٥٩، وشيخ المضيرة أبو هريرة للشيخ محمود أبو رية/١٣٥).
وعندما أغار بسر بن أرطاة على المدينة وقتل من أهلها، وأجبرهم على البيعة لمعاوية نصب أبا هريرة والياً عليها، فلما جاء جيش علي عليه السلام بقيادة جارية بن قدامة السعدي رحمه الله هرب ابن أرطاة وأبو هريرة (فقال جارية: والله لو أخذت أبا سِنَّوْر لضربت عنقه)! (تاريخ الطبري:٤/١٠٧، والنهاية:٧/٣٥٧).
وتقدم أن معاوية أرسل أبا هريرة قبله إلى مسجد الكوفة فضرب على صلعته وشهد على علي عليه السلام بأنه أحدث في المدينة وكفر! فقام اليه شاب وسأله: (أنشدك بالله أسمعتَ رسول الله (ص) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال أبو هريرة: نعم، فقال الشاب: أنا منك برئ أشهد أنك قد عاديت من والاه وواليت من عاداه). (ابن أبي شيبة:٧/٤٩٩).
وبعد أن صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية أخذ أبو هريرة يتقرب اليه ويحدث عن النبي صلى الله عليه وآله بفضائله وكلما رآه يبكي ويقول: (ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعاً وذلك أني رأيت رسول الله....) (تاريخ دمشق:١٣/١٩٣).
وروى عنه بخاري:٧/٥٥ أن النبي صلى الله عليه وآله التزم الحسن وقال: (اللهم إني أحبه وأحب من يحبه. قال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحب إلي من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله ما قال). انتهى.
وقد انتقد مروان أبا هريرة لحبه الحسنين عليهما السلام! فقال له: (ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبك الحسن والحسين...)!
وفي الطبراني الأوسط:٦/٣٠١: (والله إني لأحبك لولا أنك تحب الحسن بن علي فقال أبو هريرة لمروان: ومالي لا أحبه وقد رأيت رسول الله يوماً...).(وتهذيب الكمال:٦/٢٣٠). وسيأتي بكاء أبي هريرة ومروان يوم شهادة الإمام الحسن عليه السلام.
ز- إعجاب مروان بن الحكم بالإمام عليه السلام وبكاؤه عليه!
روى في تهذيب الكمال:٦/٢٣٥: (عن جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بن علي بكى مروان في جنازته، فقال له حسين: أتبكيه وقد كنت تجرِّعه ما تجرعه؟! فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل)!
وفي سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٦: (حمل مروان سريره فقال الحسين: تحمل سريره؟ أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ! قال: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال).
(وترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٩١، وفي هامشه: رواه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين/٧٤، وعنه ابن أبي الحديد:١٦/٥١ ورواه قبله في/١٣ عن المدائني).
فقد اعترف مروان بأنه كان يؤذي سبط النبي وحبيبه صلى الله عليه وآله! ولا عجب فأبوه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله ويسخر به وقد لعنه وذريته صلى الله عليه وآله مراراً ونفاهم من المدينة إلى بر الطائف، ولم يقبل أبو بكر وعمر أن يرجعوهم، وأرجعهم عثمان وسلطهم على الخلافة، فتواصل أذاهم للعترة النبوية بأشد ما كان للنبي صلى الله عليه وآله ثم كان مروان حاكم المدينة من قبل معاوية فزاد أذاه للعترة الطاهرة عليهم السلام.
ورووا أنه عندما رضيت عائشة بدفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده صلى الله عليه وآله استنفر مروان الدولة ومرتزقة بني أمية ولبس عدة حربه! فلا بد أن يكون بكاؤه عليه عندما انحلت المشكلة واتجه بنو هاشم بجنازة الإمام الحسن عليه السلام إلى البقيع!
وأعجب من بكاء مروان شهادته بأنه بحلم الإمام الحسن عليه السلام عن أذاه له! فتأمل هذا السر الإلهي في شخصية الإمام الحسن عليه السلام والإنحطاط في عدوه!
ح- عائشة تروي عن الإمام الحسن عليه السلام قنوت النبي صلى الله عليه وآله!
روى الحاكم في المستدرك:٣/١٧٢: (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله في وِتْرى إذا رفعت رأسي ولم يبق الا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين...الخ).
وقال النووي في المجموع:٣/٤٩٥: (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح، قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ولا يعرف عن النبي (ص) في القنوت شيء أحسن من هذا). (ومبسوط السرخسي:١/١٦٥، والمغني:١/٧٨٥).
ط- إعجاب معاوية بشخصية الإمام عليه السلام وفرحه بقتله!
في تاريخ دمشق:١٣/٢٥٢: (قال معاوية: ما تكلم عندي أحد كان أحبُّ إليَّ إذا تكلم أن لايسكتَ من الحسن بن علي! وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه كان بين الحسن بن علي وبين عمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض، فعرض الحسن بن علي أمراً لم يرضه عمرو، فقال الحسن: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط)! (والطبقات:٨/١٧٨، وتهذيب الكمال:٦/٢٣٥، وتاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٧، ونهاية ابن كثير:٨/٤٣، والسيرة الحلبية:٣/٣٦٠، ونسب قريش للزبيري/١٤ وتاريخ الخلفاء للسيوطي/١٤٨، ونظم درر السمطين/٢٠١، والعدد القوية/٢٩).
وفي تاريخ دمشق:١٣/٢٤٠: (قال معاوية وعنده عمرو بن العاص وجماعة من الأشراف: من أكرم الناس أباً وأماً وجداً وجدةً وخالاً وخالةً وعماً وعمةً؟ فقام النعمان بن العجلان الزرقي: فأخذ بيد الحسن فقال: هذا أبوه علي وأمه فاطمة وجده رسول الله، وجدَّتُهُ خديجة وعمُّه جعفر وعمَّته أم هانئ بنت أبي طالب وخاله القاسم وخالته زينب! فقال عمرو بن العاص: أحُبُّ بني هاشم دعاك إلى ما علمت! قال ابن العجلان: يا ابن العاص ما علمت أن من التمس رضا مخلوق بسخط الخالق حرمة الله أمنيته وختم له بالشقاء في آخر عمره! بنو هاشم أنضر قريش عوداً وأقعدها سلماً، وأفضل أحلاماً). انتهى.
أقول: لابد أن يكون معاوية اتفق مع ابن العجلان، لأن أحداً لا يجرؤ على هذا الكلام في مجلسه! فغرضه أن يغيظ ابن العاص، أو يبعد معارضي يزيد من بني أمية عن ولاية عهده، ويهددهم بالحسن عليه السلام لأنه شرط له الخلافة من بعده! وذلك قبل أن يقتله بالسم ويزيحه من طريق يزيد! وشاهدنا منه أن الإمام الحسن عليه السلام فرض احترامه على ألدِّ خصومه وخصوم أبيه عليهما السلام! واستفاد من هامش علاقته مع معاوية لحماية شيعته، وإحباط خطط معاوية ضد الإسلام.
ي- جابر بن عبد الله يرى الإمام عليه السلام فيفرح ويجهر بفضله!
في تاريخ دمشق:١٣/٢١٠: (اطَّلع الحسن بن علي من باب المسجد فقال جابر بن عبد الله: من أحب (وقال في رواية أخرى: من سره) أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا! سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله). انتهى.
ولجابر رحمه الله أحاديث كثيرة في فضل أهل البيت عليهم السلام جهر بها وبلغها للمسلمين رغم الظروف الخطرة التي كانت تحيط به، منها ما رواه شاذان بن جبرئيل في الروضة في فضائل أمير المؤمنين/١٥٣أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله جالساً في المسجد إذ أقبل علي عليه السلام والحسن عن يمينه والحسين عليهما السلام عن شماله فقام النبي صلى الله عليه وآله وقبَّل علياً ولزمه إلى صدره، وقبَّل الحسن وأجلسه على فخذه الأيمن وقبل الحسين وأجلسه على فخذه الأيسر، ثم جعل يقبلهما ويرشف شفتيهما ويقول: بأبي أبوكما وبأمي أمكما ثم قال: أيها الناس: إن الله سبحانه وتعالى باهى بهما وبأبيهما وأمهما وبالأبرار من وُلدهما الملائكة جميعاً، ثم قال: اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما. اللهم من أطاعني فيهم وحفظ وصيتي فارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين، فإنهم أهلي والقوامون بديني، والمحيون لسنتي والتالون لكتاب ربي، فطاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي).
أقول: هذا نموذج للصحابة الأبرار الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، وحفظوا أمانة النبي صلى الله عليه وآله وبلغوها إلى الأمة، وتحملوا في سبيل ذلك.
ك- المسلمون يتذكرون مكانة الحسنين عليهما السلام عند النبي صلى الله عليه وآله
في ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري/١٢١: (عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لحسن عليه السلام: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من أحبه، خرَّجه مسلم وأبو حاتم وزاد: فما كان أحد أحب إليًّ من الحسن بن علي بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال. وخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه مستوعباً عن أبي هريرة قال: لا أزال أحب هذا الرجل يعني الحسن بن علي بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصنع به ما يصنع. وقال: رأيت الحسن في حجر النبي (ص) وهو يدخل أصابعه في لحية النبي والنبي يدخل لسانه في فيه ثم يقول: اللهم إني أحبه.. وذكر الحديث. وعنه قال: ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعاً وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يوماً وأنا في المسجد فأخذ بيدي واتكأ عليًّ حتى جئنا سوق قينقاع فنظر فيه ثم رجع ورجعت معه حتى جلس في المسجد، ثم قال أدعوا ابني قال فأتى الحسن بن علي يشتد حتى وقع في حجره، ثم جعل يقول بيده هكذا في لحية رسول الله (ص) وجعل رسول الله (ص) يفتح فمه في فمه ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه، ثلاث مرات يقولها. خرَّجه الحافظ السلفي).
٤- خط الإمام الحسن عليه السلام: الوفاء بالصلح والعمل ضد معاوية
اتخذ الإمام الحسن عليه السلام خطاً سياسياً واضحاً وأفهمه لمعاوية والناس، وهو:
أ- الوفاء بالصلح وعدم الخروج على الطاغية، والضغط عليه ليفي بشروطه.
ب- مواجهة موجة التحريف العقائدي والإنحراف العملي، بكل ما يستطيع من قولٍ وفعلٍ لا يبلغ الخروج على السلطة.
ج- الإصرار على أن خط علي والعترة النبوية عليهم السلام هو خط الإسلام الصحيح الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وآله، وبذل كل جهد وطاقة لبيانه وترسيخه في الأمة والدفاع عنه من تحريف معاوية وبني أمية.
وقد تقدم أن معاوية لما دخل إلى الكوفة وخطب في النخيلة بغطرسة وأوعد أهل الكوفة وهدد، وأعلن أنه لا يفي بشروطه للإمام الحسن عليه السلام ويضعها جميعاً تحت قدمه! فجاء عدد من وجهاء الكوفة إلى الإمام عليه السلام يطالبونه بإعلان نقض الصلح فلم يقبل وأصرَّ على الوفاء به! ثم جاؤوا اليه في المدينة مرات والى أخيه الحسين عليهما السلام فأعادا عليهم موقفهما وكانا يقولان: (ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حياً، فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم)!
وروى الحاكم في المستدرك:٣/١٧٠ وصححه: (قام رجل إلى الحسن بن علي فقال يا مسوِّد وجوه المؤمنين! فقال الحسن: لا تؤنبني رحمك الله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك، فنزلت: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، نهر في الجنة، ونزلت: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، تملكها بنو أمية)! انتهى.
وفي الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن عليه السلام /٧٠: (وقد فهمتُ ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة!... فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر لله والزموا بيوتكم وكفوا أيديكم، حتى يستريح من بر أو يُستراح فاجر).
وفي الإمامة والسياسة:١/١٤٢، وغيره، أن وفد الكوفة خرج من عند الإمام الحسن، وذهبوا إلى الحسين عليهما السلام فأجابهم بنفس الجواب.
لكن معاوية لم يطمئن! فكان يرسل الجواسيس ليعرفوا نية الإمام عليه السلام فقد جاءه أحدهم فقال له: (يقولون إنك تريد الخلافة؟ فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وآله ثم ابتزها(أثيرها) بأتياس أهل الحجاز)! (المستدرك:٣/١٧٠ وصححه على شرط الشيخين، وتاريخ دمشق:١٣/٢٨٠، وفيه: ثم أثيرها بأتياس الحجاز! وتهذيب الكمال:٦/٢٥٠، وتهذيب التهذيب:٢/٢٦٠ كما في رواية الحاكم، وتاريخ واسط /١١٢، وفيه: ثم أثيرها بأوباش أهل الحجاز، وأنساب الأشراف/٧٤٥ وفيه: ثم أريدها بأهل الحجاز! وقال أحدهما: بأتياس الحجاز). انتهى. وذكرت المصادر أن الذي سأله كان دسيسة من معاوية وهو جبير بن نفير بن مالك الحضرمي (وكان دسيس معاوية إلى مولانا الحسن المجتبى صلوات الله عليه دسه ليختبره هل في نفسه الإثارة وقال له: أثيرها بأتياس أهل الحجاز)؟! (مستدركات علم رجال الحديث:٢/١٢٠).
٥- الإمام الحسن عليه السلام في زيارات معاوية للمدينة ومكة
من مواد البحث التاريخي المهمة أخبار سفر معاوية إلى مكة والمدينة، ولقاءاته ببقية الصحابة والتابعين وشخصيات الأمة، وقصصه مع الإمام الحسن عليه السلام وغيره، فهي مادة لمعرفة الأوضاع الفكرية والسياسية للأمة، ونمط تفكير معاوية وخططه ضد الإسلام، ومواجهة أهل البيت عليهم السلام لها. ونكتفي منها بنماذج:
أ- موكب معاوية بـ(سيارات المارسيدس)
في شرح النهج:٢٠/١٤٩: (وروى أبو الفرج قال: كانت صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فمشى ابن الزبير إليها، فذكر لها إن خروجه كان غضباً لله عز وجل ولرسوله (ص) وللمهاجرين والأنصار من إثْرة معاوية وابنه بالفئ، وسألها مسألةَ زوجها عبد الله بن عمر أن يبايعه، فلما قدَّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير وعبادته واجتهاده وأثنت عليه وقالت: إنه ليدعو إلى طاعة الله عز وجل، وأكثرت القول في ذلك فقال لها: ويحك! أما رأيت البغلات الشُّهْب التي كان يحج معاوية عليها وتَقْدِمُ إلينا من الشام؟ قالت: بلى، قال: والله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن)!
وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة:١/١٥٧: (فقدم معاوية المدينة حاجاً، فلما أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه.....ومعه خلق كثير من أهل الشام).
ب- موكب أحد رفقاء معاوية بـ(الشاحنات)!
في سير أعلام النبلاء:٣/٩٣: (عن سلمان بن ربيعة الغنوي: أنه حج زمن معاوية في عصابة من القراء، فحدثنا أن عبد الله في أسفل مكة فعمدنا إليه، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة(راحلة الإحتياط للحمل) وكنا نحدث أنه أشد الناس تواضعاً. فقلنا: ما هذا؟! قالوا: لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه فعجبنا! فقالوا: إنه رجل غني ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام فأتيناه، فإذا هو رجل قصير أرمص بين بردين وعمامة، قد علق نعليه في شماله). انتهى. والرمَص قذى يتجمع في موق العين، وهو أشد من العمش.
وهذا يكشف عن الدنيا الواسعة لابن عمرو في الشام، وأنه لذلك كان يتحمل غضب معاوية عليه، عندما روى حديث (عمار تقتله الفئة الفئة الباغية) فقال معاوية لأبيه عمرو: (ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو).(ابن أبي شيبة:٨/٧٢٣) وقال له يوماً كما في مسند الطيالسي/٩٥: (ما أحاديث بلغتني عنك تحدث بها لقد هممت أن أنفيك من الشام! فقال أما والله لولا إناث ما أحببت أن أكون بها ساعة! فقال معاوية: ما حديث تحدث به في الطلاء، أي الخمر...الخ.).
ج- معاوية يذهب بدون دعوة إلى مائدة عبدالله بن جعفر
في تاريخ دمشق:٢٧/٢٧٦: (حج معاوية فنزل في دار مروان بالمدينة فطال عليه النهار يوماً وفرغ من القائلة فقال: يا غلام أنظر من بالباب هل ترى الحسن بن علي أو الحسين أو عبد الله بن جعفر أو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، فأدخله علي؟ فخرج الغلام فلم ير منهم أحداً وسأل عنهم فقال هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون عنده، فأتاه فأخبره فقال: والله ما أنا إلا كأحدهم، ولقد كنت أجامعهم في مثل هذا، فقام فأخذ عصا فتوكأ عليها وقال سر يا غلام فخرج بين يديه حتى دق عليهم الباب! فقال هذا أمير المؤمنين! فدخل فأوسع له عبد الله بن جعفر عن صدر فراشه فجلس فقال: غداء يا ابن جعفر، قال: ما يشتهي أمير المؤمنين فليدعُ به، قال أطعمنا مخاً، قال: يا غلام هات مخاً، قال فأتي بقصعة فيها مخ، فأقبل معاوية يأكل ثم قال عبد الله: يا غلام زدنا مخاً فزاد، ثم قال يا غلام مخاً فزاد، ثم قال يا غلام زدنا مخاً، فقال معاوية: إنما كنا نقول يا غلام زدنا سخيناً! (أكلة للفقراء يعيرون بها قريشاً) فأما قولك يا غلام زدنا مخاً فلم أسمع به قبل اليوم! يا ابن جعفر ما يسعك إلا الكثير، قال فقال عبد الله: يعين الله على ما ترى يا أمير المؤمنين، قال فأمر له يومئذ بأربعين ألف دينار!
قال: وكان عبد الله بن جعفر قد ذبح ذلك اليوم كذا وكذا من شاة وأمر بمخهن فنكت له فوافق ذلك معاوية)!
د- لم يستطع معاوية إخفاء حقده على بني هاشم والأنصار:
في تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٢: (ولما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم، وكلموه في أمورهم، فقال: أما ترضون يا بني هاشم أن نقر عليكم دماءكم وقد قتلتم عثمان، حتى تقولوا ما تقولون؟! فوالله لا أنتم أجل دماً من كذا وكذا، وأعظم في القول! فقال له ابن عباس: كل ما قلت لنا يا معاوية من شرٍّ بين دفتيك أنت والله أولى بذلك منا! أنت قتلت عثمان ثم قمت تغمص على الناس أنك تطلب بدمه! فانكسر معاوية، فقال ابن عباس: والله ما رأيتك صدقت إلا فزعت وانكسرت. قال: فضحك معاوية(وكان إذا ضحك انقلبت شفته العليا. أسد الغابة:٤/٣٨٧). وقال: والله ما أحب أنكم لم تكونوا كلمتموني! ثم كلمه الأنصار فأغلظ لهم في القول وقال لهم: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك، ولكنا نفعل ما أوصانا به رسول الله. قال: ما أوصاكم به؟ قالوا: أوصانا بالصبر. قال: فاصبروا. ثم أدلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة، ووهب فدكاً لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول الله صلى الله عليه وآله)! انتهى.
أقول: نلاحظ أن الأنصار حلفاء طبيعيون لبني هاشم، وأن قريشاً يكرهونهم لأنهم ناصروا النبيً صلى الله عليه وآله عليهم وقتلوا صناديدهم! ويكرههم بنو أمية أيضاً لأنهم لم ينصروا عثمان ولم يحاربوا وفود المصريين والبصريين والكوفيين الذين حاصروه، ثم لموقفهم القوي مع علي عليه السلام في حرب الجمل وصفين.
وقد تفاقم بغض بني أمية لهم حتى انفجر في حملة يزيد ومجزرة الحرة واستباحة المدينة وإذلال الأنصار، وأخذ البيعة منهم على أنهم عبيد ليزيد!
هـ- رَدَدْتُها عليك وأنا ابن فاطمة عليها السلام!
في مناقب آل أبي طالب:٣/١٨٣: (قدم معاوية المدينة فجلس في أول يوم يجيز من دخل عليه من خمسة آلاف إلى مائة ألف، فدخل عليه الحسن بن علي في آخر الناس فقال: أبطأت يا أبا محمد فلعلك أدت تبخلني عند قريش فانتظرت أن يفنى ما عندنا، يا غلام أعط الحسن مثل جميع ما أعطينا في يومنا هذا، يا أبا محمد وأنا ابن هند، فقال الحسن عليه السلام: لا حاجة لي فيها يا أبا عبد الرحمن ورددتها وأنا ابن فاطمة)! (وأخبار الدولة العباسية/٥٩، وفيه: فقال الحسن: إشهدوا أني قد قبلته ووهبته الحاضرين وأنا ابن فاطمة، والمستطرف:١/٢٨٩، وفيه:قد رددته عليك. وكذا في التذكرة الحمدونية/٧٠٨، وإعلام الناس للإتليدي/٢١، وشرح إحقاق الحق:٢٦/٥٣٣، عن السمير المهذب:٢/١٦٢). وصدق المتنبي حيث يقول:

ويعظم في عين الصغير صغيرُها وتصغرُ في عين العظيم العظائمُ

الإمام الحسن عليه السلام يواجه خطط معاوية ضد الإسلام
١- ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية!
قامت خطط معاوية على نشر الثقافة المادية، وتسطيح البعد الديني في الإسلام أو تسخيره لمشروع الدولة الأموية، وإشاعة عقيدة الجبرية والإرجاء لتأييد حق بني أمية المزعوم في قيادة العرب والمسلمين!
ومن أبرز معالم هذه الخطة أنها تقدم النبي صلى الله عليه وآله على أنه رجلٌ أنزل الله عليه وحيه وهو القرآن فقط، واختار معه معاوية فكتب الوحي وبلغه إلى الناس، وأن معاوية من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله لأن بني أمية وهاشم من أبناء عبد مناف!
أما حروب قريش ضد النبي صلى الله عليه وآله بقيادة أبي سفيان فهي خلافٌ عائلي، تمَّت تسويته بفتح مكة، فعاد محمد إلى احترام زعماء قريش خاصة أبي سفيان، وعاد إلى الإيمان بتركيبة قريش القبلية وحقها الخالد في قيادة العرب!
وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فيجب فصله وأولاده عن النبي صلى الله عليه وآله لأن النبي كان يكرهه حتى سماه أبا تراب! وكان سفاكاً للدماء قتَّالاً للعرب! وهو المسؤول عن قتل صناديد قريش وزعمائها في حرب بدر وأحد! فيجب على المسلمين لعنه والبراءة منه، ومن لم يفعل فهو خارج عن الإسلام يجب قتله!
كما تقضي خطط معاوية بمنع تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله ومنع مجرد التحديث بها لأنها ليست وحياً، بل يجب التعويض عنها بقصص أهل الكتاب، وإعادة القصاصين الذين طردهم علي عليه السلام إلى وظائفهم في مساجد المسلمين لنشر ثقافة بني إسرائيل! (راجع تاريخ بخاري:٣/٢٦٧، وتاريخ دمشق:١٧/٣٨٧) وقد حرفوا لذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج! فزعموا أنه أمرهم بأخذ ثقافة اليهود والنصارى! وكان بعض علماء البلاط يكذب ويرويها على أنها أحاديث نبوية!
كما تقضي خطة معاوية بتقريب اليهود وإحياء علاقات أبي سفيان القديمة بهم وجعل كعب الأحبار مستشاراً دينياً للخليفة، كما كان مستشاراً لعمر وعثمان!
كما توجب خطته الصلح مع الروم: (وكان معاوية أول من صالح الروم، وكان صلحه إياهم في أول سنة٤٢). أي بعد شهادة علي عليه السلام. (تاريخ ابن خياط١٥٤، واليعقوبي:٢/٢١٧).
كما يجب تقريب النصارى وتعيين شخصياتهم في ديوان الخلافة، وحتى ولاةً على المسلمين، فكان سرجون حاجبه وصاحب سره (تاريخ دمشق:٢٠/١٦١) وعيَّن ابن أثال والياً على حمص ثمناً لسمِّه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد! (فسقاه شربة فمات عبد الرحمن بحمص، فاستعمل معاوية ابن أثال على خراج حمص، وكان أركوناً من أركنة النصارى عظيماً). (تاريخ دمشق:١٦/١٦٣) (ولم يستعمل النصارى أحد من الخلفاء قبله). (اليعقوبي:٢/٢٢٣). إلى آخر معالم الخطة الأموية التي سمهاه النبي صلى الله عليه وآله: الفتنة الأموية، وقد عرفتَ بعض معالمها مما تقدم!
فما هي العوامل التي جعلت الأمة تتغلب على هذه الموجة القوية وتجتازها رغم أنها خضعت لها عقوداً وخنعت أمام حزبها النشيط الذي كان يفرض آراءه على المسلمين بالقتل بلا حساب، وبالترغيب بحساب!
لاشك أن مخزون الأمة الفكري والروحي والتجربي من العهد النبوي، كان العامل الأول، وكذلك نص القرآن الذي لايمكن تطويعه للمشروع الأموي مهما تفنن مفسروهم بتحريف آياته، وتشبثوا بمتشابهاته.
وكذلك نهضة الإمام الحسين عليه السلام التي كشفت للأمة حقيقة بني أمية من جهة، ونبل أهل البيت النبوي عليهم السلام وتضحيتهم لحفظ الإسلام من جهة.
ثم ما تلى ذلك من جهود أبنائه الأئمة عليه السلام وشيعتهم لإنقاذ المسلمين من الفتنة!
لكن لا يصح هنا أن نهمل عمل الإمام الحسن عليه السلام في العشر سنوات في المدينة بعد الصلح، فقد نشط عليه السلام في مواجهة الخطة الأموية ودحض مفرداتها، وساعده في ذلك شخصيته المميزة، وأن موقف الأنصار ومجتمع المدينة معه، وأن له نفوذاً وهيبةً نبوية في أرجاء العالم الإسلامي حتى في نفوس أعدائه!
٢- لم يجرؤ معاوية على شتم عليً عليه السلام في حياة الحسن عليه السلام وابن وقاص!
يظهر من مجموع الروايات أن معاوية لم يجرؤ على لعن أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة مع وجود الإمام الحسن عليه السلام فأوكل ذلك إلى المغيرة بن شعبة لما عينه حاكماً على الكوفة، فاستأجر المغيرة رواة يروون الطعن في علي عليه السلام وأهل بيته ويخترعون فضائل لمعاوية وعثمان وبني أمية!
كان معاوية يتخوف إذا لعن علياً عليه السلام في الكوفة من ردة فعل الإمام الحسن عليه السلام!
أما في المدينة فقد جرَّب معاوية عندما دخلها في سنة الصلح فنال من علي عليه السلام في خطبته، فتصدى له الإمام الحسن عليه السلام وأجابه بذلك الجواب المفحم وردَّ اللعنة عليه وعلى أسرته فقال: (إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا جعل له عدواً من المجرمين، فأنا ابن علي وأنت ابن صخر، وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتك قتيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسباً، وأخملنا ذكراً، وأعظمنا كفراً، وأشدنا نفاقاً! فصاح أهل المسجد: آمين آمين. فقطع معاوية خطبته ودخل منزله). (المستطرف:١/١٥٧ و٢٨٩، والإتحاف/١٠، ونزهة الناظر/٧٤)
ويظهر أن معاوية لم يَعُدْ إلى ذلك في المدينة، ويدل عليه ما رواه في العقد الفريد:٥/١٠٨ قال: (ولما مات الحسن بن علي حج معاوية فدخل المدينة، وأراد أن يلعن علياً على منبر رسول الله (ص) فقيل له: إن هاهنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه! فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه! فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد! فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا! فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله صلى الله عليه وآله، فلم يلتفت إلى كلامها)! وسيأتي موقف سعد.(راجع الغدير:٢/١٠٢).
٣- هيبة الإمام الحسن عليه السلام تفرض نفسها على معاوية ووزيره!
كان معاوية بن خديج السكوني حليف بني أمية وحاكم مصر من قبل عثمان، ثم صار رئيس العثمانية المعارضين لعلي عليه السلام في مصر، وشجع معاوية على غزو مصر فأرسل جيشاً بقيادة ابن العاص، فقاتل مع أتباع ابن حديج حاكمها الشرعي محمد بن أبي بكر رحمه الله وقتله أحرقه فحكم ابن العاص مصر، ثم حكمها بعده ابن خديج مع إفريقية، فهو من أركان دولة بني أمية!
وكان ابن خديج هذا فحاشاً يلعن عليا عليه السلام وجاء إلى المدينة مع معاوية، وكان الإمام الحسن عليه السلام جالساً أمام داره فقيل له ذاك ابن خديج الذي يلعن علياً! فأرسل من يُحضره فدعاه فجاء! فنهاه الإمام عن المنكر وأتم عليه الحجة، وصدع بمقام أمير المؤمنين عليه السلام عند ربه! روى ذلك أبو يعلى في مسنده:٦/١٧٤، (ابن أبي طلحة مولى بني أمية قال: حج معاوية بن أبي سفيان وحج معه حج معاوية بن خديج، وكان من أسبِّ الناس لعلي! قال: فمرَّ في المدينة وحسن بن علي ونفر من أصحابه جالس، فقيل له هذا معاوية بن خديج الساب لعلي! قال: عليَّ الرجل قال: فأتاه رسول فقال: أجبْ! قال: مَنْ؟ قال: الحسن َبن علي يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن: أنت معاوية بن خديج؟ قال: نعم، وقال فردَّ ذلك عليه(سأله عن اسمه ثانية) قال: فأنت الساب لعلي؟! قال: فكأنه استحيا! فقال له الحسن: أما والله لئن وردتَ عليه الحوض وما أراك ترده، لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل! قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وقد خاب من افترى!). انتهى.
وفي أوسط الطبراني:٣/٢٠٣: (قال: يا معاوية بن خديج! إياك وبغضنا، فإن رسول الله قال: لايبغضنا ولايحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيمة بسياط من نار)!
وفي نظم درر السمطين/١٠٨: (لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل! وفي جزء ابن مخلد/١٣٥: (فمر في مسجد الرسول، والحسن بن علي جالس فدعاه). ونحوه في كتاب السنة لابن أبي عاصم/٣٤٦.
وفي شرح النهج:١٦/١٨:(قال المدائني: وروى أبو الطفيل قال: قال الحسن لمولى له: أتعرف معاوية بن حديج؟ قال: نعم، قال: إذا رأيته فأعلمني فرآه خارجاً من دار عمرو بن حريث فقال: هو هذا فدعاه فقال له:أنت الشاتم علياً عند ابن آكلة الأكباد؟! أما والله....الخ.). (والطبراني الكبير:٣/٨١، وتاريخ دمشق:٥٩/٢٨، وترجمة الطبقات/٨٢، وغيرها).
ورواه في مجمع الزوائد:٩/١٣٠بعدة روايات وفي بعضها: (فجاءه رجل فقال لقد سب عند معاوية علياً سباً قبيحاً رجل يقال له معاوية بن خديج....قال: إذا رأيته فأتني به...قال أنت معاوية بن خديج؟ فسكت فلم يجبه، ثلاثاً، ثم قال: أنت الساب علياً عند ابن آكلة الأكباد؟!).(ورواه في تاريخ دمشق:٥٦/٩١٩، و:٢٩/٢٧، والطبراني في الكبير:٣/٩١ بعدة أحاديث، ومجمع الزوائد: ٩/١٣٠، و٢٧٢، ومختصر تاريخ دمشق:٢٤/٣٩٣، وكفاية الطالب/٨٩، والغارات:١/٢٨٥، وابن مخلد /١٣٥وسير أعلام الذهبي:٣/٣٩).
أقول: لابد أن يكون ابن خديج وغيره حكوا لمعاوية ما فعله الإمام الحسن عليه السلام! ولكنه لم يستطع الإنتصار له لا بالمنطق ولا بالقهر! وفي ظني أن الإمام الحسن عليه السلام استعمل ولايته التكوينية لجرِّ ابن خديج! فالمعادلات العادية لاتكفي لتفسير إجابة ذلك الجبار الطاغي ومثوله ذليلاً بين يدي الإمام عليه السلام! وتدل هذه القصة على حضور قوي للإمام الحسن عليه السلام في المدينة، يُحْسَبُ له حسابُه!
ويشبهها ما رواه في الكشاف/١٤٥٨من أن الإمام الحسن عليه السلام واجه الوليد بن عقبة الأموي المعروف بالفاسق وقال له: (كيف تشتم علياً وقد سماه الله مؤمناً في عشر آيات وسماك فاسقاً)؟! انتهى. يقصد الإمام عليه السلام قصة الوليد التي اتفق الرواة على أنها نزل فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). وفي أمالي الصدوق/٥٧٨: (لا ألومك أن تسب علياً عليه السلام...وقتل أباك صبراً بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم بدر..)! ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه:٢/٢٧٢: (إن كان الحسن بن علي يسب مروان في وجهه وهو على المنبر حتى توفي).(ونحوه تاريخ دمشق:٥٤/٢٩٠، وسير الذهبي:٤/٤٠٧).
٤- الإمام الحسن عليه السلام يبعث برسالة شديدة إلى ابن العاص!
(بلغ الحسن بن علي أن عمرو بن العاص ينتقص علياً على منبر مصر فكتب إليه: من الحسن بن علي إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد بلغني أنك تقوم على منبر مصر على عتو آل فرعون وزينة آل قارون وسيماء أبي جهل تنتقص علياً عليه السلام! ولعمري لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك، وما أنت إلا كمن يقدح في صفاة في بهيم أسود، فركبت مركباً صعباً وعلوت عقبة كؤوداً فكنت كالباحث عن المدية لحتفه! يا ابن جزار قريش ليس لك سهم في أبيات سؤددها ولاعائد بأفنية مجدها ولا بفالج قداحها، لا أحسبك تحظى بما تذكرغير قدرك الحقير ونسبك الدخيل ونفسك الدنية الحقيرة التي آثرت الباطل على الحق وقنعت بالشبع والدني من الحطام الفاني، لقد مقتك الله فأبشر بسخطه وأليم عذابه وجزاء ما كسبت يداك وما الله بظلام للعبيد).(الملاحم والفتن/٢٠٩).
٥- خوف معاوية من تعاظم شعبية الإمام الحسن عليه السلام
روت المصادر خطبة للإمام الحسن عليه السلام أمام معاوية يفتخر فيها بجده صلى الله عليه وآله ومعدنه، واشتركت رواياتها بأن معاوية حاول قطع كلام الإمام عليه السلام بسخرية فطلب منه أن يصف الرطب، فأجابه وتابع كلامه! ونصت رواية المجلسي على أنها كانت في المدينة، وسببها أن معاوية حسد الإمام لتعاظم شعبيته.
قال في البحار:٤٤/١٢١: (نظر إلى الحسن بن علي عليهما السلام وهو بالمدينة وقد احتفَّ به خلق من قريش يعظمونه، فتداخله حسدٌ فدعا أبا الأسود الدؤلي والضحاك بن قيس الفهري فشاورهما في أمر الحسن والذي يَهِمُّ به من الكلام.... وذكر أن أبا الأسود نهاه عن ذلك، لكن وزيره الخاص الضحاك بن قيس قال له: إمض يا أمير المؤمنين فيه رأيك ولاتنصرف عنه بلأيك (بتأخيرك) فإنك لو رميته بقوارض كلامك ومحكم جوابك، لقد ذل لك كما يذل البعير الشارف من الإبل! فقال: أفعل. وحضرت الجمعة فصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، وذكر علي بن أبي طالب فتنقصه ثم قال: أيها الناس إن شيبة من قريش ذوي سفه وطيش وتكدر من عيش، أتعبتهم المقادير اتخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد وألسنتهم مبادر فباض وفرخ في صدورهم ودرج في نحورهم، فركب بهم الزلل وزين لهم الخطل وأعمى عليهم السبل، وأرشدهم إلى البغي والعدوان والزور والبهتان فهم له شركاء وهو لهم قرين، ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً، وكفى بي لهم ولهم مؤدباً، والمستعان الله.
فوثب الحسن بن علي عليهما السلام وأخذ بعضادة المنبر فحمد الله وصلى على نبيه ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب. أنا ابن نبي الله، أنا ابن من جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، أنا ابن السراج المنير أنا ابن البشير النذير، أنا ابن خاتم النبيين وسيد المرسلين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين. فلما سمع كلامه معاوية غاظ منطقه وأراد أن يقطع عليه فقال: يا حسن عليك بصفة الرطب(ودع هذا)! فقال الحسن عليه السلام: الريح تُلقحه، والحر يُنضجه، والليل يُبرده ويُطيبه، ثم أقبل على كلامه فقال.... وذكر مواصلة الإمام عليه السلام لكلامه، وأن معاوية أنهى كلام الإمام عليه السلام (ثم نزل معاوية وأخذ بيد الحسن وقال: لامرحباً بمن ساءك).
ورواها في مناقب آل أبي طالب:٣/١٧٨، عن العقد الفريد لابن عبد البر، وعن المدائني، لكنها تشبه خطبته عليه السلام في الكوفة يوم الصلح ما عدا وصف الرطب قال: (فقال: نعم، تلفحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ويطيبه القمر) ثم قال: (وفي رواية المدائني: الريح تنفحه، والحر ينضجه، والليل يبرده ويطيبه. وفي رواية المدايني فقال عمرو: أبا محمد هل تنعت الخرأة؟ قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولاتمسح باللقمة والرمة يريد العظم والروث، ولا تبل في الماء الراكد).
ورواها الذهبي في تاريخ الإسلام:٤/٣٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق:٤٦/٥٩، وكذا الوافي بالوفيات:١٢/٦٩، لكن جعل مناسبتها أن أبا الأعور وابن العاص طلبا من معاوية أن يخطب الحسن عليه السلام عندما بايعه فخطب.. وذكروا فيها طعن الإمام عليه السلام في نسب عمرو وشهادته بأن النبي صلى الله عليه وآله لعن أبا الأعور وأبا سفيان! وقد تقدم ذلك وأشرنا إلى أن هذه الفقرة لاتناسب تلك الخطبة فهي من خطبة أخرى.
ورواها الصدوق في أماليه/٢٤٤ باختصار وذكر مناسبتها أن معاوية أراد إحراج الإمام عليه السلام فقال له: (إصعد المنبر وتكلم بكلمات تعظنا بها. فقام عليه السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ابن خير خلق الله أنا ابن رسول الله أنا ابن صاحب الفضائل أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي، أنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام أنا ابن مكة ومنى أنا ابن المشعر وعرفات. فقال له معاوية: يا أبا محمد، خذ في نعت الرطب ودع هذا. فقال: الريح تلقحه والحر ينضجه والبرد يطيبه. ثم عاد في كلامه فقال: أنا إمام خلق الله وابن محمد رسول الله، فخشي معاوية أن يتكلم بعد ذلك بما يفتتن به الناس فقال: يا أبا محمد إنزل فقد كفى ما جرى فنزل)!
٦- معاوية يحاول الحط من مكانة الإمام الحسن عليه السلام
في جواهر المطالب لابن الدمشقي:٢/٢١٥: (ودخل الحسن على معاوية وهو مضطجع فجلس عند رجليه فقال معاوية: ألا أطرفك؟ بلغني أن عائشة تقول: معاوية لا يصلح للخلافة! فقال الحسن: وأعجب من ذلك قعودي عند رجليك! فقام معاوية واعتذر إليه)! (وكشف الغمة:٢/١٩٦، ونثر الدرر للآبي/١٥٠).
٧- معاوية يتراجع في مشادة بين بني هاشم وبني أمية
في أمالي الطوسي/٢١٢: (خاصم عمرو بن عثمان بن عفان أسامة بن زيد إلى معاوية بن أبي سفيان مقدمه المدينة في حائط(بستان) من حيطان المدينة، فارتفع الكلام بينهما حتى تلاحيا فقال عمرو: تلاحيني وأنت مولاي؟ فقال أسامة: والله ما أنا بمولاك ولا يسرني أني في نسبك، مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: ألا تسمعون بما يستقبلني به هذا العبد؟! ثم التفت إليه عمرو فقال له: يا بن السوداء ما أطغاك! فقال: أنت أطغى مني وألام، تعيرني بأمي وأمي والله خير من أمك وهي أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله بشرها رسول الله في غير موطن بالجنة، وأبي خير من أبيك زيد بن حارثة صاحب رسول الله وحِبُّه ومولاه، قتل شهيداً بمؤتة على طاعة الله وطاعة رسوله، وقبض رسول الله وأنا أمير على أبيك وعلى من هو خير من أبيك على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسروات المهاجرين والأنصار، فأنَّى تفاخرني يا بن عثمان! فقال عمرو: يا قوم أما تسمعون بما يجبهني به هذا العبد؟! فقام مروان بن الحكم فجلس إلى جنب عمرو بن عثمان، فقام الحسن بن علي فجلس إلى جنب أسامة، فقام عتبة بن أبي سفيان فجلس إلى جنب عمرو، فقام عبد الله بن عباس فجلس إلى جنب أسامة، فقام سعيد بن العاص فجلس إلى جنب عمرو، فقام عبد الله بن جعفر فجلس إلى جنب أسامة.
فلما رآهم معاوية قد صاروا فريقين من بني هاشم وبني أمية، خشي أن يعظم البلاء فقال: إن عندي من هذا الحائط لعلماً! قالوا: فقل بعلمك فقد رضينا! فقال معاوية: أشهد أن رسول الله جعله لأسامة بن زيد، قم يا أسامة فاقبض حائطك هنيئاً مريئاً، فقام أسامة والهاشميين وجزَّوْا معاوية خيراً! فأقبل عمرو بن عثمان على معاوية فقال: لا جزاك الله عن الرحم خيراً، ما زدت على أن كذبت قولنا وفسخت حجتنا وشمَّتَّ بنا عدونا! فقال معاوية: ويحك يا عمرو! إني لما رأيت هؤلاء الفتية من بني هاشم قد اعتزلوا، ذكرت أعينهم تَزْوَرُّ إليَّ من تحت المغافر بصفين فكاد يختلط عليَّ عقلي! وما يؤمنني يا بن عثمان منهم وقد أحلوا بأبيك ما أحلوا، ونازعوني مهجة نفسي حتى نجوت منهم بعد نبأ عظيم وخطب جسيم! فانصرف فنحن مخلفون لك خيراً من حائطك إن شاء الله)!!
٨- الإمام الحسن عليه السلام يرد جبرية معاوية ويؤكد حرية الإنسان!
كتب اليه الحسن البصري: (من الحسن البصري إلى الحسن بن رسول الله صلى الله عليه وآله أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، ومصابيح الدجى وأعلام الهدى، والأئمة القادة الذين من اتبعهم نجا، والسفينة التي يؤول إليها المؤمنون وينجو فيها المتمسكون. قد كثر يا ابن رسول الله عندنا الكلام في القدر واختلفنا في الاستطاعة، فتعلمنا ما نرى عليه رأيك ورأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض، من علم الله علمتم وهو الشاهد عليكم وأنتم شهداء على الناس. والسلام. فأجابه الحسن بن علي عليه السلام:
من الحسن بن علي إلى الحسن البصري. أما بعد، فقد انتهى إليَّ كتابك عند حيرتك وحيرة من زعمت من أمتنا، وكيف ترجعون إلينا وأنتم بالقول دون العمل! واعلم أنه لولا ما تناهى إليَّ من حيرتك وحيرة الأمة قبلك لأمسكت عن الجواب ولكني الناصح ابن الناصح الأمين. والذي أنا عليه: أنه من لم يُؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عز وجل فقد فجر! إن الله تعالى لا يُطاع بإكراه ولا يُعصى بغلبة، ولم يهمل العباد سدى من المملكة ولكنه عز وجل المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله عز وجل لهم صاداً ولا عنها مانعاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمنَّ عليهم فيحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجباراً ولا ألزمهم بها إكراهاً، بل احتجاجه جل ذكره عليهم أن عرَّفهم وجعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه وترك ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة. والسلام). (كنز الفوائد للكراجكي/١٧٠).
٩- الإمام عليه السلام يردُّ على معاوية والطلقاء ويؤكد قرآنية البسملة
كان الطلقاء ومنهم معاوية يخافون من البسملة وتتوتر أعصابهم من الجهر بها! والسبب أن البسملة كانت سلاحاً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله عندما كانوا يجتمعون عند داره أو حوله في المسجد ليسبوه ويؤذوه، فأمره الله أن يقرأ البسملة ويرفع بها صوته في وجوههم، فكانت ترتعد فرائصهم ويولُّون فراراً! وقد وصف الله تعالى فرارهم بقوله: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً)!
وقد روت ذلك مصادرهم كالدر المنثور:٤/١٨٧: (أخرج البخاري في تاريخه عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لم كتمتم بسم الله الرحمن الرحيم فنعم الإسم والله كتموا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا دخل منزله اجتمعت عليه قريش فيجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع صوته بها فتولي قريش فراراً! فأنزل الله:(وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً).(سورة الإسراء:٤٦). (ونحوه كنز العمال:٢/٤٥٤ عن ابن النجار وابن جرير، عن أبي الدرداء).
وروته مصادرنا كما في تفسير القمي:٢/٢٠: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا تهجد بالقرآن تسمع له قريش لحسن صوته، وكان إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فروا عنه). وفي تفسير العياشي:٢/٢٩٥: (عن زيد بن علي قال: دخلت على أبى جعفر عليه السلام فذكر بسم الله الرحمن الرحيم فقال: تدري ما نزل في بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقلت: لا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان يصلي بفناء الكعبة فيرفع صوته، وكان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وجماعة منهم يستمعون قرائته، قال: وكان يكثر قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فيرفع بها صوته فيقولون إن محمداً ليردد اسم ربه ترداداً إنه ليحبه، فيأمرون من يقوم فيستمع عليه ويقولون: إذا جاز بسم الله الرحمن الرحيم فأعلمنا حتى نقوم فنستمع قرائته! فأنزل الله في ذلك: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ - بسم الله الرحمن الرحيم- وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً).
وفي تفسير فرات/٢٤١: (عن عمرو بن شمر قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام: إني أؤم قومي فأجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: نعم فاجهر بها، قد جهر بها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فإذا قام من الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته، فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا، فإذا فرغ من ذلك جاؤوا فاستمعوا! قال: وكان أبو جهل يقول: إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه إنه ليحبه. فقال جعفر عليه السلام: صدق وإن كان كذوباً. قال: فأنزل الله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً). وهو: بسم الله الرحمن الرحيم). (والكافي:٨/٢٦٦، والوسائل:٤/٧٥٨).
وهذا يدل على أن جهر النبي صلى الله عليه وآله بالبسملة كان يشبه ضربهم بعصا كهربائية فيهربون! ثم يجذبهم القرآن وصوت النبي صلى الله عليه وآله فيعودون إلى الإستماع!
وقد استمر خوفهم من البسملة حتى بعد إعلانهم الإسلام! وانتقل هذا الخوف منهم إلى القرشيين المهاجرين من غير أهل البيت عليهم السلام عندما كثروا في المدينة، فتركوا البسملة! ثم دفعهم ذلك إلى إنكار أنها آية من القرآن!
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار:١/٢٠٤: (فلما ثبت عن رسول الله (ص) وعمن ذكرنا بعده ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثبت أنها ليست من القرآن!! ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها ألا ترى أن بسم الله الرحمن الرحيم التي في النمل يجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن لأنها من القرآن، فلما ثبت أن التي قبل فاتحة الكتاب يخافت بها ويجهر بالقرآن ثبت أنها ليست من القرآن، وثبت أن يخافت بها ويسر كما يسر التعوذ والافتتاح وما أشبهها! وقد رأيناها أيضاً مكتوبة في فواتح السور في المصحف في فاتحة الكتاب وفي غيرها وكانت في غير فاتحة الكتاب ليست بآية، ثبت أيضاً أنها في فاتحة الكتاب ليست بآية، وهذا الذي ثبت من نفي بسم الله الرحمن الرحيم أن تكون من فاتحة الكتاب ومن نفي الجهر بها في الصلاة قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى). (وعمدة القاري للعيني:٥/٢٩١).
وفي المقابل أصر أهل البيت عليهم السلام على أنها من القرآن وعلى الجهر بها، حتى صارت من شعائر مذهبهم.
وقد روى الشافعي في كتابه الأم:١/١٣٠، ما حدث لمعاوية فقال: (قدم المدينة فصلى بهم فلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أن يا معاوية سرقت صلاتك، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟! فصلى بهم صلاة أخرى فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه). ورواه الدارقطني:١/٣٠٩، ولطَّفَ قولهم لمعاوية ثم قال: (وروي الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عن النبي (ص) جماعة من أصحابه ومن أزواجه غير من سمينا كتبنا أحاديثهم بذلك في كتاب الجهر بها مفرداً، واقتصرنا هاهنا على ما قدمنا ذكره طلباً للاختصار والتخفيف، وكذلك ذكرنا في ذلك الموضع أحاديث من جهر بها من أصحاب النبي (ص) والتابعين لهم والخالفين بعدهم رحمهم الله). انتهى.
وقد رد عليه الإمام الإمام الحسن فروى عن أبيه عليهما السلام عن النبي صلى الله عليه وآله كما في أمالي الصدوق/٢٤٠: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل قال لي: يا محمد: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)، فأفرد الامتنان عليَّ بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم. وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، وإن الله عز وجل خص محمداً وشرفه بها ولم يشرك معه فيها أحداً من أنبيائه ماخلا سليمان عليه السلام).(وعيون أخبار الرضا:٢/٢٧٠).
أقول: رأيتَ قول الشافعي عن صلاة معاوية وجهره بالبسملة وتكراره للتكبير: (فصلى بهم صلاة أخرى فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه) ومعناه أن معاوية حاضر لأن يغير في صلاته بما يرضي الناس لأن الصلاة عنده عمل سياسي لا عبادة!
وكذلك هي الصلاة عند بني أمية! وهذه الرواية في الكافي:٤/٥١٨، توضح ذلك: (عن أبي جعفر(الباقر عليه السلام) قال: حج النبي صلى الله عليه وآله فأقام بمنى ثلاثاً يصلي ركعتين ثم صنع ذلك أبو بكر وصنع ذلك عمر ثم صنع ذلك عثمان ست سنين، ثم أكملها عثمان أربعاً فصلى الظهر أربعاً، ثم تمارض ليشد بذلك بدعته فقال للمؤذن: إذهب إلى علي فقل له فليصل بالناس العصر، فأتى المؤذن علياً عليه السلام فقال له: إن أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلي بالناس العصر فقال: إذن لا أصلي إلا ركعتين كما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله! فذهب المؤذن فأخبر عثمان بما قال علي فقال: إذهب إليه فقل له: إنك لستَ من هذا في شيء إذهب فصل كما تؤمر، قال علي: لا والله لا أفعل! فخرج عثمان فصلى بهم أربعاً.
فلما كان في خلافة معاوية واجتمع الناس عليه وقتل أمير المؤمنين عليه السلام حج معاوية فصلى بالناس بمنى ركعتين الظهر ثم سلم، فنظرت بنو أمية بعضهم إلى بعض وثقيف ومن كان من شيعة عثمان، ثم قالوا: قد قضى على صاحبكم وخالف وأشمت به عدوه! فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أتدري ما صنعت ما زدت على أن قضيت على صاحبنا وأشمتَّ به عدوه ورغبت عن صنيعه وسنته!
فقال: ويلكم أما تعلمون أن رسول الله صلى في هذا المكان ركعتين وأبو بكر وعمر، وصلى صاحبكم ست سنين كذلك، فتأمروني أن أدع سنة رسول الله وما صنع أبو بكر وعمر وعثمان قبل أن يُحدث؟! فقالوا: لا والله ما نرضى عنك إلا بذلك، قال: فأقيلوا فإني مشفعكم وراجع إلى سنة صاحبكم! فصلى العصر أربعاً فلم يزل الخلفاء والأمراء على ذلك إلى اليوم)! انتهى.
فقد أصر الأمويون على صلاة عثمان وإن كانت بدعة لأن الصلاة عندهم أمرٌ سياسي! وصلى معاوية من أجلهم أربع ركعات، لأن الصلاة عنده أمر سياسي!
كما صلى في المدينة بالبسملة والتكبيرات كما أراد الأنصار!
الإمام الحسن عليه السلام يجاهر بمذهب أهل البيت عليهم السلام ويفضح الانحراف!
١- يروي مناقب علي عليه السلام لمواجهة اللعن الأموي
يحاول خصوم الشيعة أن يصوروا للمسلمين أن مذهب التشيع لأهل البيت عليهم السلام نشأ متأخراً، لكنهم يقفون حيارى أما النصوص الصريحة من النبي صلى الله عليه وآله وصحابته الأبرار التي نصت على الوصية والعصمة وبقية أصول المذهب، ومنها نصوص عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن ولديه السبطين الحسنين عليهما السلام، وهذه نماذج منها صدع بها الإمام الحسن عليه السلام: روى عنه الصدوق في الخصال/٣١: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقت أنا وعلى من نور واحد). وعنه في الأمالي/٦٥٢: (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، والأئمة بعدهما سادات المتقين، ولينا ولي الله وعدونا عدو الله، وطاعتنا طاعة الله ومعصيتنا معصية الله عز وجل).
٢- ويجهر بفضائل أهل البيت عليهم السلام وفريضة ولايتهم
فقد روت عنه مصادر السنة والشيعة أحاديث في فريضة حب أهل البيت عليهم السلام، منها أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إلزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا معرفة حقنا).(أخرجه الطبراني في الأوسط:٢/٢٦٠، ومجمع الزوائد:٩/١٧٢، ومن مصادرنا المحاسن:١/٦١ والظاهر أن الإمام الحسين عليه السلام أيضاً صدع به كما في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة/١٧١، والمناقب لمحمد بن سليمان:٢/١٠٠، وشرح الأخبار:١/٤٤٥، و:٣/٤٨٧ وأمالي الطوسي/١٨٧، وجامع أحاديث الشيعة:١/٤٤٨، وبشارة المصطفى للطبري/١٦٢، وينابيع المودة:٢/٣٥٧. ورواه المفيد في أماليه عن الإمام الحسين عليه السلام /١٣و٤٤ ورواه /١٤٠ عن ابن عباس)
٣- ويجهر بحديث جده صلى الله عليه وآله أن مبغض العترة يهودي أو...!
من أشد ما جهر به الإمام الحسن عليه السلام وبلغه إلى المسلمين، قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (لا يبغضك من الأنصار إلا من كان أصله يهودياً)!! (عيون أخبار الرضا عليه السلام:١/٦٥. وفي علل الشرائع:٢/٤٦٨، عن عبادة بن الصامت: إذا رأيت رجلاً من الأنصار يبغض علي بن أبي طالب فاعلم أن أصله يهودي! وفي كتاب الأربعين فى حب علي للجزري:٣/١٤٠، عن شريك وكلاهما موقوفان. وفي علل الشرائع:١/١٤٣: قال النبي صلى الله عليه وآله:يا علي لايبغضك من قريش إلا سِفَاحِيٌّ ولا من الأنصار إلا يهودي، ولا من العرب إلا دعي، ولا من سائر الناس إلا شقي..الخ. ونحوه في مناقب آل أبي طالب:٢/١٠٢عن خصائص النطنزي، والخوارزمي في المناقب/٣٢٣، عن ابن عباس، ونحوه في هامشه للجويني في فرائد السمطين:١/١٣٤.
وفي شرح الأخبار:٣/٤٤٧ عن ابن عباس: ما أبغض علياً إلا من هو لغير رشدة! أي ابن زنا! وفي مناقب آل أبي طالب:٣/١٠ عن الهروي في الغريبين عن عبادة بن الصامت: كنا نُبَوِّرُ (نختبر) أولادنا بحب علي بن أبي طالب فإذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة).
وغرضنا أن الإمام الحسن عليه السلام واجه بهذا الحديث خطة معاوية ضد علي وأبنائه عليهم السلام! وأحاديث الباب كثيرة كحديث أن من يبغض علياً فهو ردئ الولادة، ومن أشهرها وأوسعها حديث جابر بن عبدالله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: بَوِّروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب! أي اختبروا طيب ولادتهم، وقول جابر: كنا نبور أولادنا بحب علي! كما في غريب الحديث لابن الجوزي:١/٩٠، والنهاية لابن الأثير:١/١٦١، ولسان العرب:٤/٨٧، وتاج العروس:٣/٦١، وفي طبعة ١٠/٢٥٧، وتهذيب اللغة للأزهري:١٥/١٩١. ومن مصادرنا: مجمع البيان:٩/١٧٧، ونهج الإيمان/٤٥٦، وأورد الأميني في الغدير:٤/٣٢٢، بمعناه اثني عشر أثراً وحديثاً، وذكر السيد الميلاني في محاضرات في العقائد:٢/٨١٤، تحريفهم له إلى:(كنا بنور إيماننا نحب علي بن أبي طالب)! انتهى.
ورواية الإمام الحسن عليه السلام لهذه الأحاديث يعني تحديه لمعاوية، فقد كان حكم راويها القتل، خاصة أنها تتهم معاوية ومن يبغض العترة عليهم السلام في أنسابهم!
٤- ويجاهر برأيه في سقيفة قريش!
يدل الحديث الآتي على أن الإمام عليه السلام كان يتحدث عن السقيفة بصراحة، ويدل تحريفهم لروايته على خطورتها عندهم! ففي مصنف عبد الرزاق:١١/٣٢٢: عن الإمام الحسن عليه السلام قال: (قال حذيفة: هلك أصحاب العقد(ة) ورب الكعبة، والله ما عليهم آسى ولكن على من يهلكون من أصحاب محمد! وسيعلم الغالبون العقد حظ من ينقصون). وفي هامشه:(يعني أصحاب الولايات على الأمصار، لأن الولاة تعقد لهم الألوية). والصحيح:(أصحاب العقدة) كما في رواية عبد الرزاق:٨/٦٢٠: عن أبيُّ بن كعب: (هلك أهل هذه العقدة ورب الكعبة هلكوا وأهلكوا كثيراً أما والله ما عليهم آسى ولكن على من يهلكون من أمة محمد صلى الله عليه وآله!).(ونحوه الحاكم:٤/٥٢٧).
وفي الفصول المختارة/٩٠: (والدليل على ذلك ما روته العامة عن أبي بن كعب أنه كان يقول في مسجد رسول الله (ص) بعد أن أفضى الأمر إلى أبي بكر بصوت يسمعه أهل المسجد: ألا هلك أهل العقدة! والله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس! فقيل له: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله من هؤلاء أهل العقدة وما عقدتهم؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله لم يورثوا أحداً من أهل بيته ولا يولوهم مقامه! أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومن فيهم مقاماً أبيِّن به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة)!! انتهى.
وقد قتلوا الصحابي أبيَّ بن كعب رحمه الله بالسم يوم الأربعاء قبل أن يقف في المسجد النبوي ويكشف التعاقد السري بين زعماء قريش ضد أهل البيت عليهم السلام!
وفي الخصال للصدوق/١٧٠أن الإمام الحسن عليه السلام روى أن عمر اعترف عند موته ببعض ما أراد أن يكشفه أبي بن كعب. وللحديث عنه مجال آخر!
٥- ويصارح معاوية بالأئمة الإثني عشر والطغاة الإثني عشر!
في الإحتجاج:٢/٣ عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: (قال لي معاوية: ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك ولا أبوهما بخير من أبيك، ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس بدونها. قال: فغضبت من مقالته وأخذني ما لا أملك فقلت: أنت لقليل المعرفة بهما، وبأبيهما وأمهما! بلى والله إنهما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته. فقال معاوية- وليس في المجلس غير الحسن والحسين وابن جعفر وابن عباس وأخيه الفضل: هات ما سمعت! فوالله ما أنت بكذاب. فقال إنه أعظم مما في نفسك. قال: وإن كان أعظم من أُحُدٍ وحِراء فأته ما لم يكن أحد من أهل الشام! أما إذا قتل الله طاغيتكم وفرق جمعكم، وصار الأمر في أهله ومعدنه فما نبالي ما قلتم ولا يضرنا ما ادعيتم! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت أولى به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه. وعلي بين يديه في البيت والحسن والحسين وعمرو بن أم سلمة وأسامة بن يزيد، وفي البيت فاطمة عليها السلام وأم أيمن وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثاً! ثم نص بالإمامة على الأئمة تمام الإثني عشر عليهم السلام ثم قال صلى الله عليه وآله:لأمتي اثنا عشر إمام ضلالة كلهم ضال مضل! عشرة من بني أمية ورجلان من قريش، وِزْرُ جميع الإثني عشر وما أضلوا في أعناقهما، ثم سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسمى العشرة منهما! قال: فسمهم لنا. قال: فلان وفلان وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص أولهم مروان!
قال معاوية: لئن كان ما قلت حقاً هلكتُ وهلكت الثلاثة قبلي وجميع من تولاهم من هذه الأمة! وهلك أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار والتابعين من غيركم وأهل البيت وشيعتكم! قال ابن جعفر: فإن الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله. قال معاوية للحسن والحسين وابن عباس: ما يقول ابن جعفر؟ قال ابن عباس: ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي عليه السلام: أرسلْ إلى الذي سمى، فأرسل إلى عمرو بن أم سلمة، وأسامة، فشهدوا جميعاً أن الذي قال ابن جعفر حق، قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه. ثم أقبل معاوية إلى الحسن، والحسين، وابن عباس، والفضل، وابن أم سلمة وأسامة. قال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟ قالوا: نعم. قال معاوية: فإنكم يا بني عبد المطلب لتدَّعون أمراً وتحتجون بحجة قوية إن كانت حقاً، وإنكم لتبصرون على أمر وتسترونه والناس في غفلة وعمى! ولئن كان ما تقولون حقاً لقد هلكت الأمة ورجعت عن دينها وكفرت بربها وجحدت نبيها، إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم وأولئك قليل في الناس! فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). وقال: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ). وما تعجب منا يا معاوية فاعجب من بني إسرائيل، إن السحرة قالوا لفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) فآمنوا بموسى وصدقوه ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم العجائب وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد فقالوا: (يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)! وعكفوا على العجل جميعاً غير هارون فقالوا: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى)، وقال لهم موسى بعد ذلك: (أدْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ)، فكان من جوابهم ما قص الله عز وجل عليهم: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، فما اتباع هذه الأمة رجالاً سوَّدوهم وأطاعوهم، ما لهم سوابق مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومنازل قريبة منها، مقرين بدين محمد صلى الله عليه وآله وبالقرآن، حملهم الكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم صاغوا من حليهم عجلاً ثم عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له ويزعمون أنه رب العالمين، واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده، وقد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا الله. وتعجب يا معاوية أن سمى الله من الأئمة واحداً بعد واحد، وقد نصَّ عليهم رسول الله بغدير خم وفي غير موطن، واحتج بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم، وأخبر أن أولهم علي بن أبي طالب ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده وأنه خليفته فيهم ووصيه! وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشاً يوم مؤتة فقال: عليكم بجعفر فإن هلك فزيد فإن هلك فعبد الله بن رواحة فقتلوا جميعاً، أفترى يترك الأمة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره! وما ركب القوم ما ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله في عمى ولا شبهة. فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على رسول الله وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة، فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم!
قال معاوية: ما تقول يا حسن؟ قال: يا معاوية قد سمعتُ ما قلت، وما قال ابن عباس، فالعجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه! فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟! ويل لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس وسنوا لك هذه السنة! لأقولن كلاماً ما أنت أهله ولكني أقول ليسمعه بنو أبي هؤلاء حولي: إن الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة، على: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عبده، والصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء كثيرة من طاعة الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا والسرقة والكذب والقطيعة والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها وصاروا فرقاً يلعن بعضهم بعضاً وهي: الولاية، يتبرأ بعضهم عن بعض ويقتل بعضهم بعضاً أيهم أحق وأولى بها، إلا فرقة تتبع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف وردَّ علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجا به من النار ودخل الجنة. ومن وفقه الله ومنَّ عليه واحتج عليه بأن نور قلبه بمعرفة ولاة الأمر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو، فهو عند الله سعيد ولله ولي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله امرء علم حقاً فقال، أو سكت فسلم.
نحن أهلَ البيت نقول: إن الأئمة منا وإن الخلافة لا تصلح إلا فينا، وإن الله جعلنا أهلها في كتابه وسنة نبيه، وإن العلم فينا ونحن أهله وهو عندنا مجموع كله بحذافيره، وإنه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وبخط علي عليه السلام بيده. وزعم قوم: أنهم أولى بذلك منا حتى أنت يا ابن هند تدعي ذلك، وتزعم أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إليَّ بما كتبت من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك. قال: ولمَ؟ قال: لأن الله تعالى قال: (والراسخون في العلم)، إياي عنى ولم يعنك ولا أصحابك، فغضب عمر ثم قال: يا ابن أبي طالب تحسب أن أحداً ليس عنده علم غيرك! من كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتني به، وكان إذا جاء رجل فقرأ شيئاً معه يوافقه فيه آخر كتبه وإلا لم يكتبه. ثم قالوا: قد ضاغ منه قرآن كثير بل كذبوا والله، بل هو مجموع محفوظ عند أهله! ثم أمر عمر قضاته وولاته: إجتهدوا آرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق! فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتج عليهم بها، فتجمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم، لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من مخالفينا من أهل هذه القبلة: أنهم معدن الخلافة والعلم دوننا! فنستعين بالله على من ظلمنا وجحدنا حقنا وركب رقابنا، وسنَّ للناس علينا ما يحتج به مثلك! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا فذلك ناج محب لله ولي. وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا، ويدين الله بالبراءة منا فهذا كافر مشرك، وإنما كفر وأشرك من حيث لايعلم كما يسبون الله عدواً بغير علم كذلك يشرك بالله بغير علم. ورجل آخذ بما لا يختلف فيه وردِّ علم ما أشكل عليه إلى الله، مع ولايتنا ولا يأتمُّ بنا ولا يعادينا ولا يعرف حقنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف. فلما سمع معاوية ذلك، أمر لكل منهم بمائة ألف درهم، غير الحسن والحسين وابن جعفر، فإنه أمر لكل واحد منهم بألف ألف درهم)!(كتاب سليم بن قيس/٣٦١).
وهذا من دهاء معاوية وقوة التأثير الروحي للسبطين الإمامين عليهما السلام
٦- ويبشر بالإمام المهدي ودولة أهل البيت عليهم السلام
في شرح الأخبار:٣/٩٦: أنه عليه السلام (مرَّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بحلقة فيها قوم من بني أمية فتغامزوا به، وذلك عندما تغلَّب معاوية على ظاهر أمره، فرآهم وتغامزَهم به فصلى ركعتين ثم جاءهم، فلما رأوه جعل كل واحد منهم يتنحى عنه مجلسه له، فقال لهم: كونوا كما أنتم فإني لم أرد الجلوس معكم ولكن قد رأيت تغامزكم بي! أما والله لاتملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين ولا سنة إلا ملكنا سنتين! وإنا لنأكل في سلطانكم ونشرب ونلبس ونركب وننكح وأنتم لاتأكلون في سلطاننا ولاتشربون ولا تلبسون ولاتركبون! فقال له رجل: وكيف يكون ذلك يا أبا محمد وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم تأمنون في سلطان القوم ولا يأمنون في سلطانكم؟! فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان وكيد الشيطان كان ضعيفاً، وإنا عاديناهم بكيد الله وكيد الله شديد)! (ونحوه في المناقب:٣/١٧٥).
وروى المفيد في الأمالي/١٥كلاماً لابن عباس فيه من كلام الإمام الحسن عليه السلام قال: (حضر عبد الله بن عباس مجلس معاوية بن أبي سفيان، فأقبل عليه معاوية فقال: يا ابن عباس إنكم تريدون أن تحرزوا الإمامة كما اختصصتم بالنبوة؟! والله لا يجتمعان أبداً، إن حجتكم في الخلافة مشتبهة على الناس، إنكم تقولون: نحن أهل بيت النبي فما بال خلافة النبوة في غيرنا؟... فقال ابن عباس: أما قولك يا معاوية إنا نحتج بالنبوة في استحقاق الخلافة فهو والله كذلك، فإن لم يستحق الخلافة بالنبوة فبم تستحق؟! وأما قولك إن الخلافة والنبوة لاتجتمعان لأحد، فأين قول الله عز وجل: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً). فالكتاب هو النبوة، والحكمة هي السنة، والملك هو الخلافة، ونحن آل إبراهيم والحكم بذلك جار فينا إلى يوم القيامة. وأما دعواك على حجتنا أنها مشتبهة فليس كذلك وحجتنا أضوأ من الشمس وأنور من القمر، كتاب الله معنا وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فينا وإنك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفك وصعرك! قتلنا أخاك وجدك وخالك وعمك فلا تبك على أعظمٍ حائلة، وأرواحٍ في النار هالكة ولا تغضبوا لدماء أراقها الشرك وأحلها الكفر ووضعها الدين! وأما ترك تقديم الناس لنا فيما خلا، وعدولهم عن الإجتماع علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم وكل أمر إذا حصل حاصله ثبت حقه وزال باطله. وأما افتخارك بالملك الزائل الذي توصلت إليه بالمحال الباطل، فقد ملك فرعون من قبلك فأهلكه الله! وما تملكون يوما يا بني أمية إلا ونملك بعدكم يومين ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا حولاً إلا ملكنا حولين). (ورواه في أخبار الدولة العباسية/٥١، وفيه قول معاوية:(وقد زعمتم أن لكم ملكاً هاشمياً مهدياً قائماً والمهدي عيسى بن مريم، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه)! وروى السيوطي شبيهاً به في الدر المنثور:٢/١٧٣، ومختصراً في تاريخ الخلفاء/١١).
وقد بشر الإمام الحسن بالإمام المهدي ودولة أهل البيت في زمن أبيه عليهم السلام، ففي أمالي الطوسي/٨٢ عن ابن سيرين قال: (سمعت غير واحد من مشيخة أهل البصرة يقولون: لما فرغ علي بن أبي طالب من الجمل عرض له مرض وحضرت الجمعة فتأخر عنها، وقال لابنه الحسن: إنطلق يا بنيَّ فجمَّع بالناس، فأقبل الحسن إلى المسجد، فلما استقلَّ على المنبر حمد الله وأثنى عليه وتشهد وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أيها الناس: إن الله اختارنا بالنبوة واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئاً إلا تنقَّصَهُ الله في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)، ثم جمَّع بالناس. وبلغ أباه كلامه فلما انصرف إلى أبيه نظر إليه وما ملك عبرته أن سألت على خديه، ثم استدناه إليه فقبل بين عينيه وقال: بأبي أنت وأمي، (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)). (والمحتضر للحسن بن سليمان/١٥٠).
وكذلك في الكوفة: (لما صالح الحسن بن علي عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال عليه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملتُ! والله الذي عملتُ خيرٌ لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله صلى الله عليه وآله عليَّ؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويُغَيِّبُ شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير). (كمال الدين للصدوق/٣١٦).
مناظرات الإمام الحسن عليه السلام في المدينة ودمشق
١- المناظرات مادة مهمة لدراسة التاريخ والسيرة
لا تعجب عندما تجد عدداً من كلمات الإمام الحسن عليه السلام في مصادر السنة أكثر منها في مصادرنا، وأنه يناظر فيها أو يفتخر على معاوية ومروان وابن العاص وأبي الأعور السلمي وابن الزبير، وغيرهم من أركان أمبراطورية بني أمية وألد أعداء أهل البيت النبوي عليهم السلام! فقد كان معاوية يحب هذا النوع من المناظرات والمفاخرات، ويحرص على عقدها في مجلسه أو في المسجد! ومع أنه كان يقول إنها لا تخلو من أضرار لكنه كان مغرماً بها شبيهاً بهواية صراع الديكة، حريصاً على أن تكون بحضوره وأن يكون طرفاً فيها أحياناً!
وكان المسلمون سواءً الطبقة الحاكمة وكبار شخصيات المجتمع أو عامة الناس يتناقلونها بشوق وبدون حرج من السلطة. ولهذا انتشرت أخبارها ووصلت الينا!
إنها إرادة الله تعالى أن يتبنى معاوية عملاً يخلِّد فضائحه وفضائح بني أمية ويحبط كثيراً من خططه وجهوده في نشر شتم لعلي عليه السلام وفرض لعنه على منابر المسلمين، ونشر مناقب بني أمية المزعومة!
إن هذه المناظرات والمفاخرات مادة مهمة للدراسة، فكثيرٌ من الحقائق التي عرفتها الأمة عن بني أمية وتحولت إلى مخزون للثورة عليهم، كانت من ثمارها!
وأعتقد أن أهم دافع للإمام الحسن عليه السلام في سفره إلى الشام كان اغتنام فرصة هذه المجالس التي كان معاوية يحرص عليها في الشام أكثر من المدينة!
وقد أورد البيهقي في المحاسن والمساوئ/٥٨، عدداً منها تحت عنوان: (محاسن كلام الحسن بن علي رضي الله عنه) وبدأها بمناظرة بين الإمام الحسن عليه السلام في قصر معاوية! قال: (أتى الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية: أكثرتم الفخر، فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصرا من أعنتكما ما طال!.. وأورد مناظرة ومفاخرة طويلة رتبها معاوية، وفضحهم فيها الإمام الحسن عليه السلام! فقبَّله ابن عباس بين عينيه وقال له: (أفديك يا ابن عم! والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا! فقال له الإمام عليه السلام: (يا ابن العم إنما هي بغاثُ الطير، انقضَّ عليها أجدل).
ثم روى البيهقي تحريك معاوية لابن الزبير لمناظرة الإمام عليه السلام في اليوم التالي، جاء في ختامها قول الإمام عليه السلام: (ثم بايعوا أمير المؤمنين فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله صلى الله عليه وآله فقتل أبوك وطلحة، وأتيَ بك أسيراً فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لايقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقةُ أبي وأنا سيدُك وسيدُ أبيك! فذق وبالَ أمرك!
فقال ابن الزبير: أعذر يا أبا محمد، فإنما حملني على محاورتك هذا، وأحب الإغراء بيننا! فهلا إذ جهلتُ أمسكتَ عني، فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية أنظر هل أكيعُ عن محاورة أحد! ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي، إنتهِ قبل أن أسِمَك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان!! فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل! فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد! فلا أراك تفتخر على أحد بعدها:

سبق الجواد من المدى والمِقْيَسِ * * * فيمَ الكلام وقد سبقت مبرز

(أي ظهر السبق من المقيس وهو خط البداية في السباق) فقال معاوية: إياي تعني، أما والله لأنبئنك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك! أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً، أنا ابن من ساد قريشاً ناشئاً وكهلاً.
فقال الحسن: أجل إياك أعني أفعليَّ تفتخر يا معاوية! أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى، وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن فهل لك أب كأبي وقديم كقديمي؟! فإن قلت لا، تُغلب! وإن قلت نعم تُكَذَّب! فقال معاوية: أقول لا، تصديقاً لقولك.
فقال الحسن: الحق أبلج ما تخونُ سبيلُهُ والصدق يعرفه ذووا الألباب
ثم أورد البيهقي ما تقدم من مدح معاوية للإمام الحسن عليه السلام وتحريك ابن العجلان ليمدحه، في مقابل بعض بني أمية الطامعين في الخلافة!
ثم أورد مناظرة الإمام عليه السلام مع ابن العاص فقال: (واستأذن الحسن بن علي على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفَهُّ العَيِيّْ...) ومعناه أن معاوية حركه ضد الإمام عليه السلام ليناظره ويفضح عمرواً وهكذا كان! ثم ذكر البيهقي أن (عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: إبعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يُحصر، فيكون ذلك مما نعيره به فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس...). وذكر خطبة شبيهة بالتي قال معاوية فيها يا حسن إنعت لنا الرطب!
ثم قال البيهقي: (وقدم الحسن بن علي رضوان الله عليه على معاوية، فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره، وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده! وكان معاوية قال لهم: لا تحاوروا هذين الرجلين، فلقد قلداكم العار وفضحاكم عند أهل الشام يعني الحسن بن علي وعبد الله بن العباس فقال مروان...). وأورد مناظرة الإمام عليه السلام مع مروان، وكيف شمت ابن العاص بمروان وقال له:

قد يضرط العيرُ والمكواةُ تأخذه لا يضرط العير والمكواةُ في النار!

ذقْ وبال أمرك يا مروان! وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك! إربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله)!!
ثم روى البيهقي حواراً بين الإمام عليه السلام وعمرو بن العاص في مكة وفي مجلس معاوية! ثم أورد عدداً من مناظرات الإمام الحسين عليه السلام وابن عباس رحمه الله.
كما روى الجاحظ في المحاسن والأضداد/٨٠، أكثر ما رواه البيهقي.
وفي نزهة الناظر للحلواني/٧٥: (قال الشعبي: كان معاوية كالجمل الطِّب، قال يوماً والحسن عليه السلام عنده: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن بحرها جوداً، وأكرمها جدوداً، وأنضرها عوداً. فقال الحسن: أفعليَّ تفتخر؟ أنا ابن أعراق الثرى أنا ابن سيد أهل الدنيا، أنا ابن من رضاه رضا الرحمن وسخطه سخط الرحمن، هل لك يا معاوية من قديم تباهى به أو أب تفاخرني به، قل لا أو نعم أي ذلك شئت، فإن قلت: نعم أبيت وإن قلت: لا عرفت. قال معاوية فإني أقول: لا. تصديقاً لك. فقال الحسن عليه السلام متمثلاً:
الحق أبلج ما يضل سبيله.والحق يعرفه ذووا الألباب).
أقول: معنى قول الإمام عليه السلام: (أنا ابن أعراق الثرى): أنا ابن إبراهيم عليه السلام وذريته وكان الأئمة من أهل البيت النبوي عليهم السلام يقولونه عند الشدة أو الإضطرار إلى الفخر وهو هنا طعن في نسب معاوية وبني أمية إلى إسماعيل عليه السلام.
ومعنى قول الشعبي معاوية كالجمل الطِّب: أنه يتكلم وينظر رد الفعل، فيستمر في موضوعه أو يتراجع عنه حسب الجو! قال ابن قتيبة في غريب الحديث:٢/١٣٨ (في حديث معاوية أن الشعبي وصفه فقال: كان كالجمل الطب، يأمر بالأمر فإن سكت عنه أقدم، وإن رُدَّ عنه تأخر).(والنهاية لابن الأثير:٣/١١٠، والفائق:٢/٣٥٥، وغيرها).
٢- ندم معاوية على طلبه من الإمام عليه السلام أن يخطب!
روى في مناقب آل أبي طالب:٣/١٧٨، خطبة للإمام الحسن عليه السلام تشبه أن تكون في الشام، قال: (المنهال بن عمرو: إن معاوية سأل الحسن أن يصعد المنبر وينتسب، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فسأبين له نفسي بلدي مكة ومنى، وأنا ابن المروة والصفا وأنا ابن النبي المصطفى، وأنا ابن من علا الجبال الرواسي، وأنا ابن من كسا محاسن وجهه الحياء، أنا ابن فاطمة سيدة النساء، أنا ابن قليلات العيوب نقيات الجيوب. وأذن المؤذن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، فقال لمعاوية: محمدٌ صلى الله عليه وآله أبي أم أبوك؟ فإن قلت ليس بأبي فقد كفرت وإن قلت نعم فقد أقررت! ثم قال: أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمداً منها، وأصبحت العجم تعرف حق العرب بأن محمداً منها، يطلبون حقنا ولا يردون الينا حقنا). ونحوها في تحف العقول لابن شعبة الحراني/٢٣٢، وذكر أن معاوية قاطعه فقال له: (أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة؟ فقال: ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بطاعة الله! ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولاً ودين الله لعباً، فكأن قد أُخْمِلَ ما أنت فيه، فعشت يسيراً وبقيت عليك تبعاته)! ونحوها بتفاوت في الإحتجاج:١/٤١٨ وفي آخرها غضب معاوية على ابن العاص لأنه دفعه إلى طلب الخطابة من الإمام عليه السلام: (فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني، والله ما كان يرى أهل الشام أن أحداً مثلي في حسب ولا غيره حتى قال الحسن عليه السلام ما قال! قال عمرو: هذا شيء لا يستطاع دفنه ولا تغييره لشهرته في الناس واتضاحه، فسكت معاوية).
وفي الخرائج والجرائح:١/٢٣٦: (فقال: أفسدتَ أهل الشام. فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة دين، إنما أحبوك للدنيا يتناولونها منك، والسيف والمال بيدك، فما يغني عن الحسن كلامه). انتهى.
٣- أكثر المناظرات في الإسلام ضجيجاً وتحدياً وصراحة!
وكانت في المدينة المنورة، وروتها بعض المصادر بتفصيل كالإحتجاج:١/٤٠١ عن ثلاثة مصادر: الشعبي، وأبي مخنف، ويزيد بن أبي حبيب المصري. ورواها في شرح النهج:٦/٢٨٥، عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، ولا يتسع المجال لإيرادها، فنكتفي بمقدمتها من رواية الزبير بن بكار، قال:
(اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي قوارص وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصُدِّق وأمر فأُطيع وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا.
قال معاوية، فما تريدون؟ قالوا: إبعث عليه فليحضر لنسبَّه ونسبَّ أباه، ونعيِّرَه ونوبِّخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئاً من ذلك! قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا! فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي! قالوا: إبعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يُربي قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله، قالوا: مره بذلك! قال: أما إذ عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ولا يلصق بهم العار ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.
فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده؟ فسماهم له، فقال الحسن: ما لهم! (خرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ). ثم قال: يا جارية إبغيني ثيابي. اللهم إني أعوذُ بك من شرورهم وأدرأ بك في نحورهم وأستعينُ بك عليهم فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت، بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين! ثم قام فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وقد ارتاد القوم وخطروا خِطْرَانَ الفحول بغياً في أنفسهم وعلواً، ثم قال: يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني!
فقال الحسن: سبحان الله، الدارُ دارُك والإذن فيها إليك! والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش! وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحي لك من الضعف! فأيهما تقرر وأيهما تنكر؟
أمَا إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ). قال معاوية: يا هذا إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النصف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوماً وأن أباك قتله! فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك!
فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر علياً عليه السلام فلم يترك شيئاً يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرهاً، وشرك في دم عمر وقتل عثمان ظلماً، وادعى من الخلافة ما ليس له. ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوئ وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل!
ثم إنك يا حسن، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبُّه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يُسخر منك ويُهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك. وإنما دعوناك لنسبَّك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيبٌ من الناس!
فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال: يا بني هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلماً لا عذر له ولا حجة...
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن كان أبوك شر قريش لقريش، أسفكها لدمائها وأقطعها لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً ولا في ميزانها راجحاً، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه!
وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم علياً وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان. ثم سكتوا. فتكلم الحسن بن علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فُحْشاً ألِفْتَهُ وسوءَ رأيٍ عُرفت به وخلقاً سيئاً ثبتَّ عليه، وبغياً علينا عداوةً منك لمحمد وأهله! ولكن إسمع يا معاوية واسمعوا، فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم! أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية؟!
وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر، وبالأخرى ناكث!
وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيماناً، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تُسرِّون الكفر وتظهرون الإسلام وتُستمالون بالأموال!
وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط!
وأنشدك الله يا معاوية أتذكرُ يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اللهم العن الراكب والقائد والسائق! أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همَّ أن يُسلم تنهاه عن ذلك: يا صخرُ لا تُسْلِمَنْ يوماً فتفضحنا بعدَ الذين ببدر أصبحوا فرقا...
الى آخر هذه المناظرة القاصعة القاصمة، التي تألق فيها المنطق النبوي، وهدرَ فيها الخطاب العلوي، بما يشفي صدور المؤمنين، وتضمنت حقائق ساطعة عن النبي وعترته الطاهرة صلى الله عليه وآله، وكشفت حقائق فاضحة عن بني أمية وابن العاص والمغيرة وأضرابهم! وفي أعيان الشيعة:١/٥٧٤ أن ابن الجوزي رواها مختصرة. ورووا في مصادرهم فقرات منها، لكنهم يخفون أنها من تلك المناظرة التاريخية!
٤- مناظرات ابن عباس مع معاوية
روت المصادر مناظرات متعددة لابن عباس رحمه الله مع معاوية، في المدينة ومكة والشام، نكتفي منها بما رواه الحاكم في المستدرك:٣/٤٦٧، في حج معاوية سنة٤٤ قال: (معروف بن خربوذ المكي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس في المسجد ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس إليه، فأعرض عنه ابن عباس فقال له معاوية: مالي أراك معرضاً، ألست تعلم أني أحق بهذا الأمر من ابن عمك؟ قال: لمً! لأنه كان مسلماً وكنت كافراً، قال: لا، ولكني ابن عم عثمان! قال: فابن عمي خير من ابن عمك. قال: إن عثمان قتل مظلوماً! قال: وعندهما ابن عمر فقال ابن عباس: فإن هذا والله أحق بالأمر منك، فقال معاوية: إن عمر قتله كافر وعثمان قتله مسلم! فقال ابن عباس: ذاك والله أدحض لحجتك)! انتهى.
وقد بتر الحاكم الرواية. ففي أوائل العسكري/١٧: فذاك أدحض لحجتك أن المسلمين عتبوا على ابن عمك فقتلوه! في كلام هذا معناه! ومثله في تاريخ الخلفاء للسيوطي/١٥٨. وفي شرح الأخبار:٢/٦٦: (فضحك ابن عباس، وقال: ذاك والله أدحض لحجتك إذ كان المسلمون قتلوه. فسكت معاوية ولم يجر جواباً. ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص...).(ونحوه في كتاب سليم/٣١٥).
من كرامات الإمام الحسن عليه السلام ومعجزاته
ومعجزاته وكرامته صلوات الله عليه عديدة، روتها المصادر المختصة ككتاب نوادر المعجزات ومدينة المعجزات وقد تقدم بعضها، ونورد نموذجين منها:
١- في الكافي:١/٤٦١:عن الإمام الصادق عليه السلام قال: خرج الحسن بن علي عليهما السلام في بعض عُمَرِه ومعه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته، فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس، قد يبس من العطش، ففرش للحسن عليه السلام تحت نخلة وفرش للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى، قال: فقال الزبيري ورفع رأسه: لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه، فقال له الحسن: وإنك لتشتهي الرطب؟ فقال الزبيري: نعم قال: فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه، فاخْضَرَّت النخلة ثم صارت إلى حالها، فأورقت وحملت رطباً! فقال الجمَّال الذي اكتروا منه: سِحْرٌ والله! قال فقال الحسن عليه السلام: ويلك ليس بسحر ولكن دعوة ابن نبي مستجابة! قال: فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم).
٢- في الكافي:١/٤٦١: (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسن بن علي عليهما السلام إلى مكة سنة ماشياً فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه، فقال له: بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلاً فيه أحد يبيع هذا الدواء فقال له: بلى إنه أمامك دون المنزل، فسارا ميلاً فإذا هو بالأسود فقال الحسن عليه السلام لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟ فقال للحسن بن علي، فقال: إنطلق بي إليه، فانطلق فأدخله إليه فقال له: بأبي أنت وأمي لم أعلم أنك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك ولست آخذ له ثمناً، إنما أنا مولاك ولكن ادع الله أن يرزقني ذكراً سوياً يحبكم أهل البيت، فإني خلفت أهلي تمخض، فقال: إنطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكراً سوياً وهو من شيعتنا). (وبصائر الدرجات/٢٧٦، ومناقب آل أبي طالب:٣/١٧٤، وفي آخره: فكان كما قال وأطلى رجليه بالدهن فبرأ بإذن الله تعالى).

الفصل السادس: قتل معاوية للسبط الأول للنبي صلى الله عليه وآله!

