فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب أخرى » المجتبى بين وميض الحرف ووهج القافية  

كتب أخرى

 

الكتب المجتبى بين وميض الحرف ووهج القافية

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: المكتبة الأدبية المختصة التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٩/٢٧ المشاهدات المشاهدات: ٥٨٢ التعليقات التعليقات: ٠

المجتبى عليه السلام بين وميض الحرف ووهج القافية
(ملتقى القطيف الثقافي)

المكتبة الأدبية المختصة (٣)

الفهرس

الإهداء
المقدّمة
البدء
افتتاحية الندوة
القسم الأوّل
جانب البحوث والدراسات
الإمام الحسن مواقف وأهداف
حديث الطائفتين من المسلمين بين القبول والرفض
إطلالة على محنة الذكرى
إثارات حول صلح الإمام الحسن عليه السلام
حدود العصمة
معطيات رسائل الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية
القسم الثاني
الجانب الأدبي
واقع الشعر الإسلامي بعد الخلافة
ثمرة الاقتران المقدّس دراسة في مستويات التلقّي
قراءات في وادي السنا
سمات البقيع
كبد وجراحك الخضراء
الندى المحترق
البوح المشتهى
صوفيّة جرح

بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء

إلى من نحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هيبته وسؤدده.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: وجدتك بعضي بل كلّي

المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والسلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله الطاهرين ومَن تبعهم بإحسان.
ما برحت مدرسة أدب الولاء لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاخصةً بجهودها الخالدة على طريق المفاداة الحقّة لأمناء الوحي وأئمة الهدى، حيث امتدت على طول مساحة التاريخ الإسلامي وعرضِه حتى عُدَّ الشعرُ - مثلاً - فنّاً شيعيّاً ناهيك عن فنون الأدب الاُخرى التي أسهم فيها اُدباء الحق إسهامات جلّى في بناء صرح الكلمة الصادقة المعبّرة، العصيّة على الاضطهاد والتنكيل، الجهيرة دون خوفٍ، المتألّقة الصافية، الشجاعة الحاضرة في كلّ موقفٍ فذٍّ، المنافحة عن الحقيقة المظلومة، الذابّة دون الخير والصلاح والحريّة.. وهكذا فقد امتدّت هذه الكلمة منذ أوائل صدر الإسلام مارّةً بأدوارها التاريخيّةِ المعهودةِ في كلّ عصور الاُمّة حتى وصلت إلى يومنا الحاضر وهي تحمل سمات تجذّرها العريق وامتدادها الخصب في عروق الأرض والإنسان والفكرة.. وكثيراً ما يُحمد لبيئاتٍ معروفةٍ خلال هذا السفار الطويل بزوغها المبكّر وألقها الناضح بالجمال في احتضان النور واجتلائه بصدورها الواعية وألسنتها الشاهدة وذلك الحنين المتدفّق رغم الشجى المعترض في الحناجر والأصوات والحروف.. ولعلَّ(القطيف): حاضرة التشيّع علماً وأدباً وجهاداً ورسوخاً في الولاء هي المثال الساطع على ما سلف، حيث بقيت رافداً صافياً من روافد سلسال الكوثر الموعود لم تكدّره الأعاصير العابرة أو الخطى الغريبة الخائضة.. والمطبوعة الماثلة بين يدَي قارئنا العزيز هي نتاجُ (ملتقى القطيف الثقافي) في ندوته الثانية عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام - التي تناوبت على منصتها أصوات عديدةٍ لبيئاتٍ شيعيّةٍ عديدةٍ - آثرتنا بنشرها لجنة الندوة الموقّرة، شعوراً منهم ومنّا جميعاً بمسؤولية الانتصاف للأدب المقال في أهل البيت عليهم السلام، ووفاءً لعهدٍ قطعته المكتبة الأدبية المختصة على نفسها ان تحتضن كل جهدٍ أدبيٍّ ولائي رائقٍ لا سيّما وانّه قد شارك فيه نخبة من علماء واُدباء الحوزة العلمية المباركة ببحوثهم وقصائدهم المبدعة.. فإلى حيث نسرِّح الطرفَ والقلبَ في صفحات هذا الجهد الرائد المبارك، المؤسِّس - فيما نظنُّ - لحالةٍ ناضجةٍ من الأداء المعاصر للنص الأدبي الشيعي العتيد.. وإلى حيث نوفّق في أيامنا القابلة - إن شاء الله - إلى المزيد من نشرِ اعمالٍ حافلةٍ اُخرى.

فرات الأسدي
مدير المكتبة الأدبية المختصة
غرة رمضان المبارك ١٤١٩ ه‍

البدء

وهكذا.. انتشر الضوء في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مستقبلاً فجر الرسالة الجديد، المولود البكر لملتقى النورين علي وفاطمة عليهما السلام، فأطلّ أبو محمّد الحسن بن علي عليهما السلام ليغشى الوجود بحلّته الخضراء.
ويأتي جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ليقول لعلي عليه السلام: هل أسميته؟ فيقول: ما كنت لأسبقك بإسمه، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: وما كنت لأسبق بإسمه ربّي عزّ وجلّ، وبعد هذه المحاورة القصيرة هبط الأمين جبرئيل عليه السلام من السماء حاملاً معه خبر تسمية المولود المبارك، قائلاً بعد تهنئة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قِبَل الله عزّ وجلّ: إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه بإسم ابن هارون، قال: وما كان اسمه؟ قال: شبّر، قال: لساني عربي، قال: سمّه الحسن، فسمّاه به.
وتمرُّ الليالي والأيام على تلك الثمرة اليانعة والشمعة المضيئة في بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تحتضنها الحجور الطاهرة، وتؤويها الأحضان المباركة، وترضع من ثدي الإيمان والهدى، وجده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحبوه الأوسمة الكبيرة.
ثم يأتي القدر فيرفع تلك الشجرة الوارفة الظلال، لتسكن دار الخلود، فتهبُّ الأعاصير على زهراتها المتفتحات، ويعيش الإمام الحسن عليه السلام مع أبيه عليه السلام أيام المحنة والفتنة، ثم يشتدُّ الأمر عليه، بعد استشهاد أبيه العظيم أمير المؤمنين عليه السلام، فيقوم بالأمر مع أخيه الحسين عليهما السلام.
ويبقى أبو محمّد الحسن عليه السلام الصابر المجاهد، تتكسّر أمواج الفتنة عند أعتاب حنكته، إلاّ أنّ معاصريه لم يدركوا بُعْدَ مداه، وعمق رؤاه، فاتّهموه بما لم يكن فيه، وألحّوا على ما كان فيهم، فنبذوا الكتاب وراء ظهورهم، وإنّه الخسران المبين.
ويأتي قلم التأريخ المزيّف ليقف موقفه المتعثّر في أوحال الخيانة المعهودة، ويسجّل قساوة آرائه وخبث طويّته وحقده، وغضبه، فيزيد في طين التعاسة بلّة المروق عن الحق، فيرمي الإمام عليه السلام بوابل التهم المجوّفة، وينسى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليه السلام: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).
إنّه التاريخ الذي تمرّد على الحقيقة في مواقف متعددة، ولكنّ الضياء المتوهج أبى إلاّ أن يخترق الحجب الداكنة السواد، فبدت لنا الأشعة تنسل من زوايا الظلماء.
من هنا.. ورفعاً لبعض المظلومية التي أحاطت بحياة الإمام الحسن عليه السلام انبثقت فكرة ندوة الإمام الحسن عليه السلام الثقافية، التي أقامها (ملتقى القطيف الثقافي) - الأدبي سابقاً - فشارك فيها مجموعة من الفضلاء والاُدباء، وتناولوا حياة الإمام عليه السلام من زوايا متعددة وبأساليب مختلفة، شاكرين حسن استجابتهم وتعاونهم.
وقد استمرّت الندوة ليلتين متتاليتين: الجمعة والسبت: ١٤ - ١٥ / ٩ رمضان / ١٤١٧ ه‍، وقد رأينا طبع مادة الندوة ليكون الإصدار الثاني للملتقى خدمة للعلم والأدب، حيث كان الأوّل(الإمام الحسين عليه السلام وهج القصيد) ١٤١٦ ه‍ وفي هذه الآونة والكتاب معد للطبع، اقترح علينا الأخ الاُستاذ الأديب فرات الاسدي مدير المكتبة الأدبية المختصة التابعة لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني(مدّ ظلّه)، أن تقوم المكتبة بطباعة الكتاب فنزلنا عند رغبته نرجو الله له وللجميع بالتوفيق، وأن يجعل المكتبة الأدبية لبنة في صرح الأدب العربي والولائي بالخصوص..
ونودُّ أن نشير إلى أنّ وقت الندوة لم يتسع إلى بعض الكلمات والقصائد فآثرنا نشر ما سمحت نفس صاحبها بها.
وفي الختام نشكر جميع مَن شارك وحضر، كما نشكر الاُستاذ الناقد(ثامر الوندي) على استجابته لنا بكتابة مقاله القيم (ثمرة الاقتران المقدّس دراسة في مستويات التلقّي) حول القصائد التي اُلقيت، مقدّرين له وللجميع الخُلُق الرفيع والروح العالية، كما نشكر الأخ فضيلة الشيخ(مصطفى الموسى) على إدارته للندوة، سائلين المولى عزَّ وجل أن يوفّقنا جميعاً لما يحب ويرضى إنّه أكرم مسؤول وخير معطٍ.

لجنة الندوة
١٠ / ذو الحجّة الحرام / ١٤١٧ ه‍

ملاحظة (ترتيب المواد حسب إلقائها)
افتتاحية الندوة

السيّد محمّد العوّامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمّد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
القطيف واحة تواجه أمواج الخليج من جهة، ورياح الصحراء من جهتها الاُخرى، لها أعماق غائرة في صلب التاريخ، طالما أوصل البحر إليها غزاة تركوا آثارهم فيها عندما غادروها، فأصبحت نسيج حضارات امتزجت مع بعضها حتى صارت جزءاً من تكوين المنطقة عبر امتداد الغزو منذ الفينقيين إلى البرتغاليين.
وفي يوم من أيام التاريخ الإنساني المشرق، نشرت رياح الصحراء على المنطقة راية خفّاقة استظلت بها القطيف ولا زالت تستظلّ بأفيائها الفينانة. وتحدّثت القطيف فكانت لغة الذوبان والارتباط الصميمي بأهل البيت عليهم السلام منبع الفكر ومصدر الإشعاع وخزّان العلم.
انعكست هذه الأجواء على أرض القطيف صرحاً حضارياً له امتداد متميز في ميادين العلوم الدينية، ودور واضح المعالم في تفعيل وتنشيط الحركة الفكرية في العالم الإسلامي.
ففي الوقت الذي نشطت فيه الحركة العلمية والأدبية في كثير من الحواضر الإسلامية، كما في حوزة النجف الأشرف أو في الأزهر الشريف - على سبيل المثال - اُطلق على القطيف اسم - النجف الصغرى - وهذه التسمية تحمل دلالات ومؤشّرات واضحة لما تملكه المنطقة من عدد كبير من الفقهاء والمجتهدين ذوي المكانة العلمية، ومن شعراء واُدباء هم في الطليعة أيضاً، بامتداد تاريخي واضح المسار منذ الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد إلى جملة من الشعراء المعاصرين.
إنّ الحركة العلمية النشطة، وجهود علماء المنطقة تركت تراثاً هائلاً في مختلف ميادين العلوم الدينية والفكرية وفي تخصصات اُخرى، غير أن عوامل متعددة ساهمت بشكل أو بآخر على إبقاء هذا التراث الفكري رهين المكتبات الخاصة أو حبيس أيدي من لا يعرف العلم وأهله، فاندثر الكثير من هذا التراث ولم يبق منه إلاّ نزر يسير كثمالة الكأس.
ومن هنا تأتي خطورة المهمة الملقاة على عاتق الأبناء لإكمال المسيرة التي بدأها الآباء، فلقد واصل الآباء مسيرة البناء تلك التي اعتبروها أمانة سلّمها لهم مَن كان قبلهم، فحافظوا عليها بحسب الآلية المتاحة لهم والظروف التي عاشوها.
ونحن اليوم في سباق مع الزمن، بل في لهاث وراء ثورة معلوماتية هائلة تعجُّ من حولنا بشتى أصناف المعرفة. لذا علينا أن نجعل من تراثنا جزءاً منها كما علينا أيضاً الاستفادة من التقنية العالية في مجال المعلومات.
المنطقة - القطيف - تمتلك مخزوناً كبيراً وهائلاً من طاقات الفكر والعلم والأدب، بحيث لو جمع ودوِّن لشكّل مكتبة إسلامية متكاملة في كل أبعاد المعرفة، ولكن تبقى الأرقام التي أشرنا إليها مقبولة إلى حدّ ما وغير مبالغ فيها.
نقدّم شاهداً على ما تختزنه المنطقة من تراث فكري وأدبي كبير، وهو ما شاهدته الكاتبة والأديبة المصرية بنت الشاطئ التي زارت القطيف سنة ١٣٧٠ ه‍ -١٩٥١ م، وسجّلت هذه الزيارة في كتابها(أرض المعجزات) قالت الأديبة:
(أكتب هذا وما تزال ملء مسمعي أصداء آتية من بعيد، أصداء قوية لسمر أدبي حافل، ملأ احدى امسياتنا في شرق الجزيرة حين اجتمعنا بأخوتنا من علماء القطيف واُدبائها على ساحل الخليج). وأضافت تقول: (كم تألّمت وأنا اُصغي إلى حديث اُدباء القطيف عن معاركنا النقدية ومذاهبنا الفنية؟ وكم خجلت وأنا أرى في أيديهم كتبنا ومجلاتنا نحن الذين لا نشعر بهم أو نلقي إليهم بالا).
(كم تأثّرت وأنا أسمع الشاعر عبد الرسول الجشي يعرفنا بلده الذي هو قطعة من بلدنا الشرق العربي).
كلمة لا تحتاج إلى تعليق لما انطوت عليه من اللغة الصريحة عن تراث هذه المنطقة، أو عن القطيف التي ضرب عليها سياج لكي لا يتعرّف أحد على عطائها وفكرها، ومع كل التقدير والاعتزاز بما بذل من جهود في هذا المضمار، من إيجاد بعض المراكز العاملة على إحياء هذا التراث، وكذلك ما حقّق من بعض الكتب فعلاً وخرج إلى النور، فإنّ هذه المساعي والجهود لا تشكل إلاّ نقطة من بحر، وهي لا تتناسب مع حجم التراث الهائل والكبير الذي تركه العلماء الأفذاذ في الماضي، لكنّنا نقول: إنّ مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
هذا بالنسبة للتراث الذي نبارك للأخوة المساهمين في تحقيق نصوصه، وفي إنشاء مراكز إحيائه لرفد مسيرة الحاضر، أمّا بالنسبة لما هو معاصر فإنّنا نشدّ على أيدي الأخوة العاملين على المنتديات والملتقيات الثقافية، بل نقف معهم لتوجيه الطاقات وتحريك الهمم والمشاركة الفعّالة في المحافظة على الزخم العلمي الحضاري الذي تتصف به المنطقة وأبناؤها المخلصون للإسلام الحنيف.
 ونحن نبارك هذه الخطوة المباركة لملتقى القطيف كشكل من أشكال التواصل مع مسيرة العطاء، حيث يستقبل الملتقى نخبة من الأفاضل والأدباء والشعراء لتسليط الأضواء على شخصية الإمام الحسن عليه السلام في كل أبعادها، من خلال الكلمة والقصيدة. فتبقى الذكرى منطلقاً لإبراز الطاقات العلمية والأدبية والتعريف بها فيكون الملتقى ساحة لتلاقح الأفكار، وبعد ذلك لتصبّ هذه الرؤى والتصورات والإبداعات في مسيرة العطاء والبناء نحو الهدف المنشود.
وكمحاولة للمشاركة والاصطفاف مع الجهود المخلصة أقدم بحثي القصير عن الإمام الحسن عليه السلام.
جاء الإمام الحسن عليه السلام إلى الخلافة في مناخ قلق غير مستقر، وفي ظروف التعقيد والصراع التي برزت وتأزّمت في أيام الإمام الحسن عليه السلام. تلك هي شريحة زمنية جاءت بين دوافع الأوّلين وتساهل الآخرين صورة مشوّهة من صور التاريخ، وتعرضت في مختلف أدوارها لما كان يجب أن يتعرّض له أمثالها من الفترات المطموسة المنسية الحقائق، فإذا بالحسن عليه السلام في عرف الكثير من المتسرعين من شرقيين وغربيين ذلك الخليفة الضعيف الذي باع الخلافة بثمن زهيد إلى كثير من التخرّصات التي لا تستند إلى دليل أو منطق.
جاء الإمام الحسن عليه السلام في خضم تيارات متعددة من الاُمويين والخوارج وغيرهم، وأمام كل هذه التحديات تبرز عدّة نقاط تشكّل عائقاً أمام المخططات الإلهية التي كان يرومها الإمام الحسن عليه السلام في مواصلة جهود المسيرة منها:
١ - عدم رسوخ فكرة النص أو نزولها إلى الساحة، فهي لم تكن مألوفة ولا معروفة لدى الجمهور الذي عاصره الإمام الحسن، لذا لم يتعامل معه الجمهور على انّه إمام ومفترض الطاعة.
٢ - تولّي الإمام الحسن عليه السلام بعد أبيه قوّى الشك في رسالية المعركة، فأصبح في نظر الكثير انّ المعركة معركة بين بيت وآخر: اُموي وهاشمي، وليست معركة رسالية.
من خلال هذين العاملين وأسباب اُخرى دقّق الإمام الحسن عليه السلام عدّة من الخيارات:
الأوّل - إغراء الزعامات وأصحاب النفوذ لاستقطابهم، وهذا الاقتراح اقترحه البعض على الإمام الحسن لكنّه رفض هذا بقوله: (أتريدون أن أطلب النصر بالجور فوالله ما كان ذلك أبداً).
الثاني - أن يخوض معركة، لكنّ المقاومة في دور الإمام الحسن عليه السلام كانت تؤدّي إلى فناء الصف المدافع عن الدين فلو غامر الإمام الحسن عليه السلام لقُتِل هو ومَن معه من بني هاشم وتنتصر الاُموية. وأيضاً يمكن أن يكون دخول الإمام عليه السلام في معركة يائسة يجعل معركته في نظر الكثير بمستوى المعركة التي خاضها ابن الزبير، وقد نتساءل هل أحدٌ من المسلمين فكّر بابن الزبير؟ هل حققت معركته مكسباً للإسلام؟ الجواب: كلاّ؟ والإمام الحسن عليه السلام يدرك كل هذه الأبعاد والتفصيلات.
الثالث - الصلح وهو مجرّد اُطروحة تشكّل هدنة زمنية مؤقتة وهي تجسّد امتداداً لمنهجية بدأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية وللإمام الحسن عليه السلام اُسوة بجدّه، ولا غرو أن يسير الأبناء على ما خطّه الآباء، هذا مع العلم بأنّ الصلح تضمن مجموعة من البنود الهامة التي لعبت دوراً كبيراً، وحقّقت مكاسب في طريق الإسلام.
وبذلك تمكّن الإمام الحسن عليه السلام بصلحه من أن يكشف زيف الاُموية، ويعري أولئك الذين تستّروا بالإسلام وساهموا بانحراف المسيرة عن الطريق المستقيم، فالإمام الحسن عليه السلام كشف اللِّثام عن هؤلاء ومهّد الطريق أمام الحسين عليه السلام ليكمل المسيرة ويحقّق الانتصار الكبير للإسلام على الجاهلية والاُموية. وندرك بعد ذلك أنّ الإمام الحسن والحسين وجهان لرسالة واحدة، فكان للإمام الحسن دور الصابر الحكيم، وكان للحسين عليه السلام دور الثائر الكريم.
إذاً - لا شك - ندرك حجم التضحية التي قام بها الإمام الحسن عليه السلام من أجل الإسلام، كما قال المصلح الكبير السيّد شرف الدين: (كانت شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً) كم تحمل هذه الكلمة من معان مؤشرات لأطروحة الصلح، وكيف تحوّل الصمت والهدوء إلى قنبلة موقوتة جاءت في وقتها المناسب؟.

القسم الأوّل

جانب البحوث والدراسات
الشيخ مهدي العوازم
السيد علي الجراش
الشيخ محمّد جواد الطريحي
السيد محمّد العمدي
الشيخ حسين البدر
الشيخ نزار سنبل

الإمام الحسن مواقف وأهداف

الشيخ مهدي العوازم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمّد وآله الطاهرين واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
توطئة
هناك ممّن يدّعي التحضّر من يتهم الإمام الحسن عليه السلام بعدم التدبير مدّة حكمه، وضحالة سياسته في حركتهِ ضد معاوية فقالوا: إنّ معاوية كان أولى بالحنكة والسياسة، وأدهى في تدبير الاُمور من الإمام الحسن عليه السلام.
وأعجب من ذلك ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي عن الشيخ ابن سينا في كتابه(الشفاء) من أنّ معاوية كان أسوس من الإمام علي عليه السلام وإن كان أمير المؤمنين أعلم(١).
والمبرر لتلك الكلمات الاعتماد على بعض المناطات الاعتبارية التي جعلت هي المقياس للتفصيل، مضافاً للجهل بالحقائق التاريخية والواقعية الموجب لألقاء الاستفهامات المتكررة منهم على مواقف الإمام الحسن عليه السلام فقالوا: لماذا فسح الإمام الحسن المجال للعناصر المختلفة للالتحاق بالجيش الزاحف لمحاربة معاوية مع معرفته بهم؟ ولماذا ولّى عبيد الله بن عباس على مقدمة الجيش وولّى آخرين مع معرفته بل بتصريحه بغدرهم؟ ولماذا لم يقطع رؤوس الفساد في الجيش؟ ولماذا لم يقدِم الإمام الحسن عليه السلام على الشهادة كالإمام الحسين عليه السلام، بل أقدم على الصلح حفاظاً على نفسه وبعض أهله من أهل بيته؟ ولماذا لم يقم بعد تصريح معاوية بان كل شرط اشترطه للإمام الحسن عليه السلام فهو تحت قدمه مع أنّ كبار أصحابه استعد لذلك؟.
وكل هذه الاستفهامات تنبئ عن الجهل بحقائق الواقع والمقاييس الصحيحة لمعرفة حقائق الرجال وأحوالهم.
ونحن نحاول في هذا المقال التعرّف على بعض جوانب الأحداث التي دارت بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، ونطلّ من نوافذ نورية على تلك الحقبة الزمنية لنرى مدى صحّة واستقامة مواقف الإمام الحسن عليه السلام، ومدى سقم وفساد موقف معاوية. ومن خلال طرح تلك الومضات من تلك النوافذ نعرف أنّ هناك مقاييس خاصّة عند أهل بيت النبوّة بها يتعاملون وبها يحكمون الناس، وبذلك يتضح الجواب على كل تلك الاستفهامات:
من هو الإمام الحسن عليه السلام ومَن هو معاوية؟
الإمام الحسن أبو محمّد ريحانة المصطفى، وقرّة عين المرتضى، وثمرة فاطمة الزهراء، وأحد الخمسة أصحاب الكساء، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وأحد الذين أطعموا الطعام على حبّ الله مسكيناً ويتيماً وأسيرا، ومن أحد الثقلين اللّذين خلفهما الرسول في اُمّته ومَن باهل بهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصارى نجران، ومن الذين أوجب الله الصلاة عليهم، وهو السيد والسبط والزكي والتقي والمجتبى.
• مولده:
وُلِدَ في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثلاث بعد الهجرة، وهو قول أكثر العلماء ومنهم الشيخ المفيد والشيخ الطوسي(٢). وفي اُصول الكافي انّه وُلِدَ في السنة الثانية للهجرة(٣)، وروى الصدوق في العلل والأمالي بأسانيده عن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليهما السلام قال: (لمّا ولدت فاطمة عليها السلام الحسن عليه السلام قالت لعلي عليه السلام سمِّه).
فقال: (ما كنتُ لأسبق باسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) فجاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخرج إليه في خرقة صفراء فقال: (ألم أنهكم ان تلفّوه في خرقة صفراء) ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ثم قال لعلي عليه السلام: (هل سمّيته؟) فقال: (ما كنتُ لأسبقك باسمه) فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وما كنتُ لأسبق باسمه ربّي عزّ وجل)، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل: (إنّه قد وُلِدَ لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم ابن فاهبط فاقرأه السلام وهنّه، وقل له: ان عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم بن هارون)، فهبط جبرئيل فهنأه من الله عزّ وجل ثم قال: (إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون)، قال: (وما كان اسمه؟) قال: (شبّر) قال: (لساني عربي)، قال: (سمّه الحسن)(٤).
• صفاته:
وكان الإمام الحسن عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقاً وهيبة، هديا وسؤدداً،(وكان أبيض اللون مشربا بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، دقيق المسربة، كثّ اللحية، ذا وفرة، كأن عنقه إبريق فضة، ليس بالطويل ولا بالقصير مليحاً من أحسن الناس وجهاً)(٥).
• نشأته:
نشأ الإمام الحسن عليه السلام في كنف جدّه ورعايته وتربيته سبع سنين، فتزين بأحلى زينة وهي شبهه بجده خَلْقاً وخُلُقاً فتأدّب بأحسن الآداب، وتخلّق بأتمّ مكارم الأخلاق، وحصل على أوسمة من الشرف ظلت وستظل خالدة في جبين الدهر. فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حقه: (أمّا الحسن فان له هيبتي وسؤددي)(٦).
وأيُّ هيبة أعظم من هيبة خاتم الأنبياء، وأي سؤدد أشرف من سيّد الكون محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليه السلام: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(٧)، فهما سيّدا شباب مخلوقات الجنّة من الأنس والجن وغيرهما وكل ما صدق عليه أنّه من أهل الجنّة. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا)(٨).
فأشار بذلك إلى ما يكون من الإمام الحسن عليه السلام من الصلح وما يكون من الإمام الحسين عليه السلام من القيام، أو أشار إلى ما يكون من كل منهما من القيام في فترة والقعود عن المجابهة في فترة اُخرى. إلى غير ذلك من كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم النورانية التي هي عبارة عن أوسمة شرف وسمو وسيادة قلَّدها ابنه الإمام الحسن عليه السلام.
ثم كان مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في مظلوميته ومواقفه وفي سكونه وحركته، فمشى على منهاجه وترعرع في ظلاله، ومشى خلفه مشية الفصيل خلف اُمّه، فكان من أعبد الناس وأزهدهم وأفضلهم وأكرمهم وأهيبهم.
فإذا ما واجهه أحد طأطأ رأسه أمامه، وإذا ما جلس عند باب بيته امتنعت المارة من السير في طريقه، وإذا ما ترجّل في طريقه إلى الحج ترجّل الحجيج، وما أكثر حجّه ماشياً، ولربما مشى حافياً ليكون أحمز الأعمال.
وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى بكى وشهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يديي ربّه عزّ وجل، وإذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم(وهو من لدغته العقرب) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار. ولم ير في شيء من أحواله إلاّ ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً)(٩) ، فهذا هو الإمام الحسن عليه السلام.
• معاوية بن أبي سفيان:
وأمّا معاوية فهو من أخبث الناس كما جاء على لسان صديقه المغيرة بن شعبة(١٠)، وليس فيه خصلة واحدة تقربه من الخلافة كما عن ابن عباس(١١)، وهو اللعين ابن اللعين كما عن محمّد بن أبي بكر(١٢)، وهو كهف المنافقين كما عن أيوب الأنصاري(شرح ابن أبي الحديد: ٢ / ٢٨٠)، والوثن ابن الوثن كما عن قيس بن سعد بن عبادة، وانّه ممّن يطفئ نور الله ويظاهر أعداء الله كما عن عمّار بن ياسر(تاريخ الطبري: ٦ / ٧).
وتاريخ معاوية كلّه أسود ملطّخ بالعار وبالدم في جميع مراحله، وكيف لا يكون كذلك وهو ابن آكلة الأكباد، فقد شرب من ثديها دم الجريمة، فقتل الكثير من أصحاب أمير المؤمنين، واعتاد منها المسكر(١٣)، وترعرع في حضنها الماجن، ثم يقف أمام الوثن ليجعله إلهه الذي يمدّه بكل شرّ ويسلخ منه أي خصلة خير يمكن أن تكون فيه. ولقد كانت تربيته في بيت حافل بالوثنية متهالك في الظلم والعدوان متفان في عادات الجاهلية، ترف عليه رايات العهارة وأعلام البغاء، وإذا قرع سمع أحدهم دعاء إلى وحي أو هتاف تنزيل جعل أصابعه في اُذنيه(١٤).
ولقد كان هو وأبوه في العير والنفير ممّن أجلب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقف محارباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم بدر حاملاً لواء الشرك ثم اُحد والأحزاب. وكل ذلك وهو في ضلال الشرك يعبد اللاّت والعزّى ويرى حرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرضاً واجباً.
ولقد أورد علماء السنة الكثير من الأحاديث في ذمّه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن ما رواه علماؤنا. ويكفيك مطالعة ما كتبه العلاّمة الفيروز آبادي في كتابه(السبعة من السلف) رحمه الله لتجد الكثير من الروايات التي نقلها عن صحيح مسلم وكنز العمّال ومسند داود وميزان الأعتدال وتاريخ بغداد ومسند أحمد وتهذيب التهذيب وغيرها.
ومن تلك الروايات: قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا أشبع الله بطن معاوية).
ودعاؤه عليه وعلى عمرو بن العاص: (اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودُعَّهما في النار دعّا).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يجتمع معاوية وعمر بن العاص إلاّ على غدرة).
وأمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتال القاسطين وهم معاوية وأصحابه.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها(١٥) وإنّه وأصحابه لفئة باغية)(١٦). وقد استقصى العلاّمة الأميني في كتابه الغدير(ج ١٠، ج ١١) الكثير من هذه الروايات.
ويحسن بنا أن نقرأ ماذا يقول عنه أمير المؤمنين عليه السلام:
ففي نهج البلاغة: كتاب ٩ يقول عليه السلام: (إنّه امرؤ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده قد دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتَّبعه فهجر لاغطاً وضل خابطاً).
وفي كتاب ١٠ يقول له: (دعتك الدنيا فأجبتَها وقادتك فاتّبعتَها وأمرتْك افأطعتَها). إلى أن يقول: (ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الاُمّة بغير قدم سابق ولا شرف باسق).
وفي كتاب ٢٨ يقول: (وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوّلين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حنّ قدح ليس منها). إلى أن يقول: (وانّك لذهّاب في التيه روّاغ في القصد).
وفي الكتاب ٦٤: (وأمّا تلك التي تريد فأنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال).
وفي الكتاب ٤٤ يقول: (فإنّما هو شيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرّته). إلى غير ذلك من الكلمات التي وردت في نهج البلاغة وغيره.
وقد قارن الإمام الحسن عليه السلام بينه وبين نفسه فقال: (أنا ابن علي وأنت ابن صخر، وجدّك حرب وجدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واُمّك هند واُمّي فاطمة وجدتي خديجة وجدتك نثيلة، فلعن الله ألأمنا حسباً وأقدمنا كفراً وأخملنا ذكراً وأشدّنا نفاقاً) فقال له عامّة أهل المجلس: آمين. وكل مَن كتب وسمع هذه الرواية يقول: آمين ونحن نقول أيضاً آمين.
فهذا هو الإمام الحسن عليه السلام وذلك معاوية فهل يمكن أن يقاس الثّرى بالثريّا؟.
فقد رأيت من خلال المقارنة بين الشخصيتين مدى التفاوت بينهما تربية وأخلاقاً وديانة وإنسانية وعقلاً ومعرفة و... إلى غير ذلك من درجات التفاضل بينهما. وهذه إحدى النوافذ التي تطلعنا بوضوح على عدم إمكان تفضيل معاوية في آرائه وسياساته...
• المدبّر المؤمن:
نتطلّع من خلال هذه النافذة إلى الشرائط التي يجب توفرها في القائد المدبّر للاُمور لنرى مدى تلبّس معاوية بها فنقول:
إنّ كلّ حركة تحتاج إلى مدبّر وإلاّ كانت فاشلة وينتج عنها السلبيات الوخيمة على المجتمع والدين، وهذا المدبّر لا بدّ أن يتسم بصفات ينتج عنها استقامة حركته والحصول على أهدافها، ولا سيّما إذا كانت للوصول إلى الأهداف الإلهية، فلا بد من تحلّي المدبّر المؤمن بها. وهذه الصفات يجمعها عناصر ثلاثة يتفرّع منها بقية الصفات وهي:
(١) الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به:
فلو لم يكن مؤمناً لم يكن عنده الميزان الذي به يميّز الحق من الباطل والعدل من الظلم.
(٢) العلم والحكمة:
فبالعلم يعرف كيف يعامل المجتمع وكيف يتعامل مع الأعداء، فيحارب إذا علم انّ الحرب هي الحل الأمثل، ويسالم إذا علم انّ المسالمة هي الخير كلّه له ولأتباعه ومبادئه. وبذلك تنفتح السبل إلى الله عزّ وجلّ(ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة) والجهل بالحكمة هو الذي يوجب النقد والانتقاد.
ولذا قال الإمام الحسن عليه السلام جواباً على مَن سأله لِمَ صالحتَ معاوية: (أما علمتَ أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه السلام؛ إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً)(١٧).
(٣) التقوى:
وهو العنصر الذي يأخذ بيد الإنسان نحو السبيل إلى الله والوصول إلى مدارج الكمال في قيادته وتدبيره. قال تعالى: (ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون). ويحتاج في الحصول على هذا العنصر إلى اُمور كثيرة منها:
حياة قلبه بالموعظة، إماتته بالزهد، تقويته باليقين، تنويره بالحكمة، تذليله بذكر الموت، تقريره بالفناء، تبصيره لفجائع الدنيا، تحذيره صولة الدهر وتقلّب الليالي والأيام، تذكيره بأخبار الماضين وما أصابهم.
وإذا أردتَ المزيد فأقرأ وصية أمير المؤمنين عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام فقد تضمّنت اُموراً كثيرة لتأديب الإنسان والأخذ بيده للوصول إلى مدارج الكمال.
فقد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام قائلاً: (أي بني إنّي وإن لم أكن عمّرتُ عمر مَن كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من اُمورهم عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفتُ صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لكَ من كل أمر نخيله، وتوخّيت لك جميله، وصرفتُ عنك مجهوله).
فجعل الإمام الحسن خلاصة كل أمر ذي بال وجميل كل حدث وعرَّفه ما هو السقيم من السليم. فإذا عرفنا كل ما ذكرناه فهل يمكن أن يكون معاوية متلبّساً بصفات هذا المدبّر وشرائطه؟ فهل هو المؤمن حقّ الإيمان أم الإمام الحسن عليه السلام؟ ومَن هو العالم بالشرائع وأحوال الماضين؟ ومَن هو المتقي لله حقّ تقاته؟ لا أظنّ أنّ من له شيء من المعرفة للتاريخ يساوي معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في ذلك فضلاً عن تفضيله. فما أسلم معاوية إلاّ خوفاً من حدّ السيف، بل لم يؤمن قلبه طرفة عين.
وأي علم كان عند معاوية ومِن أي معلم أخذه؟ ومتى اتقى معاوية في أمر من الاُمور وهو القاتل لحجر بن عدي وأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام(١٨)، وهو المصلّي صلاة الجمعة يوم الأربعاء(١٩)، وهو الماكر المخادع والناقض للعهود والمواثيق، فهل من الممكن أن يساوى بسيّد شباب أهل الجنة وأحد أصحاب الكساء، والذي معلمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام الحائز على كل كرامة الذي اعترف بفضائله أعداؤه فضلاً عن شيعته ومحبّيه.
وبذلك يثبت أنّ المدبّر المؤمن هو الإمام الحسن عليه السلام لا معاوية الذي لا يتوفر فيه شرط من شروط المدبّر المؤمن.
• الهدف الحقيقي والمزيّف:
كلّ حركة دينية لا بدّ أن يكون وراءها هدف مناسب لها، وإلاّ كانت عشوائية. وهذه قاعدة تشمل حتى الخلق الإلهي، وقد بيّن الله تعالى الهدف من خلقة الخلق من جنبتين:
الجنبة العملية: وهي عبارة عن عبادة الله كما قال تعالى:(وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون).
الجنبة العلمية: وهي عبارة عن معرفة الله تعالى كما روي في الحديث القدسي: (كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أعرف فخلقتُ الخلق لكي أعرف).
وقد كمن هذا الهدف في كل مخلوق على وجه الوجود:(وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده). فكل حركة من حي لها هدف، وهو حقيقي تارة واُخرى مزيّف.
فإذا صار الهدف إلى ما جعله الله هدفاً من العبادة لله وحده والمعرفة فهو الهدف الحقيقي، وإذا ما خالفه كان الهدف المزيّف.
وإذا ما لاحظنا هدف الإمام الحسن عليه السلام في حركته وهدف معاوية لوجدنا أنّ هدف الإمام الحسن عليه السلام هدف حقيقي بخلاف هدف معاوية.
فهدف الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه هو نشر الدين والحفاظ عليه، بينما هدف معاوية هو التأمّر على المسلمين وملك رقابهم وتخريب الدّين ومحو اسم الرسول والرسل والرسالة من أنحاء مملكته.
ويتبيّن ذلك بالرجوع إلى كلمات الإمام الحسن عليه السلام في أسباب الصلح وكلمات معاوية بعد الصلح وسيأتي الإشارة إليها. فهل يُقاس معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في أهدافه؟
(٤) البعد الرابع:
من المعلوم أنّ كل جسم له ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع. وهناك بعد رابع لا يستغني عنه الجسم في وجوده وهو التوأم الذي يوجد معه، وهو البعد الزمني.
فالبعد الزمني يدخل في وجود الجسم لا ماهيته، ولا يمكن أن يتحقق الجسم إلاّ بالزمان.
ولهذا البُعد تأثير كبير على الجسم في تشكّله وتفاعلاته وآثاره. وكل حركة مادية بجميع أشكالها وكل حركة معنوية كذلك يواكبها البُعد الرابع، فمسيرة الحركة بُعد أوّل وسعة الحركة بُعد ثان وسمو الحركة بُعد ثالث والزمان بُعد رابع. فالزمان يحتاج إليه في كل حركة، بل انّ خلق الله للمادّة قدره الله بالزمان فخلق الأرض في يومين (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر أقواتها في أربعة أيّام)، (فقضاهنّ سبع سموات في يومين)، (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام).
فنلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الزمان في خلقه وإن لم نعلم نحن مقدار هذا الزمان بملاحظة أيّام الأرض.
وما سنة الاستدراج والإمهال إلاّ نصيب من البُعد الزمني (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)،(فمهّل الكافرين مهّلهم رويدا).
كما أنّ له دوراً في توقيت الرسالة الخاتمة التي لا تحتاج إلى رسالة اُخرى في الأرض بل هي تمتد بأهدافها إلى التكامل.
وتواكب مسيرتها إلى الهدف الحقيقي الأخير وهو وراثة الأرض وانتشار العدل فيها في عهد صاحب الزمان - عجّل الله فرجه الشريف..
وقد لاحظ الإمام الحسن عليه السلام هذا البعد كما لاحظه سائر الأئمة عليهم السلام في حركتهم للوصول إلى الأهداف الحقيقية ونشر الدين في ربوع الأرض وإيصال الأمانة الإلهية عبر الأجيال ليتسلمها أخيراً صاحب الأمر.
فدعوتهم وحركتهم لها بُعد رابع مقدّر لا يحيفون عنه فبمقدار ما يحفظ الدين يتحرّكون وبمقدار ما يستمر الدين يسالمون بزمان مقدّر عندهم فيسكت أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمن، ثم يتحرّك إلى زمن ثم يسكت. ويتحرّك الإمام الحسن عليه السلام في زمن ثم يسكت. ويسكت الإمام الحسين عليه السلام إلى زمن ثم يتحرّك ويسكت بقية الأئمة عليهم السلام.
ويسكت صاحب الزمان ثم يتحرّك.
وفي بعض كلمات الإمام الحسن عليه السلام: (ولا تكون علينا دولة إلاّ وتكون لنا العاقبة)(٢٠)، مشيراً إلى ما ذكرناه، فهل يقاس قصير النظر ببعيده هيهات.
• الهندسة الإلهية:
يخلق الله الإنسان ويزوّده بما يحتاج إليه في مسيرة حياته ويهديه النجدين، ثمّ يكون معه الشيطان ليغويه ويزوّده بأدوات الشرّ فيقف الإنسان في مفترق طريقين: الخير كلّه والسعادة الخالدة، والشرّ كلّه والشقاوة الأبدية، فالإنسان مخيّر بين طريق الله وطريق الشيطان، ولكن لماذا الشيطان؟ ولماذا يقف الإنسان متحيّراً؟ ولماذا الأنبياء وعذابهم على طول التاريخ؟.
هذه هي الهندسة الإلهية والتقدير الإلهي فهي المحدّدة لوجود الأشياء في عالمنا المشهود، من حيث وجودها وآثار وجودها وخصوصيات كونها بما أنّها متعلّقة الوجود والآثار باُمور خارجة من العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها، فهي مقولبة بقوالب من داخل وخارج تعين لها من العرض والطول والشكل وسائر الأحوال والأفعال ما يناسبها)(٢١)(الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى)(٢٢).
قال الإمام الرضا عليه السلام في خبر مفصّل: أوَ تدري ما قدَّر؟ قال: لا. قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء(٢٣).
والأنبياء والأوصياء عليهم السلام وإن علموا بالمقدّرات الإلهية إلاّ أنّهم لا يمكنهم أن يقفوا أمامها حيث كانت تحت المسيرة الإلهية وإلى الهدف الحقيقي.
وإذا لاحظنا بعض إجابات الإمام الحسن عليه السلام نجد ذلك واضحاً منه. ففي حديث أجاب الإمام الحسن عليه السلام عن قول القائل: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع؟ قال: وما أصنع يا أخا جهينة، إنّي والله أعلم بأمر قد أدبه إلي ثقاته.
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً: يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو اُميّة وأميرها الرحب البلعوم الواسع الاعفجاج يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها..
إلى أن قال: فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان(٢٤).
وقوله في جواب آخر: أما علمتم ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم - عجّل الله فرجه الشريف.. إلى أن قال: ذلك ليعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير.
وقوله في جواب آخر: إنّي لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقا ولا أثبت عند الحرب منّي، ولكنّي أردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله وقضائه(٢٥).
فالإمام الحسن عليه السلام عالم بالمقدّرات الإلهية لكنّه لا يتحرك إلاّ بقدر ما يخدم الهدف، ولم يسالم إلاّ بعد أن رأى أنّ السلم طريق بقاء الدين. فهل يقاس معاوية بن هند بالإمام الحسن عليه السلام العالم بالمقدّرات الإلهية.
• القدرة في خدمة الهدف:
أكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بقدرات عظيمة جداً، عقلية وروحية ونفسية وبدنية، وخصّ الأنبياء والأوصياء، بل كل من يطيعه بقدرات خاصّة قد تكون خارقة لما هو المعتاد فسخّر لهم كل الأشياء، وذلل لهم الصعاب حيث يقولون للشيء كن فيكون كما جاء في الحديث القدسي: عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون.
فهم خلفاء الله في الأرض، واُمناؤه على رسالاته، فعندهم القوّة الإلهية النافذة في جميع الأشياء.
فانظر إلى قدرات سليمان في تسخير جميع الأشياء حوله من جان وحيوان وشجر وهواء.
ولاحظ موسى وهو يرمي بعصاه التي يتوكّأ عليها فإذا هي ثعبان عظيم يلقف مئات العصي والحبال ثمّ تعود إلى حالها.
وهذا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشقّ بسبابته القمر ويسبِّح الحجر في يده ويأمر الشجرة بالمجيء والرّواح. إلى غير ذلك من المعاجز والكرامات التي ظهرت على يديه، وهذا أمير المؤمنين وبقية الأئمة عليهم السلام فإنّ لهم من الكرامات الكثيرة التي تواترت عنهم عليهم السلام فهذه القدرات هبةُ الله لهم حيث أطاعوه حقّ طاعته.
ولكنّ هذه القدرات لا تستخدم في كل آن، بل تستخدم في طاعته وفي سبيله على حسب المقدرات الإلهية.
فلم يستخدمها الأنبياء لجبر الإنسان على الطاعة مع مقدرتهم على ذلك بلا شك، بل يجرون اُمورهم في الغالب على وفق الأسباب الطبيعية، ويتحمّلون في سبيل ذلك الألوان من العذاب والظلم.
فانظر إلى نوح فقد بقي السنوات الطويلة في سبيل إطاعة الله عزّ وجل وتحقيق الهدف الإلهي، وهكذا جميع الأنبياء.
وانظر إلى ما أصاب النبيَّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم من أوّل الدعوة إلى آخرها، وكم تحمّل من المصائب فهذا الذي يشير إلى القمر بسبابته فيشقّه إلى شقين، لم يستعمل هذه القدرة في حربه مع المشركين حتّى كسرت رباعيته وجرح بجروح كثيرة وتحمّل ما تحمّل في سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولاحظ أمير المؤمنين عليه السلام ومقدار صبره على الظلم، فهذا البطل العظيم يرى زوجته تُضرَب ولم يحرّك ساكناً، ولما أرادت الزهراء عليها السلام ان تدعو على القوم خيّم العذاب على أهل المدينة إلاّ انّ الإمام علياً عليه السلام أرسل إليها مَن يهدّئها ويقول لها: بُعث أبوك رحمة فلا تكوني عليهم نقمة.
ولا يخرج عن هذا القانون الإمام الحسن عليه السلام فهو القادر على أن يشير إلى جيش معاوية ليمحوهم من صفحة الوجود ومع ذلك لم يحرك ساكناً.
فالإمام الحسن مع قدرته صبَر، وهذه هي العظمة في جميع الأئمة عليهم السلام، فقد صبروا في طاعة الله حتى ذاقوا جميع ألوان العذاب، فما منهم إلاّ مقتول أو مسموم مع ما أعطاهم الله من الولاية التكوينية فإذا كان مَن عنده علم بعض الكتاب استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بعظمته في طرفة عين أفلا يتمكّن مَن عنده علم الكتاب كله أن يمحو جيوش معاوية في طرفة عين؟! ولم يفعل ذلك لأنّ هدفه ليس هو الدنيا، فلو كان للدنيا لكان غير الذي كان على حدّ تعبيره عليه السلام، وإنّما هدفه الوصول إلى الغايات السامية التي أرادها الله وقدّرها ولا يحيفون عن ذلك قيد شعرة.
فإذا كان الإمام الحسن عليه السلام هكذا، فهل يُقاس بمعاوية الذي لم يطع الله في حركته وقيامه ضدّ الإمام الحسن عليه السلام؟!
• السياسة المهدية والسياسة النكراء:
السياسة عبارة عن تدبير الأمر، فالسائس من له الأمر والنهي على أفراده كما هو التفسير اللّغوي لهذه اللفظة.
وقد ذكر ابن أبي الحديد: أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلاّ إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله(٢٦).
إلاّ إنّه نظر إلى السياسة من زاوية ظاهرية ; إذ رأى أنّ حكّام عصره ومن سبقهم غير المسترشدين بالشريعة كانوا كذلك، فرأى أنّ هؤلاء الحكّام لا يمكنهم سياسة الاُمور وتدبير الممالك إلاّ بإعمال آرائهم الشخصية الموجبة لتوطيد قواعدهم سواء وافقت آراؤهم للشريعة أم لا.
ولكننا إذا نظرنا إلى واقع السياسة فهي عبارة عن تدبير الاُمور أحسن تدبير، والظاهر من كلام أمير المؤمنين أنّها وضع الأشياء في مواضعها، فقد عرّف العدل بإنه وضع الاُمور مواضعها ثم قال: والعدل سائس عام. وهو تعريف واضح فتكون السياسة مساوقة للعدل حينئذ.
وقد سأل بعض الناس الإمام الحسن عليه السلام عن السياسة فقال: هي أن تراعي حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات(٢٧). وهذا المعنى مطابق لوضع الاُمور في مواضعها.
فلا بد أن تكون جميع المواقف السياسية موافقة للشريعة ونصطلح على هذا المعنى بالسياسة المهدية.
وأمّا السياسة التي لا يكون همّ صاحبها إلاّ إقامة قواعد السلطة وبقاء الملك من دون ملاحظة موافقتها للشريعة فهي السياسة النكراء، فليس هناك عدل ولا صلاح، بل ظلم وفساد وإنّما يحسب السائس انّه يحسن صنعاً وخرابه أكثر من صلاحه.
وبتعبير آخر: إنّ السياسة التي تنسجم مع الأهداف الإلهية الحقيقية وهي نشر الدين والدعوة إلى الله عزّ وجل، ونقل الدين للأجيال اللاحقة بصورته الصحيحة، فهذه هي السياسة المهدية، وأمّا السياسة التي تخالف الأهداف الإلهية فهي السياسة النكراء وهي عين الشيطنة.
وكانت سياسة جميع الأنبياء والأوصياء هي السياسةُ المهدية، وأمّا سياسة سلاطين الدنيا فهي السياسة النكراء التي أشار إليها ابن أبي الحديد، إلاّ إذا تابع السلطان في حركته السياسية والعسكرية ما فرضت عليه الشريعة فتكون سياسته مهدية أيضاً.
وقد اعترف ابن أبي الحديد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً في سياسته بقيود الشريعة، مدفوعاً إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك.
وبهذا الكلام الأخير يشير إلى ما عليه الخلفاء قبل أمير المؤمنين عليه السلام فإنّهم كانوا يعملون بغير ما عمل به أمير المؤمنين. فكان عمر - على حدّ تعبير ابن أبي الحديد - يعامل اُمراءه وأعداءه بالكيد والخدعة، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يتغلّب على ظنّه انّه يستوجب ذلك، ويصفَح عن آخرين قد اجترحوا ما يستحقون من التأديب.
ثم دافع ابن أبي الحديد عن ذلك بأنّهم مجتهدون ويعملون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة(٢٨). وهو عجيب منه ; إذ كيف يصح الاجتهاد قبال الشريعة المقدّسة، فهل يصح في الاجتهاد أن يرى ما يعلم انّه مخالف للشريعة. فلو انفتح هذا الباب لانفتح باب الظلم على مصراعيه في جميع شؤون الحياة.
ونحن إذا لاحظنا سياسة الإمام الحسن عليه السلام وسياسة معاوية وقارنّا بينهما لوجدنا اختلاف السياستين كما هو واضح.
فإنّ سياسة الإمام الحسن عليه السلام هي السياسة المهدية، وهي سياسة الأنبياء والأوصياء التي يكون المناط فيها رضى الله تعالى، ووضع الاُمور في مواضعها ولا يمكن أن يعمل عملاً غير موافق للشريعة لمكان العصمة فيهم.
وأمّا سياسة معاوية فهي من أوضح مصاديق السياسة النكراء، فإنّ السياسة التي هي الغدر والمكر ليست سياسة مهدية.
لذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما معاوية بأدهى منّا ولكنّه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس(٢٩)، وسيأتي بعض نتائج هذه السياسة.
• العسكري المحنّك:
للعسكري المحنّك معنيان:
أ - هو واضع الخطط العسكرية في أثناء الحرب وقيادة الميدان قبل وأثناء وبعد نشوب الحرب، فهو المهندس للحركة العسكرية.
ب - هو البطل الضرغام الشجاع والفارس المهاب الذي يقارع الشجعان وينازل الفرسان.
فمن هو العسكري المحنّك هل هو معاوية أو الإمام الحسن عليه السلام؟
لم ينقل التاريخ انّ من حنكة معاوية معرفته بفنون القتال أو انّه هندس لمعركة ما. فانظر إلى معركة صفين، فهل من الحنكة العسكرية عندما سيطر على مصب الماء أن يمنعه عن معسكر الإمام علي عليه السلام؟ كيف لم ينتبه إلى أنّ منع الماء يعني استبسال الطرف الآخر بكلّ قدراته في الوصول إلى مادة الحياة.
وهل من الحكمة العسكرية أن يجلس في خيمته وراء المعسكر تاركاً اُمور الجيش للاُمراء؟ وما خدعة رفع المصاحف التي كانت بتخطيط من عمرو بن العاص إلاّ وسيلة للهروب من الحرب، وليس بالتكتيك الحربي كما يحلو للبعض أن يسمّيه.
ولم ينقل التاريخ شجاعة لمعاوية أو فروسية، بل المنقول خلافه فان معاوية حاول الهرب بجواده من صفين لو لم يدركه عمرو بن العاص بفكرة التحكيم وكان منها على وجل.
ولقد دعاه أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين للبراز، وقد قال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل ولكنّه كادت روحه أن تخرج ولم يستقرّ مكانه وقال: كلا يا عمرو أردت أن أبرز إليه فيقتلني.
فهو يعرف انّه ليس له القدرة على مواجهة أمير المؤمنين عليه السلام، بل لم يحتمل ذلك قائلاً بضرس قاطع(فيقتلني). وكيف يكون فارساً وهو لا يستطيع مقاومة شهوة بطنه حتّى اتخم أشد تخمة فهل هناك فروسية لمتخم؟!
وأمّا الإمام الحسن عليه السلام فهو العسكري المحنّك بما يتحمّل اللفظ من معنى، فهو مع أبيه عليه السلام في مركز القيادة في معاركه الجمل وصفين والنهروان، وهو واضع الخطة العسكرية لمحاربة معاوية، فبعد أن اجتمع الجيش عنده أرسل مقدمة قوامها اثنا عشر ألفاً وفيها الصناديد وبقية المهاجرين والأنصار، وخلّف في الكوفة من يدعو الناس للجهاد وليكون له مادة عسكرية تمده بالرجال.
وبقي هو في الوسط حتى يتسنّى له جمع فلول الجيش.
فلو أطاعه الجيش، ولو لم يكن من بقايا المجتمع الذي خان بأمير المؤمنين عليه السلام لذاق معاوية منه ما لم يكن يتوقّعه.
إلاّ انّ سياسة الغدر التي اتبعها معاوية هي التي حالت دون الاشتباك الحربي والمنازلة الميدانية.
فهل يقاس معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في حنكته العسكرية وفي فروسيته؟
ولذا صرّح بأن عمله لو كان للدنيا لما كان معاوية بأبأس ولا أشدّ شكيمة منه.
• الحرب والسلم:
الحرب والسلم وسيلتان لتحقيق هدف ما، فإن كانت الحرب هي الحقيقة للهدف الحقيقي كانت هي الممدوحة دون السلم.
وإن كان العكس فالممدوح هو السلم دون الحرب، وإن كانت الحرب وسيلة للأهداف المزيفة كانت الحرب هي المذمومة، وكذا السلم.
فالحرب ليست حسنةً مطلقاً وهكذا الصلح.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم حارب حين كانت الحرب هي الوسيلة لتحقيق الهدف الإلهي. وسالم حين كان السلم هو المحقّق للأهداف الحقّة.
فحارب في بدر واُحد والأحزاب وغيرها، وسالم بني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية، والهدف من كل ذلك هو الحفاظ على الدين ونشر الإسلام في أنحاء المعمورة ليتم بذلك عبادة الله حقّ عبادته.
والإمام الحسن عليه السلام صالح لأجل تحقيق الأهداف التي صالح من أجلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال: (إنّ علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله...).
والإمام الحسين عليه السلام حارب يزيد لأجل نفس الهدف الذي صالح من أجله الإمام الحسن عليه السلام، وحارب وصالح من أجله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام.
فهل يقال بعد ذلك إنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام بالحرب أولى من حركة الإمام الحسن عليه السلام بالسلم؟ وهل يمكن للإمام الحسن عليه السلام أن يترك طلب الشهادة لولا انّ شهادته في المعركة تعني شهادة الدين والمتدينين ولذا ورد عن الإمام الباقر عليه السلام انّه لولا ما صنعه الإمام الحسن عليه السلام لكان أمر عظيم(٣٠).
وفي تعبير للإمام الحسن عليه السلام: لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قُتِل(٣١). وبقتل أهل البيت وشيعتهم لا يبقى دين على وجه الأرض فلا تبقى في صفحة الوجود ولمُسِخَت وساخت.
والنتيجة: أنّه لا موضوعية للحرب في ذاته وكذا السلم، بل هما وسيلتان لتحقيق الأهداف لا أكثر. فلا يمدح الإنسان لحربه أو سلمه إلاّ إذا كان في محله وإلاّ كان مذموماً.
وإذا عرفنا أنّ الإمام الحسين عليه السلام حارب لنفس الهدف الذي صالح من أجله الإمام الحسن عليه السلام كانت حرب الحسين ممدوحةً وكذا صلح الحسن بلا فرق بينهما.
نعم هناك تفاضل من جهات اُخرى، فيوم الحسين ليس كمثله يوم على حدّ تعبير الإمام الحسن عليه السلام حين قال: (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله)، ونستنتج من ذلك انّ معاوية لا يقاس بالإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه.
• الجيش المفكّك:
ذكرنا سابقاً انّ الإمام الحسن عليه السلام جيَّش الجيش ووضع الخطّة العسكرية لمجابهة معاوية، إلاّ إنّ هذا الجيش هو بقايا الجيش الذي خذل أمير المؤمنين عليه السلام وأدمى قلبه، فأكثر أفراد الجيش عبارة عن المتخاذلين الغدرة الذين يميلون إلى الدعة والراحة حيث تمتلئ بهم الساحات العامّة ويقلّ عددهم تحت الرايات.
وهم الأفراد الذين وقف أمير المؤمنين عليه السلام بينهم قائلاً:
(كلّما أطلّ عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه وانجحر انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها، الذليل - والله - مَن نصرتموه، ومَن رمى بكم فقدر رمى بأفوَق ناصلٍ، وإنّكم والله لكثير في الباحات قليل تحت الرايات)(٣٢).
ويقول في موقف آخر: (أحمد الله على ما قضى من أمر وقدَّر من فعل وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرتُ لم تطع، وإذا دعوتُ لم تجب، إن أهملتم خفتم، وإن حوربتم خُرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن اُجئتم إلى مشاقّةٍ نكصتم.
لله أنتم أما دينٌ يجمعكم ولا حميةٌ تشحذكم، أوَ ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتّبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم وأنتم تريكة الإسلام وبقية الناس إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرقون عنّي وتختلفون علي)(٣٣).
ويقول أخيراً: (اللهم إنّي قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم شرّاً مني).
هذا هو المجتمع الذي تكوّن منه جيش الإمام الحسن عليه السلام، فماذا تراه يكون؟
مضافاً إلى أنّهم في أنفسهم مفكّكون قبائلياً ومختلفون فكرياً وعقائدياً.
فمنهم الخوارج الذين رأوا التحاقهم بجيش الإمام الحسن عليه السلام قد يحقّق بعض أحلامهم، وهي القضاء على الحكم في الشام ثم حكم الكوفة، فهم استطاعوا القضاء على أمير المؤمنين عليه السلام لكنّهم لم ينجحوا سابقاً في القضاء على معاوية.
فلعل محاربتهم مع الإمام الحسن عليه السلام تتيح لهم فرصة القضاء على معاوية لتصل النوبة بعد ذلك إلى الإمام الحسن عليه السلام.
ومنهم الأفراد الطامعون في منصب أو مغنم وهم أكثر شخصيات الكوفة، والمتحينون للفرصة للالتحاق بالمنتصر من الفريقين.
ومنهم الأفراد المؤيدون لحكومة الشام سرّاً، والذين يرون في معاوية تحقيق أحلامهم الطامعة في مال أو منصب وهم أكثر الطبقات الغنية في الكوفة.
ومنهم الأفراد الذين ينعقون مع كل ناعق، والذين ليس لهم مبادئ يعتقدون بها ومنهم المتعصّبون التابعون لزعماء القبيلة ويقدّمونهم على أوامر الحاكم الشرعي. فإذا ما تحرك زعيمهم تحركوا، وإذا ما قعد قعدوا لا يهمهم إلاّ حفظ كيان قبيلتهم. فهذه هي عناصر الجيش الذي تكوّن لدى الإمام الحسن عليه السلام.
وقد ذكر التاريخ انّه دعاهم الإمام لحرب معاوية بعد مبايعته أطرق جميعهم الرؤوس ولم ينطق أحدهم ببنت شفة، ولم يحرك أحدهم ساكناً كأنّما على رؤوسهم الطير.
نعم بعد أن توالت الخطباء عليهم لإثارتهم وتحريك حميتهم تحركوا كارهين غير راغبين في الحرب.
وقد اختبرهم الإمام الحسن عليه السلام في (ساباط) فألقى عليهم كلمة فهموا منها أنّه أراد الصلح. فقاموا عليه وكأنّهم لم يبايعوه على الطاعة ومسالمة من سالم ومحاربة من حارب. وقد كمن لهذا الجيش المفكّك غدر معاوية فهرب من هرب إلى الشام ورجع من رجع إلى الكوفة.
فهل ترى من الحكمة بعد معرفة هذا الجيش المفكّك أن يحارب به جيش معاوية الذي كان مطيعاً لمعاوية معتقداً فيه الإمامة المطلقة.
فانّه لو أقدم به لكان من غير البعيد أن يسلّم هذا الجيش الإمام الحسن عليه السلام حيّاً أو ميتاً من دون مقابل، وبالتالي لن يبقى من أهل البيت وشيعتهم أحد.
ونتيجة ذلك انّ مسالمته لا تعد من السياسة الفاشلة أو الخاسرة حتى يُرجّح معاوية على الإمام الحسن عليه السلام في ذلك.
• مواقف حاسمة:
بعد وفاة شهيد المحراب أمير المؤمنين عليه السلام، وقف الإمام الحسن عليه السلام وهو الرجل (الحديدي الذي لا تزيده النكبات المحيطة به إلاّ لمعاناً في الإخلاص، واتّقاداً في الرأي، واستبسالاً في تلبية الواجب، وتفانياً للمبدأ، ولم يكن لتساوره الحيرة على كثرة ما كان في موقفه من البواعث عليها، ولا وجد في صدره حرجاً ولا تلوّماً ولا ندماً، ولكنّه وقف ليختار الرأي وليرسم الخطّة وليتخذ التدابير(٣٤). وقف هذا الفارس المهاب مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام، ومن أهداف هذه المواقف:
١ - خطبته في صبيحة اللّيلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام، وقد تضمّنت - على قصرها - اُموراً مهمة، فكانت مُنعطفاً في تاريخ الإسلام ليس له مثيل قبله ولا مثيل بعده، فمَن هو الإمام الذي تسلّم الإمامة بالنص والمبايعة من قِبَل جمهور المسلمين مباشرة؟ ليس هناك إمام كذلك، والإمام علي لم يبايعه الناس مباشرة كما هو واضح.
ومن الاُمور التي تضمّنتها الخطبة: تعريف الناس بأمير المؤمنين عليه السلام وذكر فضائله العظيمة، ليعرف الناس مدى عظمة المصاب بفقد هذا الرجل ومقدار الخسارة التي حلّت بالعالم، ومنها تعريف الناس بشخصيته مشيراً بذلك إلى كونه من المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس، وممّن افترض الله على العباد مودتهم، وينبّههم إلى ما يجب عليهم اتجاهه، فكانت هذه الخطبة نداء الحقّ إلى المجتمع الإسلامي.
فقام عبد الله بن عباس يدعو الناس إلى بيعة الإمام عليه السلام فاستجابوا له مباشرة متبادرين إلى البيعة على الطاعة المطلقة ومحاربة مَن حارب ومسالمة من سالم، وكانت هذه الصيغة التي اقترحها الإمام عليه السلام إشارة إلى ما يأتي من الأحداث، ولهذا احتج بها في بعض خطبه قائلاً: (وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني)(٣٥).
٢ - ترتيب الحكومة في نفس اليوم، فقد جاء في التاريخ أنّه بعد مبايعته مباشرة، رتّب العمال وأمّر الاُمراء وجنّد الجنود وفرّق العطيات وخصّ الجنود بعطية خاصّة فكان أوّل من سنّ ذلك وتبعه من بعده.
٣ - الكشف عن جاسوسين أرسلهما معاوية إلى البصرة والكوفة وقتلهما، ثم أرساله كتاباً إلى معاوية أعلمه فيه بالجاسوسين وكانت ضربة غير محتملة لمعاوية؛ إذ كيف كشف هذين الجاسوسين بهذه السرعة وقتلهما مع كون أحدهما في الكوفة والآخر في البصرة. والمستفاد من الروايات انّه لم يعلمه أحد بذلك وهذه هي أوّل صفعة تلقاها معاوية من الإمام الحسن عليه السلام ولذا لم يتحمّل فأرسل إلى ولاة البلاد المسيطر عليها بإرسال الجيوش إليه ليقاتل الإمام الحسن عليه السلام.
٤ - التحرّك لحرب معاوية بمجرّد سماعه بحركة معاوية للحرب، فوضع الخطّة العسكرية اللاّزمة لمجابهة جيش معاوية، فقدّم للجيش مقدّمة في اثني عشر ألفاً، وولّى عليهم عبيد الله بن العباس ثم قيس بن سعد، والأمارة المترتّبة التي جعلها الإمام الحسن عليه السلام كاشفة عن مدى حنكته العسكرية والسياسية. فلو أمّر عليهم واحداً فبمجرّد سقوطه ضاع الجيش وتفلل.
وأمّا الإمام الحسن عليه السلام فقد نزل في بلاد ساباط ينتظر التحاق بقية الجيش من هنا وهناك ويتطلّع إلى أخبار المقدّمة المرسلة. وأبقى في الكوفة من يثير بقية من يقدر على حمل السلاح ليلتحق بجيش الإمام الحسن عليه السلام.
٥ - اختبار أصحابه في نفس ساباط ليعرف مقدار طاعتهم له، وليعرّفهم أنفسهم وليلقي الحجّة عليهم، فألقى عليهم خطبة قصيرة تضمّنت الحث على طاعته وعدم مخالفة أمره وانّه ناظر لما فيه الخير والصلاح لهم.
فنظر الناس بعضهم إلى بعض معتقدين أنّه يريد بذلك المصالحة لمعاوية، فشدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته ورداءه من عاتقه، وجرحه رجل بخنجر في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم.
فلاحظ اولئك الذين تبادروا إلى مبايعته بالطاعة والسلم لمَن سالمه والحرب لمَن حاربه، كيف سوّغوا لأنفسهم مهاجمة الإمام عليه السلام ولم يمض على بيعتهم إلاّ أيام قلائل، فكشفوا عن أنفسهم الخبيثة وأزالوا النقاب عن وجوههم السوداء.
وفي هذه الأثناء تسلّل الكثير من جيش الإمام الحسن عليه السلام إلى صفوف معاوية أو إلى الكوفة، بل هناك مَن كتب إلى معاوية بالطاعة وهم من الشخصيات الذين نقضوا بيعة الإمام الحسن عليه السلام سرّاً واتفقوا على قتله إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
٦ - قبول الإمام الحسن عليه السلام الصلح بعد عرض معاوية عليه ذلك، فمعاوية هو الذي طلب الصلح من الإمام الحسن لدوافع كثيرة أهمّها:
أ - إنّ الصلح بنظره يعطيه الشرعية في تسلّطه.
ب - إسكات الإمام الحسن عليه السلام عن حقّه.
ج - خوفه من نتائج الحرب التي قد تودي بحياة الكثير من أنصاره بل بحياته، وهو خلاف غرضه كما أشار إلى ذلك هو في جواب عمرو بن العاص بقوله: (لا نخلص من قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام)(٣٦).
د - خوفه من أن قتل الإمام الحسن عليه السلام في الحرب يوجب قيام العالم الإسلامي عليه حيث قتل سيّد شباب أهل الجنة وابن النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقَبِلَ الإمام الحسن عليه السلام الصلح بشروط دقيقة، وبمقتضاها يعمل على طبق الضوابط الشرعية ويحافظ على أهل بيت النبوة وشيعتهم في أنحاء الدولة الإسلامية، وسدّ احتياجاتهم المالية والأمنية ورفع السبّ عن أمير المؤمنين عليه السلام، وانّ الحكم يكون للإمام الحسن بعده، فإن لم يكن فلأخيه الإمام الحسين عليه السلام، وإن لم يكن فليس له تنصيب من قِبَله بل يكون ذلك بيد المسلمين.
وانّما اشترط هذه الشروط ليكشف بذلك عن حقيقة معاوية الخبيثة وكلامه المزيّف، وليثبت للتاريخ أنّ معاوية هو عدو الله ورسوله وأهل بيته الذي لا يخاف من الله فنقض العهد وقال بعد ذلك: انّ كل شرط اشترطته للحسن فهو تحت قدميّ.
ومع ذلك لم يتخلّ الإمام الحسن عليه السلام عن الصلح لأنّه ليس للدنيا وإنّما هو لصلاح الاُمّة وكفّ بعضهم عن بعض على حدّ تعبير الإمام عليه السلام.
• لماذا الصلح؟
اتضح من خلال ما تقدّم مجمل أسباب الصلح وأهدافه الحقيقية، وقد خفي ذلك على الكثير من أصحابه المخلصين فضلاً عن غيرهم فتعجّبوا وانتقدوا وسألوا فقام الإمام الحسن عليه السلام بدور المجيب الهادئ، وبين لهم عدّة أسباب في مجالس متعدّدة وإن كانت كلها ترجع إلى ما ذكرناه من الهدف الحقيقي، ونلخّص هذه الأسباب فيما يلي:
١ - عدم ثقته بأفراد الجيش، فان مَن يدّعي أنّه من شيعته هو الذي ابتغى قتله وانتهب ثقله قائلاً: (أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون انّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي)(٣٧).
٢ - بيان أنّ الصلح فيه حقن دمه ودم أهل بيته قائلاً: (والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما)(٣٨).
بل انّ الصلح فيه حقن لدم الشيعة كلهم كما قال: (لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قُتِل)(٣٩).
٣ - بيان أنّ مسالمته وهو عزيز خير من قتله وهو أسير أو المنّ عليه فيكون عاراً على أهل البيت مدى الحياة.
قال: (والله لئن اسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ فيكون سنّة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت)(٤٠).
٤ - انّ مسالمته لعدم وجدانه الأنصار اللازمين للقيام، يقول: (والله ما سلّمت الأمر إليه إلاّ إنّي لم أجد أنصاراً ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه)(٤١).
٥ - انّ مصالحته لأجل صلاح الاُمّة وكفّ بعضهم عن بعض والإبقاء على المؤمنين.
قال: (لكنّي أردتُ صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض) وقوله في جواب حجر بن عدي: (وما فعلتُ ما فعلتُ إلاّ إبقاء عليك والله كلُّ يوم في شأن)(٤٢).
٦ - خوفه من حصول مجزرة كبيرة من المسلمين قد تبلغ سبعين ألفاً أو ثمانين ألفاً.
قال: (ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً تشخب أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمُه)(٤٣).
٧ - قياس مصالحته بمصالحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية كما قال: (يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله لبني ضمرة و... أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفروا بالتأويل)(٤٤).
وقد عبّر الإمام الباقر عليه السلام بقوله: (لولا ما صنع لكان أمر عظيم)(٤٥).
وقد بيّنا في ما سبق هذا الأمر العظيم.
• احتجاجات حسنية:
إنّ من مواقف الإمام الحسن عليه السلام الصارمة بعد الصلح احتجاجاته المتكرّرة على بني اُميّة ومع أهل الكوفة، وهي تتضمن اُموراً كثيرة تحتاج إلى دراسة مستقلة إلاّ انّنا نعرضها هنا باختصار:
١ - بيان فضائل أهل بيت النبوة ولا سيما أمير المؤمنين عليه السلام.
٢ - تفريقه بين الخلافة والملك، وانّ حكم معاوية انّما هو ملك، وهو يعطيه الله البر والفاجر.
ونشير هنا إلى أنّ هناك بعض الروايات ذكرت أنّ الخلافة إلى ثلاثين سنة ثم يكون مُلكاً عضوضاً ولم أرَ هذه الرواية عن طريق أهل البيت. بل هي في كتب أهل السنة.
ولنا علامات استفهام على هذه الرواية لا يقتضيها المقام وإن كان صاحب كتاب صلح الحسن اعتقد بمضمونها فقال: (مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية والملك وبين الإمامة الدينية وبين السلطان)(٤٦) وأين الخلافة الحقيقية والإمامة الدينية في غير عهد أمير المؤمنين عليه السلام. مع أنّ الخلافة الحقيقية والإمامة الدينية لم تنقطع أبداً فليتأمّل.
٣ - بيان وضع المسلمين آنذاك، وانّ أساس اختلافهم في الولاية وتقسيم الناس آنذاك إلى ثلاثة أصناف:
المؤمنين العارفين، المؤمنين غير العارفين لحقّهم، والناصبي العداوة لهم.
٤ - بيان علّة مصالحته لمعاوية كما لاحظنا سابقاً.
٥ - تفنيد ما زعمه معاوية من أنّه أحقّ بالخلافة من الإمام عليه السلام.
٦ - تفنيد الدواعي التي طرحها بنو اُميّة تبريراً لقيامهم ضد أهل البيت عليهم السلام.
٧ - بيان المعارف الإسلامية وعلوم أهل البيت عليهم السلام.
٨ - التبشير بخروج القائم - عجّل الله فرجه - آخر الزمان وانّه من ولد الحسين، وتكرّر ذكر مدينتي جابلقا وجابرسا الخارجتين عن حدود الأرض اللّتين ستنصران الإمام المهدي عليه السلام.
٩ - فضح الهيئة الحاكمة بما يستحقون.
وقد تجلّتْ في هذه الموجهات عظمة شجاعة الإمام الحسن عليه السلام في نفس مجالس بني اُمية، فلم يترك لأحدٍ نقداً على أهل البيت، فتصدّى لفضح معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم.
وغيرهم من بني اُميّة.
فذكر في حقّهم ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر معايبهم في الجاهلية وأنسابهم ومعاصيهم، بل كفرهم في الإسلام.
فلاحظ كتاب الاحتجاج وشرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢٨ لتجد ذلك واضحاً.
ولم يتق الإمام الحسن في ذلك بل جابههم بكل قوته، وقد لاحظنا سابقاً إنّ الإمام الحسن عليه السلام في وسط المسجد الجامع كيف عرّف نفسه وعرّف معاوية بآبائه وأجداده فلعن أخملهما ذكراً، وأمن على ذلك من في المسجد بل الملايين ممّن سمع تلك المقالة.
هذه خلاصة ما تضمّنته احتجاجاته في مجالس بني اُميّة ومجالس أهل الكوفة، والتي تكشف بوضوح فعاليات الإمام الحسن عليه السلام وعدم تقاعسه عن الحق وسياسته المهدية الحقّة.
• نتائج السياسة النكراء:
هناك حركات قام بها معاوية نتيجة دهائه الماكر لأجل السيطرة على جميع بلاد المسلمين وإدخالهم تحت سلطنته، ونحن نذكر بعض التحرّكات التي قام بها معاوية أثناء جلوسه على كرسي ملكه:
١ - عقد المجالس الخاصّة والعامّة للنيل من أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه وجميع البيت الهاشمي، حتى يبرزهم بصورة غير صورتهم، وقد استخدم في ذلك صورتين:
المواجهة: فانّه إذا اجتمع بأحد من البيت الهاشمي طرح عليه ما كان هو أولى به.
والإشاعة: وذلك بأن يشيع عن أحدهم مذمّة حتى تنتشر بين الناس لتكون بعد ذلك من المسلّمات.
٢ - تقريب الفسقة العصاة والذين لا دين لهم، وإبعاد جميع الملتزمين العارفين حتى يتسنّى له ارتكاب ما يريده من دون مانع.
٣ - القيام برشوة زعماء القبائل وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلية القوم، لكي يقلل من أفراد الاتجاه المقابل وحتى يضمن لنفسه عدم معارضتهم له.
٤ - القيام بإرسال الدسائس إلى كلّ مَن يراه مخالفاً له فيقوم بقتله بالسمّ أو غيره وذلك للخلاص من المعارضة.
٥ - إرجاع العنصرية التي كانت قبل زمن أمير المؤمنين عليه السلام، وتفضيله في العطاء بعضاً على بعض مستغلاًّ بذلك سخط الكثير من الشخصيات على أمير المؤمنين عليه السلام في العطاء.
٦ - سياسة التجهيل ولا سيما لأهل الشام، وقد حدّث التاريخ عن قصصهم الكثيرة التي تكشف مدى جهلهم حتى انّ بعضهم لم يفرّق بين الناقة والجمل، وبعض كان يعتقد أنّ علي بن أبي طالب لصّ عصابة. وهذه السياسة انتفع بها معاوية للتغطية على ما يقوم به من الأعمال الشرّيرة فيحسبون ما كان شرّاً هو خير، وقد صلّى بهم صلاة الجمعة يوم الأربعاء ولم يعترض عليه أحد منهم.
٧ - محاولة طمس الأحاديث التي وردت في حقّ أهل البيت عليهم السلام والتغطية على الوقائع التاريخية ذات الفضائل لأهل البيت عليهم السلام.
وقد ورد في بعض كلمات معاوية:(اخفوا هذا الكتاب لا يقرأ أهل الشام فيميلون إلى علي بن أبي طالب).
وقد منع رواية الحديث الذي لا يجيزه هو والمنع من كتابته والقيام بحرق ما كتبه الصحابة عنه صلى الله عليه وآله وسلم(٤٧).
٨ - اختلاق الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمدح الصحابة الذين يرتضيهم هو وذم غيرهم لخدمة أغراضه، وكان يستدعي أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويجعل لهم جعلاً يرغب في مثله(فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير)(٤٨). وقال المدائني عن عصر معاوية:(وظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء والمراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجلسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها وردّدوها)(٤٩).
وهناك النصوص التاريخية الكثيرة التي تثبت هذه الأعمال فكيف يثق المحقّق بالأحاديث المتفرقة في كتب العامّة، وكيف تعتمد تلك الروايات في التاريخ والعقيدة والمعارف الإسلامية.
هذه بعض نتائج السياسة الخادعة لمعاوية التي كان يهدف بها ضرب الدين من جذوره، وما عليك إلاّ أن تقرأ كتب التاريخ ولا سيما شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد لتجد ذلك واضحاً، ولو أردنا استقصاء ذلك لخرجنا عن حجم هذا المقال، إلاّ انّ النقاط التي سلطتُ الضوء عليها كافية لمعرفة كل من الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية وسياستهما، وبذلك تبطل جميع الإستفهامات التي طرحت على حركة الإمام الحسن عليه السلام وصلحه.
وقد لاحظنا ما فعله الإمام الحسن عليه السلام، وما اتخذ من مواقف اتجاه تلك السياسات، بل كل الأئمة عليهم السلام وقفوا ضدها وقاموا بالدور بأحسن صورة.
وكانت النتيجة أنّ دولة معاوية لم تعمّر مائة سنة وبقي أهل البيت وبقي التشيّع وبقي الإسلام وسيبقى إلى آخر إنسان على سطح الأرض، وما حركات وسكنات الأئمة عليهم السلام إلاّ حلقات للسلسلة الذهبية الممتدة عبر التاريخ والتي تنتهي بقيام الحجّة - عجّل الله فرجه الشَّريف - وسهل مخرجه، وجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه انّه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين.