١- محاولات معاوية المستمرة لقتل الإمام عليه السلام
من الطبيعي أن يهتم معاوية بقتل علي والحسنين عليهم السلام لأنهم العقبة الكأداء أمام مشروع أمبراطوريته الأموية! هذا المشروع الذي أخذ يسير سيراً حسناً على يد أبي سفيان من أيام السقيفة، عندما أخذ أبو سفيان من أبي بكر وعمر ولاية الشام لولده يزيد، ثم ما لبث ولده يزيد أن مات فأخذ مكانه معاوية، فكان الوالي الوحيد الذي لم يعزل ولم يحاسب قط! (وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب). (نثر الدرر للآبي/٢٥٥، ونحوه أسد الغابة:٤/٣٨٦، وفتح الباري:٧/٣١١) بل كان يراه أعظم من كسرى فقال: (تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما، وعندكم معاوية؟!). (تاريخ الطبري:٤/٢٤٤).
ثم سار المشروع الأموي سيراً حسناً عندما رتب عمر الأمر بعده لعثمان، فجعل الخلافة شورى شكلياً، لكنه أعطى حق النقض لابن عوف صهر عثمان، الذي لا يفضل أحداً على بني أمية، ثم أحكم ذلك بتهديدهم بجيش معاوية من الشام وجيش عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي من اليمن، وهو أخ أبي جهل وأحد قادة قريش مع أبي سفيان، ولا يفضل أحداً على بني أمية! (تاريخ بخاري الكبير:٥/٩).
(قال عمر لأهل الشورى: إن اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام، وبعده عبد الله بن أبي ربيعة من اليمن، فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم).(تاريخ دمشق:٥٩/١٢٤، والإصابة:٤/٧٠، والتحفة اللطيفة للسخاوي:٢/٣٥).
ومعناه أطيعوني يا أصحاب محمد في بيعة من يختاره ابن عوف، وإلا خسرتم الحكم كلياً، وأخذه منكم بنو أمية بجيش الشام وجيش اليمن!
ثم سار المشروع الأموي سيراً حسناً في زمن عثمان فوطد معاوية قوته، وأعدَّ نفسه ليرث الخليفة الأموي الهرم، لكن حدثت مفاجأة وهي أن الصحابة من البصرة والكوفة ومصر والمدينة، نقموا على عثمان وعلى عماله الأمويين فحاصروه وقتلوه، وبايعوا علياً!
فخلافة علي عليه السلام عند معاوية نشازٌ اعترض المسار الصحيح الذي تسير فيه دولة محمد صلى الله عليه وآله حسب الخطة الأموية اليهودية، لترجع إلى معدنها آل أبي سفيان! والواجب برأيه إسقاط هذا الحكم بالحرب فإن لم يمكن فبقتل رموزه، والقتل من أول الحلول التي يفكر فيها معاوية، فقد خَبِرَ أساليبه الظاهرة والخفية وأتقنها! وقد تقدم أن معاوية دسَّ إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وحجر بن الحجر، وشبث بن ربعي(دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي)! (علل الشرائع:١/٢٢٠) وتقدم أن الإمام الحسن عليه السلام تعرَّض في يوم واحد إلى ثلاث محاولات اغتيال، لم يكن معاوية بعيداً عنها!
ولم يختلف الحال عند معاوية بعد الصلح، وبعد تنازُل الإمام الحسن عليه السلام عن الحكم! أليس قد أعطى للحسن عليه السلام شرطاً أن يكون الخليفة بعده، وها هو الحسن الشاب ينتظر موت معاوية الشايب! على أن من الممكن أن يجمع الحسن الناس حوله ويخرج على معاوية بحجة فساد عماله، أو نقضه لشروط الصلح؟!
أليس الحسن أصعب عقبة أمام جعل الخلافة بعده لولده الحبيب العزيز يزيد؟!
إن السبب الواحد من هذه الأسباب كافٍ لأن يعمل معاوية بجدية لاغتياله، فكيف إذا اجتمعت ومعها غيرها؟!
قال محمد بن جرير الطبري الشيعي في دلائل الإمامة/١٦٠: (وكان سبب وفاته أن معاوية سمه سبعين مرة فلم يعمل فيه السم، فأرسل إلى امرأته جعدة ابنة محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وبذل لها عشرين ألف دينار، وإقطاع عشر ضياع من شُعَب سورا(نهر في العراق) وسواد الكوفة، وضمن لها أن يزوجها يزيد ابنه، فسقت الحسن السم في برادة الذهب في السويق المقند)!!
٢- أبو سفيان حليف اليهود المتخصصين في القتل بالسُّم!
كان الإغتيال بالسم شائعاً عند اليهود، وعند العرب المتصلين بهم، فقد حاول اليهود وحاولت قريش برئاسة أبي سفيان قتل النبي صلى الله عليه وآله بالسُّم وغيره، مراراً!
كما أن أبا بكر مات مسموماً! ففي مروج الذهب/٥٥٢: (سمته اليهود في شيء من الطعام وأكل معه الحارث بن كلدة فعميَ). وفي تاريخ الخلفاء/٦١: (وأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة(لحم مثروم مطبوخ) أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر: إرفع يدك يا خليفة رسول الله! والله إن فيها لسُم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد! فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة). (وتاريخ دمشق:٣٠/٤٠٩، وكنز العمال:١٢/٥٣٧: وقال: ابن سعد وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب. قال ابن كثير: إسناده صحيح إلى الزهري. ونحوه في تاريخ مكة لابن الضياء/٢٣٣، وفتح الباري:٧/٣٤، وتحفة الأحوذي:١٠/٩٦، والمستدرك: /٦٤، والطبقات:٣/١٩٨، وأسد الغابة:٣/٢٢٣، وصفة الصفوة: /٢٦٣، والرياض النضرة:٢/٢٤٣، والمنتظم:٤/١٢٩، ومسائل الإمام أحمد/٧٥، والمصباح المضي:١/٣٣، وتخريج الدلالات للخزاعي/٦٧٠، والتراتيب الإدارية:١/٤٥٦، والصواعق المحرقة:١/٢٥٣، والعقد الفريد/١٠١٠، وربيع الأبرار...وغيرها).
ولا ننسَ أن أبا سفيان (وكان معاوية إلى جنبه) قد بذل جهداً متواصلاً لقتل النبي صلى الله عليه وآله أو سمِّه ونذر بعد معركة بدر أن لا يمس بدنه الماء حتى يقتله! وأرسل القرشيون وهم بقيادته عدة أشخاص منهم وهب بن عمير وجعلوا له جائزة من الذهب (أواقي على أن يقتل النبي صلى الله عليه وآله فأطلعه الله على ذلك).(ابن أبي شيبة:٨/٣٢٩، وأسد الغابة:٥/٩٧). ولم تَفْتُرْ محاولاتهم بمعاونة اليهود لقتله حتى بعد أن صاروا (مسلمين) طلقاء! وقد ذكرنا في المجلد السابع من "الإنتصار" بضع عشرة محاولة لاغتيال للنبي صلى الله عليه وآله من اليهود وقريش أبي سفيان!
وفي تفسير الرازي:١٠/١٦٢: (قال أبو بكر الأصم: إن قوماً من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول (ص) ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض، فأتاه جبريل فأخبره به فقال (ص) : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم! فلم يقوموا فقال: ألا تقومون؟ فلم يفعلوا! فقال صلى الله عليه وآله: قم يا فلان قم يا فلان حتى عدَّ اثني عشر رجلاً منهم! فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا! فقال: الآن! أخرجوا. أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الإستغفار، وكان الله أقرب إلى الإجابة. أخرجوا عني)! انتهى.
فمن هؤلاء المنافقون الذين لا يسميهم رواة الخلافة ستراً عليهم؟! ولم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وآله حتى لاترتد قريش لأنهم من شخصياتها وزعمائها؟!
روى الحاكم في المستدرك:٣/٥٩، ونحوه/٦٤: (عن داود بن يزيد الأودي قال: سمعت الشعبي يقول: والله لقد سُمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسُمَّ أبو بكر الصديق، وقتل عمر بن الخطاب صبراً، وقتل عثمان بن عفان صبراً، وقتل علي بن أبي طالب صبراً، وسُمَّ الحسن بن علي، وقُتل الحسين بن علي صبراً، فما نرجو بعدهم)؟!
٣- معاوية صاحب الرقم القياسي في قتل معارضيه بالسُّم وغيره!
تقدم في فصل الذين قتلهم معاوية، قوله: (إن لله جنوداً من عسل) وقوله: (لاجدَّ إلا ما أقعص عنك من تكره)! أي: أجمل ما في الحياة إبادة المعارضين!
وقد كان له هدف آخر يسعى اليه في الإمام الحسن عليه السلام هو أن يأخذه في العراق أسيراً، فيمنَّ على بني هاشم بجعله طليقاً، ويُذهب عن بني أمية وقريش عار الطلقاء، ويجعلها واحدة بواحدة مع بني عبد المطلب ويمن عليهم بها!
فقد قال الإمام عليه السلام: (والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن علي فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت). (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام:٣/١٦٦، مع مصادره).
أما بعد أن انتهت حالة الحرب وعقد الصلح على أن بني هاشم وشيعتهم وجميع المسلمين آمنون، لايبغي لهم معاوية غائلة، ولا يلاحقهم في سابقة.. فلم يبق أمامه إلا قتله بالسُّم! وأهم شيء أن يجد شخصاً من عائلته أو خدمه يضع السم في طعامه أو شرابه، وقد استطاع معاوية أن يجند جعدة بنت الأشعث!
وقد قال الإمام الحسن عليه السلام إنه سقي السُّمَّ مراراً كان آخرها على يد جعدة أو جعيدة بنت الأشعث بن قيس عميل معاوية، والعدو اللدود لعلي وأبنائه عليهم السلام.
ففي سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٤: (قال قتادة: قال الحسن للحسين: قد سقيت السُّمَّ غير مرة ولم أسْقَ مثل هذه). وفي تهذيب الكمال:٦/٢٥١: (لقد لفظتُ طائفةً من كبدي أقلِّبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مراراً وما سقيته مرة هي أشد من هذه) (وأسد الغابة:٢/١٥, وحلية الأولياء:٢/٣٨، وصفة الصفوة:١/٧٦١، والإستيعاب:١/٣٩٠، والمنتظم:٥/٢٢٥ والتحفة اللطيفة للسخاوي:١/٢٨٣، وذخائر العقبى/١٤١، وطبقات الشعراني/١٧، ونهاية الإرب/٤٤٤٩وكشف الغمة:٢/١٩٠, وجواهر المطالب:٢/٢٠٩وتاريخ المدينة:١/١١٠, والنصائح الكافية/٨٦). واتفاق هؤلاء على نقل شهادة الإمام الحسن عليه السلام بأنه قتل مسموماً بيد جعدة وفي عدد من المصادر بأمر معاوية، يكفي لإدانة معاوية
٤- النبي صلى الله عليه وآله أخبر والإمام الحسن عليه السلام أخبر بما يجري عليه!
في الخرائج والجرائح:١/٢٤١: عن الإمام الصادق عليه السلام: (أن الحسن عليه السلام قال لأهل بيته: إني أموت بالسم، كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: ومن يفعل ذلك؟! قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيس، فإن معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك. قالوا: أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك. قال: كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً ولو أخرجتها ما قتلني غيرها وكان لها عذر عند الناس! فما ذهبت الأيام حتى بعث إليها معاوية مالا جسيماً، وجعل يمنيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضاً ويزوجها من يزيد، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن! فانصرف إلى منزله وهو صائم فأخرجت له وقت الافطار وكان يوما حاراً شربةَ لبن وقد ألقت فيها ذلك السم فشربها وقال: ياعدوة الله قتلتيني قتلك الله! والله لا تصيبين مني خلفاً ولقد غرك وسخر منك، والله يخزيك ويخزيه! فمكث يومين ثم مضى، فغدر معاوية بها ولم يف لها بما عاهد عليه).
ونحوه في مناقب آل أبي طالب:٣/١٧٥ وفيه: (فقال: هيهات من إخراجها ومَنيِّتي على يدها مالي منها محيص، ولو أخرجتها ما يقتلني غيرها! كان قضاء مقضياً وأمراً واجباً من الله.... فلما شربه وجد مس السم في جسده فقال: يا عدوة الله قتلتني قتلك الله...).
وفي كتاب سليم رحمه الله /٣٦٣: (فقام إليه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يبكي فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله أتُقتل؟ قال: نعم أهلكُ شهيداً بالسم! وتُقتل أنت بالسيف وتُخضب لحيتك من دم رأسك، ويُقتل ابني الحسن بالسم، ويُقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغٍ ابن طاغ، دعيُّ ابن دعي).
وينبغي أن نذكر هنا باختصار هنا أربع مسائل:
المسألة الأولى: أن المعصوم عليه السلام يعلم أجله!
تقدم في شهادة أمير المؤمنين عليه السلام في المجلد الأول أنه كان يعلم أجله، وكذلك ثبت عن الإمام الحسن وبقية المعصومين عليهم السلام واستشهدنا بقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً). (الجن:٢٦ـ٢٧). فالمرتضى عند ربه من رسول أو وصي يتحمل غيب الله تعالى، ويخصص له الله ملائكةً يسددونه حتى لا يتضرر بالغيب الإلهي، ويستعمله في غرضه الصحيح!
والغيب الذي يظهره الله لخاصة أوليائه عليهم السلام من نوع الأمر الإلهي المقضي الذي لابداء فيه، فقد سأل حمران بن بكير الإمام الباقر عليه السلام عن الغيب في هذه الآية، فأجابه: ((إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)، وكان والله محمدٌ صلى الله عليه وآله ممن ارتضى. وأما قوله: عالم الغيب فإن الله تبارك وتعالى عالم بما غاب عن خلقه، فما يقدِّر من شيء ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يقضيه إلى الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشية فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه. فأما العلم الذي يقدره الله ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم إلينا).(بصائر الدرجات/١٣٣).
وفي هذه المسألة بحوثٌ جليلة عميقة، أشار الإمام الحسن عليه السلام إلى بعضها في جوابه لمن قال له: (أخرجها من ملكك عليها لعنة الله! فقال: هيهات من إخراجها ومنيِّتي على يدها مالي منها محيص! ولو أخرجتها ما يقتلني غيرها، كان قضاء مقضياً، وأمراً واجباً من الله)! ومعناه: أن المعصوم عليه السلام يتعامل مع الأمور المقضية من الله تعالى كما نتعامل نحن مع الأمور التكوينية، وهذا قد يوجب التفاوت بين تكليفه وتكليفنا، فالمعصوم عليه السلام لايعيش الأسف والحسرة والحرص على تغيير القضاء أو رده، كما نعيشه نحن!
ومعناه أيضاً: أن المعصوم عليه السلام عنده الوعي والقدرة الكافيين للإنسجام مع ما علمه الله من غيبه، فهو يتعاطى مع الأمور على فعليتها، ومع الأشخاص على ظاهرهم حتى لو كانت المصلحة أن يخبر الناس بشيء عن المستقبل!
ومعناه أيضاً: أن اختيار الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، لا تؤثر على هيمنة الله تعالى، فهو معها يملك(كل الأوراق) في السلوك الإنساني كما في التكوين!
وأن كل ما جرى ويجري من فعاليات البشر عامة، وفعاليات كل إنسان خاصة، خاضع للمخطط الكلي الكامل للكون والحياة، ومن هذه الفعاليات محاولات تغيير الأقدار، لأنها من الأقدار أيضاً! وهذا معنى قوله عليه السلام:(ولو أخرجتها ما يقتلني غيرها! كان قضاء مقضياً، وأمراً واجباً من الله)!
وهذا العقيدة صريحة في كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه وآله صلى الله عليه وآله لكن تضيق عنها ظرفية أذهان عامة الناس! قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ).(التغابن:١١) أي يهدي قلبه فيما يهديه إلى عدم التنافي بين الحرية والمسؤولية وبين المخطط الإلهي والإذن بوقوع ما يقع! وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). (الأنعام:٥٩). وقال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). (هود:٦). (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ), (النمل:٧٥) (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). (فاطر:١١).
ويمكن تشبيه هذا الكتاب الإلهي للأقدار بشريط مصور لما سيحدث، كالذي نراه أحياناً في منامنا ويحدث كما رأيناه! وقد ثبت أن الله تعالى أعطى الكثير من هذا العلم بالمستقبل إلى نبيه وآله صلى الله عليه وآله. ففي الكافي:١/٢٢٢عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يَمُصُّونَ الثَّماد ويَدَعُونَ النهر العظيم! قيل له: وما النهر العظيم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله:إن الله عز وجل جمع لمحمد سنن النبيين من آدم وهلمَّ جرَّاً إلى محمد. قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين بأسره. وإن رسول الله صلى الله عليه وآله صيَّر ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام! فقال له رجل: يا ابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين؟ فقال أبو جعفر: إسمعوا ما يقول؟ إن الله يفتح مسامع من يشاء! إني حدثته أن الله جمع لمحمد صلى الله عليه وآله علم النبيين وأنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام، وهو يسألني: أهو أعلم أم بعض النبيين)؟!
وفي الكافي:١/٢٢٤عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله:إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، وما من نبي مضى إلا وله وصي، وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي، منهم خمسة أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد، وورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله، أما إن محمداً ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين). انتهى.
المسألة الثانية: معنى قوله عليه السلام أموت بالسُّمِّ كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله
والمعنى الذي فهمه السنيون أنه يقصد بسُمِّ النبي صلى الله عليه وآله حادثة خيبر حيث أهدى اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله شاة مشوية مسمومة فأكل منها لقمة فنطق اللحم بإذن الله بأنه مسموم، وقد أثرت تلك اللقمة في بدن النبي صلى الله عليه وآله فكانت وفاته بعد سنتين بسببها! ففي الجامع الصغير:٢/٤٩٧: (ما زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام، حتى كان هذا أوان قطع أبهري(شرياني)). (ونحوه تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة/١٦٩، وأسد الغابة:١/٢٣، كما روت ذلك مصادرنا كما في المناقب:١/٨١، ومختصر بصائر الدرجات/١٥)
لكن المقصود لأئمتنا عليه السلام مع ذلك أو بدونه، هو أن النبي صلى الله عليه وآله قد سُمَّ في مرض وفاته بالدواء الذي نهاهم أن يسقوه إياه عندما يغمى عليه! ومع ذلك سقوه فأفاق وغضب من فعلهم وأمرهم أن يشربوا منه جميعاً إلا بني هاشم! وقد روته صحاحهم فقال بخاري: ٧/١٧: (قالت عائشة: لددناه في مرضه فجعل يشير الينا أن لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض للدواء. فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟! قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى في البيت أحد إلا لُدَّ وأنا أنظر! إلا العباس فإنه لم يشهدكم). ورواه الحاكم: ٤/٢٠٢، وفيه: والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحد إلا لُدَّ إلا عَمِّي. قال فرأيتهم يلدونهم رجلاً رجلاً... فلُدَّ الرجال أجمعون، وبلغ اللدود أزواج النبي فلددن امرأة امرأة)! انتهى.
ولا أستبعد أن يكون الدواء مأخوذاً من اليهود فنهى الله نبيه صلى الله عليه وآله عن استعماله، أو يكون اليهود وجدوا منفذاً إلى طعام النبي صلى الله عليه وآله وشرابه ودوائه، فقد كانت عدة يهوديات يترددن على نسائه، ولا يتسع المجال لهذا البحث.
المسألة الثالثة: معنى قولهم عليهم السلام: ما منا إلا مسمومٌ أو مقتول!
وقد نص أهل البيت عليهم السلام على ذلك في أربع روايات، اثنتان منها عن الإمام الحسن عليه السلام واثنتان عن الإمام الرضا عليه السلام. ففي كفاية الأثر/٢٢٦:(عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طشت يقذف فيه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله فقلت: يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبد الله بماذا أعالج الموت؟! قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم التفت إليَّ وقال: والله إنه لعهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة عليهما السلام ما منا إلا مسمومٌ أو مقتول! ثم رفعت الطشت واتكأ صلوات الله عليه فقلت: عظني يا بن رسول الله. قال: نعم إستعد لسفرك وحصِّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك. واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أن في حلالها حساباً وفي حرامها عقاباً وفي الشبهات عتاباً، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فإن كان ذلك حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم تكن قد أخذت من الميتة وإن كان العتاب فإن العقاب يسير. واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل. وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك وإذا خدمته صانك وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدق قولك وإن صُلت شدَّ صولك وإن مددت يدك بفضل مدها وإن بدت منك ثلمة سدها وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت بك أحد الملمات ساءه. من لا يأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطوارق ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منفساً آثرك. قال: ثم انقطع نفسه واصفر لونه حتى خشيت عليه، ودخل الحسين عليه السلام والأسود بن أبي الأسود فانكبَّ عليه حتى قبل رأسه وبين عينيه، ثم قعد عنده وتسارَّا جميعاً فقال أبو الأسود: إنا لله وإنا اليه راجعون، إن الحسن قد نعيت إليه نفسه وقد أوصى إلى الحسين عليه السلام. وتوفي صلى الله عليه في يوم الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة وأربعون سنة).
وفي كفاية الأثر/١٦٠: (عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما قتل أمير المؤمنين عليه السلام رقى الحسن بن علي عليه السلام فأراد الكلام فخنقته العبرة فقعد ساعة ثم قام وقال: الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانياً وفي أزليته متعظماً.... والحمد لله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت، وعند الله نحتسب عزاءنا في خير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله وعند الله نحتسب عزاءنا في أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أصيب به الشرق والغرب....ولقد حدثني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته، ما منا إلا مقتول أو مسموم).
وفي أمالي الصدوق/١٢٠وعيون أخبار الرضا عليه السلام:١/٢٨٧، عن أبي الصلت الهروي، قال: (سمعت الرضا عليه السلام يقول: والله ما منا إلا مقتول شهيد. فقيل له: فمن يقتلك يا ابن رسول الله؟ قال: شر خلق الله في زماني يقتلني بالسم، ثم يدفنني في دار مضيعة وبلاد غربة). وعنه أيضاً في:١/٢٢٠: (وما منا إلا مقتول وإني والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني! أعرف ذلك بعهد معهود إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره به جبرئيل عن رب العالمين عز وجل. وأما قول الله عز وجل: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، فإنه يقول لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، ولقد أخبر الله عز وجل عن كفار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لن يجعل لهم على أنبيائه عليهم السلام سبيلاً من طريق الحجة).
أقول: بهذا يتضح أن قاعدة شهادة المعصومين عليهم السلام بالقتل أو بالسم صحيحة، وفي المسألة بحوث لا يتسع المجال لها.
المسألة الرابعة: نفاق الأشعث وأسرته وتعامل النبي صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام معهم!
تقدم في المجلد الأول أن الأشعث بن قيس الكندي كان رأس المنافقين في عهد علي عليه السلام، وتاريخه ملئٌ بالغدر والنفاق، فقد جاء في وفد كندة إلى النبي صلى الله عليه وآله في سنة وفاته صلى الله عليه وآله ثم أعلن ارتداده مع قبيلة بني وليعة في حضرموت فأسره المسلمون وأتوا به إلى أبي بكر، فاطلقه وأكرمه وزوجه أخته! ثم ندم أبو بكر في آخر حياته أنه لم يقتله! وقد أوردنا بعض فعالياته المضادة للإمام عليه السلام.
وقد روى اليعقوبي:٢/١٣٧: أن أبا بكر كان يتحسر في مرضه الذي توفي فيه على أشياء ويتمنى أنه لم يفعلها ومنها هجومه على بيت فاطمة الزهراء عليها السلام! وأشياء ليته فعلها منها قتل الأشعث قال: (فليتني قدمت الأشعث بن قيس تضرب عنقه، فإنه يخيل إليّ أنه لا يري شيئاً من الشر إلا أعان عليه)! انتهى.
قال الإمام الصادق عليه السلام كما في الكافي:٨/١٦٧: (إن الأشعث بن قيس شَرِكَ في دم أمير المؤمنين عليه السلام، وابنته جعدة سمَّت الحسن عليه السلام، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام)! وقد هلك (بعد مقتل علي عليه السلام بأربعين ليلة) (تاريخ دمشق:٩/١٤٤).
وكان نفاق الأشعث مكشوفاً لأمير المؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام فقد تآمر مع معاوية في صفين، ثم تآمر مع الخوارج عليه السلام، ثم شرك في قتل أمير المؤمنين عليه السلام! لكنهم كانوا يعاملونهم بكثير من الصبر والتحمل واللين مما لا نتحمله نحن عادةً. ويبدو لي أن السر في ليونة أهل البيت عليهم السلام مع أمثال الأشعث والأسوأ منه، أنهم كانوا يعرفون أن الغلبة ستكون لهؤلاء المنافقين، فهم يتحملون منهم ويتجرعون الغيظ، ويعاملونهم كأنهم أصدقاء من أجل حفظ الخط النبوي الذي يمثلونه، وأجيال المسلمين الذين سيهتدون بهديهم عليهم السلام!
٥- طال مرض الإمام عليه السلام من السُّم نحو أربعين يوماً!
في تهذيب الكمال:٦/٢٥٣، وسير أعلام النبلاء:٣/٢٧٥: (أبو عوانة: عن مغيرة، عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى، فكان توضع تحته طشت وترفع أخرى، نحواً من أربعين يوماً).
ورواه في تاريخ دمشق:١٣/٢٨٥، وقال في/٢٩١: (لمَّا مرض حسن بن علي، مرِض أربعين ليلة، فلما استعزَّ به وقد حضرت بنو هاشم، فكانوا لا يفارقونه يبيتون عنده بالليل، وعلى المدينة سعيد بن العاص، وكان سعيد يعوده فمرةً يؤذن له، ومرة يحجب عنه).
أقول: ولا يوجد مخالف لهذه الروايات في طول مرض الإمام عليه السلام إلا رواية الخرائج(١/٢٤١) التي تقول إن مرضه استمر يومين، لكنها لا تنهض لمعارضتها ن ولعلها تصف شدة مرضه عليه السلام.
٦- ورتَّبَ معاوية بريدين يومياً عن حالة الإمام الحسن عليه السلام
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:١/١٥٠: (مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت ألا يمضي يوم يمرُّ بي إلا يأتيني فيه خبره فافعل، فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي، فكتب إليه بذلك فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه).
وقال ابن عبد البر في الإستيعاب:١/٣٨٩: (قال قتادة، وأبو بكر بن حفص: سُم الحسن بن علي، سمته امرأته جعدة بنت الأشعث ابن قيس الكندي، وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك. وقال: فلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: يا عجباً من الحسن شرب شربةً من عسل بماء رومة، فقضى نحبه!). انتهى.
لكنه لم يكن بريداً واحداً، بل بريدين يومياً! أحدهما من حاكم المدينة يومها سعيد بن العاص، والثاني من مروان بن الحكم، وكان معاوية يداور حكم المدينة بينهما، وقد أوقع بينهما الفتنة والعداوة فصار كل منهما يتقرب اليه!
(لما مات الحسن بن علي بعث مروان بن الحكم إلى معاوية يخبره أنه مات، قال وبعث سعيد بن العاص رسولاً آخر يخبره بذلك، وكتب مروان يخبره بما أوصى به حسن من دفنه مع رسول الله (ص) وأن ذلك لا يكون وأنا حي! ولم يذكر ذلك سعيد) (تاريخ دمشق:٢١/١٢٧).
وينبغي أن تعرف هنا أن بني أمية ثلاثة فروع:
فرع آل حرب بن أمية بن عبد شمس، ومنهم أبو سفيان ومعاوية، ويعتبرون أنفسهم ورثة أمية، وأن أمية له زعامة قريش دون غيره!
وفرع العاص الذين منهم سعيد حاكم المدينة المذكور، وهو على اسم جده سعيد بن العاص بن أمية، المعروف بأبي أحيحة، وهو أحد الستة الأكثر عداء لرسول الله صلى الله عليه وآله، وكان غنياً جباراً لكنه أقل دهاء من بني حرب، وقد منع أن يلبس أحد من قريش عمامة بلون عمامته الزرقاء! وكان هرماً في بدر فأرسل مكانه مع المشركين ابنه العاص أبا سعيد هذا، فقتله علي عليه السلام.
ومن أولاد أبي أحيحة الممدوحين خالد بن سعيد، أسلم لرؤيا رآها، فآذاه أبوه فهاجر مع زوجته إلى الحبشة، ثم بعثه النبي صلى الله عليه وآله والياً على اليمن، وجاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وناصر علياً عليه السلام واعترض على أهل السقيفة وخطب في المسجد ووبَّخ عمر وأهانه! ولم يبايع لأبي بكر حتى أمره علي عليه السلام، وكان فارساً شجاعاً قائداً، عقد له أبو بكر على جيش فتح الشام، فأصرَّ عمر أن يستبدله بأبي عبيدة بن الجراح، لكنه ذهب إلى الشام قائداً عادياً، وشارك في فتوحها واستشهد رحمه الله وكان أخوه أبان مثله شيعياً. وسعيد والي المدينة ابن أخيهما الكبير العاص وكان عمره يوم قتل أبوه في بدر سنتين فرباه عمه خالد، فنشأ يميل إلى علي عليه السلام مع أنه قاتل أبيه، لكنه بعد شهادة عمه رجع إلى أصله، فهو ابن العاص بن أبي أحيحة.
وفي علل أحمد:٣/١٧٦، ما يدل على أصالته العائلية، قال: (عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميراً علينا ست سنين فكان يسب علياً كل جمعة ثم عزل، ثم استعمل سعيد بن العاص سنتين فكان لايسبه، ثم أعيد مروان فكان يسبه)!
والفرع الثالث من أبناء أمية، فرع أبي العاص(وليس العاص) بن أمية، وهم أقل شأناً من بني حرب وبني العاص، ومنهم عثمان بن عفان وبنو الحكم وابنه ومروان، وبنو معيط المعروفون بمستواهم الهابط، كانوا أصحاب خمارة ومبغى في مكة، ومنهم عقبة أخ عثمان لأمه، الفاسق بنص القرآن!
فمعاوية يرى أنه من آل حرب معدن الحق بزعمه، فهو أولى بالخلافة وبعده أولاده. وسعيد يرى نفسه حفيد الزعيم الأموي الثري أبي أحيحة فهو أولى بها، ومروان يرى نفسه ابن عم الخليفة عثمان وسكرتيره فهو أولى بها!
ولذلك كان معاوية يداور بينهما حكم المدينة، ويؤجج خلافهما ليبقيا محتاجيْن اليه، ويتركا التطلع إلى ولاية عهده بدل يزيد!
وفي أيام مرض الإمام الحسن عليه السلام اتخذ سعيد موقف الحياد، ولم يعارض ما أشيع من عزم بني هاشم دفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده! بينما كلف معاوية مروان الملعون بن الملعون بنص النبي صلى الله عليه وآله، فوقف بشراسة ضد أهل البيت عليهم السلام.
٧- معاوية يدير المعركة.. ويهاً مروان أنت لها!
(ويقال إن الحسن أوصى أن يدفن مع النبي (ص) فأظهر الحسين ذلك قبل موت الحسن، فأنكره مروان بن الحكم وكتب بقول الحسين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إذا مات الحسن فامنع من ذلك أشد المنع، كما منعنا من دفن عثمان مع النبي). (أنساب الأشراف/٧٤٨) (وبلغ معاوية ما كانوا أرادوا في دفن حسن في بيت النبي (ص) فقال: ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسناً مع النبي، وقد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع! إن يك ظني بمروان صادقاً لا يخلصون إلى ذلك! وجعل يقول: ويهاً مروان أنت لها)!(تاريخ دمشق:١٣/٢٨٨).
(وكان قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله (ص) فإن خاف أن يكون في ذلك شيء فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه وقال: ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله وقد دفن عثمان بالبقيع! ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك، فلم يزل عدواً لبني هاشم حتى مات).(تاريخ دمشق:١٣/٢٨٧، والنهاية:٨/٤٤)
(وأبرد مروان إلى معاوية يخبره بموت حسن وأنهم يريدون دفنه مع النبي وأنهم لا يصلون إلى ذلك أبداً وأنا حي! فانتهى حسين بن علي إلى قبر النبي فقال: إحفروا هاهنا، فنكب عنه سعيد بن العاص وهو الأمير فاعتزل ولم يحل بينه وبينه، وصاح مروان في بني أمية ولفِّها وتلبَّسوا السلاح)! (تاريخ دمشق:١٣/٢٩١).
فهذه النصوص تنص على أن معاوية كان يدير معركة مروان مع بني هاشم، وأنه هو الذي أرسل إلى عائشة وربما وبَّخَها، فتراجعت عن وعدها!
ولعلها أرادت أن تتقرب إلى معاوية أيضاً بموقفها الشديد ضد دفن الإمام عليه السلام عند جده بعد رضاها به! لكن ينبغي أن نلتفت إلى تضخيم مروان للمسألة، فستعرف أن الإمام الحسين لم يرد دفن أخيه عليهما السلام عند جده، بل حرص على تنفيذ وصيته بأن لا يهرق في أمره محجمة دم أبداً.
٨- قبلت عائشة بدفن الإمام عليه السلام جنب جده صلى الله عليه وآله ثم تراجعت!
نصت روايات مصادر السنة على أن عائشة قبلت أول الأمر أن يدفن الإمام الحسن عليه السلام إلى جنب جده صلى الله عليه وآله وأنه أرسل اليها عندما سُقِيَ السُّمَّ(يستأذنها) في ذلك فأجابت بالقبول والترحيب! رواه في تاريخ دمشق:١٣/٢٨٩، بعدة أسانيد، منها عن (عبيدالله بن علي بن أبي رافع أخبره هو وغيره من مشيختهم أن حسن بن علي بن أبي طالب أصابه بَطَنٌ فلما عرف بنفسه الموت أرسل إلى عائشة زوج النبي (ص) أن تأذن له أن يدفن مع النبي (ص) في بيتها، فقالت: نعم، بقي موضع قبر واحد قد كنت أحب أن أدفن فيه وأنا أؤثرك به، فلما سمعت بنو أمية ذلك لبسوا السلاح). ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٧ قال: (ونقل ابن عبد البر: أنهم لما التمسوا من عائشة أن يدفن الحسن في الحجرة، قالت: نعم وكرامة، فردهم مروان ولبسوا السلاح، فدفن عند أمه بالبقيع إلى جانبها).انتهى.
وقائع شهادة الإمام الحسن السبط عليه السلام ومراسم دفنه

١- الإمام الحسن عليه السلام: لايومَ كيومك يا أبا عبد الله!
لم يسجل التاريخ إلا قليلاً مما فعله الإمام الحسن عليه السلام في العشر سنوات التي قضاها في المدينة بعد صلحه مع معاوية، وقليلاً مما جرى عليه في الأربعين يوماً التي كان فيها طريح الفراش، يكابد آلام سُمِّ الطاغية معاوية!
ومما سجله هذا الحوار الذي دار بينه وبين أخيه الحسين عليهما السلام وهو واحدةٌ من أروع الصور الإنسانية ومشاهد السمو! وهو يكشف المأساة التي كُتبت عليهما وأعدهما لها جدهما صلى الله عليه وآله فتلقياها راضيين ونسي كل منهما نفسه وحمل هم أخيه الحبيب! وقد نقل المشهد الإمام زين العابدين عليه السلام وأن أباه الحسين دخل على عمه الحسن عليهما السلام وكأنه لما رآه تجسدت له الصورة التي أخبرهم بها جدهما صلى الله عليه وآله وأن الحسن يقتل بالسُّم: (فلما نظر إليه بكى فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكى لما يصنع بك! فقال له الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إليَّ سُمٌّ يدس إلي فأقتل به ولكن لايومَ كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدَّعون أنهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وينتحلون دين الإسلام! فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار)!! (أمالي الصدوق/١٧٧).
ولماذا لا يكونان كذلك وقد اختارهما الله فداءه لدين جدهما؟! قالت أم سلمة: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم ودخل في أثره الحسن والحسين عليهما السلام وجلسا إلى جانبيه فأخذ الحسن على ركبته اليمنى والحسين على ركبته اليسرى، وجعل يقبل هذا تارة وهذا أخرى، وإذا جبرئيل قد نزل وقال: يارسول الله إنك تحب الحسن والحسين؟ فقال: وكيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا وقُرَّتا عيني، فقال جبرئيل: يا نبي الله إن الله قد حكم عليهما بأمر فاصبر له! فقال: وماهو يا أخى؟ فقال: قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموماً، وعلى هذا الحسين أن يموت مذبوحاً! وإن لكل نبي دعوة مستجابة، فإن شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحسين فادع الله أن يسلمهما من السُّم والقتل، وإن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعصاة من أمتك يوم القيامة! فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل أنا راض بحكم ربي لما يريده، وقد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من أمتي ويقضي الله في ولديَّ ما يشاء).(البحار:٤٤/٢٤٢). فصلوات الله على جدهما الرحيم وعليهما من أخوين وإمامين!
٢- وصية الإمام الحسن لأخيه الإمام الحسين عليهما السلام
توجد ثلاث روايات في وصية الإمام الحسن عليه السلام خالية من الإشكالات الكثيرة التي ترد على الروايات الأخرى:
الأولى: رواية زياد المخارقي، رواها المفيد رحمه الله في الإرشاد:٢/١٧ قال: (وروى عبد الله بن إبراهيم عن زياد المخارقي قال: لما حضرت الحسن الوفاة استدعى الحسين بن علي عليهما السلام فقال: يا أخي إني مفارقك ولاحق بربي عز وجل وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست، وإني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت وأنا أخاصمه إلى الله تعالى، فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشيء، وانتظر ما يحدث الله عز ذكره فيَّ، فإذا قضيت فغمضني وغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لأجدد به عهداً، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد رحمة الله عليها فادفني هناك. وستعلم يا ابن أم أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيجلبون في منعكم عن ذلك وبالله أقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم. ثم وصى عليه السلام إليه بأهله وولده وتركاته، وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه، ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علماً من بعده. فلما مضى لسبيله غسله الحسين عليهما السلام وكفنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتجمعوا له ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين بن علي إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليجدد به عهداً أقبلوا إليهم في جمعهم، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: مالي ولكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أحب. وجعل مروان يقول: يا رُبَّ هَيْجا هي خيرٌ من دعهْ! أيدفن عثمان في أقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية، فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: إرجع يا مروان من حيث جئت، فإنا ما نريد أن ندفن صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله لكنا نريد أن نجدد به عهداً بزيارته، ثم نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان وصَّى بدفنه مع النبي صلى الله عليه وآله لعلمت أنك أقصر باعاً من ردنا عن ذلك، لكنه عليه السلام كان أعلم بالله ورسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدماً كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه! ثم أقبل على عائشة فقال لها:
وا سوأتاه! يوماً على بغل ويوماً على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلين أولياء الله؟! إرجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين، والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين.
وقال الحسين عليه السلام: والله لولا عهد الحسن إليَّ بحقن الدماء وأن لا أهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا!
ومضوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها وأسكنها جنات النعيم).(وروضة الواعظين/١٦٧، والمستجاد/١٤٧، وإعلام الورى:١/٤١٤ وفيه: زياد المحاربي والصحيح المخارقي).
والثانية، رواها الطوسي في أماليه/١٥٨، بأكثر من طريق عن ابن عباس، قال: (دخل الحسين بن علي على أخيه الحسن بن علي في مرضه الذي توفي فيه فقال له: كيف تجدك يا أخي؟ قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي، على كره مني لفراقك وفراق إخوتك وفراق الأحبة، وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولقاء فاطمة وحمزة وجعفر، وفي الله عز وجل خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة ودرك من كل ما فات. رأيت يا أخي كبدي آنفاً في الطست، ولقد عرفت من دهاني ومن أين أتيت، فما أنت صانع به يا أخي؟ فقال الحسين: أقتله والله. قال: فلا أخبرك به أبداً حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن اكتب: هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه يعبده حق عبادته لا شريك له في الملك ولا ولي له من الذل، وأنه خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأنه أولى من عبد وأحق من حمد من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى ومن تاب إليه اهتدى.
فإني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك، أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفاً ووالداً، وأن تدفنني مع جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فإني أحق به وببيته ممن أدخل بيته بغير إذنه ولا كتاب جاءهم من بعده! قال الله تعالى فيما أنزله على نبيه في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)، فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الاذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده، فإن أبت عليك الإمرأة فأنشدك بالقرابة التي قرب الله عز وجل منك، والرحم الماسة من رسول الله أن لا تهريق فيَّ محجمة من دم حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وآله فنختصم إليه، ونخبر بما كان من الناس إلينا بعده. ثم قبض.
قال ابن عباس: فدعاني الحسين وعبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس فقال: غسِّلوا ابن عمكم، فغسلناه وحنطناه وألبسناه أكفانه (أي ساعدوا الحسين عليه السلام)، ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين أمر أن يفتح البيت(بيت حجرة النبي صلى الله عليه وآله التي دفن فيها) فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان، وقالوا أيدفن أمير المؤمنين عثمان الشهيد القتيل ظلماً بالبقيع بشرِّ مكان، ويدفن الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لا يكون ذلك أبداً حتى تكسر السيوف بيننا وتنقصف الرماح وينفد النبل!
فقال الحسين: أما والله الذي حرم مكة لَلحسن بن علي بن فاطمة أحق برسول الله وبيته ممن أدخل بيته بغير إذنه، وهو والله أحق به من حمال الخطايا، مُسَيِّر أبي ذر رحمه الله الفاعل بعمار ما فعل وبعبد الله ما صنع، الحامي الحمى، المؤوي لطريد رسول الله صلى الله عليه وآله! لكنكم صرتم بعده الأمراء وبايعكم على ذلك الأعداء وأبناء الأعداء. قال: فحملناه فأتينا به قبر أمه فاطمة فدفناه إلى جنبها رضي الله عنه وأرضاه. قال ابن عباس: وكنت أول من انصرف فسمعت اللغط وخفت أن يعجل الحسين على من قد أقبل ورأيت شخصاً علمت الشر فيه، فأقبلت مبادراً فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغل مرحَّل تقدمهم وتأمرهم بالقتال، فلما رأتني قالت: إليَّ إليَّ يا ابن عباس لقد اجترأتم عليَّ في الدنيا تؤذونني مرة بعد أخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب! فقلت: واسوأتاه! يوم على بغل ويوم على جمل! تريدين أن تطفئي فيه نور الله وتقاتلي أولياء الله وتحولي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين حبيبه أن يدفن معه، إرجعي فقد كفى الله المؤنة ودُفِنَ الحسن إلى جنب أمه، ولم يزدد من الله إلا قرباً وما ازددتم منه والله إلا بعداً! يا سوأتاه! إنصرفي فقد رأيت ما سرك! قال: فقطَّبَتْ في وجهي ونادت بأعلى صوتها: أما نسيتم الجمل يا ابن عباس إنكم لذوو أحقاد! فقلت: أما والله ما نسيه أهل السماء فكيف ينساه أهل الأرض؟! فانصرفت وهي تقول:

فألقت عصاها فاستقرت بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر).

(وبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري/٤١٨، والبحار:٤٤/١٥١، عن أمالي الطوسي).
والثالثة، ما كتبه ابن عبد الوهاب في(عيون المعجزات/٥٧) وقد ألفه سنة٤٤٨، قال: (وكان سبب مفارقة أبي محمد الحسن عليه السلام دار الدنيا وانتقاله إلى دار الكرامة على ما وردت به الأخبار أن معاوية بذل لجعيدة بنت الأشعث زوجة أبي محمد عليه السلام عشرة آلاف دينار وقطاعات كثيرة من شعب سور وسوار الكوفة (قرى وبساتين مهمة) وحمل إليها سماً فجعلته في طعامه، فلما وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين، وأمي سيدة نساء العالمين وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء! ودخل عليه أخوه الحسين عليه السلام فقال: كيف تجد نفسك؟ قال: أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، على كره مني لفراقك وفراق إخوتي، ثم قال: أستغفر الله، على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين وفاطمة وجعفر وحمزة عليهم السلام. ثم أوصى إليه وسلم إليه الإسم الأعظم ومواريث الأنبياء عليهم السلام التي كان أمير المؤمنين عليه السلام سلمها إليه ثم قال: يا أخي إذا متُّ فغسلني وحنطني وكفني واحملني إلى جدي حتى تلحدني إلى جانبه، فإن مُنعت من ذلك فبحق جدك رسول الله وأبيك أمير المؤمنين وأمك فاطمة الزهراء عليهم السلام أن لاتخاصم أحداً واردد جنازتي من فورك إلى البقيع...الخ.). وستأتي بقيتها في شهادته عليه السلام.
٣- الإمام الحسن عليه السلام يوصي أخاه محمد بن الحنفية
في الكافي:١/٣٠١: عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(لما حضرت الحسن بن علي الوفاة قال: يا قنبر أنظر هل ترى من وراء بابك مؤمناً من غير آل محمد عليهم السلام؟ فقال: الله تعالى ورسوله وابن رسوله أعلم به مني، قال: أدع لي محمد بن علي، فأتيته فلما دخلت عليه قال: هل حدث إلا خير؟ قلت: أجب أبا محمد فعجل على شسع نعله فلم يسوه وخرج معي يعدو، فلما قام بين يديه سلَّمَ فقال له الحسن بن علي: أجلس فإنه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيا به الأموات ويموت به الاحياء كونوا أوعية العلم ومصابيح الهدى فإن ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أن الله جعل ولد إبراهيم عليه السلام أئمة، وفضل بعضهم على بعض، وآتى داود عليه السلام زبوراً، وقد علمت بما استأثر به محمداً.
يا محمد بن علي، إني لا أخاف عليك الحسد وإنما وصف الله به الكافرين، فقال الله عز وجل: (كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)، ولم يجعل الله عز وجل للشيطان عليك سلطاناً.
يا محمد بن علي، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟ قال: بلى، قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحب أن يَبُرَّني في الدينا والآخرة فليبرَّ محمداً ولدي!
يا محمد بن علي، لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك.
يا محمد بن علي، أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي، ومفارقة روحي جسمي، إمامٌ من بعدي، وعند الله جل اسمه في الكتاب، وراثةً من النبي أضافها الله عز وجل له في وراثة أبيه وأمه فعلم الله أنكم خيرة خلقه، فاصطفى منكم محمداً واختار محمد علياً واختارني علي بالإمامة واخترت أنا الحسين.
فقال له محمد بن علي: أنت إمام وأنت وسيلتي إلى محمد صلى الله عليه وآله والله لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ألا وإن في رأسي كلاماً لاتنزفه الدلاء ولاتغيره نغمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم، أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل أو ما جاءت به الرسل، وإنه لكلام يكل به لسان الناطق ويد الكاتب حتى لايجد قلماً، ويؤتوا بالقرطاس حمماً، فلا يبلغ إلى فضلك وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله. الحسينُ أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول الله رحماً، كان فقيهاً قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله في أحد خيراً ما اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله، فلما اختار الله محمداً واختار محمد علياً واختارك علي إماماً واخترت الحسين، سلمنا ورضينا. مَنْ بغيره يَرضى؟ ومن غيره نَسْلَمُ به من مشكلات أمرنا). انتهى.
وقد تقدم رد روايتهم بوصيته لأخيه الحسين عليه السلام بعدم الخروج على يزيد!
ومن الروايات التي مدُّوا اليها أصابعهم، زعمهم أن الإمام الحسين أصرَّ على أخيه الإمام الحسن عليهما السلام أن يدله على من سقاه السم فأبى، لأنه لا يعرفه بنحو جازم!
قال المزي في تهذيب الكمال:٦/٢٥١: (وقال ابن عون، عن عمير بن إسحاق: دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي فقال فدخل المخرج(الميضأة) ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مراراً وما سقيته مرة هي أشد من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني، قال: ما أسألك شيئاً يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من غد وقد أخذ في السَّوْق (الإحتضار) فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي من صاحبك؟ قال: تريد قتله؟ قال: نعم، قال: لئن كان صاحبي الذي أظن، للهُ أشدُّ لي نقمة وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بي بريئاً). (مصنف ابن أبي شيبة:٨/٦٣١، وسير أعلام النبلاء:٣/٢٧٣، وتاريخ دمشق:١٣/٢٨٣، والإستيعاب/٢٧٩، وطبعة أخرى:١/٣٩٠، والسيرة الحلبية:٣/٣٦٠، ومروج الذهب/ ٦٥٨، وسمت النجوم العوالي/٨٥٤، والجوهرة للبري/٥٦٤، ومقاتل الطالبيين/٤٨، والإرشاد:٢/١٦، ومناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٢، وذخائر العقبى/١٤١، والعدد القوية/٣٥٢، والبحار:٤٤/١٥٨).
أقول: لا يمكن قبول الفقرة الأخيرة من الرواية، لأن معناها أن الإمام عليه السلام كان يظن ظناً بمن سمَّه ولا يجزم! وأن الإمام الحسين عليه السلام لا يعرف عن القاتل شيئاً! يريدون بهذا تبرئة معاوية، لأن المقتول لم يتهمه ولا اتهم عملاءه بل ظن ظناً!! ويكفي لرده عندنا عصمة الإمامين الحسنين عليهما السلام ويضاف اليها تصريح الإمام الحسن عليه السلام بأنه سيقتل بالسم بيد زوجته جعدة، كما تقدم من الخرائج:١/٢٤١والمناقب:٣/١٧٥، وكتاب سليم/٣٦٣.
ثم إن روايتهم هذه ترجع في كل مصادرهم إلى عمير بن إسحاق بن يسار، والفقرة الأخيرة منها مشكوكة لأن بعض المصادر كابن حجر في الإصابة:٢/٦٦، رواها إلى قوله: (فأبى أن يخبره) وليس فيها ذكر لظن الإمام الحسن عليه السلام وخوفه أن يقتل به برئ! وقد اضطرب فيها ابن كثير في النهاية:٨/٤٦ وصرح أن هذه الزيادة وردت في رواية منفصلة قال:(وفي رواية.... وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بي بريئاً).
على أنهم رووا مقابلها رواية عبدالله بن الحسن وليس فيها هذه الزيادة ولا معناها، كما في أكثر المصادر المتقدمة كما في تهذيب الكمال:٦/٢٥٢، عن عبدالله بن الحسن: (فلما حضرته الوفاة، قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قد قطع السم أمعاءه فقال الحسين: يا أبا محمد خبرني من سقاك؟ قال: ولم يا أخي؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك أو لا أقدر عليه أو يكمن بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخي، إنما هذه الدنيا ليال فانية دعه حتى التقي أنا وهو عند الله فأبى أن يسميه. قال: وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سماً). انتهى.
ورووا نحوها عن قتادة ولم يذكر فيها ذلك أيضاً بل أشار إلى اتهام معاوية: (فقال الحسين: من سقاك يا أخي؟ قال: ما سؤالك عن هذا أتريد أن تقاتلهم؟ أكلهم إلى الله. فلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: ياعجباً من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه)! (الإستيعاب:١/٣٩٠).
٤- ما رآه الإمام عليه السلام قرب موته
في تهذيب الكمال:٦/٢٥١: (عن عمران بن عبد الله بن طلحة: رأى الحسن بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ففرح بذلك، فبلغ سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا، ما بقي من أجله! قال: فلم يلبث الحسن بعدها إلا أياماً حتى مات). (وتاريخ الخلفاء/١٥٠، وسبل الهدى:١١/٧٠ وأنساب الأشراف/٧٤٨ وفيه: فسئل سعيد بن المسيب فقال: يموت، لأن القرآن حق فهذا مصير إلى الحق).
٥- أخرجوني إلى صحن الدار حتى أنظر في ملكوت السماوات!
في تهذيب الكمال:٦/٢٥٣: (عن رقبة بن مصقلة: لما حُضِرَ الحسن بن علي الموت قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار حتى أنظر في ملكوت السماوات، فأخرجوا فراشه فرفع رأسه إلى المساء فنظر ثم قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس عليَّ. فكان مما صنع الله أن احتسب نفسه عنده).(وسير الذهبي:٣/٢٧٥، وتاريخ دمشق:١٣/٢٨٥، والنهاية:٨/٤٧، وسبل الهدى:١١/٧٠، ووفيات الأعيان:٢/٦٦).
٦- ارتجَّت المدينة لموت الإمام الحسن عليه السلام وضجَّت بالبكاء
في سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٦: (عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: جعل الحسن يوعز للحسين: يا أخي إياك أن تسفك دماً فإن الناس سراع إلى الفتنة! فلما توفي ارتجَّت المدينة صياحاً فلا تلقى إلا باكياً. وأبرد مروان إلى معاوية بخبره وإنهم يريدون دفنه مع النبي (ص) ولا يصلون إلى ذلك أبداً وأنا حيّ). (وروى ارتجاج المدينة بالبكاء ابن عساكر في تاريخ دمشق:١٣/٢٩١، وكذا في ترجمة الإمام الحسن القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد/٨٦).
٧- دعوة ضواحي المدينة إلى تشييع الإمام عليه السلام
تاريخ دمشق:١٣/٢٩٧، عن ابن سعد: (عن جهم بن أبي جهم قال: لما مات الحسن بن علي بعثت بنو هاشم إلى العوالي صائحاً يصيح في كل قرية من قرى الأنصار بموت حسن، فنزل أهل العوالي، ولم يتخلف أحد عنه). (الطبقات/٨٩).
٨- حاكم المدينة سعيد بن العاص وقف على الحياد
في تاريخ دمشق:١٣/٢٩١: (لما بلغ مروان بن الحكم أنهم قد اجمعوا أن يدفنوا الحسن بن علي مع رسول الله (ص) جاء إلى سعيد بن العاص وهو عامل المدينة فذكر ذلك له فقال ما أنت صانع في أمرهم؟ فقال: لست منهم في شيء، ولست حائلاً بينهم وبين ذلك. قال: فخلني وإياهم. فقال: أنت وذاك. فجمع لهم مروان من كان هناك من بني أمية وحشمهم ومواليهم! وبلغ ذلك حسيناً فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفن حسناً في بيت النبي (ص) . انتهى.
وقد عرفت وسيأتي أن الإمام الحسين عليه السلام أوصى أن لا يراق من أجل دفنه محجمة دم، وأن الإمام الحسين عليه السلام كان ملتزماً بذلك.
٩- الإمام الحسين يتولى مراسم جنازة أخيه الإمام الحسن عليهما السلام
في جامع أحاديث الشيعة:٣/١٥٦:(مصباح الأنوار عن زيد بن علي قال: غسَّل أميرُ المؤمنين عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وآله وغسَّل أميرَ المؤمنين عليه السلام الحسنُ ولده(وغسل الحسن الحسين أخوه) ثم قال: بأبي وأمي مَن تولت الملائكة غسله). (والبحار:٧٨/٣٠٩، ومستدرك الوسائل:٢/٢٠٠) وما بين قوسين فقرة نرجح أنها سقطت من النص.
وفي الإرشاد:٢/١٥: (وتولى أخوه ووصيه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رحمة الله عليها بالبقيع). (ونحوه في الخرائج:١/٢٤٢، وإعلام الورى:١/٤٠٣، والبحار:٤٤/١٣٧، عن كشف الغمة):
وقد تقدم في أنه أوصى أخاه الحسين عليهما السلام أن يغسله ويصلي عليه: (فلما مضى لسبيله غسله الحسين عليهما السلام وكفنه وحمله على سريره، ولم يَشُكَّ مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتجمعوا له ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين بن علي إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليجدد به عهداً أقبلوا إليهم في جمعهم).
وتقدم من الكافي:١/٣٠٢: (فلما قبض الحسن عليه السلام وضع على سريره فانطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز فصلى على الحسين عليه السلام فلما أن صلى عليه حمل فأدخل المسجد). انتهى. فتكون صلاة والي المدينة سعيد بن العاص في البقيع بعد صلاة الحسين عليه السلام.
١٠ - الإمام الحسين (عليه السلام) يخرج بالجنازة إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله)
١ - قال المفيد في الإرشاد: ٢ / ١٨: (فلما مضى لسبيله غسله الحسين) عليهما السلام) وكفنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتجمعوا له ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى قبر جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليجدد به عهدا، أقبلوا إليهم في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب. وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة! (أي رب حرب خير من سلم) أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي! لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: إرجع يا مروان من حيث جئت فإنا ما نريد أن ندفن صاحبنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكنا نريد أن نجدد به عهدا بزيارته، ثم نرده إلى جدته فاطمة (عليها السلام) فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان وصى بدفنه مع النبي (صلى الله عليه وآله) لعلمت أنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه (عليه السلام) كان أعلم بالله ورسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه. ثم أقبل على عائشة فقال لها: وا سوأتاه! يوما على بغل ويوما على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلين أولياء الله، إرجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين) (الإرشاد: ٢/١٩، وبمعناه في الخرائج: ١ / ٢٤٢)
٢ - وفي الكافي: ١ / ٣٠٠، عن الإمام الباقر (عليه السلام) من حديث: (فلما قبض الحسن (عليه السلام) وضع على السرير ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يصلي فيه على الجنائز فصلى عليه الحسين (عليه السلام) وحمل وأدخل إلى المسجد، فلما أوقف على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذهب ذو العوينين (الجاسوس) إلى عائشة فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي (صلى الله عليه وآله) فخرجت مبادرة على بغل بسرج! فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجا! فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه! فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأدخلت عليه ببيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة).
٣ - وفي رواية أمالي الطوسي المتقدمة / ١٥٨: (ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين (عليه السلام) أمر أن يفتح البيت (الغرفة التي فيها القبر الشريف) فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان، وقالوا أيدفن أمير المؤمنين عثمان الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! والله لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح، وينفد النبل). انتهى.
٤ - في دلائل الإمامة / ١٦٠: (فوافى (مروان) مسرعا على بغلة حتى دخل على عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن عند قبر جده، ووالله لئن دفنه معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة! فقالت له: فما أصنع يا مروان؟ قال: تلحقي به وتمنعيه من الدخول إليه. قالت: فكيف ألحقه؟ قال: هذا بغلي فاركبيه والحقي القوم قبل الدخول. فنزل لها عن بغله وركبته وأسرعت إلى القوم وكانت أول امرأة ركبت السرج هي، فلحقتهم وقد صاروا إلى حرم قبر جدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرمت بنفسها بين القبر والقوم، وقالت: والله لا يدفن الحسن ها هنا أو تحلق هذه وأخرجت ناصيتها (شعرها) بيدها!!
وكان مروان لما ركبت بغلة جمع من كان من بني أمية وحثهم، فأقبل هو وأصحابه وهو يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة. أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن مع رسول الله؟! والله، لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف. وكادت الفتنة تقع وعائشة تقول: والله، لا يدخل داري من أكره.
فقال لها الحسين: هذه دار رسول الله، وأنت حشية من تسع حشيات خلفهن رسول الله، وإنما نصيبك من الدار موضع قدميك.
فأراد بنو هاشم الكلام وحملوا السلاح فقال الحسين: الله الله، لا تفعلوا فتضيعوا وصية أخي! وقال لعائشة: لولا أنه أوصى إلي ألا أهريق فيه محجمة دم لدفنته هاهنا، ولو رغم لذلك أنفك! وعدل به إلى البقيع فدفنه فيه مع الغرباء.
وقال عبد الله بن عباس: يا حميراء كم لنا منك؟! فيوم على جمل، ويوم على بغل؟! فقالت: إن شاء أن يكون يوم على جمل ويوم على بغل، والله ما يدخل الحسن داري)! انتهى.

* * *

أقول: هذه النصوص تدل بوضوح على أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقصد أساسا أن يدفن أخاه الإمام الحسن (عليه السلام) عند جده (صلى الله عليه وآله) بل كان حريصا على تنفيذ وصيته بدقة، وهي أن يجدد به عهدا بجده (صلى الله عليه وآله) ولا يهرق بسبب دفنه محجمة دم! وإنما أراد أن يزور بجنازته قبر النبي (صلى الله عليه وآله) قبل دفنه حسب وصيته، لكن مروان لفجوره ادعى أن الحسين (عليه السلام) يريد ذلك، فأقفل باب الحجرة النبوية الشريفة ومنعهم من زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) واستنفر! ويبدو أن سبب تأخر الجنازة في المسجد النبوي أن الإمام الحسين (عليه السلام) وبني هاشم أصروا على زيارة جنازة الإمام الحسن لقبر جده (صلى الله عليه وآله) وأن استنفارهم ودعوتهم بحلف الفضول، كانت من أجل فتح باب الحجرة النبوية. لكن رواة الخلافة كذبوا فقالوا إن بني هاشم أجمعوا على دفنه عند النبي (صلى الله عليه وآله)! وإن الإمام الحسين (عليه السلام) أمرهم بحفر قبر فاستنفر مروان!
ففي تاريخ دمشق: ١٣ / ٢٩١: (لما بلغ مروان بن الحكم أنهم قد أجمعوا أن يدفنوا الحسن بن علي مع رسول الله (ص) جاء إلى سعيد بن العاص وهو عامل المدينة فذكر ذلك له فقال: ما أنت صانع في أمرهم؟ فقال: لست منهم في شيء ولست حائلا بينهم وبين ذلك. قال: فخلني وإياهم! فقال: أنت وذاك! فجمع لهم مروان من كان هناك من بني أمية وحشمهم ومواليهم، وبلغ ذلك حسينا فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفن حسنا في بيت النبي (ص) وأقبل مروان في أصحابه وهو يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة! أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن حسن في بيت النبي (ص) والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: ٣ / ٢٧٦: (فانتهى حسين إلى قبر النبي (ص) فقال: إحفروا فنكب عنه سعيد بن العاص يعني أمير المدينة فاعتزل، وصاح مروان في بني أمية ولبسوا السلاح! فقال له حسين: يا ابن الزرقاء مالك ولهذا؟ أوال أنت؟ فقال: لا تخلص إلى هذا وأنا حي! فصاح حسين بحلف الفضول فاجتمعت هاشم وتيم وزهرة وأسد في السلاح، وعقد مروان لواء وكانت بينهم مراماة). انتهى.
وقول رواتهم إن بني هاشم أجمعوا أن يدفنوا الإمام الحسن (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) وقولهم إن الإمام الحسين (عليه السلام) قال لهم: إحفروا هنا، من مكذوباتهم ليبرروا استنفارهم ويسجلوا على بني هاشم أنهم تراجعوا أمامهم وأمام قريش، ولو مرة في التاريخ! والصحيح أن بني هاشم كانوا مطيعين للإمام الحسين (عليه السلام) وكان هو ينفذ وصية أخيه بأن يجددوا عهده بقبر جده (صلى الله عليه وآله) ولم يصدر عن الحسين (عليه السلام) حرف بأنه يريد أكثر من ذلك! بل قام بتسكيت بني هاشم وأنصارهم وكف سيوفهم وألسنتهم، وأمرهم بالانتظار حتى يفتحوا باب الحجرة النبوية فيزوروا الجنازة القبر الشريف وينطلقوا بها إلى البقيع. ولا بد أن بني أمية
ادعوا أن المفتاح عند عائشة وهي في بيتها، فسعت شخصيات قريش بالتهدئة حتى يأتوا بالمفتاح منها!
١١- مروان يركض إلى عائشة مستنجداً ويأتي بها على بغل!
تقدمت روايته من دلائل الإمامة للطبري/١٦٠، وقد وصفت رواية الكافي:١/٣٠٢عن الإمام الباقر عليه السلام الحادثة بدقة قال: (لما احتضر الحسن بن علي عليهما السلام قال للحسين: يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها: فإذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لأحدث به عهداً، ثم اصرفني إلى أمي فاطمة عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع، واعلم أنه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعها وعداوتها لله ولرسوله عليهما السلام وعداوتها لنا أهل البيت! فلما قبض الحسن عليه السلام وضع على سريره فانطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلى فيه على الجنائز فصلى على الحسين عليه السلام فلما أن صلى عليه حمل فأدخل المسجد، فلما أوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله بلغ عائشة الخبر وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي ليدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله فخرجت مبادرة على بغل بسرج! فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجاً، فوقفت وقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فإنه لا يدفن فيه شيء ولا يهتك على رسول الله حجابه، فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: قديماً هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله قربه! وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة! إن أخي أمرني أن أقربه من أبيه رسول الله صلى الله عليه وآله ليحدث به عهداً، واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله ستره لأن الله تبارك وتعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)، وقد أدخلت أنت بيت رسول الله الرجال بغير إذنه! وقد قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند أذن رسول الله المعاول! وقال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)، ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله بقربهما منه الأذى، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله! إن الله حرم من المؤمنين أمواتاً ما حرم منهم أحياء، وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه رسول الله صلوات الله عليهما جائزاً فيما بيننا وبين الله، لعلمتِ أنه سيدفن وإن رغم معطسك! قال: ثم تكلم محمد بن الحنفية وقال: يا عائشة يوماً على بغل، ويوماً على جمل! فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم!
قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك؟ فقال لها الحسين عليه السلام: وأنى تبعدين محمداً من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر. قال فقالت عائشة للحسين عليه السلام: نَحُّوا ابنكم واذهبوا به فإنكم قوم خصمون قال: فمضى الحسين عليه السلام إلى قبر أمه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع). انتهى.
وهذا يدل على أمور مهمة، نكتفي منها بثلاثة:
الأول، أن بيتها كان بعيداً عن القبر الشريف وإلا لما احتاجت إلى الركوب. فقد شهدت المدينة بعد الفتوحات حركة عمران واسعة نصت عليها الآثار، وانتقل أكثر سكان محلاتها المكتظة إلى بيوت جديدة واسعة. وقد تقدم أن عائشة باعت بيتها هذا أو غيره إلى معاوية بمئة وثمانين ألفاً. وهو غير حجرتها أيضاً لأنها أوصت بها إلى عبدالله بن الزبير كما تقدم. وحجرتها هذه غير الحجرة النبوية لأنها لا يمكن أن تبيعها أو توصي بها إلى أحد!
الثاني، أن قول الإمام الحسين عليه السلام:(وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه رسول الله صلوات الله عليهما جائزاً فيما بيننا وبين الله لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك) يدل على دفن الإمام الحسن عليه السلام إلى جنب النبي صلى الله عليه وآله لم يكن جائزاً في ذلك الوقت بسبب وصية الإمام الحسن عليه السلام والضرر الذي يترتب من فتح المعركة مع معاوية، وإلا فهو جائز لعترة النبي صلى الله عليه وآله والإمام الحسين عليه السلام هو المتولي الشرعي للقبر الشريف.
كما يدل قوله عليه السلام لعائشة: (لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند أذن رسول الله صلى الله عليه وآله المعاول) على وجود حكم خاص للحفر والتصرف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله.
والثالث، أن الإمام الحسن عليه السلام لم يوص بدفنه إلى جنب جده صلى الله عليه وآله ولا أراد الإمام الحسين عليه السلام ذلك، لكن السلطة استنفرت فجوراً وعداء لأهل البيت عليهم السلام!
والسؤال: ما هو السبب الحقيقي لتغير رأي عائشة إلى النقيض؟ فبعد أن قالت كما رووا عنها: (نعم، بقي موضع قبر واحد قد كنت أحب أن أدفن فيه، وأنا أؤثرك به). (تاريخ دمشق:١٣/٢٨٩) (قالت: نعم وكرامة). (سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٧).
ثم نقضت كلامها وأتت من بيتها مسرعة على بغل وقالت: (والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله في حياته! وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري، وما آثر علي عندنا بحسن). (لا يكون أبداً، يدفن ببقيع الغرقد ولا يكون لهم رابعاً!) (تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣).
والجواب: أن معاوية هو الذي فتح المعركة وأدارها، وعيَّن مروان قائداً لأنه يتميز بحقده على بني هاشم أكثر من حاكم المدينة سعيد! ولا بد أنه أرسل إلى عائشة تهديداً وتطميعاً، فتراجعت.
والسؤال: لماذا لم تكتف عائشة بالتراجع، وتترك مواجهة بني هاشم للدولة ومروان، خاصة أن بني أمية استنفروا مع لَفِّهم من مرتزقة! ولماذا أقفلت الحجرة النبوية وذهبت إلى بيتها، ولم تثق بكلام الحسين عليه السلام وهي تعرف أنه صادق؟
الجواب: أنهم تعمدوا قفل الحجرة النبوية وأخذت عائشة المفتاح، ولما رأى مروان إصرارهم على زيارة الجنازة للقبر الشريف خاف أن يدفنوه عند النبي صلى الله عليه وآله وذهب وأتى بعائشة لتواجههم ويكون هو من ورائها! لقد كان مروان حريصاً لتبييض وجهه مع معاوية على تصوير الأمر كأنه معركة كاملة، وكان في نفس الوقت خائفاً! فركض مسرعاً إلى منزل عائشة البعيد عن المسجد وجاء بها على بغله وصور لها كما صور لمعاوية أن بني هاشم مصرون على دفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده صلى الله عليه وآله بالقوة، وأنه البطل الذي وقف وأجبرهم على التراجع!
والسؤال الثالث: إن عائشة من بني تَيْم، وهم عضوٌ في حلف الفضول مع بني هاشم وبني زهرة وبني أسد بن عبد العزى. وقد دعا الإمام الحسين عليه السلام بحلف الفضول لمساعدته على دفع ظلم بني أمية، فاستجاب له بنو زهرة بقيادة المسور بن مخرمة، وبنو ليث بقيادة جعونة بن شعوب، فلماذا لم يستجب بنو تيم بقيادة أحد أبناء أبي بكر أو أبناء طلحة ووقفت عائشة ضد تحالفها الطبيعي الشرعي؟!
والجواب: أن أبناء السلطة يتكلمون بالقيم القبلية والعربية، لكن إذا جَدَّ الجد وتعارضت مصلحتهم السياسية معها يسحقونها بأقدامهم! وأكبر دليل على ذلك أن الإعتداء على المرأة عارٌ عند جميع قبائل العرب، ورسول الله صلى الله عليه وآله أقدس شخصية عند العرب، ومع ذلك تجرؤوا على ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته ونسائه!
وقد ادعى الحارث التيمي في رواية الطبقات في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام /٨٨، (قال: حضرت بنو تيم يومئذ حين دعا الحسين بن علي بحلف الفضول).انتهى.
ولو كان ذلك صحيحاً لرأيت الروايات تصف شجاعة أبناء طلحة وأبناء أبي بكر ومن معهم! لكن بني تيم وضعوا هذه الرواية ليجمعوا بين النقيضين بين تقربهم إلى معاوية بقيادة عائشة للمعركة إلى جنب مروان، وبقائهم في حلف الفضول حتى لاينفوا منه ويخسروا شرفه العظيم! وهو الذي حصل!
١٢- محاولتهم نفي ركوب عائشة البغلة
اشتهرت قصة ركوب عائشة البغلة في مصادر الطرفين، بقول محمد بن الحنفية: (يا عائشة يوماً على بغل، ويوماً على جمل، فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم! قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك؟!). (الكافي:١/٣٠٢). وبقول ابن عباس كما في الخرائج:١/٢٤٣: (وا سوأتاه! يوماً على بغل ويوماً على جمل! وفي رواية: يوماً تجملت، ويوماً تبغلت، وإن عشت تفيلت. فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي فقال:

أيا بنت أبي بكر فلا كان، ولا كنت
تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت
لك التسع من الثمن وبالكل تملكت).