حديث الطائفتين من المسلمين بين القبول والرفض

السيد علي الجرّاش

تمهيد:
يروق للبعض أن يقصر لفظ الجهاد على الجهاد بالسيف والسلاح فقط بحيث لا يطلق لفظ المجاهد إلاّ على مَن حمل السلاح، ولا يخفى أنّ هذا غفلة من معنى الجهاد، فانّ مفهوم الجهاد مفهوم أوسع من ذلك؛ إذ انّ كل ما فيه إعلاء لكلمة الإسلام وكل ما كان في سبيل الله فهو جهاد، أكان ذلك بالسلاح أم لا، فكما يُطلَق الجهاد على حمل السلاح كذلك يُطلَق على حمل القلم، وكما يكون بالفعل يكون بالقول، بل وكذلك يكون بالسكوت والصبر إذا كان في ذلك حفظ الدين؛ إذ لا يخفى أنّ أمير المؤمنين هو أمير المجاهدين في حربه وسلمه، ولعل فترة جهاده التي استمرت خمساً وعشرين عاماً ليست أقل شأناً من حروبه، بل لعلها تكون أشد جهاداً، وهو كذلك فأنّها أقسى مراحل جهاد الأمير عليه السلام.
ومثل ذلك من قصر حياته أو قلمه على التبليغ ونشر التشيّع والإسلام وعلى الدفاع عن الحق، فإن كل ذلك جهاد في سبيل الله، طبعاً يكون ذلك جهاداً إذا كان في موضعه فالسيف في موضع القلم وبالعكس ليس جهاداً.
فإنّ من حمل السلاح في غير مورده لا يُسمّى مجاهداً إذ لا يكون في عمله إعلاء لكلمة الإسلام، ومن ذلك يظهر جليّاً أنّ الإمام الحسن عليه السلام بصلحه لم يترك الجهاد، بل انتقل من جهاد إلى آخر.
وجهاده بالصلح أقسى مرارة وأشدّ من جهاده بالسيف، فكلا موقفيه - يوم وقف في الميدان مصالحاً، ويوم وقف في حومة الوغى محارباً - جهاد في سبيل الله.
ولا يخفى أنّ أسباب صلحه - كما هي أسباب حربه - ليست أسباباً ناشئة عن مصالح شخصية، وأنّما هي بحسب ما أملته عليه الوظيفة الإلهية ليس غير، ولهذا لم يتبيّن لنا المراد ممّا جاء في كتاب صلح الحسن في قوله: (فليكن الحسن ابن رسول الله هو ذلك المخلوق الذي ادّخره الله للإصلاح لا للحرب، وللسلام لا للخصام)(٥٠) وقوله: (والحسن رسول السلام في الإسلام)(٥١)، فسواء كان لذلك مفهوم - كما يقول الأصوليون - أم لا، لم يتبيّن مراده قدس سره فإنّ الإصلاح والحرب والسلام والخصام إذا كان في سبيل الله ولإعلاء كلمة الإسلام لا فرق بينهما أصلاً.
إنّ المهم أن يكون الإصلاح والحرب في سبيل الله ليس غير، وأنّ تقديم الحرب في مواطن على السلم لا يعني أن مَن قاد الحرب لا يحب - أو لا يتفاعل - مع الإصلاح والسلام، بل حربه في سبيل الله هي إصلاح وسلام.
فليس عندنا في الإسلام صنفان - مصلحون ومحاربون، مسالمون ومخاصمون - وليس عندنا رسول للسلام ورسول للحرب في الإسلام.
فإنّ المحارب هو المسالم والمصالح وانّ رسول الحرب: - إن صحّ التعبير - هو رسول السلام.
فالمنهج الذي يجب اتّباعه والطريق الذي ينبغي السير عليه هو أن يكون العمل في سبيل الله حرباً أو سلماً وصلحاً.
وإنّ من صالح فيما يفرضه الواجب الشرعي عليه من الحرب فقد خرج عن منهج الحق والهدى وكذلك العكس.
فالإمام الحسن انّما صالح لأجل الظروف والأسباب التي أوجبت عليه الصلح حسب ما أملاه عليه الواجب الإلهي، لا - كما قيل - (لأنّ طابع سياسة الحسن عليه السلام هو حقن الدماء في سائر مراحله)(٥٢) فإنّ طابع الحسن عليه السلام هو العمل بالوظيفة الإلهية - على السواء - موجبة حرباً أو حقناً للدماء.
وليس قوله: (لا تهرق فيّ ملء محجمة دماً) إلاّ لذلك، فان إراقة الدماء - في مثل ذلك الموقف وفي مثل موقفه في الصلح - ليس فيه صلاح للإسلام ولا نفع للمسلمين، ولسنا بصدد الخوض في أسباب الصلح ها هنا، إلاّ أنّ البعض حاول أن يسند صلح الإمام الحسن عليه السلام إلى سبب - غير تلك الأسباب التي أوجبت الصلح - وهو أنّ الإمام عليه السلام استند في صلحه إلى الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال: (انّ بنيَّ سيد عسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)، ولكن هذا بعيد عن الحق، فإنّ هذا الخبر على فرض صحّته لا يفرض الصلح على الإمام الحسن عليه السلام وصدور ذلك ليس سبباً للصلح، مضافاً إلى أنّ هذا الخبر قد وقع الخلاف في صدوره.
• ألفاظ الخبر الواردة:
وقد شاع هذا الخبر فيما روي عن الرسول عليه السلام في الكتب الحديثية والتاريخية، وقد ورد بألفاظ متقاربة المضمون فقد ورد - إن ابني هذا سيّد – في بعض الروايات، وورد عسى ان يصلح به - لعل - ان يصلح على يديه - إن الله سيصلح به - بين فئتين - فئتين عظيمتين - فئتين من اُمّتي - فئتين من المسلمين - من المؤمنين -.
• رواة الخبر
وكاد ينحصر سند هذه المرويات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة شقيق زياد من اُمّه سمية، وإن كان قد روي عن جابر بن عبد الله وابن الزبير وابن عباس وأبي هريرة وبريدة، إلاّ أنّ الملاحظ أنّ رواية ابن عباس ليست إلاّ في كتاب إعلام الورى والمناقب، ولعل إعلام الورى نقلها عن المناقب، إذن هي من مصدر واحد، مع أنّه قد رواها مرسلة، ولم يذكر مصدرها.
وأمّا رواية أبي هريرة وبريدة فهي في المناقب عن المحاضرات للراغب، إذن هي ليست إلاّ في مصدر واحد، مع أنّها مرسلة أيضاً.
وأمّا رواية ابن الزبير فقد رواها ابن عساكر ورواها ابن كثير.
وأمّا رواية جابر فقد رواها في مجمع الزوائد، وابن كثير في البداية والنهاية، وابن عساكر، وفي تاريخ بغداد، فالملاحظ أنّ رواية هؤلاء لم تذكر إلاّ في هذه الكتب.
وأمّا رواية أبي بكرة فهي المشهورة والمعتمدة عندهم، فإنّ ما رواه البخاري لهذا الخبر في أربعة موارد كله عن الحسن عن أبي بكرة، ومثله ما رواه أحمد وسنن أبي داود والترمذي والسنن الكبرى للنسائي ومسند الحميدي والطيالسي والفتن لابن حماد والمصنف لعبد الرزاق والمصنف لابن أبي شيبة وفضائل الصحابة ومعرفة الرجال والمستدرك وكنز العمّال وسنن البيهقي وفرائد السمطين وحلية الأولياء والذخائر والطبقات الكبرى لابن سعد، إلى غير ذلك من المصادر السنيّة التي تقرب من سبعين مصدراً(٥٣) والتي نقلت هذا الخبر، فكلها غير ما ذكرناه - في رواية ابن الزبير وجابر وأبي هريرة وبريدة - ترويه عن الحسن عن أبي بكرة فقط، - ولا تذكر رواية غيره - سواء كان بطريق واحد أو طرق متعدّدة، كما في مسند أحمد والطبقات الكبرى لابن سعد وفرائد السمطين، وكذلك ابن عساكر فإنّه رواها بطرق متعدّدة عن الحسن عن أبي بكرة إلى غير ذلك.
فيلاحظ أنّ الرواية المعتمدة والمشهورة هي رواية أبي بكرة حتى تكاد لا تجد غيرها، وإن وجد فهو هامشي كما يلاحظه المتتبّع في كتب الحديث.
• الخبر عند العامّة والخاصّة:
وقد تلقى هذا الحديث بالقبول أعلام السنة واتفقت كلماتهم على صدوره، وكما قلنا إنّه شايع في كتب الحديث والتاريخ، بل ان ابن عبد البرّ في الاستيعاب(٥٤) في ترجمة الإمام الحسن قال: (وتواترت الآثار الصحاح عن النبي أنّه قال للحسن ابن علي: انّ ابني هذا سيّد، عسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وعده ابن الأثير(٥٥) انّه معجزة نبوية حيث قال: (ثم سار معاوية إليه من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنّه لن تغلب احدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الاُخرى فظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ان ابني هذا سيّد)، إلى غير ذلك من كلمات أعلامهم.
وأمّا عندنا فقد اختلفت الكلمات حوله فذهب كثير إلى صدوره وثبوته، بل قال بعضهم: (انّ رسول الله قال ذلك يقيناً دون شكّ وقال: إنّ رسول الله قاله أكثر ممّا يحصى)(٥٦) وذهب كثير إلى أنّها موضوعة، وهو الصحيح كما ستعرفه.
فانّ هذا الخبر ممّا دسّ في المرويات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم باُسلوب يخفى عليه أثر الوضع، وقد أشار إلى وضعه الكثير إلاّ انّي لم أرَ من بحث ذلك من جميع جوانبه فأرتأيت أن يكون ما أشارك به هو هذه الدراسة لهذا الخبر.
• ولإثبات ما ندّعيه سيكون البحث في جهتين كل منهما تكفي لإثباته:
الجهة الاُولى: جهة الرواية لهذا الخبر فهل تتناسب روايته بهذه الصورة الموجودة في كتب الحديث والتاريخ مع ما نقل من مناسبات قيل فيها ذلك الخبر؟ وهل تليق كيفية نقله مع شأن هذا الخبر الذي ادّعي تواتره أو لا؟ وهل صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لا؟
الجهة الثانية: جهة المروي فهل تجتمع دلالة هذا المروي مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومع الثابت من الاعتقاد أو لا؟
أمّا الجهة الاُولى:
إعتبار المقولات التاريخية:
وقبل الدخول في البحث عنها، نود أن نشير إلى مطلب وهو: انّ المنقولات على قسمين: قسم يتعرّض فيه لبيان الأحكام الشرعية، وقسم يتعرّض فيه لبيان أحداث تاريخية ونحوها.
ولكل من القسمين أحكامه، أمّا القسم الأوّل فليس مورد بحثنا، وأمّا الثاني فمنه هذه الرواية - التي نحن بصدد البحث عنها - فإن قبوله واعتباره يختلف عن القسم الأوّل فيكفي في اعتباره الاعتبار التاريخي بأن يذكر في الكتب المعتبرة مثل تاريخ الطبري وابن الأثير ونحوهما فإنّهما معتبران، بمعنى أن يطمئن للمؤلِّف والمؤلَّف في الجملة.
ولكن هذا الاعتبار إنّما يكفي بهذا الشرط وهو عدم منافاة الخبر المروي للعقل أو النقل وإلاّ فيرد، وليس الاعتبار بمعنى ملاحظة السند في كل خبر رواته ثقات أم لا؟ وإلاّ لما صحّ عندنا خبر فان أكثر رواة تلك الأخبار أو كلهم من المخالفين، بل ممّا وصف الكثير منهم بالضعف عندهم.
ومن الخطأ بمكان مناقشة سند الخبر أولاً فإن صحّ سنده صحّ الخبر وإلاّ فلا.
فالتعبير - ابتداء - بأنّ سند هذا الخبر ضعيف غير صحيح، بل ينظر - إذا روي في الكتب المعتبرة - أهو مخالف للعقل أو النقل، فإن كان فلننظر في سنده من وجه إذ انّ أحد رواته لا بدّ أن يكون قد وضعه إذا لم يكن تأوّله.
ونحن سنسير على ذلك فإن دراستنا لهذه الجهة التي سنبحث فيها لن يكون فيها تعرّض لسند الخبر أهم من الثقاة أو الضعاف؟.
نعم لذلك وجه بعد البحث في الجهة الثانية وإثبات منافاة دلالة هذا الخبر مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي بيانه، وإن كنّا لا نحتاج للبحث عن السند أصلاً، فبعد الاختلاف في ثبوته سنرى هل انّ روايته تجتمع مع شهرة الخبر وشيوعه؟ وسيكون بحثنا في ذلك لا في السند كما أشرنا.
• تسليط الضوء على الرواية المشهورة
وسنسلط الضوء على رواية أبي بكرة - لأنّها المشهورة إن لم تكن المعتمدة، وأمّا غيرها - كما أشرنا إليه - فلا يعد شيئاً في قبالها.
فإذا ثبت عدم صدورها، فتلك لا حاجة للتكلّم عن صدورها وعدمه إذ سيظهر ضعفها أيضاً بالتبع، فإن بعض الملاحظات يشملها، ولنا عليها من هذه الجهة ملاحظات:
الملاحظة الاُولى:
إنّ رواية أبي بكرة رويت بعدّة مضامين متقاربة مع ذكر المناسبة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث في أكثرها، وأمّا رواية غيره فهي خالية عن ذكر المناسبة وإن اشتركت في ألفاظ الخبر أو أكثره مع رواية أبي بكرة، والمناسبات التي ذُكرت في رواياته متعدّدة وإنّ كلاًّ منها كانت على ملأ من الناس بحيث انّ الراوي لها لا بدّ أن يكون متعدّداً حسب العادة.
وهذه المناسبات هي:
المناسبة الاُولى: انّ أبا بكرة قال: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يُقبل على الناس مرّة وعلى الحسن مرّة ويقول..).
المناسبة الثانية: (انّ رسول الله كان يصلّي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره أو قال على عنقه فيرفع رأسه رفعاً رفيقاً لئلاّ يصرع فعل ذلك غير مرّة.. الخ).
المناسبة الثالثة: قال: (إنّ الحسن بن علي جاء ذات يوم فصعد المنبر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فأخذه فوضعه في حجره فجعل يمسح على رأسه وقال..).
المناسبة الرابعة: قال: (إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب يوماً فصعد إليه الحسن فضمّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه وقال..).
المناسبة الخامسة: قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي الضحى فجاء الحسن وهو غلام فلمّا سجد النبي ركب على ظهره كأنّي أنظر إلى رجليه يقلّبهما على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا رفع رأسه من السجود أخذه أخذاً رفيقاً حتى وضعه بالأرض فلمّا فرغ من صلاته أقبل عليه بوجهه يقبّله فقال له رجل: أتفعل هذا بهذا الغلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم..).
المناسبة السادسة: قال: (صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال..).
فمن الملاحظ أنّ هذه المناسبات لم تكن من وضع الراوي بحيث كانت مناسبة واحدة والراوي جعلها متعدّدة، بل إنّ كلّ مناسبة تختلف عن الاُخرى، وتعدّد المناسبات يقتضي تعدّد وتكرار صدور هذا الخبر.
فمع التوجّه إلى أنّ هذا الخبر قد تكرّر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مناسبات متعدّدة وكان في ملأ من الناس.
فينبغي أن يكون رواة هذا الخبر متعدّدين بحيث تكثر رواته من الصحابة وبالتبع تكثر رواته من التابعين.
فانّ مقتضى تكرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس إلاّ لأهميّته لكي يلتفت المسلمون ويعلموا به ويتناقلوه لكي ينتشر.
فكان مقتضى مناسبة الحكم للموضوع هو تعدّد الرواة، لا أن يكون راويه يكاد أن ينحصر بفرد واحد وقد انتشرت عنه وهو أبو بكرة، وأمّا رواية غيره فقد قلنا إنّها لم تُذكر في الصحاح الستة ولا غيرها من الكتب الحديثية المشهورة، بل ذكرت في بعض الكتب المتأخرة إذ لم تُذكر في كتب القدماء، بل من الواضح أنّ روايتهم لها ليس بتلك الأهميّة وإلاّ لذكرت رواية كل منهم في أكثر من كتاب، أو ذكرت في بعض الكتب الحديثية المشهورة.
وعلى كلٍ لو كانت صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع تعدّد صدورها منه لنقلت بنحوٍ أكثر استفاضة عن الصحابة إن لم يكن نقل مثل هذا الخبر بنحو متواتر، فأين أبو هريرة وعائشة وابن عمر وابن عباس وأنس والمكثرون من الحديث؟ فكيف خفيت عليهم ولم يسمعوها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟.
بل لو رُويت عن هؤلاء لرُويت بنحوٍ يكون معروفاً لدى أهل الحديث ولا تخلو منه الكتب الحديثية المهمّة، كما في حديث: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة) و(الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا) إلى غير ذلك من الأحاديث التي قد يكون لم يذكر لها بعض تلك المناسبات مع أنّها قد رويت في كتب الحديث وأنّها معروفة عندهم.
مناقشة دعوى التواتر:
وأمّا ما ذكره ابن عبد البرّ بقوله: (فقد تواترت الآثار من الصحاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فهي دعوى تحتاج لإثبات.
بل لو قلنا بتواتره فهو لم يتواتر إلاّ عن أبي بكرة لا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل لم يتواتر - على فرض قبول التواتر - إلاّ عن الحسن، لأنّ كل ما روي عن أبي بكرة كلها عن الحسن، وما رواه الحسن كله عن أبي بكرة، كما تقدّمت الإشارة إليه، وإن تعدّدت الطرق إلى الحسن ففي ترجمة الإمام الحسن عليه السلام لابن عساكر رواها بإثنين وعشرين طريقاً دون غيره، وعليه لا يمكن تحقّق التواتر حتى لو قبلنا رواية ابن الزبير وجابر فإنّ رواية جابر وإن رواها ابن عساكر بطريقين(٥٧) فهي تنتهي إلى أبي سفيان عن جابر، بل كل من رواها مسندة فهي عن أبي سفيان(٥٨)، وعلى هذا فهي رواية واحدة، إذ الرواة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ ثلاثة ولا يتحقّق التواتر بذلك، وأمّا رواية غيرهم فهي مرسلة كما تقدّم.
الملاحظة الثانية: انّ من الثابت مجيء الإمام الحسن عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد وصعوده المنبر، ومجيئه له وقت الصلاة وصعوده على ظهره وعنقه وحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، ولكن إلى متى كانت سيرة الحسن هذه؟ لا شك انّها كانت في أوائل طفولته عليه السلام وهي سنيه الاُولى والثانية إلى الرابعة لا أكثر؛ إذ من البعيد جداً أن يستمر على ذلك وهو في سن الخامسة، فإنّ ذلك غير مقبول ممّن له قليل فهم وإدراك من الأطفال فكيف من الإمام الحسن عليه السلام.
وبعبارة اُخرى ان من المستهجن صدور ذلك من الأطفال العاديين فكيف من الإمام الحسن عليه السلام.
مع أنّ الثابت تاريخياً انّ أبا بكرة التحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام في السنة الثامنة بعد فتح مكة وانتهاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة حنين، فكان عمر الحسن عليه السلام آنذاك خمس سنين.
وعلى ذلك كيف أمكن لأبي بكرة أن يرى الحسن عليه السلام على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو على عنقه أثناء الصلاة؟ وكيف تأتى له أن ينظر إلى رجلي الحسن يقلبهما على ظهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أنّ تعدّد المناسبات يكشف عن صدور ذلك في أوقات متفرّقة لا في أوقات متقاربة جداً.
وفي وقت صدور مثل ذلك عن الحسن عليه السلام لما كان عمره الثانية أو الثالثة لم يكن أبو بكرة بعد قد التحق بالإسلام.
الملاحظة الثالثة: إنّي لم أقف على رواية(٥٩) لأبي بكرة في فضائل الإمام الحسن عليه السلام غير هذه، بل ولا شيء من فضائل أهل البيت عليهم السلام، فإنّه لم يذكر له في الفضائل إلاّ هذه الرواية كما في كتاب المسند الجامع(٦٠)، وكذلك في غيره، من الكتب التي تعرّضت لذكر الفضائل كالطبقات الكبرى لابن سعد وغيره.
فهل يا ترى لم يسمع أبو بكرة شيئاً من فضائل الحسن عليه السلام إلاّ هذه الرواية خلال تلك الفترة التي قضاها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنّه رواها بأنحاء متعدّدة وروى أنّه سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرات متعدّدة، فكأنّه مدّة بقاءه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن همّه إلاّ سماع هذا الخبر ليرويه وقت الحاجة، وأمّا غيره فلا يهمّه، أو انّه لم يرق له أن يروي غيرها؟ أو انّه اكتفى بوضع هذا الخبر؟ أو انّه لم يطلب منه أن يضع إلاّ ذلك؟ أو ان من وضع هذا الخبر على لسان أبي بكرة اكتفى بذلك؟
الملاحظة الرابعة: انّه مع تكرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم له كيف خفى على مثل أبي هريرة - الذي لم يبق ولم يذر في النقل حيث ضبطت أحاديثه فبلغت خمسة آلاف وثلاث مائة وأربعة وسبعين حديثاً -؟ وأمّا ما أشرنا إليه سابقاً من أنّه رواها فقد كان بنحو الإرسال وليست في كتب أصحاب الحديث ولا في الكتب القديمة، على أنّه لو رويت عنه لاشتهرت ونُقلت عنه فإنّهم رووا عنه ما هو أقل من هذه الرواية شأناً وصدوراً.
فإنّه لو سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان أوّل من يرفع بها عقيرته بعد الصلح أمام أهل الكوفة.
فقد روى التاريخ انّه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق أتزعمون انّي أكذب على الله ورسوله وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله يقول ان لكلّ نبي حرماً وانّ المدينة حرمي فمَن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين(قال) وأشهد بالله انّ علياً أحدث فيها، فلمّا بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاّه امارة المدينة.
إلى غير ذلك ممّا كان الغرض منه الحط من شأن علي عليه السلام، والتقرّب إلى معاوية.
فلو كان سمع هذه الرواية، أو لو كانت قد صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان بمقتضى المناسبة أن يذكر هذا الخبر الذي يجعل معاوية وفئته من المؤمنين - المسلمين - خصوصاً بعد ان اشتهر بين أهل الكوفة انّ الفئة الباغية هي معاوية وفئته، ليرفع الشك من نفوس الناس، فإنّ روايته لذلك الخبر إنّما للحطّ من شأن علي عليه السلام والرفع من مقام معاوية، فإذا أمكنه أن يرفع من شأن معاوية بشيء ينطبق على معاوية نفسه وثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذكره مناسباً جداً وأولى في بيان مراده.
بل لو سمعها أو صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنقلت عنه فيما بعد، فإنه لم يبق شيئاً لم يروه ممّا سمعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وممّا لم يسمعه فانّ المجال كان أمامه مفتوحاً على مصراعيه.
الملاحظة الخامسة: لو صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف لم يذكرها الإمام الحسن عليه السلام في الجواب على مَن اعترض عليه بعد الصلح مع أنّه قد ذكر - كما يروون - وأجاب بقوله(٦١) (مع أنّ أبي كان يحدّثني أنّ معاوية سيلي الأمر فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شكّكت انه سيظهر..) وأجاب أيضاً على بعض من اعترض عليه بقوله(٦٢) (لا تؤنّبن يرحمك الله فانّ النبي قد رأى بني اُميّة يخطبون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك فنزلت(إنّا أعطيناك الكوثر) نهر في الجنة، ونزلت (إنّا أنزلناه..) تملّكها بنو اُميّة.
مع أنّ من المناسب جداً هو أن يجيب بهذه الرواية التي عدّت من إخبارات النبي الغيبية.
فكما انّه ذكر ذلك جواباً كان ينبغي أن يذكر هذه الرواية فانّها أوقع في الجواب وأوضح في العذر.
الملاحظة السادسة: ممّا يؤكّد انّها موضوعة وعدم صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه في مروج الذهب(٦٣): (انّه لما صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية كبّر معاوية بالخضراء وكبّر أهل المسجد لتكبير أهل الخضراء فخرجت فاختة بنت قرضة من خوخة لها وقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين(٦٤) ما هذا الذي بلغك؟ فقال: أتاني البشير بصلح الحسن وانقياده فذكرت قول رسول الله: إنّ ابني هذا سيّد أهل الجنة وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين فحمدت الله الذي جعل فئتي إحدى الفئتين المؤمنتين).
فتلاحظ أن معاوية لم يفرح ويكبّر للصلح نفسه بل لتحقّق إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففرح لكونها معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنّ فئته إحدى الفئتين المؤمنتين، وهذا هو الذي يهمّه ويشغل باله وهو ان يضفي على نفسه وفئته الإيمان على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ان ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم (عمّار تقتله الفئة الباغية) واشتهار انّها معاوية وأصحابه.
مضافاً إلى أنّ روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (انّ ابني هذا سيد أهل الجنة وسيصلح..) لم يروه أحد ممّن روى هذا الخبر فان أقصى ما روي هو انّ ابني هذا سيد فقط لا (سيّد أهل الجنة).
الملاحظة السابعة: انّ هذه لم ترو إلاّ في كتب العامّة ومن طرقهم ولم ترو من طرفنا لا عن الأئمة عليهم السلام ولا من طرقنا عن الصحابة، بل لم تُذكر في كتب قدمائنا كالشيخ الصدوق والمفيد رحمهم الله.
والذي ذكرها ممّن تأخّر عنهم كالمناقب وأعلام الورى وكشف الغمة انّما نقلها عن كتب العامّة.
بل حتى البحار(٦٥) لم يذكرها إلاّ في ضمن ما نقله عن المناقب وأعلام الورى وكشف الغمة والعدد القوية، فلو صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكثرة والتعدّد لرأينا لها أثراً في طرقنا ولذكرها الأئمة عليهم السلام لا أقل عند تعرضهم لصلح الإمام الحسن عليه السلام، فمثلاً قد روي عن الإمام الباقر عليه السلام حين سُئل عن صلح الحسن عليه السلام انّه قال: (انّه أعلم بما صنع ولولا ما صنع لكان أمر عظيم).
وهذا لا يعني أنّ كل ما روي من فضائل أهل البيت عليهم السلام في كتب العامّة يجب أن يُروى عن أئمتنا عليهم السلام أو من طرق أصحابنا.
بل مرادنا أنّ مثل هذه الرواية التي تكرّر صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتهرت وادّعي تواترها، لو كانت قد صدرت لرأينا فيما ورد عن الأئمة عليهم السلام أو رُويت من طرقنا عن الصحابة أو لا أقل رأيناها في كتب قدمائنا كأمثالها من الروايات.
من موهّنات الخبر
ولن نكون بعيدين عن الحقّ لو قلنا: إنّ من موهنات الحديث هو اتفاق وإجماع علماء العامّة عليه محدثين ومؤرخين، وخلو مجاميعنا منه وعدم روايتنا له.
بل كل ما قويت واشتهرت روايتهم لحديث كان أوهن للرواية، بل وإن بلغ التواتر عندهم كان أقوى في الوهن خصوصاً إذا كانت الرواية ممّا تحتاج للتأويل أو مخالفة العقل والنقل.
شبيه ونظير
وممّا يشبه هذا الخبر ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (علماء اُمّتي أفضل من أنبياء بني اسرائيل) فهي مع شهرتها على الألسنة والكتب لم تروَ إلاّ في كتب العامّة وإن ذكرت في كتبنا فهي عنهم.
فهي مع شيوعها وشهرتها نرى أنّ كثيراً من علمائنا ممّن تعرّض لها يصرح بانّها من موضوعات العامّة وليس إلاّ لعدم روايتنا لها.
النتيجة
وبعد هذا كلّه يتضح أنّ هذه الرواية من الموضوعات، وانّ أبا بكرة لم يروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا وجه للتمسّك بهذه الرواية وإن قلنا إنّها رويت عن غيره. وهذا تمام الكلام في الجهة الاُولى.
وأمّا الجهة الثانية: وهي ما سنتعرّض فيها إلى المروي ودلالاته أهي منافية لما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وللاعتقاد الثابت أو لا؟
لفظ الرواية المشهور
فمع غضّ الطرف عمّا تقدّم في الجهة الاُولى الذي نراه هو المنافاة، وقبل بيان ذلك نعيد ما أشرنا إليه من أنّ الرواية جاءت تارة بلفظ فئتين فقط، واُخرى فئتين عظيمتين، وثالثة فئتين من اُمتي ورابعة فئتين من المسلمين أو المؤمنين.
إلاّ انّ الغالب فيما جاء هو - فئتين من المسلمين - وفي بعض - من المؤمنين - بحيث يعد غير ذلك من النادر في نقل هذه الرواية حتى انّ هذه الرواية اشتهرت بفئتين من المسلمين وانّ غير ذلك كأن لم يروَ.
مدلول الخبر:
وعلى كل فأنّ مدلول هذا الخبر هو إثبات الإيمان للفئتين بما فيها فئة معاوية المحاربة لإمام زمانها، فإنّ المراد من الفئتين هما الفئتان المتقابلتان، إمّا بالحرب أو بإرادة الحرب، وليس المراد منها ما قبل الحرب أو ما بعدها، فإنّ الإصلاح إنّما هو بين الفئتين المختلفتين بالحرب أو بإرادتها والتهيّؤ لها كما هو موضع الاستشهاد بالخبر.
وهذا المروي بهذا النحو هو الذي يكون مورد ملاحظاتنا لبيان المنافاة وإليكها:
الملاحظة الاُولى: منافاة هذا الحديث لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي حربك حربي) و(ألا انّ عليّاً بضعة مني فمن حاربه فقد حاربنا) و(عاديت مَن عاداك) مخاطباً عليّاً، وقوله مخاطباً لعلي وفاطمة والحسنين: (أنا حرب لمَن حاربكم وسلم لمَن سالمكم).
إذ ممّا لا شك فيه أنّ حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر فتكون حرب علي والحسن كفراً، وقد حاول بعض العامّة أن يفصّل في مدلول هذه الرواية الثابتة - يا علي حربك - إلى أنّ مَن حاربه عالماً معانداً فينطبق عليه أنّه حرب للنبي، وأمّا مَن حاربه عن شبهة كما في أصحاب الجمل وصفين فلا ينطبق على حربهم انّها حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يكون كافراً.
إلاّ انّ هذه المحاولة متكلّفة جداً، فانّ الرواية مطلقة وتشمل كل مَن حارب عليّاً أكان معانداً أو عن شبهة هذا أوّلاً.
وثانياً: وليكن مَن حارب عن شبهة كمَن حارب النبي عن شبهة فهل يقال له أنّه ليس بكافر؟
وثالثاً: مضافاً إلى ذلك انّ الإشكال في تحقّق الصغرى إذ أي شبهة يمكن تحقّقها بعد ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام ما قال مثل: الحقّ مع علي يدور معه أينما دار، بل انّ هذا الحديث حربك حربي كافٍ لرفع أيّ شبهة.
ورابعاً: وعلى فرض إمكان وجود شبهة فإثباتها لأمثال أولئك الذين حاربوا عليّاً وكان قادتهم أعرف الناس بعلي ومكانته دونه خرط القتاد.
والخلاصة إنّ مدلول هذه الأحاديث يتنافى مع مدلول هذا الخبر؛ إذ انّ مدلوله هو إيمان مَن حارب عليّاً وتلك مدلولها كفره.
الملاحظة الثانية: منافاته لإجماع الإمامية على كفر مَن حارب عليّاً.
قال الشيخ الصدوق في اعتقاداته: واعتقادنا فيمَن قاتل عليّاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن قاتل عليّاً قاتلني).
وقال الشيخ المفيد في كتاب الجمل اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي علي.
وقال الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي: (عندنا انّ مَن حارب أمير المؤمنين عليه السلام وضرب وجهه وواجه أصحابه بالسيف كافر، والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقّة الإمامية على ذلك فانّهم لا يختلفون في هذه المسألة على حال من الأحوال).
وقال المحقّق الطوسي في التجريد: (محاربو علي كفرة).
أضف إلى ذلك إجماع الزيدية والخوارج قال الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات: (واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفّار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين عليه السلام وانّهم بذلك في النار مخلّدون).
الملاحظة الثالثة: منافاة هذا الحديث لكثير من الروايات الواردة عن المعصوم عليه السلام المصرّحة بكفرهم وإليك بعضها:
١ - ما رواه في شرح النهج ج ٢ ص ٢٣٣، والبحار ج ٣٢ ص ٥٤٣: انّه قيل لعلي حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟ فقال عليه السلام: (ما أقرّ لمعاوية ولا لأصحابه أنّهم مؤمنون ولا مسلمون، ولكن يكتب معاوية ما شاء ويقرّ بما شاء لنفسه ولأصحابه ويسمّي نفسه بما شاء وأصحابه).
٢ - عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى علي بن ابي طالب عليه السلام قال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذي نقاتلهم، الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة واحدة والحج واحد فبما نسميهم؟ قال: (بما سمّاهم الله تعالى في كتابه فقال: ما كل ما في كتاب الله أعلمه، فقال: أما سمعت الله تعالى يقوله في كتابه:(تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى بالله عزّ وجل وبدينه وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالكتاب وبالحقّ فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا وشاء الله منّا قتالهم فقاتلناهم بمشيئته وإرادته)(٦٦).
٣ - عن أبي جعفر أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (يا معشر المسلمي قاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ثم قال: هؤلاء القوم هم وربّ الكعبة)(٦٧)، يعني أهل صفّين والبصرة والخوارج.
٤ - ما رواه في شرح النهج(٦٨): روى نصر بن مزاحم لما نظر علي عليه السلام إلى أصحاب معاوية وأهل الشام قال: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلمّا وجدوا عليه أعواناً رجعوا إلى عداوتهم لنا إلاّ أنّهم لم يتركوا الصلاة).
٥ - عن أبي جعفر محمّد بن علي عليهما السلام قال: (لعن علي عليه السلام أهل الجمل فقال رجل: يا أمير المؤمنين إلاّ من كان مؤمناً فقال عليه السلام: ويلك ما كان فيهم مؤمن)(٦٩).
٦ - ما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام في جوابه لما قال له: هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه شيعة أبيك؟ قال عليه السلام: (وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم وكفنّاهم وصلينا عليهم ودفناهم. فضحك الإمام الحسين عليه السلام ثم قال: (خصمك القوم يا معاوية، لكنّا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم ولا صلّينا عليهم ولا قبرناهم)(٧٠). مع أنّ المسلم يجب تجهيزه والصلاة عليه ودفنه.
٧ - ما ورد عن علي بن الحسين عليه السلام: جاء رجل من أهل البصرة له فقال: انّ جدّك قتل المؤمنين فهملت عين علي بن الحسين عليه السلام دموعاً حتى امتلأت كفّه منها ثم ضرب بها على الحصى ثم قال: (يا أخا البصرة لا والله ما قتل علي مؤمناً ولا قتل مسلماً وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام فلمّا وجدوا على الكفر أعواناً أظهروه)(٧١).
٨ - ما ورد عن أبي جعفر عليه السلام: من أنّ مَن حارب عليّاً عليه السلام أعظم جرماً ممّن حارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما ورد عنه أنّ حرب علي أشرّ من حرب رسول الله) وعلّل ذلك بانّ أولئك كانوا جاهلية ولم يقرّوا بالإسلام وهؤلاء أقرّوا بالإسلام ثم جحدوه(٧٢).
٩ - ما ورد في تفسير علي بن ابراهيم بسنده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السلام انّه قال: (وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا، معاوية وأصحابه).
ومع هذا كلّه لا يلتفت إلى ما رواه في البحار(٧٣) عن بعض الكتب عن عمرو بن شمر عن جابر بن أبي جعفر عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا دنا إلى الكوفة مقبلاً من البصرة خرج له الناس فقال له الراسبي: أي والله انّهم الباغون الظالمون المشركون فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (ليس القوم كما تقول لو كانوا مشركين سبينا واغنمنا أموالهم وما ناكحناهم ولا وارثناهم) فانّ هذه الرواية تتناقض مع ما مرّ من تصريح الإمام بكفرهم.
ومن المؤيدات على كل انّ هذه الروايات التي ذكرناها صريحة ونصّاً في كفر أولئك، ومضافاً إلى هذه الروايات وغيرها هناك أقوال عن غير المعصوم صرحت بكفرهم وبعضها يروى عمّن حارب عليّاً عليه السلام وهي:
١ - عن صالح ابن ابي الأسود عن أخيه اُسيد بن أبي الأسود قال سألت عبد الله بن الحسن عن محاربي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (ضُلاّل) فقلت: ضُلاّل مؤمنون فقال: (لا) ولا كرامة إنّ هذا قول المرجئة الخبيثة(٧٤).
٢ - ما روى عن الحسن البصري انّه قال: حدّثني مَن سمع طلحة يوم الجمل حيث أصابه السهم ورأى الناس قد انهزموا أقبل على رجل فقال ما أرانا بقية يومنا إلاّ كفاراً(٧٥). ورويت أيضاً عن الزبير انّه قال ذلك لمولى له يوم الجمل(٧٦).
٣ - عن عمّار لما كان قتال صفّين قال رجل لعمّار يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله قاتلوا الناس حتى يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم وأموالهم؟ قال: بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعواناً(٧٧).
الملاحظة الرابعة: لو صحّت هذه الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكما ادّعى تواترها لما وقع هذا الخلاف فيمَن حارب عليّاً عليه السلام بعد الاتفاق على كونه باغياً أهو كافر أو مشرك أو فاسق مخلّد في النار؟.
فقد ذهب واصل بن عطاء وعمر بن عبيد ومَن تبعهما إلى أنّ أحّد الفريقين ضال في البصرة مضل فاسق خارج عن الإيمان والإسلام ملعون مستحقّ الخلود في النار، والفريق الآخر هادٍ مهدي مصيب مستحق للثواب والخلود في الجنّات.
إلاّ انّه لا دليل على تعيين الفريق الضال ولا برهان على المهتدي ولا بينة يتوصّل بها إلى التمييز.
وذهب غيرهم من المعتزلة إلى أنّ كلَّ مَن حارب أمير المؤمنين عليه السلام ضال عن الهدى ومستحقّون بحربه والخلاف عليه النار.
وذهب كثير من المعتزلة إلى أنّ جميع مَن مات على اعتقاد إمامة معاوية وتصويبه في قتال أمير المؤمنين فهو عندهم ضال عن الهدى وخارج عن الإسلام ومستحقّ الخلود في النار.
وقالت الخوارج بانّهم كانوا بقتالهم ضلاّلاً كفاراً. وهو الذي ذهب إليه الإمامية والزيدية. وهذا الاختلاف الشديد لا يتناسب مع القول بصدور هذه الرواية.
إلى هنا تبيّن انّ مَن حارب الإمام علياً عليه السلام فهو كافر وبوحدة المناط يكون مَن حارب الإمام الحسن عليه السلام كافراً.
وهذا لا يجتمع مع إيمان الفئة التي حاربت الإمام عليه السلام، فانّها تدلّ على إيمانه وإسلامه أثناء حربه كما هو مقتضى التصالح فانّ التصالح لا يكون إلاّ بين المتخالفين وهما هنا المتحاربان. ولا علاقة لها بما قبل الحرب أو بعده.
وما تقدّم ممّا ذكرناه دلّ على كفر محارب الإمام عليه السلام فهل يجتمع الإيمان والكفر في وقت واحد؟
• نتيجة البحث:
وعلى هذا لا مناص من القول بانّ هذا الخبر من الموضوعات.
ونتيجة هذا البحث هو أنّ هذه الرواية من الموضوعات ولا يخفى أنّ الغرض من وضعها - أيّاً كان الواضع - هو إضفاء صبغة الإسلام والإيمان على معاوية وفئته، وإخفاء وطمس ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنّهم الباغون.
إذ انّ معاوية حاول صرف قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (عمّار تقتله الفئة الباغية) عن مساره معتمداً على تأويل ابن العاص بأنّ مَن قتله هو الذي أخرجه وجاء به.
وقد انطلت هذه الشبهة على السذّج من أهل الشام وهم الكثير، وهناك من لم يقبله منهم كما أنّ غير أهل الشام كانوا ينبزونه وجماعته بذلك.
• أهداف الوضع
فراحت محاولاته تبحث عن شيء يسدل الستار على ذلك الوصف، امّا برفعه أو بإثبات وصف آخر يزيله، فانّ معاوية ينظر إلى المستقبل وإن مضى على استشهاد ذلك الوصف حتى وقع الصلح فلم يرَ ظرفاً أنسب من ذلك الوقت ليرفع ذلك الوصف، فوضع هذه الرواية ليثبت أمام المسلمين أنّ النبي قد شهد بإيمانه وإيمان جماعته كما عرفته عند نقلنا لكلامه عند وصول خبر الصلح إليه. فلا مجال لأحد بعد ذلك ليتكلم عليه.
وأيضاً حاول واضعوه إثبات أنّ حرب معاوية لم تكن محبوبة لله ولرسوله، لأنّ معاوية وأصحابه من المؤمنين بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلاّ لو كانت محبوبة لله ولرسوله لما مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن على صلحه، ونتيجة ذلك أنّ الصلح محبوب والحرب غير محبوبة ومن ثم تكون حرب علي عليه السلام لمعاوية غير محبوبة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبمثل ذلك تشبّث محمّد بن عبد الوهاب في كتابه عقائد الإسلام حيث قال: (قال العلماء رحمة الله عليهم إنّ قتال أهل الشام ليس بواجب قد أوجبه الله ورسوله، ولو كان واجباً لم يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بتركه فدلّ الحديث على أنّ ما فعله الحسن بن علي ممّا يحبّه الله ورسوله..)(٧٨).
مضافاً إلى أنّ الواضع يريد أن يجعل معاوية والإمام الحسن عليه السلام على قدم المساواة ولا فضل لأحدهما على الآخر، فإنّ كلاًّ مع أصحابه فرقة من المؤمنين وما الصلح محبوباً مع معاوية إلاّ لكونه مؤمناً وبالتساوي مع الإمام الحسن عليه السلام.
• واضع الحديث
وأمّا مَن هو الواضع؟ إنّه على خطّ معاوية فهو إمّا معاوية وبأمر منه، أو مَن سار على نهجه، وبما أنّ الرواية المشهورة إنّما هي عن أبي بكرة، فيكون قد وضعها تزلفاً وتقرّباً من معاوية.
انحراف أبي بكرة عن علي عليه السلام
فهو وإن عدّ من خيار الصحابة إلاّ أنّه من المنحرفين عن خطّ علي عليه السلام، فهو الراوي كما عن الحسن وابنه عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم: (مَن رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت، كأنّ ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي رواية عبد الرحمن فاستاء لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: خلافة نبوة ثم يؤتي الله تبارك وتعالى الملك مَن يشاء).
وهو الراوي: (إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما في جرف جهنّم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعاً)(٧٩).
وهو الراوي: (إنّها ستكون فتن ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها).
وكأنّه فهم من ذلك أنّ حرب صفّين والجمل والنهروان ممّا دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعتزالها، لأنّها من الفتن التي لا خير فيها للإسلام، بل كان يثبّط الآخرين عن الحرب مع علي عليه السلام، فقد روي عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال: اين تريد يا أحنف؟ قال قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يعني عليّاً - قال: فقال لي: يا أحنف ارجع فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار..)(٨٠).
ويظهر من ذلك - مع الالتفات إلى أنّه لم يرو شيئاً من فضائل أهل البيت عليهم السلام - أنّه من المنحرفين عن علي وآله عليهم السلام، فشخص مثل هذا لا يستبعد منه أن يضع مثل هذه الرواية تقرّباً لعدو علي وآله عليهم السلام، إمّا هذا أو تكون قد وضعت ونسبت إليه.
والخلاصة: أنّ هذه الرواية ممّا وضع باُسلوب ذكيّ، فإنّ كلمة ان ابني سيّد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقّ الإمام الحسن عليه السلام ووردت في حقّ الإمام الحسين عليه السلام أيضاً.
• نص الرواية غير المشهور
نعم وردت هذه الرواية عن أبي بكرة بدون لفظة من المسلمين أو المؤمنين، بل بلفظ بين فئتين عظيمتين فقط، كما في مجمع الزوائد وتاريخ الثقاة واُسد الغابة لابن الأثير، وأيضاً نقلها في المناقب بين فئتين فقط، وفي دلائل الإمامة عن كثير بن سلمة بين طائفتين فقط.
وهذا المضمون لا يرد عليه ما ذكرناه في الجهة الثانية، ولذا احتمل البعض أنّ الرواية هي هذه وأنّ كلمة من المسلمين أو المؤمنين قد اُضيفت إليها، إلاّ أنّ في النفس شيئاً من ذلك، إذ أنّ بعض الملاحظات في الجهة الاُولى ترد عليها.
• استظهار
وقد ظهر ممّا أثبتناه من كفر محارب الإمام عليه السلام انّ قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احدهما على الاُخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله..)(٨١) لا تتعلّق بقتال الباغين بالمعنى المعروف الذي ورد في رواية: (عمّار تقتله الفئة الباغية) لما هو من كفر هؤلاء والآية تشير إلى إيمانها. وكون الآية ناظرة لحالهم قبل الحرب بعيد، بل انّ ظاهر ما بعد هذه الآية: (انّما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم) هو بقاء المتقاتلين على إيمانهما.
ولعل ذلك هو السر في خلو كثير من الروايات عن الاحتجاج بهذه الآية.
فانّها مسوقة لبيان حكم الطائفتين من المؤمنين التي بغت إحداهما على الاُخرى في أمر دنيوي أو أمر ديني لا يستوجب الكفر كما استظهر ذلك العلاّمة المجلسي في البحار(٨٢). وبعبارة اُخرى أن لا يكون في إحدى الطائفتين الإمام عليه السلام.
• شبهة ودفع
وأمّا ما ذهب إليه البعض بالحكم على البغاة بحصانة الإسلام مستدلاًّ عليه بموقف أمير المؤمنين عليه السلام حيث منع من سبي نسائهم وذراريهم ورد أمير المؤمنين عليهم أموالهم كما روي انّه نادى في حرب البصرة: (من وجد ماله فهو له)، ولو كانوا كفاراً لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم إلى غير ذلك من الأحكام. فغير صحيح فان ما ذكره لا يقاوم ما مرّ من التصريح بكفرهم ومن الإجماع على ذلك هذا أوّلاً.
وثانياً: انّ قسمة الأموال بين أصحابه ثم ردها عليهم دليل على أنّ ذلك جائز والرد كان من باب المن لا الاستحقاق.
وثالثاً: انّ الذي يستفاد من الأخبار التي سنوردها عليك هو كفرهم واقعاً، وانّ حكم سبيهم وغنائمهم حكم سبايا وغنائم الكفّار، إلاّ انّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يجر ذلك فيهم لحكمة وانّه من باب المن وإليك بعض هذه الروايات:
١ - عن زرارة قال سمعت أبا جعفر يقول: (انّما أشار علي عليه السلام بالكفّ عن عدوّه من أجل شيعتنا لأنّه كان يعلم انّه سيظهر عليهم بعده فأحبّ أن يقتدي به مَن جاء بعد فيسير فيهم بسيرته ويقتدي بالكفّ بعده)(٨٣).
٢ - وعن أبي بكر الحضرمي قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: (لسيرة علي بن أبي طالب عليه السلام في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس وانّه علم انّ للقوم دولة فلو سباهم سبت شيعته). قلت فأخبرني عن القائم عليه السلام أيسير بسيرته؟ قال: (لا).
(إنّ عليّاً عليه السلام سار فيهم بالمن للعلم من دولتهم وان القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لانّه لا دولة لهم)(٨٤).
٣ - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ عليّاً انّما منّ عليهم كما منّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة، وانّما ترك علي عليه السلام أموالهم لانّه كان يعلم انّه سيكون له شيعة وان دولة الباطل ستظهر عليهم فأراد ان يقتدى به في شيعته، وقد رأيتم آثار ذاك هو ذا، يُسار في الناس بسيرة علي عليه السلام ولو قتل علي عليه السلام أهل البصرة وأخذ أموالهم لكان ذلك له حلالاً لكنّه منّ عليهم ليُمنّ على شيعته من بعده)(٨٥).
٤ - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ علياً سار فيهم بالمنّ والكف لأنّه علم ان شيعته سيظهر عليهم عدوّه من بعده)(٨٦).
٥ - ما كتبه الإمام لأهل الكوفة بعد حرب البصرة: (فقتل الله مَن قتل منهم ناكثاً، وولّى مَن ولّى إلى مصرهم، فسألوني ما دعوتهم إليه من قبل القتال فقبلت منهم وأغمدتُ السيف عنهم وأخذت بالعفو عنهم)(٨٧).
٦ - ما روى عن الأمير عليه السلام انّه قال: (مننتُ على أهل البصرة كما منّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة)(٨٨). هذا بالنسبة لسبيهم وغنائمهم.
أمّا بالنسبة لاتّباع مدبّرهم والإجهاز على جريحهم وأسيرهم، فالذي عليه الإمامية هو أنّ مَن كان له فئة منهم فيتبع ويجهز عليه ولا يُقتل بخلاف غيره، كما ورد فيما روي عن الإمام الرضا عليه السلام في الفرق بين حرب البصرة وصفّين حيث قتلهم في صفّين مدبرين ومقبلين، من أنّ يوم الجمل لم يتبع مولّياً ولم يجهَز على جريح ومَن ألقى سلاحه آمن ومَن دخل داره آمن فأن أهل الجمل قتل إمامهم ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم والكف عن أذاهم، وأهل صفّين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدّة وإمام يجمع لهم السلاح(٨٩).
• اختلاف الحكم في الكفّار
وأمّا القول بأنّهم لو كانوا كفّاراً لسار فيهم بسيرة الكفّار فيردّه مضافاً إلى ما تقدّم ان أحكام الكفّار تختلف وليس التساوي في الكفر يوجب التساوي في الأحكام. فحكم الحربي الذمي والكتابي غير مَن لا كتاب له. فالكتابي يوخَذ منه الجزية ويبقى على دينه ولا يقبل ذلك من غير الكتابي.
فعلى هذا لا يمنع أن يكون مَن حاربه كفّاراً وإن سار فيهم الإمام عليه السلام بأحكام غير أحكام الكفّار. وقد عرفت بما لا مزيد عليه كفر مَن حارب الإمام عليه السلام.
• دفع وهم
نعم الحكم عليهم بعد ذلك بالإسلام إنّما هو بحسب الظاهر وللمصلحة العامّة ليس غير، لا أنّهم واقعاً كذلك، قال الشيخ المفيد في كتاب الجمل: (اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي علي عليه السلام، ولكنّهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملّة الإسلام إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة، ولم يكفروا كفر ردّة عن الشرع مع أقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين والاعتصام بذلك عن كفر الردّة المخرج لهم من الإسلام، وإن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقّين اللّعنة والخلود في النار).
• حكمهم بعد الحرب
ثم انّ مَن بقي بعد الحرب على رأيه ولم يتب فهو باق على كفره ومَن تاب ورجع إلى طاعة الإمام عليه السلام وتولّيه حُكِمَ عليه بالإيمان.
إلاّ انّ الكلام في إثبات توبتهم، وبالأخص رؤساؤهم فانّه مضافاً إلى عدم توبته وجود الدليل على عدمه.
وما ذكر من توبة بعضهم فهو رواية، وحربه دراية والرواية لا تقاوم الدراية كما أجاب به الشيخ المفيد على كلام علي بن عيسى الرّماني.
إلى هنا تمّ ما أردنا ذكره في هذه الدراسة، والحمد لله رب العالمين.

إطلالة على محنة الذكرى

الشيخ محمّد جواد الطريحي

في البدء كانت الكلمة.. كلمة الله، أزلية المدى، راسخة في حنايا التكوين، يحتضنها ضمير الكون، وتزدان بها إشراقة الروح في منطلقها لطاعة الرحمن..
إنّها فيض الرب وروحه وذاته وكينونته قبل أن يطأ بها هذا الأديم أبو البشر.. إنّها النور الذي اختصّه الله لعباده الذين اصطفى واستخلصه لذاته..(ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةٍ طيبة كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربّها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتذكّرون)(٩٠).
سُئل إمامنا الباقر عليه السلام يا ابن رسول الله ما معنى هذه الآية؟ قال عليه السلام: (إنّ هذه الشجرة الطيبة المعنية بالقرآن أصلها سيدنا أبو القاسم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وفرعها فاطمة عليها السلام ولقاحها علي عليه السلام والأئمة عليهم السلام ثمرها وشيعتنا ورقها..).

يا حبّذا دوحة في الخلد نابتة * * * ما مثلها نبتت في الخلد من شجرِ
المصطفى أصلها والفرع فاطمة * * * ثم اللّقاح علي سيد البشرِ
ثم الشهيدان سبطاه لها ثمر * * * والشيعة الورق الملتفِ بالثمر

ومن حيث كانت كلمة الله في البدء كذلك، كان المنطلق في البدء آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهل يقاس بآل محمّد أحد ومن هنا كان رأس الإسلام حبّ أهل البيت عليهم السلام.
نعم إنّ الإنسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق اللاحب والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى، لتتقوى بذلك جنود العقل حتى يتمكّن من التغلّب على خصمه اللدود عندما يهييء الإنسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة، وأكثر ما تشتدّ حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة وتراوغه - وكثيراً ما تفعل - فتزين له أعماله وتحسّن له انحرافاتها، وكل منّا صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري إلاّ مَن عصمه الله، فوجب ان يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم، ولطفاً بهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة.
(فإذا كان المحل قابلاً ومستعدّاً لفيض الجود واللطف فانّه تعالى لا بد أن يفيض لطفه إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه، وليس معنى الوجوب هذا أن أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع تعالى الله عن ذلك، بل معنى الوجوب في ذلك كمعنى الوجوب في قولك انّه واجب الوجود أي اللّزوم واستحالة الانفعال).
أيّها المؤمنون من الأجدر بنا في هذا اللقاء الروحي ان نجعله خالصاً لوجهه تعالى، أن يكون التقاء فكرياً واعياً نعمّق فيه الصلة الأصيلة بقادة الإسلام ليتبلور أكثر فأكثر مفهومنا عنهم، نحن مدعوون اليوم لدراسة أهل البيت عليهم السلام دراسة ترسم لنا معالم الطريق فيما تجسد بدورهم المشترك الذي اُسند إليهم بتخطيط الرسالة، ذلك لأنّ الرسالة الإسلامية بوصفها رسالة عقائدية قد خطّطت لحماية نفسها من الإنحراف وضمان نجاح التجربة خلال تطبيقها على مرّ الزمن، وقد أوكل أمر قيادة التجربة وتنويرها تشريعياً وتوجيهها إلى الأئمة الأطهار عليهم السلام بوصفهم الشخوص القدسية الذين بلغوا في مستواهم درجة العصمة عن الانحراف والزلل والخطأ، ولا بد هنا من أن نسير الغور لنفهم في تاريخ الأئمة عليهم السلام الموقف العام الذي وقفوه في خضم الأحداث والمشاكل التي اكتنفت الرسالة بعد انحراف التجربة وإقصائهم عن مركزهم القيادي في زعامتها.
ومن هذه النافذة نطلّ على معالم صاحب الذكرى العطرة التي نحتفي بها اليوم بإجلال واحترام في هذا الملتقى المبارك، مناسبة مولد سبط المصطفى عليه السلام أبي محمّد الحسن بن علي الزكي(هذا الإمام العظيم الذي عاش ظلامة تاريخية كبرى وعانى ما عانى في سبيل الحفاظ على كيان الاُمّة الإسلامية وبقاءها).

تُقرّبك الذكرى وان بعد العهدُ * * * وفي ذكريات الروح يقترب البعدُ 
أقام لك الإيمان في القلب كعبةً * * * يطوف الثنا فيها ويسعى لها الحمدُ 
بحبّك جرّبت المقاييس كلها * * * فخابت ولم يظهر لآمادها حدُّ 
ستبلى معي الدنيا وحبّك بعدنا * * * سيبقى إلى ان ينفض الجسدّ اللحدُ 
هو الدين أهداني إليك فأبصرت * * * بك النفس ما يسعى له الشاعر الفردُ 
إلى الله أسعى في ولائك مخلصاً * * * به وشفيع الحب ليس له ردُّ 
فما أنت إلاّ السبط سبط محمّد * * * وشبل عليّ قدّس الأب والجدُّ 
ترعرعت في حجر النبوة ناشئاً * * * إلى أن أباح الكمُّ ما أضمر الوردُ 

وحيث لا نستطيع في ضوء الوقت المحدّد هنا ان نستوعب كافّة ما يتعلّق بقضية الإمام الحسن عليه السلام الكبرى من حيث ظروفها وأبعادها وما لابس ذلك، فإنّنا نخلص من خلال قراءة سريعة لما جرى في الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية إلى النقاط التالية التي تمثّل النتائج الهامّة وهي:
أوّلاً: كسر الطوق المعنوي الذي حاول معاوية أن يوهم به عامّة المسلمين من الحاجة المستمرة لطلب الصلح واغترار الناس به، وقد أبان الإمام الحسن عليه السلام ابتداءً اعتذاره عن ذلك بأنّ معاوية لا يفي بشرط ولا هو بمأمون على الدين ولا على الاُمّة.
ثانياً: لو حاول الإمام الحسن عليه السلام الإصرار على موقفه من قتال معاوية لكانت في ذلك مغامرة مواجهة قوّة لا قبل لها، ولا نكشف الأمر عن التضحية بنفسه وكافة الهاشميين وأوليائهم ولعذله العاذلون وقالوا فيه.
ثالثاً: اتضح الأمر - بعد ذلك - بفضيحة معاوية الذي لم يلتزم ببنود الصلح قيد أنملة ثم انكشف بعد ذلك الغطاء في دور أبيّ الضيم الإمام الحسين عليه السلام وما قدّمه من تضحيات تقف متمّمة لدور الإمام الحسن عليه السلام في مواجهة الظالمين ورد موجة الانحراف في الاُمّة.
رابعاً: امتثل الإمام الحسن عليه السلام ما ورد في سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم اُسوة به، حيث استرشد بالرسالة وامتحن بهذه الخطة، وقد أخذها في إقدامه وإحجامه من صلح الحديبية.
خامساً: كان الصلح نموذجاً فريداً صاغ به ائمة أهل البيت عليهم السلام سياستهم الحكيمة، حيث غرس الإمام الحسن عليه السلام في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنّى له به أن يلغم قصر الأموية ببارود الأموية نفسها.
وقد نقل التاريخ بصراحة زيف معاوية بوعوده حينما انتظم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة فقال وقد قام خطيباً فيهم: (يا أهل العراق إنّي - والله - لم أقاتلكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون! ألا وان كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدميّ هاتين) كما نقله ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق، فلمّا تمّت البيعة لمعاوية خطب فذكر عليّاً فنال منه ونال من الحسن إلى آخر ما وقع من الوقائع الجسيمة.
ويذكر الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي قدس سره: إنّ الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام كانا وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازيه بالتضحية في سبيلها، وكان (يوم ساباط) أعرف بمعاني التضحية من(يوم الطف) لدى أولي الألباب ممّن تعمّق، وكان شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً، لأنّ الحسن عليه السلام انضح نتائجها ومهّد أسبابها.
وقد وقف الناس بعد حادثتي ساباط والطف يمعنون في الأحداث فيرون في الاُمويين عصبة جاهلية منكرة(٩١).
وأفاد العلاّمة الكبير الشيخ المظفّر قدس سره بقوله: (ولا ينسى موقف الحسن بن علي عليه السلام من الصلح مع معاوية بعد أن رأى ان الإصرار على الحرب سيديل من ثقل الله الأكبر، ومن دولة العدل، بل اسم الإسلام إلى آخر الدهر فتمحى الشريعة الإلهية، ويقضى على البقية الباقية من أهل البيت عليهم السلام، ففضّل المحافظة على ظواهر الإسلام واسم الدين، وان سالم معاوية - العدو اللدود للدين وأهله، والخصم الحقود له ولشيعته - مع ما يتوقّع من الظلم والذل له ولأتباعه، وكانت سيوف بني هاشم وسيوف شيعته مشحوذة تأبى ان تغمد دون أن تأخذ بحقّها من الدفاع والكفاح، ولكن مصلحة الإسلام العليا كانت عنده فوق جميع الاعتبارات)(٩٢).
وعوداً على بدء نود أن نشير إلى النظر إلى مسألة الصلح في حياة الإمام الحسن عليه السلام ينبغي أن تدرس في ضوء الدور المشترك للأئمة عليهم السلام، وليس بالنظرة التجزيئية مع الإحاطة بالظروف الموضوعية التي صاحبت الحدث، هذا بالإضافة إلى أنّنا(نجد تصوّراً شائعاً لدى كثير من الناس الذين اعتادوا ان يفكّروا في الأئمة عليهم السلام بوصفهم اناساً مظلومين فحسب قد أقصوا عن مركز القيادة وأقرّت الاُمّة هذا الإقصاء، وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان فهؤلاء الناس يعتقدون انّ دور الأئمة في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب نتيجة إقصائهم عن مجال الحكم، فحالهم حال مَن يملك داراً فتغتصب منه وينقطع أمله في إمكان استرجاعها)(٩٣).
إنّ محنة المظلومية قد طالت أهل البيت عليهم السلام في صور متعدّدة، فكما هو الحال بالنظر إلى دورهم المشترك في الدعوة إلى الله وتبليغ أحكامه فانّهم يشتركون كذلك في مظلوميتهم وهذا التقابل بين العطاء والمحنة يرسم لنا صورة منهج دراسي جديد في عمق الشخصية الرسالية للأئمة الأطهار عليهم السلام ويفسّر لنا كذلك مظلومية شيعتهم في كلّ مكان وزمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله خلق الأنبياء من أشجار شتى وخُلقت وعلي من شجرة واحدة فأنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها فمَن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومَن زاغ هوى، ولو أنّ عبداً عَبَدَ الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا أكبّه الله على منخريه في النار ثم قرأ صلى الله عليه وآله وسلم(قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)) ويحضرني ما أجاد به أحّد شعراء العقيدة بقوله:

عجباً ذلك التراث بهذا * * * الحجم يقصى ومن سواه نميرُ
ما الذي كان قد جناه عليٌّ * * * عند قوم حتى استحرّت صدورُ
ألأنَّ الحق الذي قد رعاه * * * كان مرّاً والجاحدون كثيرُ
يا لها اُمّة أضاعت حجاها * * * حيثُ راحت خلف السراب تسيرُ
ولديها من ثورة الفكر ما يغني * * * ولكن أين السميع البصيرُ
فهي تعشو عن الحقيقة في المسرى * * * وفي بيتها السراج المنيرُ
أخذت تطلب السواقي البعيدات * * * وفي جنبها تفيض البحورُ
ان هذا هو الخسار وهل يفلح * * * قوم قد مات فيهم شعورُ

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

إثارات حول صلح الإمام الحسن عليه السلام

السيد محمّد العَمْدي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أشبع أساتذتنا الباحثون صلح الإمام الحسن عليه السلام بحثاً ونقاشاً ودراسات، وبقي أن نصول صولة خطابية مع هذا الصلح لنستجلي بعض صوره، لا كصورة دراسة وإنّما بصورة (إثارة) بصورة (طرح مسائل) هي بأشد الحاجة إلى أن تُدرس أكثر.
في مثل هذه المواليد وفي مثل هذه الاحتفالات عندما نحاول أن ندرس موقف الأئمة عليهم السلام، قد نغفل أحياناً عن متطلبات يتطلبها البحث وقد نحيط ببعض الجوانب ونترك جوانب اُخرى.
لكن نحن عندما نحاول أن ندخل إلى عالم الأئمة عليهم السلام أرى أنّه من المناسب لنا في هذا الدخول البطيء أن نحاول أن نأخذ أشياء نمضي بها، نحاول أن نأخذ أشياء نعيش معها، أن تكون واقعنا، أن تكون خبزنا، أن تكون ماءنا، يا ترى في عالم الإمام الحسن عليه السلام أيَّ صورة نستجلي؟ أيُّ بحثٍ يمكن أن نخوضه دون أن نخرج بآلاف الدراسات، ودون أن نخرج بآلاف الدروس التي تمدّنا في خضمّ هذه الحياة المستمرة وهجاً بعد وهج وحياةً بعد حياة؟
دعونا نمرّ مع الإمام الحسن عليه السلام في صلحه بخطوات ولتكن أولى تلك الخطوات هي شجاعة الإمام الحسن عليه السلام، لماذا صلح الإمام الحسن عليه السلام بالذات؟
لماذا شجاعة الإمام الحسن عليه السلام عند الحديث عن صلح الإمام الحسن عليه السلام؟ الكثير أثاروا نقطة أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان مسالماً! وكان مداهناً! وكان مداهناً! ووجهوا ولله الحمد بعدّة مواجهات وكانت كافية وقوية في حدّ ذاتها.
الإمام الحسن بن علي عليه السلام عندما تدرس شجاعته تمتلك في ذلك النصوص العديدة.
خذوا معي ذلك النص الذي يرويه(الدنيوري) في(الأخبار الطوال): عندما أرسل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ابنه الحسن إلى الكوفة في حرب الجمل ليدعو الناس إلى هذا الجهاد، استطاع الإمام الحسن عليه السلام أن يجمع تسعمائة مقاتل.
في إرساله إلى الكوفة؟ وأن يجمع تسعمائة مقاتل؟ ووالي الكوفة أبو موسى الأشعري الذي تدين له الكوفة بولاءات عديدة؟ هذا من الصعب، لكنه عند الإمام الحسن المقاتل والشجاع وذي الحنكة السياسية المتميزة سهل جداً.
في حرب صفين يقول الإمام علي عليه السلام أنّه يخاف ان ينقطع بقتل هذين نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماذا؟ لأنّ هذين الأثنين(الحسن والحسين) كانا قد أظهرا شجاعة متميزة في قتالهم لأولئك الكفار، ولذلك كان الإمام يطالب بأن يوقفا هذه الصولة.
ثم نحاول أن ندرس الصلح من نواح اُخرى، الصلح كان نصراً، قاله الشعراء والباحثون.
بعض الباحثين قال إنّه يجب أن يُشبّه هذا الصلح بصلح الحديبية من عدّة نواح: من الناحية التشريعية ومن الناحية الانتصارية؛ فمن الناحية التشريعية: الصلح شرع في الإسلام وأكبر دليل على ذلك صلح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما هو في اعتقادنا أنّ الإمامة ليست إلاّ امتداداً للنبوة والرسالة.
لكن هل بُلي الإمام الحسن عليه السلام بما يلي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عدم التسليم بالصلح؟
نعم، كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واجه شرذمة كانت ترفض الصلح إلاّ أنّ حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استطاعت أن تتعمّق في ذلك المجتمع حتى جعلت الصلح يأخذ مساره ويأخذ انتصاراته.
لكن القضية تختلف عند الإمام الحسن عليه السلام، فالإمام الحسن عليه السلام كان يعيش عصراً لم يؤمن ذلك الإيمان المتطلّب بامتداد الإمامة كامتداد أساسي وجذري للرسالة، ولذلك كان هنالك عدّة إشكالات وعدّة دوائر - عندهم - على هذا الصلح.
النصر الذي أحرزه المسلمون في صلح الحديبية يذكر عنه جميع المؤرخين أشياء مذهلة، كان عدد المسلمين أيام الصلح ألف وأربعمائة مسلم ولكنّه في رواية ابن هشام عن الزهري امتد إلى عشرة آلاف بعد صلح الحديبية. وأمّا صلح الحسن وانتصاره لو لم يكن من انتصار صلح الحسن عليه السلام إلاّ انتصار عاشوراء لكفاه انتصاراً مدى التاريخ، أضف إلى ذلك إنّنا عندما نرى صلح الإمام الحسن عليه السلام نجد أمامنا عدّة انتصارات: حقن الدماء، حفظ الهاشميين، الحفاظ على العترة، الحفاظ على هذا الكتاب المقدّس. كل هذه انتصارات لا يمكن أن تخفى أمام الدارس والباحث.
عندما تحاول ان تسافر إلى النصوص خذ رحلة إلى بحار الأنوار وحاول ان تتطلّع إلى ذلك الحديث مع أبي سعيد الذي يشرح فيه الإمام الحسن فوائد ذلك الصلح ووجهة نظره.
أمّا عن الصلح في ذاته فقد قال الباحثون: إنّ الصلح كان مفروضاً على الإمام الحسن عليه السلام، وإنّ الأوضاع السياسية التي كانت في ذلك العصر فرضت على الإمام الحسن عليه السلام أن يصالح. هذا تعبير قد يكون فيه نوع من التجاوز مع الإمام عليه السلام. إنّه موقف معصوم.
وهذه قضية مسلمة لكن دعنا نكون أولي فلسفة في حياة الأئمة لنقول:
إنّ سلطة الروم في ذلك الوقت كانت تتحيّن الفرص للانقضاض على دولة الإسلام.
كثير من اللصوص كما يروي اليعقوبي في تاريخه، وكما يروي ابن الأثير وغيره كانوا يتوقّعون أن يتقاتل الجيشان لينقضوا على الإسلام ويبيدوه.
أيمكن في موقف كهذا الموقف المريب وفي هذا الموقف الخطر جدّاً أن يقاتل الإمام الحسن؟! أم أنّ المتوقّع من إمام كهذا الإمام أن يصالح؟ في سبيل الحفاظ على بيضة الإسلام كما عمل أبوه أمير المؤمنين عليه السلام.
انتقل معي إلى إثارة اُخرى - ونحن قلنا: إنّ البحث معنا ليس دراسة وإنّما إثارات - انطلق معنا إلى ضعف المعسكر الذي كان يقوده الإمام الحسن عليه السلام لترى عجبا!
تلك الخطبة التي يخطبها الإمام الحسن عليه السلام ويرويها صاحب بحار الأنوار فيقول: (خطب الإمام الحسن بن علي عليه السلام بعد وفاة أبيه. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أمّا والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكنّا كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم وكنّا لكم وكنتم لنا وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدّون قتيلين: قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم فأمّا الباكي فخاذل وأمّا الطالب فثائر، وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الحياة قبلناه منه وغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمناه إلى الله، فنادى القوم بأجمعهم، بل البقية والحياة).
أيمكن لإمام معصوم عليه السلام في هذا الجيش الخائر أن يخاطر بصفقة تجارية خاسرة مسبقاً.
إنّها تجارة مع الله ولكن عند الأئمة عليهم السلام التجارة مع الله ذات أبواب عدّة ليس بابها واحداً فقط.
كان ذلك الجيش لا يؤمن بالإمام الحسن عليه السلام فمنهم مَن جاء لأجل أن يثور، ومنهم مَن جاء وهم أتباعه أبيه وهم قلّة، ومنهم مَن جاء يحبّ المال والثروة، ومنهم مَن جاء - وهم الخوارج - وهدفهم الوحيد أن يقاتلوا معاوية، سواء كان الحسن قائدهم أم كان الحسين، ليست القيادة عندهم اُسّاً أساسياً في قتال معاوية.
مثل هذا الجيش أيقدر على المواجهة؟! بغض النظر عن مسألة: هل يقدر الإمام الحسن على أن يقاوم به.
خذ مثلاً وأنت تعبر هذا الطريق الشائك عن القائد الخائن عبيد الله بن العباس الذي سلّم الأمر لمعاوية، وإرسال معاوية الجواسيس الذي أشاعوا في صفوف الإمام الحسن عليه السلام أنّه قد سلّم.
جيشٌ ملأته شائعة أنّ الحسن قد سلّم وصالح - وهو لم يصالح بعد - ولم يلتق بمعاوية.
وهذا الجيش تعوّدنا منه كثيراً أن يقبل الشائعات في كثير من مواقف التواريخ مع الإمام علي في(صفّين) وفي(الجمل) وفي(النهروان)، هنا تعترضنا نقطة هامّة وهي أن ندرس الصلح وبنود الصلح.
إنّي أحب أن أثير نقطة(أنّ الصلح اختلفت بنوده) ولا تجد نصاً تاريخياً واحداً يجمع لنا الخمسة بنود التي طرحها الشيخ راضي آل ياسين في كتابه(صلح الإمام الحسن) وإنّما جمعت.
مسألة تجميع هذه الأساليب ليست فقط في سيرة الإمام الحسن عليه السلام وإنّما في سِيَر جميع الأئمة عليهم السلام.
عندما نحاول أن ندرس بنود صلحهم ومصالحاتهم، أو عندما نريد أن ندرس ثوراتهم نجد أنّ أشياء تجمع من هنا وهناك.
يا ترى لماذا كان التاريخ لا يذكر الأسباب دفعة واحدة؟ لماذا كانت هذه المسائل تجمع؟ دعها إثارة واعمل بها ما شئت.
إنّ الاستقراء التاريخي للصلح - والذي أودّ أن يكون ختام هذا الحديث الخطابي المرتجل - أن الصلح سياسة، وسياستنا - أيّها الأحبة - سياسة الشيعة بالذات هي خبزهم وماؤهم الذي يسير معهم.
إنّنا بالسياسة عشنا، وبالإمام الحسن عليه السلام وسياسته، وبالإمام الحسين عليه السلام وسياسته، وبالسجاد عليه السلام وسياسته، وبسياسات جميع الأئمة عشنا لنصنع السياسة لا لتصنعنا، فكنّا قادة الموقف، لأنّ أئمتنا هم مَن صاغوا هذه السياسة الإسلامية.
أو ليس أولى بنا عندما ندرس صلح الإمام الحسن عليه السلام أو غير صلح الإمام الحسن، أو ثورة السجّاد أو ثورة الباقر والصادق أن نجعل هذه الأحداث السياسية امتدادات معاصرة لنا؟
يا ترى ما هو الدرس الذي نستفيده من صلح الإمام الحسن عليه السلام سياسياً في حياتنا السياسية المعاصرة؟
إنّنا بحاجة إلى(إثارة).. إنّنا بحاجة إلى سياسة تعيش معنا، هكذا علمنا أئمتنا وأشركونا في حدثهم.
هل أوفينا أم لم نوف أم يجب علينا الإيفاء؟ هذا حديثكم أنتم!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حدود العصمة

الشيخ حسين البدر

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الذي قدّر فهدى، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
• مقدمة البحث:
لا شك ولا ريب أنّ العصمة ترتبط بالعلم ارتباطاً وثيقاً، وإن كان هناك اُمور اُخر ترتبط بها أيضاً، فكلّما وجد العلم والإحاطة قلَّ الخطأ بل ينعدم، والعكس صحيح فكلّما عدم العلم والإحاطة ازداد الخطأ، فعليه ما هو مقدار العلم الذي كان لدى المعصومين عليهم السلام لتتحدد على ضوئه عصمتهم عليهم السلام؟
• ثم هنا أسئلة تُثار:
هل يمكن أن يخطئ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فيأمر بتأبير النخل مثلاً في غير وقته أو بكيفية معينة فيخرّب الثمر ويفسد، لأنّه انكشف خطؤه أم لا؟
هل أخطأ أمير المؤمنين عليه السلام حين قعد عن قتال القوم؟
هل أخطأ الإمام الحسن عليه السلام حين صالح؟
هل أخطأ الشهيد أبو عبد الله عليه السلام حين قام بالثلة القليلة من أصحابه وأهل بيته عليهم السلام وفي سوق النساء والأطفال؟
أسئلة عديدة فهل أخطأ هذا الإمام حين قام وأصاب ذلك حين قعد؟ هذا ما يدور حوله فلك هذه كلمة في ثلاثة أقطاب:
القطب الأوّل: عصمتهم عليهم السلام.
القطب الثاني: في مقامهم عليهم السلام.
القطب الثالث: في سبب تضييق اُفق العصمة لديهم عليهم السلام، وبعبارة اُخرى: هل تختص عصمتهم عليهم السلام في حدود تبليغ الأحكام ام تتجاوزه إلى الموضوعات بل الجزئيات العادية.
كانت الأسئلة المتقدمة من كون هذا الموطن موطن قعود أو نهوض أو موطن صلح أم لا، شبهات موضوعية، ومثال العاديات هل يخطئ في مسألة رياضية لا ربط لها بالحكم الشرعي فيكون كبقية الناس أم لا؟ العصمة كان النقاش فيها مع الطرف الآخر مع غير الإمامية الإثني عشرية، وقد أشبع هذا البحث نقضاً وإبراماً مع العامّة، والعنوان العريض الذي عرف به المذهب الإمامي الإثنا عشري الجعفري هو أنّ العصمة لهم عليهم السلام لا حدود لها على مستوى الأحكام أو الموضوعات أو غيرها لعدم الفصل قديماً، وأن اُثير مؤخّراً إلى أن وصل إلى درجة التبنّي..
وما نُقِل عن الصدوق رحمه الله من جواز الإسهاء لا يخل ولا ينافي كون ما قلناه عنواناً عريضاً عرف به المذهب الإمامي الجعفري الاثنا عشري.
إذا عرفت ذلك فنقول وبالله المستعان:
القطب الأول: العصمة في سعة اُفقها.
الدليل الأوّل: الكتاب وفيه آيات.
الاُولى: قوله تعالى:(ونزلّنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)(٩٤) ، التبيان والبيان معناه واحد وهو التوضيح والوضوح، وقبل الاستدلال لا بأس ببيان أمر وهو: أنّ البيان لكل شيء تارة يمكن تصوره بإعطاء الكليات من قِبَل الله عزّ وجل وإيكال التطبيق على الجزئيات إلى المنزل عليه الكتاب كاملة، واُخرى ببيان الجزئيات بشكل مباشر، أي من غير توسّط الكليات، كما ربّما يميل إلى ذلك العلاّمة السيد الطباطبائي قدس سره لكن بشكل خاص لا يحيط به إلاّ أهل القرآن ومَن خوطب به وهم المعصومون بمَن فيهم الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام، ومن هذا المنطلق قد أشار السيد الشهيد رحمه الله إلى أنّه يمكن الحدس بالأحداث المستقبلية من خلال التوافر على دراسة قصص الاُمم الغابرة المذكورة في القرآن الكريم.
تقريب الاستدلال بالآية الشريفة: أنّ (شيء) في الآية عام لا يخص الأحكام فقط، بل يشملها ويشمل الموضوعات والجزئيات رياضية وهندسية وطبية، لها علاقة بالأحكام أو لم تكن، فهو مبين لها وكاشف عنها أمّا على نحو القوانين الكلية أو على نحو الجزئيات بشكل خاص كما ذكرنا، وبما أنّ الحامل للقرآن والمبين له هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وبضميمة حديث الثقلين، وغيرها ممّا دلّ على قرنهم بالقرآن وإيداعه عندهم يتم الاستدلال من أنّهم لا بد أن يحيطوا بذلك الكل وذلك الشمول المذكور في الآية لكي يتم البيان للمستخلف عليهم والمبيّن لهم.
الآية الثانية: قوله تعالى:(وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ اُمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء..)(٩٥) ، وهذا بالإضافة إلى اشتمالها على الاستدلال المتقدم، قد عدّدت اُموراً عادية من دبيب الدابة وطيران الطائر بجناحيه أيضاً، ولا بد أن يحيط خليفة الله عزّ وجل في الأرض بذلك بما يتناسب وعظم خطر الخلافة ومقامها الإلهي.
الآية الثالثة:(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)(٩٦) ، على بعض الروايات أنّه أمير المؤمنين عليه السلام وما عنده صار إلى من بعده من الأئمة الطاهرين عليهم السلام.
الدليل الثاني: الإجماع: والمقصود هنا الضرورة ومعقده عدم التفصيل بين الأحكام أو غيرها، بل في بعض كلمات القوم التصريح بعصمتهم في غير الأحكام أيضاً يلاحظ ذلك عند دفاعهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصد أمره بالتأبير.
الدليل الثالث: الفطرة أو اللّطف، ويستدعي تقديم أمر وهو ان خليفة الله في الأرض إنّما جعل لأجل التقريب إلى الله عزّ وجل والتبعيد عن معصيته تعالى، إذا عرفت ذلك فنقول ان فرض إمكان خطأ الخليفة ينافي الغرض الذي من أجله جعل الإمام وذلك أنّ الخطأ جهل ونقص، والنقص ينفّر ذوي الطباع السليمة وذلك حتى في المسائل العادية كما هو ملحوظ في حياتنا، فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة عليهم السلام بل حتى الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام يخطئون لكان ذلك مصادماً للمعادلة المذكورة، فتنفر الطباع منهم فينتفي الغرض وهو التقريب إلى الله عزّ وجل والتبعيد عن معصيته، وعلى العكس تماماً لو لم نفرض فيه الخطأ فانّ الانشداد إليه إلهياً أشد، ثم ان ذلك العبقري الذي وصل في الذكاء والاختراع غايته مَن سيكون قدوته غير الخليفة؟ وعليه لا بدَّ أن يكون الخليفة أكمل مَن على وجه الأرض، بل من في الكون بعد الله عز وجل. ومن هذا كلّه يجب توجيه ما ظاهره الجهل في عبارات المعصومين عليهم السلام إن أمكن بمثل إظهار الكرامة للناس أو تقرير أمر على حذو(ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين)(٩٧) تعالى الله أن يكون جاهلاً فيصدر منه هذا السؤال، وإلاّ رُدّ لأهله، ثم أن في قبال ما ظاهره الجهل مواقف تدل على سعة علمهم كإخبارهم عن اسم الشخص وما جاء لاجله ابتداء، وأمثال ذلك وممّا يوجب الأنس بذلك ما سيذكر في القطب الثاني.
الدليل الرابع: الروايات ومنها ما ورد في اُصول الكافي ج ١ كتاب الحجة، ذكر الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام: محمد بن يحيى عن أحمد عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن إبراهيم اليماني عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا جابر انّ الله تبارك وتعالى خلق ثلاثة أصناف وهو قول الله عزوجل:(وكنتم أزواجاً ثلاثة... إلى السابقون السابقون أولئك المقربون)(٩٨) فالسابقون هم رسل الله عليهم السلام وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح أيّدهم بروح القدس فيه عرفوا الأشياء الحديث وما بعده فيه أسرار عظيمة فليراجع ثمة، وكذا الباب الذي قبله.
القطب الثاني: مقامهم عليهم السلام ويعرف من الآيات كقوله تعالى:(إنّي جاعل في الأرض خليفة)(٩٩)، وأعظم به من مقام! ومن الروايات ما ورد في اُصول الكافي: ابو محمّد بن العلاء رحمه الله رفعه عن عبد العزيز بن مسلم قال كنّا مع الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة، والحديث طويل نقتصر على محل الشاهد (هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الاُمّة فيجوز فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بقولهم، أو ينالوها بآرائهم...)(١٠٠) الحديث، والباب يشتمل على أحاديث صحيحة بنفس المضمون فليراجع.
وباب إنّ الأئمة عليهم السلام هم العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه: الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد عن الوشاء قال سألت الرضا عليه السلام عن قوله الله تعالى: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)(١٠١)، قال نحن العلامات والنجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الآيات والذكر في الكتاب كما جاء في بعض الروايات(١٠٢).
القطب الثالث: إنّ سبب القول بخطئهم في غير الأحكام، هو إنّما ليكون مدخلاً في خلخلة مقامهم عليهم السلام فيكونوا هم وغيرهم على حدٍّ سواء، فتقبل كلمة ذلك الغير ومنصبه وتبرّر أخطاؤه وزلاّته(١٠٣).
هذا ومن خلال العرض السابق نصل إلى أنّ ما اُثير من الطعن في شخصية الإمام الزكي الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام وصلحه مع معاوية لعنه الله لا واقع له من الناحية الفنية والاعتقادية.

معطيات رسائل الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية

الشيخ نزار سنبل

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين:
المدخل
أراني لا أخطئ الواقع إن أنا قلت: بأنّ الدور الذي جاء عقيب شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو من أخطر الأدوار التاريخية التي مرّت على أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، إن لم يكن أخطرها، وإنّه المنعطف الثاني الخطير في مسير الدولة الإسلامية وقد زاد في هوّة المنعطف الأوّل كثيراً، وإنّ الحالة الاجتماعية والسياسية التي رافقت هذا الشرخ العظيم في جسد الاُمّة المسلمة، كانت متردية إلى أبعد الحدود، والله وحده يعلم مدى المعاناة التي عاناها الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام في سبيل إصلاح ذلك الوضع السيء، يقتفيان خطى أبيهما العظيم عليه السلام في الذب عن كرامة الاُمّة وحريم الإسلام.
ويمكن طرح الفكرة بصورة أوضح من خلال اُمور:
١ - إنّ شهادة الإمام علي عليه السلام - زعيم الدولة الإسلامية - كانت في محراب المسجد الجامع، وفي أعظم شهور الله حرمة وهو شهر رمضان، عقيب مؤامرة دبرها نفر من الخوارج.
٢ - بلغ خبر شهادة الإمام عليه السلام الشام فعقد معاوية اجتماعاً طارئاً دعا فيه دهاة العرب الذين أخذوا على أنفسهم أن لا يعلو صوت لآل أبي طالب عليه السلام الذي هو صوت الإسلام الحقيقي، ليُحكِموا الخطط ويحوكوا المؤامرات ضد الإمام الحسن عليه السلام وحكومته كما ستعرف بعض ذلك عن قريب.
٣ - إنّ المناوئين الآخرين الذين نقضوا أو تخلّفوا عن بيعة الإمام علي عليه السلام يتربصون به وبأهل بيته الدوائر، سواء من كان في المدينة ومَن خرج منها.
٤ - التمزق الشديد داخل عاصمة الإمام عليه السلام، واختلاف الأهواء والمطامع والمشارب واُسلوب التفكير بين أفراد المجتمع الكوفي وما يتبعه من المدن والقرى والقبائل.
٥ - الاختلاف الكبير بين أهداف الإمام عليه السلام الطامح لإعلاء كلمة الله وإرساء الحق والعدل بين المنظومة الإنسانية، وبين ما يفكر فيه بعض الشخصيات من عاصمته في ما يعود نفعه إلى مصلحته الشخصية أو مصلحة قبيلته.
كل هذه الاُمور وغيرها والتي غابت عنّا وعن ذاكرة التاريخ، كان لها الدور الكبير في صنع القرار واتخاذ الموقف في سياسة الإمام الحسن عليه السلام الحربية والسلمية، وقد بحث الكتّاب والمؤرخون عن حياة الإمام الحسن عليه السلام واستوعبوا الكثير من جوانبها، وخرجوا بنتائج، كل بما يمليه عليه مذهبه ومشربه وطريقته في البحث.
ومن الاُمور التي كان من المفترض أن تتصدّر قائمة الأبحاث وتعنى بالدراسة والتحليل هي رسائل الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية، إلاّ أنّنا لم نرّ من ذلك شيئاً يذكر مع قيمتها التاريخية والسياسية والوثائقية، ممّا حدا بي إلى أن ألقي شيئاً من الضوء على هذه الرسائل حتى نتعرّف معطياتها وجانباً من منهج سياسة الإمام الحسن عليه السلام.
والجدير بالذكر إنّني حاولتُ في هذا البحث أن أتعامل مع النص وما يحيط به من ظروف، بدون أن أترسّم خطى أحد لأخذ رأيه أو كيفية طرحه واُسلوب تعامله مع النص، حتى تكون النتائح أقرب إلى النص منها إلى رأي الآخرين وأفكارهم.
وليكن معلوماً لدى القارئ الكريم أنّ الرسائل المتبادلة بين الإمام عليه السلام ومعاوية لم تصلنا مرتّبة في كتب التاريخ من ناحية الزمان، بل جاءت مبعثرة غير منتظمة عدا ما ورد في معادن الحكمة للكاشاني(١٠٤) حسب تتبّعي، إلاّ أنّ الملتفِت لمجريات الحوادث يستطيع ترتيبها حسب زمان صدورها ولو ظنّاً بنسبة مرتفعة، هذا وقد اختلفت نسخها في المصادر، لذا سوف أكتفي بالأوسع مضموناً منها.
• الرسالة الاُولى:
كتب الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي:
(من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد فإنّ الله عزّ وجل بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ومنّة للمؤمنين، توفّاه الله غير مقصّر ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، وخصّ قريشاً خاصّة، فقال له: (وإنّه لذكر لك ولقومك)(١٠٥) فلمّا توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واُسرته وأولياؤه لا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّد وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجّة لهم في ذلك على مَن نازعهم أمر محمّد، فأنعمت لهم، وسلمت إليهم، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج.
فلمّا صرنا أهل بيت محمّد وأولياءه إلى محاجتهم وطلب النصف باعدونا، واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت عليهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير.
ولقد تعجبّنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين، أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده.
فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لستَ من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه والله حسيبك، فسترد فتعلم لمَن عقبى الدار.
وبالله لتلقينّ عمّا قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد.
إنّ عليّاً لما مضى لسبيله - رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يُبعث حيّاً - ولاّني المسلمون الأمر بعده.
فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة.
وإنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم، والصلاح للمسلمين.
فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أواب حفيظ، ومَن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أبيت إلاّ التمادي في غيّك سرتُ إليك بالمسلمين، فحاكمتُك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(١٠٦).
• زمن الرسالة:
ضرب الإمام علي عليه السلام في محراب مسجد الكوفة في الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان المبارك وانتقل إلى جوار ربّه في الليلة الحادية والعشرين منه في سنة ٤٠ ه‍، وبويع الإمام الحسن عليه السلام بالخلافة في صبيحة تلك الليلة بعد أن خطب في الناس وأبّن الفقيد العظيم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله بعد الحمد والثناء: (لقد قبض هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه... إلى أن قال: أيّها الناس مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن البشير النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وأنا من أهل بيت افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم...)(١٠٧).
ثم قام ابن عباس فحفز المسلمون على بيعته قائلاً: (معاشر المسلمين هذا ابن نبيّكم وصي إمامكم فبايعوه) فتمّت البيعة له.
فمن المحتمل قوياً أن تكون هذه الرسالة بعد البيعة بقليل فتكون في العشر الأواخر من شهر رمضان أو أوائل شهر شوّال.
• ظرف الرسالة:
هي الظروف نفسها التي ذكرنا مجملها في المدخل مع ملاحظة الأزمة السياسية الخانقة الي أعقبت الحروب الثلاثة - الجمل، صفّين، النهروان - والتي خاضها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، مع مَن نقض بيعته ومن تخلّف عنها، والتي ملأت قلوب الكثيرين حقداً وبغضاً للإمام عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام وأصحابه، كما امتلأت قلوب المشركين من قبل، يضاف لها هنا بأنّ ظرف الدولة الإسلامية بعد استشهاد قائدها بهذه الصورة لم يكن ظرفاً عادياً بل كان حسّاساً وملتهباً، مضافاً إلى أنّه ظرف لقاء الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية وجهاً لوجه، وانّه امتداد للصراع بين الكوفة والشام، فانّ الإمام الحسن عليه السلام يمثّل خطّ أبيه الإمام بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى (وجدتُكَ بعضي بل وجدتُك كلي)(١٠٨)، والطرف المقابل لا زال هو معاوية الذي يطمع في الملك وبقاء السلطة في يده واستمرارها في بني اُمية من بعده.
• معطيات الرسالة:
تعتبر هذه الرسالة وثيقة تاريخية مهمّة جداً وتحمل بين حروفها معاني كثيرة، وتفتح آفاقاً واسعة لدارسي التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة من الزمان شريطة أن يرتفعوا بقلمهم عن نوازع المؤرّخ التقليدي، والتاريخ الرسمي كما يستفاد منها معطيات عدّة منها:
الأوّل: أنّ الإمام عليه السلام ابتدأ الرسالة بعد الحمد لله سبحانه، بأنّ الله بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين..
فكأنّ الإمام عليه السلام يشير بهذا المطلع إلى شيئين:
١ - إنّ منصب الخلافة الإسلامية موقع يخلف منصب الرسالة فلا يستحقّه كلّ أحد، بل لا بد أن يكون أمره بيد السماء، كما أنّ هناك صفات ينبغي تواجدها في شخص الخليفة كما هي متوفرة في شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يتسنّى له أن يقوم بمهمة زعامة المسلمين الكبرى وقيادة الدولة الإسلامية بأمان، وأن تكون له الأهلية والقدرة على إحقاق الحق وبطلان الباطل، لمعرفتها أوّلاً، وحمله للروحية الإسلامية التي تقبل ذلك ثانياً، وفي هذا إشارة خفية لعدم اتصاف معاوية بهذه الاُمور المطلوب تواجدها في شخص الخليفة.
٢ - إنّ الرسالة الإسلامية قد ووجهت بالعداء من المشركين ولا سيما مشركي قريش من مبدأ مسيرتها وإنطلاقها، وحاول المشركون - الذين كنتَ منهم يا معاوية - وأدها في مهدها، فما توانى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في القيام بما اُمر به، وإظهار الرسالة وإبرازها إلى نور الوجود، ولقد قال كلمته المشهورة التي دكّت كبرياء قريش وزلزت الأرض تحت أقدامهم: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك)(١٠٩)، بينما بذلتم جهدكم في إخفائها، فكيف تريد اليوم أن تتولّى مهام الأمر الذي كنتَ تحاربه بالأمس وتجهد في دفنه وإطفائه؟!
وليس استبعاد أمثال معاوية عن أمر الخلافة بأمر غريب بل هو عين الحكمة والصواب، فان مَن كانت حاله هي هذه في مبدأ أمره إلى سنين كثيرة مضت من عمره تخللتها الحروب والدماء، لا بد أن يتأثّر بالبيئة التي كان يعيش في محيطها، والأفكار التي تربّى عليها بحيث تبقى رواسبها في نفسه فيتحرك حسب إملائها من حيث يشعر أو لا يشعر، ثم ما حال المسلمين الذين كانوا ضدّه في المواجهة وهم يرون أنّ أميرهم اليوم هو الرجل الذي حاربهم على كلمة التوحيد بالأمس؟
وقد رسم الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رحمه الله نفسية معاوية ومَن أسلم معه يوم الفتح فقال في رسالة بعثها إلى الإمام اسحسن عليه السلام: (واعلم انّك تحارب مَن حارب الله ورسوله في ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر الله، فلمّا وحّد الرب ومحق الشرك وعزّ الدين أظهروا الإيمان وقرأوا القرآن مستهزئين بآياته، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى وأدّوا الفرائض وهم كارهون، فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في الدين إلاّ الأتقياء الأبرار توسّموا بسيماء الصالحين ليظنّ بهم المسلمون خيراً، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم وقالوا حسابهم على الله، فان كانوا صادقين فإخواننا في الدين وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمل إلاّ غيّاً ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلاّ مقتا..)(١١٠).
الثاني: أرّخ الإمام عليه السلام للنقطة المهمة التي بها ظهر المهاجرون على الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وبالأحرى انتصرت بها قريش على الأنصار وسائر العرب، وكان لهم بها منطق القوّة، وهي احتجاجهم بأنّهم شجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنّهم أهله وأقرباؤه، وقد ذكّر الإمام عليه السلام معاوية بأنّ هذا الأمر وهي الخلافة إنّما ذهبت عن الأنصار ويمّمت صوب قريش الذين وضعوك في هذا الموضع بتأميرهم إيّاك على الشام لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، فلم تكن للأنصار حجّة تصلح أن تناهض تلك الحجّة.
ولعل ذكر الإمام عليه السلام لهذا الحدث التاريخي في رسالته هذه إشارة منه إلى أنّ الذي أطمع معاوية وأمثاله في الخلافة هي وقائع السقيفة، ولو أعطيت صاحبها الشرعي من ذلك الحين لما آلت لأمثال معاوية، ولما حدّثته نفسه بها يوماً من الأيام وهو من هو، ممّن عُرف بالحقد والكيد للإسلام ونبي المسلمين، كما أنّ الذي أطمع الزبير وطلحة بها جعلهم في الشورى من قِبَل الخليفة الثاني، وقد صرّح بهذا المعنى الإمام نفسه عليه السلام في كلام له مع معاوية حيث قال: (وأقسم بالله لو أنّ الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، وما طمعتَ فيها يا معاوية، ولما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمعت فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء: أنت وأصحابك)(١١١).
الثالث: بين الإمام عليه السلام انّهم - أهل البيت عليهم السلام - قد حاجوا قريشاً بمثل ما حاجت به سائر العرب فلم ينصفوهم إنصاف العرب لهم، فأفصح الإمام عليه السلام في هذه الوثيقة عن أمر ذي بال من حياة الإمام علي عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحين تولي غيره لقيادة الاُمّة المسلمة، وهو أمر الاحتجاج من قِبَله عليه السلام على القوم، خلافاً لما عليه كثير من مؤرخي أهل السنة وكتّابهم الذين ذهبوا إلى أنّ الإمام علياً عليه السلام لو كان هو صاحب الحقّ والأمر كما تزعم الشيعة لما سكت عن حقّه، ولما بايع القوم وكان عليه أن يحاججهم في ذلك، فاعتبروا عدم احتجاجه عليه السلام أمراً مسلّماً بينهم، فهذه الرسالة إحدى الوثائق التي بيّنت احتجاج أهل البيت عليهم السلام على مَن تولّى زمام الأمر دونهم، فقد كانت هناك مجموعة من الاحتجاجات مثل قول الإمام علي عليه السلام: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة)(١١٢)، وما يُنسَب إليه من الشعر:

فإن كنتَ بالقربى حججتَ خصيمهم * * * فغيرك أولى بالنبي وأقربُ
وإن كنتَ بالشورى ملكتَ اُمورهم * * * فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ

وما روي أنّ الإمام علي عليه السلام أتى إلى أبي بكر وهو يقول: (أنا عبد الله وأخو رسوله) فقيل له بايع أبا بكر. فقال: (أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليه بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمّد منكم، فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى الناس برسول الله حيّاً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون)(١١٣).
وقول السيدة الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة: (فلمّا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم فألفاكم لدعوته مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب..)، وفيها: (ويحكم أنّى زحزحوها - الخلافة - عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الأمين) وفيها: (ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم مَن هو أحقّ بالبسط والقبض).
ومن المحتمل انّه عليه السلام إنّما بيّن هذا الجانب لمعاوية لعلمه عليه السلام بأنّ معاوية أراد بثّ هذه الشبهة في نفوس العامّة، بحيث اتّخذه المؤرخون أمراً مسلّماً فيما بعد.
الرابع: يظهر من قول الإمام عليه السلام: (ولقد تعجّبنا من توثّب المتوثّبين علينا في حقّنا.. الخ) أنّ أحقيّة الإمام علي عليه السلام للسلطة الدينية والزمنية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، وانّه الخليفة المنصوب من قِبَل السماء، أمر لا خفاء فيه على أحد، بحيث كان من الوضوح والاشتهار أن أثار التخلّف عنه وإنكاره التعجّب والاستغراب في نفوس أهل البيت عليهم السلام والخلّص من المسلمين، فإنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ركّز فكرة خلافة الإمام علي عليه السلام بعده في نفوس المسلمين عامّة وخاصّة، وربّى المسلمين على ذلك في كثير من المواقف الحرجة التي ألمت بالمسلمين، بل وفي أماكن الدعة والراحة أيضاً، وربّى الإمام علياً عليه السلام على ذلك أيضاً بإعطائه قيادة جيوش الإسلام وعدم تأمير أحد عليه في كلّ المواقع التي حضرها، وباختصاصه بالعلم الذي ينفتح له من كلّ باب منه ألف باب وبغيره، ولو غضّ الطرف عن جميع ذلك فلا يمكن أن يغض النظر عن بيعة الغدير وتنصيب الإمام علي عليه السلام خليفة شرعياً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووليّاً على المسلمين بعد وفاته، تلك البيعة التي لم يمض عليها إلاّ شهران وعشرة أيام قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مدة قصيرة في حساب الزّمن لا تكفي لنسيان الحدث غير المهم فضلاً عن مثل هذا الحدث العظيم المحاط بمجموعة من الظروف المكانية والزمانية والنفسية التي تغرسه في أذهان الحاضرين إلى أبد الآبدين.
ويوضح هذا الأمر شعر عتبة بن أبي لهب أو غيره ممّن عاصر حوادث السقيفة وآخر آيام الرسالة:

ما كنتُ أسبُ أنّ الأمر منصرفٌ * * * عن هاشم ثُمَّ منها عن أبي حسن(١١٤)

الخامس: انّ الذي قعد بالإمام علي عليه السلام عن اتخاذ طريق المواجهة العسكرية بينه وبين مَن تولّى شؤون الاُمّة وهو مَن هو في الشجاعة والإقدام وهم مَن هم، إنّما هو الحفاظ على الدين الإسلامي وخوفاً عليه أن تلين له قناة وهو الذي سقى عوده بدمه حتى اخضرَّ ورقه ونمت أغصانه، وضحّى من أجله بأعظم أيام حياته، وبذل له كل ما في وسعه، وكان ساعد القائد الأعظم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فانّ هناك مَن يتربّص به الدوائر ويبغي له الغوائل (وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدِّين، أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده).
ويظهر هذا المعنى في موقف الإمام علي عليه السلام من أبي سفيان بعد حوادث السقيفة مباشرة، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (لمّا اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول: أمَا والله إنّي لأرى عجاجة لا يطفئُها إلاّ الدم، يا لعبد مناف، فيمَ أبو بكر من أمركم! أين المستضعفان أين الأذلاّن - يعني علياً والعباس - ما بال هذا في أقلّ حيّ من قريش، ثُمَّ قال لعلي: إبسط يدك أبايعك، فوالله إن شئت لأملأنّها على أبي فضيل - يعني أبا بكر - خيلاً ورجالاً، فامتنع علي عليه السلام فلمّا يئس منه قام عنه وهو ينشد شعر المتلمس:

ولا يقيمُ على ضيمٍ يُرادُ به * * * إلاّ الأذلاّن عيرُ الحيِّ والوتدُ
هذا على الخسفِ مربوطٌ برمّتهِ * * * وذا يُشَجُّ فلا يَرثي لهُ أحد(١١٥)

وفي رواية الطبري زجره الإمام عليه السلام وقال: (أنتَ طالما بغيتَ على الإسلام شرّاً لا حاجة لنا بنصيحتكَ)(١١٦).
فلقد كان الإمام علي عليه السلام يقرأ النفوس، وينظر من وراء الغيب بنور الإيمان حين امتنع من اُطروحة أبي سفيان، وإن كانت بهذا الشكل المثير، فانّ أبا سفيان لم يسلم إلاّ خوفاً من السيف كما يظهر لمَن تصفّح أوراق التاريخ، وقد أظهر ما تبطنه سريرته في خلافة عثمان، فإنّه كان جالساً في مجلس الخليفة يوماً من الأيام ومعه رهط من بني اُمية فقال: تداولوها يا بني اُميّة تداول الولدان الكرة فوالله ما من جنة ولا نار(١١٧).
السادس: جرّد الإمام الحسن عليه السلام معاوية بن أبي سفيان عن صلاحيته للخلافة الإسلامية بأيّ نحو كان، وأبرزه للمجتمع الإسلامي ولكل مَن قرأ هذه الرسالة على مدى التاريخ بثوبه الشفّاف الذي لا يستر له عورة، فهو ليس بصاحب فضل في الدّين معروف حتّى يمكن له القول: بأنّي آمنتُ أوّل الناس أو أسلمتُ وسائر الناس عاكفون على أصنامهم وما إلى ذلك! ولا له أثر في الإسلام محمود، إذ لم يُعرَف بقيادة جيش ولا بلاء في حرب ولا.. ولا.. مضافاً إلى أنّه ابن حزب من الأحزاب التي تألّبت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقتاله في محاولة فاشلة لمحو دينه وإبادة أنصاره، وهو ابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أبو سفيان الذي قاد حروب المشركين ضدّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تكن عند معاوية الصلاحية الذاتية للخلافة الإسلامية، ولا الأهلية الموضوعية التي تجعله راجحاً في ميزان العقلاء وعند رجال الإسلام.
ولقد قال له الإمام علي عليه السلام في كتاب إليه: (ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعيَّة، وولاة الاُمّة؟ بغير قدم سابق، ولا شرف باسق)(١١٨).
السابع: بيّن الإمام عليه السلام في المقابل انّه الأحقّ بالخلافة المستوعب لجميع صفات الخليفة الشرعي التي لم تكن متوفرة في معاوية، فهو من جهة النسب سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وابن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشبل علي عليه السلام، وهو الذي قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليهما السلام: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجَنّة) وانّهما إمامان قاما أو قعدا، فهو الممثّل الرسمي لجدّه وأبيه، ثم انّه الذي بايعه المسلمون طائعين غير مُكرَهين الأمر الذي كان المدار عندهم(١١٩) في الصعود إلى عرش الخلافة، وانّ معاوية نفسه يعلم بأحقّيته عليه السلام: (فانّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منكَ عند الله وعند كل أوّاب حفيظ، ومَن له قلب منيب).
ولقد قال معاوية يوماً لابنه يزيد جواباً على استغراب له في معاملته مع الإمام الحسن عليه السلام في أحد المواقف بعد الصلح: يا بني إنّ الحقّ فيهم(١٢٠).
وقد أشار إلى هذا الإمام عليه السلام في كلام له مع معاوية بعد الصلح، حيث عقّب معاوية على كلام للإمام عليه السلام يذكر فيه فضله بقوله: (أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة)، فقال الإمام عليه السلام: (ويلك يا معاوية إنّما الخليفة مَن سار بسيرة رسول الله وعمل بطاعة الله، ولعمري إنّا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنّك يا معاوية ممّن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولا، ودين الله لعباً)(١٢١).
الثامن: بيّن الإمام عليه السلام ما عليه معاوية من الباطل وسأله أن يدع التمادي فيه فقال له: (فدع التمادي في الباطل) ووصفه بأنّه باغ والبغي هو تجاوز الحق إلى الباطل، قال تعالى:(انّما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق)(١٢٢) ، يُقال بغى الجرح أي تجاوز الحد في إفساده، وبغت المرأة بغاء إذا فجرتْ وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها(١٢٣).
وإنّ معاوية ممّن يتمادى في الغي أيضاً حيث قال له الإمام عليه السلام: (وإن أبيتَ إلاّ التمادي في غيّكَ) وقد وصفه من قبل بهذا الوصف الإمام علي عليه السلام بقوله في رسالة له: (وانّ نفسكَ قد أولجتْكَ شراً، وأقحمتْكَ غياً، وأوردتْكَ المهالك، وأوعرتْ عليكَ المسالك)(١٢٤)، وقال له في رسالة اُخرى إليه: (وأرديتَ جيلاً من الناس كثيراً، خدعتهم بغيّك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشُّبهات)(١٢٥).
التاسع: إنّ الذي حمل الإمام عليه السلام على كتابة هذه الرسالة إلى معاوية إنّما هو الإعذار في ما بينه وبين الله عزّ وجل في أمره، ولتكون الحجّة على معاوية أوقع عند أهل الرأي والحجى.
العاشر: بيّن الإمام عليه السلام انّ خلافته هي الأصلح للمسلمين، فكل فعل مضاد يبديه معاوية فهو خروج على مصلحتهم العليا.
الحادي عشر: دعوة من الإمام عليه السلام إلى معاوية أن يكف عن الولوغ في دماء المسلمين، وأن يحقنها فلقد شرب منها حتى الثّمالة وغرق فيها إلى الآخر.
• جواب معاوية:
(من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي..
فهمتُ ما ذكرتَ به محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو أحقّ الأوّلين والآخرين بالفضل كلّه..
وذكرتَ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتنازع المسلمين الأمر من بعده وتغلبهم على أبيك، فصرحتَ بتهمة فلان وفلان وأبي عبيدة وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلحاء والمهاجرين والأنصار فكرهتُ ذلك لكَ، إنّكَ امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين ولا المسيء ولا اللّئيم، وأنا أحب لكَ القول السديد والذكر الجميل، انّ هذه الاُمّة لما اختلفتْ بعد نبيها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيّكم ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الاُمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً وأعلمها بالله وأحبّها له وأقواها على أمر الله فاختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل، والناظرين للاُمّة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متّهمين ولا في ما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون أن فيكم مَن يغني غناءه ويذب عن حريم الإسلام ذبّه ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه.
وقد فهمتُ الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال في ما بيني وبينكم اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو علمت أنّكَ أضبط منّي للرعية، وأحوط على هذه الاُمّة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتُكَ إلى ما دعوتني إليه، ورأيتُكَ لذلك أهلاً، ولكن قد علمتُ أنّي أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الاُمّة تجربة، وأكبر منك سناً فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فأدخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في مال العراق بالغاً ما يبلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا نستولي عليك بالإساءة ولا تقضى دونك الاُمور، ولا تُعصى في أمر أردتَ به طاعة الله، أعاننا الله وإيّاك على طاعته إنّه سميع مجيب الدعاء والسلام)(١٢٦).
لا يخفى على مَن خبر كتب التاريخ والسير، واطّلع على حوادث السقيفة، ثم عرف النفسية التي يتمتّع بها بنو عبد الدار، أن يدرك المغالطات التي اندست في هذه الرسالة والتلاعب بالعواطف والإثارات، ولذا قال الكاتب المصري توفيق أبو علم: (وكما يقول الدكتور أحمد رفاعي في كتابه(عصر المأمون) إنّ هذه الرسالة حوت بعض المغالطات، فقد جاء فيها: (إنّ هذه الاُمّة لما اختلفت بينها، لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم للإسلام، ولا قرابتكم من نبيّكم... الخ)(١٢٧).
• ونذكر هنا بعض ما يلاحظ على هذه الرسالة:
الأوّل: إنّ معاوية أضاف لقب أمير المؤمنين إلى نفسه وهو لم ينص على خلافته ولم يُبايَع من قِبَل المسلمين، وهذا تحدّ صارخ منه في وجه الاُمّة وعدم المبالاة بقوانين الإسلام ولا الاحترام لمشاعر المسلمين.
الثاني: إنّه موّه الأمر ولم يذكر حوادث ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبرز في معرض الدفاع عن صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّه الرجل المؤمن الذي يربأ بالإمام الحسن عليه السلام عن الكلام عن أولئك المتقدمين، بينما لم يذكر الإمام عليه السلام إلاّ ما جرى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كأي محدّث ينقل حدثاً تاريخياً خطيراً لعب دوره الكبير في حياة الاُمّة الإسلامية وأثّر في اتجاه سيرها، وإنّما ذكره لينبّه معاوية وأتباعه بأنّ الأمر الذي نطلبه منك هو حقّ لنا في أعناق المسلمين وإن خرج عن دائرته حفنة من السنين لظروف طارئة، فهو تذكير وإشارة لمَن ألقى السمع وهو منيب، ولم يكن خافياً على معاوية ذلك الأمر، ولذا كان يعيب الإمام علياً عليه السلام بما صنع به في تلك الأيام في كتاب له إليه، فأجابه الإمام عليه السلام بقوله: (وقلتَ: انّي كنتُ اُقاد كما يُقاد الجمل المخشوش حتّى اُبايع؛ ولعمر الله لقد أردتَ أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت! وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه، ولا مرتاباً بيقينه! وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكنّي أطلقتُ لك منها بقدر ما سنح من ذكرها)(١٢٨).
الثالث: إنّ قوله: (فرأت الاُمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها...الخ)، فيه الكثير من الإعلام المزيّف الذي طالما حارب به معاوية واتّخذه سلاحاً حاداً في كثير من المواقع التي مرّ بها وكادت تعصف به رياحُ الحقّ، فهل اجتمعت الاُمّة على الأوّل؟! إذن ما الذي حمل الثلاثة من المهاجرين على الذهاب إلى سقيفة بني ساعدة وإجراء المفاوضات الحادّة مع الأنصار وترك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسجى على فراش الموت لم يوار الثرى بعد، وهو صهر أوّلهما وثانيهما! وهل كان غيرهم من قريش بل من المهاجرين هناك؟ وهل بايع علي والعباس والفضل بن العباس وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار و.. و..
مَنْ أهل الدين والسبق وعلِّية المسلمين؟! ألم تقل الأنصار في لحظة من لحظات السقيفة: (لا نبايع إلاّ علياً)(١٢٩) ألم يقل الخليفة الثاني كانت بيعة أبي بكر فلتة!(١٣٠) وحسبنا في التعليق ما ورد في الكتاب السابق للإمام علي عليه السلام: (وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا، وهو قوله سبحانه وتعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)(١٣١) وقوله تعالى: (انّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)(١٣٢) ، فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة أولى بالطاعة.
ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار في يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلجُّوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم).
الرابع: كيف اختارت الاُمّة أفضلها وأحبّها إلى الله وأعلمها به وأذبّها عن حريم الإسلام، وعلي عليه السلام فيهم وهو الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (عليّ مع الحق والحق مع علي، وأنا مدينة العلم وعليّ بابها، أقضاكم عليّ، لأعطينّ الراية غداً رجلاً كراراً غير فرار يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله)، بعد ان رجع الأوّل والثاني يجبّن كل منهما أصحابه وأصحابه يجبنونه، ومَن الذي وقف يدافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم اُحد؟ ومَن الذي قام لعمرو بن ود يوم الأحزاب حينما اقتحم الخندق وطلب المبارزة فشلّت حركة المسلمين وقبضوا على أنفاسهم، أقام غير علي عليه السلام فأردى عمرو صريعاً؟ حتى سجّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمتيه الخالدتين: (برز الإسلام كلُّه إلى الشرك كلِّه، وضربة علي يوم الخندق تعدل عمل الثقلين!)، ومَن الذي قال فيه جبرئيل: (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي!) ثم ألم يقل الخليفة الثاني أقيلوني فلستُ بخيركم؟(١٣٣).
وكان معاوية كثيراً ما يردّد هذه الإفضلية جرياً على عادة الإعلام الاُموي فذكر ذلك إلى الإمام علي عليه السلام في كتابه السابق فأجاب عنه: (وزعمتَ أنّ أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان، فذكرتَ أمراً إن تمّ اعتزلك كُلّه وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنتَ والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأوّلين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم! هيهات لقد حنّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها مَن عليه الحكم لها! ألا تربع أيّها الإنسان إلى ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخّرك القدر! فما عليك غلبة المغلوب ولا ظفر الظافر)(١٣٤).
الخامس: ادعى أنّه فهم من كتاب الإمام عليه السلام دعوته إلى الصلح، ولم يكن في كتاب الإمام عليه السلام للصلح عين ولا أثر، فهل ترى فهم دعوى الصلح من قول الإمام عليه السلام: (فدع التمادي في الباطل، وادخل في ما دخل فيه الناس من بيعتي)؟!.
السادس: التناقض الواضح في كلمات معاوية، فهو يستفيد دعوته إلى الصلح في الوقت الذي يقول فيه: فأنتَ أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني.
السابع: إذا لم يكن الإمام الحسن عليه السلام أحوط على اُمّة جدّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غيره، كائناً مَن كان، فهل الأحوط عليها معاوية! الذي فعل ما فعل أيام صفّين، وقتل مَن قتل من الصحابة الكرام والبدريين الأجلاّء؟
الثامن: قوله: (وأقوى على جمع الأموال) إن كان الجمع من مصادره المشروعة فالإمام عليه السلام أعرف بها من معاوية لأعرفيته بكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهو ربيب الرسالة ورضيعها، وابن صوت العدالة الإنسانية في الأرض. وإن لم يكن الجمع من مصادره المشروعة فما أبعد الإمام عليه السلام عن ذلك.
التاسع: إنّ الاُمور التي جعلها مرجّحاً له في طرف الميزان لم تكن كذلك في الرؤية الإسلامية الهادفة لأعلاء كلمة الله في الأرض، فما قيمة كبر السن وطول الولاية وما إلى ذلك أن لم تكن في رضا الله وطاعته. ولو كان لكبر السن أهمية في المنظور الإسلامي لما كان اُسامة بن زيد أميراً على جيش مؤتة وفيه أكابر الصحابة وشيوخهم، ولقد قال أبو قحافة حينما سمع بتنصيب ابنه خليفة على المسلمين: (..لم ولوه؟ قالوا: لسنه. قال: أنا أسنّ منه)(١٣٥).
العاشر: إنّ منطق معاوية في قوله: (ولك ما في بيت مال العراق..) منطق المخادع الذي يريد أن يستولي على الملك بأي طريق، وليس منطقه منطق الطالب للحقّ ومَن تهمّه مصلحة المسلمين، وإلاّ فما يعني قوله: ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما يبلغ! أليست هي المساومة بعينها على شيء ليس له؟ وقد أخطأ معاوية مرماه حينما عرض على الإمام عليه السلام هذا العرض الدنيوي الزائل، وهل كان الإمام عليه السلام إلاّ كأبيه القائل: (يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري)؟!
هذا بعض ما يؤخذ على رسالة معاوية ومنطقها، والذي يظهر أنّ الإمام عليه السلام لم يعبأ بهذه الرسالة فلم يجب عنها بشيء، ممّا أثار حفيظة معاوية فظهر بصورة اُخرى غير الصورة التي حاول أن يبرز بها في الرسالة الاُولى، فكتب إلى الإمام عليه السلام كما يروي ابن أبي الحديد: (أما بعد فانّ الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس، وايأس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضتَ عمّا أنت فيه وبايعتني وفيتُ لك ما وعدتُ، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بن قيس بن ثعلبة:

وإن أحدٌ أسدى إليك أمانةً * * * فأوفِ بها تدعى إذا متَّ وافيا 
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنىً * * * ولا تُجفهِ إن كان في المال فانيا 

ثم الخلافة لك من بعدي وأنت أولى الناس بها)(١٣٦).
قال توفيق أبو علم: (ويقول بعض رجال التاريخ إنّ هذه الرسالة المشتملة على مثل هذا اللون من التهديد والتوعيد، إنّما بعثها معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام بعدما اتصل اتصالاً وثيقاً برجال العراق وقادته وضمنوا له تنفيذ خطّته، فالغالب أنّه لم يكتب ذلك إلاّ بعد الاتصال بزعماء العراق وانقطاع أمله من إجابة الحسن له)(١٣٧).
ولكن المحتمل غير ذلك كما سيظهر عن قريب من تتابع الحوادث ومجريات الاُمور.
والذي تجدر الإشارة إليه تهديد معاوية للإمام الحسن عليه السلام بالقتل إن هو لم يسلم الأمر إليه، وفيه الشيء الكثير من أخلاق آل اُميّة وروح معاوية.
• الرسالة الثانية:
أجاب الإمام عليه السلام معاوية برسالة مختصرة:
(أمّا بعد فقد وصل إليّ كتابك فيه ما ذكرت، وتركتُ جوابك خشية البغي، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحقّ فانّك تعلم من أهله: وعليّ إثم أن أقول فأكذب)(١٣٨).
قال توفيق أبو علم: (وكانت هذه الرسالة هي آخر الرسائل التي دارت بين الإمام ومعاوية.
وعلى أثرها علم معاوية أنّه لا يجديه خداعه وأباطيله، ولا تنفع مغالطاته السياسية..)(١٣٩).
وليس الأمر كما قال، بل هناك رسائل اُخرى متبادلة بينهما كما ستأتي، وقد صدق حكمه في أنّ الإمام عليه السلام لم ينخدع باُطروحة معاوية ومغالطاته السياسية، وكيف ينخدع ابن أبي طالب الذي عرف معاوية وما يحمله من طموحات الرياسة والملك، وما يتلوّن به من أساليب الخديعة والمكر، وأين يبعد عن الإمام الحسن عليه السلام قول أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في معاوية وهو يحذّر زياد ابن أبيه منه: (فاحذره، فإنّما هو الشيطان، يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ليقتحم غفلته ويستلب لبّه..)(١٤٠).
• ظرف الرسالة:
ظرف هذه الرسالة يقرب من ظرف الرسالة السابقة، مع وضوح الرؤية في موقف معاوية وإصراره على التمادي في باطله، وانّه سوف يفعل كل ما يخدم سياسته، ويمهّد له طريق الاستيلاء ولو كان ذلك هو قتل الإمام الحسن نفسه.
• زمن الرسالة:
يحتمل أنّها كانت في أواخر شهر شوال أو أوّل شهر ذي القعدة، من السنة نفسها، فانّ مدّة السير بين الكوفة والشام تستغرق سبعة إلى عشرة أيام، وقد كتب الإمام عليه السلام رسالته الاُولى في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك أو أوائل شهر شوال كما احتملناه سابقاً، فإذا ما وضعنا ذلك في الحسبان مع أيام السفر ذهاباً وإياباً، وبقاء الرسول في الشام ولو لأيام معدودة، والمدة الفاصلة بين جواب معاوية ورسالته الثانية للإمام عليه السلام يكون الوقت التقريبي لزمن الرسالة يحوم حول ما ذكرناه.
• الرسالة الثالثة:
لمّا بلغ معاوية ابن أبي سفيان وفاة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وبيعة الناس لابنه الإمام الحسن عليه السلام، دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الاُمور، فانكشف أمرهما لدى الإمام الحسن عليه السلام بأمر باستخراج الحميري من عند لحّام(حجّام) بالكوفة فاُخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سُلَيم فأخرج وضربت عنقه.
• ثم كتب الإمام عليه السلام إلى معاوية:
(أمّا بعد فانّك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وبلغني أنّك شمتّ بما لم يشمت به ذو الحجى، وإنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * * * تزوّد لاُخرى مثلها فكأن قَدِ 
فانّا ومن قد مات منّا لكالذي * * * يروح فيمسي في المبيت ويغتدي(١٤١) 

• زمن الرسالة:
يظهر أنّ هذه الرسالة جاءت عقيب الرسالة المذكورة ثانياً، فانّ تلك كانت جواباً على كتاب، وهذه ابتداء خطاب، ثم انّ المستفاد من كلام مجموعة من المؤرخين انّ هذه هي الرسالة الاُولى للإمام عليه السلام، وهو جدّ بعيد، فانّ المقارنة بين لسانها ولسان الرسالة التي ذكرناها أوّلاً تقضي بما أثبتناه، فانّ طبيعة الاُمور ومجاريها قائمة على أن يرسل الخليفة الجديد إلى ولاة المناطق بخبر استخلافه ويطلب منهم البيعة، ثم انّه من المستبعد جداً أن يرسل الإمام عليه السلام إلى معاوية بهذه اللّهجة الصارخة والشدة في الخطاب وبيان الاستعداد لحربه - كما في هذه الرسالة -، ثم يرسل له بعد ذلك بالمطالبة وأنّه الأحقّ منه.
• ظرف الرسالة:
اتضحت ملامح الأزمة وخيوطها بشكل أكبر، فالظرف ظرف تأزّم واستعداد للحرب وتهيؤ للقتال، فانّ الإمام عليه السلام ثابت على موقفه وطريقته في الأمت والعوج وإظهار الدّين وإبقاء الحق عند أهله، ورفض معاوية جملة وتفصيلاً، وفي المقابل يقف معاوية متمنياً الخلافة مصرّاً على الملك، طالباً لما يريد بأي ثمن كان، ويحتمل أنّ الإمام عليه السلام قد وصل إلى مسامعه ما أرسله معاوية إلى عمّاله في هذه الآونة، فقد أرسل إليهم بعد أن جاءه جواب الإمام عليه السلام السابق وعرف منه العزم على الحرب وعدم التفكير في قبوله أبداً: (من عبد الله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوّكم وقاتل خليفتكم: إنّ الله بلطفه وحسن صنيعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهودكم وجندكم وحسن عدّتكم، فقد أصبتم بحمد الله الصبر وبلغتم الأمل وأحلّ الله أهل البغي والعدوان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(١٤٢).
وقد علّق الاستاذ توفيق أبو علم على هذه الرسالة بقوله: (والذي يلفت النظر في هذه الرسالة أن ينسب معاوية البغي والعدوان إلى الإمام علي عليه السلام، مع أنّ جنود معاوية هم الباغون ولقد قتلوا الصحابي الجليل عمّار بن ياسر وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (تقتلك الفئة الباغية) كما يلفت النظر شماتة معاوية في الإمام عليه السلام.
ولمّا وصلت هذه الرسالة إلى عمّاله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله عليه السلام وسبطه)(١٤٣).
• معطيات الرسالة:
الأوّل: إنّ معاوية أرسل الأعين إلى أهم مركزين سياسيين في حكومة الإمام عليه السلام - الكوفة والبصرة - للاحتيال والاغتيال، فهو يريد بذلك التجسّس على الإمام عليه السلام ومعرفة ما يدور في أوساط دولته، وأن يفسد الأمر على الإمام عليه السلام بإشاعة الأخبار الكاذبة، وإحباط المعسكر الإسلامي وتخويفه، وإحداث البلبلة في صفوفه، وغرس الفتنة في داخل حكومة الإمام عليه السلام والوسطين الكوفي والبصري، وأمّا الاغتيال فلعل معاوية كانت تمنيه نفسه باغتيال الإمام عليه السلام من ذلك الوقت ليستتب له الأمر، كما يظهر من تحذيره السابق، أو اغتيال بعض الشخصيات الشيعية المهمّة اجتماعياً وعسكرياً حتى تضعف قوة جيش الإمام وتنهار معنوياته، أو هما معاً.
الثاني: إنّ حنكة الإمام عليه السلام وحزمه في مواجهة الاُمور اقتضيا أن يسلك طريق الشدّة ممّا أفشل مخطط معاوية المشؤوم، فأمر بإعدام الجاسوسين طبقاً لقوله تعالى:(إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا)(١٤٤).
الثالث: استعداد الإمام عليه السلام لحرب معاوية بدون أي تردّد أو خوف، فهذه الأعين القادمة رسل حرب وليست برسل سلام.
الرابع: إنّ معاوية قد شمت بقتل الإمام عليه السلام، وذو الحجى لا ينبغي له أن يشمت بموت أحد أو قتله، لا سيما وأنّ الإمام عليّاً عليه السلام قد ضرب وهو قائم يصلّي في محرابه وقد تعلّقت روحه بالعالم الآخر على يقين ممّا هو عليه قائلاً: (فزتُ وربّ الكعبة).
• جواب معاوية:
(أمّا بعد فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرتَ فيه، ولقد علمتُ بما حدث فلم أفرح ولم أحزن ولم أشمت ولم آس، وإنّ علياً أباك لكما قال الأعشى:

فأنت الجواد وأنت الذي * * * إذا ما القلوب ملأن الصدورا 
جدير بطعنة يوم اللقا * * * ء يضرب منها النساء النمورا 
وما مزبد من خليج البحا * * * ريعلو الأكام ويعلو الجسورا 
بأجود منه بما عنده * * * فيعطي الألوف ويعطي البدورا(١٤٥) 

وقد علّق على هذه الرسالة أيضاً توفيق أبو علم بقوله: (وتلمس في هذه الرسالة دهاء معاوية وخداعه وخوفه من الحسن عليه السلام، وذلك لمدحه وثنائه على الإمام علي عليه السلام، وإنكاره لما أظهره من الفرح بموته، ولولا ذلك لما سجّل لخصمه هذا الثناء العاطر)(١٤٦).
• الرسالة الرابعة:
كتب معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام: (يا بن عم، لا تقطع الرحم الذي بينك وبيني، فإنّ الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك)(١٤٧).
• جواب الإمام عليه السلام:
(إنّما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنّها لمحرّمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله لو وجدتُ صابرين عارفين بحقّي غير منكرين، ما سلمتُ لك ولا أعطيتك ما تريد)(١٤٨).
• ظرف الرسالة:
يقول المؤرخون: لمّا توفرت لمعاوية القوّة الهائلة من الجند وأصحاب المطامع توجّه إلى العراق فلمّا انتهى إلى جسر منبج، وعلم الإمام عليه السلام بذلك أمر بالصلاة جامعة ثم اعتلى المنبر فقال:
(أمّا بعد، فانّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد: اصبروا إنّ الله مع الصابرين، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه ما أزمعنا على المسير إليه فتحرّك لذلك، أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون).
وتباطأ الناس واثّاقلوا عن الذهاب خوفاً من جيش الشام، وبعد مداولات كلامية بين بعض الشخصيات الشجاعة وعامّة الناس أزمعوا على المسير، ثم لمّا ركب الإمام عليه السلام تخلّف عنه الكثير ولم يوفوا بما وعدوه به، فقام خطيباً وقال:
(غررتموني كما غررتم مَن كان قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو وبنو اُميّة إلاّ فرقاً من السيف؟ لو لم يبق لبني اُميّة إلاّ عجوز درداء، لبغت دين الله عوجاً، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم وجّه إليه قائداً من كندة في أربعة آلاف، وأمره أن يعسكر في الأنبار، وعلم به معاوية فأرسل إليه رسلاً وكتب إليه معهم: انّك إن أقبلت إليّ اُولِّك كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم فقبض الكندي المال وقلب على الإمام الحسن عليه السلام، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصّته وأهل بيته.
فبلغ ذلك الإمام الحسن عليه السلام فقام خطيباً وقال:
(هذا الكندي توجّه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرّة بعد مرّة أنّه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا..).
ثم أرسل آخر من مراد وأخبره أنّه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالإيمان المغلظة التي لا تقوم لها الجبال - على حدّ تعبير المؤرخين -، أنّه لا يفعل، فقال الإمام عليه السلام انّه سيغدر، وصدقت نبوءة الإمام عليه السلام فيه، ففعل كما فعل الأوّل إزاء ثمن بخس. حينها بعث معاوية إلى الإمام برسالته المتقدّمة.
ظرف رسالة الإمام عليه السلام:
ثم انّ الإمام عليه السلام أخذ طريق النخيلة فعسكر عشرة أيام فلم يحضره إلاّ أربعة آلاف فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال:
(يا عجباً من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلّمتُ له الأمر فأيم الله لا ترون فرجاً أبداً مع بني اُميّة، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنّوا أنّ عليكم جيشاً جيشاً، ولو وجدتُ أعواناً ما سلّمتُ له الأمر، لأنّه محرّم على بني اُميّة فأف وترحاً يا عبيد الدنيا).
ثم انّ القائد العام لجيش الإمام عليه السلام ابن عمّه عبيد الله بن العباس المثكول من معاوية بولديه قد غدر هو الآخر بثلثي مقدمة الجيش الذي سار إلى معاوية.
وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية: إنّا معك وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك.
هذه ظرف رسالة الإمام عليه السلام، والذي يظهر من البحار نقلاً عن الخرايج(١٤٩):
أنّ الإمام عليه السلام كتبها بعد طعنه في فخذه والهجوم على الفسطاط، والذي يترجّح لمَن يراقب الأحداث أنّها كُتبت بعدما ذكرناه، والرسالة الاُخرى وهي الخامسة تقريباً كانت بعد الهجوم على الفسطاط.
وفي هذه الفترة بالذات نشر معاوية شائعة الصلح بينه وبين الإمام عليه السلام في أوساط مقدّمة الجيش، كما نشر شائعة التحاق قيس بن سعد القائد العام لجيش الإمام عليه السلام بعد عبيد الله بن العباس بمعاوية في أوساط مَن بقي مع الإمام عليه السلام، ممّا أدى إلى زعزعة جيش الإمام عليه السلام وانهيار ما تبقّى عندهم من معنويات، وقد أخذت شائعات معاوية محلها في النفوس المريضة ممّن يحبون الدعة والراحة.
• معطيات الرسالة:
الأوّل: ركّز الإمام عليه السلام على عدم شرعية خلافة معاوية، وأنّها محرّمة عليه وعلى أهل بيته - بني اُميّة - كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فما سوف يحصل لمعاوية إنّما هو ملك لا يلبث أن يزول.
الثاني: إنّ لكثير من الذين مع الإمام عليه السلام ليسوا على شيء من ناحية العقيدة، والقليل منهم مَن يعرف الإمام عليه السلام حقّ معرفته، وأنّه إمام مُفترَض الطاعة من قِبَل الله يُسمَع له ويُطاع، وهذا ما بيّنه الإمام عليه السلام بعد الصلح أيضاً، وانّهم غير صابرين على الحرب، وإلاّ فعلى أسوأ التقادير وعدم الإيمان منهم بأنّه إمام مُفترَض الطاعة فلا أقل أنّه قائدهم وزعيمهم وأميرهم الذي بايعوه.
• الرسالة الخامسة:
كتب معاوية إلى الإمام عليه السلام في الهدنة والصلح وأنفذ إليه كتب أصحابه الذين ضمنوا له الفتك به وتسليمه إلى معاوية، واشترط على نفسه عند استجابته إلى الصلح شروطاً كثيرة وعقد له عقوداً.
• فكتب إليه الإمام الحسن عليه السلام بعدما سيأتي من الحوادث في ظروف الرسالة:
(أمّا بعد فإنّ خطبي انتهى إلى اليأس من حقّ أحييه وباطل أميته، وخطبك خطب مَن انتهى إلى مراده، وإنّني اعتزل هذا الأمر، ولي شروط اشترطها لا تبهظك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف إن غدرت، وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممّن نهض في الباطل، أو قعد عن الحقّ حين لم ينفع الندم، والسلام)(١٥٠).
• ظروف الرسالة:
ذكر الشيخ الصدوق في العلل: دسّ معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجر بن الحارث وشبث بن ربعي دسيساً، أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، إنّك إن قتلتَ الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن عليه السلام فاستلأم ولبس درعاً وكفرها(١٥١)، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يلبث فيه، لما عليه من اللأمة، ثم لمّا صار الإمام عليه السلام في مظلم ساباط ضرب الإمام عليه السلام بخنجر أو معول مسموم فعمل فيه(١٥٢)...
فقال الحسن عليه السلام: (ويلكم والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظن أنّي إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين لدين جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّي أقدر أن أعبد الله عزّ وجل وحدي، ولكنّي كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعداً وسحقاً لما كسبت أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)(١٥٣).
• معطيات الرسالة:
الأوّل: إنّ طلب الإمام عليه السلام للخلافة الظاهرية أعني السلطة الزمنية لم يكن هو الهدف والغاية التي يطمح لها، بل كان طلبه لها ما هو أسمى من ذلك بكثير، فإنّ الهدف الأساس للإمام عليه السلام إنّما هو إحياء الحق وإماتة الباطل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، أمّا وقد بلغ الأمر إلى أن يسلم الإمام عليه السلام أسيراً إلى معاوية فيقتله أو يطلقه فتكون سبّة على بني هاشم إلى أبد الدهر، أو يقتل غيلة بدون أي فائدة تجنى من وراء ذلك، فالصلح مع معاوية خير وأولى، حفاظاً على نفسه وإبقاء على أهل بيته والخلّص من شيعته، مع الشروط التي ستقيّد معاوية إن هو عمل بها، أو يبقى عار التخلّف عنها صورة ماثلة أمام الأجيال تحكي ما انطوت عليه سريرته من حب المُلك والسلطان بأي طريق أتى ومن أي مسلك حصل.
الثاني: قدّم الإمام عليه السلام استعداده للتنازل لمعاوية بالأمر، وإنّه شرّ لمعاوية في معاده، فإنّه جاء إلى الأمر بغير طريقه المشروع وأخذه من أهله بالمكر والخديعة والقهر والغلَبَة.
فلا يعني تنازل الإمام عليه السلام عن الخلافة الظاهرية إعطاء الشريعة لمعاوية.
الثالث: إنّ معاوية سوف يندم على سيّئ صنيعه كما ندم غيره ممّن نهض في الباطل أو قعد عن الحق حيث لم ينفع الندم.
وقد علّق الشيخ الصدوق رحمه الله على هذه النقطة من كلام الإمام عليه السلام بقوله: (فإن قال قائل: مَن هو النادم القاعد؟ قلنا: هو الزبير، ذكره أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أيقن بخطأ ما أتاه، وباطل ما قضاه وبتأويل ما عزاه، فرجع عنه القهقرى، ولو وفى بما كان في بيعته لمحا نكثه، ولكنّه أبان ظاهراً الندم، والسريرة إلى عالمها.
والنادم القاعد عبد الله بن عمر بن الخطاب، فانّ أصحاب الأثر رووا في فضائله بأنّه قال: مهما آسى من شيء فإنّي لا آسى على شيء أسفي على أنّي لم أقاتل الفئة الباغية مع علي. وهذه عائشة روى الرواة أنّها لما أنّبها مؤنّب في ما أتته، قالت:
(قضي القضاء وجفّت الأقلام.

والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرون ذكراً مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت وقتل، كان أيسر عليّ من خروجي على(علي) ومسعاي التي سعيت فإلى الله شكواي لا إلى غيره).
وهذا سعد بن أبي وقاص لما أنهي إليه أن علياً عليه السلام قتل ذا الثدية، أخذه ما قدم وما أخر، وقلق ونزق وقال: والله لو علمتُ أنّ ذلك كذلك لمشيت إليه ولو حبوا(١٥٤).
هذه آخر الرسائل قبل كتاب الصلح، فيما وجدته بين يدي من مصادر.
• المعطيات الرئيسة للرسائل:
الأوّل: تركيز الإمام عليه السلام على شرعية خلافته دون معاوية، وانّه هو الأحقّ بتولّي زعامة المسلمين لما يتمتع به من صفات جسدية ونفسية، ظاهرية ومعنوية، ذاتية ونسبية، مضافاً إلى النص عليه من قِبَل صاحب الرسالة الخاتمة، الذي هو المدار في عملية الاستخلاف الشرعي.
وأمّا معاوية فهو طالب مُلك وسلطان يتمتّع به قليلاً ثم ما يبرح حتى يسأل عن ما اقترفته يداه، وانّ الخلافة محرّمة عليه وعلى أهل بيته بنصّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إنّ المجتمع الكوفي ولا سيما الجيش المفترض أن يكون هو المعتمد في القيادة وتثبيت أركان الدولة والمحافظة على أمن واستقرار البلاد، لم يكن جيشاً مؤهّلاً لهذه المهام، كما أنّه لم يكن مؤهّلاً للدخول في حرب مع معاوية وأهل الشام المجتمعين على باطلهم - على حدّ تعبير الإمام علي عليه السلام -، فإنّه جيش مذبذب قد تنازعته الأهواء وعصفت به رياح الفتن وتناوشته الإشاعات من مكان قريب، ففيه الخوارج الطالبون ثأراً من معاوية، فهم ينتظرون راية تظلهم ينطوون تحت لوائها لإنجاز مهمتهم، ولا يهمّهم - بعد ذلك - الانقلاب على قائدهم بعد ذلك، لا سيما وأن قائدهم هو الإمام الحسن عليه السلام بن علي بن أبي طالب عليه السلام قاتل آبائهم وإخوانهم وأصحاب الرأي عندهم، وفيه رؤساء القبائل والقادة الذي غرتهم الدنيا بزخارفها فكتبوا إلى معاوية ما كتبوا في شأن الإمام الحسن عليه السلام، وفيه أعين بني اُميّة الذين انبثّوا داخل معسكر الكوفة ليثيروا الإشاعات ويثبّطوا العزائم ويضعّفوا الهمم، وفيه عامّة الناس وغوغاؤهم الذين لم يؤمنوا بالإمام الحسن عليه السلام كإمام مفترَض الطاعة، وقد سئموا الحرب وملّوها، فلم تعد عندهم طاقة عليها كما لا صبر لهم على الجهاد، فلم يبق مع الإمام عليه السلام ممّن يعرف حقّه إلاّ أفراد قلائل.
وقد حاول الإمام عليه السلام بشدّته في رسالته، وصلابته في موقفه، وتوبيخه لهم وخطبه فيهم، أن يرفع من معنوياتهم، وينفخ في نفوسهم العزيمة من جديد، ويضخ في عروقهم الدم الحر، ويبث في قلوبهم الحماس والإقدام، إلاّ انّهم لم يعطوه النصف من أنفسهم فلم يجد لكلامه آذاناً صاغية ولا قلوباً واعية تعي عواقب الاُمور، وتدرك مغبّة الوهن والضعف، فباؤوا بغضب من الله وخسران مبين، وانتهت حالهم إلى أن صاروا أذلاّء تحت سيطرة بني اُميّة يسومونهم سوء العذاب، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وقد صدقت نبوءة الإمام عليه السلام في خطبته فيهم.
الثالث: إنّ هذه الرسائل وثائق تاريخية أوضحت كثيراً من الاُمور في حياة الاُمّة الإسلامية، كادت أن تذهب في أعماق التاريخ المظلم تحت غمار الإعلام المزيّف، المبثوث من قِبَل بني اُميّة وأعوانهم، ورفعت الستار عن حقيقة معاوية وبني اُميّة قاطبة الذين حُرّمت عليهم الخلافة الإسلامية بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا لشيء إلاّ لعدم تأهّلهم للقيام بأعبائها، وشهد بذلك اُسلوبهم في العامل مع المؤمنين حينما تربعوا على عرش الملك.
فالقارئ لهذه الرسائل والظروف التي كُتبت فيها وما أحاط بها من كلمات وخطب وحوادث يدرك مَن هو معاوية ويعرف مَن هم بنو اُميّة، ويستطيع أن يحلّل شخصياتهم عن قرب.
الرابع: نعرف من هذه الرسائل وما يحيط بها من ظروف مدى قدرة الإمام عليه السلام على معالجة الاُمور، واستيعابه للمشاكل التي تواجهه وسرعة طرح الحل لها، وحزمه في الاُمور، وعدم فتح المجال للدخول في خداع معاوية ومراوغته، وعدم قبوله للمساومات وأنصاف الحلول أبداً.
الخامس: يلاحظ منطق القوة في رسائل الإمام عليه السلام جميعها بما فيها الرسالة الأخيرة التي كانت قبولاً بعرض الصلح الذي اضطر الإمام عليه السلام إليه اضطراراً، ممّا يدلّ على نفسيّة لا تعرف الخوف، وقلب لم يداخله الجُبن، وفي هذا تكذيب لما حاول إثارته المؤرخون من غير الشيعة - مستشرقين وغيرهم - للتشويش على شخصية الإمام الحسن عليه السلام، والحطّ من مكانها اللائق بها، ورميه بالضعف والموادعة وحب السلامة والدعة، إمّا تصريحاً أو تلويحاً.
فإنّ هذه الرسائل والخطب والكلمات المتفرقة في هذه الأجواء الساخنة، قبل الصلح وبعده تنفي هذا الزعم الباطل وبشدّة.
ومن المناسب جداً أن نستعرض بعض الشواهد من مواقفه الجريئة بعد الصلح، المبرِزة لتلك الشجاعة والبطولة التي تحلّى بها آل أبي طالب عليهم السلام.
الموقف الأوّل: عن أبي عمر زادان قال: لمّا وادع الحسن بن علي عليه السلام معاوية، صعد معاوية المنبر، وجمع الناس فخطبهم وقال: (انّ الحسن بن علي رآني للخلافة أهلاً، ولم يرَ نفسه لها أهلاً..).
فلمّا فرغ من كلامه قام الإمام الحسن عليه السلام فحمد الله تعالى بما هو أهله ثم ذكر المباهلة وآية التطهير وبعض فضائلهم، إلى أن قال: (وإنّ معاوية زعم لكم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً فكذب معاوية، نحن أولى بالناس في كتاب الله عزّ وجل وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولم نزل أهل البيت مظلومين، منذ قبض الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، فالله بيننا وبين مَن ظلمنا حقّنا، وتوثّب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع اُمّنا ما جعل لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
الموقف الثاني: روى الشعبي أنّ معاوية قدم المدينة فقام خطيباً فنال من علي بن أبي طالب عليه السلام، فقام الحسن بن علي عليه السلام فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال له: (إنّه لم يُبعَث نبي إلاّ جعل له وصي من أهل بيته، ولم يكن نبي إلاّ وله عدوّ من المجرمين، وإنّ عليّاً عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده، وأنا ابن علي، وأنت ابن صخر، وجدّك حرب وجدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واُمّك هند واُمّي فاطمة، وجدّتي خديجة وجدّتك نثيلة، فلعن الله ألأمنا حسباً وأقدمنا كفراً وأخملنا ذكراً وأشدّنا نفاقاً)، فقال عامّة أهل المسجد: آمين، فنزل معاوية فقطع خطبته(١٥٥).
الموقف الثالث: قال معاوية للحسن بن علي عليه السلام: أنا خير منك يا حسن، قال: (وكيف ذاك يا ابن هند؟!)، قال: لأنّ الناس أجمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك.
قال: (هيهات هيهات لشرّ ما علوت، يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومُكرَه، فالطائع لك عاص لله، والمُكرَه معذور بكتاب الله، وحاش لله أن أقول: أنا خير منك فلا خير فيك، ولكنّ الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل)(١٥٦).
السادس: إنّ الرسائل بتسلسلها الزمني المذكور وما رافقها من الحوادث والضغوطات تخلق في ذهنية القارئ - شاء أم أبى - العذر للإمام عليه السلام في قبوله اُطروحة الصلح، وتوجد في نفسيته القناعة التامّة على أنّه الرأي الأصوب في وقته، ولم يكن الوضع ليحتمل الحرب والقتال مع معاوية أبداً.
السابع: وأخيراً يتّضح للقارئ - وهو يمر في مسلسل الرسائل والظروف المحيطة بها - ظلامة الإمام الحسن عليه السلام التاريخية، وقسوة بعض الباحثين حول شخصيته ممّن لم يكن لهم دين ولا فكر مكين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