وفي بهجة المجالس لابن عبد البرّ/٣٤: (لما مات الحسن أرادوا أن يدفنوه في بيت رسول الله (ص) فأبت ذلك عائشة وركبت بغلة وجمعت الناس! فقال لها ابن عباس: كأنك أردت أن يقال: يوم البغلة كما قيل يوم الجمل! قالت: رحمك الله ذاك يوم نسي! قال: لايومَ أذكرُ منه على الدهر).
واشتهر ركوبها على بغلة بموقف ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر: (وقالت: بيتي لا آذن فيه لاحد. فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر، فقال لها: يا عمة! ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء)! (اليعقوبي:٢/٢٢٥). وفي علل الشرائع:١/٢٢٥: قال الإمام الصادق عليه السلام:(أول امرأة ركبت البغل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة! جاءت إلى المسجد فمنعت أن يدفن الحسن بن علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله).
وروى بخاري في كتاب الكنى/٥، تعليقاً لاذعاً لابن عباس لما رأى عائشة ركضت بها بغلتها في المسعى وخرجت عن سيطرتها، قال: (عن أبي إدريس العبدي رأى عائشة تسعى بين الصفا والمروة على بغل أو بغلة فجالت بها البغلة! فقال ابن عباس: كان يوم البغلة)! انتهى. وذكرته مصادر أخرى.
ومع ذلك حاولوا تغطية بغلة أم المؤمنين فأبهموا قصتها وقالوا: (وقع بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة على بغلة فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك؟ فقالت: أصلح بين هذين الحيين. قال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل يوم البغل!؟ فانصرفت)! (نثر الدرر للآبي /١٣٣٦، والتذكرة الحمدونية/ ٢٢٢٥، ووفيات الأعيان:٣/١٧). وزعم الزبير بن بكار أن خالة جده عائشة ركبت البغلة لتصلح بين غلمان اقتتلوا! ورواها عنه في تهذيب الكمال:١٦/٦٦ ٧ قال: (اقتتل غلمان عبد الله بن عباس وغلمان عائشة فأخبرت عائشة بذلك، فخرجت في هودج على بغلة فلقيها ابن أبي عتيق فقال: أي أمي جعلني الله فداك أين تريدين؟ قالت: بلغني أن غلماني وغلمان ابن عباس اقتتلوا، فركبت لأصلح بينهم. فقال: يُعتق ما يملك إن لم ترجعي. قالت: يا بني ما الذي حملك على هذا؟ قال: ما انقضى عنا يوم الجمل حتى تريدي أن تأتينا بيوم البغلة؟!). (وتاريخ دمشق:٣٢/٢٤٠، والتحفة اللطيفة للسخاوي:٢/٨٢، ومثله ابن حجر في تهذيب التهذيب:٦/١٠قال: (البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة) عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق المعروف بابن أبي عتيق. روى عن عمة أبيه عائشة وعن ابن عمر) ثم ذكر رواية البغلة!)
بينما جعلتها رواية في أنساب الأشراف/٢٥٣٤، نكتة من ابن عتيق قال: (بعثت عائشة إلى ابن أبي عتيق تسأله أن يعيرها بغلة له لترسل عليها رسولاً في حاجة لها فقال لرسولها: قل لها والله ما غسلنا رؤوسنا من عار يوم الجمل أفمن رأيك أن تأتينا بيوم البغلة؟!). انتهى. وإن صحت فهي بغلة أخرى غير بلغة مروان!
أما الجاحظ والآلوسي وأمثالهما، فرأوا أنه لا يمكن تغطية البغلة! فأنكروا الحادثة من أساسها، فروى الجاحظ في رسائله/٢٣٨، وفي كتابه: البغال/٤، قصة ركوبها على البغلة لتصلح بين حيين من قريش! ثم قال: (هذا حفظك الله حديث مصنوع ومن توليد الروافض فظن الذي ولَّد هذا الحديث أنه إذا أضافه إلى ابن أبي عتيق وجعله نادرةً وملحةً أنه سيشيع ويجري عند الناس مجرى الخبر عن أم حبيبة وصفية. ولو عرف الذي اخترع هذا الحديث طاعة الناس لعائشة لما طمع في جواز هذا عنه). انتهى. يقصد الجاحظ أن الناس يطيعون عائشة ولا تحتاج إلى ركوب! لكن كلامه لو صح لا ينفي حاجتها إلى الحضور لمنع القتال المفروض، فقد احتاج إلى ذلك النبي صلى الله عليه وآله عندما أوقع اليهود الفتنة بين حيين من الأنصار وتواعدوا الحرب في الحرة. (سيرة ابن هشام:٣/٩٤).

وقال الآلوسي في تفسيره:٢٢/٧: (ولهم (الشيعة) في هذا الباب أكاذيب لا يعول عليها ولا يلتفت أريب إليها، منها أن عائشة أذنت للحسن حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم ندمت بعد وفاته وركبت على بغلة لها وأتت المسجد ومنعت الدفن ورمت السهام على جنازته الشريفة الظاهرة وادعت الميراث. وأنشأ ابن عباس يقول: تجملت تبلغت.. وإن عشت تفيلت.. لك التسع من الثمن.. فكيف الكل ملكت! وركاكة هذ الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر رضي الله تعالى عنه! وليت شعري أي حاجة لها إلى الركوب ومسكنها كان تلك الحجرة المباركة فلو كانت بصدد المنع لأغلقت بابها). انتهى.
أقول: عدم الإنصاف واضح في كلامه، فقد نسب رواية البغلة إلى الشيعة مع أن رواتها من الفريقين، ثم أنكر إذن عائشة ورجوعها عنه وقد روى ذلك السنة! وزعم أن الحجرة النبوية هي حجرة عائشة ومسكنها والدليل على عكسه كما عرفت! ثم كسر البيت الثاني وركَّكه، وزعم أن الشيعة نسبت البيتين إلى ابن عباس، مع أن أحداً لم ينسبهما اليه! وقد رأيت رواية الخرائج وأن ابن عباس قال: (يوماً تجملت، ويوماً تبغلت، وإن عشت تفيلت. فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي فقال...). انتهى. وقد زاد عليهما شاعر آخر هو الصقر البصري فقال:

أيَا بنتَ أبي بكرٍ فلا كانَ ولا كنتِ
تجمَّلتِ تبغَّلتِ ولو عشت تفيَّلتِ
لك التسعُ من الثمنِ فبالكلِّ تحكمتِ
ويومَ الحسنِ الهادي على بغلك أسرعتِ
وما يَسْتِ ومانعتِ وخاصمتِ وقاتلتِ
وفي بيت رسول الله بالظلم تحكَّمت
هل الزوجةُ أولى بالمواريث من البنت

(بتصرف من مناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٤)
١٣- أبو هريرة وأبو سعيد الخدري يواجهان مروان وعائشة!
في سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٧، عن مساور مولى بني سعد بن بكر قال: (رأيت أبا هريرة قائماً على مسجد رسول الله (ص) يوم مات الحسن بن علي يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس مات اليوم حِبُّ رسول الله فابكوا). (وتهذيب الكمال:٦/٢٥٥، وتاريخ دمشق:١٣/٢٩٥، وتهذيب التهذيب:٢/٢٦٠).
وفي سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٥: (فقال أبو هريرة: أرأيتم لو جئ بابن موسى ليدفن مع أبيه فمنع، أكانوا قد ظلموه؟ فقالوا: نعم. قال: فهذا ابن نبي الله (ص) قد جئ ليدفن مع أبيه). (وتاريخ دمشق:١٣/٢٨٨، وتهذيب التهذيب:٦/٢٥٤، وترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٨٥).
وفي أنساب الأشراف للبلاذري/٧٤٩: (وقال أبو سعيد الخدري وأبو هريرة لمروان: تمنع الحسن من أن يدفن مع جده! وقد قال رسول الله: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟! فقال مروان: لقد ضاع حديث رسول الله إن كان لا يرويه إلا مثلك ومثل أبي هريرة). انتهى.
وقد تجرأ أبو هريرة وناقش عائشة كيف رضيت بدفن الإمام الحسن عليه السلام مع جده صلى الله عليه وآله ثم حركها معاوية ومروان فتراجعت! فقال أبو هريرة:(أتنفسون على ابن نبيكم صلى الله عليه وآله بتربة تدفنونه فيها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني. هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه).(وتاريخ دمشق:١٣/٢٩٤، وسنن البيهقي:٤/٢٩، وتهذيب التهذيب:٢/٢٦٠، وأحكام الجنائز للألباني/١٠٠، وقال: أخرجه الحاكم (٣/١٧١) والبيهقي(٤/٢٨) وزاد في آخره: فقال أبو هريرة أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها وقد سمعت رسول الله يقول: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني. وأخرجه أحمد أيضاً (٢/٥٣١) بهذه الزيادة ولكنه لم يسق قصة تقديم سعيد للصلاة وإنما أشار إليها بقوله: فذكر القصة. ثم قال الحاكم: صحيح الاسناد ووافقه الذهبي. والحديث أورده الهيثمي في المجمع(٣/٣١) بتمامه مع الزيادة ثم قال: رواه الطبراني في (الكبير) والبزار ورجاله موثقون).انتهى.
ثم ناقش الألباني الحافظ لأنه ضعفه في التلخيص(٥/٢٧٥) بأحد رواته سالم بن أبي حفصة.
وكان أبو هريرة يروي موقفه يوم شهادة الإمام الحسن عليه السلام فيقول: (قاتل الله مروان قال: والله ما كنت لاأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله وقد دفن عثمان بالبقيع فقلت: يا مروان إتق الله ولا تقل لعلي إلا خيراً فأشهد لسمعت رسول الله (ص) يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحبه الله ورسوله ليس بفرار. وأشهد لسمعت رسول الله (ص) يقول في حسن: اللهم أني أحبه فأحبه وأحب من يحبه! قال مروان: إنك والله أكثرت على رسول الله الحديث فلا نسمع منك ما تقول، فهلمَّ غيرك يعلم ما تقول؟ قال قلت: هذا أبو سعيد الخدري! قال مروان: لقد ضاع حديث رسول الله حين لا يرويه إلا أنت وأبو سعيد الخدري، والله ما أبو سعيد الخدري يوم مات رسول الله إلا غلام! ولقد جئت أنت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله بيسير فاتق الله يا أبا هريرة! قال قلت: نِعْمَ ما أوصيتَ به، وسكتُّ عنه). (تاريخ دمشق:١٣/٢٨٨، ورواه ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام /٩٢، وبتره الذهبي في سيره:٣/٢٧٥!). وهو يدل على استهانة السلطة بأبي هريرة وأبي سعيد وعدم ثقتها بهما، لكنها في نفس الوقت تبنتهما لرواية أحاديثها! وقد مرَّ عتب مروان على أبي هريرة بقوله: (ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبك الحسن والحسين)! فأجابه أبو هريرة بحديث نبوي في فضلهما عليهم السلام. (تهذيب الكمال:٦/٢٣٠).
وفي العقد الفريد/١٠٧٦: (وقال أبو هريرة لمروان: علامَ تمنع أن يدفن مع جده فلقد أشهد أني سمعت رسول الله (ص) يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال له مروان: لقد ضيع الله حديث نبيه إذ لم يروه غيرك. قال: أما إنك إذ قلت ذلك، لقد صحبته حتى عرفت من أحب ومن أبغض ومن نفى ومن أقر، ومن دعا له ومن دعا عليه). (وأنساب الأشراف/٣/١٦ وفي طبعة/٧٤٨، وشرح النهج:١٦/١٤. ونحوه في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٩٣، وتاريخ دمشق:١٠/١٥٧). وهذا أقصى مواجهة أبي هريرة لمروان، فقد عرَّض بمروان أنه وأباه ملعونان على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه طردهما ونفاهما من المدينة!
١٤- الإمام الحسين عليه السلام يستنفر حلفاء بني هاشم بحلف الفضول!
اعترف عدد من علماء الخلافة بحلف الفضول أو حلف المطيبين وأن شرعيته مستمرة. (مجموع النووي:١٩/٣٨٤، وتهذيب الأسماء:٣/١٨١، وغيرهما). أما سياسة الخلافة القرشية فهي التهوين من هذا الحلف والتعتيم على أحاديثه ونصوصه الكثيرة وحذفها إن استطاعت من التاريخ والفقه! والسبب أنه حلف لبني هاشم وبني المطلب، ومعهم ثلاث قبائل: بنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، وبنو تيم.
(شرح النهج:١٤/١٢٩). ومعهم بنو ليث من عامر بن صعصعة. (الأنساب للسمعاني:٤/٤٢٣).
وموضوعه: حماية مكة المكرمة ومنع الظلم فيها، وحماية الضعيف حتى يأخذ حقه أياً كان الظالم والمظلوم. وسمي حلف الفضول لأن عبد المطلب رحمه الله أرادوه امتداداً لحلف قديم لأبناء إسماعيل وأخوالهم من جرهم من أجل حماية البيت ومنع الظلم فيه: (وغمسوا أيديهم في الطيب وتحالفوا وتصافقوا بأيمانهم ولذلك سموا المطيبين وسموا الحلف حلف الفضول، تشبيهاً له بحلف كان بمكة أيام جرهم على التناصيف، قام به رجال من جرهم يقال لهم: الفضل بن الحارث والفضيل بن وداعة والفضيل بن فضالة).(أن قوماً من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل هذا في أيامهم، فلما تحالفت قريش هذا الحلف سموا بذلك).(سنن البيهقي:٦/٣٦٧، وفتح الباري:٤/٣٨٧، ومجموع النووي:١/٣٨٤، ونهاية الإرب/٣٢٨٦، والأغاني:١٧/٣٠٠، والفايق للزمخشري:٢/٣١٢).
وفي مقابله(حلف لعقة الدم) أو (حلف الأحلاف) برئاسة بني عبد الدار وأربع قبائل: بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب. (شرح النهج:١٤/١٢٩). وموضوعه: التناصر القبلي والشخصي ظالماً أو مظلوماً، في مقابل المطيبين وغيرهم، ولا علاقة لحلفهم بحرمة الكعبة وحمايتها ونصرة المظلوم!
قال اليعقوبي في تاريخه:١/٢٤٨:(ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزُّوا، وكان أول من طلب ذلك بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب، فمشت بنو عبد الدار إلى بني سهم فقالوا: إمنعونا من بني عبد مناف... فتطيب بنو عبد مناف(وأسد) وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسموا حلف المطيبين. فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرةً وقالوا: من أدخل يده في دمها ولعق منه فهو منا! فأدخلت أيديها بنو سهم وبنو عبد الدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم، فسموا اللعقة). انتهى.
وفي المنمق لا بن حبيب/٣٣: (فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب، فغمسوا أيديهم فيه فسموا المطيبين، ونحر الآخرون جزراً فغمسوا أيديهم في دمها فسموا الأحلاف ولعقة الدم، لأن الأسود بن حارثة العدوي لعق من الدم ولعقت معه بنو عدي! فلما كادوا يفشلون عُبِّيت كل قبيلة لقبيلة، فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم، وبنو عبد الدار لبني أسد، وبنو مخزوم لبني تيم، وبنو جمح لبني زهرة، وبنو عدي لبني الحارث بن فهر، ثم إنهم مشوا في الصلح على أن تعطى بنو عبد مناف السقاية وبنو أسد الرفادة وتركت الحجابة والندوة واللواء لبني عبد الدار). وفي المحبر لابن حبيب/١٦٧: (ثم تناهدوا للقتال فمشت السفراء بينهم حتى اصطلحوا على أن لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولبني عبد الدار بن قصي اللواء والحجابة). انتهى.
أقول: تقرأ بين السطور القرشية أن عبد المطلب استطاع أن يواصل عمل عمه المطلب وجده هاشم رضي الله عنهم، فصار سيد مكة والعرب ووضع حداً لطغيان بني عبد الدار وأمثالهم من قبائل قريش، وظلمهم للناس خاصة في موسم الحج، فكانت ردة فعلهم أنهم تحالفوا ضده مع بني سهم فبادر هو إلى حلف المطيبين، وأجابوه هم بحلف لعقة الدم، وتهيؤوا لقتاله!
وفي عام حرب الفجار ضجَّ التجار والحجاج من اليمن وغيرها من ظلم بعض قبائل لعقة الدم خاصة بني سهم وكانت لهم قصص في الظلم، حتى أن أحد بني زبيد صعد جبل أبي قبيس وصاح شعراً يستنكر ظلم العاص بن وائل السهمي له وأكله لثمن بضاعته جهاراً نهاراً، وقد ناصره زعماء قريش من بني عبد الدار وغيرهم! (فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إني والله لأخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة فمشى إلى ابن جدعان وهو يومئذ شيخ قريش فقال له في ذلك وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم).(الأغاني:١٧/٢٩٩).
وجمع الزبير رؤساء قبائل حلف الفضول في دار ابن جدعان وجدده، وحضر الجلسة النبي صلى الله عليه وآله وكان عمره الشريف عشرين سنة، وقال عنه: (شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي به حمر النعم).(مسند أحمد:١/١٩٠ ومستدرك الحاكم:٢/٢٢٠، وصححه، وسنن البيهقي:٦/٣٦٧، والطبقات:١/١٢٨، وأدب البخاري/ ١٢٥، الآحاد والمثاني للضحاك:١/٤٩، وصحيح ابن حبان:١٠/٢١٦، ومسند أبي يعلى:٢/١٥٧، وصححه، وفتح الباري:١٠/٤١٩، ومسند الشاشي:١/٢٧١، وتهذيب الأسماء:٣/١٨١، وسير الذهبي:١٢/١٧٠، وأنساب الأشراف/١١، واليعقوبي:١/٢٤٨، و:٢/١٧، والتنبيه والإشراف/١٨٠، وسيرة ابن كثير:١/١٠١، و٢٥٧, وأخبار مكة للفاكهي:٥/١٧٥ والمنمق/٥٢، و١٨٦، والفايق للزمخشري:٢/٣١٢ وفيه: وفي رواية: لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت). انتهى. قال ابن تيمية في قاعدة في المحبة/١٢٤: (والتحالف عام لبني آدم وهم في جاهليتهم تارة يتحالفون تحالفاً يحبه الله كما قال النبي (ص) : لقد شهدت حلفاً مع عمومتي في دار عبد الله بن جدعان ما يسرني بمثله حمر النعم، أو قال ما يسرني حمر النعم وأن أنقضه، ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت).
وقال ابن قيم في حاشيته:٨/١٠١: (فهذا والله أعلم هو حلف المطيبين حيث تحالفت قريش(!) على نصر المظلوم وكف الظالم ونحوه). انتهى.
وقد اضطر الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله بسبب مدحه لحلف الفضول وتأكيده على شرعيته واستمراره، أن يأخذوه في اعتبارهم في تدوين قبائل العرب في ديوان العطاء، فبدؤوا ببني هاشم ثم بقبائل حلف الفضول ثم بقية قريش! (الأم للشافعي:٤/١٦٦، وسنن البيهقي:٦/٣٦٤، والنووي:١٩/٣٨١، وستعرف أن بني أسد ليسوا من حلف الفضول).
١٥- هدف الإمام الحسين عليه السلام من إحياء حلف الفضول
أحيا الإمام الحسين عليه السلام حلف الفضول في ظلامتين تعرض لهما: أولاهما أن معاوية كان من سياسته إفقار بني هاشم فأراد والي المدينة ابن أخيه السيطرة على بستان كبير كان استنبط ماءه وأنشأه أمير المؤمنين عليه السلام في وادي القرى (تيماء)! قال مصعب بن عمير: (خرج الحسين من عند معاوية فلقي ابن الزبير والحسين مغضب فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له فقال له الحسين: أخيِّره في ثلاث خصال والرابعة الصيلم(الحرب): أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقر بحقي ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه مني! فإن لم يفعل فوالذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول! فقال ابن الزبير: والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومنَّ، أو قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحي مع روحك، أو ينصفك! قال: ثم ذهب ابن الزبير إلى معاوية فقال: لقيني الحسين فخيرني في ثلاث خصال والرابعة الصيلم! قال معاوية: لا حاجة لنا بالصيلم إنك لقيته مغضباً فهات الثلاث خصال، قال: تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه، فقال قد جعلتك بيني وبينه أو ابن عمر أو جعلتكما جميعاً، قال: أو تقر له بحقه وتسأله إياه، قال فأنا أقر له بحقه وأسأله إياه، قال: أو تشتريه منه، قال: فأنا أشتريه منه! قال: فما انتهى إلى الرابعة، قال لمعاوية كما قال للحسين إن دعاني إلى حلف الفضول أجبته! قال معاوية: لا حاجة لنا بهذه). (تاريخ دمشق:٥٩/١٨٠، وأنساب الأشراف/١٤).
أقول: هدف ابن الزبير من حماسته للإمام الحسين عليه السلام أن يثبت أن قبيلته بني أسد عبد العزى عضو في حلف الفضول، والصحيح أنهم ليسوا منه ففي التذكرة الحمدونية/٦١٠، ونحوه في الأغاني:١٧/٣٠٠: (فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم: بالله إنا ليدٌ واحدة على الظالم حتى يَرُدَّ الحق، وخرجت سائر قريش من هذا الحلف. إلا أن ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الإسلام. وسأل معاوية جبير بن مطعم عن دعوى ابن الزبير في ذلك فقال جبير: هذا هو الباطل)!
والحادثة الأهم عندما منعوه أن يزور بجنازة أخيه عليهما السلام قبر النبي صلى الله عليه وآله! ومعنى ندائه عليه السلام بحلف الفضول أنه وقف وشهر سيفه ونادى: يا لحلف الفضول، أو نادى: يا أصحاب حلف الفضول. فهذه عادة العرب في الدعوة بالحلف.
وقد بينت رواياتهم من استجاب له ففي تاريخ دمشق:١٣/٢٩١: (وصاح مروان في بني أمية ولفُّها وتلبسوا السلاح وقال مروان: لا كان هذا أبداً! فقال له حسين: يا ابن الزرقاء ما لك ولهذا أوالٍ أنت؟ قال: لا كان هذا ولا يخلص إليه وأنا حي! فصاح حسين بحلف الفضول فاجتمعت بنو هاشم، وتيم، وزهرة، وأسد، وبنو جعونة بن شعوب من بني ليث قد تلبسوا السلاح. وعقد مروان لواء، وعقد حسين بن علي لواء، فقال الهاشميون: يدفن مع النبي (ص) حتى كانت بينهم المراماة بالنبل! وابن جعونة بن شعوب يومئذ شاهر سيفه! فقام في ذلك رجال من قريش: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمسور بن مخرمة بن نوفل، وجعل عبد الله بن جعفر يُلحُّ على حسين وهو يقول: يا ابن عم ألم تسمع إلى عهد أخيك إن خفت أن يهراق فيَّ محجمة من دم فادفني بالبقيع مع أمي أذكرك الله أن تسفك الدماء! وحسين يأبى دفنه إلا مع النبي (ص) وهو يقول ويعرض مروان لي ماله ولهذا؟! قال فقال المسور بن مخرمة: يا أبا عبد الله إسمع مني قد دعوتنا بحلف الفضول وأجبناك، تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم: يا ابن مخرمة إني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله (ص) إن وجد إلى ذلك سبيلاً، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم فليدفني مع أمي بالبقيع، وتعلم أني أذكرك الله في هذه الدماء! ألا ترى ما هاهنا من السلاح والرجال، والناس سراع إلى الفتنة. قال: وجعل الحسين يأبى وجعلت بنو هاشم والحلفاء يلغطون ويقولون لايدفن إلا مع رسول الله (ص) ! قال الحسن بن محمد سمعت أبي يقول لقد رأيتني يومئذ وإني لأريد أن أضرب عنق مروان، ما حال بيني وبين ذلك أن لا أكون أراه مستوجباً لذلك، إلا أني سمعت أخي يقول إن خفتم أن يهراق فيَّ محجم من دم فادفنوني بالبقيع! فقلت لأخي: يا أبا عبد الله وكنت أرفقهم به: إنا لا ندع قتال هؤلاء جبناً عنهم ولكنا إنما نتبع وصية أبي محمد، إنه لو قال والله أدفنوني مع النبي صلى الله عليه وآله لمتنا من آخرنا أو ندفنه مع النبي، ولكنه خاف ما قد ترى! فقال: إن خفتم أن يهراق فيَّ محجم من دم فادفنوني مع أمي، فإنما نتبع عهده وننفذ أمره). (ورواه ابن سعد في القسم غير المطبوع من الطبقات، في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام وقد طبعه السيد الطباطبائي رحمه الله /٨٦).
وأبناء جعونة بن شعوب الذين كان كبيرهم شاهراً سيفه مع الحسين عليه السلام، عدَّهم ابن حبيب في المنمق/٢٤٩ والسدوسي في نسب قريش/١١ في (من دخل في قريش في الإسلام بغير حلف إلا بصهر أو بصداقة أو برحم أو بجوار أو ولاء) وأصلهم من بني ليث من قبيلة عامر بن صعصعة، ومن مواليهم نافع الأصفهاني صاحب القراءة المشهورة. (الأنساب للسمعاني:٤/٤٢٣).
وقد حقق الإمام الحسين عليه السلام هدفه من استنفار حلف الفضول، فأكد بذلك شرعيته واستمراره، وبعث برسالة إلى معاوية والسلطة، واختبر مع علمه استجابة هذه القبائل عملياً لنداء أهل البيت عليهم السلام، فكان أقوى حضور لبني جعونة بن شعوب من بني ليث وهم حلفاء خاصون لبني هاشم، ويليه حضور بني زهرة بقيادة المسور بن مخرمة، ومعه إلى حد ما سعد بن أبي وقاص! بينما غابت شخصيات بني تيم ما عدا عائشة التي حضرت في الجانب الآخر!
كما ادعى عبدالله بن الزبير من بني أسد عبد العزى، أنه من حلف الفضول، وروى ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من طبقاته/٨٧ (لما دعا الحسين حلف الفضول جاءه عبد الله بن الزبير فقال: هذه أسد بأسرها قد حضرت فقال معاوية بعد ذلك لابن الزبير: وحضرت مع حسين بن علي ذلك اليوم؟ فقال: حضرت للحلف الذي تعلم دُعيت به فأجبت فسكت معاوية). انتهى. ولو صح فإن حضوره كان شكلياً، لأنه لم يرد عنه أي خبر في أحداث ذلك اليوم!
كما كشف الإمام عليه السلام الغياب الكامل لبني تيم! فرئيستهم عائشة في الجهة المعادية! وغياب بني الحارث بن فهر قبيلة أبي عبيدة بن الجراح ومنها عقبة بن نافع وأولاد سهل بن بيضاء وأولاد عياض بن غنم فلم أر مصدراًً ذكر حضورهم!
ومن الواضح أن هدف الإمام عليه السلام من دعوة قبائل حلف الفضول لنصرته لم يكن عسكرياً لأنه يعلم أنه لا معركة، ولو كانت معركة محلية فبنو هاشم وحدهم كافون لهزيمة مروان ولفَّه وقد قالوا للحسين عليه السلام: (دعنا وآل مروان، فوالله ما هم عندنا كأكلة رأس! فقال: إن أخي أوصاني أن لا أريق فيه محجمة دم).(تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٥).
١٦- وساطات عدد من الصحابة والشخصيات
توسط عدة شخصيات مع الإمام الحسين عليه السلام أن يصرف النظر عن زيارة جنازة الإمام الحسن عليه السلام أو عن دفنه عند جده صلى الله عليه وآله! وقد تقدم من ابن عساكر قول المسور بن مخرمة: (يا أبا عبد الله إسمع مني قد دعوتنا بحلف الفضول وأجبناك تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم: يا ابن مخرمة إني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله (ص) إن وجد إلى ذلك سبيلاً، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم...الخ.). (ورواه ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام /٨٦).
وذكروا وساطة سعد بن أبي وقاص: (فجعل سعد يكلم حسيناً يقول: الله الله، فلم يزل بحسين حتى ترك ما كان يريد). (تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣).
ووساطة جابر بن عبدالله الأنصاري: (قال جابر: فكلمت يومئذ حسين بن علي فقلت: يا أبا عبد الله إتق لله فإن أخاك كان لا يحب ما ترى فادفنه بالبقيع مع أمه، ففعل). (تاريخ دمشق:١٣/٢٨٧).
ووساطة أبي هريرة: (فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء!). (سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٥).
ووساطة عبدالله بن عمر قال: (حضرت موت حسن بن علي فقلت للحسين بن علي: إتق الله ولا تثر فتنة ولا تسفك الدماء وادفن أخاك إلى جنب أمه، فإن أخاك قد عهد ذلك إليك، فأخذ بذلك حسين). (تاريخ دمشق:١٣/٢٨٨، وترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٨٨).
ووساطة عبدالله بن جعفر: (وجعل عبد الله بن جعفر يلحُّ على حسين وهو يقول: يا ابن عم ألم تسمع إلى عهد أخيك إن خفت أن يهراق فيَّ محجمة من دم فادفني بالبقيع مع أمي). (تاريخ دمشق:١٣/٢٩١، وسير أعلام النبلاء:٣/٢٧٦).
(فلما صلوا على حسن خشي عبد الله بن جعفر أن يقع في ذلك ملحمة عظيمة فأخذ بمقدم السرير ثم مضى نحو البقيع فقال له حسين: ما تريد؟ قال: عزمت عليك بحقي أن لاتكلمني كلمة واحدة، فصار به إلى البقيع فدفنه هناك رحمه الله، وانصرف مروان ومن معه). (سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٥، وتاريخ دمشق:١٣/٢٩١).
أقول: في هذه الروايات إشكالات، أهمها أن رواة الخلافة دأبوا على تصوير الإمام الحسين عليه السلام وكأنه مصرٌّ على الحرب خلافاً لأخيه الحسن عليه السلام! وهذا خط عام عندهم، فهم يصورون الإمام الحسن عليه السلام مسالماً تقياً، والإمام الحسين عليه السلام عنيفاً جريئاً على إراقة الدماء! أما الواقع فهو أن الإمام الحسين نفذ وصية أخيه عليهما السلام حرفياً وحقق هدفهما من إظهار الرغبة في دفنه عند جده صلى الله عليه وآله، لكنه بيَّن من أول الأمر أنها رغبة مشروطة بعدم إراقة الدماء، ولايمنع ذلك أنه استنفر بني هاشم ودعا بحلف الفضول، لإثبات ظلامتهم وحقهم المشروع في الدفاع عنها، وعندما اقترب الأمر من القتال وظهر للناس أن معاوية ومروان غاصبون دمويون، فطمأن الإمام الحسين عليه السلام الشخصيات التي توسطت، وهدَّأ بني هاشم وحلفاءهم وأمرهم أن يكفوا سيوفهم! ومن أدق النصوص في موقف الإمام الحسين عليه السلام ما كتبه ابن عبد الوهاب في كتابه (عيون المعجزات) الذي ألفه سنة٤٤٨، وقد تقدم بعضه في وصية الإمام الحسن عليه السلام قال في/٥٧: (فلما فرغ من شأنه وحمله ليدفنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله ركب مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وآله بغلة وأتى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله، والله إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة! قالت: فما أصنع يا مروان؟ قال: إلحقي به وامنعيه من أن يدفنه معه. قالت: وكيف ألحقه؟ قال: إركبي بغلتي هذه فنزل عن بغلته وركبتها وكانت تُثَوِّر الناس وبني أمية على الحسين عليه السلام وتحرضهم على منعه مما هم به، فلما قربت من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت قد وصلت جنازة الحسن عليه السلام فرمت بنفسها عن البغلة وقالت: والله لا يدفن الحسن هاهنا أبداً أو تُجَزَّ هذه! وأومت بيدها إلى شعرها(وفي رواية دلائل الإمامة/١٦٠:حتى تحلق هذه! وأخرجت ناصيتها) فأراد بنو هاشم المجادلة فقال الحسين عليه السلام: الله الله لاتضيعوا وصية أخي واعدلوا به إلى البقيع فإنه أقسم عليَّ إن أنا منعت من دفنه مع جده صلى الله عليه وآله أن لا أخاصم فيه أحداً وأن أدفنه بالبقيع مع أمه(فاطمة بنت أسد) فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها، فقام ابن عباس وقال: يا حميراء ليس يومنا منك بواحد، يوم على الجمل ويوم على البغلة! أما كفاك أن يقال يوم الجمل حتى يقال يوم البغل، يوم على هذا ويوم على هذا! بارزة عن حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله تريدين إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره المشركون! إنا لله وانا إليه راجعون! فقالت له: إليك عني، وأفٍّ لك وقومك)!
١٧- وصفهم احتشاد المسلمين في تشييع الإمام الحسن عليه السلام
(عن جهم بن أبي جهم قال: لما مات الحسن بن علي بعثت بنو هاشم إلى العوالي صائحاً يصيح في كل قرية من قرى الأنصار بموت حسن، فنزل أهل العوالي ولم يتخلف أحد عنه... سمعت ثعلبة بن أبي مالك قال: شهدنا حسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع، فلقد رأيت البقيع ولو طرحت إبرة ما وقعت إلا على إنسان! قال: عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: بُكِيَ على حسن بن علي بمكة والمدينة سبعاً النساء والصبيان والرجال)!
وفي المنتخب من ذيل المذيل للطبري/١٩ عن ابن سنان قال: (سمعت ثعلبة بن أبي مالك قال شهدنا حسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع، ولقد رأيت البقيع ولو طرحت فيها إبرة ما وقعت إلا على رأس إنسان)! (تهذيب الكمال:٦/٢٥٦، والإصابة: ٢/٦٦، ومذيل الطبري/١٩، وترجمة الإمام الحسن من الطبقات٩٠، وتاريخ دمشق:١٣/٢٩٧، ومستدرك الحاكم:٣/٣٧٣). وقال ابن كثير:٨/٤٨ (وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحداً من الزحام وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً واستمر نساء بني هاشم ينحن عليه شهراً، وحدت نساء بني هاشم عليه سنة). انتهى.
ومن بين كل هذه الحشود حضر شخص واحد من بني أمية! (وشهدها خالد بن الوليد بن عقبة بعد أن ناشد بني أمية أن يخلوه يشهد الجنازة فتركوه، فشهد دفنه في المقبرة)! (سنن الداني:١/١٦٤).
١٨- صلاة والي المدينة على جنازة الإمام الحسن عليه السلام
في تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣: (فأطاع حسينٌ بعد أن ظننت أنه لا يطيع، فاحتملناه حتى وضعناه بالبقيع وحضر سعيد بن العاص ليصلي عليه فقالت بنو هاشم: لايصلي عليه أبداً إلا حسين، قال: فاعتزل سعيد بن العاص فوالله ما نازعنا في الصلاة، وقال: أنتم أحق بميتكم، فإن قدمتموني تقدمت. فقال حسين بن علي: تقدم، فلولا أن الأئمة تُقدم ما قدمناك).
وفي تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣: (عن أبي حازم قال رأيت حسين بن علي قدم سعيد بن العاص على الحسن بن علي فصلى عليه، ثم قال: لولا إنها سنة ما قدمته).
وفي رواية عن سالم عن أبي حفصة قال: (سمعت أبا حازم يقول: إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا إنها سنة ما قدمت! وكان بينهم شيء، فقال أبو هريرة أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها؟ وقد سمعت رسول الله يقول: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني). (الحاكم:٣/١٧١ ووفيات الأعيان:٢/ ٦٦، والطبراني الكبير:٣/١٣٦، ونحوه سير أعلام النبلاء:٣/٢٧٥).
أقول: روت عامة مصادرهم الفقهية تقديم الإمام الحسين عليه السلام لوالي المدينة في الصلاة على جنازة أخيه عليهما السلام وأفتوا به، لأنه لمصلحة الولاة. وتدل الرواية الأولى على أنه صلى عليه في البقيع: (فاحتملناه حتى وضعناه بالبقيع، وحضر سعيد بن العاص ليصلي عليه فقالت بنو هاشم...). وتقدم أن الإمام الحسين عليه السلام صلى عليه حسب وصيته في مصلى الجنائز، قرب مسجد النبي صلى الله عليه وآله.
١٩- سجلوا (انتصارهم) على بني هاشم فرموا الجنازة بالسهام!
وصف رواة الخلافة استنفار بني أمية ولَفِّهم، وبني هاشم وحلفائهم في حلف الفضول، وأنهم اتخذوا مواقع للقتال وتراشقوا بالنبال!
ففي تاريخ دمشق:١٣/٢٩١، وسير أعلام النبلاء:٣/٢٧٦: (وعقد مروان لواءً وعقد حسين بن علي لواء، فقال الهاشميون يدفن مع النبي (ص) حتى كانت بينهم المراماة بالنبل! وابن جعونة بن شعوب يومئذ شاهرٌ سيفه! فقام في ذلك رجال من قريش...). انتهى. ولكنهم لم يرووا ماذا فعل بنو أمية بعد أن قبل الإمام الحسين عليه السلام وساطة شخصيات قريش وفتحوا باب الحجرة الشريفة وزارت جنازة الإمام الحسن عليه السلام قبر جده صلى الله عليه وآله واتجهوا بها إلى البقيع!
فقد اكتفت رواياتهم بوصف مشي مروان خلف الجنازة باكياً! (ومشى مروان في جنازة الحسن وبكى) (سمت النجوم/٨٥٦). كما وصفوا احتشاد المسلمين في البقيع لتوديع سبط نبيهم الحبيب صلى الله عليه وآله، وصلاة سعيد بن العاص على جنازته.
أما رواياتنا فتقول إن جلاوزة معاوية ومروان رموا جنازة الإمام الحسن عليه السلام برشقة سهام كثيفة! وحكي أنه سُلَّ منها سبعون نبلاً! (مناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٣). وفي الصوارم المهرقة للشهيد نور الله التستري /١٦١: (وآل الأمر إلى أن رموا جنازة الحسن عليه السلام ووصل بعض النصال إلى بدنه الشريف عليه السلام)! وروي أنهم رموها بالأحجار أيضاً! (فُلك النجاة لفتح الدين الحنفي/٥٥)
ولا شيء من ذلك ببعيد على طبيعة بني أمية ومرتزقتهم! خاصة وأن جنازة عثمان أهينت ومنع المسلمون دفنها في مقابر المسلمين! وعندما أمر علي عليه السلام بدفنها وحماها، أرسل طلحة بن عبيدالله سفلةً فرموها بالحجارة!
قال الطبري في تاريخه:٣/٤٣٨: (عن أبي بشير العابدي قال: نبذ عثمان ثلاثة أيام لايدفن، ثم إن حكيم بن حزام القرشي ثم أحد بني أسد بن عبد العزى وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف كلما علياً في دفنه وطلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك ففعل وأذن لهم علي، فلما سمع الناس بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة وخرج به ناس يسير من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يقال له حش كوكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم! فلما خرج على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه فبلغ ذلك علياً فأرسل إليهم يعزم عليهم ليَكُفَّنَّ عنه ففعلوا، فانطلق حتى دفن في حش كوكب! فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين). انتهى.
وكان ينبغي لمروان يسجل شكره لعلي عليه السلام الذي أوقف حجارة طلحة التيمي عن جنازة عثمان! ولكنه انتقم من ذلك بحجارة على جنازة الإمام الحسن عليه السلام الهاشمي! ولا تفسير لذلك إلا أن مروان يكره عترة النبي صلى الله عليه وآله الأطهار عليهم السلام بسبب أنه ملعون بن ملعون! (المستدرك:٤/٥٢٦، وصححه، وصححه علماؤهم).
ولا بد أن مروان بعد أن رجع من تشييع الإمام الحسن عليه السلام وجفت دموع عينيه، شكر مرتزقته على رمي الجنازة بالسهام والحجارة وكافأهم! كما شكره معاوية وكافأه، فعزل سعيد بن العاص لأنه كان ليِّناً مع بني هاشم، وعيَّنه والياً مكانه!
أما عائشة فرجعت إلى بيتها على بغل مروان ولم تحضر التشييع، ولا بد أن معاوية بعث اليها بالشكر والمكافأة! لكن علاقة الود بينها وبين معاوية ومروان لم تَطُلْ! فما هو إلا شهر أو نحوه حتى اضطر أخوها عبد الرحمن رئيس بني تيم، أن يقف في المسجد النبوي مواجهاً لمروان رافضاً بيعة يزيد وقد شتمه وشتم معاوية ويزيداً فشتمه مروان وأمر بالقبض عليه، فركض عبد الرحمن إلى حجرة أخته عائشة، فخرجت عائشة إلى المسجد وصاحت بمروان وصكت وجهه! معلنةً للمسلمين أنه وأباه مطرودان من النبي صلى الله عليه وآله وملعونان على لسانه! وتفاقم صراعها مع معاوية، حتى قتل أخوها مسموماً، ثم ماتت هي بنحو مشكوك!
٢٠- تأبين الإمام الحسين عليه السلام ومحمد بن الحنفية لأخيهم
في تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٥: (ولما لُفَّ في أكفانه قال محمد بن الحنفية: رحمك الله أبا محمد فوالله لئن عزَّت حياتُك لقد هدَّت وفاتُك، ونعم الروح روحٌ عُمِرَ به بدنك ونعم البدن بدن ضمه كفنك، لم لاتكون كذلك وأنت سليل الهدى وحلف أهل التقوى وخامس أصحاب الكسا، غذتك كف الحق وربيت في حجر الإسلام وأرضعتك ثدي الإيمان فطب حياً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله. وإن كانت أنفسا غير قالية لحياتك ولا شاكة في الخيار لك).
وفي مناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٥: (وقال الحسين لما وضع الحسن عليهما السلام في لحده:

أأدهنُ رأسي أم تطيبُ مجالسي ورأسك معفورٌ وأنت سليبُ
أوَ استمتعُ الدنيا لشيء أحبه... ألا كلُّ ما أدنى إليك حبيب
فلا زلتُ أبكي ما تغنتْ حمامةٌ...عليك وما هبَّت صباً وجُنُوب
وما هَملتْ عيني من الدمع قطرةً. وما اخْضَرَّ في دوْح الحجاز قضيب
بكائي طويلٌ والدموعُ غزيرةٌ... وأنت بعيدٌ والمزارُ قريب
غريبٌ وأطرافُ البيوت تحوطه...ألا كل من تحت التراب غريب
ولا يفرح الباقي خلافَ الذي مضى... وكل فتى للموت فيه نصيب
فليس حريباً من أصيب بماله... ولكن من وارى أخاه حريب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفُه... وليس لمن تحت التراب نسيب).

وفي تاريخ دمشق:١٣/٢٩٦: (عن ابن السماك قال: قال الحسين بن علي عند قبر أخيه الحسن يوم مات: رحمك الله أبا محمد إذ كنت لناصر الحق مظانه، تؤثر الله عند مداحض الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يداً طاهرة، وتردع ماردة أعدائك بأيسر المؤونة عليك وأنت ابن سلالة النبوة ورضيع لبان الحكمة، والى روح وريحان وجنة نعيم، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة، وحسن الأسى عليه). انتهى.
ثم أورد رواية نسبتها إلى محمد بن الحنفية، وكذا ابن الجوزي في التذكرة/ ١٢٢، ورواها في المجالس الفاخرة/١٥١، بتفاوت، ونسبها إلى الإمام الحسين عليه السلام.
٢١- العزاء في المدينة ومكة أسبوعاً، وحداد بني هاشم سنة!
في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٩٠: (فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً). وفي هامشه: ورواه الحافظ المزي في تهذيب الكمال: ٦/٢٥٢وابن عساكر في تاريخه برقم ٣٣٨كلاهما عن ابن سعد. وقال ابن الأثير في أسد الغابة:١/١٦: ولما مات الحسن أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً، ولبسوا الحداد سنة. ورواه ابن كثير في تاريخه:٨/٤٣ عن الواقدي كما هنا، وقال في/٤٤: وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً، واستمر نساء بني هاشم ينحن عليه شهراً، وحدت نساء بني هاشم عليه سنة). وفي منتخب مذيل الطبري/١٩: (عن أم بكر بنت المسور قالت: كان الحسن بن علي سُمَّ مراراً كل ذلك يَفلت حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها، فإنه كان يُجْتلَف (يُستأصل) كبدُه! فلما مات أقام نساء بني هاشم النوح عليه شهراً... مكث الناس يبكون على الحسن بن علي سبعاً ما تقومُ الأسواق.... حَدَّ نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة). (تاريخ دمشق: ١٣/٢٩٥ وتهذيب الكمال: ٦/٢٥٢ والنهاية: ٨/٤٧).
وفي تاريخ دمشق:١٣/٢٩٧: (بَكى على حسن بن علي بمكة والمدينة سبعاً النساءُ والصبيان والرجال)! (وترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات/٩٠ والحاكم:٣/١٧٣، والنهاية:٨/٤٣، والإكمال ٦/٣٩). وينبغي الإلفات هنا إلى أمرين:
الأول: أن أهل البيت عليهم السلام ومحبيهم يتميزون بعاطفة إنسانية جياشة لاتوجد في غيرهم، لذلك نجد بعض رواة السلطة القرشية وعلماءها ينتقدونونهم بشكل مبطن لحزنهم على أئمة أهل البيت عليهم السلام وكبار شخصياتهم! بل وصل الأمر ببعضهم إلى السخرية أو إطلاق الخيال والفتاوى! وكان الأحرى بهم أن يقدروا هذه العواطف الإنسانية الراقية الممدوحة في الإسلام!
ففي العقد الفريد/١٨٣: (لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته فسطاطاً على قبره وأقامت حولاً، ثم انصرفت إلى بيتها، فسمعت قائلاً يقول: هل أدركوا ما طلبوا؟ فأجابه مجيب: بل ملوا فانصرفوا). أما بخاري فقد حشر هذه الرواية في صحيحه حشراً مع أنها أثر وليست حديثاً! ونسبها إلى زوجة الحسن بن الحسن، والتي هي فاطمة بنت الحسين عليه السلام! وأفتى بأن عملها مكروه لأنه من اتخاذ القبر مسجداً! قال في صحيحه:٢/٩٠: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور: ولما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت، فسمعوا صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا).
وقال في فتح الباري:٣/١٦١: (ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لايخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة). انتهى.
وعليه فمعنى كلام بخاري أن فاطمة بنت الحسين أو زوجة الحسن عليهم السلام قد اتخذت القبر مسجداً فشملتها لعنة النبي صلى الله عليه وآله! وقد حكم شراحه بأن المنادي من الملائكة أو مؤمني الجن وأنهم نواصب ينتقدون هذا العمل لأنه لايُعيد الميت إلى الحياة! وهو نموذج من جفاف العواطف وقبول الأساطير!
ومن خشونتهم انتقادهم وفاء الرباب بنت امرئ القيس لزوجها الإمام الحسين عليه السلام حيث آلت على نفسها أن لاتستظل بظل بعد أن قتل عطشاناً على رمضاء كربلاء: (وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش فقالت: ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله! ووالله لا يؤويني ورجلاً بعد الحسين سقف أبداً! ولم تزل عليه كمدة حتى ماتت)! (النهاية:٨/٢٢٩، وكامل ابن الأثير:٣/٤٤٠، وتاريخ دمشق:٦٩/١٢٠).
والأمر الثاني: أن أهل البيت عليهم السلام تعمدوا أن يقيموا مجالس العزاء والبكاء والنوح على شخصياتهم وعامتهم، وقد أوصى عدد منهم بذلك وأن يكون في المدينة أو منى في موسم الحج، من أجل تأصيل هذه الحالة الإنسانية الإسلامية وتعميمها على المسلمين، وليدحضوا بها الخشونة البدوية التي تزعم أن الإسلام نهى عن البكاء على الميت، وأن بكاء الشخص على ميته يوجب عذابه! ويبطلوا سياسة السلطة التي استعملتها ضدهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله!
٢٢- العزاء على الإمام الحسن عليه السلام في البصرة
(قال أبو الحسن المدائني: وصل نعي الحسن رضي الله عنه إلى البصرة في يومين وليلتين، فقال الجارود بن أبي سبرة:

إذا كان شراً سار يوماً وليلة وإن كان خيراً أخر السير أربع
إذا ما بريد الشر أقبل نحونا بإحدى الدواهي الرَّبْد سار وأسرع

(شرح النهج:١٦/١٤)
ورواه في في تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣، وقال: (فنعاه زياد لجلسائه، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه للناس فبكوا، فسمع أبو بكرة البكاء فقال لميسة بنت شحام امرأته وهو مريض: ما هذا؟ قالت نُعِيَ الحسن بن علي فاستراح الناس من شر كثير! قال: ويحك! بل أراحه الله من شر كثير، وفقد الناس خيراً كثيراً.
قال: وأخبرني عمي مصعب بن عبد الله أن النجاشي قال يرثي الحسن رضي الله عنه:

يا جَعْدُ بكِّيه ولا تَسْأمي بكاء حقٍّ ليس بالباطل
على ابن بنت الطاهر المصطفى وابن ابن عم المصطفى الفاضل
كان إذا شبَّت له ناره يوقِّدها بالشرف القابل
لكي يراها بائسٌ مُرملٌ أو فردُ حيٍّ ليس بالآهل
لم تُغلقي باباً على مثله في الناس من حافٍ ومن ناعل
أعني فتىً أسلمه قومُه للزمن المستحرج الماحل
نعم فتى الهيجاء يومَ الوغا والسيدِ القائلِ والفاعل).

٢٣- فرح معاوية بقتله للإمام الحسن عليه السلام!
روت كافة المصادر ارتفاع صوت الفرحة من قصر معاوية بقتل الإمام الحسن عليه السلام! ففي وفيات الأعيان:٢/٦٦: (ولما كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه: أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، ولما بلغه موته سمع تكبيراً من القصر، فكبر أهل الشام لذلك التكبير! فقالت فاختة زوجة معاوية: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين ما الذي كبرت له؟ قال: مات الحسن. قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبر؟ قال: والله ما كبرتُ شماتةً بموته، ولكن استراح قلبي!
وكان ابن عباس بالشام فدخل عليه فقال يا ابن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: لا أدري ما حدث إلا أني أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك وسجودك! قال: مات الحسن. قال: إنا لله يرحم الله أبا محمد ثلاثاً، ثم قال: والله يا معاوية لا تسدُّ حفرته حفرتك، ولا يزيد نقص عمره في يومك، وإن كنا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فسكَّن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة، وكان الله الخلف علينا من بعده).
وفي أخبار الدولة العباسية/٤٢: (عن معمر عن إدريس ومحمد بن إسحاق قال: ثم إن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية يخبره بمرض الحسن بن علي وأنه رأى أن به السل! فكتب إليه معاوية: لاتغيبني خبره يوماً فكان يأتي خبره معاوية كل يوم! فقال رجل من قريش: إني الباب في اليوم الذي جاء فيه نعي الحسن بن علي عليه السلام إذ مرَّ يزيد بن معاوية داخلاً على أبيه فأدخلني فما مر بباب إلا قالوا: مرحباً بابن أمير المؤمنين حتى انتهى إلى البيت الذي فيه معاوية، وإذا امرأته بنت قرظة تعطره وتسرح لحيته، فلما رأتنا امرأته قالت: وا سوأتاه أتدخل علينا الرجال؟ فقال لها: أسكتي وإلا عزمت على أمير المؤمنين أن يتزوج أربع قرشيات كلهن يأتين بغلام يبايع له بالخلافة! فقال لها معاوية: أسكتي فلو عزم عليَّ يزيد لم أجد بداً من إنفاذ عزيمته! فقامت فلم تقدر على النهوض حتى وضعت يدها على الأرض ثم ارتفعت، فلما ولت قال معاوية: ما كنا لنُغِيرها. قال يزيد: وما كنت لأعزم عليك إنما قلت ما قلت لأذعرها! فإنا كذلك إذ دخل شيخ طوال كان على الصائفة فسأله معاوية عن أمر الناس والجند، فبينا نحن كذلك إذ دخل غلام معاوية فقال: يا أمير المؤمنين بشرايَ! قال: وما ذلك؟ قال: في هذه الصحيفة ما تحب. قال: لك بشراكَ، فدفعها إليه ولما قرأها خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فعرفنا السرور في وجهه فنعى الحسن بن علي، فبكى الشيخ وانتحب ووضع يده على (فمه) ينتحب فقال له الغلام: أسكت أيها الشيخ فقد شققت على أمير المؤمنين! هل الحسن إلا أحد رجلين: إما منافق أراح الله منه، وإما بَرٌّ فما عند الله خير للأبرار! ثم إن معاوية قال لحاجبه: إئذن للناس وأخِّر إذن ابن عباس..).
وفي مناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٣، وبعضه في تاريخ أبي الفداء / ٢٣١: (ربيع الأبرار عن الزمخشري، والعقد لابن عبد ربه: أنه لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي عليه السلام سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه! فدخل عليه ابن عباس فقال له: يا ابن عباس أمات أبو محمد؟ قال: نعم رحمه الله، وبلغني تكبيرك وسجودك! أما والله ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك! قال: حسبته ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش! فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وفي رواية: كنا صغاراً فكبرنا! قال: فأنت تكون سيد القوم؟ قال: أما وأبو عبد الله الحسين بن علي باق فلا. وقال الفضل بن عباس:

أصبح اليوم ابنُ هند آمناً ظاهرَ النخوة إذ مات الحسنْ
رحمة الله عليه إنما طالما أشجى ابن هند وأرنّ
استراح القوم منه بعده إذ ثوى رهنا لأجداث الزمن
فارتعِ اليوم ابنَ هند آمناً أينما يَقْمُصُ بالعير السمن).

وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة:١/١٥٠: (فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً، حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا بن عباس هلك الحسن بن علي، فقال ابن عباس: نعم هلك إنا لله وإنا إليه راجعون ترجيعا مكرراً، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته! أما والله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيراً منه، جده رسول الله صلى الله عليه وآله. فجبر الله مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس وبكى وبكى من حضر المجلس وبكى معاوية، فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم! فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغاراً.. إلى آخر ما مر. (ونحوه تاريخ دمشق:١٣/٢٩٥، ومروج الذهب٦٦١).
٢٤- أقام ابن عباس مجلس العزاء في الشام
وصف في أخبار الدولة العباسية/٤٢، فرح معاوية بموت الإمام الحسن عليه السلام وجواب ابن عباس كما تقدم ثم جاء فيه: (قال معاوية: أصبحت سيد أهل بيتك يا أبا العباس. قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي فلا! قال: ثم نهض وعيناه تدمع فلما ولى قال معاوية: لله دره والله ما هيجناه قط إلا وجدناه مُعِدّاً. فلما رجع ابن عباس إلى رحله جلس بفنائه وجاءه الناس يعزونه، وجاءته خيل كلما جاءه إنسان نزل ووقف حتى جاءه يزيد بن معاوية، فأوسع له ابن عباس فأبى أن يجلس إلا بين يديه مجلس المعزي، فذكر الحسن في فضله وسابقته وقرابته فأحسن ذكره وترحم عليه ثم قام فركب، فأتبعه ابن عباس بصره فلما ولى قال: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء قريش). انتهى.
وروى في تاريخ دمشق:٦٥/٤٠٥، عدة روايات في ذلك ومنها: (ثم ذكر الحسن فقال: رحم الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها وعظم أجرك وأحسن عزاءك وعوضك من مصابك ما هو خير لك ثواباً وخير عقبى. ثم قام فاتبعه ابن عباس بصره فقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلماء قريش). انتهى.
أقول: يمدح ابن عباس بني حرب من بني أمية وهم فرع معاوية، بأنهم عندهم حلم أي (ديبلماسية) ويفضلهم على بني العاص فرع أبي أحيحة، وعلى بني أبي العاص فرع عثمان ومروان، ويقصد أن بني حرب يحفظون الحد الأدنى مع أعدائهم كإرسال معاوية ولده يزيد لكي يعزيه بالإمام الحسن عليه السلام بعد أن قتله وأعلن فرحه بمقتله! وقد أراد ابن عباس أن يصل كلامه إلى معاوية مع أنه يعرف أن غرضه من إرسال يزيد أن يقول له: اشترطتم عليَّ أن يكون الحسن خليفة بعدي، وقد قتلته من أجل هذا الذي جاء يعزيك به!
٢٥- رثاء الشعراء للإمام الحسن عليه السلام
أول من رثاه نثراً وشعراً الإمام الحسين عليهما السلام ثم الفضل بن العباس، والنجاشي الشاعر وهو قيس بن عمرو من بني الحارث بن كعب، وكذلك رثاه كُثَيِّر عزة وغيره من شعراء عصره وما بعده، وفيه قصائد ومقطوعات بليغة ولوحات أدبية، وهي مليئة بالحقائق العقيدية والتاريخية. ولا يتسع لها المجال.
٢٦- جريمة سُمِّ الإمام الحسن عليه السلام ثابتة في رقبة معاوية
لم يقنع رواة الخلافة ومحبو معاوية بشهادة الإمام الحسن عليه السلام نفسه وإجماع الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وشهادة العديد من المؤرخين والمحدثين، بأن سُمَّ جُعدة للإمام الحسن عليه السلام كان بأمر معاوية. فقاموا بأعمال متعددة لتغطية الجريمة وتضييع الحقيقة وكانت مهمتهم صعبة لأنه انتشر في الناس أن الإمام عليه السلام سُقِيَ السم مراراً وبقي آخر مرة يعاني منه مدة طويلة! ومن الواضح أن المستفيد من قتله معاوية ليجعل الخلافة لابنه يزيد، وينقض عهده ومواثيقه للإمام الحسن عليه السلام أن يكون الخليفة بعده! وهذه خلاصة الآراء في القضية:
الإتجاه الأول، إجماع أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على أن معاوية قتله بواسطة جعدة بنت الأشعث! ووافقهم عدد مهم من الرواة والمحدثين السنيين كما يأتي.
ففي الكافي:٨/١٦٧، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام). وفي الكافي:١/٤٦٢، عنه عليه السلام قال: (إن جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم وأما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط (التنفُّط حالة كالجدري) به فمات).
وفي كمال الدين للصدوق/٥٤٦: (مات الحسن عليه السلام مسموماً، سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي لعنها الله، دسّاً من معاوية).
وفي الإرشاد للمفيد رحمه الله:٢/٧: (من الأخبار التي جاءت بسبب وفاة الحسن عليه السلام وما ذكرناه من سم معاوية له، وقصة دفنه وما جرى من الخوض في ذلك والخطاب: ما رواه عيسى بن مهران قال: حدثنا عبيدالله بن الصباح قال: حدثنا جرير، عن مغيرة قال: أرسل معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس: أني مزوجك يزيد ابني على أن تَسُمِّي الحسن وبعث إليها مائةألف درهم، ففعلت وسمت الحسن عليه السلام فسوغها المال ولم يزوجها من يزيد، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا: يا بني مُسِمَّةِ الأزواج). (ونحوه في المناقب والمثالب للقاضي النعمان/٢٣١، ومناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٢، وشرح الأخبار:٣/١٢٣، وفيه: فحملها ما كان بينها وبين الحسن عليه السلام وما تخوفت من طلاقه إياها، وما عجله لها معاوية وما وعدها به، على أن سقته ذلك السم فأقام أربعين يوماً في علة شديدة). (ونحوه في الإحتجاج:٢/١٢ودلائل الإمامة/١٦٠).
الإتجاه الثاني، تشجَّعَ بعض محدثيهم ومؤرخيهم فوافقوا أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، ورووا عن ثقاتهم أن الجريمة ثابتة في رقبة معاوية:
١- كالزمخشري في ربيع الأبرار/٩٠٧، قال: (جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف حتى سمته ومكث شهرين وإنه ليرفع من تحته كذا طستاً من دم. وكان يقول: سقيت السم مراراً ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة لقد لفظت كبدي فجعلت أقلبها بعود كان كان في يدي).(والغدير:١١/١١)
٢- وقال أبو الحسن المدائني: (كانت وفاته في سنة٤٩ هـ وكان مريضاً أربعين يوماً، وكان سنه سبعاً وأربعين سنة، دس إليه معاوية سماً على يد جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن وقال لها: إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف وأزوجك يزيد ابني. فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد وقال: أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله). (شرح النهج:١٦/١١).
٣- وقال الشعبي: (إنما دس إليها معاوية فقال: سُمِّي الحسن وأزوجك يزيداً وأعطيك مائة ألف درهم، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب إنجاز الوعد فبعث إليها بالمال وقال: إني أحب يزيد وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوجتك إياه!
وقال الشعبي: ومصداق هذا القول: أن الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية: لقد عملتْ شربتُه وبلغتْ أمنيته، والله لا يفي بما وعد، ولا يصدق فيما يقول). (الغدير:١١/١٠، عن تذكرة ابن الجوزي. والانتصار للمؤلف:٨/٣٣).
٤- وقال السدي: (دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك. فسمته فلما مات أرسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال: أنا والله ما أرضاك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟) (الغدير:١١/١٠، عن تذكرة ابن الجوزي/١٢١)
٥- طائفة من العلماء، ذكرهم في الإستيعاب:١/١٤١، وفي طبعة:١/ ٣٨٩: (قال قتادة، وأبو بكر بن حفص: سُمَّ الحسن بن علي، سمته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر. فالله أعلم). انتهى. ولم يعيِّن من هم أولئك الطائفة!
٦- ابن الأعثم في كتاب الفتوح:٤/٣١٨، قال: (وأرسل مروان بن الحكم إلى المدينة وأعطاه منديلاً مسموماً وأمره بأن يوصله إلى زوجة الحسن جعدة بنت الأشعث بن قيس بما استطاع من الحيل).
٧- وفي مقاتل الطالبيين/٣١: (ودس معاوية إليه حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده وإلى سعد بن أبي وقاص، سُمَّاً فماتا منه في أيام متقاربة! وكان الذي تولى ذلك من الحسن عليه السلام زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس لمال بذله لها معاوية).
وهم يَعُدُّون أبا الفرج الأموي النسب شيعياً، ولكنه شيعي بالمعنى الأعم.
٨- الطبري في تاريخه، وابن سعد في طبقاته، وابن الجوزي في المنتظم!
فقد نقل ذلك عنهم بعض علماء السنة، ولكن طبعاتها الموجودة خالية منه!
٩- اعترف به ابن تيمية لكنه برر فعل معاوية فقال: (فمعاوية حين أمر بسم الحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضاً).(منهاج السنة:٢/٢٢٥) وابن تيمية يعترف بذلك وهو يعلم: أن معاوية قتله بعد الصلح، وبعد العهود والأيمان والمواثيق، وشهادة الضامنين لوفائه بالشروط، وأن يكون الحسن الخليفة بعده، وأن لا يبغي له ولا لأخيه الحسن غائلة!
١٠- الحافظ ابن عقيل في النصائح الكافية لمحمد بن عقيل/٨٦، ونقله عن ابن عبد البر.
١١- وكان الحصين بن المنذر الرقاشي رئيس ربيعة قبائل يقول: (والله ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه، قتل حجراً وأصحاب حجر وبايع لابنه يزيد وسم الحسن). (شرح ابن أبي الحديد:١٦/١٧).
١٢- والمسعودي في مروج الذهب/٦٥٩، قال: (ذكر الذي سمه وذكر أن امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس إليها إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمه، فلما مات وفى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه).
١٣- وقال الهيثم بن عدي: دس معاوية إلى ابنة سهيل بن عمرة امرأة الحسن مائة ألف دينار على أن تسقيه شربة بعث بها إليها، ففعلت). (أنساب الأشراف/٧٤٧)
ويجد المتتبع شهادات أخرى لعلمائهم، فقد قال ابن حجر في الصواعق:٢/٤١٣: (وبموته مسموماً شهيداً جزم غير واحد من المتقدمين، كقتادة وأبي بكر بن حفص، والمتأخرين كالزين العراقي في مقدمة شرح التقريب).
٢٧- من تحريفات أتباع معاوية للتغطية على جريمته!
أ- فقد حذفوا قسماً من تاريخ الطبري أو حرفوه: نقرأ في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة/١٥٤قوله: (وفي تاريخ الطبري أن الحسن بن علي رضي الله عنهما مات مسموماً في أيام معاوية، وكان عند معاوية كما قيل دهاء فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس وكانت زوجة الحسن رضي الله عنه شربة وقال لها: إن قتلت الحسن زوجتك بيزيد! فلما توفي الحسن بعثت إلى معاوية تطلب قوله فقال لها في الجواب: أنا أضن بيزيد! وقال كثيِّر يرثي الحسن رضي الله عنه...يا جعد إبكيه ولا تسأمي.. الخ). انتهى.
وترجع إلى تاريخ الطبري فلا نجد ذلك في أي من مجلداته الستة! بل تتعجب عندما نجد تفصيلاً في أحداث سنة خمسين هجرية لمقتل حجر بن عدي رحمه الله في ٢٥صفحة، ولا تجد ذكراً لشهادة الإمام الحسن عليه السلام! ولا تجد في أحداث سنة٤٩ إلا صفحة واحدة! وأما ذيل تاريخ الطبري ففيه صفحة واحدة فيمن مات سنة خمسين، فيها عدة سطور عن وفاة الإمام الحسن عليه السلام!
فهل أن الطبري لم يكتب ذلك، أم حذفوه من طبعته الفعلية أو من نسخته المعروفة؟ أم أن ابن أبي أصيبعة المتوفى سنة٦٦٨، قد أخطأ، وهو المؤرخ المعروف والطبيب المشهور والإمام عندهم؟ وقد اعتمد على كتبه وتاريخه أئمتهم الكبار كالذهبي ونقلوا عنها كثيراً؟! (الأعلام:١/١٩٧).
كلا، بل المرجح عندنا أنهم غيبوا من الطبري كثيراً من سيرة الإمام الحسن وسير أهل البيت عليهم السلام وأخبارهم، التي تكشف جرائم بني أمية وأسيادهم!
ب - حرف المتمسلفون كتاب المنتظم لابن الجوزي من أجل معاوية! فقد حذفوا منه تصريحه بذلك! قال ابن الدمشقي في جواهر المطالب:٢/٢٠٩: (قال الإمام ابن الجوزي في تاريخه المنتظم: والصحيح أن الذي سمه هي جعدة بنت الأشعث بن قيس وكانت تحت الحسن فدس إليها معاوية أن سمي الحسن وأزوجك يزيد. وكان معاوية قد جعل ولاية العهد بعده للحسن فسمه ليكون الأمر بعده لابنه يزيد. فلما فعلت ذلك أرسلت إليه تطالبه بما عاهدها عليه وتذكره بالعهد والوفاء! فأجابها معاوية: لا نفعل وقد فعلت بالحسن ما فعلت فكيف آمنك على يزيد)! انتهى.
وقال في هامشه: (كلام ابن الجوزي هذا ما وجدته فيما أورده ابن الجوزي حول شهادة الإمام الحسن عليه السلام حوادث العام (٤٩) من النسخة المطبوعة سنة١٤١٢من تاريخ المنتظم:٥/٢٢٥ ط المكتبة العلمية ببيروت. والظاهر أن أنصار الشجرة الملعونة أسقطوه منه ستراً على مخازي المنافقين)! انتهى.
جـ- ويظهر أنهم فعلوا ذلك في طبقات ابن سعد! فها هي ترجمة الإمام الحسن عليه السلام محذوفة من طبعتها، حتى طبعها السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله. وها هو سبط ابن الجوزي المتوفى سنة٦٥٤يقول في تذكرته/٢١١: (وقال ابن سعد في الطبقات: سمه معاوية مراراً لأنه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين). (الغدير:١١/١١). ولا وجود له الآن في نسخة الطبقات!!
الإتجاه الثالث، حاول منهم أن يجعلوا الجريمة في رقبة يزيد ويبرئوا معاوية!
قال في عون المعبود:١١/١٢٧:(وكان وفاة الحسن رضي الله عنه مسموماً، سمته زوجته جعدة بإشارة يزيد بن معاوية سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها).
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء/١٥٠، وفي طبعة/١٩٢: (توفي رضي الله عنه بالمدينة مسموماً سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دس إليه يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا وكانت وفاته سنة تسع وأربعين). (ونحوه في تاريخ دمشق:١٣/٢٨٤، والمنتظم:٥/٢٢٦، والصواعق المحرقة:٢/٤١٣، تهذيب الكمال:٦/٢٥٣، وسمط النجوم:٣/١٠٢، وغيرها).
الإتجاه الرابع، أظهر بعضهم التوقف في الأمر! فقال لا نعلم هل قتله معاوية أو يزيد!! كما فعل أبو الفداء في تاريخه/٢٣١: (وتوفي الحسن من سم سقته زوجته جعدة بنت الأشعث، قيل فعلت ذلك بأمر معاوية وقيل بأمر يزيد بن معاوية، ووعدها أنه يتزوجها إن فعلت ذلك فسقته السم وطالبت يزيد أن يتزوجها فأبى...).انتهى. وبعضهم أبهم خوفاً من المُعاوين وتكلم بصيغة المبني للمجهول كما فعل الحاكم في المستدرك:٣/١٧٦، قال: (سمت ابنة الأشعث بن قيس الحسن بن علي وكانت تحتهُ ورُشيت على ذلك مالاً)!
الإتجاه الخامس، اكتفى بعضهم بنقل الأقوال: قيل، يقال، سمعنا أنه معاوية! كما فعل ابن قتيبة في المعارف/٢١٢: (ويقال إن أمرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس سمته). وفي تاريخ دمشق:٤/٢٢٩: (وروي عن محمد بن المرزبان أن يزيداً دس اليها السم، وعن عبد الله بن الحسن قد سمعت من يقول إنه معاوية).
وأضعف منه الذهبي في سيره:٣/٢٧٤، قال: (قال الواقدي: فقال الطبيب: هذا رجل قد قطع السم أمعاءه، وقد سمعتُ بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سماً). (ومثله في تهذيب الكمال:٦/٢٥١).
وفي سمت النجوم العوالي/٨٥٤: (وذكر(المسعودي) بأن امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي قد بعث إليها يزيد: إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك مائة ألف درهم وتزوجتك، فكان هذا الذي بعثها على سمه، فلما مات وفى لها بالمال وأرسل إليها: إنا لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا؟! والله أعلم بصحة ذلك).
وفي البدء والتاريخ:٦/٥: (واختلفوا في سبب موته فزعم قوم أنه زج ظهر قدمه في الطواف بزج مسموم! وقال آخرون: إن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس بأن تسم الحسن ويزوجها يزيد فسمته وقتلته، فقال لها معاوية: إن يزيد منا بمكان وكيف يصلح له من لا يصلح لابن رسول الله وعوضها منه مائة ألف درهم).
وفي أنساب الأشراف للبلاذري/٧٤٧: (وقد قيل أن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس امرأة الحسن وأرغبها حتى سمته وكانت شانئة له. وقال الهيثم بن عدي: دس معاوية إلى ابنة سهيل بن عمرة امرأة الحسن مائة ألف دينار على أن تسقيه شربة بعث بها إليها، ففعلت).
الإتجاه السادس، شكك بعضهم في أن تكون جعدة سمته بأمر يزيد أو معاوية! بحجة أنه قولٌ قيل أو سُمع سماعاً! قال الصفدي في الوافي بالوفيات:١٢/٦٨: (قيل إن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس أمرها بذلك يزيد بن معاوية لتكون ولاية العهد له ووعدها أن يتزوجها فلما مات الحسن قال يزيد: والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا! ولم يتزوجها).
الإتجاه السابع، تبرئة يزيد لعدم الدليل! وتبرئة معاوية لأنه حاشاه أن يفعل ذلك! وقد انفرد بذلك بعض المتأخرين مثل ابن كثير وابن خلدون!
قال في النهاية:٨/٤٣: (وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمِّي الحسن وأنا أتزوجك بعده ففعلت فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا. وعندى أن هذا ليس بصحيح وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى).
وقال ابن خلدون في تاريخه:٢/٦٤٩: (وما ينقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك)!
أقول: والحقيقة ظاهرة حتى لذي عين واحدة! وعملهم الذي رأيته في هذه المسألة الواضحة نموذج لأساليبهم في تمييع الحقائق وتضييعها!
٢٨ - معاوية يكافئ مروان بولاية المدينة!
روى المؤرخون رسالة مروان إلى معاوية مفتخراً! قال في تاريخ دمشق:٢١/١٢٧: (لما مات الحسن بن علي بعث مروان بن الحكم إلى معاوية يخبره أنه مات. قال: وبعث سعيد بن العاص رسولاً آخر يخبره بذلك. وكتب مروان يخبره بما أوصى به حسن من دفنه مع رسول الله (ص) وأن ذلك لايكون وأنا حي! ولم يذكر ذلك سعيد، فلما دفن حسن بن علي بالبقيع أرسل مروان بريداً آخر يخبره بما كان من ذلك ومن قيامه ببني أمية ومواليهم: وإني يا أمير المؤمنين عقدت لوائي وتلبسنا السلاح، وأحضرت معي من اتبعني ألفي رجل! فلم يزل الله بمنه وفضله يدرأ ذلك أن يكون مع أبي بكر وعمر ثالثاً أبداً حيث لم يكن أمير المؤمنين عثمان المظلوم، وكانوا هم الذي فعلوا بعثمان ما فعلوا!!
فكتب معاوية إلى مروان يشكر له ما صنع، واستعمله على المدينة ونزع سعيد بن العاص وكتب إلى مروان: إذا جاءك كتابي هذا فلا تدع لسعيد بن العاص قليلاً ولا كثيراً إلا قبضته! فلما جاء الكتاب إلى مروان بعث به مع ابنه عبد الملك إلى سعيد بخبره بكتاب أمير المؤمنين، فلما قرأه سعيد بن العاص صاح بجارية له: هات كتابي أمير المؤمنين، فطلعت عليه بكتابين! فقال لعبد الملك: إقرأهما، فإذا فيهما كتاب من معاوية إلى سعيد بن العاص يأمره حين عزل مروان بقبض أموال مروان التي بذي المروة، والتي بالسويداء، والتي بذي خشب، ولا يدع له عذقاً واحداً! فقال: أخبر أباك!! فجزَّاه عبد الملك خيراً، فقال سعيد: والله لولا أنك جئتني بهذا الكتاب ما ذكرت ما ترى حرفاً واحداً! قال: فجاء عبد الملك بالخبر إلى أبيه، فقال: هو كان أوصل لنا منا له). (والمنتظم:٥/٢٦٧).
أقول: غرض معاوية إيقاع العداوة بين مروان وسعيد حتى يحتاجا اليه ولا ينافسا يزيداً على الخلافة، وله قصص متعددة في الفتنة بينهما! وروى ابن عساكر وغيره أن معاوية أخَّر عزل سعيد، لكنه لا يصح بل عزله وولى مروان بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام مباشرة، وأمره أن يأخذ البيعة ليزيد فلم يستطع، فعزله وأعاد سعيداً، فخرج مروان من المدينة غاضباً!
هذا وقد أقرَّ مروان بانحطاطه وبأن سعيد بن العاص أوصل منه لرحمه! وقد ذكرنا أن مروان آل من فرع بني العاص، وسعيد بن العاص من فرع أبي أحيحة، وهم أرقى نوعية من مروان لكنهم أكثر بغضاً لأهل البيت عليهم السلام منه! وقد رووا أن الإمام الصادق عليه السلام رجح مرواناً على سعيد، فروى عنه في تاريخ دمشق: ٥٧/٢٤٧: (كان مروان يعذلنا بلسانه ويصلنا، وكان سعيد بن العاص لا يعذلنا ولا يصلنا. فقلت له: أيهما كان أحب إليكم؟ قال مروان كان خيراً لنا في السر من سعيد).انتهى. ولكن يصعب قبول ذلك في حق مروان!

الفصل السابع: خمس مسائل حول الحجرة النبوية الشريفة

المسألة الأولى: قداسة الحجرة النبوية الشريفة وأهميتها!
إن قبر النبي صلى الله عليه وآله وتربته الشريفة قضية كبيرة، تتعلق بأمة النبي صلى الله عليه وآله بكاملها، وما كان الله تعالى ليترك أمرها بدون تدبير وتخطيط! فالذي تكفل تسديد منطق نبيه صلى الله عليه وآله فبرأه عن الهوى والخطأ، وجعله لاينطق إلا وحياً محسوباً، لا بد أن يتكفل بكل أموره ومنها قبره الشريف ومستقبل موقعه في أمته.
وقد تواصل نزول جبرئيل عليه في مرض وفاته، ولا بد أنه علمه كل ما ينبغي له من أمر أمته ومرضه ووفاته وقبره وأين يكون في مرضه، وأين يدفن وما يوصي به من مراسم جنازته.(كان جبرئيل ينزل على النبي صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه في كل يوم وفي كل ليلة). (جامع أحاديث الشيعة:٣/١٠٩، عن علي عليه السلام).
وقد بلَّغ صلى الله عليه وآله أمته منظومة من الأحكام شرعية لتعامل الأمة مع عترة نبيها صلى الله عليه وآله وقبره وبيته وآثاره، فعن الإمام الكاظم عليه السلام قال:(كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدفن في بيته ويكفن بثلاثة أثواب أحدها يمان، ولا يدخل قبره غير علي عليه السلام ثم قال: يا علي كن أنت وفاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمساً وسبعين تكبيرة، وكبر خمساً وانصرف، وذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة. قال علي عليه السلام: ومن يأذن لي بها؟ قال: جبرئيل يؤذنك بها ثم رجال أهل بيتي يصلون على أفواجاً أفواجاً ثم نساؤهم، ثم الناس من بعد ذلك. قال: ففعلت). (وسائل الشيعة:٢/٧٧٩، ومستدرك الوسائل:٢/٢٠٦).كما روينا أنه صلى الله عليه وآله أوصى علياً عليه السلام أن يغسله بسبع قرب من بئر غرس، وأن يحنطه بحنوط أتاه به جبرئيل عليه السلام ويأخذ بقيته له ولفاطمة والحسنين عليهم السلام، وأمره إذا أكمل مراسم غسله وتكفينه أن يجلسه ويسأله عما يريد ويكتب ما يقول، وأن يدفنه في البقعة التي يقبض الله فيها روحه الشريفة. (تهذيب الأحكام:٦/٢، وبصائر الدرجات/٣٠٤، وشرح الأخبار:٢/٤١٩، ودعائم الإسلام:١/٢٣٤).
وقد غاب الطلقاء وزعماؤهم عن مراسم تجهيز النبي صلى الله عليه وآله والصلاة عليه ودفنه لانشغالهم بالسقيفة والتردد إلى بيوت الأنصار المتباعدة لإقناعهم ببيعة أبي بكر، وكان غيابهم فرصةً مناسبة لعلي عليه السلام والعترة النبوية لننفيذ وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله على أحسن وجه، ولم يترك علي عليه السلام جنازته ووصيته ويذهب إلى السقيفة ليخاصم الطامعين في سلطان النبي صلى الله عليه وآله!
أما بعد انتهاء المراسم فقال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:١/ ٢٩: (وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (ص) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدَعُ رسولَ الله في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه؟! فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم)! (والإحتجاج:١/٩٦).
لهذا السبب، فإن أي رواية في مراسم دفن النبي صلى الله عليه وآله ومكانه، ينبغي أن تأخذها الأمة من أهل بيت النبي عليهم السلام فهم مضافاً إلى وصية النبي صلى الله عليه وآله بهم، أخبر الناس بما يجب ولايجب في هذا المراسم، وأخبر بما جرى وأين دفن النبي صلى الله عليه وآله، أما غيرهم فكانوا غائبين عن ذلك مشغولين بالسقيفة والذهاب إلى منازل الأنصار المتباعدة، من ساعة وفاته صلى الله عليه وآله يوم الإثنين إلى يوم الجمعة أو السبت، وقد دفن النبي صلى الله عليه وآله ليلة الإربعاء!
وقد اتفقت رواياتهم على أن عائشة وأباها وحفصة وأباها كانوا غائبين! قال في الطبقات:٢/٢٦٢: (عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن كعب الأحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله؟ فقال عمر: سل علياً، قال أين هو؟ قال: هو هنا، فسأله فقال علي: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال: الصلاة الصلاة. فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا وعليه يبعثون. قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ قال: سل علياً، قال فسأله فقال: كنت أغسله وكان العباس جالساً وكان أسامة وشقران يختلفان إليَّ بالماء).
وقال الخطيب في الإكمال/٢١:(أخرج ابن أبي شيبة(المصنف:١٤/٥٦٨) أن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي (ص) وكانا في الأنصار فدفن رسول الله (ص) قبل أن يرجعا. والخبر صحيح).
وروى أحمد:٦/٦٢: (عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول الله (ص) حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء). (وابن هشام:٤/١٠٧٨، والبيهقي:٣/٤٠٩).
وفي الدرر لابن عبد البر/٢٧١: (ودفن يوم الثلاثاء وقيل بل دفن ليلة الأربعاء ولم يحضر غسله ولا تكفينه إلا أهل بيته! غسله علي وكان الفضل بن عباس يصب عليه الماء والعباس يعينهم).انتهى. لكن مع ذلك زعم رواة الخلافة أن أبا بكر أشار عليهم أن يدفن في المكان الذي توفي فيه، ثم كذبوا أنفسهم ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بذلك! لذلك قال ابن أبي الحديد في شرح النهج:١٣/٣٩: (قلت: كيف اختلفوا في موضع دفنه وقد قال لهم (فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري) وهذا تصريح بأنه يدفن في البيت الذي جمعهم فيه وهو بيت عائشة (!) فإما أن يكون ذلك الخبر غير صحيح أو يكون الحديث الذي تضمن أنهم اختلفوا في موضع دفنه وأن أبا بكر روى لهم أنه قال (الأنبياء يدفنون حيث يموتون) غير صحيح، لأن الجمع بين هذين الخبرين لا يمكن).
تُرى أين صارت هذه المنظومة الشرعية للتعامل مع قبر النبي صلى الله عليه وآله وعترته؟
لقد أقْصِيَتْ كلها بفعل موجة الطلقاء التي فرضت خليفة السقيفة، وهاجمت بيت علي وفاطمة عليهما السلام والمعترضين وهددتهم بإحراق البيت عليهم إن لم يبايعوا! ثم سارعت السلطة إلى فرض سيطرتها على المسجد النبوي والقبر الشريف، خوفاً من أن يعوذ بنو هاشم بقبر النبي صلى الله عليه وآله مطالبين بحقهم في الخلافة فوضعت يدها على مسجد النبي صلى الله عليه وآله وبيته وقبره وأعلنت (الأحكام العرفية) ومنعت الصلاة والجلوس عند القبر الشريف والتجمع، بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك!
وفي وقت لاحق ادعت عائشة بنت رئيس السلطة أن هذه الحجرة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وآله لها، وأنه أعطاها إياها في حياته، مع أن غرفتها من الجهة الثانية من المسجد كما ستعرف!
ومع أن عائشة وحفصة تركتا جنازة النبي صلى الله عليه وآله من لحظات وفاته، ولم تقوما بالحداد الواجب على زوجهما صلى الله عليه وآله! فقد كانت عائشة بعد ذلك تتحسَّر لفوز علي عليه السلام بمراسم تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وتقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه)! (أحكام الجنائز للألباني/٤٩"وقال: أخرجه أبو داود:٢/٦٠، وابن الجارود في المنتقى٢٥٧، والحاكم:٣/٥٩ وصححه على شرط مسلم، وأحمد:٦/٧٢٦، بسند صحيح).
إنها قضايا كبيرة وخطيرة لكن ما نريد قوله هنا: إنا نعتقد أن الحجرة الشريفة ملكٌ للنبي صلى الله عليه وآله وعلى من يدعي انتقال ملكيتها إلى أحد أن يثبت ذلك. وستعرف أنهم لا دليل عندهم على أن الحجرة الشريفة هي غرفة عائشة، ولا على انتقال ملكيتها من النبي صلى الله عليه وآله اليها. وقد دل الدليل القطعي عند الجميع على أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى بها لعلي والأئمة بعده عليهم السلام، فقاعدة: من كنت مولاه فعلي عليه السلام مولاه، وأدلة ولاية العترة الطاهرة عليهم السلام المتواترة تشمل ما كان النبي صلى الله عليه وآله ولياً عليه ومنه أوقاف النبي صلى الله عليه وآله وصدقاته ومسجده وبقعته الشريفة صلى الله عليه وآله.
بل نعتقد أن هذه الولاية لعلي عليهم السلام تشمل لقب أمهات المؤمنين وحق الحصانة الذي جعله الله لنساء النبي صلى الله عليه وآله فله أن ينزعه عمن تستوجب ذلك منهنّ!
المسألة الثانية: ادعاؤهم وراثة عائشة أو ولايتها على الحجرة النبوية
قال بعض من خالفنا إن النبي صلى الله عليه وآله دُفن في غرفة عائشة، وهي ملكٌ للنبي صلى الله عليه وآله لكن عائشة لها حق فيها لأنها وارثة!
نقول: منعوا الزهراء عليها السلام أن ترث أباها صلى الله عليه وآله وادعى أبو بكر أن الأنبياء عليهم السلام ترثهم الدولة ولا يرثهم ورثتهم الشرع يوم، وأيده عمر وعائشة! فما هذا التناقض؟!
وعلى فرض أن عائشة ترث من بيت النبي صلى الله عليه وآله فسهمها التُّسْعُ من الثمن لأنها واحدة من تسع زوجات لهن جميعاً الثمن! فلماذا يجب أن تُستأذن دون بقية ورثته؟ ولماذا لايحق للإمام الحسن عليه السلام أن يدفن في سهم أمه عليها السلام وهي البنت الوحيدة للنبي صلى الله عليه وآله وسهمها أكثر من سهم زوجاته جميعاً؟!
قالوا: إن الحجرة النبوية الشريفة إما ملك عائشة أو لها الولاية عليها، حيث أعطاها إياها أبو بكر وأقرَّها عمر: (أرسل إلى عائشة إئذني لي أن أدفن مع صاحبي فقالت: إي والله قال وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة قالت: لا والله لاأؤثرهم بأحد أبداً). (البخاري:٨/١٥٣).
والجواب: أن هذه الولاية لها غير شرعية، ولو سلمنا صحتها فقد انتهت بموت أبي بكر، فلماذا لم يجددها عمر ولا عثمان، ولا أعطاها معاوية لها! فلو صحت لوجب عليها أن تقول للإمام الحسن عليه السلام: إستئذن معاوية فهو متولي الوقف ولا مانع عندي! أو تتكلم بمستوى أرفع فتقول: إن ولايتنا لاتشملكم يا ابن رسول الله فالبيت بيتكم، والنبي صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وأنتم أحب اليه مني! ففي خصائص علي عليه السلام للنسائي/١٠٨: (استأذن أبو بكر على النبي (ص) فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: لقد علمت أن علياً أحب إليك مني! فأهوى لها ليلطمها وقال لها: يا بنت فلانة أراك ترفعين صوتك على رسول الله!).(وصححه الزوائد:٩/٢٠١).
المسألة الثالثة: ردُّ ادعائهم بأن الحجرة النبوية ملك لعائشة؟!
وقال بعضهم إن الحجرة ملك لعائشة، والأدلة الممكنة لهم هي:
الأول: أن عائشة حلفت بالله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله أعطاها إياها في حياته فقالت: (والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله (ص) في حياته، وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري وما أثر علي عندنا بحسن). (تاريخ دمشق:١٣/٢٩٣).
وفي تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٥: (وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد). وفي الكافي:١/٣٠٢: (فخرجت مبادرة على بغل بسرج فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجاً فوقفت وقالت: نَحُّوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن فيه شيء).
والجواب: أنهم لا يستطيعون أن يأخذوا بقول عائشة ويصدقوها بدون شهود، لأنهم إن فعلوا وجب أن يأخذوا بقول فاطمة الزهراء عليه السلام التي تشهد عائشة بأنها أصدق منها. فقد روى الحاكم:٣/١٦٠وصححه على شرط مسلم أن عائشة (كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي وَلَدها صلى الله عليه وآله)! (ووافقه الذهبي، ورواه في سيره:٢/١٣١، ومجمع الزوائد:٩/٢٠١ وصححه مع شبيه له، والإستيعاب:٤/١٨٩٦، وأبو يعلى:٨/١٥٣وسبل الهدى:١١/٤٧ وصححه).
وأخْذُهُمْ بقول فاطمة عليها السلام يكلفهم كثيراً، فهو يبدأ بإرجاع مزرعة فدك التي صادروها، ويصل إلى الخلافة التي قالت إنَّ النبي صلى الله عليه وآله أوصى بها لعلي عليه السلام!
وهذا هو السبب في مطالبتهم الزهراء عليها السلام بشهود على دعواها. وفي أن الذهبي لم يقبل رواية ادعاء عائشة بملكية الحجرة الشريفة وقال عنه في سيره:٣/٢٧٦: (إسناده مظلم)! ومضافاً إلى ظلمته عندهم وكلفته إرجاع الخلافة، فهو يتضمن الطعن في عدالة النبي صلى الله عليه وآله لأنه أعطى عائشة دون بقية زوجاته وابنته عليها السلام العزيزة!
والدليل الثاني: أن عمر استأذن من عائشة لدفنه في الحجرة الشريفة، وقد استدلت به عائشة! لكن عمر غير معصوم وقوله وفعله ليسا حجة كالنبي صلى الله عليه وآله! بل يرد عليه الإشكال لاستئذانه من غير الولي والوصي الشرعي، وهو علي عليه السلام.
ثم، إن استذان عمر أعم من الشهادة بالملكية، فقد يكون من باب الإحترام لعائشة، أو لأنها وضعت يدها ولايريد فتح مشكلة معها، أو لأي سبب آخر.
قال العلامة الحلي في نهج الحق/٣٦٤: (كيف يجوز لأبي بكر أن يقول أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وكذا لعمر، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وقد جعلهما من جملة رعايا أسامة بن زيد؟!). انتهى.
والدليل الثالث: نسبة البيوت إلى نساء النبي صلى الله عليه وآله في القرآن، واستئذان الإمام الحسن عليه السلام. وقد استدل بهما القاضي عبد الجبار في المغني، وأجابه الشريف المرتضى رحمه الله في الشافي:٤/١٦٨. وسبب بحثهم للمسألة أن الشيعة أشكلوا على دفن أبي بكر وعمر عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وأنه حرام شرعاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُم إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ... وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً)) (الأحزاب:٥٣) وحرمة النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته كحرمته في حياته!
فأجاب القاضي عبد الجبار بأن الموضع كان ملكاً لعائشة وهي حجرتها التي كانت تسكن فيها، قال: (وقد بينا أن هذه الحجر كانت أملاكاً لنساء الرسول وأن القرآن ينطق بذلك في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، وذكر أن عمر استأذن عائشة في أن يدفن في ذلك الموضع حتى قال: إن لم تأذن فادفنوني في البقيع وعلى هذا الوجه يحمل ما روي عن الحسن أنه لما مات أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله (ص) فإن لم يُترك ففي البقيع، فلما كان من مروان وسعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع. وإنما أوصى بذلك بإذن عائشة، ويجوز أن يكون علم من عائشة أنها جعلت الموضع في حكم الوقف فاستباحوا ذلك لهذا الوجه).
وقال الآلوسي في تفسيره:٤/٢١٩، تبعاً لعبد الجبار: (ومن الشيعة من أورد هنا بحثاً وهو أن النبي (ص) إذا لم يورِّث أحداً فلمَ أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن؟ والجواب: أن ذلك مغالطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لامن جهة الميراث، بل لأن النبي (ص) بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك. وقد بنى النبي (ص) مثل ذلك لفاطمة وأسامة وسلمه إليهما، وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله (ص) يتصرف فيه تصرف المالك على عهده. ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة وسألها أن تعطيه موضعاً للدفن جوار جده المصطفى، فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى. وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (الأحزاب:٣٣) فأضاف البيوت إليهن ولم يقل في بيوت الرسول (ص) .
ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبي (ص) صار في حكم الوقف على جميع المسلمين، فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير بسيف ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل مع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يرث النبي (ص) بوجه، وقد صح أيضاً أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة بعضاً من متروكاته). انتهى.
وأجاب السيد المرتضى رحمه الله فقال: (يقال له: ليس يخلو موضع قبر النبي صلى الله عليه وآله من أن يكون باقياً على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادعاه، فإن كان الأول لم يَخْلُ من أن يكون ميراثاً بعده أو صدقة، فإن كان ميراثاً فما كان يحل لأبي بكر ولا لعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه، إلا بعد إرضاء الورثة الذين هم على مذهبنا فاطمة عليها السلام وجماعة الأزواج وعلى مذهبهم هؤلاء والعباس. ولم نجد واحداً منهما خاطب أحداً من هؤلاء الورثة عن ابتياع هذا المكان، ولا استنزله عنه بثمن ولا غيره! وإن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضي عنه جماعة المسلمين ويبتاعه منهم هذا إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى. وإن كان انتقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجة فيه، فإن فاطمة عليها السلام لم يَقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها ولا شهادة من شهد لها!!
فأما تعلقه بإضافة البيوت إلى ملكهن بقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، فمن ضعيف الشبهة لأنا قد بينا فيما مضى من الكتاب أن هذه الإضافة لا تقتضي الملك وإنما تقتضي السكنى، والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة قال الله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ). ولم يُرد تعالى إلا حيث يسكنَّ وينزلنَ دون حيث يملكن بلا شبهة.
وأطرف من كل شيء تقدم قوله: إن الحسن استأذن عائشة في أن يدفن في البيت حتى منعه مروان وسعيد بن العاص، لأن هذه مكابرة منه ظاهرة، فإن المانع للحسن عليه السلام من ذلك لم يكن إلا عائشة، ولعل من ذكر من مروان وسعيد وغيرهما أعانها واتبع في ذلك أمرها! وروي أنها خرجت في ذلك اليوم على بغل حتى قال ابن عباس: يوماً على بغل ويوماً على جمل! فكيف تأذن عائشة وهي في ذلك مالكة للموضع على قولهم، ويَمنع منه مروان وغيره ممن لا ملك له في الموضع ولا شركة ولا يد! وهذا من قبيح ما يرتكب). انتهى.
وقد كرر الآلوسي مقولة القاضي عبد الجبار وأغمض كلتا عينيه عن جواب الشريف المرتضى رحمه الله! ولابد أنه قرأ كتابه الشافي لأنهما بغداديان، ولأن الآلوسي استشهد مرات عديدة بأقوال الشريف المرتضى اللغوية والعلمية وذكر أسماء بعض كتبه، منها في مجلدات تفسيره: ١/٢٠٧، و: ٦/٧٦، و١١٢، و١٦٨و: ٧/١٩، و٢٠ و: ٨/١٠٠و: ١٢/١٠، و١٤٠و١٤٥، و: ١٣/٢١٦، و٢٩ و٥٠ و٢٥٨ و: ١٤: ٢٩، و: ١٥/١٣٣ و٢٤٩ و: ١٨/٩٩، و٢٠٥، و: ٢١/١٥٩ و١٦٠ و: ٢٣/٢٠١ و: ٢٧/٩٧ و١٧٨ و: ٢٩/١٤٥ و: ٣٠/٧ و٥٢ و١٣٩ و٢٠٩)!
ومعنى كلام الآلوسي الأخير: أن أبا بكر خصَّ عائشة بالحجرة الشريفة كما خص علياً عليه السلام والزبير ومحمد بن مسلمة، بشيء من تركة النبي صلى الله عليه وآله! ثم أبْهَمَ دعواه كما فعل غيره، ولم يبين هل ملَّك أبو بكر الحجرة الشريفة لعائشة ملكية شخصية فانتقلت إلى ورثتها، كما انتقلت تلك الأشياء إلى ورثة من ذكرهم؟!
ولو سلمنا أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وقفٌ بيد الدولة، فما هو الدليل على حق رئيس الدولة في أن يُمَلِّك شيئاً منها بنته أو غيرها فيكون قبر النبي صلى الله عليه وآله ملكاً شخصياً يباع ويشترى؟! ولماذا لم يُعط عمر بنته غرفتها كما أعطى أبو بكر؟! ولم يعط عثمان أو معاوية أم حبيبة الأموية غرفتها؟!
إن سؤال الشيعة عن المستند الشرعي لتصرف عائشة وأبيها في بيوت النبي صلى الله عليه وآله وحجرته الشريفة سؤال قويٌّ، وليس مغالطة كما زعم الآلوسي! بل المغالطة ادعاؤه ولاية أبي بكر على تركة النبي صلى الله عليه وآله وحقه في أن يعطي منها الحجرة التي فيها قبره الشريف ملكاً شخصياً لبنته، بلا دليل ولا أثارة من علم! فهذه أحاديث تركة النبي صلى الله عليه وآله مدونة في مصادرهم، وقد كتب حماد بن زيد المتوفى سنة٢٦٧ كتاباً بإسم (تركة النبي) ولم يذكر شيئاً مما ادعاه الآلوسي!
أما مصادرنا فأكدت أن استثناء الأنبياء عليهم السلام من قانون التوريث كذبٌ من السلطة لتسيطر على أملاكه وأوقافه صلى الله عليه وآله وتغصبها من ابنته وارثته الوحيدة وزوجها علي عليه السلام الذي عينه النبي صلى الله عليه وآله وصياً عليها!
كما يردُّ ما ذكره من تمليك عمر لعلي عليه السلام شيئاً من تركة النبي صلى الله عليه وآله ما رواه أبو يعلى وأحمد:١/١٣، قال: (خاصم العباس علياً في أشياء تركها رسول الله (ص) فقال أبو بكر: شيء تركه رسول الله فلم يحركه فلا أحركه! فلما استخلف عمر اختصما إليه فقال: شيء لم يحركه أبو بكر فلست أحركه، قال فلما استخلف عثمان اختصما إليه، قال: فأسكت عثمان ونكس رأسه، قال ابن عباس: فخشيت أن يأخذه فضربت بيدي بين كتفي العباس، فقلت: يا أبت أقسمت عليك الا سلمته لعلي. قال فسلمه له). (ووثقه في الزوائد:٤/٢٠٧). فهذا الموثق عندهم على إشكالنا فيه، يردُّ إعطاء أبي بكر لعلي عليه السلام شيئاً أو غيره، بل يحرمه.
أما زعمه أن النبي صلى الله عليه وآله (بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة مع القبض متحققة) فهو رجمٌ بالغيب لتبرير ما فعلته السلطة من إعطائهن غرفهن! وقد طلق النبي صلى الله عليه وآله اثنتين منهن هما عمرة والشنباء فلم تطالبا بشيء؟!
بل الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله اشترى أرض مسجده وبيته وبناهما بماله وبمساعدة المسلمين كما روى الجميع ومنهم بخاري:١/١١١، ثم اشترى بيوتاً حسب حاجته من حارثة بن النعمان، أو بناها كما تقدم من الطبقات:٨/١٦٦! فهي ملكه وتنتقل إلى ورثته وحسب وصيته، ولا دليل على أنه ملَّك شيئاً منها إلى أزواجه.
ثم لو صح كلام الآلوسي من أن النبي صلى الله عليه وآله ملَّك كل واحدة من زوجاته غرفتها فإن ابنته الزهراء عليها السلام هاجرت معه وكانت عنده سنتين قبل زواجها من علي عليه السلام فأين الغرفة التي ملكها إياها، ولماذا منعوا دفن الإمام الحسن عليه السلام فيها؟
أما استدلال آلوسي على ملكية عائشة للحجرة باستئذان الإمام الحسن عليه السلام منها فلو سلمنا وقوعه فهو لايعتبر اعترافاً بملكيتها، بل كان بسبب تسلطها من زمن أبيها وعمر على الحجرة الشريفة! والإستئذان من المتسلط ليس إقراراً!
ومن قرأ رأي الإمام الحسن عليه السلام في عائشة وأبيها وفي عمر يعرف أنه عليه السلام لايرى لهم ملكية ولا ولايتة، بل كان يراهم متسلطين! وقد نص على ذلك قول الإمام الحسين عليه السلام لعائشة في الكافي: ١/ ٣٠٠: (قديماً هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأدخلت عليه ببيته من لايحب قربه وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة).
وأخيراً، كرر آلوسي استدلال عبد الجبار بالقرآن فقال: (وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (الأحزاب:٣٣) فأضاف البيوت إليهن، ولم يقل في بيوت الرسول). انتهى.
فأي إشارة لملكيتهن في الآية، وإنما أضاف الله البيوت لهن لسكناهن فيها؟! ولماذا لم يقرأ الآلوسي عالم التفسير نسبة الله تعالى البيوت إلى النبي صلى الله عليه وآله في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ...)) (الأحزاب:٥٣)؟
أو تعبير النبي صلى الله عليه وآله ببيتي في قوله: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة! وقول عائشة في البخاري:٣/١٤٩: (يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك)؟! فكل واحدة من هذه التعابير على مبناه إقرار من عائشة بملكية النبي صلى الله عليه وآله وعدم ملكيتها، أو قول عبدالله بن عمرو في البخاري٤/٤٦: (قام النبي خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة فقال: هاهنا الفتنة ثلاثاً، من حيث يطلع قرن الشيطان)! فعبر بالمسكن، ولم يقل بيت عائشة! فهو على رأيه إشارة إلى عدم ملكيتها؟!
والصحيح أن باب الإضافة في العربية واسع فهي تصح بأدنى سبب، ولا تشير إلى ملكية ولا إلى سلبها، وإلا لكانت كل مطلقة تملك البيت الذي تسكن فيه كما أشار المرتضى رحمه الله في قوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)! ولا يحكم أحد بملكية المطلقات للبيوت لإضافتها إليهن؟!
ادعاء عائشة لم يكن معروفاً في القرن الثاني!
روى القطب الراوندي في الخرائج:١/٢٤٥، مناظرة بين أبي حنيفة وفضال بن الحسن بن فضال، وأنه سأل أبا حنيفة: (قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)، منسوخ أو غير منسوخ؟ قال: هذه الآية غير منسوخة. قال: ما تقول في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر وعمر أم علي بن أبي طالب؟ فقال: أما علمت أنهما ضجيعا رسول الله (ص) في قبره، فأي حجة تريد أوضح في فضلهما من هذه؟ فقال له الفضال: لقد ظلما إذ أوصيا بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا إذا رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما! وقد أقررت أن قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)، غير منسوخة!
فأطرق أبو حنيفة ثم قال: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما.
فقال له فضال: أنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله مات عن تسع حشايا، وكان لهن الثمن لمكان وَلَده فاطمة، فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، والحجرة كذا وكذا طولاً وعرضاً، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك؟ وبعدُ، فما بال عائشة وحفصة يرثان رسول الله وفاطمة بنته منعت الميراث؟ فالمناقضة ظاهرة في ذلك من وجوه كثيرة. فقال أبو حنيفة: نحوه يا قوم عني، فإنه والله رافضي خبيث). (والصوارم المهرقة للشهيد التستري/١٥).
وهذا يدل على أن ادعاء ملكية عائشة للحجرة الشريفة لم يكن متبنىً عند السنة في زمن أبي حنيفة، وأنهم كانوا يرون أن قول عائشة قولٌ في الهواء!
المسألة الرابعة: تناقضات أقوال عائشة في الحجرة النبوية الشريفة!
المعروف في مصادر الحديث والتاريخ رواية بخاري:٤/٢٠٥ التي تقول إن عمر بعد أن ضُرب أرسل إلى عائشة يستأذنها فقال لابنه: (إنطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه؟ فقالت: كنت أريده لنفسي ولأؤثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: إرفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنَتْ. قال: الحمد لله ما كان من شيء أهم إليَّ من ذلك، فإذا انا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب؟ فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين! وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا أوص يا أمير المؤمنين، إستخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن). (وسنن البيهقي:٤/٥٨، وابن أبي شيبة:٣/٢٣٠، و:٨/ ٥٧٦، وابن حبان:١٥/٣٥٢، والطبقات:٣/٣٣٨، وغيرهم).
لكنَّ رواية ابن سعد في الطبقات:٣/٣٦٣، تدل على أن عمر رأى المكان قبل اغتياله وقاسه بالعصا، لأنه قال أو قيل له لا يسع قبراً! قال: (فأذنت، قال عمر: إن البيت ضيق، فدعا بعصاً فأتي بها فقدَرَ طوله، ثم قال: إحفروا على قدره). انتهى. فلا بد أن يكون ذلك في حال صحته، ولعل عائشة اعتذرت منه يومها بضيق المكان فجاء بنفسه وقاسه بالعصا فوجد فيه مكان قبر واحد ضيق!
ويؤيد ذلك ما رواه ابن الضياء في تاريخ مكة/٢٣٩، أن عمر بن عبد العزيز عندما سقط جدار الحجرة الشريفة: (أمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فبينما هو يكشفه إذ رفع يده وتنحى فقام عمر بن عبد العزيز فزعاً فرأى قدمين ورأى الأساس وعليها السعد، فقال له عبد الله بن عبد الله بن عمر: أيها الأمير لا يروعك فهما قدما جدك عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس! فقال له ابن وردان: غطِّ ما رأيت، ففعل). انتهى.
فماذا حدث حتى صار المكان ضيقاً؟ والجواب أن الحجرة النبوية كانت واسعة ولها باب على المسجد، لكن السلطة بنت جداراً عزلت فيه قبر النبي صلى الله عليه وآله عن المسجد بجدار كان قصيراً أول الأمر، وقد تكون عزلت القبر من داخل الحجرة بجدار أيضاً، وكانت عائشة تجلس في القسم الآخر من الحجرة بحجة أنها لها، مع أن غرفتها في مكان آخر كما مرَّ، ولكنها لم تكن تسكن عند قبر النبي صلى الله عليه وآله ولا في حجرتها من جهة القبلة، بل في بيت بعيد عن المسجد، هو الذي ذهب اليه مروان وجاء بها على بغلة لمنع دفن الإمام الحسن عليه السلام!
فالمكان الذي قاسه عمر لا بد أن يكون قسماً من الحجرة الشريفة بعد أن بنوا لها جداراً من جهة المسجد، وجداراً آخر من جهة البيت النبوي!
وقد التفت شراح بخاري إلى تناقض كلام عائشة فقال في فتح الباري:٣/٢٠٥: (قال ابن التين: قول عائشة في قصة عمر: كنتُ أريده لنفسي، يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها عند وفاتها: لا تدفني عندهم! فإنه يشعر بأنه بقي من البيت موضع للدفن)! انتهى.
وليس هذا هو التناقض الوحيد ففي أقوالها وتصرفها في الحجرة النبوية عدة تناقضات! منها أنها وهبت مكاناً لعثمان ليدفن فيه لكن المسلمين لم يرضوا بدفنه في مقابر المسلمين! فقد روى ابن شبة في تاريخ المدينة:١/١١٣، عن عمر بن عبد العزيز، وكان أمير المدينة، قال: (اتكأ الوليد(الخليفة) على يدي حين قدم المدينة فجعل يطوف المسجد ينظر إلى بنائه، ثم إلى بيت النبي فوقف عليه ثم أقبل عليَّ فقال: أمعه أبو بكر وعمر؟ قلت: نعم. قال: فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال: فالله يعلم أني لظننت أنه لا يبرح حتى يخرجهما! فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس كانوا حين قتل عثمان في فتنة وشغل، فذاك الذي منعهم من أن يدفنوه معهم. فسكت)! كما روى حديثاً آخر طويلاً جاء فيه: (ثم أخرجناه لنصلي عليه فقالت المصرية: والله لا يصلى عليه... ثم أرادوا دفنه مع نبي الله وكان قد استوهب من عائشة موضع قبر فوهبت له فأبوا وقالوا: ما سار بسيرتهم فيدفن معهم؟!) انتهى.
ومعنى(المصرية) الوفد المصري الذي جاء شاكياً ظلم الوالي الأموي فلم يسمع لهم عثمان، وشاركوا في محاصرته وقتله، كما تقدم في المجلد الأول.
وقد دل هذا النص على أن عائشة وهبت مكاناً في الحجرة النبوية لعثمان!
ثم وهبت لعبد الرحمن بن عوف مكاناً ولكنه لم يقبله! فقد كان يهدي هدايا كبيرة إلى نساء النبي صلى الله عليه وآله وخاصة عائشة (الترمذي:٥/٣١٢، والطبقات:٣/١٣٢)، ورووا عن ثروته المليونية: (وكان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه). (الطبقات:٣/١٣٦) وأن عائشة أرسلت اليه: (حين نزل به الموت: أن هلمَّ إلى رسول الله (ص) وإلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقاً عليك بيتك إني كنت عاهدت ابن مظعون، أيُّنا مات دفن إلى جنب صاحبه). (الرياض النضرة /٥٢٩، وتاريخ المدينة:١/١١٥، وفيه: هذا موضع قد حبسته لك مع رسول الله فخذ به).
ثم أذنت عائشة أن يدفن الإمام الحسن عليه السلام إلى جنب جده صلى الله عليه وآله وقالت: (نعم بقي موضع قبر واحد قد كنت أحب أن أدفن فيه وأنا أؤثرك به)! وقد تقدم.
وبعد عشرات السنين كان يوجد مكان قبر واحد في الحجرة النبوية الشريفة! وقد عرضه الراوي عن عائشة على عمر بن عبد العزيز، فلم يقبل عمر لأنه لايرى نفسه أهلاً لذلك: قال في تاريخ دمشق:٤٠/١٦٩: (أتي عمر بن عبد العزيز يوماً بتمر فقال: كأن هذا من تمر المدينة سُقياً للمدينة، وكان يحبها، فقال له عراك بن مالك: يا أمير المؤمنين لو سرت حتى تنزلها فإن في بيت عائشة موضع قبر، فإن أصابك قدرك دفنت فيه! فقال: ويحك يا عراك ما كان من عذاب يعذب الله به أحداً من خلقه إلا وأنا أحب أن يصيبني من قبل أن يعلم الله أن منزلتي بلغت في نفسي أن أراها لذلك أهلاً).انتهى.
فهذه تصرفاتهم بالحجرة الشريفة وكأنها ملك لعائشة أو للسلطة! وكلامهم في ملكيتها ومساحتها متهافت حسب الغرض السياسي!
هل باعت عائشة الحجرة النبوية أو وهبتها لأحد؟!
تقدم قول ابن سعد في الطبقات:٨/١٦٥: (واشترى(معاوية) من عائشة منزلها).
وفي البيهقي:٦/٣٤، وتاريخ دمشق:٢٨/١٩٠: (أوصت له عائشة بحجرتها واشترى حجرة سودة). أي لابن الزبير في مرض موتها!
فما الذي باعته وما الذي أوصت به؟! إن كان الحجرة النبوية، فوا مصيبتاه!
وإن كان حجرتها وبيتها فوامصيبة الكذابين! لأن بيتها وحجرتها يكونان غير الحجرة النبوية التي لاتباع ولاتشرى! مضافاً إلى تناقض قولها وفعلها وقبولها ورفضها دفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده صلى الله عليه وآله.
المسألة الخامسة: أين دفن النبي صلى الله عليه وآله؟
رأي أتباع الخلافة القرشية:
اتفق أتباع الخلافة القرشية على قبول قول عائشة بأن النبي صلى الله عليه وآله مات وهو متكئ على صدرها ودفن في غرفتها، فالرواية المعتمدة عندهم ما نقله بخاري:١/١٦٢ عن عائشة قالت: (لما ثقل النبي واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض وكان بين العباس ورجل آخر. قال عبيد الله بن عبد الله: فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة فقال لي: وهل تدرى من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب).
وفي مسند أحمد:٦/٢٢٨: (هو عليٌّ، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً).
وفي الطبقات:٢/٢٣٢: (هو علي، إن عائشة لاتطيب له نفساً بخير).
والزمن الذي تحدثت عنه عائشة هو آخر يوم من حياة النبي صلى الله عليه وآله عندما بلغه أن أبا بكر وقف يصلي بالمسلمين فجاء وصلى مكانه، فهو اليوم الوحيد الذي يصح فيه وصفها: (فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض وكان بين العباس ورجل آخر).
وكرر بخاري حديثه في: ٣/١٣٤، و:٤/٤٥، و:٥/١٣٩، و:٢/١٠٦، و:٥/١٤١، و١٤٢، و:٦/١٥٥، وكل رواياته عن عائشة وذكرت فيها تفاصيل لإثبات كلامها، وفي بعضها تناقض مثل أن النبي صلى الله عليه وآله طلب أن يكون تمريضه ووفاته في بيت عائشة فتنازل نساؤه لها، وفي بعضها أن ذلك اليوم كان يومها ونوبتها. وفي بعضها أنها هيأت له سواكاً فاستاك به هو قبل موته وأعطاها إياه، وفي بعضها أنها هي هيأته له وسنته! إلى آخر نقاط الضعف والتهافت، ولامجال لبحثها.
قال ابن حجر في فتح الباري:٨/١٠٦: (والسَّحْر بفتح المهملة وسكون الحاء المهملة هو الصدر، وهو في الأصل الرئة والنحر بفتح النون وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر...والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها... وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق أن النبي (ص) مات ورأسه في حجر علي وكل طريق منها لايخلو من شيعي، فلا يلتفت إليهم). انتهى.
وهذا تعصبٌ وهوىً من ابن حجر لأن الرواة الشيعة يملؤون مصادرهم، وقد اعتمد البخاري في صحيحه على أكثر من مئة راوٍ شيعي! على أنهم رووا حديث وفاة النبي صلى الله عليه وآله في حجر علي عليه السلام بطرق أخرى ليس فيها(شيعي)! كما رووا طلب النبي لعلي عليه السلام ودعوة فلانة وفلانة لغيره وإعراض النبي صلى الله عليه وآله عنهم!
ففي مسند أحمد:١/٣٥٦: (لما مرض رسول الله (ص) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال ادعوا لي علياً، قالت عائشة ندعو لك أبا بكر قال أدعوه. قالت حفصة يا رسول الله ندعو لك عمر قال أدعوه قالت أم الفضل يا رسول الله ندعو لك العباس قال ادعوه! فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير علياً فسكت فقال عمر: قوموا عن رسول الله).انتهى. وفيه دلالة قوية وصفعة قوية لو يشعرون!
رأي أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم:
روت مصادرنا أحاديث عديدة عن وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومراسم جنازته ودفنه، كالذي رواه الصدوق رحمه الله في الأمالي/٧٣٥ عن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وآله عندما عرف أن عائشة أرسلت إلى أبيها ليصلي بالناس! (فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى بالناس وخفف الصلاة ثم قال: أدعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فجاءا فوضع يده على عاتق علي والأخرى على أسامة، ثم قال: إنطلقا بي إلى فاطمة فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء ووجوهنا لوجهك الوقاء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من هذان يا علي؟ قال: هذان ابناك الحسن والحسين فعانقهما وقبلهما وكان الحسن أشد بكاءً فقال له: كفَّ يا حسن، فقد شققت على رسول الله. فنزل ملك الموت فقال: السلام عليك يا رسول الله. قال: وعليك السلام يا ملك الموت لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا نبي الله؟ قال: حاجتي أن لا تقبض روحي حتى يجيئني جبرئيل فيسلم عليَّ وأسلم عليه، فخرج ملك الموت وهو يقول: يا محمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال: يا ملك الموت قبضتَ روح محمد؟ قال: لا يا جبرئيل سألني أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه ويسلم عليك. فقال جبرئيل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتحة لروح محمد، أما ترى الحور العين قد تزينَّ لروح محمد؟ ثم نزل جبرئيل فقال: السلام عليك يا أبا القاسم فقال: وعليك السلام يا جبرئيل أدن مني حبيبي جبرئيل فدنا منه، فنزل ملك الموت فقال له جبرئيل: يا ملك الموت إحفظ وصية الله في روح محمد... إلى آخر الحديث).
وجاءه جبرئيل عليه السلام بحنوط من الجنة فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وقال له: (إقسم هذا أثلاثاً، ثلثاً لي حنطني به، وثلثاً لابنتي، وثلث لك). (أمالي الطوسي/٥٥٣).
وقال لعلي: (إذا أنا متُّ فاستق لي ست قرب من ماء بئر غرس فغسلني وكفني وحنطني، فإذا فرغت من غسلي فخذ بمجامع كفني وأجلسني ثم اسألني عما شئت، فوالله لا تسألني من شيء ألا أجبتك). (بصائر الدرجات/٣٠٤).
وقال المفيد رحمه الله في الإرشاد:١/١٨٤: (ثم ثَقُلَ رسول الله صلى الله عليه وآله وحضره الموت، فلما قرب خروج نفسه قال له: ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله عز وجل فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري وصل علي أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله عز وجل. وأخذ عليٌّ رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، وأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بوجههِ * * * ثِمَالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأراملِ

ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب رحمه الله لا تقوليه ولكن قولي: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)! فبكت طويلاً فأومأ إليها بالدنو منه فدنت إليه فأسرَّ إليها شيئاً هَلَّلَ له وجهها، ثم قضى صلى الله عليه وآله ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره).انتهى.(راجع أيضاً بصائر الدرجات/٣٣٣، والكافي:١/٢٩٦، والخصال/٦٤٢، وشبيه بها في مسند أحمد:١/٣٥٦، و:٦/٢١٤، وابن ماجة:١/٣٩١، وغيرها).
وفي تهذيب الأحكام:٦/٢: (فقال بعضهم: يدفن بالبقيع وقال: آخرون يدفن في صحن المسجد فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها، فاتفقت الجماعة على قوله، ودفن في حجرته).
الأدلة على صحة رأي أهل البيت عليهم السلام وبطلان غيره:
كتب الشيخ محمد بِرُّو بحثاً في مكان دفن النبي صلى الله عليه وآله ولم أجد كتابه، وكتب الباحث السيد جعفر مرتضى العاملي بحثاً بعنون (أين دفن النبي صلى الله عليه وآله) تجده في موقعه:
http://alhadi.org/Data/books/Html/makalat

استشهد فيه بنصوص مصادرهم وأثار إشكالات على تاريخ الحكومات، واستدل بوجوه على أن النبي صلى الله عليه وآله دُفن في بيت علي وفاطمة عليهما السلام، وقد أوردنا أهم أدلته.
والرأي الذي أختاره أن النبي صلى الله عليه وآله دفن في بيته في حجرته التي كان يستقبل فيها الناس، والدليل الأول عليه: أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله بيت مستقل عن بيوت نسائه بناه عندما قدم إلى المدينة شرقي المسجد، وفيه غرفة واسعة يستقبل فيها الناس وتسمى أحياناً الحجرة بدون إضافة، وكان إلى جنبها حجرة ابنته فاطمة عليها السلام التي هاجرت معه، وكان فيه مكان لخدامه، وفيه فناء أو صحن أو دار، وكان هذا البيت بعيداً نسبياً عن بيوت نسائه التسع، وأقرب البيوت اليه بيت علي وفاطمة عليهما السلام فباب دارهما إلى جانب باب هذا البيت!
فقد روى ابن سعد:٨/١٦٦، أن الزهراء عليها السلام سكنت بعد زواجها في بيت علي عليه السلام ثم أخذ لهما النبي صلى الله عليه وآله بيتاً قرب بيته قال: (لما قدم رسول الله (ص) المدينة وتزوج علي فاطمة وأراد أن يبني بها قال له رسول الله (ص) : أطلب منزلاً، فطلب علي منزلاً فأصابه مستأخراً عن النبي قليلاً فبنى بها فيه، فجاء النبي (ص) إليها قال: إني أريد أن أحوِّلك إليَّ، فقالت لرسول الله: فكلم حارثة بن النعمان أن يتحول عني تريد أن يتحول لي عن منزله، فقال رسول الله: قد تحول حارثة عنا حتى قد استحييت! فبلغ حارثة فتحول وجاء إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تُحول فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي أسقب(أنسب) بيوت بني النجار بك، وإنما أنا ومالي لله ولرسوله! والله يا رسول الله للذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع! فقال رسول الله: صدقت بارك الله عليك فحولها إلى بيت حارثة).
وفي صحيح بخاري:٤/٢٠٨: (ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ثم قال: لعل ذاك يسوءك؟ قال أجل! قال فأرغم الله بأنفك).
وفي فتح الباري:٧/٥٩: (وله من رواية العلاء بن عيزار قال: سألت ابن عمر عن علي فقال: أنظر إلى منزله من نبي الله، ليس في المسجد غير بيته).
وفي الحاكم:٣/٥١: (ثم قال: ألا أحدثك عن علي؟ هذا بيت رسول الله في المسجد وهذا بيت علي)! انتهى.
وفي الكافي:٤/٥٥٥ عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا دخلت من باب البقيع فبيت علي صلوات الله عليه على يسارك قدر ممر عنز من الباب، وهو إلى جانب بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وباباهما جميعا مقرونان). انتهى.
أقول: فبيت علي وفاطمة عليهما السلام أقربها إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وفي دار كل منهما باب مفتوح على ساحة المسجد، مضافاً إلى غرفة الزهراء عليها السلام التي بقيت باسمها في بيت أبيها. وستعرف أن بيوت نساء النبي صلى الله عليه وآله ومنها حجرة عائشة كانت تدور حول المسجد، ابتداءً من بيت علي عليه السلام لكن باتجاه قبلي المسجد، لا شرقيه.
وقد كان البيت بحجرته النبوية مركزاً لنشاطه صلى الله عليه وآله فكان يقضي الكثير من وقته فيه ويذهب ليلاً إلى غرفة إحدى نسائه ويعود فجراً إلى المسجد، وربما رجع إلى غرفتها فتناول طعام الصباح عندها أو في بيته، وربما تغدى أو تعشى في بيته بل كان كثيراً من الليالي ينام فيه، كما نصت أحاديث كثيرة عن ضيوفه وخدامه وغذائه ونومه، وهذه نماذج منها:
(كان رسول الله في بيته، فغدا إليه عليٌّ في الغداة، فدخل فإذا النبي صلى الله عليه وآله في صحن الدار).(أمالي الطوسي/٦٠٤). (كان يصلي ذات ليلة في حجرته(في شهر رمضان) فجاء أناس فصلوا بصلاته فخفف فدخل البيت ثم خرج). (مسند أحمد:٣/١٠٣).
وعن أنس قال: (كنت أخدم رسول الله فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير! قال: فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي فقلت إن رسول الله على حاجة! ثم جاء فقلت: إان رسول الله على حاجة! ثم جاء فقال رسول الله: إفتح، فدخل فقال رسول الله ما حبسك عليَّ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة! فقال: ما حملك على ما صنعت؟! فقلت: يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي! فقال رسول الله: إن الرجل قد يحب قومه! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). (مستدرك الحاكم:٣/١٣٠).
(يا أنس إني أريد الصيام، أطعمني شيئاً، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال فقال: يا أنس أنظر رجلاً يأكل معي). (سنن النسائي: ٤/١٤٧).
(كنت أبيت عند حجرة النبي (ص) فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان الله رب العالمين). (سنن النسائي:٣/٢٠٩).
فالنبي صلى الله عليه وآله كان يتغدى أو يتعشى أحياناً في بيته وحجرته، لا في بيوت نسائه!
ومعنى ذلك أنه عندما يقال بيت النبي ومنزل النبي وحجرة النبي صلى الله عليه وآله ودار النبي وباب بيت النبي صلى الله عليه وآله.. فالمقصود به هذا البيت وهذه الحجرة، وإلا لقيل بيت عائشة أو حجرة عائشة، أو بيت أم سلمة أو حجرتها. وقد كان لكل واحدة منهن بيت فيه غرفة ودار صغيرة وتوابعها من مشربة أو مطهرة.
إقرأ كلام أنس يصف وليمة النبي صلى الله عليه وآله في حجرته وهي نفس هذه الحجرة: (فقال لي: هل بقي في المسجد أحد؟ قلت: لا، قال: فانظر من كان في الطريق فادعهم قال فدعوت حتى امتلأت الحجرة فقال: هل بقي من أحد؟ قلت: لا يا رسول الله قال: هلم التُّور فوضعته بين يديه فوضع أصابعه الثلاث فيه وغمزه وقال للناس كلوا بسم الله...). (الطبقات:٨/١٠٤). فهي حجرة النبي صلى الله عليه وآله وليست حجرة لزوجته! وهي نفس الحجرة التي تقول عنها أم سلمة رحمه الله: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: أيها الناس، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم. ألا إني مخلف فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان بصيران لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض فأسألهما ماذا خلفت فيهما). (أمالي الطوسي/٤٧٨).
وهي نفس الحجرة التي يقول عنها ابن حجر: (ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك (الكتاب والعترة) طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً... وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم). (الصواعق:٢/٤٤٠). فحجرة النبي صلى الله عليه وآله بعيدة عن حجرة عائشة!
وهي نفس الحجرة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وآله بنص مصادر السنة فقد جاء في حديث عمر عن المكان الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وآله: (فبينما نحن في منزل رسول الله (ص) إذا رجل ينادي من وراء الجدار أن أخرج إليَّ يا ابن الخطاب... فإن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمراً...). (فتح الباري:٧/٢٣ عن أبي يعلى، وتاريخ دمشق:٣٠/٢٨٢، وفي رواية ابن حبان:٢/١٥٥: فبينا نحن في منزل رسول الله إذ رجل ينادي من وراء الجدار...). انتهى.
فمنزل رسول الله هو بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وفيه حجرته التي توفي فيها. ومعنى ذلك أن السلطة وضعت يدها على المسجد والقبر والبيت حتى لا يعوذ به بنو هاشم، ويحرجوها! ثم ادعت عائشة بنت رئيس السلطة أن الحجرة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وآله أعطاها لها وسيطرت عليها وعلى بيت النبي صلى الله عليه وآله، وأبعدت ابنته فاطمة وعلياً عليهما السلام مع أن حجرة عائشة من الجهة الثانية قِبْليَّ المسجد!
ولا بد أن يكون سبب سكوت علي وأهل البيت عليهم السلام عن تحريك المسلمين ضد السلطة وعائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله أوصاهم كما أوصاهم بشأن الخلافة، أن لا يثيروا مشكلة حول قبره وبيته وتركته، ويكتفوا بتسجيل ظلامتهم والمطالبة السلمية بحقهم عليه السلام! وأخبرهم أن ظلامته وظلامتهم ستبقى حتى يظهر ولده المهدي الموعود عليه السلام فيكشف ما جرى على جده المصطفى صلى الله عليه وآله وآبائه الطاهرين عليهم السلام.
الدليل الثاني: اعتراف عائشة نفسها بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يدفن في غرفتها! فقد قالت: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله (ص) وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها)! (ابن ماجة:١/٦٢٥، وأوسط الطبراني:٨/١٢، وأبو يعلى:٨/٦٤، والمحلى:١١/٢٣٦، وقال: وهذا حديث صحيح. وفي لسان العرب:٧/٣٣، ونهاية ابن الأثير:٢/٨٧، وفيها: إن الرجم أنزل في الأحزاب وكان مكتوباً في خوصة في بيت عائشة فأكلتها شاتها). انتهى.
فلو كان تمريض النبي صلى الله عليه وآله وموته في غرفتها فلا يمكن أن تكون فارغة وتدخل اليها سخلة وتأكل الآيات المزعومة؟!
الدليل الثالث: أن النصوص ذكرت أنه كان لحجرة عائشة باب واحد يَفتح لجهة الشام أي جهة شمال المسجد! (فسألته عن بيت عائشة فقال: كان بابه من وجهة الشام فقلت: مصراعاً كان أو مصراعين؟ قال: كان باباً واحداً. قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعر أو ساج). الأدب المفرد لبخاري/١٦٨. وإمتاع الأسماع:١٠/٩٢، وسبل الهدى:٣/٣٤٩، وسمت النجوم/٢١٨، وفيه: وبنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة على نعت بناء المسجد من لبن وجريد، وكان باب عائشة مواجهَ الشام، وكان بمصراع واحد من عرعر أو ساج). انتهى.
بينما حجرة النبي صلى الله عليه وآله تقع شرقي المسجد ويفتح بابها إلى المسجد إلى الغرب وكان لها بابان! فعندما أراد السلمون أن يصلوا على جثمان النبي الطاهر صلى الله عليه وآله أمرهم علي عليه السلام أن يدخلوا مجموعات فتصلي المجموعة من باب وتخرج من باب آخر! (قالوا كيف نصلي عليه؟ قال (علي عليه السلام): أدخلوا أرسالاً أرسالاً. قال: فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه، ثم يخرجون من الباب الآخر). (مسند أحمد:٥/٨١، وقال في مجمع الزوائد:٩/٣٧: ورجاله رجال الصحيح. وتاريخ دمشق:٤/٢٩٦، وأسد الغابة:٥/٢٥٤).
فهل حدثت معجزة لغرفة عائشة عندما توفي فيها النبي صلى الله عليه وآله، فصار لها بابان؟!
الدليل الرابع: شهادة أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وآله التي رواها بخاري:٦/٢٦، وأحمد:٣/١٦٨، والطبقات:٨/١٠٤، ووصف فيها وليمة النبي صلى الله عليه وآله بمناسبة زواجه من زينب وأنها كانت في بيته في الحجرة، فأكلوا وبقي بعض الثقلاء جالسين في الحجرة يتحدثون: (فمشى رسول الله (ص) ومشينا معه حتى جاء عَتَبَةَ حُجرة عائشة وظن رسول الله (ص) أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا. فنزلت آية الحجاب وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا). (الأحزاب:٥٣).
فهذا نصٌّ على أن بيت عائشة، كان بعيداً نسبياً عن بيت النبي صلى الله عليه وآله وحجرته التي يستقبل فيها الناس، فقد مشى صلى الله عليه وآله حتى وصل إلى عتبته!
قال في الطبقات:٨/١٦٦: (وكانت لحارثة بن النعمان منازل قرب مسجد رسول الله (ص) وحوله، وكلما أحدث رسول الله أهلاً تحول له حارثة بن النعمان عن منزله، حتى صارت منازله كلها لرسول الله وأزواجه). انتهى.
ومعناه أن بيت عائشة كان رابع بيت اشتراه النبي صلى الله عليه وآله من بيوت حارثة بن النعمان: (كانت زينب بنت خزيمة قبل أم سلمة، فتوفيت زينب فأدخل أم سلمة في بيتها، وفي تلك السنة تزوج زينب بنت جحش. وكانت سودة قبل عائشة في النكاح، وقبل هؤلاء جميعاً). (الطبقات:٨/١٦٤).
الدليل الخامس، أن عائشة باعت منزلها، ووهبت حجرتها إلى ابن أختها عبدالله بن الزبير، ولا يمكن أن يكون المباع والموهوب مكان قبر النبي صلى الله عليه وآله!
قال في الطبقات:٨/١٦٥: (واشترى(معاوية) من عائشة منزلها، يقولون بمائة وثمانين ألف درهم ويقال بمائتي ألف درهم وشرط لها سكناها حياتها).انتهى.
فلا يصح القول إن هذا المنزل هو حجرتها وإن معاوية اشتراه لتوسيع المسجد النبوي أو للفخر مثلاً، لأنه لم يوسع المسجد، بل ستعرف أن بيتها بعيد عن المسجد حيث ذهب مروان اليه في مراسم جنازة الإمام الحسن عليه السلام وطلب منها ان تحضر بسرعة إلى المسجد وتمنع دفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده صلى الله عليه وآله، وأنها تحيرت كيف تصل إلى المسجد فأعطاها بغله فركبته!
وفي تاريخ دمشق:٢٨/١٩٠وسنن البيهقي:٦/٣٤: (وكان عبد الله بن الزبير يعتد بمكة مالاً لايعتد به أحد من الناس، أوصت له عائشة بحجرتها، واشترى حجرة سودة). انتهى. فهذه الحجرة التي أوصت بها غير الحجرة النبوية، بل هي حجرتها التي كانت إلى جنب حجرة سودة، كما في نص سمت العوالي.
الدليل السادس: أن حجرة عائشة تقع قبليَّ المسجد والقبر النبوي شرقيَّه!
قال السيد جعفر مرتضى: (مما يدل على أن بيت عائشة كان في جهة القبلة من المسجد من الشرق ما رواه ابن زبالة، وابن عساكر، عن محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال: أنه رأى حجر أزواج النبي (ص) من جريد مستورة بمسوح الشعر فسألته عن بيت عائشة فقال: كان بابه من جهة الشام. قلت: مصراعاً كان أو مصراعين؟ قال: كان باب واحد. وفي عبارة ابن زبالة: مستورة بمسوح الشعر، مستطيرة في القبلة، وفي المشرق والشام ليس في غربي المسجد شيء منها. الخ.. وقال ابن عساكر: وباب البيت شامي. (وفاء الوفاء:٢/٥٤٢و٤٥٩و٤٦٠.) فيستفاد من ذلك:
أ: ما قاله المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني: "قوله في الحديث (فسألته عن بيت عائشة) في هذا دلالة على أن الحجرة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وآله لم تكن بيت عائشة، إذ فيه دلالة على أن السائل يعلم أن بيتها لم يكن في الموضع الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وآله.. ولذلك فهو يسأل عن موضع بيتها فيما عدا البيت الذي دفن فيه النبي (ص) ليعرفه أين يقع. انتهى.
ب: إن من المعلوم أن الجهة الشامية للمسجد هي الجهة الشمالية منه، كما صرحت به الرواية آنفاً، ويدل على ذلك أيضاً قول ابن النجار: قال أهل السير: ضرب النبي (ص) الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة عنه مديرة به، وكان أبوابها شارعة في المسجد. (راجع: وفاء الوفاء:٢/٤٣٥و٤٥٩و٥١٧، وليراجع أيضاً ص٦٩٣.)
وأيضاً: وجه المنبر، ووجه الإمام إذا قام على المنبر بجهة الشام.. (راجع: وفاء الوفاء:٢/٤٣٥و٤٥٩و٥١٧، وليراجع أيضاً/٦٩٣). انتهى.) ومن المعلوم أن الجالس على المنبر يكون ظهره إلى القبلة ووجهه إلى الجهة المقابلة لها).
الدليل السابع: حديث الأمالي المتقدم/٧٣٥، وهو حديث بليغ مؤثر يصف آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وآله، وأنه عندما عرف أن عائشة أرسلت إلى أبيها ليصلي بالناس خرج مغضباً يتوكأ على علي عليه السلام والعباس: (فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى بالناس وخفف الصلاة ثم قال: أدعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فجاءا فوضع يده على عاتق علي والأخرى على أسامة ثم قال: إنطلقا بي إلى فاطمة فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء ووجوهنا لوجهك الوقاء...الخ.)
وشاهدنا منه قوله صلى الله عليه وآله: (إنطلقا بي إلى فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان)، وفاطمة عليه السلام حينذاك إما أن تكون في بيتها وبيت علي عليهما السلام كما يرى السيد جعفر مرتضى، أو في بيت النبي صلى الله عليه وآله في الغرفة التي يستقبل فيها الناس وتسمى الحجرة على الإطلاق بدون إضافة، وهو ما أراه وفيها توفي النبي صلى الله عليه وآله! ويدل عليه أن بيت علي وفاطمة عليهما السلام جرت فيه أحداث كثيرة وروتها نصوص عديدة، فقد اعتصم فيه أهل البيت عليهم السلام ومن معهم ضد السقيفة وهاجمهم أهل السقيفة. وعاشت فيه فاطمة الزهراء عليها السلام بقية حياتها، وعاش فيه أمير المؤمنين والحسنان عليهم السلام. ويتضح من رواياته أنه بيت مستقل عن بيت النبي صلى الله عليه وآله وقبره، وإن كان باب داره ملاصقاً لباب دار النبي صلى الله عليه وآله. قال الصدوق رحمه الله في الفقيه:٢/٥٧٢: (فلما فرغتُ من زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله قصدت إلى بيت فاطمة عليها السلام وهو من عند الأسطوانة التي تدخل إليها من باب جبرئيل عليه السلام إلى مؤخر الحظيرة التي فيها النبي صلى الله عليه وآله فقمت عند الحظيرة ويساري إليها وجعلت ظهري إلى القبلة واستقبلها بوجهي وأنا على غسل، وقلت...). ولا مجال للتفصيل

الفصل الثامن: معاوية يستميت لأخذ البيعة ليزيد!

لولا هوايَ في يزيد لأبصرت رشدي!
قال في مقاتل الطالبيين/٤٧: (وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدسَّ إليهما سماً فماتا به). انتهى.
وكان معاوية أزاح من طريق ابنه العقبات الفرعية مثل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، الذي كان يحبه أهل الشام وارادوا أن يجعله ولي عهده، فسارع إلى قتله بالسم، وعندما انكشف قتله له لم يتبرأ منه بل تبناه! وكذلك أزاح سعد بن وقاص لأنه من أعضاء الشورى وهو طامح إلى الخلافة، وغيره!
لكن أكبر عقبة أمامه على الإطلاق وأثقل شيء عليه بتعبير رواية أبي الفرج كان الإمام الحسن عليه السلام لأنه سبط النبي صلى الله عليه وآله وكل الأمة تحبه، ولأن الخلافة له بعد معاوية بموجب معاهدة الصلح، فيكفي أن يموت معاوية لتتجه الأمة إلى الإمام الحسن عليه السلام فتبايعه، مضافاً إلى تعيينه إماماً بنص جده صلى الله عليه وآله وأبيه عليه السلام! لذلك تخيل معاوية أنه بقتل الإمام الحسن عليه السلام يصفو له الجو فيأخذ البيعة ليزيد بلا منازع!
وقد اعترف معاوية بأن إصراره على استخلاف يزيد جلب له المتاعب! فقد خرج إلى الناس في آخر أيامه وقد أصابته لُقْوَة وانحرف فمه إلى تحت عينه، وهو معصبٌ وجهه فكان يبكي ويقول: (رحم الله عبداً دعا لي بالعافية... ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي)! (تاريخ دمشق٥٩/ ١٤و٦١).
لكنه لم ينتفع بهذا الاعتراف ولا صحح خطأه بل اكتفى بإعلانه وهو يبكي! وأحسن وصف له قول أمير المؤمنين عليه السلام:(ومن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة! قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ولمن في يده شيء منها حيثما زالت زال إليها، وحيثما أقبلت أقبل عليها! لا يزدجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ)! (نهج البلاغة:١/٢١١).
لذلك ظل معاوية حتى آخر عمره راكباً رأسه عاقصاً قرنيه، مسكوناً بمادية بني أمية واليهود، وبعد قتله الإمام الحسن عليه السلام نشط في التمهيد ليزيد، وكان برنامجه:
مواصلة قَتْلُ من يقف في وجه خلافة يزيد.
وتَلْمِيعُ يزيد بإرساله إلى الحج، وإرساله باسم الجهاد وغزو القسطنطينية.
ثم ترتيب بيعة أهل الشام، وإرسال الرسائل إلى عماله ولاة الأمصار ليأخذوا البيعة من شخصيات بلدهم، والبيعة العامة من الناس في صلاة الجمعة.
واستقدام وفود الأمصار إلى الشام لإعلان بيعة يزيد!
وإذا احتاج الأمر وامتنع بقية الصحابة والشخصيات عن البيعة كما في الحجاز فيجب أن يذهب معاوية بنفسه بألف فارس أو ألفين، لإخضاعهم وأخذ البيعة منهم بالتهديد، أو تصفية من يخالف جهاراً نهاراً على أعين الناس، أو بالسُّم!
نَصَحَهُ الصحابة والمشفقون على أمة النبي صلى الله عليه وآله وعليه
نصحه أبو أيوب الأنصاري:
في تاريخ دمشق:٤٣/٣١٩: (وقال له أبو أيوب الأنصاري: إتق الله ولا تستخلف يزيد! قال: أمرؤ ناصح وإنما أشرت برأيك، وإنما هم أبناؤهم فابني أحب إليَّ من أبنائهم! ثم قال: يا أبا أيوب أرأيت الفرس البلقاء التي كان من أمرها يوم كذا وكذا، من قتل صاحبها؟ قال: أنا قتلت صاحبها، وأنت وأبوك يومئذ بأيديكما لواء الكفر! قال معاوية: عمرك الله ما أردت هذا). انتهى.
أقول: تلاحظ أن منطق معاوية قبلي مادي محض، وكأنه لا يوجد دين ولا رسول ولا إسلام! وحجته في تعيين يزيد خليفة، أن البديل له إنما هم أولاد الصحابة، والصحابة مثله أخذوا الخلافة وأولادهم يريدونها، ويزيد أحب اليه منهم! فالمسألة عنده شخصية قبلية ولا حساب عنده لدين، ولا لنص قرآني أو نبوي، ولا لمصلحة الأمة الإسلامية!
ونصحه الأحنف بن قيس:
في تهذيب الرياسة للقلعي/٣٦٦: (وقيل إنه استشار الأحنف بن قيس فقال: أدخل على يزيد فأدخله عليه، فلما خرج قال له معاوية: كيف رأيت يزيد؟ فقال: رأيت شباباً وجلداً ونشاطاً. ثم قال: نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا، وأنت أعلم يا أمير المؤمنين بليله ونهاره ومدخله ومخرجه وسره وجهاره، وإيراده وإصداره! فإن كنت تعلم أن فيه لله رضى، ولهذه الأمة صلاحاً فلا تشاور الناس، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت عائد إلى الآخرة. وإنما علينا السمع والطاعة. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيراً).
أقول: الأحنف من عقلاء زعماء العرب، ويظهر من كلامه تحفظه الشديد على بيعة يزيد، وخوفه من سطوة معاوية، فهو يتكلم بأقصى ما يمكنه مع تجنب إرهاب معاوية وسطوته!
ونصحه زياد بن أبيه:
وفي تاريخ الطبري:٤/٢٢٤: (لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد، كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري فقال: إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع.... وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف. إن أمير المؤمنين كتب إليَّ يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني، وعلاقة أمر الاسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤدياً عني فأخبره عن فعلات يزيد، فقل له رويدك بالأمر فأقمن أن يتم لك ما تريد ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت). انتهى.
وفي تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٠، أن رسول زياد قال لمعاوية: (يا أمير المؤمنين إن كتابك ورد علي بكذا، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ولكن تأمره، ويتخلق بأخلاق هؤلاء حولاً وحولين، فعسانا أن نموه على الناس. فلما صار الرسول إلى معاوية وأدى إليه الرسالة قال: ويلي على ابن عبيد! لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الأمير بعدي زياد، والله لأردنه إلى أمه سمية، وإلى أبيه عبيد)! انتهى. وقد تقدم في فصل(الذين قتلهم معاوية) أن معاوية غضب من نصيحة زياد واعتبرها طمعاً منه بالخلافة فقتله!
وما ذكرناه نماذج من نصح الناصحين، وأولهم الإمام الحسين عليه السلام، لكن معاوية ظل مصراً على هواه! وكانت نتيجته أن يزيداً دمَّر نفسه وعائلة أبي سفيان!
تلميع معاوية ليزيد بتأميره على الحج!
أراد معاوية بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام أن يظهر إيمان ابنه يزيد وصلاحيته للخلافة، فأخذه معه إلى الحج ثم أمَّره على الحج عدة سنوات، فكانت تصرفاته في مكة والمدينة فضائح سببت ردة فعل عند بقية الصحابة والتابعين!
قال الطبري في تاريخه:٤/١٧٩: (واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة (خمسين) فقال بعضهم: حج بهم معاوية وقال بعضهم: بل حج بهم ابنه يزيد).
وفي تاريخ دمشق:٢١/١٢٥: (ثم حج بالناس معاوية بن أبي سفيان سنة خمسين، ثم حج بالناس يزيد بن معاوية سنة إحدى وخمسين وسنة اثنتين وخمسين وسنة ثلاث وخمسين، ثم حج بالناس مروان سنة وخمسين وسنة خمس وخمسين).
أقول: يظهر أن يزيداً كان مع أبيه في سنة خمسين! وكان معاوية حريصاً على أن يقدمه إلى الصحابة والتابعين بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام ليروا يزيداً ويحبوه ويعطيهم الجوائز ويتألفهم! ففي تاريخ دمشق:٦٥/ ٤٠٦: (عن عمر بن شبة قال: لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرفع! وقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه، فحجبه وأذن للحسين بن علي، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال لله در طيبك هذا ما أطيبه، وما كنت أحسب أحداً يتقدمنا في صنعة الطيب، فما هذا يا ابن معاوية؟ فقال: يا أبا عبد الله هذا طيب يصنع بالشام، ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بآخر! فقال: إسق أبا عبد الله يا غلام. فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فشرب يزيد وقال:

ألا يا صاح للعجب دعوتك ثم لم تجب
إلى القينات والشهوات والصهباء والطرب
وباطيةٍ مكلَّلَة عليها سادة العرب
وفيهنَّ التي تَبَلَتْ فؤادك ثم لم تثُب

فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تَبَلَتْ. ثم قال ابن عساكر: (هذه الحكاية منقطعة: عمر بن شيبة بينه وبين يزيد زمان). (وكامل ابن الأثير:٣/٣٦٤).
أقول: معنى ذلك أن ابن عساكر لا يكذب أمثالها عن يزيد! لكن إشكاله أن عمر بن شبة متأخر زمناً عن يزيد، وهو إشكال غير وارد لأن عمر بن شبة مؤرخ موثوق عندهم، على أن غيره روى القصة كأبي الفرج في الأغاني:١٥/٢٨١، وابن الأثير في كامله:٣/٤٦٥، ورواها القاضي النعمان بأشد من ذلك في المناقب والمثالب ص٢٩٥، وجاء فيها: فقال الحسين: أعطي الله عهداً لئن خلص الأمر إليك وأنا في الحياة، لا أعطيتك إلا السيوف بعد أن شهدت عليك بهذا المشهد! وقام فخرج معه عبد الله بن جعفر). انتهى.
ويظهر من مجموع الروايات أن معاوية أراد أن تكون هذه السفرة تمهيداً واستطلاعاً لآراء الصحابة والتابعين في يزيد! وأنه واجه معارضة شديدة من أغلب الشخصيات خاصة عبدالله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير والإمام الحسين عليه السلام، فآثر أن يتحمل منهم ويؤخر طرح بيعة يزيد حتى يقوم بمزيد من التمهيد، ثم ينقضُّ على الصحابة ومعه جيش من الشام!
تزوير معاوية (غزوة القسطنطينية) من أجل يزيد!
ركود الفتوحات في عهد معاوية
تَتَبعتُ حركة الفتوحات التي قام بها معاوية في مدة خلافته من سنة أربعين إلى ستين للهجرة، فوجدتها لاتكاد تذكر! ذلك لأن الفتوحات الأساسية كانت قد تمت في خلافة عثمان، وقام علي عليه السلام بفتوحات تكميلية في إيران والهند. وثانياً، لأن معاوية انشغل في العراق وإيران وغيرها بحرب الخوارج، الذين بدأت مجموعاتهم بحربه بعد صلحه مع الإمام الحسن عليه السلام مباشرة، وتواصلت حروبهم سنين طويلة. وثالثاً، لأن قادة الفتوحات الميدانيين الشجعان كانوا شيعة علي عليه السلام إلا عدداً قليلاً جداً، وقد قتل أكثرهم في صفين، أو هرموا، أو كانوا معادين لمعاوية. وهذه حقيقة تحتاج إلى دراسة خاصة.
ورابعاً، لأن فتوحات معاوية التكميلية في إيران والهند تعثرت وفشلت، ولم يتواصل منها إلا فتوحات موسى بن نصير وعقبة بن نافع الشيعيين.
وخامساً، كان معاوية ليناً مع الروم موادعاً لهم(إن الروم صالحت معاوية على أن يؤدى إليهم مالاً وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك) (فتوح البلدان:١/١٨٨). وفي الصحيح من السيرة:٩/٢٥٥: (صالح معاوية ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه إليه، ذكره أبو عبيدة قال السهيلي: قيل: كان مئة ألف دينار).
غزوة يزيد المزعومة للقسطنطينية
أهم أعمال معاوية في الفتوحات غزوته الدعائية للقسطنطينية التي رتبها باسم ولده يزيد ليعطيه صفة المجاهد في سبيل الله فيقبل الناس بيعته بولاية العهد!
وهي غزوة مأساوية مضحكة في طريقتها ونتيجتها وكثرة تطبيل الأمويين وأتباعهم لها، ووضعهم حديثاً لها رواه بخاري يزعم أن جيشها مغفور لهم!
فقد أرسل معاوية جيشاً (كثيفاً) وأعلن أنه بقيادة يزيد إلى جهة القسطنطينية (استانبول) فتثاقل عنه يزيد وتأخر، مفضلاً لهوه وخمره في دير مُرَّان قرب دمشق، فسكت عنه معاوية!
وانتظر جيش الجهاد قائده العتيد حتى أصابهم الجوع والمرض ومات كثير منهم وأخذ الروم بعضهم أسرى، ومات أبو أيوب الأنصاري رحمه الله!
ولما بلغ الخبر يزيد حمد الله لأنه لم يكن معهم! فغضب معاوية وأصرَّ عليه أن يذهب فذهب يزيد على مضض والتحق بهم ورجع بدون قتال، وقالوا إنه وصل إلى باب القسطنطينية ولمسه بيده الباب، أو ضربه بسيفه، أو بعمود حديد وأن ضربته خرقت ذلك الباب العظيم! وهذه بعض نصوصها:
قال الضحاك في الآحاد والمثاني:٣/٤٤٠: (وغزا يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين الصائفة حتى بلغ القسطنطينية وأخذ بحلقتها، ومات أبو أيوب).
وقال اليعقوبي:٢/٢٢٨: (وقال عبد الله بن عمر: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب ويشرب الخمر ويظهر الفسوق! ما حُجَّتنا عند الله؟! وقال عبد الله بن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، وقد أفسد علينا ديننا...وحج معاوية تلك السنة فتألف القوم ولم يكرههم على البيعة (ليزيد)!
وأغزى معاوية يزيد ابنه الصائفة ومعه سفيان بن عوف العامري فسبقه سفيان بالدخول إلى بلاد الروم(وانتظروا طويلاً) فنال المسلمين في بلاد الروم حمًّى وجدري! وكانت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر تحت يزيد بن معاوية وكان لها محباً، فلما بلغه ما نال الناس من الحمى والجدري قال:

ما إن أبالي بما لاقتْ جموعُهُمُ بالغذْقذونة من حُمّى ومن مُومِ
إذا اتكأتُ على الأنماط في غرف بدير مُرَّانَ عندي أم كلثوم

فبلغ ذلك معاوية فقال: أقسم بالله لتدخلن أرض الروم فليصيبنك ما أصاهم، فأردف به ذلك الجيش فغزا به حتى بلغ القسطنطينية)!!
وفي تاريخ دمشق:٦٥/٤٠٤: (بعث معاوية جيشاً إلى الروم فنزلوا منزلاً يقال له الفرقدونة، فأصابهم بها الموت وغلاء شديد فكبُر ذلك على معاوية، فاطَّلع يوماً على ابنه يزيد وهو يشرب وعنده قينة تغنيه...الخ. فقال: أقسم عليك يا يزيد لترتحلن حتى تنزل مع القوم وإلا خلعتك، فتهيأ يزيد للرحيل وكتب إلى أبيه:

تجنَّى لا تزالُ تَعُدُّ ديناً ليقطع وصل حبلك من حبالي
فيوشك أن يريحك من بلائي نزولي في المهالك وارتحالي). انتهى.

والصحيح مصطبحاً بدل مرتفقاً كما في الأغاني وغيره، والغذقذونة بدل الفرقدونة، كما في معجم البلدان:٤/١٨٨.
وقد روت المصادر غزوة يزيد القائد وتأخره عنها للشراب مع جواريه وزوجته أم كلثوم بنت كريز وأوردت أكثر المصادر بيتيه الأولين، والظاهر أن أصلهما:

إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقاً بدير مُرَّانَ عندي أم كلثوم
فما أبالي بما لاقت جموعهم بالغذقذونة من حمى ومن مُومِ

ولا بد أن بعض الشعراء نظمهما ليزيد! كما روى عدد من المصادر البيتين اللذين يعتب فيهما على أبيه لأنه يريد إرساله إلى الحرب وتعريضه للهلاك! كأنساب الأشراف/١١٤٩، والأربعين البلدانية لابن عساكر:٢/٥٣٣ وفيه: (ودير مُرَّان بضم أوله بلفظ تثنية والذي بالحجاز مَرَّان بالفتح. قال الخالدي: هذا الدير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران ورياض حسنة وبناؤه بالجص، وأكثر فرشه بالبلاط الملون، وهو دير كبير وفيه رهبان كثيرة وفي هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني والأشجار محيطة به. وفيه قال أبو بكر الصنوبري: أمرُّ بدير مُرَّانٍ فأحيا... وأجعل بيت لهوي بيت لهيا..). في أبيات تصف جو الدير!!
وفي الأغاني:١٧/٢١١: (فأصابهم جدري فمات أكثر المسلمين، وكان ابنه يزيد مصطبحاً بدير مران مع زوجته أم كلثوم، فبلغه خبرهم فقال... البيتين.
والموم أو البرسام: التهاب رئوي يسمى ذات الجنب، وفسره بعضهم بالجدري (لسان العرب:١٢/٤٦، والعين:٨/٤٢٢) وادعت رواية أبي الفرج أن يزيداً وصل إلى استانبول: (وضرب باب القسطنطينية بعمود حديد كان في يده فهشمه حتى انخرق، فضرب عليه لوح من ذهب فهو عليه إلى اليوم)! انتهى.
ولم تذكر الرواية لماذا لم يدخل الجنود من مكان ضربة يزيد التي خرقت باب السور! وهل خاف الروم من هول الضربة فهربوا من الباب الثاني!
وفي أنساب الأشراف/١١٤٩: (وأمر يزيد بالغزو فتثاقل واعتلَّ فأمسك عنه! وأصاب الناس في غزاتهم جوع وأمراض، فأنشأ يزيد يقول.. البيتين.. فلحق به فُرْس أنطاكية وبعلبك، وجماعة أنهضهم معه فبلغ بالناس الخليج وضرب بسيفه باب الذهب وهزم الروم(!) وخرج وسفيان بالناس). (وابن خلدون:٣/٩).
غفروا ليزيد مجزرة كربلاء والحرة وضرب الكعبة!
لا يحتاج الباحث إلى جهد ليكتشف الدعاية في غزوة يزيد! لكنه يتعجب لمدى نفوذ الأمويين على الرواة وكيف حولوا كذبهم إلى حديث نبوي موضوع خصيصاً لمدح معاوية ويزيد معاً، ورووه في أصح كتاب عند أتباع الخلافة!
قال بخاري في صحيحه:٣/٢٣٢: (فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي (ص) يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: قلت يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي (ص) : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم! فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا). انتهى.
وقصدهم أن معاوية أول من غزا في البحر لفتح قبرص فقد أوْجَبَ، أي استحق الجنة فلا يضره بعد ذلك خروجه على علي عليه السلام وقتله مئات الألوف من المسلمين ليتأمر عليهم! كما أن يزيداً كان قائد أول جيش غزا القسطنطينية فهو مغفورٌ له ولا يضره بعدها قتله الحسين عليه السلام وأصحابه في كربلاء، وقتله خيار الصحابة والتابعين واستباحته المدينة في وقعة الحرة، ثم رميه الكعبة بالمنجنيق!
قال في فتح الباري:٦/٧٤: (قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر). انتهى.
وقد كذبوا في غزوة معاوية لقبرص، كما كذبوا في غزوة يزيد، ثم كذبوا في هذا الحديث لجعل الكذبيتين منقبتين!
وقد فرح ابن تيمية بهذه المنقبة ليزيد، فقد(وجد) شهادة من النبي صلى الله عليه وآله تسقط عن صاحبه جميع جرائمه في سفك دماء أهل البيت والصحابة ومهاجمة الكعبة فكرر حديث الغفران ليزيد في كتبه! قال منهاج السنة:٤/٥٤٤: (فإنه غزا القسطنطينية في حياة أبيه معاوية وكان معهم في الجيش أبو أيوب الأنصاري وذلك الجيش أول جيش غزا القسطنطينية، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي (ص) أنه قال أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم). وقال في:٤/٥٧١: (وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين فإن هذا أخص والجيش معينون، ويقال إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث). وقال في مجموع الفتاوى:٣/٤١٣: (ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة، وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن النبي قال: أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له. وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية). (وقال نحوه في:٤/ ٤٨٦، و:١٨/٣٥٢ وفي كتابه رأس الحسين عليه السلام /٢٠٧، وكتابه الجواب الصحيح:٦/١١٧).
والجواب الصحيح على مزاعمهم نفس نصوصهم عن غزوة يزيد المدعاة فهي ناطقة بفداحة التزوير، بل عندهم نصوص صحيحة تنفي أن يكون يزيد وصل إلى القسطنطينية أصلاً! ولعله رواتهم بسببه يؤكدون على أنه وصل اليها وضرب باب سورها بسيفه فقده! أو بعمود حديد فظهرت في ضربته كرامة!
إن أقوى ما يستدلون به على وصوله إلى القسطنطينية أن أبا أيوب الأنصاري مات في تلك الغزوة ودفن عند سورها. لكن الصحيح أنه مات رحمه الله قرب أنطاكية حيث كان الجيش ينتظر يزيداً وأوصاهم أن يحملوا جنازته داخل بلاد الروم ويدفنوه في أقرب نقطة ممكنة من القسطنطينية، وأنهم ساروا بجنازته (يوماً) حسب روايتهم وربما ساروا أياماً، أو دفعوا للروم مالاً حتى سمحوا لهم!
فقد روى عبد الرزاق:٥/٢٧٩ عن معمر عن ابن سيرين، وهو سند صحيح عندهم أن يزيداً زار أبا أيوب وهو مريض(فقال له: حاجتك؟ قال: إذا أنا متُّ فسرْ بي في أرض العدو ما استطعت ثم ادفني. قال: فلما مات سار به حتى أوغل في أرض الروم يوماً أو بعض يوم، ثم نزل فدفنه). انتهى. بل تدل رواية عدد من المصادر على أن أبا أيوب رحمه الله أوصى المسلمين وليس يزيداً كما زعموا!
وهذا يعني أنهم كانوا خارج أرض العدو كلياً أوفي طرفها بعيداً عن العاصمة! ومعناه أن يزيداً لم يصل إلى سور القسطنطينية ولم يضرب باب سورها بسيفه أو بعمود كما كذبوا! وربما يكون وصل الى(الغذقذونة) القريبة من أنطاكية وكانت معسكر الجيش ومقبرة من مات منه!
وفي رواية أحمد:٥/٤٢٣، وتعجيل المنفعة:١/٤٥٢: (غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية قال فقال: إذا أنا متُّ فأدخلوني أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو)! وسند هذه الرواية صحيح عندهم وهي تشير إلى أن معسكرهم كان خارج بلاد العدو قرب أنطاكية كما في شعر يزيد، وكذا رواية المستدرك:٣/٤٥٧: (إذا أنا مت فاركب ثم اسع في أرض العدو ما وجدت مساغاً فإذا لم تجد مساغاً فادفني ثم ارجع). وفي الاستيعاب:٤/١٦٠٧: (فليركبوا له ثم يسيروا في أرض العدو حتى إذا لم تجدوا مساغاً فادفنوني) وفي النهاية:٨/٥٩: (ولينطلقوا فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا) (ونحوه تاريخ دمشق:١٦/٥٩، والإصابة:٢/٢٠٠، وغريب الحديث:٢/٧١٣، وأسد الغابة:٢/٨٢، وسير الذهبي:٢/٤٠٤، والطبقات:٣/٤٨٥، وفي رواية أخرى: ولينطلقوا بي فليبعدوا ما استطاعوا...فانطلقوا بجنازته ما استطاعوا. وفي الروض الأنف:٤/٩٤: فركب المسلمون به حتى إذا لم يجدوا مساغاً دفنوه).انتهى. وكل ذلك يدل على أن يزيداً لم يصل إلى القسطنطينية بل بقي في الأراضي المفتوحة ولم يدخل أرض العدو أصلاً، إلا في الإعلام الأموي!
ووضعوا حديثاً لتبرير فشل غزوة يزيد!
قال ابن حجر في الإصابة:٣/١٠٧: (كنا مع سفيان بن عوف الغامدي سارين بأرض الروم فأغار على باب الذهب حتى خرج أهل القسطنطينية فقالوا: والله ما ندري أخطأتم الحساب أم كذب الكتاب أم استعجلتم المقدر؟ فإنا وأنتم نعلم أنها ستفتح ولكن ليس هذا زمانها). (ونحوه فتن ابن حماد:٢/٥٠٣، وسنن الداني:٢/٥٠٣).
وسفيان هذا هو الذي قاد جيش يزيد وعسكر قرب أنطاكية بانتظاره! فهم يقولون إن القضاء والقدر هو الذي منع يزيد من فتحها، وإلا لفتحها!
وحديثاً لتعزية الذين ماتوا من جيش يزيد!
وقد يكون عدد الجيش خمسين ألفاً لأنهم وصفوه بأنه جيش كثيف! والذين ماتوا منه قد يبلغون ألوفاً! ولذلك وضعوا رواية في أن الغزوة الأولى للقسطنطينية ستكون بلاء وشدةً على المسلمين! ففي كتاب الفتن لنعيْم بن حماد:٢/٤٣٨: (عن عبد الله بن عمرو قال: تغزون القسطنطينية ثلاث غزوات الأولى يصيبكم فيها بلاء والثانية تكون بينكم وبينهم صلحاً). وفي:٢/٤٧٢: (فتلقون بلاء وشدة والغزوة الثانية يكون بينكم وبينهم صلح...والغزوة الثالثة يفتحها الله لكم بالتكبير). ونحوه:٢/٤٨٣، ومعناه: لكم العزاء أيها المسلمون بمن طال انتظارهم لقائدهم يزيد فأصابهم الجوع والأمراض وماتوا! فإن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أن الغزوة الأولى للقسطنطينية ستكون بلاء وشدة على المسلمين، أي مرضاً وموتاً وخيبة! فالمهم سلامة رأس يزيد وتلميعه وجعله مجاهداً في سبيل الله من أجل بيعته بالخلافة!
وختاماً، فقد أجاب السيد الميلاني على دعوى ابن تيمية توبة يزيد والمغفرة له بسبب غزوة القسطنطينية فقال في دراسات في منهاج السنة/٤٩١: (أقول: أولاً: إذا كان يزيد لم يأمر بقتل الحسين عليه السلام ولم يهن الكعبة وكان في وقعة الحرة معذوراً، فأي ذنب له حتى يتوب منه؟! وثانياً: كم واحد من المسلمين صدر منه ما صدر من يزيد حتى يقال: نحن نعلم أن أكثر المسلمين لابد لهم من ظلم؟ وثالثاً وهو المهم....وإذا كان يزيد مغفوراً له بحكم الحديث الصحيح! فلماذا أوجب أحمد بن حنبل وابن الجوزي والتفتازاني وكثيرون غيرهم لعن يزيد والبراءة منه؟! وتجد كلماتهم في الشرح). انتهى.
هذا، وأبو أيوب رحمه الله من خيار الصحابة وفرسان شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وله موقف سلبي من معاوية وقد هاجره فلم يكلمه! وقد عقد الحاكم:٣/٤٥٧، وغيره أبواباً لمناقبه رحمه الله.وفي الطبقات:٣/٤٨٥:(فلقد بلغني أن الروم يتعاهدون قبره ويرمونه ويستقون به إذا قحطوا). انتهى. وللحديث عنه رحمه الله مجال آخر.
غزوة معاوية لقبرص مكذوبة كغزوة ابنه يزيد!
قال بخاري في صحيحه:٣/٢٠١، وكررها بضع مرات في صحيحه! عن أنس: (كان رسول الله (ص) يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله (ص) فأطعمته وجعلت تُفَلِّي رأسه! فنام رسول الله (ص) ثم استيقظ وهو يضحك! قالت: فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عُرِضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرَّة، أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق، قالت فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله (ص)، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله كما قال في الأول، قالت: فقلت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت).(وفي:٣/٢٠٣
و٢٢١، و:٧/١٤٠، و:٣/٢٠٣، و:٨/٧٣، وفيه: (قالت نام النبي يوماً قريباً مني ثم استيقظ يتبسم)! وروته عامة مصادرهم. وتقدم قول ابن حجر في فتح الباري:٦/٧٤: (في هذا الحديث منقبة لمعاوية، لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر). انتهى.
وهذه ملاحظات ضرورية على هذا الحديث المزعوم:
الأولى، أنه لا يمكن لعاقل أن يصدق حديث بنت ملحان وأمثالها وزعمها أن النبي صلى الله عليه وآله كان يزورها في بيتها فتطعمه وتفلِّي رأسه كابنها أو أخيها كأن رأس النبي صلى الله عليه وآله فيه قمل كرؤوس رجالهم! ثم ينام في بيتها قريباً منها وهي امرأة أرملة عزباء أو زوجة لأبي طلحة! ثم يرى في المنام رؤيا تتعلق بها، لم يروها أحدٌ غيرها! فكل ذلك فيه إشكال وغرابة على سلوك النبي صلى الله عليه وآله مع امرأة أجنبية، بل على سلوك صحابي عادي يحترم نفسه! لكنك تجد عند الشراح الأمويين العجب العجاب من التخبط والكلام الركيك! فقد تبرع بعضهم وجعل بنت ملحان خالة النبي صلى الله عليه وآله! وتبرع آخر وقال إن تلك التصرفات المحرمة حلالٌ للنبي صلى الله عليه وآله! وادعى النووي الإجماع على ما استنبطه من أحكام شرعية من الحديث! قال في شرح مسلم:١٣/٥٨: (فيه جواز فَلْيُ الرأس وقتل ما فيه....وفيه جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها، وهذا كله مجمع عليه)! وقال ابن حجر في فتح الباري:١١/٦٥: (وفيه جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه كالإذن وأمن الفتنة، وجواز خدمة المرأة الأجنبية الضيف بإطعامه والتمهيد له ونحو ذلك... وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه، وقد أشكل هذا على جماعة فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله (ص) أو أختها أم سليم فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه). انتهى. وأجابه ابن قدامة في المغني:١٠/٣٧٠: (ولم نرَ هذا عن أحد سواه! وأظنه إنما قال هذا لأن النبي كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب)!
وفي مواهب الجليل:٥/١٧: (ومن خصائصه عليه الصلاة والسلام جواز خلوته بالأجنبية... وقال الشيخ جلال الدين في المباحات: واختص (ص) بإباحة النظر للأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن). أي إركابهن خلفه على بعير أو دابة!!
وقال ابن حجر:٩/١٧٤: (والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي (ص) جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها! وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه! ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية). وقال في:١١/٦٦: (جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم). انتهى.
أقول: كل ما ذكروه لا يصح ولا يعقل! فلم تكن بنت ملحان أو الرمصاء أو أم سليم أو أم أنس، مَحْرَماً على النبي صلى الله عليه وآله بل هي أم خادمه أنس وهذا الحديث من تخيلاتها أو تخيلات ولدها أنس! ويظهر أن أنساً كذبه بعد وفاة أمه في قبرص ولم يروه أحد غيره! ولو كان صحيحاً لشاع عنها وعن أنس قبل أن تموت، خاصة وأن عمر حرَّم غزو البحر ولم يستجب للضغوط عليه وحاجة المسلمين اليه، وعاقب عليه العلاء الحضرمي لأنه جاء بسفن من البحرين وفتح قسماً من جنوب إيران، وكان أنس وأمه موجودين يومذاك في المدينة، فلماذا لم يقولا لعمر إن رسول الله صلى الله عليه وآله مدح غزاة البحر وبشر أم أنس أنها منهم!
إن مشكلة هؤلاء الشراح أنهم فرضوا صحة الحديث لأن فيه منقبة لمعاوية ن ولأن البخاري رواه! ولولا ذلك لتنازلوا عنه وانتقدوه!
الثانية، أن نصوص الحديث المزعوم متفاوتة إلى حد التناقض كالذي رواه الطبراني في الكبير:٢٥/١٣٢: (أنس بن مالك عن بنت ملحان قالت: كنت نائمة عند النبي (ص) وأنا منه غير بعيدة فاستيقظ وهو يسبح فسألته فقال....).الخ. فقد تغير مشهد القصة، وصارت هي النائمة في بيت النبي صلى الله عليه وآله!! الخ.
الثالثة، المتهم عندنا في الحديث ابنها أنس بن مالك فقد كان عمره عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة عشر سنين، فاستأجره النبي صلى الله عليه وآله خادماً ثم طلب الأنصار أن لا ينفرد بخدمته، فكان يخدمه كل يوم شاب من الأنصار، وكان منزل أنس وأمه في قُباء وليس في المدينة وكانت تكنى أمه (أم سليم) وهي رملة بنت ملحان وتلقب بالرمصاء، والرمص مرض في العيون، وكانت أرملة فخطبها أبو طلحة الأنصاري فقالت: (لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس فيقول جزى الله أمي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي).(الطبقات:٨/٤٢٦) فتزوجته عندما كبر أنس، وزعم أنس أن صداق أمه كان أن يسلم أبو طلحة، ثم طلقها أبو طلحة لأنه توفي بعدها سنة٥١، فتزوجت عبادة بن الصامت وتوفيت كما روي في قبرص نحو الثلاثين هجرية.
وزعم أنس أن أمه تدخل الجنة قبل النبي صلى الله عليه وآله! روى عنه صلى الله عليه وآله: (دخلتُ الجنة فسمعت خَشْفة فقلت من هذا؟ قالوا هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك) (صحيح مسلم:٧/١٤٥، ومسند أحمد: ٣/٩٩، و١٠٦، و١٢٥، والطبقات:٨/٤٣٠، وأوسط الطبراني:٢/٣٦٨، وفيه: ورأيتُ أم سليم بنت ملحان في الجنة، وفضائل الصحابة للنسائي/٨٥، وشرح مسلم للنووي:١٦/١١، وفسر الخشفة بحركة المشي وصوته , ومنتخب عبد بن حميد/٣٩٩، وفيض القدير:٣/٦٩٠، وفيه أنه رآها في الجنة مرتين! وكنز العمال:١٢/١٤٦، وقال: (حم، م،، عن أنس). أما بخاري فجعل ذلك مناماً:٤/١٩٨، قال: (رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت من هذا؟ فقال هذا بلال. ورأيت قصراً بفنائه جارية فقلت لمن هذا؟ فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك! فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله عليك أغار)!!
ثم إن أنس اعترف في حديث الطير بأنه كذب ثلاث مرات ففي المستدرك:٣/١٣٠: (عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وآله فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي فقلت إن رسول الله على حاجة، ثم جاء فقلت إن رسول الله على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله: إفتح فدخل فقال رسول الله: ما حبسك عليَّ؟ فقال إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة! فقال: ماحملك على ما صنعت؟ فقلت يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي! فقال رسول الله: إن الرجل قد يحب قومه! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً!....ثنا ثابت البناني أن أنس بن مالك كان شاكياً فأتاه محمد بن الحجاج يعوده في أصحاب له، فجرى الحديث حتى ذكروا علياً فتنقصه محمد بن الحجاج فقال أنس: من هذا أقعدوني فأقعدوه، فقال: يا ابن الحجاج لا أراك تنقص علي بن أبي طالب! والذي بعث محمداً بالحق لقد كنت خادم رسول الله بين يديه، وكان كل يوم يخدم بين يدي رسول الله غلام من أبناء الأنصار، فكان ذلك اليوم يومي، فجاءت أم أيمن مولاة رسول الله بطير فوضعته بين يدي رسول الله فقال رسول الله: أم أيمن ما هذا الطائر؟ قالت هذا الطائر أصبته فصنعته لك، فقال رسول الله: اللهم جئني بأحب خلقك إليك واليَّ يأكل معي من هذا الطائر! وضُرب الباب فقال رسول الله: يا أنس أنظر من على الباب، قلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فذهبت فإذا علي بالباب، قلت: إن رسول الله على حاجة، فجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضرب الباب فقال: يا أنس أنظر من على الباب فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار فذهبت فإذا عليٌّ بالباب، قلت: إن رسول الله على حاجة، فجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضُرب الباب فقال رسول الله: يا أنس إذهب فأدخله، فلست بأول رجل أحب قومه ليس هو من الأنصار! فذهبت فأدخلته فقال: يا أنس قرب إليه الطير، قال فوضعته بين يدي رسول الله فأكلا جميعاً! قال محمد بن الحجاج: يا أنس كان هذا بمحضر منك؟ قال: نعم. قال أعطي بالله عهدا أن لا انتقص علياً بعد مقامي هذا، ولا أعلم أحداً ينتقصه إلا أشنت له وجهه)!! (راجع أمالي الصدوق/٧٥٣ واعتراف أنس بكذبه ودعاء علي عليه السلام عليه. ونفحات الأزهار للسيد الميلاني:١٣/١٦، وهو مجلد خاص بحديث الطائر المشوي وعجائبه، وعجائب القوم فيه).
وفوق شهادة أنس على نفسه وكلامه غير المعقول عن تعامل النبي صلى الله عليه وآله مع والدته، شهادة الإمام محمد الباقر عليه بأنه يكذب للحكام! قال عليه السلام: (إن أول ما استحل الأمراء العذاب لكذبة كذبها أنس بن مالك على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سمَّر يد رجل إلى الحائط! ومن ثم استحل الأمراء العذاب)!(علل الشرائع:٢/٥٤١).
الرابعة، لو سلمنا صحة الحديث المزعوم وأن معاوية كان في غزوة قبرص، فإن أول من غزا في البحر ليس هو بل العلاء بن الحضرمي عامل النبي صلى الله عليه وآله على البحرين! فقد اتفقت مصادر الحديث والسيرة على أن عمر كان يخاف من ركوب البحر فنهى عنه، لكن العلاء الحضرمي رحمه الله خالفه فغزا فارس بالسفن من البحرين وفتح الأهواز واصطخر، فغضب عليه عمر وعزله!
ففي تاريخ الطبري:٣/١٧٧: (واستعمله عمر ونهاه عن البحر فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك، وفرقهم أجناداً على أحدهما الجارود بن المعلى، وعلى الآخر السوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذرابن ساوى، وخليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازياً، يكره التغرير بجنده استناناً بالنبي (ص) وبأبي بكر! لم يغز فيه النبي (ص) ولا أبو بكر، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس، وعلى أهل فارس الهربذا اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد في الناس فقال: أما بعد فإن الله إذا قصي أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فأجابوه إلى ذلك، فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في موضع من الأرض يدعى طاوس، وجعل السوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه ويقول:

يا آل عبد القيس للقراعِ قد حفل الإمداد بالجراعِ
وكلهم في سنن المصاع بحسن ضرب القوم بالقطاع....

ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه يعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه بتأمير سعد عليه! وقال: إلحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك فخرج بمن معه نحو سعد، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن العلاء بن الحضرمي حمل جنداً من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك! فخشيت عليهم أن لا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا. فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر، فانتدب عاصم ابن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور ونهار بن الحارث....). انتهى.
وتُصوِّر هذه الرواية أن جيش العلاء قد عَلِق داخل فارس، لكن روايات أخرى ذكرت أنه انتصر في تلك المعركة المهمة، وفتح مدناً وكتب مع أهلها عهد الصلح ومنها اصطخر. وهو خارج عن موضوعنا.
كما أن رواياتهم في أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الغزو في البحر تكذبها رواية بخاري موضوع البحث، بل كل القضية أن أبا بكر وعمر كانا يخافان من البحر!
وقد روت عامة مصادرهم غزوة العلاء مثل: الطبقات:٤/٣٦١، وتاريخ دمشق: ٦٠/٣٧، وأسد الغابة:٤/٧، وسير الذهبي:١/٢٦٤، والإصابة:٢/٢٨٨، وفتوح البلاذري:١/١٠٤، والنهاية:٧/١٤٦، وابن خلدون:٧/٢٤٠، وحلية الأولياء:١/٨، والإستيعاب:٣/١٠٨٧، والمنتظم:٤/٢٤٢، والإكتفاء من مغازي رسول الله للكلاعي:٤/٣١٧، والتراتيب الإدارية:١/٣٧٠، وغيرها).
فأين ذهبت منقبة معاوية وغزوته المزعومة، التي كانت بعد غزوة العلاء بعشر سنين وأكثر! لأنها في سنة٢٨ عندما أذن لهم عثمان بركوب البحر!
لكن عين محبي معاوية لم تنكسر بغزوة العلاء، فتراهم يصرون على تعسفهم ليجعلوا معاوية أول من غزا في البحر! قال ابن حجر في فتح الباري:١١/٦٣و:٦/٥٧: (ومعاوية أول من ركب البحر للغزاة وذلك في خلافة عثمان).
مع أنه شكك بعدها في أن معاوية قائد الغزوة أم لا؟ قال في:١١/٦٥: (في حديث أم حرام أن أمير الغزوة كان معاوية وفي رواية أخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير).انتهى. وكذا شكك فيه ابن عبد البر قال في الإستيعاب:٤/١٩٣١: (ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه، ومعه أيضاً امرأته فاختة بنت قرظة). وفي النجوم الزاهرة:١/٢٣٥ عن موسى بن نصير: (في سنة تسع عشرة ولاه معاوية بن أبي سفيان غزو البحر فغزا قبرس وبنى بها حصوناً).
الخامسة، الصحيح أن معاوية لم يكن قائداً لأي غزوة أو معركة في الفتوحات ولا غيرها، ولا شارك في قتال أبداً حتى في صفين! ويشير النص التالي إلى أن معاوية كان في غزوة قبرص ينتظر الجيش في الساحل بطرسوس!
ففي مسند الشاميين للطبراني:٢/٧٣عن جبير بن نفير قال: (أخرج معاوية غنائم قبرس إلى الطرسوس من ساحل حمص، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية، ثم قام في الناس فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم لكم، وسهم للسفن، وسهم للقبط، فإنه لم يكن لكم قوة على غزو البحر إلا بالسفن والقبط. فقام أبو ذر فقال: بايعت رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم: أتقسم يا معاوية للسفن سهماً وإنما هي فيؤنا، وتقسم للقبط سهماً وإنما هم أجراؤنا، فقسمها معاوية على قول أبي ذر). (ونحوه في:٢/١٢٠، وتاريخ دمشق:٦٦/١٩٣، وحلية الأولياء:٥/١٣٤، وغيرها). ولهذا فإن تسمية فتح قبرص بالغزوة غير دقيق، فأهل قبرص لم يكونوا يريدون الحرب فذهب جنود المسلمين لعرض قوتهم وكتابة عقد الصلح وجاؤوا بهدايا أو غنائم.
ويؤيد ذلك أن الروم بعد معركة اليرموك أصابهم انهيار واسع، شمل سوريا وفلسطين ومصر، فهو يشمل قبرص التي تقابل طرابلس وحمص وهي قريبة من الساحل حتى أنه قد يسمع منهما صياح ديوكها، وكانت معركة اليرموك قرب حمص، حيث برز بطل اليرموك المظلوم مالك الأشتر رحمه الله إلى ماهان بطل الروم الذي يعد بألف فارس، فهزمه وقلب ميزان المعركة وانهزم الروم هزيمة شنيعة!
وقد اتفق المؤرخون والمحدثون على أنه: (لما بلغ هرقل خبر أهل اليرموك وإيقاع المسلمين بجنده، هرب من أنطاكية إلى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: عليك يا سورية السلام! ونعم البلد هذا للعدو، يعني أرض الشام لكثرة مراعيها. وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة). (فتوح البلاذري:١/١٦٢ وتاريخ الطبري:٢/٢٩٣، و٦٢٨).
وقد وصف الواقدي في فتوح الشام:٢/٥، انهيار الروم وهروب هرقل من أنطاكية إلى عاصمته القسطنطينية وخوفه من مهاجمة المسلمين لها، وهو يدل على أن التوغل في بلاد الروم كان مفتوحاً أمام المسلمين. قال الواقدي: (إن الملك هرقل لما ركب البحر وخرج من إنطاكية ووصل إلى قسطنطينية، قصدته الروم من كل مكان من المنهزمين وغيرهم، وبلغه أن أنطاكية قد فتحت صلحاً وأنه قتل من كان فيها من المقاتلة، فصعب عليه وبكى ثم قال: السلام عليك يا أرض سوريا إلى يوم اللقاء! وقد تجمع عنده من البطارقة والحجاب وغيرهم خلق كثير فقال لهم: إني أخاف من العرب أن ترسل في طلبنا، ثم إنه جهز ثلاثين ألفاً مع ثلاثة بطارقة، وأمرهم أن يحفظوا له الدروب). انتهى.
وعليه فلم تكن للروم مقاومة للمسلمين في قبرص وحتى في أنطاكية وغيرها. قال ابن قدامة في الخراج/٣٠٦: (وذلك في سنة ثمان وعشرين فلما صار المسلمون إلى قبرص فأرقوا(.) إلى ساحلها، بعث إليهم صاحبها يطلب الصلح وأذعن أهلها فصالحهم معاوية على سبعة آلاف ومائتي ديناراً يؤدونها في كل سنة، وفارقهم الروم على مثل ذلك، واشترط المسلمون عليهم مع أداء الإتاوة النصيحة وإنذار المسلمين بسير الروم إليهم).(ونحوه:٢/٢١٩، والإستقصاء:١/٩٤، والطبري:٣/٣١٨، وفيه: وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم وعلى أن يُبَطْرِقَ إمام المسلمين عليهم منهم).
السادسة، زعموا في بعض التفاسير أن معاوية اكتشف أهل الكهف في غزوته للروم! وقد اتضح كذب ذلك بما تقدم، ولا نطيل فيه. راجع الكشاف:٢/٤٧٦، تفسير الرازي:٢١/١١٣، وتفسير القرطبي:١٠/٣٨٩.
قائمة بفعاليات معاوية لبيعة يزيد وقمع المعارضين
١- بدأ معاوية بالتمهيد(لبيعة) يزيد بقتل المعارضين الذين يمكن أن يعرقلوا مشروعه، واستعرضنا عدداً منهم في المجلد الثاني. ثم قام بتأمير يزيد على الحج كما أعطاه دوراً في قصره، فكان يقبل رأيه ويأمر بتنفيذ أوامره.
وآخر ما أعدَّ به يزيداً للبيعة أنه اخترع له غزوة القسطنطينية وأعلن أنها بقيادته، فتخلف عنها يزيد لانشغاله بالشرب والجواري في دير مُرَّان، فطال انتظار جنود الفتح لقائدهم يزيد حتى هلك العديد منهم بالجوع والطاعون، كما تقدم!
٢- كانت أكبر عقبة أمامه وجود الإمام الحسن عليه السلام فما أن تمكن من قتله حتى شرع بأخذ البيعة ليزيد: (كان معاوية قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الحسن وعرض بها ولكنه لم يكشفها ولا عزم عليها إلا بعد موت الحسن).(الإستيعاب: ١/١٤٢).
أقول: اتفق المؤرخون على أن شهادة الإمام الحسن عليه السلام كانت سنة خمسين للهجرة، ولا يعبأ بالقول الشاذ أنها في سنة تسع وأربعين.
كما اتفقوا على أن معاوية جاء إلى المدينة في عمرة رجب لأخذ البيعة ليزيد، واختلفوا في سنة مجيئه في رجب، فالمشهور كما في الطبري:٤/٢٢٣، وابن الأثير:٣/٣٤٩، وتاريخ دمشق:٥٩/١٢٠، وغيرهم أن سفره كان في سنة ست وخمسين، وروى ابن الأعثم:٤/٣٣٢ أن معاوية كان في هذه المدة: (يروض الناس في كل سنة وفي كل موسم يدعوهم إلى بيعة يزيد فلم يزل على ذلك سبع سنين).
لكني أرجح رأي ابن خياط١٦٠، والسيوطي في تاريخ الخلفاء/ ١٥٣، أن سفرة معاوية كانت في رجب سنة٥١، فوفاة عبد الرحمن بن أبي بكر كانت عند منصرف معاوية إلى الشام، وقد نص عدد على أنها سنة إحدى وخمسين، قال ابن حجر في أسد الغابة:٤/٩٩: (وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين… والصحيح أنه توفي بعد الخمسين لأن محمد بن سيرين روى أنه كلم معاوية بكلام شديد لما أراد البيعة ليزيد). وكذلك قال في عمرو بن زيد الأنصاري، وقال المزي في تهذيب الكمال:١٦/٥٦٠ بعد نقل الأقوال في وفاة عبد الرحمن: (وقال أبو زرعة الدمشقي: توفي بعد منصرف معاوية من المدينة في قدمته التي قدم فيها لأخذ البيعة… ثم توفيت عائشة بعد ذلك بيسير..).انتهى. وهذا يتناسب مع عجلة معاوية في أخذ البيعة ليزيد، فقد قَتَل عبد الرحمن بن خالد سنة ثلاث وأربعين، وفي أبعد الأقوال سنة ست وأربعين(الطبري:٤/١٧٢). فالنتيجة أن معاوية قتل الإمام الحسن عليه السلام في صفر سنة خمسين، ثم حج في تلك السنة واستمزج رأي الصحابة والشخصيات، ثم عاد في رجب من سنة إحدى وخمسين لأخذ البيعة ليزيد.
٣- بدأ بأخذ البيعة من أهل الشام بمساعدة رجال القصر، خاصة وزيره الخاص الضحاك بن قيس، فأحضر وجوه الناس وتكلم وذكر ما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله في قريش وعلمه بالسياسة، فعارضه الضحاك بن قيس وقال: يا أمير المؤمنين إنه لا بد للناس من وال بعدك وولي عهدك، فإنه قد بلونا الجماعة والفرقة فوجدنا الجماعة والألفة أحقن للدماء وآمن للسبل وخيراً في العاجلة والآجلة، والأيام عوج رواجع ولله في كل يوم أمر وشأن ولا تدري ما يختلف به العصران وينقلب فيه الحدثان، ويزيد ابن أمير المؤمنين في هديه وقصد سيرته من أفضلنا حلماً وأكرمنا علماً، فوله عهدك واجعله لنا علماً بعدك يكون مفزعاً نلجأ إليه، وخليفة نعول عليه تسكن به القلوب ونأمن به الفتن. وقام عمرو بن سعيد الأشدق وقال: أيها الناس والله إن يزيد لطويل الباع واسع الصدر رفيع الذكر، إن صرتم إلى عدله وسعكم، وإن لجأتم إلى جوده أغناكم، وهو خلف لأمير المؤمنين ولا خلف منه. فقال له معاوية: أجلس أبا أمية فقد أوسعت وأحسنت).(فتوح ابن الأعثم بتصرف بسيط:٤/٣٣٣). (فقال معاوية للضحاك بن قيس: إني جالس من غد للناس فأتكلم بما شاء الله، فإذا فرغت من كلامي فقل في يزيد الذي يحق عليك وادع إلى بيعته فإني قد أمرت عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن عضاة الأشعري وثور بن معن السلمي أن يصدقوك في كلامك وأن يجيبوك إلى الذي دعوتهم إليه، فلما كان من الغد قعد معاوية فأعلم الناس بما رأى من حسن رعية يزيد ابنه وهديه وأن ذلك دعاه إلى أن يوليه عهده، ثم قام الضحاك بن قيس فأجابه إلى ذلك وحض الناس على البيعة ليزيد وقال لمعاوية: إعزم على ما أردت، ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن عضاة الأشعري وثور بن معن فصدقوا قوله). (مروج الذهب/٦٨٣).
وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة:١/١٣٥: (قال فلما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق وفيهم الأحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني رأيت وأجمعت على توليته فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء...).
٤- أجبر معاوية شخصيات بني أمية المنافسين ليزيد على أن يبايعوه أمام الناس وكان أبرزهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبدالله بن عامر بن كريز: (كان يزيد بن معاوية يؤثر مسكيناً الدارمي ويصله ويقوم بحوائجه عند أبيه فلما أراد معاوية البيعة ليزيد تهيَّب ذلك وخاف ألا يمالئه عليه الناس لحسن البقية فيهم وكثرة من يُرشح للخلافة، وبلغه في ذلك ذرء وكلام كرهه من سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر، فأمر يزيد مسكيناً أن يقول أبياتاً وينشدها معاوية في مجلسه إذا كان حافلاً وحضره وجوه بني أمية، فلما اتفق ذلك دخل مسكين إليه وهو جالس وابنه يزيد عن يمينه وبنو أمية حواليه وأشراف الناس في مجلسه، فمثل بين يديه وأنشأ يقول:

إن أدع مسكيناً فإني ابن معشر من الناس أحمي عنهم وأذود
إليك أمير المؤمنين رَحَلتُها تثير القطا ليلاً وهنَّ هجود
وهاجرة ظلت كأن ظباءها إذا ما اتقتها بالقرون سجود
ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر ومروان أم ماذا يقول سعيد
بني خلفاء الله مهلاً فإنما يبوئها الرحمن حيث يريد
إذا المنبر الغربي خلاه ربه فإن أمير المؤمنين يزيد
على الطائر الميمون والجد صاعد لكل أناس طائر وجدود
فلا زلت أعلى الناس كعباً ولا تزل وفود تساميها إليك وفود
ولا زال بيت الملك فوقك عالياً تُشَيَّد أطناب له وعمود
قدور ابن حرب كالجوابي وتحتها أثاف كأمثال الرئال ركود

فقال له معاوية: ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله! قال: ولم يتكلم أحد من بني أمية في ذلك إلا بالإقرار والموافقة، وذلك الذي أراده يزيد ليعلم ما عندهم ثم وصله يزيد ووصله معاوية فأجزلا صلته). (الأغاني:٢٠/٢٢٧).
٥- استقدم معاوية إلى الشام وفوداً من العراق ومصر من رؤساء القبائل والشخصيات (فكتب إلى أهل الأمصار أن يقدموا عليه فقدم عليه قوم من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مكة والمدينة وأهل مصر والجزيرة ومن جميع البلاد) فخطب فيهم وبيَّن صفات يزيد وميزاته وخطبوا مؤيدين متملقين وبايعوا، وأعطى معاوية لقب(سيد الخطباء) ليزيد بن المقنع الكندي لأنه اختصر خطبته فجرد سيفه وقال: (أيها الناس، إن أمير المؤمنين هذا وأشار بيده إلى معاوية. فإذا مات فوارث الملك هذا وأشار بيده إلى يزيد، فمن أبي فهذا وأشار بيده إلى السيف! فقال له: أجلس فأنت سيد الخطباء).(الكامل:٣/٣٥٢، والمستطرف: ١/١٣٨ والعقد الفريد/١٠٨٢، والبيان والتبيين/١٤٠، ونهاية الإرب/٤٤٦٦، وفتوح ابن الأعثم:٤/٣٣٣).
٦- أرسل إلى عماله في مصر والكوفة والبصرة أن يأخذوا البيعة ليزيد، فأخذوها تحت السيف ولم تواجههم عقبة مهمة.
٧- حجَّ معاوية سنة٥٠ واستمزج الصحابة في المدينة لبيعة يزيد بولاية العهد وكانت له مع كبارهم مناقشات صريحة، لكنه لم يطرح ذلك عليهم وأراد أن يكمل التمهديد بعد قتل الإمام الحسن عليه السلام بتلميع يزيد بغزوة القسطنطينية! (وحج معاوية تلك السنة فتألف القوم ولم يكرههم على البيعة، وأغزى معاوية يزيد ابنه الصائفة). (تاريخ (اليعقوبي:٢/٢٢٨، ثم ذكر تخلف يزيد عن الغزو وشعره في ذلك).
وفي تاريخ دمشق:٦٥/٤٠٦: (وأقام الحج يعني سنة خمسين يزيد بن معاوية بعد أن قفل من أرض الروم... لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب.. وذكر قصته المتقدمة مع الإمام الحسين عليه السلام)!
(ثم أرسل إلى عبد الله بن الزبير فدعاه ثم شاوره في أمر يزيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! أنا أناجيك ولا أناديك وإن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم وفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم والتفكر قبل التندم. قال: فتبسم معاوية ضاحكا ثم قال: يا بن أخ! إنك تعلمت السجاعة على رأس الكبر إن دون ما سجعت به على أخيك يكفيك. قال: ثم أرسل إلى الأحنف بن قيس فدعاه، ثم شاوره في أمر يزيد فقال: يا أمير المؤمنين! إننا نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا ولكن عليك بغيري. قال: فأمسك عنه معاوية وجعل يروض الناس في كل سنة وفي كل موسم يدعوهم إلى بيعة يزيد). (فتوح ابن الأعثم:٤/٢٣١).
(ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه فإن كنت تعلمه لله رضا ولهذه الأمة فلا تشاور الناس فيه وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب. واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قال صاحب العقد: فتفرق الناس ولم يذكروا إلا كلام الأحنف). (جمهرة خطب العرب:٢/٢٤٥).
وما أن تم له قتل الإمام الحسن عليه السلام في شهر صفر سنة٥٠ ورتب غزوة يزيد المزورة، حتى بدأ بأخذ البيعة ليزيد في الشام وغيرها، وأرسل إلى مروان عامله على المدينة أن يأخذ له البيعة من الصحابة والأنصار، فحاول معهم فرفضوا وثارت عليه مشاكل خاصة مع عبد الرحمن بن أبي بكر وعائشة وابن الزبير، فكتب إلى معاوية برفضهم فعزله وعين مكانه سعيد بن العاص، فترك مروان المدينة مغاضباً! وبذل سعيد كل جهده: (دعا الناس إلى البيعة ليزيد وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة وسطا بكل من أبطأ عن ذلك! فأبطأ الناس عنها إلا اليسير لاسيما بني هاشم فإنه لم يجبه منهم أحد، وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك ورداً له). (الإمامة والسياسة لابن قتيبة:١/١٥٣).
٨- كتب سعيد بن العاص بذلك إلى معاوية فكتب معاوية إلى المعارضين الأربعة: الإمام الحسين عليه السلام وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير يطلب منهم البيعة ليزيد وخلط فيها اللين بالشدة، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها). (الإمامة والسياسة لابن قتيبة:١/١٥٣).
٩- لم يستطع سعيد بن العاص ولا رسائل معاوية أن تقنع الصحابة والأنصار ببيعة ليزيد، وعارضوا ذلك بشدة لأن يزيد فاسق خليع لا يجوز توليته على المسلمين (فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: أما بعد: فإنك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، وإني أخبرك ان الناس عن ذلك بطاء لاسيما أهل البيت من بني هاشم فإنه لم يجبني منهم أحد وبلغني عنهم ما أكره. وأما الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك والسلام).(الإمامة والسياسة:١/١٥٣).
١٠- قصد معاوية المدينة بنفسه غاضباً في ألف فارس فاستقبله شخصيات الصحابة لكنه كان معهم متنمرداً شرساً يشتم ويهدد من لا يبايع يزيد! (وفي هذه السنة اعتمر معاوية في شهر رجب وسار إلى الحجاز في ألف فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن علي رضي الله عنهما أول الناس، فلما نظر إليه معاوية قال: لا مرحباً ولا أهلاً! بُدْنَةٌ يترقرق دمها والله مهريقه! قال: مهلاً فإني لست بأهل لهذه المقالة! قال بلى ولشر منها. ثم لقيه عبد الله بن الزبير فقال له: لا مرحباً ولا أهلاً! خِبٌّ ضَبُّ تلعة يُدخل رأسه فيَضرب بذنبه ويوشَك والله أن يؤخذ بذنبه ويُدَقّ ظهره، نحِّياه عني فضرب وجه راحلته! ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال له معاوية: لا مرحباً ولا أهلاً! شيخ قد خرف وذهب عقله. ثم أمر بضرب وجه راحلته. ثم فعل بابن عمر نحو ذلك. فأقبلوا معه لا يتلفت إليهم حتى دخل المدينة). (نهاية الإرب/٤٤٦٧).
وفي اليوم الأول: (دخل على عائشة وكان قد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه وقال: لاقتلنهم إن لم يبايعوا فشكاهم إليها فوعظته وقالت له بلغني أنك تتهدهم بالقتل فقال يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم أفترين أن أنقض بيعته قد تمت قالت فارفق بهم فإنهم يصيرون إلي ما تحب إن شاء الله قال أفعل). (كامل ابن الأثير:٣/٣٥٣).
وفي اليوم الأول أيضاً استدعى معاوية الإمام الحسين عليه السلام وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي بكر، واستعمل معهم كل دهائه لكنه لم يستطع إقناعهم ببيعة يزيد بل كان ردهم شديداً واصطدم بعبد الرحمن بن أبي بكر بشدة!
وقد نقل اليعقوبي:٢/٢٢٨، كلمتين لابن عمر وابن الزبير نُرجح أنهما قالاهما في سفرة معاوية هذه: (وقال عبد الله بن عمر: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب ويشرب الخمر ويظهر الفسوق! ما حجتنا عند الله؟! وقال عبد الله بن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، وقد أفسد علينا ديننا).انتهى.
وفي اليوم الثاني جلس معاوية مجلساً رسمياً، وبدأه بخلوة مفردة مع بني عبد مناف الذين يعتبرهم مع بني أمية العائلة المالكة في قريش، ولا يرضى أن يقيسهم بغيرهم كابن عمر العدَوي، أو ابن أبي بكر التيمي، أو ابن الزبير من أسد عبد العزى! (فلما كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلى وتعطر فقعد على سريره وأجلس كتَّابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثم أرسل إلى الحسين ثم جلس معاوية صبيحة اليوم الثاني، وأجلس كتابه بحيث يسمعون ما يأمر به وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فسبق ابن عباس فلما دخل وسلم أقعده في الفراش عن يساره فحادثه ملياً ثم قال: يا ابن عباس لقد وفر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال ابن عباس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكل أوفر فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه فدخل الحسين وسلم، فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثم سكت. قال ثم ابتدأ معاوية فقال: أما بعد فالحمد لله ولي النعم ومنزل النقم وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما يقول الملحدون علواً كبيراً وأن محمداً عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فأدى عن الله وصدع بأمره وصبر على الأذى في جنبه حتى وضح دين الله وعز أولياؤه وقُمع المشركون وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ‌ما بذل له، واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختياراً لله وأنفةً واقتداراً على الصبر، بغياً لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول (ص) ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكور وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعاً. وأنا أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية من سد الخلل ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد. وفيكما فضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيأهم وقال فلم يقل معه. وفي رسول الله أسوة حسنة، فمهلاً بني عبد المطلب فأنا وأنتم شعبا نفع وجدٍّ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فرُدَّا على ذي رحم مستعتب، ما يحمد به البصيرة في عتابكما وأستغفر الله لي ولكما.
قال فتيسر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين وقال على رسلك فأنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول ثم قال: أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفه الرسول صلى الله عليه وآله من جميع جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت! وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضَّلتَ حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، وجُزت حتى جاوزت، ما بذلتَ لذي حق من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل. وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد صلى الله عليه وآله تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص! وقد دل ذلك من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعارف وضرب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جور وحقناً في ظلم حتى ملأتَ الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتُقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص! ورأيتُك عرضت بنا بعد هذا الأمر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً! ولقد لعمر الله أُورِثنا الرسول صلى الله عليه وآله ولادةً. وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول فأذعن للحجة بذلك ورده الإيمان إلى النَّصَف، فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار!
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وتأميره له وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له، وما صار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدوا عليه أفعاله فقال صلى الله عليه وآله: لاجرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام، وأولاها المجمع عليه من الصواب، أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً وحولك من لايؤمن في صحبته ولايعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون تريد أن تُلبِّسَ الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك! إن هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم.
قال فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يابن عباس، ولَمَا عندك أدهى وأمرّ! فقال ابن عباس: لعمر الله إنها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء وفي البيت المطهر قالةٌ عما تريد، فإن لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين. فقال معاوية: أعْوَدُ الحلم التَّحَلُّم، قال: وخيره التحلم عن الأهل انصرفا في حفظ الله. ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه معاوية ثم قال: يا عبد الله بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها! وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وكَّد الناس بيعتهم في أعناقهم وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم سكت. فتكلم عبد الله بن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معاوية لقد كانت قبلك خلفاء وكان لهم بنون ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، فلم يُحابوا في هذا الأمر أحداً ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأفرق ملأهم وأسفك دماءهم، ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد.
فقال معاوية: يرحمك الله ليس عندك خلاف. ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر، فقال له عبد الرحمن: إنك والله لوددتَ أنا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لتجعلنها شورى أو لأعيدنها جذعة، ثم قام ليخرج فتعلق معاوية بطرف ردائه ثم قال: على رسلك اللهم اكفنيه بما شئت! ثم قال له: لاتظهرن لأهل الشام فإني أخشى عليك منهم! ثم قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر، ثم قال له: أنت ثعلب رواغ كلما خرجت من حجر انجحرت في آخر! أنت ألَّبْتَ هذين الرجلين وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه! فقال ابن الزبير: أتريد أن تبايع ليزيد، أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع أنطيعك أم نطيعه! إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها وبايع ليزيد فنحن نبايعه، فكثر كلامه وكلام ابن الزبير حتى قال له معاوية في بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلاً نفسك ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة، ثم أمرهم بالإنصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج، ثم خرج فأمر المنادى أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع الناس في المسجد وقعد هؤلاء حول المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يزيد وفضله وقراءته القرآن ثم قال: يا أهل المدينة، لقد هممت ببيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها في بيعته فبايع الناس جميعاً وسلموا، وأخرت المدينة بيعته وقلتُ بيضتُه وأصله ومن لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله، ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له. فقام الحسين فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أباً وأماً ونفساً! فقال معاوية كأنك تريد نفسك؟ فقال الحسين: نعم أصلحك الله. فقال معاوية: إذاً أخبرك، أما قولك خير منه أماً فلعمري أمك خير من أمه، ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن فكيف وهي ابنة رسول الله، ثم فاطمة في دينها وسابقتها فأمك لعمر الله خير من أمه، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله فقضى لأبيه على أبيك، فقال الحسين: حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل! فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفساً فيزيد والله خير لأمة محمد منك، فقال الحسين: هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير مني! فقال معاوية: مهلاً عن شتم ابن عمك فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك! ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس قد علمتم أن رسول الله قبض ولم يستخلف أحداً فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر فعمل عمر بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظراً للمسلمين فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الإختلاف، ونظراً لهم بعين الإنصاف. قال: وذكروا أن عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية فقال: إن رسول الله قبض فترك الناس إلى كتاب الله فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر وهو أقصى قريش منه نسباً، ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، وفي المسلمين ابنه عبد الله وهو خير من ابنك، فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله فيختارون لأنفسهم، وإن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر تختار رهطاً من المسلمين وتزويها عن ابنك فافعل. فنزل معاوية عن المنبر وانصرف ذاهباً إلى منزله). (الإمامة والسياسة:١/١٦١، وفي طبعة:١/١٤٩، و:١/٢١٠).
أقول: ذكر ابن قتيبة هنا أن معاوية وكَّل بكل رجل منهم شخصين من حرسه وأمرهم أن يضربوا عنقه إن رد عليه بكلمة، وخطب وأعلن أنهم جميعاً بايعوا يزيداً فلم يستطيعوا عمل شيء! لكن الصحيح أن هذه العملية كانت في مكة، ومن البعيد أن معاوية كررها. بل سافر إلى مكة وهو غاضب، وكان المعارضون سافروا قبله لعمرة رجب، فاخترع لهم البيعة المزورة تحت السيف كما سيأتي!
هذا، وفي خطبة الإمام الحسين عليه السلام مواضيع مهمة لا يتسع المجال لبحثها.
ويظهر أن ما رواه ابن الأثير وغيره من خطبة معاوية كان في ذلك المجلس: (وخطب معاوية في المدينة فمدح يزيداً وقال: من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه؟! وما أظن قوماً بمنتهين حتى تصيبهم بَوائقُ تجتثُّ أصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر! ثم أنشد متمثلاً:

قد كنت حذرتُك آل المصطلقْ وقلتُ يا عمرو أطعني وانطلقْ
إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرَّك مني من خلق
دونك ما استسقيته فأحس وذق).

(كامل ابن الأثير:٣/٣٥٣، ونهاية الإرب/٤٤٦٨).
وفي الإصابة لابن حجر:٤/٢٧٦: (خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين بن علي وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فقال له عبد الرحمن: أهِرَقْلِيَّة؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه! لا نفعل والله أبداً! وبسند له إلى عبد العزيز الزهري قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بعد ذلك بمائة ألف فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي! وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومه نامها بمكان على عشرة أميال من مكة، فحمل إلى مكة ودفن بها، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجَّة (معتمرة) فوقفت على قبره فبكت وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك، ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مت ولما بكيتك). انتهى.
أي ما بكيتك حتى آخذ بثارك! وقد تقدم في المجلد الثاني أن معاوية قتله بالسم، وأن عائشة ماتت على أثره، الأمر الذي يبعث الشك.
قال ابن الأعثم في الفتوح:٤/٣٣٦: (فطلعت أثقال معاوية ورحل إلى المدينة فلما تقارب منها خرج الناس يلاقونه وفيمن خرج إليه عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي...فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد في خطبته وقال: من أحق بالخلافة من ابني يزيد في فضله وهديه ومذهبه وموضعه من قريش! والله إني لأرى قوماً يعيبونه وما أظنهم بمقلعين ولا منتهين حتى يصيبهم مني بوائق تجب أصولهم...قال: ثم ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وقال: والله لئن لم يبايعوا ليزيد لأفعلن ولأفعلن! قال: ثم نزل عن المنبر ودخل إلى منزله، وبلغ ذلك عائشة فأقبلت حتى دخلت مغضبة عليه وقالت: يا معاوية! ما كفاك أنك قتلت أخي محمد بن أبي بكر وأحرقته بالنار حتى قدمت المدينة وأخذت بالوقيعة في أبناء الصحابة وأنت من الطلقاء الذين لاتحل لهم الخلافة وكان أبوك من الأحزاب! فخبرني ما كان يؤمنك مني إن أبعث إليك من يقتلك بأخي محمد وآخذ بثأري! قال فقال لها معاوية: يا أم المؤمنين! أما أخوك محمد فلم أقتله ولم آمر بذلك... فقالت عائشة: لعمري أنت في بيت أمان ولكن بلغني عنك أنك تهددت أخي عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن أخت عبد الله بن الزبير والحسين بن فاطمة، وليس مثلك من يتهدد مثل هؤلاء! فقال معاوية: مهلا يا أم المؤمنين! فهو أعز علي من بصري لكني أخذت البيعة لابني يزيد وقد بايعه كافة المسلمين أفتريني أنقض بيعة قد ثبتت وتأكدت وأن يخلع الناس عهودهم! فقالت عائشة: إني لا أرى ذلك ولكن عليك بالرفق والتأني...
ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس فدعاه فلما دخل عليه قرب مجلسه ثم قال: يا بن عباس! أنتم بنو هاشم وأنتم أحق الناس بنا وأولاهم بمودتنا لأننا بنو عبد مناف وإنما بعد بيننا وبينكم هذا الملك، وقد كان هذا الأمر في تيم وعدي فلم يعترضوا عليهم ولم يظهروا لهم من المباعدة..). إلى آخر المناقشات الطويلة.
١١- خرج معاوية من المدينة غاضباً، بعد أن وزع العطاء المقرر من بيت المال لقبائل قريش والأنصار، فلم يعط بني هاشم شيئاً! فغاظ ذلك ابن عباس فلحقه في الطريق واستعمل معه ديبلماسيته ومنطقه فأقنعه بأن يعطيهم، ومما قاله له: (نحن بنو عبد مناف وأنتم أحق الناس بمودتنا وأولاهم بنا، وقد مضى أول الأمر بما فيه فأصلح آخره فإنك صائر إلى ما تريد، وأما ما ذكرت من عطيتك إيانا فلعمري ما عليك في جود من عيب وأما قولك: ذهب علي أفترجون مثله؟ فمهلا يا معاوية رويداً لا تعجل! فهذا الحسين بن علي حي وهو ابن أبيه، واحذر أن تؤذيه يا معاوية فيؤذيك أهل الأرض، فليس على ظهرها اليوم ابن بنت نبي سواه. فقال معاوية: إني قد قلبت منك يا بن عباس). (فتوح ابن الأعثم:٤/٣٣٨).
١٢- ثم سافر معاوية إلى مكة فاستقبله شخصياتها ومنهم المعارضون الأربعة الذين كانوا سبقوه إلى العمرة، فغير أسلوبه معهم إلى النقيض وأظهر تجليلهم واحترامهم! قال ابن خياط في تاريخه/١٦٠: (لما كان قريباً من مكة فلما راح من مَرّ قال لصاحب حرسه: لا تدع أحداً يسير معي إلا من حملته أنا! فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي فوقف وقال: مرحباً وأهلاً يا بن بنت رسول الله، سيد شباب المسلمين. دابةً لأبي عبد الله يركبها، فأتي ببرذون فتحول عليه. ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحباً وأهلاً بشيخ قريش وسيدها وابن صديق هذه الأمة، دابةً لأبي محمد فأتي ببرذون فركبه. ثم طلع ابن عمر فقال: مرحباً وأهلاً بصاحب رسول الله وابن الفاروق وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال له: مرحباً وأهلاً يا بن حواري رسول الله وابن الصديق وابن عمة رسول الله، ثم دعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة ثم كانوا أول داخل وآخر خارج، ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة، لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله وقرب مسيره إلى الكعبة وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع بكم لحبكم ولا كرامتكم وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جواباً).
وفي فتوح ابن الأعثم:٤/٣٣٨: (وساروا وسار معهم معاوية وجعل يحدثهم ويضاحكهم حتى دخل مكة، ثم بعث إلى كل واحد منهم بصلة سنية وفضل عليهم الحسين بن علي بكسوة حسنة، فلم يقبلها الحسين منه.
وأقام معاوية بمكة لا يذكر شيئاً من أمر يزيد، ثم أرسل إلى الحسين فدعاه، فلما جاءه ودخل إليه قرب مجلسه ثم قال: أبا عبد الله! اعلم أني ما تركت بلداً إلا وقد بعثت إلى أهله فأخذت عليهم البيعة ليزيد، وإنما أخرت المدينة لأني قلت هم أصله وقومه وعشيرته ومن لا أخافهم عليه، ثم إني بعثت إلى المدينة بعد ذلك فأبى بيعته من لا أعلم أحداً هو أشد بها منهم، ولو علمت أن لأمة محمد خير من ولدي يزيد لما بعثت له. فقال له الحسين: مهلاً يا معاوية! لا تقل هكذا، فإنك قد تركت من هو خير منه أماً وأباً ونفساً، فقال معاوية: كأنك تريد بذلك نفسك أبا عبد الله! فقال الحسين: فإن أردت نفسي فكان ماذا؟ فقال معاوية: إذا أخبرك أبا عبد الله، أما أمك فخير من أم يزيد، وأما أبوك فله سابقة وفضل وقرابته من رسول الله ليست لغيره من الناس، غير أنه قد حاكم أبوه أباك فقضى الله لأبيه على أبيك، وأما أنت وهو فهو والله خير لأمة محمد منك. فقال الحسين: من خير لأمة محمد! يزيد الخمور والفجور! فقال معاوية: مهلاً أبا عبد الله! فإنك لو ذكرت عنده لما ذكر منك إلا حسناً. فقال الحسين: إن علم مني ما أعلمه منه أنا فليقل فيَّ ما أقول فيه! فقال له معاوية: أبا عبد الله، إنصرف إلى أهلك راشداً واتق الله في نفسك واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته فإنهم أعداؤك وأعداء أبيك. قال: فانصرف الحسين إلى منزله). انتهى.
كان وراء تغيير معاوية لأسلوبه مع الصحابة المعارضين خطة جهنمية، سجلتها مصادر الجميع ووصفت كيف احتال عليهم وأعلن بيعتهم بحضورهم تحت التهديد! قال ابن خياط في تاريخه/١٦٠: (فدخلوا فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وصفحي عنكم وحملي لما يكون منكم، ويزيد بن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس فيكم رأياً، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونون أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجبون وتقسمون لايدخل عليكم في شيء من ذلك، فسكت القوم فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا، فأقبل على بن الزبير فقال: هات يا بن الزبير فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. قال: نعم يا أمير المؤمنين نخيرك بين ثلاث خصال أيها ما أخذت فهو لك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهن. قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله، وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر… قال: فهل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضاً، قال: أما لا، فإني أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، وإنه قد كان يقوم منكم القائم إلي فيكذبني على رؤوس الناس فأحتمل له ذلك وأصفح عنه، وإني قائم بمقالة إن صدقتُ فلي صدقي وإن كذبتُ فعليَّ كذبي، وإني أقسم لكم بالله لئن رد عليَّ منكم إنسان كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إليَّ رأسه، فلا يرعين رجل إلا على نفسه، ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رجل يرد علي كلمة في مقامي هذا بصدق أو كذب فليضرباه بسيفيهما، ثم خرج وخرجوا معه حتى إذا رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبدُّ بأمر دونهم ولا نقضي أمراً إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد بن أمير المؤمنين من بعده فبايعوا بسم الله، فضربوا على يديه ثم جلس على راحلته وانصرف، فلقيهم الناس فقالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟! وفي رواية: فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم فقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم ثم نزل.
فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام…
وفي رواية: ثم خرج وخرجوا معه حتى رقي المنبر(عند الكعبة) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يُبتز أمرٌ دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله! فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله وانصرف، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلمَ؟! أرضيتم وأعطيتم وبايعتم؟! قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادَنا وخفنا القتل).(تاريخ ابن خياط/١٦٠، وتاريخ الخلفاء/١٥٤والإمامة والسياسة:١/١٦١، وطبعة:١/١٤٩و:١/٢١٠، والعواصم/٢٢٣والمنتظم:٥/٢٨٦، وفتوح ابن الأعثم:٤/٣٣٩).
أقول: هذه روايات المحبين لمعاوية وأمثاله! الذين جعلوهم ميزاناً يتولون المسلمين عليهم، ويكفِّرون الذين يتبرؤون منهم!
إنهم هنا ينسون ما كتبوه في فقههم من أنه لا يصح بيع السلعة بالإكراه وأن أي تصرف تحت الإكراه والإجبار باطل! فيفتون هنا بأن البيعة بالإكراه تحت سيوف الطلقاء في المدينة وتحت سيوف أهل الشام في مكة، شرعيةٌ صحيحة!
بل زادوا علاوةً فصار إعلان معاوية للبيعة بالحيلة والتزوير صحيحاً شرعاً حتى مع تكذيب (المبايعين) وصياحهم! فهل يبقى عندك شك في أن الأساس الذي أسسته قريش بعد النبي صلى الله عليه وآله باطل ظالم؟!
١٣- استعمل معاوية الرشوة على بيعة يزيد كعادته، فقد طلب من المغيرة بن شعبة أن يوفد اليه وفداً يطالبونه ببيعة يزيد فأوفد (أربعين من وجوه أهل الكوفة وأمَّر عليهم ابنه عروة بن المغيرة فدخلوا على معاوية فقاموا خطباء فذكروا أنه إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد (ص) فقالوا: يا أمير المؤمنين كبرت سنك وتخوفنا الإنتشار من بعدك. يا أمير المؤمنين، أعْلِمْ لنا علماً وحُدَّ لنا حداً ننتهي إليه. قال: أشيروا عليَّ، قالوا: نشير عليك بيزيد بن أمير المؤمنين. قال: وقد رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذاك رأيكم؟ قالوا: نعم ورأي مَن بعدنا، فأصغى(أي أسرَّ) إلى عروة وهو أقرب القوم منه مجلساً فقال: لله أبوك بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال بأربعمائة. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً)! (تاريخ دمشق:٤٠/٢٩٨، وكامل ابن الأثير:٣/٣٥٠، ونهاية الإرب/٤٤٦٤)
وأعطى معاوية شخصيات وفد البصرة جوائز كل واحد مئة ألف درهم، وكان فيهم الحتات التميمي وكان عثماني الهوى فأعطاه سبعين ألفاً: (فرجع إلى معاوية فقال ما ردك يا أبا مُنازل؟ قال فضحتني في بني تميم أما حسبي صحيح أو لست ذا سن أو لست مطاعاً في عشيرتي؟ قال: معاوية بلى، قال: فما بالك خَسَسْتَ بي دون القوم؟ فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان وكان عثمانياً. قال: وأنا فاشتر مني ديني! فأمر له بتمام جائزة القوم، وطُعِن في جائزته فحبسها معاوية). أي مات قبل أن يقبضها، وفي رواية مات بعد أسبوع! (تاريخ دمشق: ١٠/٢٧٨، وتاريخ الطبري:٤/١٨٠، وكامل ابن الأثير: ٣/٣٢٢ والغارات: ٢/٧٥٤، وأنساب الأشراف/١١٥٤).
وفي مستدرك الحاكم:٣/٤٧٦: (بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها وقال: لا أبيع ديني بدنياي. وخرج إلى مكة حتى مات بها).
(وتاريخ دمشق:٣٥/٣٦، والإصابة:٤/٢٧٦، والنهاية:٨/٩٦، وسنن البيهقي:٨/١٥٩، وفيه: (أترون هذا أراد أن ديني إذاً عندي لرخيص. وأسد الغابة:٣/٣٠٦ وفصَّل موت عبد الرحمن على أثرها)!
وفي كامل ابن الأثير:٣/٣٥١: (عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلي عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر: هذا أراد أن ديني عندي إذن لرخيص، وامتنع). انتهى.
وقوله (امتنع) غير صحيح، فقد بايع يزيداً، وقد يكون أعطاه معاوية أكثر! وقد حاول بعضهم أن يوهم أنه رد المئة ألف أو امتنع عن البيعة فأبهموا ذلك، كما في سنن البيهقي:٨/١٥٩، وطبقات ابن سعد:٤/١٨٢/ وسير الذهبي:٣/٢٢٥!
لكن البخاري نص على أنه بايع فقال في صحيحه:٨/٩٩: (لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي (ص) يقول ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله...الخ.) ونص في فتح الباري:١٣/٦٠، على أنه أخذ المال، قال: (فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها..).

الفصل التاسع: مواقف الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة معاوية

خط الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام واحدٌ لا يتجزأ!
كان الإمام الحسين دائماً إلى جانب أخيه الحسن عليهما السلام في حربه وصلحه، وهذا مقتضى العصمة التي أخبر عنها جدهما صلى الله عليه وآله بأنهما سيد شباب أهل الجنة، وإمامان قاما بالأمر أو قعدا عنه. وهو مقتضى اعتقاد الإمام الحسين بإمامة أخيه الحسن عليهما السلام، فقد قال له بعد الصلح: (قم فبايع فقام فبايع ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس إنه إمامي، يعني الحسن عليهما السلام). (اختيار معرفة الرجال:١/٣٢٥). و(لما بويع معاوية خطب فذكر علياً فنال منه ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر...الخ). (مقاتل الطالبيين/٤٦).
وقد نصت أحاديث العترة الطاهرة عليهم السلام أنه لا يكون إمامان إلا وأحدهما صامت، ففي بصائر الدرجات/٥٣٦: (عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: تُتْرَكُ الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلنا: تكون الأرض وفيها إمامان؟ قال: لا، إلا إمامان أحدهما صامت لا يتكلم ويتكلم الذي قبله. والإمام يُعَرِّف الإمام الذي بعده). (ونحوه/٥٣١، والكافي:١/١٧٨، ورواه عن الإمام الرضا عليه السلام:١/٣٢١، وفيه: فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت، ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر عليه السلام).انتهى.
والمتتبع لسيرة الإمام الحسين يجد مواقفه متحدة مع مواقف أخيه الحسن عليهما السلام وخطهما الوفاء بالصلح واحد، وفي نفس الوقت مواجهة ظلم معاوية وخططه ضد الإسلام. وهذه مجموعة من مواقفه عليه السلام:
١- عرضنا جانباً من مواجهته لمعاوية ورفضه بيعة يزيد.
٢- وموقفه من عائشة ومروان في جنازة الحسن عليهما السلام وقد كان معاوية وراءهما!
٣- موقفه ضد معاوية في حرب صفين، ففي نهج البلاغة:٢/١٨٦:
(وقال عليه السلام في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن عليه السلام يتشرع إلى الحرب: إملكوا عني هذا الغلام لايهدني فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله). (لما رأى علي بن أبي طالب الحسنين رضي الله عنهما يسرعان إلى الحرب في بعض أيام صفين قال: أيها الناس إملكوا عني هذين الغلامين فإني أنفس بهما على القتل، أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله (ص) . (شرح النهج:١/٢٤٤، وشرح إحقاق الحق:١٩/٣١٨، عن الإشراف للسمهودي/٥١، وكشف الغمة:٢/٢٣٥، وفيه: وقيل لمحمد بن الحنفية رحمة الله عليه: أبوك يسمح بك في الحرب ويشحُّ بالحسن والحسين؟ فقال: هما عيناه وأنا يده، والإنسان يقي عينيه بيده). انتهى.
وللإمام الحسين عليه السلام خطبة يحث فيها أهل الكوفة على الجهاد رواها ابن مزاحم في صفين/١١٥، وشرح النهج:٣/١٨٦، أولها: (يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء والشعار دون الدثار، فجدوا في إحياء ما دثر بينكم...).
٤- موقفه الثابت مع أخيه عليهما السلام في عدم نقض الصلح
دخل معاوية الكوفة بجيشه وأعلن أنه يضع كل بنود الصلح تحت قدمه! فغضب عدد من شخصياتها وطالبوا الإمام الحسن عليه السلام أن يعلن رد الصلح فلم يستجب لهم، ثم كانوا كلما عضتهم سياسات معاوية يهرعون إلى المدينة ويشتكون إلى الإمام الحسن عليه السلام مطالبين بإعلان بطلان الصلح فلا يستجيب لهم، فيذهبون إلى الحسين عليه السلام يجدون نفس الرد ويقول لهم:(هذا ما لا يكون ولا يصلح).
وبعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام زادت مطالبتهم بردِّ الصلح وجهاد معاوية، وجاءت وفودهم وكتبهم إلى الإمام الحسين عليه السلام وكان جوابه: (قد كان صلحٌ وكانت بيعة كنت لها كارهاً، فانتظروا ما دام هذا الرجل حياً، فإن يهلك نظرنا ونظرتم... ليكن كل امرئ منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حياً، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا).(أنساب الأشراف/٧٨٦).
كان عليه السلام يعلم أن القوم ليسوا أهل جهاد ولا حرب، لكن المانع له ليس كذبهم أو صدقهم، بل الوفاء بصلح أخيه مع معاوية وبيعتهم له، والوفاء قيمة لا يتنازل عنها الإمام الحسين عليه السلام! ففي الأخبار الطوال للدينوري/٢٢٠، أن حجر بن عدي رحمه الله جاء إلى الحسن عليه السلام وأراد منه أن يعلن بطلان الصلح لأن معاوية نقض الشروط، فلم يقبل: (قال فخرج من عنده ودخل على الحسين رضي الله عنه مع عبيدة بن عمرو، فقالا: أبا عبد الله شريتم الذل بالعز وقبلتم القليل وتركتم الكثير! أطعنا اليوم واعصنا الدهر دع الحسن وما رأى من هذا الصلح واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف! فقال الحسين: إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل إلى نقض بيعتنا).انتهى. ولذلك قال الإمام الباقر عليه السلام: (والله للذي صنعه الحسن بن علي كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، والله لقد نزلت هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، إنما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال، (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) مع الحسين عليه السلام قالوا: (رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ)! أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام).(الكافي:٨/٣٣٠).
وفي الأخبار الطوال/٢٢١، أن أهل الكوفة كتبوا له عليه السلام بعد شهادة أخيه الإمام الحسن عليه السلام رسالة جاء فيها: (فأقدم علينا فقد وطَّنا أنفسنا على الموت معك. فكتب إليهم: أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده فيما يأتي، وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك فالصقوا رحمكم الله بالأرض واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً، فإن يحدث الله به حدثاً وأنا حي كتبت إليكم برأيي والسلام). (ونحوه في اليعقوبي:٢/٢٢٨).
وفي تاريخ دمشق:١٤/٢٠٥: (وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين بن علي يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك بأبي، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه فقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا)!
ثم ذكر ابن عساكر بعده أن الإمام الحسين عليه السلام قال لهم:(إني أرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين) وأنه بسبب ذلك كتب مروان إلى معاوية: (إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة وأظن يومكم من حسين طويلاً). فكتب معاوية إلى الحسين: (إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق...! فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة! فقال معاوية إنْ أثرنا بأبي عبد الله إلا أسداً. وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوةٌ فوددت أني أدركها فأغفرها لك).انتهى.
أقول: بهذا تعرف أن رواة الخلافة يدسون السم عندما يفرقون بين موقف الإمامين الحسنين عليه السلام ليجدوا المبرر لمعاوية ويزيد في قتلهما الإمام الحسين عليه السلام! ولذلك أكثروا من أمثال الرواية التالية التي تتحدث عن تحير الإمام الحسين عليه السلام هل يستجيب لدعوة أهل الكوفة وينقض الصلح مع معاوية أم لا، وزعموا أن الصحابة نصحوه أن لا يفعل وأن معاوية كان حليماً معه وأوصى به يزيداً فكتب له: (أنظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه وارفق به يصلح لك أمره فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه). (نهاية ابن كثير:٨/١٧٤، وسير الذهبي:٣/٢٩٣، وتهذيب الكمال:٦/٤١٣ وبغية الطلب:٦/٢٦٠٦ وترجمة الطبقات/٥٥ وغيرها).
بينما عرفت أن الإمام الحسين عليه السلام كان ملتزماً بالصلح مادام معاوية حياً، وفي نفس الوقت يواصل عمله وعمل أخيه عليهما السلام في نهي معاوية عن المنكر، والوقوف في وجه مخططاته ضد الإسلام، ومنها بيعته لابنه يزيد.
٥- غضبه على مروان عندما لعن أمير المؤمنين عليه السلام
فقد خطب مروان(والي معاوية) يوماً فذكر علياً عليه السلام ونال منه، فتصدى له الإمام الحسين عليه السلام وشتمه! ففي مناقب آل أبي طالب:٣/١٨٤، أنه قال له: (يا ابن الزرقاء أنت الواقع في علي)! وفي تفسير فرات/٢٥٣:(قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك. قال: فقال له الحسين: ألا أخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي علي؟ قال: فإن الله تبارك وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)، فذلك لعلي وشيعته. (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ)، فبشر بذلك النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام. وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّا. فذلك لك ولأصحابك). يقول عليه السلام له بذلك: إن خطتكم في تشويه شخصية علي عليه السلام وتبغيضه إلى الناس لن تنجح بنص الله تعالى ونص رسوله صلى الله عليه وآله. على أنه بعض روايات تفسير فرات تضمنت التفريق بين موقفه وموقف الإمام الحسن عليهما السلام فينبغي الإلتفات إلى ذلك.
وذكرت بعض الروايات أنه عليه السلام اصطدم مع مروان بأشد من هذا، حيث قال له مروان يوماً: (لولا فخركم بفاطمة بمَ كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين عليه السلام وكان شديد القبضة فقبض على حلقه فعصره ولوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه ثم تركه، وأقبل على جماعة من قريش فقال: أنشدكم بالله إلا صدقتموني إن صدقت: أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مني ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبي غيري وغير أخي؟ قالوا: اللهم لا..) ثم وصمه بأنه لعين رسول الله وطريده!(الإحتجاج:٢/٢٣، ومناقب آل أبي طالب:٣/٢٠٩).
٦- مواجهته مرسوم معاوية بلعن علي بالتسمية باسم علي عليه السلام
(استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة، وأمره أن يفرض لشباب قريش (عطاء من بيت المال) ففرض لهم، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: فأتيته فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين؟ فقال: ما اسم أخيك؟ فقلت: علي. فقال: علي وعلي، ما يريد أبوك أن يدع أحداً من ولده إلا سماه علياً! ثم فرض لي فرجعت إلى أبي فأخبرته فقال: وَيْلي على ابن الزرقاء دبَّاغة الأدم! لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أسمي أحداً منهم إلا علياً). (الكافي:٦/١٩).
٧- معاوية يطلب من الإمام الحسين عليه السلام أن يخطب
في الإحتجاج:٢/٢٢: (قيل لمعاوية: إن الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإن فيه حصراً أو في لسانه كلالة. فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسين عليه السلام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله فسمع رجلاً يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين عليه السلام: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله الأقربون وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقايقه. فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شيء فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). وقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً). وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: (لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِئٌ مِنْكُمْ)! فتلقون للسيوف ضرباً وللرماح ورداً وللعمد حطماً وللسهام غرضاً ثم لا يقبل من نفس (إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً)! قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله قد بلغت). وقد تفرد الطبرسي بنسبة هذه الخطبة إلى الإمام الحسين ونسبها غيره إلى الإمام الحسن عليهما السلام بعد البيعة له، كما في أمالي المفيد/٣٤٨، وأمالي الطوسي/١٢١، و٦٩١، والعدد القوية/٣٤، بتفاوت في بعض ألفاظها.
٨- جوابه لمعاوية عن يقين علي عليه السلام وشجاعته
(دخل الحسين بن علي عليهما السلام على معاوية فقال له: ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ثم دار عشياً في طرقهم في ثوبين؟ فقال عليه السلام: حمله على ذلك علمه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال: صدقت).(التوحيد للصدوق/٣٧٥).
٩- رأي الإمام الحسين عليه السلام في تصنُّع معاوية وإظهاره الحلم
بلغ الحسين بن علي عليه السلام كلام نافع بن جبير في معاوية وقوله: إنه كان يسكته الحلم وينطقه العلم فقال عليه السلام: بل كان ينطقه البطر ويسكته الحَصَر)!
١٠- كلمه معاوية بدون احترام فلم يجبه الإمام عليه السلام
(عن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية قال: قال معاوية يوماً لحسين: يا حسين فقال عبد الله بن الزبير: يا أبا عبد الله إياك يريد! فقال معاوية: أردت أن تغريه بي أني سميته وأنك كنيته! أما والله ما أولع شيخ قوم قط بالرتاج إلا مات بينهما! قال: الرتاج الغلق والباب).(تاريخ دمشق:١٢/٣١١). يقصد معاوية أنك من بني أسد عبد العزى، فما دخلك بين بني عبد مناف، كمن يدخل بين الباب وغَلَقه؟!
١١- موقفه عليه السلام عندما خطب معاوية بنت أخته ليزيد!
غرض معاوية من ذلك أن يقول للمسلمين إن يزيداً هو صهر رسول الله صلى الله عليه وآله على حفيدته، لأن أمها زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء عليها السلام!
ففي تاريخ دمشق:٥٧/٢٤٥: (كتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة أن يزوج ابنه يزيد بن معاوية زينب بنت عبد الله بن جعفر، وأمها أم كلثوم بنت علي وأم أم كلثوم فاطمة بنت رسول الله (ص) ويقضي عن عبد الله بن جعفر دينه، وكان دينه خمسين ألف دينار، ويعطيه عشرة آلاف دينار، ويُصْدقها أربعمائة دينار، ويكرمها بعشرة آلاف دينار! فبعث مروان بن الحكم إلى عبد الله بن جعفر فأجابه واستثنى عليه برضا الحسين بن علي وقال: لن أقطع أمراً دونه مع أني لست أولى به منها وهو خال والخال والد! قال: وكان الحسين بينبع فقال له مروان: ما انتظارك إياه بشيء فلو حزمتَ؟ فأبى، فتركه فلم يلبثوا إلا خمس ليال حتى قدم الحسين، فأتاه عبد الله بن جعفر فقال: كان من الحديث ما تسمع وأنت خالها ووالدها، وليس لي معك أمر فأمرها بيدك، فأشهد عليه الحسين بذلك جماعة. ثم خرج الحسين فدخل على زينب فقال: يا بنت أختي إنه قد كان من أمر أبيك أمر، وقد ولاني أمرك وإني لا آلوك حسن النظر إن شاء الله، وإنه ليس يخرج منا غريبة فأمرك بيدي؟ قالت: نعم بأبي وأمي! فقال الحسين: اللهم إنك تعلم أني لم أرد إلا الخير، فقيِّضْ لهذه الجارية رضاك من بني هاشم، ثم خرج حتى لقي القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب فأخذ بيده فأتى المسجد وقد اجتمعت بنو هاشم وبنو أمية وأشراف قريش وهيؤوا من أمرهم ما يصلحهم!
فتكلم مروان فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن يزيد بن أمير المؤمنين يريد القرابة لطفاً وألحق عظماً، ويريد أن يتلافى ما كان بصلاح هذين الحيين، مع ما يحب من أثره عليهم، ومع المعاد الذي لا غناء به عنه، مع رضا أمير المؤمنين. وقد كان من عبد الله بن جعفر في ابنته ما قد حسن فيه رأيه وولى أمرها الحسين بن علي، وليس عند الحسين خلاف لأمير المؤمنين إن شاء الله تعالى.
فتكلم الحسين: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الإسلام يرفع الخسيسة ويتم النقيصة ويذهب الملامة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في أمر مأثم، وإن القرابة التي أعظم الله حقها وأمر برعايتها وسأل الأجر في المودة عليها، والحافظة في كتاب الله تعالى قرابتنا أهل البيت، وقد بدا لي أن أزوج هذه الجارية من هو أقرب إليها نسباً وألطف سبباً، وهو هذا الغلام يعني القاسم بن محمد بن جعفر، ولم أرد صرفها عن كثرة مال نازعتها نفسها ولا أبوها إليه، ولا أجعل لامرئ في أمرها متكلماً، وقد جعلت مهرها كذا وكذا منها في ذلك سعة إن شاء الله! فغضب مروان وقال: أغدراً يا بني هاشم؟! ثم أقبل على عبد الله بن جعفر فقال: ما هذه بأيادي أمير المؤمنين عندك وما غبتَ عما تسمع! فقال عبد الله: قد أخبرتك الخبر حيث أرسلت إليَّ وأعلمتك أني لا أقطع أمراً دونه! فقال الحسين بن علي: على رسلك، أقبلْ عليَّ! فأُولى الغدر منكم وفيكم! إنتظر رويداً حتى أقول: نشدتكم الله أيها النفر ثم أنت يا مسوَّرَ بن مَخْرمة أتعلم أن حسن بن علي خطب عائشة بنت عثمان حتى إذا كنا بمثل هذا المجلس من الإشفاء على الفراغ، وقد ولوك يا مروان أمرها قلت: إنه قد بدا لي أنا أزوجها عبد الله بن الزبير؟ هل كان ذلك يا أبا عبد الرحمن يعني المسور؟ قال: اللهم نعم! فقال مروان قد كان ذلك، أنا أجيبك وإن كنت لم تسألني! فقال الحسين: وأنتم موضع الغدر).انتهى. وفي هذه القصة دلالات متعددة منها أن الإمام الحسين عليه السلام وجد باباً للتخلص من يزيد ومعاوية، وأن عبدالله بن جعفر رحمه الله تحمل الإحراج باعتذاره بأن أمر بناته بيد خالهن الإمام الحسين عليه السلام.
١٢- قصة أرينب أو زينب بنت إسحاق
قال الحافظ ابن عقيل في كتاب النصائح الكافية لمن يتولى معاوية/١٢٨:
(ومن مخزياته الفاضحة: تفريقه بالحيلة بين عبد الله بن سلام القرشي وزوجته أرينب بنت إسحاق حين تعشقها خِمِّيرُهُ يزيد ليزوجه بها معاونةً له على الإثم والعدوان، وقد روى القصة كلها ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتاب الإمامة، ورواها عبد الملك بن بدرون الحضرمي الإشبيلي في كتابه أطواق الحمامة بشرح البسامة وغيرهما. وخلاصة رواية ابن قتيبة رحمه الله هي هذه قال: لما بلغ معاوية عشق يزيد وهيامه بأرينب بنت إسحاق من وصيف له يقال له رفيق، فقال له معاوية: أكتم يا بني أمرك واستعن بالصبر فإن البوح غير نافع، ولا بد مما هو كائن. وكانت أرينب مثلاً في أهل زمانها جمالاً وكمالاً وكثرة مال، وكانت تحت ابن عمها عبد الله بن سلام القريشي وكان له منزلة عند معاوية، وقد استعمله بالعراق، وقد امتلأ معاوية هماً وغماً بأمر يزيد، فأخذ في الحيلة والنظر فيما يجمع بينهما حتى يرضى يزيد، فاستدعى زوجها من العراق عجلاً يبشره بأمر له فيه كامل الخط، فلما أنزله منزلاً حسناً ثم دعا معاوية أبا هريرة وأبا الدرداء وكانا بالشام فقال لهما: إني قد بلغت لي ابنة أردت نكاحها ليقتدى بي من بعدي فإني أخاف أن يعضل الأمراء بعدي نساءهم، وقد رضيت لها عبد الله بن سلام لدينه وفضله وأدبه فاذكرا ذلك عني، وإني كنت جعلت لها الشورى في نفسها غير أني أرجو أن لاتخرج من رأيي، فخرجا إلى عبد الله بن سلام وأعلماه بما قاله معاوية فسُرَّ به وفرح وحمد الله ودعا لمعاوية، ثم بعثهما إلى معاوية خاطبين عليه فلما قدما قال لهما معاوية: إنكما تعلمان رضاي بذلك فأدخلا عليها وأعرضا عليها ما رضيت لها فدخلا وأعلماها بكل ما جرى، وكان معاوية قد لقنها ما يريد أن تجيب به فقالت: عبد الله بن سلام كفؤ كريم وقريب حميم، غير أنه تحته أرينب بنت إسحاق وأنا خائفة أن تعرض لي غيرة النساء فأتولى منه ما يسخط الله، ولست بفاعله حتى يفارقها! فأخبرا عبد الله بن سلام بالأمر ففارق زوجته وأشهدهما على طلاقها فأظهر معاوية كراهيته طلاقها وقال: لا أستحسنه ولو صبر ولم يعجل كان أمره إلى مصيره، فانصرفا في عافية ثم عودا لتأخذا رضاها ثم أخبر يزيد بما كان من طلاق أرينب، ثم عادا إلى معاوية فأمرهما بالدخول إليها ليسألاها فدخلا عليها وأعلماها بطلاق أرينب طلباً لمسرتها فقالت: إنه في قريش لرفيع وإن الزواج هزله جد والأناة في الأمور أوفق، وإني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ومستخيرة فيه ومعلمتكما بخيرة الله. ثم انصرفا وأعلما عبد الله بن سلام فقال: فإن يك صدرُ هذا اليوم ولَّى فإنَّ غداً لناظره قريبُ
ولم يشك الناس في غدر معاوية إياه وتحدثوا به ثم استحثهما عبد الله بن سلام وسألهما الفراغ من أمره، فأتياها فقالت لهما: إني سألت عن أمره فوجدته غير ملائم لي ولا موافق لما أريد لنفسي! فعلم عبد الله أنه قد خدع فقال متعزياً: ليس لأمر الله رادّ، ولام الناس معاوية على خديعته وجرأته على الله.
ولما انقضت أقراؤها وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين بن علي فقدم أبو الدرداء زيارة الحسين والتسليم عليه على مهمته، فرحب به الحسين وأجله وأخبر أبو الدرداء بمهمته فقال الحسين: لقد ذكرت نكاحها فلم يمنعني إلا تخير مثلك فأخطبها عليَّ وعليه وأعطها من المهر ما أعطاها معاوية عن ابنه، فلما دخل عليها أبو الدرداء قال: لها قد خطبك أمير هذه الأمة وابن الملك وولي عهده يزيد بن معاوية، وابن بنت رسول الله الحسين بن علي فاختاري أيهما شئت! فسكتت طويلاً ثم فوضت أمرها إليه فقال: أي بنية، ابنُ بنت رسول الله أحبُّ إليَّ وأرضاهما عندي، فتزوجها الحسين وساق لها مهراً عظيماً وبلغ معاوية ما فعل أبو الدرداء فتعاظمه جداً وقال: من يرسل ذا بلاهةٍ وعمى يركب خلاف ما يهوى، ورأيي كان من رأيه أسوأ ولقد كنا بالملامة أولى. وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه بدرات مملوءة دراً هو أعظم ماله وأحبه إليه، وكان معاوية قد جفاه وقطع جميع روافده لتهمته إياه بالخديعة، ولم يزل يقصيه حتى عيل صبره وقل ما في يده، فخرج راجعاً إلى العراق يذكر ماله الذي كان استودعه أرينب ولا يدري كيف يصنع ويتوقع جحودها لطلاقه إياها من غير شيء أنكره ونقمه عليها! ولما قدم لقي الحسين وسلم عليه وقال: قد علمت جعلت فداك ما كان من قضاء الله في طلاق أرينب وكنت استودعتها مالاً عظيماً دراً فذكرها أمري واحضضها على الرد فإن الله يحسن عليك، فلما انصرف الحسين إليها قال: لها قد قدم عبد الله بن سلام وهو يثني عليك ويذكر أنه استودعك مالاً فأدِّ إليه ماله، فقالت: صدق وإنه لمطبوع عليه بطابعه، ثم لقي ابن سلام فقال: ما أنكرت وزعمت أنها لكَما دفعتها لها بطابعك، ثم دخل عليها وقال: الحسين هذا عبد الله يطلب وديعته فأدها إليه فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه فشكرها وحثى لها من ذلك الدر حثوات واستعبرا جميعاً، فقال الحسين: أشهد الله أنها طالق ثلاثاً. اللهم إنك تعلم أني لم أتزوجها لمال ولا لجمال، ولكن أردت حبسها لبعلها وأرجو ثوابك على ذلك! فتزوجها عبد الله بن سلام وحرمها الله على يزيد). انتهى.
أقول: وهي قصة جسدت نبل الإمام الحسين عليه السلام وانحطاط معاوية ويزيد، وقد روتها المصادر المختلفة واشتهر منها مثل: رُبَّ ساع لقاعدِ (مجمع الأمثال:١/٣٠٠) الذي قاله معاوية لما فشلت خطته، وروي أنه قال لأبي هريرة (ياحمار)!
١٣- مواجهته الحرب الإقتصادية على أهل البيت عليهم السلام
أجمع المسلمون على أن الله آل خص آل محمد صلى الله عليه وآله بميزانية خاصة، ومنعهم أن يأخذوا من الزكاة التي يأخذ منها عامة الناس، وذلك تشريفاً لهم وتوسعة عليهم! وقد حسدتهم السلطة فصادرت ما عندهم وحرمتهم سهمهم الذي فرضه الله لهم. وكان معاوية كالذين قبله يخطط لإفقار بني هاشم، فقد نقض الشروط المالية في صلحه مع الإمام الحسن عليه السلام وكان يمنع عنهم العطاء ما استطاع، ويغريهم بالإنفاق والسخاء الجنوني الذي يتصف به بعض العرب كما مر!
ثم حاول أن يستولي على مصادر ماليتهم وهي أوقاف النبي صلى الله عليه وآله وأوقاف فاطمة وأوقاف علي عليهم السلام وهي مالية كبيرة وأهمها عيون غزيرة استنبطها علي عليه السلام في ينبع وتيماء أو أم القرى وغيرها، وقد صارت في زمن الحسين عليه السلام بساتين واسعة. ويظهر أن معاوية أمر ابن أخيه والي المدينة بذلك! فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق:٦٣/٢١٠: (تنازع الحسين بن علي والوليد بن عتبة بن أبي سفيان في أرض والوليد يومئذ أمير على المدينة، فبينا حسين ينازعه إذ تناول عمامة الوليد عن رأسه فجذبها! فقال مروان بن الحكم وكان حاضراً: إنا لله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره! قال الوليد: ليس ذاك بك، ولكنك حسدتني على حلمي عنه! فقال حسين: الأرض لك إشهدوا أنها له).انتهى.
لكن روينا أن الوالي الأموي اعترف بأن الأرض كانت للحسين عليه السلام فأراد أن يغصبها، ففي مناقب آل أبي طالب:٣/٢٢٤: (فقال الوليد: والله ما قلت هذا غضباً لي ولكنك حسدتني على حلمي عنه، وإنما كانت الضيعة له! فقال الحسين عليه السلام: الضيعة لك يا وليد وقام). انتهى.
وقد روت المصادر نزاعاً آخر أشد من هذا حول ضيعة كانت للحسين عليه السلام في وادي القرى فطمع بها معاوية لابن أخيه الوليد، ففي سيرة ابن هشام:١/٨٧: (كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان، منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكأن الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ثم لأدعون بحلف الفضول. قال فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. قال: فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي).انتهى.
وواضح من كلام الإمام الحسن عليه السلام أن معاوية كان هو الطرف في القضية وأن الإمام عليه السلام هدده بحلف الفضول وبلَّغه ذلك ابن الزبير. (راجع: شرح النهج:١٥/٢٢٦ , والنهاية:٢/٣٥٧، والأغاني:١٧/٢٩٨، وتذكرة ابن حمدون/٦١٠، وتاريخ دمشق:٦٣/٢١٠).
ومن ذلك استغلال معاوية الظرف وعرضه أن يشتري منه أكبر بساتين أوقاف علي عليه السلام! ففي الإصابة:٧/٣٤٣: (إن الحسين احتاج لأجل دَيْنٍ عليه، فبلغ ذلك معاوية فدفع له في عين أبي نَيْزَر مائة ألف فأبى أن يبيعها وأمضى وقفها).
وفي الأربعين البلدانية لابن عساكر:٤/١٧٦: (فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار فأبى أن يبيع وقال: إنما تصدق بهما أبي ليقي الله وجهه حر النار ولست بائعهما بشيء). (وكذا في معجم البلدان:٤ /١٧٦، ومعجم ما استعجم:٢/٦٥٦).
وهذا يدل على وسعة مالية الأئمة عليه السلام التي رتبها النبي صلى الله عليه وآله وعلي والزهراء عليهما السلام، وعن اغتنام معاوية الفرصة لتضعيفها.
ولا مجال لتفصيل تكوين ماليتهم عليهم السلام فنكتفي بالقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما علم أن الأمة ستغدر بأهل بيته عليهم السلام وتُقصيهم عن خلافته وتحرمهم مما فرض الله لهم من مالية، رتب لهم مالية من عطاءاته وأوقافه، وكانت فدكاً وسبعة بساتين.
ثم استطاع علي عليه السلام بعلمه بالأرض والمياه الجوفية أن يستنبط عدداً كبيراً من العيون في مناطق مختلفة، وجعلها صدقات بيد الحسن والحسين عليهما السلام خاصة.
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة:١/٢٢١: (لما أشرف علي رضي الله عنه على ينبع فنظر إلى جبالها قال: لقد وُضِعَتْ على نقيٍّ من الماء عظيم). وعدَّد ابن شبَّة العيون التي استنبطها والبساتين التي أنشأها حولها فقال: (وكانت أموال علي رضي الله عنه عيوناً متفرقة بينبع منها عين يقال لها (عين البحير) وعين يقال لها (عين أبي نيزر) وعين يقال لها (عين نولا) وهي اليوم تدعي (العدر) وهي التي يقال لها أن علياً رضي الله عنه عمل فيها بيده... وعمل علي رضي الله عنه أيضاً بينبع (البغيبغات) وهي عيون منها عين يقال لها (خيف الأراك) ومنها عين يقال لها (خيف ليلى) ومنها يقال لها (خيف بسطاس) فيها خليج من النخل مع العين، وكانت البغيبغات مما عمل علي رضي الله عنه وتصدق به فلم تزل في صدقاته حتى.... ولعلي رضي الله عنه أيضاً ساقية على عين يقال لها (عين الحدث) بينبع وأشرك على عين يقال لها (العصبية) موات بينبع. وكان له أيضاً صدقات بالمدينة: الفقيرين بالعالية، وبئر الملك بقناة، والأدبية بالأضم...ولعلي رضي الله عنه في صدقاته(عين ناقة) بوادي القرى يقال لها(عين حين) بالبيرة من العلا.... وله بوادي القرى أيضاً (عين موات)... ولعلي رضي الله عنه أيضاً حق على(عين سكر) وله أيضاً ساقي على عين بالبيرة وهو في الصدقة. وله بحرة الرجلاء من ناحية شعب زيد واد يدعي الأحمر شطره في الصدقة، وشطره بأيدي آل مناع من بني عدي منحةً من علي... وله أيضاً بحرة الرجلاء واد يقال له البيضاء فيه مزارع وعفا وهو في صدقته. وله أيضاً بحرة الرجلاء أربع آبر يقال لها ذات كمات، وذوات العشراء وقعين ومعيد " ورعوان، فهذه الآبر في صدقته. وله بناحية فدك وادٍ بين لابَّتي حرة يدعى(رعية) فيه نخل ووشل من ماء يجري على سقا بزرنوق فذلك في صدقته. وله أيضاً بناحية فدك واد يقال له الأسحن، وبنو فزارة تدعي فيه ملكاً ومقاماً وهو اليوم في أيدي ولاة الصدقة في الصدقة. وله أيضاً ناحية فدك مال بأعلى حرة الرجلاء يقال له القصيبة... وهذه نسخة كتاب صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرفاً بحرف...).(راجع: الإصابة:٧/٣٤٣، ومعجم البلدان:١/ ٤٦٩ و١٧٥، ومعجم ما استعجم:٢/٦٥٦، والأربعين البلدانية:١/٤٦٩ وغيرها).
وعندما نقرأ محاولة معاوية شراء بساتين عين أبي نيزر في ينبع، ومحاولة ابن أخيه مصادرة ضيعتين في وادي القرى، يتضح أن برنامج الأمويين تضعيف مالية أهل البيت عليهم السلام. وقد أبطل الإمام الحسين عليه السلام المحاولتين فهددهم بالنداء بحلف الفضول، كما لم يرض ببيع بساتين ينبع، لتبقى بيد الإمام زين العابدين عليه السلام بعده.
١٤- الإمام الحسين عليه السلام يصادر قافلة من بيت المال لمعاوية
فأخذها وقسمها في أهل بيته ومواليه وكتب إلى معاوية: (من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإن عيراً مرَّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحللاً وعنبراً وطيباً إليك، لتودعها خزائن دمشق وتَعُلَّ بها بعد النهل بني أبيك وإني احتجت إليها فأخذتها، والسلام. فكتب إليه معاوية: من عند عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن علي: سلام عليك أما بعد، فإن كتابك ورد على تذكر أن عيراً مرت بك من اليمن تحمل مالاً وحللاً وعنبراً وطيباً إليَّ لأودعها خزائن دمشق، وأعلَّ بها بعد النهل بني أبي وأنك احتجت إليها فأخذتها ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليَّ لأن الوالي أحق بالمال، ثم عليه المخرج منه. وأيم الله لو تركت ذلك حتى صار إليَّ لم أبخسك حظك منه، ولكني قد ظننت يا ابن أخي أن في رأسك نزوة، وبودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكني والله أتخوف أن تبتلى بمن لا ينظرك فواق ناقة). (شرح النهج:١٨/٤٠٩، والفوائد الرجالية:٤/٤٧).
أقول: من الواضح أن معاوية يعرف أن الإمام الحسين عليه السلام قرر أن لا يخرج على معاوية بل ينتظر هلاكه ليخرج على يزيد، ولذلك حذره وهدده!
أما عن مصادرة الإمام الحسين عليه السلام لقافلة بيت المال، فاعتقادنا أن بيت المال بيد الإمام المعصوم عليه السلام وأن الصرف منه لإدارة شؤونه وشؤون من يتصل به من الأولويات، ومعاوية غاصب لمقام الإمامة السياسية ولبيت المال، والغصب لا يغير الملكية والولاية، فالإمام الحسين عليه السلام أخذ ما هو حقه وفي ولايته، وكذلك فعل في زمن يزيد وهو في طريقه إلى كربلاء، فصادر قافلة قيِّمة من اليَمَن. قال أبو مخنف الأزدي في مقتل الحسين عليه السلام /٦٨: (ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن، بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين فانطلق بهم, قال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم من أحب ان يمضي معنا إلى العراق أو فينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض، قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه).(والأخبار الطوال/٢٤٥ مختصراً).
١٥- رده لمِنَّة معاوية في العطاء من بيت المال
(دخل الحسن والحسين عليهما السلام على معاوية فأمر لهما في وقته بمأتي ألف درهم وقال: خذاها وأنا ابن هند، ما أعطاها أحد قبلي ولا يعطيها أحد بعدي! قال: فأما الحسن فكان رجلاً سكِّيتاً، وأما الحسين عليه السلام فقال: والله ما أعطى أحدٌ قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا)! (تاريخ دمشق:١٤/١١٣، و:٥٩/١٩٣).
وقد تقدم أن الإمام الحسن عليه السلام ردَّ عطية معاوية وقال له: لا حاجة لي فيها يا أبا عبد الرحمن ورددتها وأنا ابن فاطمة)! (المستطرف:١/٢٨٩، والتذكرة الحمدونية/٧٠٨، وغيرهما).
١٦- جوابه لمعاوية عندما افتخر بقتل حجر بن عدي عليهم السلام
في الإحتجاج:٢/١٩: (لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك العام فلقي الحسين بن علي عليه السلام فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه شيعة أبيك؟ فقال عليه السلام: وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم. فضحك الحسين عليه السلام ثم قال: خَصَمَك القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم ولا قبرناهم! ولقد بلغني وقيعتك في علي وقيامك ببغضنا واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذ فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ثم سلها الحق عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلا توترن غير قوسك ولا ترمين غير غرضك ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإنك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه ولا حدث نفاقه ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع! يعني عمرو بن العاص).
١٧- رسالة معاوية إلى الإمام الحسين عليه السلام وجوابه
في تاريخ اليعقوبي:٢/٢٢٨: (ولما توفي الحسن وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً.... فإن فيك خلفاً ممن كان قبلك وإن الله يؤتي رشده من يهدى بهديك، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح الله صدرك، ورفع ذكرك، وأعظم أجرك).
وفي اختيار معرفة الرجال:١/٢٥٠: (روي أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة: أما بعد فإن عمرو بن عثمان ذكر أن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى ا