القسم الثاني

الجانب الأدبي
الشيخ عبد المجيد فرج الله
الاستاذ ثامر الوندي
الشيخ نزار سنبل
الشيخ قاسم آل قاسم
الاستاذ معروف عبد المجيد
الاستاذ يقين البصري
الاستاذ فرات الأسدي
الشيخ علي الفرج

واقع الشعر الإسلامي بعد الخلافة

الشيخ عبد المجيد فرج الله

الحلقة المفقودة والإنعطافة الخطيرة التي تفصل بين أدب صدر الإسلام والأدب (الاُموي)، هي الفترة العصيبة التي عاشها الإمام الحسن عليه السلام بعد شهادة أبيه الإمام علي عليه السلام.
وقد سحقت العجلات الاُمويّة وجهاً ناصعاً للأدب العربي الأصيل توّجته نصوص معركة صفّين الكثيرة جداً، كما سحقت كثيراً من المُثُل والتعاليم والمتبنّيات الإسلامية.
وكان بالنتيجة ان عادت وجهة الأدب إلى الانحدار الجاهلي من جديد، لولا نثار صادق أصيل ظل يواصل المقاومة على الرغم من الانسحاق والاحتضار والتعتيم.
والحقّ أنّ الشعر العربي قد مرّ من قبل ومن بعد بامتحانين عسيرين:
أحدهما: النتيجة العسكرية لحرب صفّين وما تبعها من انقسام واضطراب بين أفراد معسكر الإمام علي عليه السلام، حين تمرّد بعضهم الأكبر على قراراته وأجبره على الصلح، فتبيّن لهم فيما بعد خطؤهم وانخداعهم.
وقد جرّ هذا إلى الاغتيال الأثيم لأعظم شخصية إسلامية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الكوفة.
الثاني: اضطرار الإمام الحسن عليه السلام إلى القبول بمصالحة معاوية وتنازله عن الخلافة - بشروط يجب أن لا تُغفَل أبداً - من أجل المحافظة على القلّة القليلة من رجال الإسلام المخلصين.
لقد وصل الوضع المتردّي في التناحر على السلطة حدوداً مجنونة تجعل جلّ الفئات التي تتطاحن مع صاحب الخلافة الشرعي(الإمام الحسن) على شفير هاوية سحيقة.
وكان مركز الصراع في قريش، وقريش هي مركز السيادة والحكم، والناس ينجذبون إلى أقطابها المتنافرة.
على أنّ أبغض قطب وأمقته لدى الناس هو قطب بني اُميّة، على الرغم من كثرة الملتفّين حوله والداعين إليه نتيجة الحملات الدعائية والمالية التي أطمعت الناس وجعلتهم ينضمون إلى الحزب الاُموي طلباً للمال والجاه الدنيوي.
أمّا الخليفة الشرعي فكان على أعلى درجات الحنكة والبصيرة، لأنّه رأى في وجوده ضرورة من أجل دوام الإسلام والمحافظة على المسلمين.
وحين وجد في جيشه انتكاساً نفسياً وعددياً أمام الجيش الاُموي(المرتزق)، آثر الإبقاء على ثلّة المؤمنين الصالحين الذين هم وقود الحرب ورأس الحربة في عسكره غير المتكافئ أمام العسكر الاُموي.
فصالح على شروط تذكرها كتب التاريخ، وكان وقع الصلح ثقيلاً على المخلصين من جند الإمام - وهم قلّة(١٥٧)..
وقد أرّخ الفارس المؤمن قيس بن سعد قائد جيش الإمام الحسن عليه السلام هذه المرارة حين عرف بالخبر وهو يستعدّ للمواجهة، حيث قال:

أتانا بأرض العال من أرض مسكنٍ * * * بأنّ إمام الحق أضحى مسالما
فما زلتُ مذ نبّئتُه متلدّدا * * * أراعي نجوماً خاشع القلب ناجما 

ولا بد من أن أشعاراً اُخرى قد تحدّثت عن هذا الأمر لكنّها لم تصل إلينا بسبب سياسة التعتيم والإلغاء الاُموية.
وعلى الرغم من الصلح واستتباب الاُمور لمعاوية، إلاّ أنّ الفرق كان شاسعاً بين حكم يقوم على أساس العدل والاستقامة والصلح الإسلامي، وبين حكم فردي قبلي يستمدّ رؤاه وتصوراته من كوّة الجاهلية التي لم تدخل في الإسلام إلاّ خوفاً وطمعاً.
وكان الاُمويون يشعرون بضخامة الهوّة بينهم وبين الخلفاء الشرعيين - أهل البيت عليهم السلام - ويعانون من عقدة النقص أمامهم فيحاولون التنفيس عن عناء هذه العقدة بمواقف تجيء نتائجها سلبية في الغالب(١٥٨).
ومنها أنّ مفاخرة جرت بين القرشيين والإمام الحسن عليه السلام حاضر لا ينطق، فقال معاوية للإمام: يا أبا محمّد: ما لك لا تنطق؟ فوالله ما أنت بمشوب الحسب ولا بكليل اللسان(وواضحة أبعاد كلام معاوية وكأنّه يحاول تعريف الأشياء حسب ما يريد) فقال الإمام: (ما ذكروا من فضيلة إلاّ ولي محضها ولبابها).
ثم قال هذا البيت الذي يختصر تاريخاً حافلاً ما يزال محفوراً في الأذهان:

فيمَ المراءُ وقد سبقتَ مُبرّزا * * * اسبقَ الجوادِ من المدى المُتباعدِ 

وبعد مناظرة ثانية يقول الإمام عليه السلام:

الحقُّ أبلجُ ما يحيل سبيله * * * والحقُّ يعرفه ذوو الألبابِ(١٥٩)

وفي مرّة يصرّ مروان على إحراج الإمام عليه السلام وإيذائه بالكلام، لكنّه عليه السلام يصدع بالحقّ هادراً في كلام يفيض أدباً ثم يختمه بهذه الأبيات:

ومارست هذا الدهر خمسين حجّةً * * * وخمسا اُزجِّي قائلاً بعد قائلِ 
فلا أنا في الدنيا بلغت جسيمها؟ * * * ولا في الذي أهوى كدحت بطائلِ 
وقد شرعت دوني المنايا أكفّها * * * وأيقنت أنّي رهنَ موتٍ مُعاجلِ 

وبالإضافة إلى الجانب الوعظي الذي يعتبر صرخة في الضمير الاُموي المشرف على الهلاك الذي ضمّته هذه الأبيات إلاّ أنّ في البيت الأخير إشارة صريحة إلى توجّس الإمام من الغدر الاُموي، وهو بذلك يرسي واحدة من قواعد الشاعر الملتزم بمبادئه، فهو يقول كلمته حتى ولو كانت سبباً للمتاعب والأخطار، لأنّ الشاعر ضمير الاُمّة الحي وحامل همومها وآمالها.
وقد تربّى شعراء مدرسة أهل البيت عليهم السلام بهذه التربية على مرّ العصور، وليست بعيدة عن ذاكرة المثقّف العربي موقف شعراء كبار مثل الفرزدق والكميت ودعبل الخزاعي والسيد الحميري وكثير أمثالهم.
وبالإضافة إلى الفائدة الجمّة من هذه المواقف في إرساء الشجاعة والجرأة لدى الأديب الإسلامي، فإنّ هناك فوائد اُخرى لا يُستهان بها؛ إذ أزاح بعض تلك المواقف الستار الكثيف من التعتيم والتضييع على كثير من النصوص الشعرية، بل وحتى الحقائق التاريخية المغيّبة.
ففي محاورة طويلة عاصفة بين الإمام الحسن عليه السلام وبين معاوية وعمرو بن العاص والوليد بن المغيرة، يكشف الإمام عليه السلام كثيراً من الحقائق المطموسة، ثم يأتي على نصوص شعرية منسيّة تزيح القناع عن الوجوه الكالحة، ومنها قصيدة عمرو بن العاص حين أراد الخروج إلى النجاشي في محاولة لاستعادة المهاجرين المسلمين الأوائل الذين فرّوا بدينهم إلى أرض الحبشة وفيها يقول:

تقول ابنتي أين هذا الرحيلُ؟ * * * وما السيرُ منّي بمُستنكَرِ
فقلت ذريتي فأني أمرؤُ * * * أريدُ النجاشيّ في جعفر
لأكويَهُ عنده كيّةً * * * اُقيم بها نخوةَ الأصعر(١٦٠)

ومثلها قول الحطيئة الذي استشهد به الإمام في معرض ردّه على الوليد:

شهد الحطيئة حين يلقى ربّه * * * أنّ الوليد أحقّ بالعذرِ
نادى وقد تمّت صلاتُهمُ * * * أأزيدكُم - سُكْراً - وما يدري
ليزيدهم اُخرى، ولو قَبِلوا * * * لأتت صلاتُهمُ على العَشْر(١٦١)

وقد قال الحطيئة ذلك حين صلّى الوليد بالمسلمين الفجر وهو سكران وتظهر فيها فنية التهكّم (الحطيئي) بجلاء.
ويعيد الإمام عليه السلام إلى الأذهان قول الشاعر (وهو حسّان بن ثابت) حين تفاخر الوليد والإمام علي عليه السلام فنزلت الآية: (أفمَن كان مؤمناً كمَن كان كافراً لا يستوون)(١٦٢):

أنزل الله والكتابُ عزيزٌ * * * في عليٍّ وفي الوليدِ قُرانا 
فتبّوا الوليدُ إذ ذاك فِسقاً * * * وعليٌ مُبوّأٌ إيمانا 
ليس مَن كان مؤمناً - عَمركَ اللّ‍ـ * * * ‍هُ - كمَن كان فاسقاً خَوّانا(١٦٣)

ويذكر الإمام الحسن عليه السلام بقول الشاعر نصر بن حجّاج الذي أوّله:

يا للرجال لِحادث الأزمان * * * ولِسبّة تُخزي أبا سفيان(١٦٤)

وحين ينتهي قول الإمام يقول معاوية كلاماً ينمّ عن لؤم أولئك الذين أرادوا النيل من الإمام، فما كان إلاّ خزيهم وعارهم، ثم قال شعراً في ذلك:

أمرتُكم أمراً فلم تسمَعوا له * * * وقلتُ لكم لا تبعَثُنّ إلى الحَسَنْ 
فجاء وربِّ الراقصات عشيّةً * * * بِرُكبانِها يَهوِينَ في سُرّة اليَمَن 
أخاف عليكم منه طولَ لسانه * * * وبُعدَ مداهُ حين إجراره الرّسَن 
فلمّا أبيتم كنتُ فيكم كبعضكم * * * وكان خطابي فيه غَبناً من الغَبَن 
فحسبُكمُ ما قال ممّا علِمتُم * * * وحسبي بما ألقاه في القبر والكفن(١٦٥) 

ويترسّخ ذلك أكثر في أبيات الفضل بن العبّاس بعد مناظرة بين معاوية وبين أخيه عبد الله بن عباس حيث يقول(١٦٦):

ألا أبلغ معاوية بن صخرٍ * * * فإنّ المرء يعلمُ ما يقولُ
لنا حقّان: حقُّ الخمس جارٍ * * * وحقُّ الفيء، جاء به الرسول
فكلُّ عطية وصلت.. إلينا * * * وإن سحبتْ لطالبها الذيول
أتيح له ابن عبّاس مجيباً * * * فلم يدر ابن هند ما يقول
فأدركه الحياء فصدّ عنه * * * وخطبُهُما إذا ذُكِرا جليل

وللفضل بن العبّاس نصوص عديدة تصبّ في هذا التيار(١٦٧).
وبذلك تأخذ المناظرات الشعرية القائمة على الاحتجاج والأدلّة والبراهين الثابتة على اُسس إسلامية أهمّها الكتاب والسنّة شكلاً جديداً، وإن كان مستمداً من الفترات السابقة، وكلّ ذلك كان يسهم في ترسيم صورة منحى هذا النوع الذي تقوّم على يدي الكميت بن زيد الأسدي(١٦٨).
وقد تبع شعراء آخرون هذا السبيل في مواجهة الحقبة الاُمويّة وهم يتوسمون خطوات أهل البيت عليهم السلام، ومن هؤلاء الشعراء شريك بن الأعور، ويزيد بن مفرغ الحميري، وثابت بن عجلان الأنصاري، والنعمان بن بشير الأنصاري(بعد أن هجا الأخطل الأنصار)، ومن الشواعر هند بنت يزيد بن محزبة الأنصارية، وسودة بنت عمارة، وبكارة الهلاليّة، واُمّ سنان بنت جشمة المذحجية، ومن المتكلّمات عكاشة بنت الأطرش والزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية...الخ.
وللتدليل على ذلك نأخذ بعض نصوص أولئك الشعراء والشواعر، ليتبيّن للقارئ الكريم مقدار تأثير أهل البيت عليهم السلام على اتجاهات شعر(المعارضة) الأصيل الذي ضاع أغلبه أو ضيّع لأسباب قديمة وحديثة معروفة:
يقول شريك بن الأعور بعد مواجهة كلامية حامية مع معاوية في مجلسه:

أيشتمني معاوية بن حربٍ * * * وسيفي صارمٌ ومعي لساني؟ 
وحولي من ذوي يَمَن ليوثٌ * * * ضراغمةٌ تهشُّ إلى الطّعان 
وإن تك للشقاء لنا أميراً * * * فإنّا لا نقيم على الهوان(١٦٩) 

ويقول يزيد بن مفرغ الحميري أبياتاً بعد أن ادّعى معاوية أنّ أباه - أبا سفيان - قد واقع اُمّ زياد حينما كانت زوجة لعبيد الله فأولدها زياداً وجاء معاوية بأبي مريم الخمّار ليشهد بذلك في جامع دمشق، كل هذا من أجل استمالة زياد بن أبيه دون مراعاة المشاعر الإسلامية والتقاليد الدينية يقول يزيد بن مفرغ:

ألا أبل معاوية بن حرب * * * لقد ضاقت بما تأتي اليدانِ
أتغضب أن يُقال: أبوك عفٌّ * * * وترضى أن يُقال: أبوك زاني
فاشهد أن رحْمَك من زيادٍ * * * كرحمِ الفيلِ من وَلَدِ الأتان(١٧٠)

ويقول ثابت بن عجلان الأنصاري في مجلس معاوية بعد كلام طويل:

بنو هاشم أهل النبوّة والهدى * * * على رغم راض من معد وراغمِ
بهم أنقذ الله الأنام من العمى * * * وبالنفر البيض الكرام الخضارم 
فما أنت يا ابن العاص ويلك فازدجر * * * ولا ابنُ أبي سفيانَ أمثال هاشم(١٧١)

وتستعاد أبيات سودة بنت عمارة الهمدانية(وهي اخت مالك الأشتر أو ابنته) في مجلس معاوية بعد محاورة بينهما ترثي الإمام عليّاً عليه السلام وقد أثار شعرها غضب معاوية:

صلّى الإله على روح تضمّنهُ * * * قبرٌ، فأصبح فيه العدل مدفونا 
قد حالفَ الحقّ لا يبغي به ثمناً * * * فصار بالحقّ والإيمان مقرونا(١٧٢)

وتقول بكارة الهلالية في مجلس معاوية:

قد كنتُ أطمع أن أموت ولا أرى * * * فوق المنابر من اُميّة خاطبا 
فالله أخّر مدّتي فتطاولت * * * حتى رأيتُ من الزمان عجائبا 
في كلّ يوم للزمان خطيبهم * * * بين الجميع لآلِ أحمد عائبا(١٧٣)

وتقول اُمّ سنان بن جشمة:

إمّا هلكتَ أبا الحسين فلم تزل * * * بالحقّ تُعرَف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت * * * فوق الغصون حمامةٌ قمريّا
قد كنتَ بعد محمّد خلفاً كما * * * أوصى إليك بنا فكنت وفيا
فاليوم لا خَلَفٌ يؤمَّل بعده * * * هيهات نمدح بعده إنسيا(١٧٤)

وتقول هند بنت محزبة الأنصارية في أمر حجر بن عدي رحمه الله:

تَرفّعْ القمر المنير ترفّع * * * هل ترى حجراً يسيرُ
يسير إلى معاوية بن حرب * * * ليقتله كما زعم الخبير
تجبّرتِ الجبابرُ بعد حجر * * * وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا * * * كأن لم يحيها يومٌ مطير
ألا يا حجرُ حجرَ بني عدي * * * تلقّتْك السلامةُ والسّرور
أخاف عليك ما أدري عديا * * * وشيخاً في دمشق له زئير
فإنْ تهلكْ فكلّ عميدِ قومٍ * * * إلى هُلكٍ من الدنيا يصير(١٧٥)

وتبقى قصيدة عبد الله بن خليفة الطائي شاهدة على معاناة الشاعر الملتزم في زمن الطغيان الاُموي.
وهي بعدد أبياتها (ذكر منها الطبري ٥٦ بيتاً)، وبتصويرها الصادق المعبّر عن الأحاسيس بكل ما لدى الشاعر عن عفوية وخوف وترقّب، تُعَد من أحسن الشواهد الأدبية والتاريخية على الوضع الاجتماعي والاضطهاد السياسي والأدبي:
يقول عبد الله بن خليفة في جانب من قصيدته وهو يتحدّث عن منفاه:

فمَن لكم مثلي لدى كلّ غارة * * * ومَن لكم مثلي إذا البأس أصحرا
ومَن لكم مثلي إذا الحرب قلّصت * * * وأوضعَ فيها المستميتُ وشمّرا
فها أنا ذا داري بأحبال طيء * * * طريداً، ولو شاء الإله لغيّرا
نفاني عدوي ظالماً عن مهاجَري * * * رضيت بما شاء الإله وقدّرا
وأسلمني قومي لغير جناية * * * كأن لم يكونوا لي قبيلا ومَعْشرا 

ونخلص من كل ذلك إلى أنّ خطّ المعارضة الشعري هو صفوة الشعر الإسلامي في تلك الفترة، وقد سجّل حضوراً متميزاً على الرغم من التعتيم والتهميش الذي مورس بأبشع الوسائل والأساليب من أجل خنق الصوت الحرّ الواعي المنتمي لأصالته.
وهذا الخط هو في واقعه امتداد للأدب الإسلامي الذي انطلق بعد الدعوة المحمّديّة، وكان مقّدراً له مواصلة الشوط ليزهر أكثر فأكثر، لولا الردّة الأدبية والسياسية والاجتماعية الاُموية.
وقد اتخذت هذه الردّة أشكالاً عديدة ورافقتها نتائج مؤثّرة ومن تلك الأشكال والنتائج:
١ - حاول الاُمويون بكل ما يستطيعون استقطاب الشعراء الأقل شأواً والأخمل ذكراً وأغدقوا عليهم الأموال ووسائل الترف والترفيه ليكونوا عوناً إعلامياً لهم من جانب، وليشوشوا على ذلك الصوت الشعري الأصيل من جانب آخر(١٧٦).
٢ - تحييد وإلهاء الشعراء الكبار عن طريقين؛ مباشر: بالترغيب والترهيب والإقصاء والتقريب، وغير مباشر: بتحريض شعراء آخرين على النيل منهم للانجرار إلى أغراض بعيدة عن الروح الإسلامية مثل الهجاء، والردّ على المجون والقذف بمجون وقذف مضاد، وهكذا تتصاعد حدّة المواجهة يوماً بعد آخر، ويكون بالنتيجة تحييد الشاعر أوّلاً، وتحطيمه معنوياً ثانياً، وإلهاء الناس بالمشاحنات والعداوات والمشاعر القبلية من أجل إبعاد تفكيرهم عن دائرة السلطة الاُمويّة ثالثاً(١٧٧).
٣ - الهبوط بالشعر من جديد - بعد فترة الارتقاء النسبي في صدر الإسلام - ليصبح وسيلة لتفتيت الأخوّة الإسلامية والوحدة الفكرية والاجتماعية والدينية بين أفراد المجتمع الإسلامي(١٧٨).
٤ - انحسار الشاعر عن آفاقه الرحبة وتخلّيه عن موقعه الفني المؤهّل للنمو وتراجعه إلى حدود دنيا، بسبب ربطه بالولاء القبلي الضيق، وبالولاء السياسي الداعم لنظام الحكم الاُموي(١٧٩).
٥ - تصاعد وتائر التضييق والتهميش والمصادرة والتي تستهدف الشعر الملتزم، لتصبح الآن ذاتية يحرّكها الشعراء أنفسهم لا النظام الحاكم فقط(١٨٠).
٦ - تشتّت الانطلاقة الاُولى القوية للشعر في صدر الإسلام والتي كانت تتمحور حول شخصية المثل الأعلى(الرسول - الإمام)، وما نتج عن ذلك من تبعثر التطور والإبداع، خاصّة حين يفتقد الشاعر قدوته الحسنة من أعلى منصب في الهرم الإسلامي(الخلافة)(١٨١).
٧ - الابتعاد عن معين القرآن والأقوال النبويّة الشريفة وخطب الإمام علي عليه السلام واُسلوبه الأدبي المتميز، مع العلم انّ في هذا الثالوث القيم أرقى درجات الفنية والسمو الأدبي(١٨٢).
٨ - إدخال الغناء في دائرة الاهتمام الشعبي، ممّا فرض على الشاعر تلقائياً مجاراة نفس الغناء واُسلوبه وأفكاره، حتى وإن كانت منحطّة أو ركيكة(١٨٣).
٩ - المساهمة في قيام الغزل الماجن والقصص الغرامي البعيد عن الروح الإسلامية(١٨٤)، وإن نتج عن ذلك شيء حميد كردّة فعل طبيعية فطرية لدى الشاعر البدوي المنصهر بالإسلام فظهر شعر الحب العذري ومن ثم الشعر الصوفي.
ممّا حدا بأولئك المشبوهين إلى حرف شعر الحب وتوجيهه وجهات فجّة من خلال خلق قصص غرامية أو حتى خلق نصوص ملفّقة تنسب إلى هذا الشاعر أو ذاك لإفساد جوّه النقي، أو تشويه صورته المستقيمة في أنظار الناس(١٨٥)..
وهناك حقيقة مهمة تستحق الدراسة والتأمّل وهي وشائج القربى بين شخصيات شعر الحب(وبالأخصّ كثير عزّة وجميل بثينة وقيس بن ذريح) وبين خط الشعر الإسلامي(المعارض).
وعلى الرغم من كل ذلك ظل الشعر المرتبط بأهل البيت عليهم السلام جمراً تحت الرماد، حتى فاجعة كربلاء فانطلق بكل قوّة واحتجاج ولم يهدأ حتى هذه اللحظة وهو يحمل أصالة الانتماء إلى الإسلام فكراً ورؤى واستشراقاً للمستقبل، مع محافظته على تأثيرات القرآن ونصوصه المقدّسة فجاء صادقاً رقيقاً طافحاً بالحبّ والحزن والثورة في آن معاً.

ثمرة الاقتران المقدّس دراسة في مستويات التلقّي

الاستاذ ثامر الوندي

هناك شرطان منهجيان يجب على النصوص أن تحقّقهما قبل أن يُسمح لهما بالاصطفاف بين دفّتي هذا المنشور الذي خُصّص لإحياء مولد السبط المجتبى الإمام الحسن عليه السلام.
الشرط الأوّل هو الموضوع والثاني هو السمة المتولّدة عنه، فالموضوع هو ولادة الإمام الحسن عليه السلام ثمرة الاقتران السماوي المتحقّق على الأرض بين سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليهما السلام ومولى الموحّدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. أمّا السمة المتولّدة عن هذا الموضوع أو الأثر التابع لهذه الولادة الشريفة، فهو الحالة الشعورية الوجدانية التي تنتاب المتفاعلين والمنفعلين مع ذكرى الولادة، وجليّ انّها حالة الفرح والسرور والسعادة، فتنتظم التجربة الشعرية فيما يسمّى ب‍ - شعر المناسبات - موضوعاً وأثراً.
والكلام عن هذا النوع من الشعر يحتاج إلى بحث موسّع، لكنّنا سنؤشّر بعض الإشارات التي يتقاطع أو يتوازى أو يتلاقى فيها موقفان: أخلاقي، وجمالي، حول رفض أو قبول هذا الشعر.
يمكننا أن نقول على وجه الإطلاق أنّ التجربة الجمالية - أدباً أو فنّاً - لا تصدر إلاّ عن الحياة - محاكاة أو انعكاساً أو تمثيلاً - وحتى التخيّل والتخييل فمادتهما مفردات مسحوبة من تفاصيل حياتيّة يوميّة ارتقت إلى مستوى الخيال عن طريق نسق خاص من العلاقات، وإلاّ فهي من نفس المنبع، فلماذا لا نسمّي اللّقاء بين صاحب التجربة الجمالية وبين مفردات الحياة مناسبة؟ فمثلاً عندما يمرّ رسام على منطقة جبلية فيها من الوديان وانحدارات المياه وتشابك الأغصان ما يشكّل لديه قناعة بالموضوع فيجلب أدواته ويبدأ بالرسم، ألم يكن هذا اللقاء مناسبة؟ ولو كان نفس هذا الرسام بعيداً عن هذا المكان ولم يزره من قبل، وسمع عن هذا الجمال البعيد فقرّر الذهاب إليه لرسمه، ألا يمكننا ان نعدّ هذا اللقاء مناسبة أيضاً؟ وللاختصار أرى أنّ هناك تجارب في الفن التشكيلي تدّعي اللامناسبة(مثل تجارب الفنان الروسي كاندنسكي والفنان الهولندي موندريان في التجريد اللاموضوعي)، لكن محاولتها لإغفال الموضوع وتعويمه هي لقاء أيضاً مع اللاموضوع فتحقّق مناسبة أيضاً. وبنفس الطريقة التي يقول عنها الكاتب والفيلسوف الانكليزي جورج برناردشو: (ان نرفض الفلسفة يعني أن نتفلسف).
فالمناسبة هي الانصهار والتلاحم مع حدث أو واقعة أو شيء أو ظاهرة أو أيّ مفردة اُخرى من مفردات الحياة التي تفرض شروطها وبكل صرامة على النتاج الجمالي فنّاً أو أدباً.
٢ - يجب التفريق بين مناسبة لها سمات القصدية والتحديد والتوقيت، وبين مناسبة تحدث بتلقائية وعفوية فتثير تجربة جمالية معيّنة، سيكون هناك في الحالتين نوع من التحفيز والإثارة التي يُحدثها الموضوع، وربّما هناك جانب من الضغط والقسرية يُشاغل التجربة من خلال الظلال التي تنسحب من الموضوع على النتاج بشكل أو بآخر على محور الاختيار والانتقاء في عملية بناء النص، ممّا يُشكّل إعاقة أو حاجزاً نفسياً وخصوصاً في المراحل الأوّليّة الابتدائية من التجربة، ومع انّ هذا التفريق يجد له حيّزاً من الحقيقة بلا شكّ لكنّني أرى - على مستوى التجربة الشعرية - انّ الشاعريّة الحقّة لا تعدّ الموضوع قانوناً قسريّاً يمنعها من التحقّق والامتداد فلا جديد تحت الشمس على مستوى المواضيع، فالتفرّد والإبداع في تجدّد متواصل عبر مسيرة البشرية ونشاطاتها الحيوية، فالشاعر معنيّ باكتشاف البدائل والمعادلات الشعرية والمداخل الوجدانية الجديدة لنفس الأفكار والمواضيع والاطروحات القديمة، وهذا التحديد هو من صميم عملية اختياره وانتقائه التي يُجرّبها بوعي فني نفّاذ وإدراك جمالي متقدّم.
٣ - انّ مساحة الفعل الأخلاقي وحقل ممارسته تشمل مواضيع الحياة كافة بلا اختيار ولا انتقاء ولا فرز ولا تفضيل، في حين انّ التجربة الجمالية قائمة على ذلك ممّا يقلّل من مساحتها التي تتفاعل عليها مع مفردات الحياة.
وبنفس الطريقة فالوقت الذي تصرفه من حياتنا لنعايش الضوابط والمقرّرات الأخلاقية هو أكثر بكثير من الوقت الذي نستغرقه مع التجربة الجمالية عموماً، ومع كون هذا التفريق لا يحدّد الأفضلية لجانب دون غيره، لكنّه يبيّن أولوية جانب على آخر ويعطيه تراتبيّة مقرّرة سلفاً، فيصبح بالإمكان إنشاء مدخلية أخلاقية للتجربة الجمالية باعتبارها نشاطاً منزّهاً عن الغرض على الأقل في حالة إدراكها، ممّا يترتّب عليه سلوك أخلاقي خيّر واضح كل الوضوح، وإذا أضفنا إلى ذلك الممارسة الشعائرية العبادية في التطابق السلوكي مع ما اُمرنا به من إحياء وتعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى وتبعاً لذلك إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، أصبح الموضوع لا يشكّل ضغطاً أو قسراً بقدر ما يشكّل تحفيزاً وإثارة تبحث عن الاستجابة.
٤ - انّ من طبيعة المواضيع التي يتعاطاها كل محبّ وموّال لآل بيت العصمة عليهم السلام أن يبرز منها واقع شعوري وجداني متحقّق من تفاعل مع شهادة وفقدان مرير، إلى تناغم مع ولادة ووجدان أثير، فكلتا الحالتين فيّاضة بالعواطف السامية، جيّاشة بالمشاعر الإنسانية الحقّة، دفّاقة بالأحاسيس الحيّة الأصيلة، ممّا يؤكّد بروز السمة المتولّدة من الموضوع المعالج والأثر المستتبع له، وبتعاضد هذا الاستعداد النفسي والقابلية الشعورية مع آثار المدخلية الأخلاقية والتشريعية في كسب الأجر الأخروي وتحصيل الثواب، تتحفّز الدوافع الخيّرة أخلاقياً وتثار الإمكانات الفنية جمالياً فلا يعدم الشاعر الحقيقي الأصيل وسيلة ليهزّ شجرة الإبداع لتتساقط ثمار الولاء والحبّ ناضجة طريّة في أكفّ المتلقّين المتشوقين للأصيل المتجدّد والجديد المتأصّل.
على أنّي أؤشر لنصوص هذه المجموعة عدم إبلائها اهتماماً للسمة المتولّدة عن موضوع ولادة الإمام الحسن عليه السلام، فهي نصوص تقترب من الفرح بحذر وسرعان ما تبتعد عنه مؤثّرة أرضيات الحزن والمأساة على أجواء الفرح وفضاءات السرور.
هناك شوق عارم لدى المتلقّي أو القارئ ليعاصر ويزامن شاعراً ما أثناء كتابته لقصيدة جديدة، فيعيش المتلقّي - وفقاً لذلك - عصر النص الشعري أو الأدبي أو الفنّي بطزاجته ويناعته وطراوته وجدته.
حبّذا لو كان المتلقّي قريباً من النص وصاحبه ليسائله ويكاشفه لغرض تعميق درجات الإدراك الجمالي ووعي التجربة، لكنّ ما يحدث غالباً بعيد عن هذا الحلم والرغبة المتوسّلة بان يكون التواصل حميمياً وخلاّقاً، فهناك فجوة في قنوات التوصيل يتحمّلها الطرفان - الشاعر والقارئ في هذا المثال - فيقوم شخص ثالث بمهمّة المصالحة وتقريب وجهات النظر وترتيب مستلزمات اللقاء الحقيقي وهذا الشخص هو الناقد.
هذا التدخّل بين القارئ والنص له ما يُبرّره عندما يحاول تكوين حالة من الشعور والوعي الأفضل في ذهن المُتلقّي، ليشدّ الانتباه إلى قراءة اُفق أوسع تكون أكثر إرضاءً وإمتاعاً من خلال إدراك ما هو مميّز في النتاج الشعري أو من خلال كشف مستويات جديدة في العمل، وفي النتيجة يكون هذا التدخّل تدخّلاً لتدريب الحساسيّة أثناء القراءة ولإرهاف الذوق وتحفيز الاهتمام بالعمل الفنّي أو الأدبي، وربّما وصل - على مستوى الأهداف والغايات الأكبر - إلى جعل عملية التلقّي إبداعاً له خصوصياته وفرادته.
والمسلّم به أنّ الناقد قارئ نوعيّ للنصوص، أو هو قارئ متفوّق يُحسن قراءة النص بدرجة أعلى بكثير من درجة الصفر التي تُحدّد بداية التواصل بين قارئ مبتدئ ونص، ومحاولتنا هنا مُقيّدة بتحليل وتشريح النصوص لا تقويمها والحكم عليها، بمعنى أنّنا نحاول أن نجيب على سؤال: كيف كُتِب هذا النص؟
هذا التفحّص النقدي لا يُحاول الاستغراق في المعلومات الخاصّة، ليعرض عضلاته الثقافية والمعرفية بقدر ما يحاول - إن استطاع - أن يسلّم القارئ مفاتيح النصوص من خلال التعرّف والوصول إلى بعض بواباتها المغلقة، فنحن نحاول كشف الطرق التعبيرية والأساليب الفنية وكفاءة الأدوات التي يستخدمها الشعراء هنا، لذا عالجنا كلّ نص حسب الظاهرة الاُسلوبية الأكثر وضوحاً فيه، مع غضّ النظر عن الظواهر الاُخرى الموجودة في ثنايا النصوص وطيّاتها، وهي محاولة للتعرّف على المستويات المتعدّدة التي يطرحها النقد لتشريح النصوص وتحليل بناءاتها المعقّدة.
فتفحّصنا المستوى العروضي في قصيدة فرات الأسدي(البوح المشتهى) ومحاولته في الخروج على البُنى الإيقاعية التقليدية بحسّ تركيبي إيقاعي جديد يعتمد على تشابه الأجزاء في التراكيب التقليدية، ولكن بتجريب جديد لتراسل الأوزان والأبحر الشعرية.
ورأينا المستوى المعجمي والمستوى الصوتي هما الأكثر وضوحاً للمعالجة النقدية في قصيدة نزار سنبل(قراءات في وادي السنا)، واكتشفنا في نصّه ظاهرة أسميناها(رنين الرويّ) ربّما سنتوسّع معها في مقبل الأيام لتأشيرها وتوضيحها والتنظير لها.
ودرسنا المستويين التركيبي والدلالي في قصيدة علي الفرج(صوفية جرح) مع تأشير الاستخدام السردي والتصوّر الحكائي في المقدمة الشعرية الحرّة التي أوردها الشاعر قبل قصيدته.
ومع قصيدة(سمات البقيع) الجأنا قاسم آل قاسم إلى تتبّع مضامينه واُطروحاته الفكرية على المستوى البنائي للقصيدة الذي خرج به الشاعر من مألوفه عندما نظم قصيدته شعراً حرّاً.
ومع يقين البصري في مقدّمته وقصيدته(الندى المحترق) لاحظنا تلاحم الموقفين الجمالي والأخلاقي عنده، وكذلك درسنا آلية تداخل النصوص(التناص) والمقابسة.
ومع قصيدة(كبدي.. وجراحك الخضراء) لمعروف عبد المجيد، نظرنا إلى مسألة استبطان الحدث والواقعة التاريخية وكيفية المعالجة الفنّية للوقائع ووسائل الإخبار والإبلاغ الفنّي.
وختاماً آمل أن تجد هذه المحاولة مَن ينتفع بها في مسايرتها لهذه النصوص واحتفائها بمنهج ربّما لم تتكامل معه بالشكل المطلوب، لكنّها في الأقل محاولة لا تدّعي التأسيس في مرحلة غياب المحاولات الرائدة.
والله من وراء القصد.

قراءات في وادي السنا

الشيخ نزار سنبل

قرأتُ حبّك منقوشاً على اُفقٍ * * * تضجّ فيه دموعُ الورد والشفقِ
قرأت فيه حياتي كلّ دائرتي * * * ففي الفؤاد حكايا آخر الرّمق 
وخاطبتْ لغتي أقلامَ محبرتي: * * * هوى المحبّين حرفٌ من دم الحَدَق 
تذوب كلّ لغات الزهر حين هوت * * * على يديه طيور العشق فاحترقي 
* * *
قرأتُ فجركَ يا أحلام قافيتي * * * فاُلهبت في دمي أثوابُه الخضرُ 
وكان يشرق ملء الأرض هالتُه * * * يضيء يبسم لكنّ المدى جَمُر 
يسلّ من وجع العشّاق إبرته * * * فتنطفي الروح والأحلام والكِبَر 
وما تعوّد أو ألقاه مُنكسراً * * * حتى تكسَّر في شطآنه البحر 
* * *
قرأتُ ليلك مشدوهاً على سفرِ * * * تئنُّ فيه حكايا الدّمع والسهرِ 
رأيتُ روحاً تمدّ الكون سابحةً * * * تشدّ خيط شعاع الشمس بالقمر 
رأيتُ ظلاًّ شفافيّ الرؤى ألِقاً * * * يرشَّ أفنيةَ الأيام بالزّهر 
رأيتُ شيئاً وما أدركتُ صورته * * * وحسبُ روحي أن تفنى على قَدَر 
* * *
قرأتُ عصرك أصناماً مُحنّطةً * * * وسُجَّداً حولها تبكي بلا أملِ 
تعثّرت في كهوف الليل وانطفأت * * * حتى الشموع التي ترنو على خجل 
وكنتَ تلمح خلف الغيب قاحلة * * * تذيب كل معاني الوحي والمُثل 
وكانت الفأس في كفيك غاضبةً * * * فحطّمتْ كلّ مجد صيغ بالحيل 
وإن سعيت إلى الجلّى بلا وجل * * * فإنَّ رُوحك من روح الإمام علي 
* * *
قرأتُ كلّ دوالي الورد بوحَ مُنى * * * وصرتُ أقطفُ من ثدي النخيل جَنى 
وصغت من ولهي اُنشودة رُسِمَتْ * * * على دروب الحيارى التائهين سَنا 
وناغمت بسماتُ الطير ساقيتي * * * فرفَّ من حُلُمِ الواحات ما سَكنا 
وما تحيّرت في حسن أبادله * * * حلو الأحاديث إلاّ الوحي والحَسَنا 
* * *

• الشيخ نزار سنبل:
لأنّ الشيخ نزار سنبل شاعر يحتفي ويحنو على المفردات اللّغوية بشكل يقدّمها على الإمكانات والأدوات الاُخرى في العملية الشعرية، فسوف نسائله وفقاً لمعطيين من معطيات المفردة ونترك غيرها عملاً بالاختصار والإيجاز المطلوبين لهذه الدراسة المتعجّلة.
أولاً سندلّل: كيف انّ الشاعر شاعر مفردات أساساً؟ ثم نعرّج على التفريعات الاُخرى، من المسلّم به انّ التجربة الشعرية ظاهرة لغوية أساساً، لها طبيعة خاصة بها، لكنّها على أرض الواقع لغة أوّلاً وآخراً، وهي بالتالي كلمات أو مفردات لغوية وأشياء اُخرى، لكنّ النظام المعجمي الذي يحفظ اللغة ويصونها هو مجموعة كلمات وألفاظ، ونحن نبدأ - على العموم - في تعلّم لغة معينة من خلال تعلّم مفرداتها اللغوية، فالحال انّ مستوى استخدام الألفاظ في التجربة الشعرية له ضرورته التي لا تُنكر.
لكنّنا نرى عند الشيخ نزار سنبل احتفاء خاصاً بالمفردات بشكل واضح على محور اختياره لها، بحيث نرى هناك قصدية لا تستتر في عملية الاختيار في أغلب قصائده، ويمكننا أن نحدّد سياقاً أو نمطاً لاختياراته في كلّ قصيدة.
وسنسمّي هذا النمط المستخلص من قصيدته(قراءات في وادي السنا) بالنمط الريفي الزراعي الذي نجده ينظم غالبية ألفاظ القصيدة بالشكل الذي يجعل الإشارة واضحة معلومة، ويدعم التصوّر الأوّلي ليكون مبتوتاً بصحّته من خلال عملية الاستقصاء والتصنيف فسنجد مثلاً: في المقطع الأوّل(الاُفق، الورد، الشفق، الزهر، طيور).
وتنتظم في المقطع الثاني كلمات(فجر، الخضر، يشرق ملء الأرض هالته، المدى، شطآن، البحر) ليقترب أكثر من بيئته التي استمدّ منها كفايته اللغوية.
ونحدّد في المقطع الثالث(خيط شعاع الشمس، يرش بالزهر) على مستوى التركيب.
فهو في قراءاته الثلاث الاُولى(قرأت حبّك، قرأت فجرك، قرأت ليلك) لم يغادر الرؤى الريفية الزراعية التي تنظم اختياره على محور واضح، لكنّه في المقطع الرابع من القصيدة يقرأ شيئاً آخر(قرأتُ عصركَ..) فينتبه إلى المفارقة بين قراءاته للعصر وبين قراءاته للرؤى الريفية الزراعية التي يحمّلها بالمعاني على محور الدلالة في كلماته المختارة فلا يأتي بشيء منها في هذا المقطع، لكنّه على سبيل الموازنة يوظّف المقطع الأخير لإبراز هذه الرؤى وبكثافة فنرى(دوالي الورد، أقطف من ثدي النخيل جنى، انشودة، بسمات الطير، حلم الواحات).
ونسمّي نمطاً آخر من أنماط اختياره لمفردات تنتظم في سياق خاص بالنمط اللغوي، وهذا النمط معني بانتقاء ألفاظ تعبّر عن ظواهر اللغة والكلام والقول فيظهر لنا الاستقصاء ما يلي(قرأتُ حبّكَ، قرأتُ فيه، حكايا آخر الرمق، خاطبتْ لغتي أقلام محبرتي، هوى المحبّين حرف، لغات الزهر، قرأتُ فجركَ، أحلام قافيتي، قرأتُ ليلكَ، حكايا الدمع والسهر، قرأت عصركَ، معاني الوحي، قرأت كلّ دوالي الورد بوح منى، صغت من ولهي انشودة، حلو الأحاديث) ممّا يؤكّد القصدية في الاختيار مع الجهد الواضح في بعثرة هذا التوجّه لتحقيق العفوية والتلقائية في النص، لكنّنا نلاحظ في المقطع الثالث انّ الشاعر قد كشف - بلا قصد - عن التنظيم في إعطائه الأولوية للمفردات في حالة تكرّر فعل(رأيت) ثلاث مرات في بدايات البيت الثاني والثالث والرابع من المقطع فنرى على التوالي(رأيت روحاً، رأيت ظلاًّ، رأيت شيئاً وما أدركت صورته) وهذا التدرّج في الكشف عن دلالة اللفظ الأوّل(روحاً) في التتابع(ظلاًّ) يمنحنا مفتاحاً في تعامل الشاعر مع الألفاظ لنراه يدور حول الألفاظ التي يعتني بها مثل لفظة(روح) التي سيقول عنها في البيت الرابع بعد نفس الفعل(رأيت):

رأيت شيئاً وما أدركتُ صورته * * * وحسب روحي أن تفنى على قدرِ 

ليكمل دورة اختياره بنفس اللفظة(وحسب روحي) ممّا يدعم فرضية اهتمامه بالمفردات على المستوى الدلالي.
لكنّنا نكتشف جانباً آخر من هذا الاهتمام اللّغوي بالمفردات لدى الشاعر على المستوى الصوتي، هذا الاهتمام الذي يختفي بشكل أعمق وأبعد من الظهور، ممّا يقرّبه لحالة الاستخدام اللاشعوري ويبعده عن القصدية والتعمّد وهذا الجانب له بُعد غائر وعميق لعلّنا نفرد له بحثاً خاصاً عندما نجده عند غيره من الشعراء. وسنطلق على هذا الجانب من المستوى الصوتي تسمية مؤقتة هي(رنين الرّوي).
إنّ القافية في الشعر تعتمد على تكرار حرف أو عدّة حروف في نهايات الأشطر أو الأبيات، وفي الشعر العمودي تأخذ شكل بناء شاقولي من الخارج، وهي رغم اعتمادها على جرس حرف الرُّويّ وما قبله وما بعده فهي كذلك تسور القصيدة العمودية بسور إيقاعي ضاغط بحيث يجتهد الشاعر بالإتيان بها سلسلة محقّقة للمتطلبات الشعرية الاُخرى، وتظل تشاغله في عملية الكتابة فكأنّها تضغط برنين روِّيها - لا شعورياً - على البيت الشعري بشكل استباق منذ بداية تشكّله، ممّا يقتضي مراعاته والاهتمام بشروطه.
هذا الضغط يؤثّر على الألفاظ المختارة في صدر البيت وعجزه بما يولّد استعداداً مسبقاً ينكشف على اللاشعور في عملية الكتابة، فيبدأ بالمناوشة بشكل حضور لنفس حرف الرُّوي في متن البيت بسبب من رنين حرف الروي الذي ينتظر تشكّله في كلمة ملائمة.
ولشرح هذا البعد الصوتي الغامض سنلاحظ المقطع الأوّل من قصيدة الشاعر فنرى حرف القاف:
في البيت الأوّل في ألفاظ (قرأت، منقوشة).
وفي البيت الثاني (قرأت).
وفي البيت الثالث (أقلام).
وفي البيت الرابع (العشق).
وفي المقطع الثاني حيث حرف الروي هو حرف الراء نرى:
في البيت الأوّل (قرأت، فجرك).
في البيت الثاني (يشرق، الأرض).
في البيت الثالث (ابرته، الروح).
وفي البيت الرابع (منكسراً، تكسر).
وهكذا في المقطع الثالث أيضاً حيث حرف الروي هو حرف الراء أيضاً:
ففي في البيت الأوّل (قرأت).
وفي البيت الثاني (رأيت، روحاً).
وفي البيت الثالث(رأيت، الرؤى، يرش).
وفي البيت الرابع(رأيت، ادركت، صورته، روح).
ومع حرف اللام في المقطع الرابع نرى:
في البيت الأوّل(حولها، بلا).
في البيت الثاني(الليل، التي، على).
وفي البيت الثالث(تلمح، خلف، الغيب، قاحلة، كل، الوحي، المثل).
وفي البيت الرابع(الفأس، كل، بالحيل).
وفي البيت الخامس(إلى، الجلّى، بلا، وجل، الامام).
وأخيراً نرى نون المقطع الأخير:
في البيت الأوّل منه(منى، كنت، من، النخيل).
وفي البيت الثاني(من، انشودة، التائهين).
وفي البيت الثالث(ناغمت).
وفي البيت الرابع(حسن).
وهذه الظاهرة يمكن أن تستقصي في الشعر العربي قديمه وحديثه، لتحدّد على المستوى الصوتي الذي يشكّل جانباً حيوياً أصيلاً في تكوين التجربة الشعرية وامتدادها وحضورها كنوع أدبي متميز.
بقي لنا مع نصّ الشيخ نزار سنبل ملاحظة عامّة من قدرته في إعطاء أكثر من مدخل لمعالجته، مع اكتفائنا بهذا المدخل التشريحي المبسط لمستوى الاختيار اللّغوي والمستوى الصوتي المرتبط بنظام التقفية وهو في طور التجريب المستمر المنفتح على ما يُتاح من إمكانات تعبيرية وتوصيلية، ففي هذه المعالجة النقدية أكثر من فائدة لتجربته ولتجارب الشعراء الآخرين ممّن نتوخّى فيهم مواصلة الإبداع ورفده بكلّ جديد.

سمات البقيع

الشيخ قاسم آل قاسم

إذا شئتَ أن تقرأ الوحي، أن تكتب الوحي، أو أن تقولْ...
فلا بد أن تستشفّ البقيع لتصبح وحياً وتصبح بعض معاني الرسول
إذا شئت أن ترسم النور أو تنحت النور... فارحل مع الشّمسِ.
لا تنتظر أن تضيق دائرة الاُفقِ
فكم ألّم العاشقين الاُفولْ.
إذا شئت أن تسمع الوحي لا تخش أن تدع الناس تغرقُ نحو السّماء
تطرق أبوابها وحلّق إلى الأرض خلف البقيع..
ولا تنسَ أن تطرق الباب كما كان يطرقه جبرئيل.
وقف خاشعاً خلف أعتابه واطرقِ.. وإن شئت فاجثُ على الأرضِ
كي تستعير من الزغب، زغبَ الملائكِ شيئاً لترسم وجه(الحسن)
ولن تستطيع
لأنّك حين تحاول أن ترسم بعض معانيه يسمو، لأنّ(الحسنْ)
فوق ضيق المسافات فوق الزمن
ولن تستطيع
لأنّك حين استضفت القوافي وقاموسك الأبجديّ
حكمتَ بأنّ على الفن أن يتنازل عن عرشه
ليسجن بين زواياك بين حدود القلمْ
وحتى لو انّ رؤاك خيال السماوات لن تستطيع
لأنّ الذي دونه حسن والذي تبتغيه(الحسنْ)
وكل الذي ها هنا هو منه، لذاك أبى القوم تشييعه ونفوا نعشَهُ
وظنّوا بأنَّ ثراه يضيع.
وما علموا أن بُردته ستكون(البقيعْ)
وما علموا أنّه توشك الأرض تنشق عن مثلِهِ
ألف جيل ويأتي يصلّي على قبره جبرئيلْ
لأنّ التراب ارتوى عبق الوحي منه،
وفي كل شبر من الأرض كل التراب يحدِّث عنه
فيا قومنا: حطّموا المئذنهْ، أزيلوا القبابْ
فلا تستطيعون محو التراب ولا تقدرون بأن تخرسوا ألسُنَهْ
لكيلا يكون الحسن:
عليكم بان تذبحوا كل فنٍّ، وأن تحرقوا كلّ وجه جميلْ
عليكم بأن تنحروا الفجر كي يتمزّق وجه الأصيل
أن تقطعوا سعفات النخيل، أن تطفئوا الشمس حتى يموت النهار
أن تصنعوا من وجوهِ اُميّة اشرعةً مشوّهةً تصادر لون البحارْ
لكيلا يكون الحسنْ
عليكم بأن توقفوا عجلات الزّمنْ، لئلاّ يجيء الربيع
فتبدو على كلّ زهرة روض سمات البقيع ووجه الحسنْ
أيا وهجاً من عيون البتول، ويا لونَ بسمتها والضحيّة
ويا لحن إيقاعها حين تخطو تحاكي الرسول
ويا عرفها إذ تدير الرّحى، ويا رجع أنغامها والصدى
منحتَ السحابَ الندى، فعاش على راحتيك الربيع
فهل يا ترى يحتويك البقيع؟!
مساكينُ أعداؤك الواهمون
إنّك بين الزوايا بلاك الكفن
وما علموا أنّ في كل شبر صداكَ، وفي كلّ ذرّة رمل وطنْ
فإن أوصدوا باب أرض البقيعْ
فما أوصدوا بابَ روح الحسنْ
• الشيخ قاسم آل قاسم:
يدخلنا الشيخ قاسم آل قاسم إلى نصّه عبر بوابة التشريط المرتبط بالمشيئة أو هو المحاصر لها، هذه المشيئة شخصيّة فرديّة يخاطبها الشاعر ليكشف لها وينير لها عتمات الوصول، فنلاحظ الخطاب من الشاعر إلى هذه الذات المخاطبة يأتي ناصحاً واعظاً:
إذا شئت أن تقرأ الوحي أن تكتب الوحي أو أن تقولْ
هنا يسائل الشاعر مشيئة الإنسان إذا أرادت أو شاءت الاقتران بالوحي عبر طريقين متتابعين هما قراءة الوحي وكتابته، ويسائل هذه المشيئة مخيّراً اياها ب‍(أو) أن تقول، على وجه يفهم منه أنّ التشريط ب‍(إذا) جاء ليحصر ثلاث ظواهر لغوية بالأساس(القراءة، الكتابة، القول).
فلا بدّ أن تستشف هنا مطالبة مؤكّدة بالبحث والتقصّي والاستزادة، وعموماً هي استحضار حالة وعي عميق وإدراك متوقّد الاستشفاف والشفافية في التعامل مع الظواهر اللغوية الثلاث.
لتصبح وحياً
وتصبح بعض معاني الرسول
إنّ الشاعر يكشف للمخاطب شروط الالتحام بما هو إلهي ومقدّس، ويكشف له قوانين صيرورة الإنسان قريباً من الله تعالى ومن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عبر التعامل مع النصّ الألهي أو النصّ النبوي، أو لنقل النص المقدّس حاملاً وعيه وإدراكه وعلمه لبلوغ ما يأمل.
لكننّا نكتشف انّ المخاطب انسان نوعي هو عموم الفنّان شاعراً كان أو كاتباً أو غيره، لذا نرى التشريط الثاني يستخدم ألفاظاً متخصّصة مثل(ترسم، تنحت) وهو يطالب هنا:
إذا شئت أن ترسم النور أو تنحت النور
فارحل إلى الشمس لا تنتظر أن تضيق دائرة الاُفق
فكم ألّم العاشقين الاُفول
مطالبة بالرحيل إلى الأصل والمنبع الحقيقي بدون انتظار، وواضح أنّ النور وما يقابله وهو الاُفول جاءا رمزين متقابلين للحقيقة المطلقة واللاّحقيقة.
وقد تعاطف الشاعر في خطابه هنا مع هموم الفنّانين، ووصفهم بالعاشقين الذين يتألّمون أكثر من غيرهم لعدم بلوغ الغاية.
ويؤكّد الشاعر ثانية اختلاف الطرق الجمالية الفنية عن الطرق الاُخرى، أو هو يوصي ويُطالب الفنان - كإنسان نوعي - بمخالفة الأساليب السائدة لأنّ الفنان عنده هو حامل شعلة الإبداع فلا بدّ له من المغايرة، ففي حين يطرق الناس أبواب السماء يطالب آل قاسم الشاعر بالتحليق إلى الأرض لكنّها ليست أيّة أرض كانت، بل هي أرض نوعية خاصة، بقعة سماوية مقدّسة هي البقيع ليقف الشاعر خاشعاً يطرق باب البقيع وإن شاء جثا أيضاً ليحقّق شروط الالتحام المطلوب.
وينتهي إلى استعارة شيء من زغب الملائك الطائرة ليصنع منها ريشة ملائمة لرسم وجه الإمام الحسن عليه السلام.
ويسترسل الشاعر الشيخ قاسم آل قاسم بعد ذلك استرسالاً مطوّلاً يقول فيه: بعدم كفاءة الوسط والنشاطات الإنسانية في التعامل مع ما هو مقدّس، وعلى وجه الخصوص والحصر قضية الإمام الحسن عليه السلام وهي موضوع القصيدة، لأنّ النشاط الإنساني ومنه الفن محصور بملازمات عالم الإمكان مكاناً وزماناً، فلن يصل إلى التطابق مع ما هو إلهي:
لأنّ الحسن..
فوق ضيق المسافات فوق الزمن..
وعلى الرغم من سعة الفن وإنسانيته فالشاعر - مثلاً - يسجنه بقلمه ويرى فيه رأيه الخاص المحدود ليؤكّد عدم الاستطاعة في التعبير عن ما هو سام، ويضيف آل قاسم في تأكيده لعدم استطاعة الوصول:
وحتى لو أنّ رؤاك خيال السماوات لن تستطيع
لأنّ الذي دونه حسن والذي تبتغيه الحسن
ويبدأ بعدها آل قاسم في عرض إلتحام الأرض بكلّ مفرداتها وتفاصيلها بقضيّة الإمام الحسن عليه السلام:
لأنّ التراب ارتوى عبق الوحي منهُ
وفي كلّ شبر من الأرض كلّ التراب يُحدِّثُ عنه
وينتهي حواره مع ظالمي الإمام الحسن عليه السلام هكذا:
لكيلا يكون الحسن
عليكم بان تذبحوا كلّ فن
وأن تحرقوا كلّ وجه جميل
في طرح شعري يرسخ ارتباط ما هو جميل بما هو حقيقي، لأنّ الجمال عند آل قاسم ينشد ما هو حقّ وما هو خير، وإزالة الحقّ تعني إزالة الجمال أوّلاً وآخراً، وهذه إلتفاتة ونظر فلسفي ألبسه الشاعر حلّة الشعر وأدخله دوائر الفن عبر التفاف على تقريرية ومباشرة اللغة النثرية.
ويسترسل الشاعر بعدها ليعبّر عن إلتحام المفردات الطبيعية بالإمام المعصوم عموماً، وتخصيصاً الإمام الحسن عليه السلام، فالفجر المنحور ووجه الأصيل الممزّق وسعفات النخيل المقطوعة والشمس المطفأة والنهار الميت ولون البحار المُصادَر، كلّ هذه المفردات الحياتية هي المعادلات الوجدانية الشعرية لمظلومية الإمام الحسن عليه السلام التي تراها وجوه اُميّة المشوّهة.
هذا التناول لمفردات الطبيعة كمواد تعبيرية، أضفى عليه الطابع الفكري لمسات واقعية إيمائية أبعدت عنه النَفَس الرومانسي الحالم المتأوّه لكي يقفل بالإشارة المكرّرة(كيلا يكون الحسن) منبّهاً على استحالة عدم كينونته ووقوف القوانين الطبيعية والسنن الكونية ضد هذا، فلن تقف عجلات الزمن ويبقى الربيع يأتي:
فتبدو على كلّ زهرة روض سمات البقيع
ووجه الحسن
تبدأ بعد ذلك قطعة ختامية يخاطب فيها الشاعر الشيخ قاسم آل قاسم الإمام الحسن عليه السلام مباشرة، وهي نفثة روحية حرّة امتزج فيها تمكّن الشاعر من النظم العمودي مع محاولته لكتابة شعر حرّ لا يتقاطع مع تجارب شعراء هذا النمط، بل ينفرد عنهم بسبب بروز الدوافع الأخلاقية السلوكية الضاغطة على تجربة آل قاسم الشعرية.
فقصيدته وعظية تنجح في إخفاء ما تريد تحت أجنحة المعالجة الفنية الجمالية، وتنجح أيضاً في استقلال شخصيتها ومُزاوجتها بين متطلبات الشكل وشروط المضمون، لتجعلنا نقول أنّ تجربته الشعرية بوتقة مختبرية تصهر الأخلاق والسلوك مع الجمالية والحقائق التاريخية في نسيج فنّي يستخدم من الرومانسية مفرداتها الرقيقة، ومن الواقعية حبكاتها المتداخلة، ليحقّق نصّاً هو بدايته المتمكّنة التي نتوقّع لها أكثر من ذلك حينما تتواشج وتتقاطع مع تجارب الآخرين الشعرية عِبر مسارات الشعر المعاصر.
وعلى مستوى التجريب الواعي فإنّ الشاعر الشيخ قاسم آل قاسم قطع مسافة شاسعة نحو الإبداع والتجدّد.

كبد وجراحك الخضراء

الاستاذ معروف عبد المجيد

لا تقترب يا نجمُ، وابق هناك محجوباً بأسداف الزمن
لا تحرق الدنيا بطلعتكَ الوضيئةِ حين تولَدُ..
فالظلام يلوك فاكهة الخلودِ
وألفُ عاصفة تهبُّ وتكسر الأمواج والقمر المعلّق في الصواري المائساتِ
وتستبيح البسمة الحسناءَ في ثغر السُفنْ
لا تدنُ من أرض يلذُّ لها الهجوعُ، وتستكين ذليلةً..
فوق التواريخ الكسيحةِ والمرايا السودِ والحمّى.. وأكتاف المحنْ..!
وانظر إلى هذا الوجودِ تجده قفراً، لا تداعبه النسائم والخزامى..
والرياحين الطريّةُ والبحيرات العِذاب، ومهرجان الطير والروضُ الأغنّْ..!
واربأ بهامتك الكريمة عن عوالمنا الذميمة.. إذْ هَوَتْ مزقاً محرّقةً بأخدود الفتنْ..
واعبر مدارات الحياةِ
فكأس(جعدة) دائرٌ يسقي الحماماتِ النبيلةَ والأحبّةَ.. والوطنْ..
وارحم ثكالى الخلق.. والأمل المذهّب في بطون الاُمّهاتِ
وهدأةَ الرّيف الملفّع بالطفولةِ واشتعال الشيب في رأس المُدن.
فالأرض أضعف طاقةً من أن تراك تجود بالنفس الزكيّة مرّة اُخرى
وتقتل يا حسن!!
إرفق بنا..!
فعيوننا لم تكتحل بالنور دهراً..
وتعوّدت أجفانُنا برموشها السوداءِ أن تغفو..
وتحلمَ أنّ أشواكَ الظلامِ غدت نجيمات.. وزهرا
حتى مآقينا.. ترجّح أن تشبّ الاُمنيات الزغْبُ.. في أرحامها البتراءِ جمرا
فإذا صحت.. ورأتك واقعها المضيءَ تحيَّرت..!
وهي التي لم تحتضن أهدابُها من قبل.. لألاءً.. وبدراً
حتى المآذن.. والسواقي.. والفصول الخضرُ ما عادت تؤذّنُ
أو ترشُّ على التلال ندىً وتكبيراً.. وغزلاناً وزغردة وعطرا
حتى المواسمُ.. والمواكبُ والكواكبُ
لم تعد تُضفي على الأعشاشِ.. والأعشاب والليل الحزينِ بشاشةً سكرى..
وإشراقاً.. وسحراً..
حتى الليالي لم تعد تنأى ليلتمس الحيارى البائسون هدىً وأسحاراً.. وفجراً.
حتى المحافلُ.. والرحيلُ الحلوُ في زهو الذُّرى والاُمسياتُ ودهشةُ الشُعراءِ
ما عادت تفيض على السهول وهودج العشاقِ وحياً.. وارتعاشاتٍ وشعراً
فإذا أتى الميلادُ يحمل للحزانى فرحةً.. ونبوءة تشدو.. وبشرى
وتفجّرت آفاق هذا الشرق نوراً
وهجُهُ:
طه، وحيدرةٌ، وزهرا..
فلتبتهج يا عمرنا الخالي من الفرحِ المجنَّحِ فهي ذكرى.. أيُّ ذكرى..!!
وتجيء تسبح في الدّماءِ وفي رؤاك الطفُّ، والعطش الرهيبُ
وشهقةُ الأطفال، والشفق النحيلْ..
وأخوك ممدودٌ على وجه الثَّرى كالكون. أضجعه الزمان على الرمال
فبدؤهُ: قِدَمُ الخليقةِ
والنهاية.. في امتداد المستحيل
وأخوك شعشعةُ النجوم على الممالكِ واشتعالاتُ التجلّي واقتدارُ الضوء..
والمشكاة.. والقنديلْ
وأخواك جمهرةٌ من الأفلاكِ ترفض أن تحطّ على الترابِ
وأن تذوب مع انطفاءات الأصيلْ
وأخوك جلجلة الفوارسِ والتماعات السيوفِ
تضنّ أن تهوي.. فيسكتها الردى
وتدوسها ضعة السنابك وانتكاساتُ الخيولْ..!
وأخوك زلزلةُ الملاحمِ وازدهاراتُ الفتوحِ وثورةُ البركان.. والغزواتُ
والفَرَسُ الأصيلْ
وأخوك خامس خمسةٍ تحت الكساءِ، الله سادسهم.. وجبرائيلْ
وأخوك جوهرةُ الإمامةِ وانفجارُ الوحي.. والقولُ الثقيلْ..
وأخوك أسفار البشارةِ و(المؤيّدُ) للمسيح وصرخةُ الشهداء في التنزيلْ
وأخوك هدهدةُ الولايةِ بين أحضان النبيِّ ومعجزات المرسلين وفلكُ نوحٍ
والأساطيرُ المجيدة، والشرائعُ، والنقوشُ..
وآية الرهبان في ديرٍ على بَرَدى وأسرارُ النبوءات الخبيئة في ضفاف النيلْ
وأخوك أحزانُ الفراتِ وولولاتُ البدو في غسق الخيام
وأنّة الأنسام في سعف النخيلْ
وأخوك أوصال النهارِ تناثرت فوق المدائن وانشطار الشمس والخطب الجليلْ
وأخوك حُرقتنا.. وآهتنا وقصّتنا التي اختزلت بها الدنيا حكاياها العجيبةَ..
فهي تقصرُ.. كي تطول..!
فأخوك عاشوراءُ والقتل المحرّمُ والدم المطلولُ والدمع الهطولُ
وأخوك راسٌ ناشرٌ حُمْرَ الجدائلِ
واختضاب الجرح في وجع الضفائر
والتهاب البوح في هلع الذهولْ
وأخوك أنفاسٌ.. وأوردةٌ
تمزّقها الضغائن.. والنصولُ
وأخوك عزفٌ.. كالعواصف في متاهات المدى
وأخوك نزفٌ.. كالسيول
وأخوك تقدمةٌ.. وأضحيةٌ ومذبحةٌ.. تجولْ!
وأخوك زينبُ.. والسبايا والرسالة.. والرسولْ
وأخوك مأتَمُنا الموشّح بالسوادِ تنوح فيه الحور من أزلٍ
وتندبُ فيه حواءٌ، وآمنةٌ ومريمُ، والبتولُ
وأخوك قبتنا الذبيحة في جنائز كربلاء
تمدُّ كفّيها المخضبتين بالدم للسماء
وتشتكي لله أحفاد المغولْ
وأخوك سامرّاءُ.. والأملُ المغيّبُ في الضمائر والمشاعر والعقولُ
وأخوك نكبتنا.. ومحنتنا الحبيسةُ في ذراري النسلِ جيلاً بعد جيلْ
وأخوك: أنت.. وأنتما: أنتمْ..
وأنتم كلكم حيٌّ كدفق النبض في قلب الحياة
وكلّنا.. نحن القتيلْ..!
يالي.. ويا لربابتي الرعناءِ كيف تميتني صمتاً
لتعزف ما تمنّت أن تقولْ..!!
قد كنت أرجو أن أصوغ قصيدةَ الميلادِ
في هذا المساءِ الطلقِ لكنَّ الحسين..
جراحُهُ سكنت فمي
فتحوّلت فيه الأغاريد البهيجة نوحةً
وتحوّل النّغم الطروبُ إلى عويل..!!
يا كلَّ آياتِ النبوّةِ والأناشيد النديّةِ في شفاه المصطفى..
يا سبطه المسمومَ.. قامَ ومزّق الأكفانَ وهو يطوف حول البيت.. متّئداً
ويسعى بين مروةَ.. والصفا
قعدوا.. ولم تقعد..!
ولكنّ الخيانةَ في(النّخيْلةِ)
وانكفاءات القبائلِ حمّلتك من الشدائد ما كفى..!
خذلوك، وانتهبوا المصلّى والمتاعَ ونازعوك بساطك النبويَّ
ثم تأمّلوا أن يُسلموك إلى ابن هندٍ حيلةً.. وتزلّفاً..!
غصصٌ.. على غُصصٍ..!!
وهم من جرّعوا أضعافها - يوماً - أباكَ.. فما احتفيت.. وما احتفى..!
طعنتكَ شرذمةُ النّفاقِ
ولو تخيّرت القتالَ
بدا من الغدر المُبيّتِ.. ما خفى!
يا عزَّ هذا الدين
كم ذُلّتْ رقابٌ خالفتكَ
وكم من الفرسان حين البأسِ صار مخالفاً..!
صلحٌ.. به حُقنت دماءٌ لو جرت.. لأتوا على الثقلين
موجدةً.. وحقداً تالداً.. وتعسفاً
عهدٌ.. به بيّضت وجه المسلمين
فبئس مَن جافى.. وعزّك في الخطاب وأرجفا..!
لو لم يكن نصراً.. فكيف بغى معاوية عليك وما وفى..؟!
مهَّدْتَ للثوار دربَهمُ الطَّويلَ فحمحمت خيل الحسين
وأدرك التاريخ أن النخل حين يموت من ظمأٍ يظل على الدوام مرفرفاً..
ومعانقاً هامَ السماءِ وواقفاً.
يا أيّها المظلومُ.. أمنحك الفؤادَ مفتّتَ الرئتينِ يخفقُ.. نازِفاً
اُهديك في الميلاد تاريخاً، وشمساً لا تغيبُ ومُصْحَفا.
• الاستاذ معروف عبد المجيد:
قصيدة معروف عبد المجيد سياحة عريضة في أصقاع الوقائع، وانتقالة واسعة الخطى في مساحات الحقائق، وهذه السياحة أو الانتقالة لا يحلو لها الإقامة في مكان ولا يحلولها التعشيش على غصن معيّن، فهي سفر متواصل يعوّل على وحدات المعنى وسعة المضامين أكثر من اطمئنانه في الإخلاص للقول الشعري.
والشاعر بمقارباته النظمية لتفاصيل الحقائق ووثاقتها، يحاول أن يردم فجوة عميقة قائمة بين الواقعة التاريخية - وهي البعد الغائر والمستتر من الوقائع - وبين عملية الإبداع الشعري.
وبسبب إخلاص الشاعر للجوانب والمستويات المعنوية والمضمونية والفكرية نرى في شعره مسحة منطقية مستحكمة، فألفاظه مثلاً لا تنحرف كثيراً عن وظيفتها لتسلك مسالك الإيحاء أو الإيماء أو الترميز، فهي مهتمة بنقل الحقيقة المنطقية عبر نظام توصيل يصوغ التعبيرات صياغة إخبارية، فلو نظرنا إلى مقاطع القصيدة لرأينا أنّ كلّ مقطع قائم على وحدات منطقية منظّمة تنظيماً يتجاوز الجمال لصالح الحقيقة، ففي كل مقطع وحدة مضمونية مسؤولة عن نقل التعبير إلى المتلقّي بحبكة منطقية محكمة، أو هناك سرد محبوك بدراية منطقية واضحة. فمعروف عبد المجيد يهتمّ بنقل التعبير ليوصله للمتلقّي عبر أدوات لا تؤكّد هويتها الشعرية، ويكفي أنّه ينقل التعبير ولا يعبّر، وبالنتيجة فهو ميّال إلى البرهنة على قضاياه بالأدوات الشعرية وهذه الطريقة أو الاُسلوب - أي استخدام الشعر لتنفيذ وظائف اُخرى ربّما يقتل الشاعرية أو يخنق ما هو شعري في تجربة معروف عبد المجيد المعرفية الواسعة.
إنّ معالجة الشاعر لقصيدته لا تكتفي بوجودها أو حضورها المتطلّع إلى آفاق الجمال والفن، فهو يشحنها - بتفان - بآفاق معرفية يعرض من خلالها أفكاره وتوجّهاته ووعيه التاريخي بشكل مباشر، فهو لا يميل إلى الكشوفات الإيحائية التي يجب أن تصبغ الفنون بصبغاتها الحدسية، بل يميل إلى إخضاع التجربة الجمالية لرغبات ذهنية عقلية تقول: إنّ الحقيقة هي الجمال، والجمال هو الحقيقة فهو مع قول أحدهم:

وكم يبدو الجمال أشدّ حسناً * * * بما تهب الحقيقة من جمال

ومع وجع الحقيقة انعكست رؤى الشاعر مأساوية الظلال، فجائعية الإشعاع لتبعد الفرح عن مسار القصيدة وسياقها منذ الخطوة الاُولى التي عانقت(لا) الناهية بكل حدّة ليقول:
لا تقترب يا نجم..
ليلحق هذه الحدّة عبر فعل الأمر(ابق) ليواصل التحذير:
وابق هناك محجوباً بأسداف الزمن
ويطغى الألم على التصوّر ليجعل النور محرقاً فيخاطبه ناهياً أيضاً:
لا تحرق الدنيا بطلعتك الوضيئة
وعبر مشاعر الخوف والخشية والرهبة من تكرّر المأساة يستمر خطاب الشاعر للإمام الحسن عليه السلام بالعرض والتوسّل والطلب والرجاء وتعود(لا) الناهية مرّة اُخرى لترجو وتتوسّل:
لا تدن من أرض يلذ لها الهجوع
ويستسلم الشاعر لسوداويّة مطلقة، فهو يؤبّد الظلام ويجعله خالداً بتصوّر اُسطوري واضح الدلالة:
فالظلام يلوك فاكهة الخلود
ويشحن الجو المأساوي العام بتفاصيل الكارثة فهناك:
الف عاصفة تهبّ
وهناك أيضاً:
التواريخ الكسيحة والمرايا السود والحمّى
ويعود الشاعر ليتوكّأ على طلباته وتوسُّلاته بعدم الحضور، فيواصل رحلته مع أفعال الأمر(انظر، اربأ، اعبر، ارحم) ليعلن إعلاناً هو إلى خيال الأماني أقرب من الحقيقة التاريخية ليقول: إنّ الأرض لا يمكنها استقبال الإمام عليه السلام إذا أراد أن يجود بدمائه مرّة اُخرى.
في المقطع الثاني يحدث بعض الانفراج من ضغط الأحزان والواقع المأساوي المحاصِر لرؤى الشاعر، فيبتدئ من فعل الأمر المتوسِّل بالإمام الحسن عليه السلام.
ارفق بنا.. فعيوننا لم تكتحل بالنور دهراً
لنصل بعد رحلة سرديّة بتفاصيل الأوجاع عبر تداعيات متواصلة ومتداخلة إلى منطقة صغيرة يعالج الشاعر بدايتها ب‍(لام الأمر) ليقول:
فلتبتهج يا عمرنا الخالي من الفرح المجنّح فهي ذكرى.. أي ذكرى
ويدخلنا الشاعر إلى مقطع قصيدته الثالث باستهلال فاجع عن الإمام الحسن عليه السلام:
وتجيء تسبح في الدِّما
وهذا الاستهلال قابل لقراءتين؛ الاُولى تبدو فيها الولادة والمجيء سابحتين في الدماء، أمّا الثانية فيمكننا أن نتصوّر فيها مجيء ذكرى الولادة لا الولادة نفسها، على أنّ الشاعر أراد ان يتخلّص إلى موضوع مركزي يتحدّث فيه ويسهب عن الإمام الحسين عليه السلام فأكمل شطره هكذا:
في رؤاك الطف والعطش الرهيب وشهقة الأطفال والشفق النحيل
ليبدأ التخلّص في الشطر الثاني:
وأخوك ممدود على وجه الثرى
ليعرض الشاعر في أطول مقاطع القصيدة مأساة الحسين عليه السلام في صور تقرّر تفاصيل المأساة وتنقل استنساخاً مقارباً لذاك الحدث التاريخي، ومع تكرار لفظة(أخوك) ٢٤ مرّة تنثال التداعيات المجاورة للوقائع لتخبرنا وتحقّق وظيفة الإبلاغ ونقل التعبير المُصاحِب للمعلومات ولدقائق الاُفق المعرفي الذي يريدنا الشاعر ان نطّلع عليه داخل حلّته الشعرية.
ونظراً لهذا الإخلاص في استخدام الأداة الشعرية لإنجاز وظائف حياتية اُخرى، أفلتت بعض المتطلّبات الأساسية المرادة في الجانب الإجرائي التنفيذي لعملية بناء القصيدة.
فمع تدفّق القصيدة بتفعيلات بحر الكامل عانت بعض الخلل الإيقاعي الذي جاء به الشاعر بتجوّز واضح، فبعد انتظام المقطع الأوّل مع صحيح الكامل، والمقطع الثاني مع الكامل المرفّل، ابتدأ الشاعر مقطعه الثالث مع الكامل المذيّل، أي انّه كان يضيف حرفاً ساكناً إلى تفعيلات نهايات الأشطر في(النحيل، المستحيل) إلاّ انّه أورد(القنديل) وهو معالج عروضياً بزحاف وعلّتين، فالزحاف هو الإضمار حين سكّن الحرف الثاني المتحرّك من تفعيلة بحر الكامل(مُتَفاعلن) فتحوّلت إلى(مُتْفاعلن أو مستفعلن)، ثمّ عالج الناتج بعلّة الحذف عندما حذف الوتد المجموع من(مستفعلن) فبقي(مستف) وهذا الناتج يقابل تفعلية الخبب(فعلن)، ثم ذيّل هذه التفعيلة عندما أضاف حرفاً ساكناً إليها فأصبحت(فعلان) وهي وزن(قنديل) وهذه المعالجة لا تقابل ما قبلها إيقاعياً مع كون القافية متّحدة، وتكرّر هذه الكسر الإيقاعي في مواقع اُخرى(جبرائيل، التنزيل، النيل).
ويصل الشاعر إلى مقطع قصيدته الرابع، ليبرّر لنا ما يمكن تسميته بضغط الحزن على رؤاه وأبعاد تصوّراته الشعرية:
قد كنت أرجو أن أصوغ قصيدة الميلاد
في هذا المساء الطلق
لكن الحسين.. جراحه سكنت فمي
وبعد التبرير المختصر بشطرين يمثّلان مقطعاً كاملاً يعود الشاعر في مقطع قصيدته الأخير للسرد التاريخي الذي يعمّق المأساة والحزن والألم ثانية، فيذكر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، وخيانة النخيلة وخذلان القبائل وصلح الإمام الحسن عليه السلام. بحيث تغلب اللغة النثرية التقريرية الإبلاغية الإخبارية على أشطر المقطع الذي لم يوفّق الشاعر فيه إلى اكتشاف أرضية جمالية، أو انّنا نقول انّه رأى أن يسمّي الأشياء والمفاهيم والأفكار بمسمياتها المباشرة بدون أن يعطي للتأمّل الشعري فرصة لطرح ما يعادل الأفكار شعرياً فنقرأ:
بيَّضت وجه المسلمين
أو:
لو لم يكن نصراً فكيف بغى معاوية عليك وما وفى؟
ووصل المستوى التعبيري إلى حدّ المفارقة في استخدامه للفظة(الفؤاد) وهي لفظة يتبادر معناها إلى ذهن المتلقّي انّه(القلب) فكيف استخدمت بهذا الشكل المنافي لمعناها في:
يا أيّها المظلوم أمنحك الفؤاد مفتّت الرئتين
فالقلب هنا له رئتان مفتّتان وهذا خلل واضح على المستوى الدلالي، يضاف إلى خلل في نظام التقفية عندما استخدم الشاعر القوافي التالية(مخالفاً، ما كفى، ما خفى، ما وفى، واقفاً، نازفاً) وهذا من عيوب القافية الذي يسمّى ب‍(سناد التأسيس).

الندى المحترق

الاستاذ يقين البصري

مقدّمة

تعال إلى روح شفيف هيامُها * * * وعين برغم الصبح طال ظلامُها 
تعال نلمّ الشوق ورداً ونسمة * * * ومُفردةً عذراء ثرٌّ غمامها 
تعال نوافيك الهوى جمر ليلة * * * تطول كليل القطب كيف تنامها 
لنرحل صوب الشمس عجلى خيولنا * * * وقد ساقها يحدو الرّكابَ مرامها 
فجازت بنا والنجم يرقب شوطنا * * * وقد طاف في أقصى الفضاء سلامها 
إلى مولد السبط الذي شعّت الدُّنى * * * بمولده مذ حلّ فجراً هُمامها 
فيا صابراً صبر المسيح وملجماً * * * ًخطوباً على الإسلام صعبٌ لجامها 
فرغم دعاوى البغي كنتَ زعيمَها * * * لك انقاد رغم البغي طوعاً زِمامُها 

الندى المحترق

نزفنا في الغميم دماً مضافاً * * * فأورثنا الصدى سُمّاً زُعافا 
يفيض بداوةً وتفيض مجدا * * * ونغترف السمو به اغترافا 
هبي دمنا المفجَّر أريحيا * * * فكيف رميته البيض الخِفافا 
وكيف رأيت مجدك أن تصفّي(م) * * * الأسنّة والسيوف له اصطفافا 
رغبت عن العلى شرفاً ومجداً * * * وتأبين المروءة والعفافا 
سطوت بغدرة فزرعت لؤماً * * * وعُدنا نحصد الشرف المضافا 
ولولا ما أراد الله فينا * * * لأورثناكِ ذلاً واعتسافا 
وأوردناك فيضَ دمٍ وكأساً * * * مُصبَّرة وبالسيف انتصافا
بدأت بحربنا حتى مضينا * * * عن البيت ابتعاداً وانصرافا 
فليت شعاب مكة ما استقامت * * * على سمّ القطيعة أن يدافا 
ورحت تحكّمين السيف دهراً * * * إلى أن كلَّ عزمُك أو تنافى 
وأرخصت الدماء إذ انتضينا * * * سيوف نبوّةٍ بيضاً رهافا 
وأيّ مدى يغطّي الشمس حتى * * * تنكّر مستريبٌ أو تجافى 
وآمنّاك من فزع وإنا * * * نُؤمِّن مستغيثا أن يخافا 
وآثرنا عليك الوحي حتى * * * ملكنا البيت رُكناً والطّوافا 
وأعطيناك فكراً مستنيراً * * * ففضلت التنافر والخلافا 
وكم سطعت لنا شمس فعادت * * * على عينيك قاراً أو غلافا 
كأنّك ترتدين الليل ستراً * * * ليفضحك النهار إذا توافى 
ركبت خيولَ حقدك فاستشاطت * * * وأزمعت الشقاق والاختلافا 
وكم رحمٍ قطعت بغير حق * * * ركبت هوىً وأحلاماً خفافا 
وفي بيت النبي أطلّ فجرٌ * * * ورفرف بيرق خفق انعطافا 
فأسرجنا إليك لسانَ وحي * * * يقارع ألف صرحٍ إن تنافى 
ويا بكر النبوّة ألف نجم * * * إلى قدميك قد سجد اعترافا 
تلاقى فيك عُرْفُ دم كريم * * * فلامس بالهدى منك الشِّغافا 
على كفّيك ماءُ حياً تصاف * * * ومن عينيك أطلقتَ الرِّعافا 
وطرزت المدى ألقاً كريماً * * * كأنّ النجم طلّ به وطافا 
تساقينا هوى عينيك سكراً * * * نعاف به الكؤوس أو السُّلافا 
وأفرغنا الجوى ليلمَّ عنّا * * * عيون اللّيل والسهد المضافا 
نجرّ لك الخطى شوقاً وسكراً * * * ونعتمر التمنّع والعفافا 
يعير الشمس وجنته افتخاراً * * * فتنهل منه عبَّا واغترافا 
تدين له المكاره قبل ألف * * * ويغمر من سماحته الصّحافا 
مشى مجداً وطاف هُدى وأسرى * * * كريم الطبع قد سلك القيافا 
وعش تحت الكرامة مستظلاًّ * * * من المجد اعتباراً لا يكافى 
تمطر عارض هطل فسالت * * * مرابع طالما شكت الجفافا 
يطيب بك الزمان أريج قدس * * * تذوق به الدُّنى طعماً نطافا 
سقتك من النبوة ألفُ عينٍ * * * وعاد جناك يُقتطَف اقتطافا 
تطير بك السماء لتمتطيها * * * وتحتضن الشواطئ والضفافا 
ولدت بمهده فحباك حجراً * * * فكنتَ به المُشرَّف والمُعافى 

• الاستاذ يقين البصري
قصيدة يقين البصري تعجن إمكاناتها عجناً فنّياً من جهة وأخلاقياً من جهة اُخرى لتقترب من آفاق القصيدة - النموذج - بصيغة المحاكاة الساعية إلى المضاهاة، فهي ترتدي المتاح لها في زمانها وتمدّ يدها إلى مشجب الآتي، محاولة سحب حلّة لم تلبس بعد لتتوشّح بها، وبين هذه التجسّدات يمتد نتاج البوتقة السحرية ليبلّلنا رذاذه المتصاعد.
لو تأمّلنا المقطوعة الافتتاحية لرأينا بصمات النموذج واضحة المعالم، بارزة التأثّر على مستوى البناء الفنّي وعلى مستوى المضمون الأخلاقي أيضاً، فأن إلحاق ضمير الغائبة إلى روي القصيدة ما هو إلاّ محاولة للتقرّب غير المتوجّس لفتح حساب يسحب أرصدة مجمّدة قد كانت عملة من عملات ذلك الزمان لا تصرف في غيره، مع كثرة ما في مصارف التراث من مجوهرات ثمينة تباع في كلّ زمان ومكان، فهي مفتوحة للتداول والتلقّي بمساحاته العريضة ذوقاً وتحسّساً واستجابة.
وهذه الخطوة هي ابتداء التحرّك إلى اُفق النموذج فهي الواجهة الأمامية أو السياج الخارجي للمقطوعة، وإذا أضفنا النظم على بحر الطويل المقبوض إلى ذلك، وهو بحر الفروسية والفرسان تأكّد لدينا أنّ هناك قصدية تحاول الانتخاب والاختيار والالتقاء.
فالنفس الأخلاقي لدى يقين البصري يلبسُ حلّة الفرسان المفتخرين بسلوكياتهم، وهذا المنحى يكاد يتكرّر في قصائد البصري على الرغم من اختلاف المواضيع التي يعالجها شعرياً، وإمعاناً في تأصيله لهذا المنحى نرى الفروسية عنده مستمدّة من النائي البعيد في أغوار الشخصية العربية الباحثة عن مكارم الأخلاق عرفاً ولو على مستوى الجو العام الذي يغلّف القصيدة، فهي أقرب إلى النفس الأخلاقي في الجاهلية منها إلى غيره. وهو بهذا يحاول أن يضاهي ليتجاوزه أكثر من أن يحاكي ليتطابق، فأجواء قصائد الفرسان في الجاهلية تحيط قصيدة البصري بمدارات متخفيّة، فربّما هناك عنترة أو دريد بن الصمّة أو عروة بن الورد، أو الشنفرى يطلّون على مساحة النص من منافذ يسترها الشاعر ويخفيها بحذق غير مكتمل، ونقول: الأجواء العامّة والآفاق المترامية تخلّصاً من التدقيق المتفحّص والتنقيب المتأنّي اللّذين لا يتفقان مع عجالة هذا الجهد المبسّط، لكنّنا نشير إشارات من المستوى النحوي إلى بعض الظواهر مثل استخدام الصفة المقطوعة عن الموصوف في:
تعال إلى روح شفيف هيامها
أو استخدام جملة الحال الاسميّة:
لنرحل صوب الشمس عجلى خيولنا
أو استخدام اسم الفاعل العامل في:

فيا صابراً صبر المسيح وملجماً * * * خطوباً..............

ويمكن للدقّة والفحص النقدي المتأنّي أن يكشف إشارات المحاكاة أو المضاهاة في مستويات اُخرى كالمستوى التركيبي أو المستوى الدلالي.
أمّا عن قصيدته(الندى المحترق) فسرعان ما نكتشف أنّ العنوان كان اختفاءاً رومانسياً وواجهة برّاقة لا تشف عمّا في داخلها، فلا نستطيع أن نوازن بين موضوع القصيدة وهو ميلاد الإمام الحسن عليه السلام وبين الندى المحترق، حتى لو أخذنا بالاشتراك اللفظي لكلمة(الندى) التي تعني قطرات الماء المتساقطة فجراً على الأوراق والغصون وتعني كذلك الكروم، وكلا المعنيين كاشف عن العطاء مثلاً أو الرقّة أو الطراوة، فعندما تحترق هذه المعاني - تجوّزاً - تجد لها مبرّراً شاعرياً رومانسيّ التركيب، لكنّنا لا نتوافق مع الشاعر في هذا الاختيار على الرغم من وجود نبرات الألم والتوجّه في قصيدته، فهو لم يفارق توجّهاته الأخلاقية وموقفه السلوكي في الضغط على أجواء القصيدة وأراضيها، وسنرصد مثلاً اختياره للفظة(المجد) وكيف استطاع الشاعر أن يركّبها ويفرّعها ويفعّلها ليضفي من خلال معانيها مسحاته السلوكية على مضمون القصيدة، فهو يرى أنّ المجد يقابل التمدّن الساعي إلى التحضّر:

يفيض بداوة وتفيض مجدا * * * ونغترف السمو به اغترافا 

ويرى(المجد) انتصاراً أخلاقياً ليخاطب:

وكيف رأيت مجدك أن تصفي(م) * * * الأسنّة والسيوف له اصطفافا 

ويراه منبعاً أخلاقياً للخلود في:

رغبت عن العلى شرفاً ومجداً * * * وتأبين المروءة والعفافا 

ويعود ليراه سلوكاً تفصيلياً يومياً لمكارم الأخلاق في:

مشى مجداً وطاف هدى وأسرى * * * كريم الطبع قد سلك اقتيافا 

ويراه أيضاً مظلّة يتفيّأ الفرسان ظلالها في:

فعش تحت الكرامة مستظلاًّ * * * من المجد اعتباراً لا يكافى 

ويقين البصري لا يكفّ عن استخدام معجمه اللغوي الذي اختاره، مخصّصاً أكثر من مكان للألفاظ ذات الصبغة الأخلاقية مثل(الشرف، العلى، المجد، أريحي، المروءة، العفاف، انتصاف، كريم، الهدى، افتخار، المكارم، السماحة، الكرامة) وربمّا نلاحظ افتنانه باستخدام لفظة(كريم) في معظم قصائده فلا تخلو هذه القصيدة من هذه اللفظة أيضاً فهو يوردها ليحدّد نجابة الاُصول والانحدار العرقي فيما مضى من أصل الإمام الحسن عليه السلام:

تلاقي فيك عرف دم كريم * * * فلامس بالهدى منك الشغافا 

ويورد هذه اللفظة المجرّدة مع لفظة حسيّة ليعطي التركيب المتحصّل مضموناً أخلاقياً يريده ويتمنّاه ويبحث عنه في:

وطرزت المدى ألقاً كريماً * * * كأنّ النجم طلّ به وطافا 

ويوردها متعلّقة بالسجية والسلوك والطباع في:

مشى مجداً وطاف هدىً وأسرى * * * كريم الطبع قد سلك اقتيافا 

لنرى أنّ يقين البصري لا يفارق إطلالته الموشّاة بجمال الأخلاق، ونرى أنّ نشوته وجذله عندما ينظم بيتاً تظهر فيه الأخلاق مذابة في محاكاته للنموذج ومضاهاته لعنفوان القصيدة العربية الكلاسيكية، وقد أوشكنا أن ننتهي من تقرير هذا المنحى عنده بشكل قطعي، إلاّ أنّنا نضيف دليلاً من المستوى العروضي لكشف هذه المحاكاة.
قصيدة البصري من بحر الوافر ورويّها هو حرف الفاء المفتوح وتحوّلت الفتحة إلى ألف إطلاق، ولو تأمّلنا في هذا البحر وفي تفعيلاته لرأينا أنّه كالآتي:

مفاعلتن مفاعلتن فعولن * * * مفاعلتن مفاعلتن فعولن 

فلو قطعنا المجموع(مفا) من أوّل الصدر ومن أوّل العجز لبقي لدينا:

علتن مفاعلتن فعولن * * * علتن مفاعلتن فعولن 

وهذه الصيغة الإيقاعية تقابل بالضبط صيغة مجزوء الكامل المرفل:

متفاعلن متفاعلاتن * * * متفاعلن متفاعلاتن 

وللشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري قصيدة بعنوان(رسالة مُملَّحة)، منظومة على هذا البحر وعلى روي قصيدة البصري نفسه، وهذه القصيدة في ذاكرة البصري بلا أدنى شك ممّا يمنحه الفرصة للتقاطع معها كركيزة للمحاكاة والمضاهاة على المستوى النظمي، ولا أقول التعكّز عليها لأنّ المضامين التي يطرحها البصري تفرز شاعريته الخصوصية غير المتداخلة مع نصّ الجواهري في مضامينه، لكنّني أقول إنّ هناك تراسلاً لا شعورياً وتناصّاً لا يبرأ منه نصّ البصري وإن كان على مستوى نظام التقفية لديه، مع كون المنحى الأخلاقي الذي يدعو إليه الجواهري في نصّه متدنّياً وداعياً إلى سلوك مضاد لما يدعو إليه يقين البصري في نصّه، ومن هذا التضاد تتكشّف مقدرة يقين البصري على مقاربة أدوات الآخرين مع مسح الظلال الذاتية التي تعتورها، وهذه كفاءة يفخر بها البصري بلا شك.

البوح المشتهى

الاستاذ فرات الأسدي

نضّر الأرضَ أيّها الحسنُ * * * يدهشِ الخلد تنبهرْ عدَنُ
ويمدّ الورد الخطى ولهاً * * * والينابيع تُروَ والمُزن
ويُرقْ دورقُ الفتون شذىً * * * أخضر الرُّوح جسمه الفنن
والربيع البهيُّ أغنيةٌ * * * والعناقيدُ لحنُها وطن 
كم تثنّى نبضُ الأسى فرحاً * * * في يديها وأورق الشجن 
في جدار البقيع في مدنٍ * * * حيثُ لا غير حزنها مدن 
وغفا الحلم أو صحا الوسنُ * * * وانطوى الزمنُ 
نضّر الحسن مرّةً * * * يشتعلْ عالم الترابْ 
بالمواويل غضّة * * * وحكايا اللظى العذاب 
وبقايا خبيئةٍ * * * دونها سُدَّ ألف باب 
ليفيق الثرى على * * * وجعٍ جامح الرِّغاب 
أيُّها المترف الخطى * * * أيٌّها الفتنة العُجاب 
يا أخ النهر مولداً * * * يا رؤى البحر والعبابْ

دونك الزمن
والمدى سفن
أطلق الخصب فهو مرتهنُ
يولَد النوء يختزن

يا رائع المجتلى بي للهوى ظمأُ * * * يكاد لولا ولاك العذب ينطفئ 
تَلهُّفُ الرملِ للأمطار قافيتي * * * تَتوهُ ثم إلى لقياك تلتجئ 
سفحتَ جمري واستبقيت صبوتَهُ * * * يا ليتها دون نار الوجد تختبئ 
الحبّ وجهك يندى كبرياء هوىً * * * ولي من الخوف وجهٌ رشّه الصدأ 
ولي من العمُرِ المجدورِ اُمنيةٌ * * * خرساءُ قبل صداها الصمتُ مُهترئ 
تكاد لولا ولاكَ العذب تنطفئ * * * وفي متيه الزمان المسخ تنكفئ 

احمل الشمسَ في مقلتيك فإنّ الشتاء يكاد يضيق بليل الضياع المجدّر وجه
المصابيح والعتمات تمزّق تاريخنا
احمل البحرَ في شفتيك ومرّ على الماء زنبقةً ومدى دون جنحين من زهرات
الفراشات في يثرب الشاحبة
احمل الحبَّ بين يديك ورُشّ به تلعاتِ الضغينة وارتدْ بزهوك ذلّ حقول قريش
اليبيسة أطلق ينابيعك الفرحة
احمل الطفلَ في وجهك النبويّ البريء وباركْ به النظرات وأيقظْ لغاتِ العيون
الكسيرة أطلقْ حروف القناديل من كلّ معنى دنيء
إبتكرْ حُلمنا أيُّهذا الفتون الوضيءْ
أيّها الماثلُ الآن في الرُّوح يا مبدأ الحبّ والمنتهى
أيّها الرائع المشتهى
أيّها البوح في دمنا العلويّ المرقرَقِ بين المياه ونيرانها أيّها الجرح يا سيّد العنفوانْ
لك في مقلتيّ بريقُ الكلام وفي سرّي الهمس والاُغنيات الحِسان
صمتتْ بعد أن راود الشوك أجفانها بنعاس الضغينهْ
خرستْ بعد أن سرّبتها الحرائق خلف جدار البقيع الأصمّْ
آهِ يا سيّد الحزن يا وجهنا الأبديَّ الذي يصلُ النبعَ بالدمع والموت بالفرح المستبدّْ
آهِ يا ذاهل الشدو يا رائع الخطوات الشهيده
آه يا موتنا المتشظّي المؤرّخ عصر الرمادْ
لم يكن غير أن تحمل الشمس في اُفقيك وأن تتهاوى النهارات خلف حصاد السيوفْ
لم يكن غير أن تُودِع النهر في قدميك وأن تتوضّأ منك التواريخُ بالعشب واللّهفة اليانعهْ
لم يكُنْ غير أن تحمل الخصب ما بين يوميك ثمّ تسرّبُه للشهاده
لم يكن غير أن تمنح الأرض ميلادها..
لم يكن غير أن:
أوقظَ اللّغة المستعادهْ
• الاستاذ فرات الأسدي
فرات الأسدي - شاعراً - مشغول بالكثافة على حساب كلّ الأبعاد والإمكانات الاُخرى، وهذه الكثافة داخلة في كلّ مستويات النصّ صوتاً ونحواً وصرفاً وتركيباً ودلالة وترميزاً، ممّا يعسّر على المحاولة النقدية المختصرة أن تنصفه وتعطيه حقّه، وكذا الحال بالنسبة إلى القراءة المتعجّلة والتلقّي السريع.
ولأنّه يسحب هذا المفهوم المكاني(الكثافة) إلى أرضيّة الشعر الذي لا يتعاطى مع المكان إلاّ تجوّزاً فستبدو الصعوبة شاخصة في الاقتراب من نصّه، ففرات الأسدي مشغوف بفنّ العمارة وهو أكثر الفنون التصاقاً بالمكان، فنرى الحسّ المعماري يطغى على نصوصه ومن هنا تبدو المفارقة، فمعظم الأدوات الشعرية زمانية - فعلاً وأداءاً وتأثُّراً - فينتج من هذا التضادّ حاجز سميك في عملية توصيل النص.
وسنلاحظ في هذه القصيدة(البوح المشتهى) أنّ فرات الأسدي قد أعمل حسّه المعماري المكاني على الإيقاع الشعري الزماني، وقبل هذا لنشرح العلاقة بين الكثافة - كمفهوم فيزيائي - وبين المكان - كمفهوم فلسفي - وكيف يلتقيان عند فرات الأسدي في معالجته الجمالية لهذا الالتحام كأداة تتمثّل في الكتلة التي يقاربها الشاعر - تنظيماً وترتيباً وتوحيداً - فتتجلّى عنده كحسّ معماري يعامل المواد التعبيرية الأوّليّة على أساسه في تجربته الشعرية، فينبري للتصدّي للبنية الإيقاعية من خلال استخدامه لخمسة أوزان شعرية هي(الخفيف المهذّب - هذا المصطلح أطلقه العلاّمة الدكتور مصطفى جمال الدين في كتابه الإيقاع في الشعر العربي لصيغة: فاعلاتن مستفعلن فعلن من بحر الخفيف - الخفيف المجزوء، المتدارك المنهوك، المتدارك المجزوء، البسيط) ليصل بعدها إلى كتابة بقية القصيدة شعراً حرّاً مدوّراً على بحر المتدارك.
ولو نظرنا إلى هذا التراسل بين الأوزان الخمسة التي نظّم عليها الشاعر عمودياً لرأينا ما يلي:
١ - من:

نضّر الأرض أيّها الحسن * * * يُدهش الخلد تنبهر عدنُ 

إلى:

في جدار البقيع في مدن * * * حيث لا غير حزنها مدن 

تنتظم تفعيلاتها على بحر الخفيف المهذّب:

فاعلاتن مستفعلن فعلن * * * فاعلاتن مستفعلن فعلن 

مع خبن(فاعلاتن) لتصبح(فَعِلاتن) أحياناً وكثرة خبن(مستفعلن) لتصبح(مَفاعِلُن).
والخبن كما هو معروف زحاف يحذف به الحرف الثاني الساكن من التفعيلة فتصبح(مستفعلن = مُتَفْعِلُنْ) وتتحوّل للتسهيل إلى(مَفاعِلُنْ) وكذلك(فاعلاتن = فَعِلاتُنْ، فَاعِلُنْ = فَعِلُنْ).
٢ - إفراد شطر(وغفا الحلمُ أو صحا الوسنُ) بخبن(فاعلاتن ومستفعلن) ليصبح وزن الشطر:
فَعِلاتن مَفاعِلُن فَعِلُنْ
من بحر الخفيف المهذّب أيضاً.
٣ - الإتيان ببحر المتدارك المنهوك مع خبن(فاعِلُنْ) لتصبح(فَعِلُنْ) هكذا: وانطوى الزمنُ: فاعِلُنْ فَعِلُنْ.
ليكون البناء الإيقاعي متوافقاً على وحدة(فاعلن فعلن) الموجودة أيضاً في نهاية بحر الخفيف المهذّب بالشكل الآتي:
فاعلاتن م‍(فاعلن فعلن).
ومع الالتفات لوحدة حرف الروي في التركيبين وهو حرف النون المضموم، تتراسل البنيتان إيقاعاً ولحناً تحت إشراف الحسّ المعماري الذي يشغل الشاعر آلياته بكثافة أيضاً، وكأنّها كتل كونكريتية أو قطع من الآجر المتساوية الأحجام يبني بها الشاعر هيكل القصيدة وواجهاتها المطلّة على ساحة التلقّي.
٤ - بعد أن أحدث الشاعر توافقاً على نهايات الأجزاء أو الأبيات أو الأشطر يعود ثانية إلى بداياتها ليورد من بحر الخفيف المجزوء المذيّل مقطوعة بستّة أبيات تبدأ:

نضّر الحسن مرّة * * * يشتعل عالم التراب 

ووزنها:

فاعلاتُنْ مَفَاعَلُنْ * * * فاعِلاتُنْ مَفَاعِلانْ 

وهي صيغة تتفق مع ما ورد أوّلاً من بحر الخفيف المهذّب(فاعلاتن مفاعلن فعلن) في التفعيلتين الأوّليتين(فاعلاتن، مفاعلن).
ومع إيراد فعل الأمر نفسه(نضّر) يريد الشاعر أن يلفت انتباهنا لما يقصد، ومع استخدام للفظة(الحسن) التي ناداها في المقطع الأوّل(نضّر الأرض أيّها الحسن) جاءت هنا(نضّر الحسن) وكلّ هذا التكثيف لمحاولة شدّنا وجلب اهتمامنا إلى صراع الاشتقاقات لنفهم انّه يعتني بلفظة(الحسن) وهو اسم الإمام المعصوم عليه السلام الذي كُتِبَت في مولده القصيدة.
٥ - سيرجعنا الشاعر إلى بحر المتدارك المنهوك والمخبون ضرباً وعروضاً في:
دونك الزمنُ  
والمدى سفنُ  
فاعلن فعلن  
فاعلن فعلن  
كل هذا استحضار وتهيئة للمقطع الختامي فهو يبني لنا بحسّه المعماري المكثّف بناءه هيكلاً من الداخل، وواجهات من الخارج ليجعلنا نستأنس بهذه القفزات أو التنويعات الإيقاعية.
٦ - إرجاع آخر إلى بحر الخفيف المهذّب بشطر واحد يحمل نفس القافية النونيّة ونفس حركة حرف الروي المضموم:
فاعلاتن مفاعلن فعلن 
أطلق الخصب فهو مرتهنُ
٧ - تهيئة اُخرى واستبذار لبحر المتدارك بصيغة مجزوءة:
يولد النوء يختزنُ 
فاعلن فاعلن فعلن 
ويحافظ الشاعر على القافية النونية وحركة حرف الروي المضمومة ليخمِّن التراسل المطلوب بين الصيغ الوزنية الإيقاعية التي انشأها وبناها.
٨ - ستة أبيات من بحر البسيط جاء بها الشاعر ليفاجأنا ببناء مشتمل صغير قرب البناية الأصلية، داخل نفس المساحة لكنّه مغاير لها طولاً وعرضاً وارتفاعاً.
وإمعاناً في الإدهاش والمفاجأة نظمت المقطوعة على قافية همزية مضمومة الرَّوي غريبة على النّظم المتعارف، لقلّة المفردات التي تنتظم في سياقها، وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: لِمَ لمْ يأت الشاعر بقافية المقطوعات الاُخرى (حرف النون المضموم) ليحدث توافقاً موسيقياً قائماً على ما يُسمّى في الموسيقى (الطباق كونتربوينت)؟
والجواب هنا هو أنّ الشاعر لا يريد ان يستفيد من الإمكانات الفنية ذات الطابع الزماني مثل الموسيقى إلاّ بعد ان تحلّى بحسّه المعماري المكاني، فدحرج علينا كتلة سرعان ما كبرت بالانحدار ليضرب انتشاءنا الإيقاعي في الصميم، لكنّه لا يعدم وسيلة لتبرير هذا الخرق وله الحقّ في هذا التبرير لأنّ نهايات بحر البسيط هنا تنتهي بنفس القفلة الإيقاعية (فاعِلُن فَعِلُنْ) وسنراها هكذا:

يا رائع المجتلى بي للهوى ظمأ * * * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

ويمكن كتابته:
مستفعلن فاعلاتن فاعلن فعلن 
ولدعم هذا التبرير نرى الشاعر قد أورد في الشطر الأوّل هذين التركيبين(رائع المجتلى، للهوى ظمأ) وهما تركيبان من منهوك المتدارك بلا شكّ ليهذّب الكتلة وفقاً للنسب المعمارية والوحدات البنائية التي استخدمها في هيكلية النصّ وواجهاته.
٩ - المقطع الختامي منسوج بقماش شعر التفعيلة بتدوير تفعيلتي المتدارك؛ الصحيحة(فاعلن) والمخبونة(فَعِلن) مع وقوف على تذييل(التذييل إضافة حرف ساكن إلى نهاية التفعيلة فتصبح فاعلن: فاعلن ن وتحوّر إلى: فاعلان) أو ترفيل(الترفيل إضافة سبب خفيف إلى نهاية التفعيلة والسبب الخفيف حرفان الأوّل منهما متحرّك والثاني ساكن فتصبح فاعلن: فاعلن تن وتحور تسهيلاً إلى: فاعلاتن) في نهايات بعض الأشطر مع احتفاء ومراعاة للقوافي المزدوجة في بعض الأشطر.
ننتهي إلى أنّ هذا النص حمل مبرّرات خروجه على البنى الإيقاعية السائدة والمتعارفة ليحقّق إخلاصه بتوجّه جمالي من موقف آخر يصعب تناوله إلاّ من خلال حقيقة نفسية سيكولوجية هي تراسل الحواس، تقابل المرئي والمسموع، ممّا يحدث إعاقة ظاهرة على مستوى التلقّي غير المدرّب.

صوفيّة جرح

الشيخ علي الفرج

(١)
حينما يقرأ الناس كفَّكَ خطاً فخطاً..
يقولون: تعشقكَ امرأةٌ من دخانٍ تسمّى سماءْ
يقولون: إنّك يوماً
ستصبح والبحر شيئاً
فحيناً يسمّى الزكيَّ
وحيناً يسمّى محيطات ماءْ
يقولون: إنّ الزمان سيحفر أيامك الحالماتِ شقوقاً..
وينهش ثوبك ذئبٌ ويعوي.. إلى أن يموت
وتدفنه أنتَ في ظلمة العار وجهاً غريباً.. وتتركه.. ثمّ تمضى مع الأنبياءْ
وأمّا أنا..
سوف أقرأ كلّ أكفّ الحياة جميعاً
وسوف أراك بها شاخصاً من بعيدٍ
وجوداً.. وجوداً
وغيرُكَ حتى أكفّ الحياة
فناءٌ.. فناءْ
(٢)

كان وجهاً ممزّقا * * * كيف غنّى وصفّقا 
كان نهراً محاصَراً * * * وحريقاً تدفّقا 
بين ألف انكسارةٍ * * * تتدلّى ليشنقا 
كان جرحاً وأعمقا * * * وجحيماً وأحرقا 
فاعلاتُنْ لمستْه من البتول غصونٌ فأورقا 
فتمشّى به الجحيم شفيفاً وأزرقا
يتمطّى على الشقاء ولا يعرف الشقا
أنا شيءٌ على يديك ترامى ليغرقا 
فإذا ما رأى سناك على السحب حدّقا 
وإذا ما رأى سناك جبالاً تسلَّقا
وسيصحو بك الشروقُ ويهواكَ مَشرقا 
وستغدو إلى السماءِ ويغدو مُحلّقا 
غير أنّي إلى الفناءِ ومسراك للبَقا 
* * *
أنا شيءٌ من الرمادِ صريعٌ بأحرفي 
أتلوّى على يديك وأحيا وأنطفي 
وتلهّفتُ فانسكبتُ أنا في تلهُّفي 
أنتَ شيءٌ أراك تسكن حتّى تصوّفي 
أنت صوفيّتي نمَتْ بين كهفي ومُصحفي 
في دمي يختفي الورى وأنا فيك أختفي
أنتَ تحتلُّ من صلاتي خفايا تزلّفي 
وبرؤياي مالكٌ تتشهّى وتصطفي 
أنتَ من أنتَ يا هوىً عسليّاً لمدنفِ 
مات قيسٌ على هواه وليلاه لم تَفِ 
وأنا أنهل الحياة بذكراكَ يا وفي 
* * *
حدّثتْني رؤاي أنّك شيءٌ قد انتثرْ 
فغدا هذه النجوم الجميلات والقمر 
وارتمى بعض ضوئه في يد الاُفق وانهمر 
فغدا يصنع الصباح الذي يشربُ السّحر 
ثمّ غنّى على التراب لحوناً من القدر 
فمشى يفرش التراب أفانينَ من شجر 
حدّثتني رؤاي أنّك في رحلة السفر 
سكنتْ فيك آهةٌ آه ما أظلمَ البشر 
أنت تُغضي ويظلمون وتعفو وتؤتسر 
عجباً يقطع الخميلةَ من يأكل الثَّمر 
* * *
أنا شيءٌ على البقيع هيامٌ على هيامْ
واُسمّى جنازةً وقفت فوقها الحمام 
صُلِبَتْ ألفُ شمعةٍ ها هنا تحمل السّلام 
وهنا الكون ينحني ومجرّاته تنام 
وأنا جاثم هناك حريقاً من الغرام 
طفتُ لوناً على الترابِ ولوناً على الغمام 
أ أهنا أنتَ أم على السحب أم أنتَ لا ترام 
مَن أنا يا ترى تناثر وجهي مع الحطام 
أأنا ذلك الهشيم تناءى به الظلام 
فتذكرتُ أن نعشي قد غيلَ بالسهام
من بقاياك طينةٌ أنا لا أعشق انقسام 
* * *

• الشيخ علي الفرج:
يبدأ علي الفرج باستخدام حدث فلكلوري شعبي هو(قراءة الكفّ) ليقول لنا: إنّ أبسط طرق الناس للمعرفة ستوصلنا إلى علاقة الإمام المعصوم عليه السلام بالسماء حتماً.
فنراه يستخدم(يقولون) فعل حكاية ليسرد بطريقة القصص الشعبية الفلكلورية تصوّرات البسطاء من الناس على ثلاث مراحل.
سنتناول المرحلتين الاُولى والثانية أوّلاً:
يقولون: تعشقك امرأةٌ من دخان تسمّى سماء
يقولون: إنّك يوماً ستُصبح والبحر شيئاً
فالإمام المعصوم عليه السلام يُلبسه الناس البسطاء حلّة غرائبية هي بالتالي حلّة البطل المقدّس المخلّص من الآلام والشقاء والعذاب الدنيوي.
ونلاحظ انّ علي الفرج قد استبقى التصوّرات تلك بتراكيبها الغرائبية ذاتها، فهناك عشقٌ يحدّد العلاقة، وصاحبته امرأة من دخان هي الجزء السحري والمدهش من الكون والوجود وهي السماء.. أمّا على الأرض فيختار علي الفرج من أجزائها البحر ليواصل الإدهاش بالغامض والمستتر فيصبح الإمام المعصوم عليه السلام والبحر شيئاً واحداً من جهات عدّة يمكننا شرحها وتفصيلها، فالإمام والبحر هما العمق والإحاطة والعطاء المستمر والسعة اللامتناهية والطهارة وهذه الأخيرة هي الجهة التي اختارها الشاعر ليقول:
فحيناً يُسمى الزكيّ...
ولا يخفى هنا استمرار علي الفرج في احتفائه الدائب بالصور المائية وخصوصاً البحرية منها، ممّا يطبع شاعريته بهذا الحسّ الذي سبق لنا أن أشرنا إليه في أكثر من دراسة لشعره.
يقولون: إنّ الزمان سيحفر أيامك الحالماتِ شقوقاً..
وينهش ثوبك ذئبٌ ويعوي.. إلى أن يموت
وتدفنه أنتَ في ظلمة العار وجهاً غريباً.. وتتركه.. ثمّ تمضى مع الأنبياءْ
هنا يسرد الشاعر قصّة مختصرة كاملة وبنفس الطريقة الفلكلورية العجائبية الغرائبية حيث يتدخّل الزمان - وهو القدر والمصير في التصوّر الشعبي - ليحفر شقوقاً في أيّام المعصوم عليه السلام الهانئة الحالمة - وهذا أيضاً وفقاً للتصوّرات الشعبية - وتأتي أحداث القصّة حيث يتعرّض ثوب البطل إلى نهش الذئب الذي سيعوي بعد النهش ويستمر في العواء الجائع إلى أن يموت، وكأنّ نهشه للثوب كان سبباً لموته، ثم يتدخّل الشاعر ليضفي على هذا الجو الاُسطوري مسحة رمزية شفّافة حين يقول:
وتدفنه أنتَ في ظلمة العار وجهاً غريباً وتتركه
ونلاحظ أنّ عملية دفن الذئب في ظلمة العار هي ترميز لاندثار الخطّ المعادي للمعصوم عليه السلام لأنّ هذا الخط يصبح وجهاً غريباً عن حركة الحياة بحقائقها الساطعة حينما يمضي الإمام المعصوم عليه السلام مع الانبياء في خطّهم ومنهجهم الإلهي.
وبمقابل عملية قراءة الكفّ الشعبية الفلكلورية ستكون هناك عملية قراءة من نوع آخر عندما يبدأ الشاعر نفسه بقراءة أكفّ الحياة جميعها، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أكفّ الحياة وقراءتها ليستا من النوع الأوّل، بل هما يقابلان - تجوّزاً - كل النشاطات الحياتية العملية والفكرية.
والقراءة هنا قراءة تقصّ واكتشاف بعيدة عن الغرائبية والتصوّرات المندهشة بالمغيبات بدون تصنيف علمي وبدون فرز إدراكي عقائدي سليم.
ويحلو لي ان اسمّيها قراءة شاعرية، وأظنّها كذلك فهي مستندة إلى التصوّر العقائدي الواضح لحالة الإمام المعصوم عليه السلام لكنّها تحاوره ببديلٍ شعري هو معادل وجداني للفكرة يقرّره الشاعر هكذا:
وسوف أراك بها شاخصاً من بعيد
وجوداً.. وجوداً
مقابل ان كلّ الوجودات غيره فانية حتى أكفّ الحياة التي قرأها الشاعر.
ولا يفوتني ان اُشير إلى أنّي أقرأ لعلي الفرج محاولته الاُولى في الشعر الحرّ التي تكشفه لنا متمكّناً أيضاً في هذا النوع من الفن الشعري الذي اتمنّى أن يواصل كتابته فيه شاعراً ولائياً تحاصره الحداثة وتطرق بواباته نصف المغلقة.
أمّا عن قصيدته العمودية (صوفيّة جرح) فقد تعمّد علي الفرج فيها ان يقف مع الجمال على أرضيته، وأن يحلّق في فضاءاته الواسعة على حساب كلّ ما هو بليغ، فقصيدته جميلة أكثر منها بليغة، بل انّه بدأ ينسف بعض الجسور التي تجعله متواصلاً مع البلاغة القديمة، ولنقل أيضاً: إنّ الشاعر بدأ يتلمّس طريقه إلى بلاغة جديدة من صنعه هو، وهذه الخطوة المفتوحة بقوّة في طريقه الإبداعي محسوبة على محاولاته للخروج والتجاوز والتخطّي وعلى مستويات عدّة، فمنها انّ الشاعر اختار النظم - عمودياً - على بحر الخفيف المجزوء وهو صيغة حديثة في النظم انتشرت بكثرة منذ أقل من قرن من الزمان في الشعر العمودي، وهو لم يكتف بذلك فقط، بل دوّر(٣٢) بيتاً من أصل(٤٥) بيتاً على غير عادة النظم في هذا البحر، ليحقّق تعبيراً صارخاً عن ضيقه بهيكلية الصدر والعجز في البيت الشعري، وتوزيع الكلمات والجمل عليهما، فلو نظرنا إلى توزيع عدد الأبيات على القوافي لرأينا الآتي:
قافية حرف القاف(١٣) بيتاً، قافية حرف الفاء(١١) بيتاً، قافية حرف الراء(١٠) أبيات، قافية حرف الميم(١١) بيتاً.
ممّا يؤشّر أنّ الشاعر لم يحتفل بنظام حسابي معيّن لهندسة قصيدته، وهذا أيضاً يوضّح نفوره وضيقه من التقليد ويؤكّد خروجه وتجاوزه لما هو سائد ومألوف:
أمّا على المستوى التركيبي فسنرى:

كان نهراً محاصرا * * * وحريقاً تدفّقا 

أو:
فتمشّى به الجحيم شفيفاً وأزرقا 
أو:
أنا شيء من الرماد صريع بأحرفي 
من فجائية التركيب يصل الشاعر إلى صوره الجميلة، والتراكيب عنده عبارة عن مادّة تعبيرية يوصل بها ما يريد وما يختار، فشعره منحاز إلى الصيرورة والتوليد أكثر من انحيازه للكينونة والثبات، بمعنى انّه يجمع احتمالات الولادة والطزاجة ليفاجئ المتلقّي ويسحره ويسحبه إلى داخل عوالمه الجميلة:

وارتمى بعض ضوئه في يد الاُفق وانهمر 
فغدا يصنع الصباح الذي يشرب السحر

أمّا على المستوى الدلالي فأنّ القصيدة قد تلاعبت بضمائر ثلاثة(أنا.. أنتَ.. هو) أو(المتكلّم والمخاطب والغائب) ثلاثة أشخاص تناوبوا على أبيات القصيدة.
فافتتح الشاعر القصيدة مع ضمير الغائب بسبعة أبيات ليعرض حالة وجه ممزّق ونهر محاصر وحريق، وهذه كلّها إسقاطات للجرح الذي يدور بصوفيّته على ما أراد الشاعر التعبير عنه وتوصيله لنا بعد ذلك:
يحتدم بعدها الحوار بين(أنا وأنتَ) أي بين المتكلّم والمخاطب وعلى امتداد(١٧) بيتاً ليُطرح هذا التساؤل المضطرب:

أنتَ مَن أنتَ يا هوىً عسليّاً لمدنفِ 

ونستمع إلى(١٠) أبيات رائية من حديث رؤى المتكلّم مع المتكلّم نفسه:

حدّثتني رؤاي أنّك شيء قد انتثر

أو:

حدّثتني رؤاي أنّك في رحلة السفر

وحديث الرؤى حديث كشف لحقيقة المخاطَب، فنحن نقترب من شخصية الإمام الحسن عليه السلام وخصوصاً في هذا البيت:

أنت تغضي ويظلمون وتعفو وتؤتسرْ

ونعود في نهاية القصيدة إلى المتكلّم الذي يؤشّر بقعة جغرافية محدّدة(البقيع) ليؤكّد لنا انّه كان يتكلّم عن الإمام الحسن عليه السلام:

أنا شيء على البقيع هيام على هيامْ

لتبدأ بعدها تساؤلات تدخلنا إلى مناطق اضطراب الدلالة وكثرة احتمالات التأويل.
وننتهي مع الشاعر الذي يؤكّد انتماءه ومحبّته، لكن بطريقة أقرب للغرابة منها للوضوح التقريري، وهي تلامس أكثر من نمط من أنماط الغموض الجميل، لكن القصيدة تمضي إلى النجاح بأكثر من خطوة موفّقة.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٢١٢.
(٢) جلاء العيون: ج ١، ص ٢٩٧.
(٣) الكافي: ج ١، ص ٤٦١.
(٤) البحار: ج ٣، ص ٢٣٨، ج ٣.
(٥) الفصول المهمة: ١٥٣.
(٦) البحار: ج ٤٣، ص ٢٦٣.
(٧) جلاء العيون: ج ١، ص ٣١٨، عن أمالي الصدوق.
(٨) صلح الحسن لآل ياسين: ص ٣١.
(٩) جلاء العيون: ج ١، ص ٣١٨، عن أمالي الصدوق.
(١٠) صلح الحسن لآل ياسين: ص ٢٦٩، عن شرح نهج البلاغة.
(١١) صلح الحسن: ص ٢٦٨.
(١٢) مروج الذهب: ٢ /٥٩، وشرح بن أبي الحديد: ١/ ٢٨٣ كما عن الغدير: ١٠/١٥٩.
(١٣) يراجع معاوية والخمر من الغدير: ١٠/١٧٩.
(١٤) الغدير: ١٠/٣٥٠.
(١٥) تاريخ الطبري: ١١/٣٥٧ كما عن الغدير: ١٠/١٤٢.
(١٦) السبعة في السلف: ص ١٨٣.
(١٧) الاحتجاج: ج ٢، ص ٩.
(١٨) تاريخ الطبري: ٦ /١٤١، والاغاني: ١٦ /٥، والكامل لابن الأثير: ٣/ ٢٠٢، والغدير ١١/٥٣.
(١٩) مروج الذهب: ٢ / ٧٢.
(٢٠) صلح الحسن: ص ٢٨٨.
(٢١) الميزان: ج ٩، ص ١٩.
(٢٢) سورة الأعلى.
(٢٣) الميزان: ج ١٩، ص ٩٠.
(٢٤) الاحتجاج: ج ٢، ص ١١.
(٢٥) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ١٥.
(٢٦) شرح نهج البلاغة: ج ١٠، ص ٢١٢.
(٢٧) الحياة السياسية للإمام الحسن ٧: ص ٥٠.
(٢٨) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٢١٢.
(٢٩) نهج البلاغة: الخطبة ٢٠٠.
(٣٠) علل الشرائع: ٢١١.
(٣١) نفس المصدر.
(٣٢) نهج البلاغة: خطبة ٦٩.
(٣٣) نهج البلاغة: خطبة ١٨٠.
(٣٤) صلح الحسن:
(٣٥) الفصول المهمة: ص ١٦٤.
(٣٦) صلح الإمام الحسن عليه‌السلام أسبابه، نتائجه: ١١٠.
(٣٧) الاحتجاج: ج ٢، ص ٢٠.
(٣٨) نفس المصدر.
(٣٩) علل الشرائع: ص ٢١١.
(٤٠) نفس المصدر.
(٤١) نفس المصدر: ص ١٢.
(٤٢) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ١٥.
(٤٣) نفس المصدر.
(٤٤) نفس المصدر.
(٤٥) نفس المصدر.
(٤٦) صلح الحسن: ص ١٩٧.
(٤٧) الحياة السياسية: ص ٧٨.
(٤٨) صلح الحسن عن شرح نهج البلاغة.
(٤٩) المصدر السابق.
(٥٠) صلح الحسن: ص١٤٧.
(٥١) صلح الحسن: ص١٧٥.
(٥٢) صلح الحسن: ص١٧٥.
(٥٣) كما استقصاه في الأحاديث الغيبية: ج ١، ص ١٦٤، تأليف ونشر مؤسّسة المعارف الإسلامية.
(٥٤) ج ١، ص ٣٨٥.
(٥٥) اسد الغابة: ج ٢، ص ١٣.
(٥٦) صلح الحسن.
(٥٧) ص ١٢٥، تحقيق المحمودي.
(٥٨) هو أبوسفيان الواسطة طاحة بن نافع القرشي مولاهم.
(٥٩) نعم روي في الطبقات الكبير لابن سعد في ترجمة الحسن عليه‌السلام انّه لما نعي الحسن عليه‌السلام في البصرة بكى الناس وأبو بكرة مريض فسمع الفجه فقال ما هذا فقالت امرأته عبسة بنت سحام - من بني ربيع - مات الحسن ببن علي فالحمدلله الذي أراح الناس منه فقال أبوبكرة: اسكتي - ويحك - فقد أراحه من شرّ كثير وفقد الناس خيراً كثيراً ص ٩٤، تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي.
(٦٠) الجامع لأحاديث الكتب الستة ومؤلّفات أصحابه االاُخرى، وموطأ مالك، ومسانيد الحميدي، وأحمد بن حنبل، وعبيد ابن حميد، وسنن الدارمي، وصحيح ابن خزيمة.
(٦١) قادتنا: ح٥، ص٢٤٩، عن تاريخ الخلفاء الراشدين: ج ١، ص ١٥١.
(٦٢) نفس المصدر: ص ٢٥٠، عن المستدرك على الصحيحين: ج ٣، ص ١٧٥.
(٦٣) أوائل: ج ٣.
(٦٤) لا يخفى أن معاوية كان يسمي نفسه أمير المؤمنين قبل الصلح كما في بعض كتبه لأصحابه.
(٦٥) ج ٨، ص ١٤٢وج ٤٣، ص ٢٩٣.
(٦٦) البحار: ج ٣٢، ص ٣٢٢.
(٦٧) نفس المصدر: ص ٣٢٥، شرح النهج: ج ٤، ص ٣١.
(٦٨) البحار: ج ٣٢، ص ٣٢٦.
(٦٩) صلح الحسن: ص ٣٤٠.
(٧٠) البحار: ج ٣٢، ص ٣٤٣.
(٧١) المصدر: ص ٣٢٢.
(٧٢) المصدر: ص ٣٥٣.
(٧٣) البحار: ج ٣٢، ص ٣٢٦.
(٧٤) المصدر: ص ٣٢٧.
(٧٥) اوائل كتاب الجمل للشيخ المفيد.
(٧٦) المصدر
(٧٧) ص ٢٢، نقلاً عن كتاب شيعني الحسين ص ٤٧.
(٧٨) أخرجه أحمد ٥ /٤٤، وأبو داود ٤٦٣٤، ٤٦٣٥.
(٧٩) المسند الجامع: ج ١٥، ص ٥٥٧.
(٨٠) المسند الجامع: ج ١٥، ص ٥٩٥.
(٨١) الحجرات: ٩.
(٨٢) البحار: ج ٣٢، ص ٣٢٨ بتصرّف.
(٨٣) البحار: ج ٣٣، ص ٤٤٢.
(٨٤) البحار: ج ٣٢، ص ٣٣٠.
(٨٥) البحار: ج ٣٣، ص ٤٤٣.
(٨٦) البحار: ج ٣٢، ص ٣٣٣.
(٨٧) البحار: ج ٣٢، ص ٣٢٩.
(٨٨) البحار: ج ٣٣، ص ٤٤٤.
(٨٩) نفس المصدر.
(٩٠) ابراهيم: ٢٤.
(٩١) شرف الدين للسيد عبد الحسين، المجالس.
(٩٢) المظفر الشيخ محمّد رضا، عقائد الإمامية.
(٩٣) السيد محمّد باقر الصدر قدس‌سره: أهل البيت عليهم‌السلام تنوّع أدوار ووحدة هدف.
(٩٤) سورة النحل آية ٨٩.
(٩٥) الأنعام آية ٣٨.
(٩٦) سورة يس آية ١٢.
(٩٧) سورة المائدة آية ١٦٦.
(٩٨) ج١ ص ٢٧١.
(٩٩) سورة البقرة آية ٣٠.
(١٠٠) اُصول الكافي ج١ ص ١٩٨ كتاب الحجة.
(١٠١) سورة النحل آية ١٦.
(١٠٢) ج ١ ص ٢٠٦ من نفس المصدر.
(١٠٣) اُصول الكافي ج ١ ص ٢٠٧ و٢١٠.
(١٠٤) معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة للعلاّمة الشيخ محمّد بن الفيض الكاشاني المحسن بن المرتضى، ج ١، ص ٢.
(١٠٥) الزخرف، آية ٤٤.
(١٠٦) رواها الأربلي في كشف الغمّة، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١٦، ص ٢٢ نقلها عن أبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين، ونقلها عنه المجلسي في البحار ج ٤٤، ص ٤٠، والكاشاني في معادن الحكمة.
(١٠٧) شرح النهج ج ١٦، ص ٣٠.
(١٠٨) نهج البلاغة: من وصيّته لابنه الإمام الحسن عليهما‌السلام الكتاب رقم ٣١.
(١٠٩) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٥٤.
(١١٠) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٢٣.
(١١١) البحار: ج ٤٤، ص ٦٣.
(١١٢) شرح نهج البلاغة: ج ٦، ص ٣.
(١١٣) الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ج ١، ص ١٨، شرح النهج: ج ٦، ص ١١، راجع مناظرات في الإمامة لعبد الله الحسن ص ٣٩ وما بعدها ففيه ذكر كثير من احتجاجات أهل البيت عليهم‌السلام.
(١١٤) شرح نهج البلاغة: ج ٦، ص ٢١.
(١١٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ١، ص ٢٢١.
(١١٦) النظام السياسي في الإسلام نقلاً عن الطبري: ج ٣، ص ٢٠٩ - ٢١٠.
(١١٧) شرح نهج البلاغة: ج٢، ص٤٤.
(١١٨) نهج البلاغة الكتاب رقم ٩.
(١١٩) عند غير أهل البيت عليهم‌السلام وأتباعهم إذ يرونها بالنص.
(١٢٠) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ١٢.
(١٢١) البحار: ج ٤٤، ص ١٢.
(١٢٢) الشورى، آية ٤٢.
(١٢٣) راجع مفردات الراغب مادة بغى.
(١٢٤) الكتاب رقم ٣٠.
(١٢٥) الكتاب رقم ٣٢.
(١٢٦) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ٣٥.
(١٢٧) أهل البيت لتوفيق أبو علم: ص ٣١٥.
(١٢٨) نهج البلاغة الكتاب رقم ٢٨.
(١٢٩) شرج نهج البلاغة: ج ٢، ص ٢٦٦.
(١٣٠) المصدر السابق: ج ٢، ص ٢٦.
(١٣١) الأنفال، آية ٧٥.
(١٣٢) آل عمران، آية ٦٨.
(١٣٣) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ١٦٩.
(١٣٤) نهج البلاغة الكتاب رقم ٢٨.
(١٣٥) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٢٢٢.
(١٣٦) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ٣٧.
(١٣٧) أهل البيت لتوفيق أبو علم: ص ٣١٦.
(١٣٨) شرح نهج البلاغة: ج ١، ص ٣٧، والبحار: ج ٤٤، ص ٥٥ باختلاف يسير.
(١٣٩) أهل البيت: ص ٣١٧.
(١٤٠) نهج البلاغة الكتاب رقم ٤٤.
(١٤١) رواها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ٣١، والعلاّمة المجلسي في البحار: ج ٤٤، ص ٤٥، والكاشاني في معادن الحكمة: ج ٢، ص ٧، عن الإرشاد للشيخ المفيد: ص ١٧٠، وجاءت في مقاتل الطالبيين أيضاً.
(١٤٢) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ٣٧.
(١٤٣) أهل البيت: ص ٣١٧ - ٣١٨.
(١٤٤) المائدة، آية ٢٣.
(١٤٥) شرح نهج البلاغة: ج ١٦، ص ٣١.
(١٤٦) أهل البيت: ٣٠٩.
(١٤٧) البحار: ج ٤٤، ص ٤٤.
(١٤٨) المصدر السابق: ص ٤٥.
(١٤٩) البحار: ج ٤٤، ص ٤٤.
(١٥٠) البحار: ج ٤٤، ص ٣٤.
(١٥١) استلأم: لبس اللأمة وهي الدرع، وكفّرها: سترها.
(١٥٢) علل الشرائع: ج ١، ص ٢٥٩.
(١٥٣) البحار: ج ٤٤، ص ٣٣.
(١٥٤) علل الشرائع: ج ١، ص ٢٦٠.
(١٥٥) البحار ج ٤٤، ص ٦٣.
(١٥٦) المصدر السابق ص ٩٠.
(١٥٧) موسوعة النبي وأهل بيته في الشعر العربي - الجزء الثاني -.
(١٥٨) ابن أعثم الكوفي: ج٤ ص٢٩٢ وقد وردت الكلمة الأخيرة من البيت الأوّل هكذا(مسلما) وهو خطأ واضح ولعلّه مطبعي.
(١٥٩) موسوعة النبي وأهل بيته في الشعر العربي - الجزء الثاني -.
(١٦٠) بحار الأنوار: ج ٤٤ ص ١٠٣.
(١٦١) المصدر السابق: ج ٤٤ ص ١٠٣.
(١٦٢) العقد الفريد: ج ٣ ص ٨١.
(١٦٣) أعيان الشيعة: ج ١ ص ٥٧٥.
(١٦٤) المصدر السابق.
(١٦٥) السجدة: ١٨.
(١٦٦) أعيان الشيعة: ج ١ ص ٥٧٥.
(١٦٧) المصدر السابق.
(١٦٨) المصدر السابق.
(١٦٩) مختصر تاريخ دمشق: ج ٢٠ ص ١٨٢.
(١٧٠) موسوعة النبي وأهل بيته في الشعر العربي - الجزء الثاني -.
(١٧١) نفس المصدر.
(١٧٢) المستطرف: ج ١ ص ٢٥٧.
(١٧٣) تاريخ الطبري: ج ٣ ص ٢٥٧.
(١٧٤) أعيان الشيعة: ج ٤ ص ١٤.
(١٧٥) العقد الفريد: ج ١ ص ٣٣٥.
(١٧٦) نفس المصدر: ج ١ ص ٣٣٧.
(١٧٧) المصدر نفسه: ج ١ ص ٣٤٠.
(١٧٨) موسوعة النبي وأهل بيته في الشعر العربي - الجزء الثاني -.
(١٧٩) تاريخ الطبري: ج ٤ ص ٢١٠.
(١٨٠) موسوعة النبي وأهل بيته في الشعر العربي - الجزء الثاني -.
(١٨١) نفس المصدر.
(١٨٢) نفس المصدر.
(١٨٣) نفس المصدر.
(١٨٤) نفس المصدر.
(١٨٥) نفس المصدر.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل