فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب المركز » الرحمة الحسَنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٩)  

كتب المركز

 

الكتب الرحمة الحسَنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٩)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: جعفر البياتي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ٨٠١ التعليقات التعليقات: ٠

الرحمة الحسَنيّة

سلسلة الأخلاق الحَسنيّة (٩)

تأليف: جعفر البياتي
الناشر: العتبة الحسينية المقدسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية

إشارات
إنّ الأصل في هذا الوجود الذي ابتدعه الله تعالى بحكمته ومشيئته هو الرحمة، حيث قال جلّ مِن قائل: (وَلَو شاءَ ربُّكَ لَجعَلَ الناسَ أُمّةً واحدةً ولا يَزالُونَ مُختَلِفينَ * إلّا مَن رَحِمَ ربُّك، ولِذلكَ خَلَقَهُم، وتَمَّتْ كلمةُ ربِّكَ..)(١)، قيل في تفسير هاتَينِ الآيتين الشريفتين: (ولا يَزالُونَ مُختلِفِين) أي الناس، يُخالف بعضُهم بعضاً في الحقّ أبداً، إلّا الذين رَحِمَهمُ الله، فإنّهم لا يختلفون في الحقّ ولا يتفرّقون عنه، والرحمة هي الهداية الإلهيّة كما يُفيده قوله تعالى: (فَهَدَى اللهُ الَّذينَ آمَنُوا لِـمَا ٱختَلَفُوا فيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذنِه)(٢).. فكأنّ المراد بقوله: (إلّا مَن رَحِم) إلّا مَن هَداه الله تعالى من المؤمنين(٣).
والرحمة الإلهيّة هي عهدٌ وثيق بشّر الله تبارك وتعالى به عبادَه، حيث قال في وحيه الكريم مُخاطباً حبيبَه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ (وإذا جاءَكَ الَّذينَ يُؤمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَليكُم كَتَبَ ربُّكُم عَلى نفسِهِ الرَّحْمَةَ..)(٤)، قيل: المراد بكتابة الرحمة على نفسه جلّ وعلا إيجابُها على نفسه، أي استحالة انفكاك فعله عن كونه مُعَنْوَناً بعنوان الرحمة(٥).
ـ (قُلْ لِـمَنْ ما في السَّماواتِ والأرضِ قُلْ لِله، كَتَبَ على نفسِهِ الرحمةَ..)(٦)، قيل: الكتابة هي الإثبات والقضاء الحَتْم، وإذا كانت الرحمة ـ وهي إفاضة النعمة على مستحقّها وإيصال الشيء إلى سعادته التي تَليق به ـ من صفاته تعالى الفعليّة، صَحَّ أن تُنسَب إلى كتابته تعالى، فيكون المعنى: أوجَبَ على نفسه الرحمةَ وإفاضةَ النِّعَم وإنزالَ الخير لِـمَن يستحقّه(٧).
والهداية لها أهلها، مع أنّ رحمة الله تعالى واسعةٌ عظيمة، ميسورةٌ موفورة، كتب الإمام محمّد الباقر عليه السلام إلى سعد الخير: (.. وٱعلموا أنّ الله تبارك وتعالى الحليمُ العليم، إنّما غضبُه على مَن لم يَقبلْ منه رِضاه، وإنّما يَمنَع مَن لم يقبل منه عَطاه، وإنّما يُضِلّ مَن لم يقبل منه هُداه ... وكَتَب على نفسه الرحمة، فَسَبَقَت قبلَ الغضب، فتمّت صدقاً وعدلاً..)(٨).
هذه بشارةٌ كبرى.. أنّ الله جَلّ وعلا كتب على نفسه الرحمة، فَلْيَطْمئنَّ عبادُه وليهرعوا إليه بالطاعة والتوبة والدعاء، فإنّهم ـ لاشَكَّ ولا ريبَ ـ مرحومون. والبشارة الأخرى ـ وهيَ عظمى أيضاً وكبرى ـ أنّ رحمة الله تعالى واسعة سَعةً لا تُوصَف بل لا تُتَصَوَّر.. والله تعالىٰ ـ وهو الرحمن الرحيم ـ يقول في محكم كتابه العظيم مخاطباً رسولَه الكريم: ـ (..فَقُلْ ربُّكُم ذُو رحمةٍ واسعة..)(٩)، وهذه العبارة القرآنيّة الشـريفة جاءت بين عبارتين: الأُولى ـ (فإنْ كَذَّبُوك)، والثانية ـ (ولا يُرَدّ بَأْسُه عَنِ القومِ المجرمين)، ففي الآية أمرٌ بإنذار المكذِّبين وتهديدِهم إن كذّبوا بالبأس الإلهيّ الذي لا مَرَدَّ له، لكن لا ببيانٍ يُسلِّط عليهم اليأسَ والقنوط، بل يشوبه بعض الرجاء، ولذلك قدّم عليه قولَه: (فَقُلْ ربُّكُم ذُو رحمةٍ واسعة)(١٠). وفي دعاء الجوشن الكبير المرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نقرأ هذه العبارات المباركة في إحدى فقراته الشريفة: (يا مَن لا يُرجى إلّا فَضلُه، يا مَن لا يُسأَلُ إلّا عَفوُه، يا مَن لا يُنظَر إلّا بِرُّه، يا مَن لا يُخاف إلّا عدلُه، يا مَن لا يَدوم إلّا مُلكُه، يا مَن لا سُلطانَ إلّا سلطانُه، يا مَن وَسِعَت كلَّ شيءٍ رحمتُه، يا مَن سَبَقَت رحمتُه غَضبَه، يا مَن أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلمُه، يا مَن ليس أحدٌ مِثْلَه)(١١).
* وفي كتاب الله عزّ وجلّ أيضاً قوله تعالى: (عَذابي أُصِيبُ بهِ مَن أَشاءُ ورَحْمَتي وَسِعَتْ كلَّ شَيء..)(١٢)، قال السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ:
لقد قيّد الله سبحانه إصابةَ عذابه بقوله: (مَن أشاء) دونَ سَعةِ رحمته؛ لأنّ العذاب إنّما ينشأ مِن اقتضاءٍ مِن قِبَلِ المعذَّبين لا مِن قِبَله سبحانه، قال تعالى: (ما يَفعَلُ اللهُ بِعَذابِكُم إن شَكَرْتُم وآمَنتُم)(١٣).. فلا يُعذِّب الله سبحانه باقتضاءٍ من ربوبيّته، ولو كان كذلك لَعذّب كلَّ أحد، إنّما يعذّب بعضَ مَن تعلّقت به مشيئته، ولا تتعلّق مشيئته إلّا بعذاب مَن كفروا نِعمَه، فالعذاب إنّما هو باقتضاءٍ مِن قِبل المعذَّبين لِكُفرهم، لا مِن قِبله.
على أنّ كلامه سبحانه يُعطي أنّ العذاب إنّما حقيقتُه فقدان الرحمة، والنقمة عدمُ بذل النعمة، ولا يتحقّق ذلك إلّا لعدم استعداد المعذَّب بواسطة الكفران والذنب لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له، فسبب العذاب في الحقيقة هو عدمُ وجود سبب الرحمة.
وأمّا سعة الرحمة وإفاضة النعمة، فمِن المعلوم أنّه من مقتضياتِ الأُلوهيّة، ولوازمِ صفة الربوبيّة..(١٤).
* وفي أدب الدعاء ورد قوله تعالى: (الَّذينَ يَحمِلُونَ العَرشَ ومَن حَولَه يُسبِّحُونَ بِحَمْدِ ربِّهِم ويُؤمنونَ به ويَستَغفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا ربَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رحمةً وعِلْماً فاغفِرْ لِلَّذينَ تابُوا وٱتَّبعُوا سبيلَك وَقِهِم عَذابَ الْـجَحيم..)(١٥)، قال السيّد الطباطبائيّ: الآية (ربَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رحمةً وعِلْماً) حكايةُ متن استغفارهم، وقد بدأوا فيه بالثناء عليه تعالى بِسَعة الرحمة والعلم، وإنّما ذكروا الرحمة وشفعوها بالعلم لأنّه برحمته يَنعم على كلّ محتاج، فالرحمة مبدأ إفاضةِ كلِّ نعمة، وبعلمه يعلم حاجةَ كلِّ محتاجٍ مستعدٍّ للرحمة(١٦).
* وأمّا الأحاديث المباركة الواردة في الرحمة الإلهيّة فهي وفيرة، منها:
ـ قول أمير المؤمنين عليه السلام: (يا أصبغ، لَئِن ثبتت قدمُك، وتَمّت ولايتُك، وانبسَطَت يدُك، فاللهُ أرحمُ بك من نفسِك)(١٧).
ـ وقيل للإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام: إنّ الحسن البصريّ قال: ليس العَجَب مِمّن هَلَك كيف هلك، وإنّما العَجَب ممّن نجا كيف نجا! فقال عليه السلام: (أنا أقول: ليس العَجَبُ مِمَّن نجا كيف نجا، وإنّما العَجَبُ مِمَّن هَلَك مع سَعةِ رحمة الله!)(١٨).
ـ وجاء عنه عليه السلام أيضاً قوله: (لا يَهلَك مؤمنٌ بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريك له، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسعة رحمة الله عزّ وجلّ)(١٩).
ـ ورُويَ عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنّه قال: (فما ظنُّك بالرؤوفِ الرحيم الذي يَتوَدَّد إلى مَن يُؤذيه بأوليائِه، فكيف بِمَن يُؤذى فيه؟! وما ظنُّك بالتوّابِ الرحيم الذي يتوبُ على مَن يُعاديه، فكيف بِمَن يترضّاه ويختار عداوةَ الخَلْق فيه؟!)(٢٠).
التفضيل الإلهيّ والسيادة الأعلى
مِن بعد هذا كلّه أردنا أن نقول: إنّ رسول الله وآله صلوات الله عليه وعليهم قد تخلّقوا بأخلاق الله تبارك وتعالى، فكانت منهم الرحمة وَسِعَت الناسَ جميعاً، تدعوهم إلى الهداية والنجاة، وإلى التقوى والفوز برضوان الله الأكبر، وإلى طاعة الله وعبادته ومحبّته، كلُّ ذلك بالحكمة والموعظة الحسَنة، وقد تطلّب ذلك صبراً جميلاً وحِلماً كبيراً، ومُداراةً طويلة، ورِفْقاً وسماحةً وعفواً، وخصالاً طيّبةً تطلب الخير للناس وتحرص على سعادتهم جميعاً.
وقد أعطاهم الله جلّ وعلا ذلك، ومزيداً على ذلك، فكانوا سادة الخَلْق حَسَباً ونَسَباً، وما أبلغَ ما ردّ به الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما على مَن أساء! كتب الخوارزميّ الحنفيّ أنّه:
رُويَ أنّ يزيد بن معاوية أمر بمِنبرٍ وخطيب ليذكر للناس مساوئ ...!! فصعد خطيب المنبر فأكثر الوقيعة في عليٍّ والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد، فصاح به عليّ بن الحسين: (وَيْلَك أيُّها الخاطب! اِشتريتَ رضى المخلوق بسَخَط الخالق! فتَبّوأْ مقعدَك من النار). ثمّ صعد المنبر فحَمِد الله وأثنى عليه، فقال في خطبته:
(أيُّها الناس، أُعطِينا ستّاً، وفُضِّلنا بسبع: أُعطينا العِلمَ والحلمَ والسماحة، والفصاحة والشجاعة، والمحبّة في قلوب المؤمنين. وفُضِّلنا بأنّ منّا المختارَ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، ومنّا الصدِّيق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سيّدا شبابِ أهلِ الجنّة..)(٢١).
ومن هؤلاء الذين فضّلهم الله تعالى على الخَلق بالحِلم: الإمامُ الحسن المجتبى عليه السلام، الذي عَرّفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة، إذ هو أوّل مولودٍ لسيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخِرين، ولسيّد الوصيّين أمير المؤمنين، وأول سبطٍ لسيّد الأنبياء والمرسَلين، ويعني ذلك أنّه صاحب أقدس نَسَبٍ وأشرفه، فضلاً عن أسمى حَسَبٍ وأكرمه(٢٢)، فهو موصوف على لسان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم هكذا:
* عن سعيد بن سعيد، أنّ أبا هريرة قال: إنّي سمعتُ رسول الله يقول ـ أي في الحسن عليه السلام ـ: (إنّه لَسيّد)(٢٣)، قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذهبيّ.
* وعن أبي إسحاق قال: قال عليٌّ عليه السلام وقد نظر إلى وجه ابنه الحسن عليه السلام: (إنّ ٱبني هذا سيّد كما سمّاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)(٢٤).
* وعن حذيفة بن اليمان أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (جاءني مَلَكٌ من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبل ليلتي هذه، فاستأذن ربَّه عزّ وجلّ أن يُسلّم علَيّ، فبشّرني أنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة)(٢٥).
* وعن جابر الأنصاريّ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن سَرَّه أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة، فَلْيَنظرْ إلى الحسن بن عليّ)(٢٦).
وتلك هي القداسة السببيّة، وكذلك النسبيّة، وهي السيادة الحسبيّة، وقد تأتّت عن أسباب إلهيّة، انعكست في طاعات وعبادات، وأخلاقٍ طيّبةٍ نبيلة، منها الرحمة، ومن الرحمة بالناس: الإرفاق بحالهم، والإصلاح لشؤونهم، والحفاظ على شتاتهم بعد تصدّعهم وتفرّقهم وتحيّرهم. وقد كان ذلك مرهوناً بالصلح الذي أبرمه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بطلبٍ من معاوية بن أبي سفيان، بل كان ذلك عن إنباءٍ من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كما أجمع الرواة عليه، حيث جاء:
* عن عبد الرزّاق بن همام الصنعانيّ (ت ٢١١ هـ) بسنده عن ابن سيرين، عن أبي بكرة قال: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُحدّثنا يوماً والحسنُ بن عليٍّ في حِجْره، فيُـقْبِل على أصحابه فيُحدّ ثهم، ثمّ يُقْبل على الحسن فيُقبّله، ثمّ قال: (اِبني هذا سيّد، إن يَعِشْ يُصلِحْ بين طائفتَينِ من المسلمين)(٢٧).
* وعن أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) بسنده عن المبارك عن الحسن البصـريّ عن أبي بكرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي بالناس وكان الحسن بن عليّ يَـثِب على ظهره إذا سجد، ففعل ذلك غيرَ مرّة، فقالوا له: واللهِ إنّك لَتفعلُ بهذا شيئاً ما رأيناك تفعله بأحد! قال المبارك: فذكر شيئاً ثمّ قال: (إنّ ابني هذا سيّد، وسيُصلح الله تبارك وتعالى به بين فئتَينِ من المسلمين). وفي روايةٍ أخرى أوردها ابن حنبل أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّه ريحانتي من الدنيا، وإنّ ٱبني هذا سيّد، وعسى الله تبارك وتعالى أن يُصلح به بين فئتَينِ من المسلمين)(٢٨).
* وعن البخاريّ (ت ٢٥٦ هـ) بسنده عن أبي بكرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يُقْبل على الناس مرّةً وعلى الحسن أخرى، ويقول: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ اللهَ أن يُصلحَ به بين فئتَينِ عظيمتينِ من المسلمين)(٢٩).
* وعن الترمذيّ (ت ٢٩٧ هـ)، عن أبي بكرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صَعِد المنبر فقال: (إنّ ٱبني هذا سيّد، يُصلح اللهُ على يَدَيه بينَ فئتينِ عظيمتين)(٣٠).
* وعن النَّسائيّ (ت ٣٠٣ هـ)، عن ابن عبّاس، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضمّ الحسنَ إلى صدره وقبّله وقال: (إنّ ٱبني هذا سيّد، لعلّ اللهَ يُصلح به بين فئتينِ من المسلمين)(٣١).
* وعن ابن عبد ربّه (ت ٣٢٨ هـ) قال: في بعض الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دخل على ابنته فاطمة فوجد الحسن يلعب بين يديها، فقال لها: (إنّ الله تعالى سيُصلح على يَدَيِ ٱبنِكِ هذا بين فئتينِ عظيمتين من المسلمين)(٣٢).
* وعن الطبرانيّ (ت ٣٦٠ هـ) بإسناده عن أبي بكرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضمّ إليه الحسنَ بن عليٍّ رضي الله عنه فقال: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ الله عزّ وجلّ أن يُصلح به بين فئتَين من المسلمين)(٣٣). وفي روايةٍ أخرى نقلها عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولَيُصلِحنّ الله به بين فئتينِ من المسلمين)(٣٤).
* وعن الطبريّ الإماميّ (من علماء القرن الرابع الهجريّ) بإسناده عن كثير بن سَلَمة قال: رأيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخرج من صخرةٍ عسلاً ماذيّاً (أي أبيض)، فأتيتُ رسولَ الله فأخبرتُه، فقال: (أتُنكرون لِابني هذا؟! إنّه سيّدٌ ٱبنُ سيّد، يُصلح الله به بين فئتين..)(٣٥).
* وعن الخطيب البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) بسنده عن جابر الأنصاريّ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اِبني هذا سيّد، وسيُصلح الله به بين فئتينِ من المسلمين عظيمتين)(٣٦).
* وعن الطبرسيّ الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس الهجريّ) عن عبد الله بن بُرَيدة، عن ابن عبّاس قال: انطلقتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى على باب فاطمة ثلاثاً فلم يُجِبْه أحد، فمال إلى حائطٍ (أي بستان) فقعد فيه، وقعدتُ إلى جانبه، فبينا هو كذلك إذ خرج الحسن بن عليّ قد غُسل وجهه وعُلِّقت عليه سبحة، قال: فبسط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يديه ومدَّهما، ثمّ ضمّ الحسنَ إلى صدره وقبّله وقال: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ الله عزّ وجلّ يُصلح به بين فئتَينِ من المسلمين)(٣٧).
* وعن الخوارزميّ الحنفيّ (ت ٥٦٨ هـ) عن أبي بكر (هكذا ـ وربّما: أبي بكرة) أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو على المنبر: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يُصلحَ به بين فئتينِ من المسلمين)(٣٨).
* وعن الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ (ت ٥٧١ هـ) عن مبارك بن فُضالة، عن الحسن البصريّ، عن أبي بكرة، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ (إنّ ٱبني هذا سيّد، ويُصلح الله به بين فئتَين مِن المسلمين).
ـ (إنّ ٱبني هذا سيّد، وسيُصلح الله تبارك وتعالى به بين فئتينِ من المسلمين).
ـ (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ الله تعالى أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتينِ من المسلمين)(٣٩).
* وعن السيّد ابن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) قال: روى الحميديّ في كتاب (الجمع بين الصحيحين) في مسند أبي بكرة بقيع بن الحرث قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... يقول: (إنّ ٱبني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يُصلحَ به بين فئتَينِ عظيمتينِ من المسلمين)(٤٠).
* وعن الإربلّي (ت ٦٩٢ هـ) عن أبي بكرة، مرّت روايته(٤١).
* وعن المحبّ الطبريّ الشافعيّ (ت ٦٩٤ هـ) عن أبي بكرة، كذلك مرّت روايته(٤٢).
* وعن الشبلنجيّ الشافعيّ (ت ق ١٣ هـ)، عن البخاريّ(٤٣).
كذلك رواه: البدخشانيّ في (نُزُل الأبرار: ٩٧)، والگنجيّ الشافعيّ في (كفاية الطالب: ٢٤٠)، وابن أبي جمهور في (غوالي اللّآلي ١: ١٠٢ / ح ٣٠ و٢٢٥ / ح ١١٣ ـ بتفاوت يسير)، وابن المغازليّ الشافعيّ في (مناقب عليّ بن أبي طالب: ٣٧٢ / ح ٤١٩ ـ باختصار)، وغيرهم كثير..
مؤشِّرات
بعد هذا ماذا نستطيع أن نفهم من هذا الحديث الشـريف يا ترى؟ لعلّنا نستطيع أن نقول بأنّ من دلالاته ـ ربّما ـ:
أوّلاً: أنّه تكرّر عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مرّة وفي أكثر من موقف، لأهمّيّته.
ثانياً: أنّه جاء في معرض المدح والثناء، وبيان بعض فضائل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: النسَبيّة، والحسَبيّة، فهو صلوات الله عليه سيّدٌ نَسَباً: مُنتمٍ إلى أشرف أصل، وأزكى نسل، وسيّدٌ حَسَباً: إذ هو إمامٌ مفترض الطاعة واجب الاتّباع، فيجب أن يسود العباد إمامةً وحاكميّة.. وقد ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال فيه وفي أخيه الحسين السبط عليهما السلام: (اِبنايَ هذانِ إمامانِ قاما أو قَعَدا)(٤٤)، فإمامتهما ثابتة لهما من الله تعالى تنصيباً، ومن رسول الله تبليغاً، سواءً صالَحَ الإمامُ الحسن أم حارب، وكذا أخوه السبط أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليهما.
ثالثاً: أنّ الحديث الشريف يُشير إلى الإصلاح، لا إلى المصالحة، وكأنّ الذي سيقوم به الإمام الحسن الزكيّ سلام الله عليه هو إصلاح أحوال المسلمين من خلال حقن دمائهم وتوفير السلامة لهم، رحمةً بهم، وإمهالاً لهم، فقد وجدوا في أنفسهم: هواناً وضَعَةً وضَعفَاً وخَوَراً ونفاقاً وتعلّقاً شديداً بالدنيا.. فلم ينهضوا مع إمام زمانهم بل خذلوه، بل هدّدوه أن يسالم أو يُسلَّم إلى عدوّه، فكان لابدّ من الهدنة فإنّها أسلم على حياتهم وبقايا دينهم إن بقيَ منه شيء أو استُبقي عليهم!
رابعاً: أنّ من سَترِ الله على عباده أن سمّى مَن تسمّى بالإسلام مسلمين، وقد تظاهروا بهذا الدين وهم يُخالفونه في مبادئه وأصوله وفروعه، فجاءت رحمةُ الله الرؤوف الرحيم تُغطّي عليهم عيوبهم بما تضفي عليهم لقب المسلمين، لتحفظ كرامتَهم، وتُمضـيَ معاشرتهم، وتيسّـر معاملتَهم وتعاملَهم فيما بينهم.
• كتب السيّد مرتضى الحسينيّ الفيروز آباديّ ـ بعد أن أورد جملةً من الأحاديث النبويّة التي تَنسِب إلى الإمام الحسن عليه السلام: السيادة، والإصلاح ـ: المراد من الفئتَين العظيمتين من المسلمين في الأحاديث المتقدّمة ـ وقد أصلح الله تبارك وتعالى بينهما بالحسن بن عليٍّ عليهما السلامـ: أهلُ الكوفة أصحاب الإمام الحسن وأصحاب أبيه عليهما السلام، وأهل الشام أصحاب معاوية بن أبي سفيان الفئة الباغية بنصّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر المشهور ... فإنّ لفظ المسلم، كما يُطلَق على المؤمن فكذلك يُطلَق على المنافق والباغي والخارجيّ، ونحو ذلك من الطوائف الضالّة المنتحلة للإسلام ـ كما لا يخفى(٤٥).
خامساً: أنّ الصلح والإصلاح والمصالحة مفرداتٌ ثبّتها الإسلام في كتاب الله وسُنّة نبيّه، فالله جَلّ وعلا هو القائل: (وإنْ طائفتانِ مِنَ المؤمنينَ ٱقتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَينَهما، فإنْ بَغَت إحداهُما عَلَى الأُخرى فَقاتِلُوا الّتي تَبغي حتّى تَفِيءَ إلى أمرِ الله، فإنْ فاءَتْ فأصْلِحُوا بَينَهما بالعدلِ وأقْسِطُوا، إنّ اللهَ يُحبُّ المُقْسِطين * إنَّما المؤمنونَ إخوةٌ فأصْلِحُوا بينَ أَخَوَيكُم، وٱتّقُوا اللهَ لَعلَّكُم تُرحَمون)(٤٦).
وقد أراد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أن يَرحَمَ هذه الأُمّة بدعوتها إلى الحقّ والإسلام الذي أراده الله عزّ وجلّ وجاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فأبت هذه الأمّة إلّا التنكّب عن الطريق. وأراد عليه السلام أن يُزيل طاغية الشام الذي جعل أموال الناس بينه وبين أسرته دُوَلاً، وعبادَ الله عبيداً خَوَلاً، فأبت كذلك إلّا تخاذلاً وانخداعاً وتمرّداً على إمام الحقّ وانجرافاً مع مشتري الضمائر ومحرّفي الكتاب والسنّة! فبقيَ الإصلاح الوحيد هو الصُّلح أو الهدنة المشروطة، وتلك رحمة الإمام الحسن بمَن خذل وتخادل، وتمرّد وعاند، وهبط وتسافل!
وهنالك لدى أهل البيت عليهم السلام تكاليفهم وأسرار مواقفهم، فَهُم: ساسة العباد، وأركان البلاد، والأئمّة الدعاة، والقادة الهداة، والسادة الولاة، والذادة الحماة، وأهل الذِّكْر، وأولو الأمر، وبقيّة الله وخيرَتُه، وحزبُه وعَيبة علمه، وحجّتُه وصراطه، ونوره وبرهانه.. فَهُم أدرى بالمصالح والعواقب، وقد جعلهم الله تبارك وتعالى خلفاءَه في أرضه، أئمّةً راشدين، مَهْديّينَ معصومين، مطيعينَ له قَوّامين بأمره، عاملين بإرادته، وقد ارتضاهم جَلّ وعلا لدِينِه، واختارهم لسرّه، وخَصّهم ببرهانه، وأيّدهم بروحه، ورَضِيهَم خلفاءَ في أرضه، وحُجَجاً على بريّته، وشهداءَ على خَلْقه، وأعلاماً لعباده، ومناراً في بلاده، وأدلّاءَ على صراطه..(٤٧).
لذلك كان صلح الإمام الحسن عليه السلام ـ كما عُرِف وعُرِّف ـ رحمةً من رحمات الله تعالى، أُنقذت به معالم الإسلام، وحُفِظت أرواح المسلمين وبقاياهم المتصدّعة. ولم يكن ـ أبداً أبداً ـ تنازلاً أو تنزّلاً للظالمين الطغاة العصاة.
وهنا لا بأس أن نُورد بعض التعليقات على عجالة:
١. كتب الصلّابيّ تحت عنوان (سيادته):
لقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانةَ هذا الإمام وسيادتَه وجلالة قَدْره، على مرأىً ومسمعٍ من الناس في غير مرّة، وقد تواترت الروايات بقوله في الحسن: (إنّ ابني هذا سيّد). قال ابن عبد البَرّ: وتواترت الآثار الصحاح عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال في الحسن بن عليّ: (إنّ ٱبني هذا سيّد، وعسى اللهُ أن يُبقيَه حتّى يُصلح بين فئتَينِ عظيمتين من المسلمين)(٤٨)... وعن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(٤٩).
وقد نقل إلينا خبرَ سيادة الحسن والحسين في الجنّة جمعٌ غفيرٌ من الصحابة، وما ذلك إلّا لإعلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك مرّةً بعد مرّة، أو في محافل جامعة. وقد أثبتت الأيّام، ومرور الشهور والأعوام، على رسوخ صفة السيادة في الحسن، وحتّىٰ بلغت ما بلغت في توفيق الله له في عقد الصلح، وجمعِ الأُمّة على كلمةٍ سواء، فقد كان الحسن سيّداً جليلاً، ويعلّمنا الحسنُ بأنّ السيادة لا تكون بالقهر وسفك الدماء، أو إهدار الأموال والحرّيّات، بل السيادة بصيانتها، فصُلحُه وحقنه لدماء المسلمين بلغ فيه ذروة السيادة التي لا يستطيعها مَن فكّر بالقوّة وهو يملك طرفاً.
وقد صالح الحسنُ معاوية وحولَه عليه السلام الألوف، فيهم مَن هو طامعٌ مسدود، ولكن فيهم الكثير الكثير من المخلصين الأوفياء. فما أراد أن تُراقَ بسببه قطرة دم، وإنّ الرئاسة إن لم تكن لصيانتها وحياطتها وترقيتها فهي نوعٌ من الطاغوت الأعمى والتهوّر الأحمق، والمغامرة التي تجلب معها الدمار والخراب، والإذلال واليَباب..(٥٠).
على أنّ معاوية كان مستعدّاً لإراقة دماء المسلمين ولو كانوا آلافاً، مِن أجل أن يضمن لنفسه مُلكَه الذي سرقه من المسلمين، وحُكمَه الذي اغتصبه من أهل البيت الميامين، لأجل رئاسته الباطلة على الناس. ولذلك صالحه الإمام الحسن عليه السلام ليسلم على حرمة الدماء من أن تُهدَر ثمّ تبقى الأمور على حالها إن لم تَأُل إلى الأسوأ.
أجل.. لقد صالح الإمام الحسن عليه السلام لأنّه لم يهدف إلى سلطةٍ يضحّي المتسلّطون من أجلها بدماء شعوبهم، ولم يهدف إلى رئاسة تخلّف جماجمَ الأبرياء، ولم يطلب سيادة وهو سيّد شباب أهل الجنّة، فإنّما للقتال أسبابه وشروطه، وإلّا فالصلح أَولى وأسلم للأمّة ولدينها.
٢. في البَدْء دعا الإمام الحسن سلام الله عليه جيشه وأنصاره إلى الاتّحاد والتماسك، والتهيُّؤ إلى قتال المنافقين الغاصبين من هذه الأمّة، فناشد جنوده وحثّهم، وخطب فيهم كما خطب أمير المؤمنين عليه السلام، قائلاً لهم: (إنّه لم يجتمع قومٌ قَطُّ على أمرٍ واحدٍ إلّا اشتدّ أمرُهم، وٱستَحْكَمَت عُقدتُهم، فاحتَشِدوا في قتلِ عدوِّكُم معاويةَ وجنودِه، ولا تَخاذَلوا..)(٥١). لكنّ القوم لم تنهض بهم همّة، بل لم تُحرّك ضمائرَهم غَيرة، ولم يهتف فيهم هاتف لطاعةِ الإمام الحسن وجهادٍ بين يديه.
٣. أصبح الإمام الحسن عليه السلام بين أمرَين مُرَّين: بين تَخاذُل الأصحاب، ومقتلة الأحباب. ثمّ إذا حصل النزال أُتْلِفَتِ الأرواح المخلصة دون جَدوى، وانعزلت الفِرَق المتخاذلة، واستولت الجماعة المنافقة.. ولم تأتِ الدماء هنا بثمرةٍ للإسلام ولا للمسلمين، فيكون النصـر لإبليس وجنوده وأتْباعه، ويكون الانكسار في الدين وفي المؤمنين.
والحلّ هو عند صاحب الإمامة والعقد والحلّ، فهو مِن أئمّة الحقّ، وهُم ساسة العباد، وأركان البلاد، وأمناء الرحمان، وأبواب الإيمان.
٤. إنّ الصلح ابتداءً كان طلباً مِن قِبل معاوية، حيث هو الذي طلب الصلح. كتب الأستاذ الهاد: هل الحسن عليه السلام صالح معاوية، أم العكس؟ الجواب ذكره ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ، حيث قال ما نصُّه: إنّ المحفوظ (أي الثابت) أنّ معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح(٥٢).
وأضاف الهاد يقول: وعلى هذا فما ورد في بعض الأخبار من أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد كاتَبَه على الصلح، فإنمّا هو بعد أن طلب معاويةُ منه عليه السلام لا قَبلَه، كما صرّح ابن حجر العسقلانيّ بذلك قائلاً: قال محمّد بن سعد: أخبَرَنا عبد الله بن بكر السَّهميّ قال: حدَّثَنا حاتِمُ بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار قال: إنّ معاوية كان يعلم أنّ الحسن كان أكرَهَ الناسِ للفتنة، فلمّا تُوفّيَ عليّ بن أبي طالبٍ بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرّاً، وأعطاه معاوية عهداً إن حدث حَدَث والحسن حيّ لَيُسمّينَه، وليجعلنّ هذا الأمر إليه، فلمّا توثّق منه الحسن (أي أخذ عليه المواثيق) قال لعبد الله بن جعفر (ابن عمّه): (إنّي قد رأيتُ رأياً وإنّي أُحبّ أن تُتابعَني عليه)، قال: ما هو؟ قال: (قد رأيتُ أن أعمد إلى المدينة فأنزِلَها، وأُخلِّيَ بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة..)، فقال عبد الله بن جعفر: جزاك الله عن أُمّة محمّدٍ خيراً، فأنا معك وعلى هذا الحديث(٥٣).
ثمّ قال الهاد: رجال هذا الحديث ثقاتٌ عند أهل السنّة، وسنده متّصلٌ صحيح لا شكّ فيه، بل ثابت مستفيض، فقد روى أهل السنّة من طُرقٍ أُخرى نحوَ ذلك، فمنه ما رَوَوه عن عبد الله بن محمّد، حدّثنا سفيان عن أبي موسى، عن الحسن. وذكر ما هو أصرح من سابقه. بل فيه أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد قَبِل صلح معاوية، لكثرة ما أُريق من دماء المسلمين. بل فيه أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان قادراً على أن يَظفرَ بالمُلك في آخِر السِّجالَين، لكنّ الذي مَنعَه من ذلك العددُ الهائل من الدماء لو لم يقبل الصلح!(٥٤)
ثمّ إن الله تبارك وتعالى هو القائل آمِراً: (وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها، وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إنَّه هُوَ السميعُ العليم)(٥٥)، والجُنوح هو المَيل، ومنه جَناح الطائر لأنّه يميل به في أحد شقَّيه، والسلم: الصُّلح، والتوكّلُ على الله تعالى هو من تتمّة الأمر بالجنوح، والمعنى: إن مالوا إلى الصلح والمسالمة فَمِلْ إليها وتوكَّلْ على الله في ذلك ولا تَخَف مِن أن تضطهدك أسبابٌ خفيّة على غفلةٍ وعدم تهيّؤٍ لها، فإنّ الله عزّ وجلّ هو السميع العليم، لا يغفله سبب، ولا يُعجزه مكر، بل ينصـرك ويكفيك، وهذا هو الذي يثبتُه قوله تعالى في الآية التالية: (وإن يُريدوا أن يَخْدَعُوكَ فإنَّ حَسْبَك اللهُ هو الَّذي أَيَّدَكَ بِنصرِهِ وبالمؤمنين)(٥٦).
والتوكّل هو اعتمادٌ على الله جلّ وعلا، ولكن لا يعني أبداً إلغاءَ الأسباب الظاهريّة، إنّما التوكّل توجيه الثقة والاعتماد على الله سبحانه، إذ بمشيئته وإرادته وحكمته ورحمته تدور رَحى الأسباب عامّة، ولا يُنافي التوكّل أن يتوسّل المتوكّل بما يمكنه من الأسباب اللائحة عليه يستعملها في طاعة الله تعالى والدفاع عن المؤمنين، وصيانة الدين الحنيف(٥٧).
وهذا هو الذي كان، عاملاً بما أمر الله تبارك وتعالى واستجاب له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبما أوصى أبوه أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام والِيَهُ على مصر مالكَ الأشتر رضوان الله تعالى عليه في عهده الشريف، حيث جاء فيه: (ولا تَدفَعَنّ صُلحاً دعاك إليه عدوُّك وللهِ فيه رضا، فإنّ في الصُّلح دَعَةً لجُنودِك، وراحةً مِن همومك، وأمناً لبلادك، ولكنِ الحذَرَ كلَّ الحذرِ مِن عدوِّك بعدَ صُلحِه، فإنّ العدوَّ ربّما قارَبَ لِيتَغَفَّل، فَخُذْ بالحَزْم، واتّهِمْ في ذلك حُسنَ الظنّ. وإن عَقَدْتَ بينَك وبينَ عَدوِّك عُقدة، أو ألبَسْتَه مِنك ذِمّة، فَحُطْ عهدَك بالوفاء، وٱرْعَ ذِمّتَك بالأمانة، واجعَلْ نفسَك جُنّةً دونَ ما أعطيت..)(٥٨).
وكان الإمام الحسن عليه السلام ـ وهو المحبّ للأُمّة كلَّ خيرٍ وسعادة، والراحم بأحوالهم مع سلامة دِينهم ـ قد دُعيَ إلى الصُّلح: مِن قِبل جيشه وأصحابه ـ إلّا الأقلّين ـ، ومن قِبل عدوِّه وبطانته من القتلة المجرمين، فاستجاب عليه السلام، ولكن متى؟
* كتب ابن عبد البَرّ الأندلسيّ: عن شرحبيل بن سعد قال: مكث الحسن بن عليّ نَحْواً من ثمانية أشهر لا يُسلِّم الأمرَ إلى معاوية(٥٩).
وبعد أن وقعت المسالمة أيّده معظمهم موافقين، بل كانوا متلهّفين فأصبحوا راضين مسـرورين مُرحّبين مُستقبِلين. وقبل ذلك كان الاختلاف قد تفشّى بين صفوف الجيش، وأسباب الاختلاف واضحة، بيّنها من قبلُ أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال:
ـ (سبب الفُرقة الاختلاف)(٦٠).
ـ (لو سكت الجاهل ما اختلف الناس)(٦١).
ـ (إنّما أنتم إخوانٌ على دِين الله، ما فرّق بينكم إلّا خُبثُ السـرائر، وسوءُ الضمائر، فلا تَوازَرون، ولا تَناصحون، ولا تَباذَلون ولا تَوادُّون)(٦٢).. أي لا تتعاضدونَ ولا تتناصحون، ولا تَتباذلُون ولا تَتوادّون! هذه كانت حالُهم في عهد الإمام الحسن المجتبى، اختلفت كلمتهم فتفرّقوا، وانبرى الجُهّال يُدلون بآرائهم في ضجيجٍ وضوضاء حتّى ضاع الصواب ولم تُسمع كلمة العقلاء، وخَبُثت السرائر، وساءت الضمائر، وانفصمت عُرى الأُخوّة، وطُلِبت سلامة الأبدان، على انحطاطٍ في التقوى والإيمان!
لقد دبّ الاختلاف بين صفوف الجيش، ولا ريبَ أنّ جيشاً تفرّق وتمزّق قبل القتال محكومٌ عليه بالهزيمة بعد النزال، إذا حصل هنالك نزال! وقد سبق أن قال أمير المؤمنين عليه السلام: (وأيمُ الله، ما اختلَفَت أُمّةٌ قطُّ بعدَ نبيّها إلّا ظَهَر أهلُ باطلِها على أهلِ حقِّها، إلّا ما شاءَ الله)(٦٣).
ولقد حصل ذلك التمزّق والاختلاف بعد أن غُصِبت الخلافة العَلَويّة من أهلها، فأصبح المسلمون شِيَعاً متفرّقين، وأحزاباً متخاصمين، وهنا أدركَتِ الرحمةُ الحسنيّة هذه الأُمّة بقبول الصلح؛ لقبر الفتنة، والحفاظ على الدماء التي تُراق في ضررٍ دون نفع، وعلى الكرامات التي تُهتَك حرمتها ولا تسلم من تجاوزات الطغاة أمثال معاوية(٦٤)، ولو كانت تسلم لَسَلِمَت من انتهاكات يزيد بن معاوية، حيث استباح دماء الأولياء في كربلاء، واستباح الكعبة المشـرّفة بإحراقها بقذائف المنجنيق، واستباح الأنفسَ والأعراض والأموال في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في واقعة الحَرّة السوداء، التي كان فيها هتكٌ عظيم، يُخبِرعن كفرٍ قديم، وحقدٍ لئيم! فانتقم يزيد من الإسلام في مبادئه ثأراً للكفر والشرك والجاهليّة الأُولى، ومن النبيّ في خلفائه وأبنائه ثأراً لرموز الكفر والشـرك والجاهليّة الأولى أسلافه الذين قطع الإسلام رؤوسهم في بدرٍ والأحزاب وحُنَين(٦٥).
وقد تداعت الأمور واضطربت الأوضاع في أيّام الإمام الحسن عليه السلام حتّى أصبح الصلح ضرورةً لازمة لإنقاذ المسلمين، كما أصبح فَخّاً مناسباً لفضح المنافقين، ولكن أين المعتقدون بالإمامة، وأين المسلِّمون للإمام؟!
ماذا كان من أصحابه؟!
حينما يركب الناس مراكب الجهل، ويقطعون الصحارى الشاسعة بلا دليل، ويتعجّلون في إبداء الآراء مقابلَ النصوص الدينيّة، قُرآنيّةً تلك النصوص أو نبويّة، فإنّ النتائج تأتي في حالاتٍ من التخبّط والاختلاف، والفوضى والاضطراب، والتمرّد والعناد، والمخالفة والاعتراض.. إذ لم يطلب الناس لأنفسهم التعرّفَ على مفاهيم القرآن الكريم، ولا على السنن النبويّة الشـريفة، ولا على وصايا الرسالة والرسول في الإمامة والخلافة. وليسوا في ذلك بمعذورين، فقد بيّن الله تعالى وكذا رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كلَّ ما تحتاج الأمّة إليه في جميع أمورها وشؤونها، فكان ينبغي عليها أن تعلم وتعمل، وتُسلّم أمورها إلى إمامها، وتلتزم بالمواقف التي تُرضي ربَّها عزّ وجلّ، وبذلك تضمن الأمان والسعادة لنفسها وللأجيال القادمة مِن بعدها.
لكنّ الذي حصل هو غير هذا، بل خلافُ هذا! فجُهل الإمام كما جُفِيَت الإمامة، وجاءت المواقف بعيدةً عن العقل والأدب، فضلاً عن الإيمان والتقوى، حيث اعتُديَ على حُرمة الإمامة، وذلك يعني اعتداءً على حُرمة النبوّة، بل على حُرمات الله ورسالته وكتابه الذي صدع بفضائل أهل البيت ومقاماتهم العليا ومنازلهم العظمى، ومنهم الإمام الحسن الزكيّ المجتبى صلوات الله وسلامه عليه.
والآن.. دَعُونا ـ أيّها الإخوة ـ نرى ماذا كان وماذا جرى؟!
* روى ابن عساكر الدمشقيّ بسنده عن عَوانةَ بنِ الحكم قال: بينا الحسنُ بالمدائن إذ نادى مُنادٍ في عسكر الحسن: ألا إنّ قيس ابن سعد بن عُبادة قد قُتل! فانتهَبَ الناسُ سُرادقَ الحسن حتّى نازعوه بساطاً تحته، ووثب على الحسن رجلٌ من الخوارج من بني أسد فطعنه بالخنجر، ووثب الناس على الأسديّ فقتلوه. ثمّ خرج الحسن حتى نزل القصر الأبيض (منزلاً) بالمدائن، وكتب إلى معاوية في الصلح(٦٦).
ولعلّ الخبر هذا ينقصه بيان أو تحليل مُبيِّن.. كتبه الشيخ محمّد مهدي الحائريّ قائلاً: لمّا رأى الحسن عليه السلام خذلانَ أصحابه وفساد نيّاتهم، وعدمَ ثباتهم في عهودهم ومواثيقهم، وليس فيهم مَن يأمنُ غوائلَه ـ إلّا خاصّةً من شيعة أبيه وهم جماعةٌ قليلة ـ، وليس فيهم مَن ينصره ويحارب معه جنودَ الشام إلّا عددٌ معدود، وقد أنفذ معاوية إليه بكتبِ أهل العراق الذين ضَمِنوا له الفتكَ بالحسن أو تسليمَه إلى معاوية، وكتب معاوية إليه بالهدنة والصلح وقد اشتدّ الأمر بالحسن عليه السلام، حينذاك اضطُرّ إلى أن يصالح..(٦٧).
* وهذا أيضاً يحتاج إلى بيانٍ أوضح، عرضه لنا الحارث الهَمْدانيّ في خبرٍ مطوَّل قال فيه: لمّا تُوفّي الإمام عليّ عليه السلام جاء الناس إلى الحسن بن عليّ عليهما السلام فقالوا له: أنت خليفة أبيك ووصيّه، ونحن السامعون المطيعون لك، فَمُرْنا بأمرك، قال عليه السلام: (كَذِبتم، واللهِ ما وفيتُم لِـمَن كان خيراً منّي، فكيف تَفُون لي؟! أو كيف أطمئنّ إليكم ولا أثق بكم؟! إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوني هناك).
فركب، وركب معه مَن أراد الخروج، وتخلّف عنه خَلقٌ كثير لم يَفُوا بما قالوه وبما وعدوه.. فقام خطيباً وقال: (قد غررتموني كما غَرَرتُم مَن كان قَبلي، مع أيّ إمامٍ تقاتلون بعدي؟! مع الكافر الظالم الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قطّ، ولا أظهر الإسلامَ هو ولا بنو أُميّةَ إلّا فَرَقاً من السيف؟!(٦٨) ولو لم يبق لبني أُميّةَ إلّا عجوزٌ درداءُ(٦٩) لَبَغَت دِينَ الله عِوَجاً، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ وجّه عليه السلام قائداً في أربعة آلاف ـ وكان مِن كِنْدة ـ، وأمَرَه أن يُعسكِر بالأنبار(٧٠) ولا يُحْدِثَ شيئاً حتّى يأتيَه أمرُه. فلّما توجّه إلى الأنبار ونزل بها، وعَلِم معاوية بذلك بعث إليه (إلى القائد) رسلاً وكتب إليه معهم: إنّك إن أقبَلْتَ إليّ ولّيتُك بعض كُوَر الشام أو الجزيرة(٧١) غير منفسٍ عليك. وأرسل إليه بخمس مئة ألف درهم، فقبض الكنديّ ـ عدوُّ الله ـ المال، وقلب على الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية في مِئتَي رجلٍ من خاصّته..
وبلَغَ الحسنَ عليه السلام ذلك، فقام خطيباً وقال: (هذا الكِنديّ توجّه إلى معاوية وغَدَر بي وبكم، وقد أخبرتُكم مرّةً بعد أخرى أنّه لا وفاءَ لكم. أنتُم عبيد الدنيا، وأنا مُوجِّهٌ رجلاً آخَرَ مكانَه، وأنا أعلم أنّه سيفعل بي وبكم ما فَعَل صاحبُه، لا يُراقبُ اللهَ فِيَّ ولا فيكم!).
فبعث رجلاً من مُراد في أربعة آلاف، وتقدّم إليه بمشهدٍ من الناس وتوكّد عليه، وأخبره أنّه سيغدر كما غدر الكنديّ، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنّه لا يفعل، فقال الحسن عليه السلام: (إنّه سيغدر!). فلمّا توجّه الرجل إلى الأنبار أرسل معاوية إليه رسلاً، وكتب إليه بمِثْل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمس مئة ألف درهم، ومَنّاه أيّ ولايةٍ أحَبَّ مِن كُوَر الشام أو الجزيرة، فقلب على الحسن عليه السلام وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يَحفَظْ ما أُخذ عليه من العهود.
وبلغ الحسنَ عليه السلام ما فعَلَ المراديّ، فقام خطيباً وقال: (قد أخبرتُكم مرّةً بعد مرّة أنّكم لا تَفُون لله بعهود، وهذا صاحبُكمُ المراديّ غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية!). ثمّ كتب معاوية إلى الحسن عليه السلام: يا ابنَ عَمّ، لا تقطع الرَّحِمَ الذي بيني وبينك، فإنّ الناس قد غدروا بك، وبأبيك مِن قَبلِك!
فقالوا (أي أصحاب الإمام الحسن عليه السلام له): إن خانك الرجلانِ وغَدَرا فإنّا مناصحون لك، فقال لهم الحسن عليه السلام: (لَأَعُودَنّ هذه المرّةَ فيما بيني وبينكم، وإنّي لَأعلمُ أنّكم غادرون! والموعدُ ما بيني وبينكم، إنّ معسكري بالنُّخَيلة(٧٢)، فَوافُوني هناك، واللهِ لا تَفُون لي بعهد، ولَتَنقُضُنّ الميثاقَ بيني وبينكم!). ثمّ إنّ الحسن عليه السلام أخذ طريق النُّخَيلة فعسكَرَ عشرة أيّامٍ فلم يَحضَرْه إلّا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة، فَصَعِد المنبر وقال: (يا عَجَباً مِن قومٍ لا حياءَ لهم ولا دِينَ مرّةً بعد مَرّة! ولو سَلّمتُ إلى معاويةَ الأمرَ، فأيمُ الله لا تَرَونَ فَرَجاً أبداً مع بني أُميّة، واللهِ لَيَسُومُنَّكُم سوءَ العذابِ حتّى تتمنَّوا أن يليَ عليكم حبشيّاً! ولو وجدتُ أعواناً ما سلّمتُ له الأمر، لأنّه محرَّم على بَني أُميّة! فأُفٍّ وتَرَحاً يا عبيدَ الدنيا!).
وكتب أكثرُ أهل الكوفة إلى معاوية بأنّا معك، وإن شئتَ أخَذْنا الحسنَ وبعثناه إليك! ثمّ أغاروا على فسطاطه (مخيّمه)، وضربوه بحَربة، فأُخِذ مجروحاً. ثمّ كتب عليه السلام جواباً لمعاوية: (إنّ هذا الأمرَ لي، والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنّها لَـمُحرّمةٌ عليك وعلى أهل بيتك، سَمِعتُه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لو وجدتُ صابرينَ عارفينَ بحقّي غيرَ مُنكِرين، ما سَلّمتُ لك ولا أعطيتُك ما تُريد)(٧٣).
فكان من الإمام الحسن عليه السلام: صبرٌ وحلم، وإخبارٌ واختبار، ونُصحٌ وتحذير، وشجاعة ومروءة ورحمة.. معاً. وبين ذاك وذلك كانت له سلام الله عليه بياناتٌ وهو يتجرّع الغصص والآلام، كما كانت له مواقف وهو لا ينظر إلّا إلى طاعة الله ومرضاته، وقد رآهما في الرفق بالناس والرحمة والعطف عليهم، فكان المصداقَ الأكمل لقوله تعالى: (وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذينَ ٱتَّبَعُوهُ رأفةً ورحمة)(٧٤)، فقد سبق أن اتّبع قومٌ نبيَّهم فوفّقهم الله تعالى للرأفة والرحمة فيما بينهم، فعاشوا على المعاضدة والمسالمة، ثمّ كان خيرَ مَن اتّبعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأفضلَهم أهلُ بيته، فجَعَل الله تعالى مِلْءَ قلوبهم رأفةً ورحمة.
وقد تتطلّب الرحمة صبراً على الناس ورفقاً بهم وتحمّلاً لما يبدر منهم، وما أجملَ ما نُسِب إلى أمير المؤمنين عليه السلام من قوله:

إنّي أقول لنفسـي وَهْيَ ضيّقةٌ * * * وقد أناخ عليها الدهرُ بالعَجَبِ:
صبراً على شدّةِ الأيـّامِ إنّ لها * * * عُقبى.. وما الصبرُ إلّا عند ذي الحَسَبِ
سيفتحُ اللهُ عن قُربٍ بنافعةٍ * * * فيها لِمثْلِك راحاتٌ مِن التَّعَبِ(٧٥)

وكان من الإمام الحسن ابن أمير المؤمنين شجاعة، وهو من الشجاعة في مكانٍ أسمى، حيث واجه معاويةَ في مواقفَ وحالاتٍ عديدة، حتّى صارحه بحُرمةِ تولّي أمور المسلمين على بني أُميّة إذ هم الطُّلَقاء بعد فتح مكّة، ومن الأحكام التي جَرَت عليهم مِن قِبَل الإسلام أنّهم لا يحقّ لهم أن يتولَّوا أمراً من أمور المسلمين أبداً. كذلك كان من شجاعته عليه السلام أن واجه المعترضين، من الجهّال والمتعجّلين، فتحمّل تَبِعاتِ الصلح وما جَرّ عليه من الاعتراض والإيذاء.. لماذا؟ لأجلِ حفظ معالم الدين وأصوله وأساسيّاته، وحفظ دماء المسلمين وتماسكهم إلى الحدّ الممكن. ولكنّ القوم كانوا قد اعترضوا، فأجابهم عليه السلام رغم إساءاتهم، ولكن:
كيف أجابهم.. وبماذا أجابهم؟
ماذا عسى أن يُتوقَّع من الإمام الحسن عليه السلام إذا سألوه كيف سيجيبهم، أو تجاسروا عليه كيف سيتحمّلهم، أو غضبوا عليه لجهلهم كيف سيحلم عليهم، أو كان منهم خُرق كيف سيعاملهم بالرِّفق؟! إنّه ذلكم الرجل الحليم الصبور الُمرفق بالناس، صاحب الدلائل الظاهرات، والبراهين البيّنات الباهرات، والحُجَج البالغات، وهو في الوقت ذاته صاحب الأخلاق الساميات العاليات، فكان كما وُصِف هو وأهل بيته الأخيار صلوات الله عليه وعليهم ما اختلف الليل والنهار، في خطاب زائرهم بالزيارة الجامعة الكبيرة: (كلامُكُم نُور، وأمرُكُم رُشْد، ووصيّتُكمُ التقوى، وفِعلُكمُ الخير، وعادتُكمُ الإحسان، وسجيّتُكمُ الكَرَم، وشأنُـكمُ الحقُّ والصِّدْقُ والرِّفق، وقَولُكُم حُكْمٌ وحَتْم، ورأيُكُم عِلمٌ وحِلمٌ وحَزْم، إن ذُكِر الخيرُ كنتُم أوّلَه وأصلَه وفرعَه ومَعدِنَه، ومَأواه ومُنتهاه).
فلا يُنتظَر من الإمام المجتبى إلّا الخير في صورٍ من النور والرشد، والتقوى والإحسان، والحقّ والصدق، والرفق والحِلم. كما لا يُتوقَّع منه إلّا كلُّ أمرٍ حَسَن، إذ هو الإمام الحسن، وهو القائل صلوات الله عليه: (إنّ أحسَنَ الحَسَن، الخُلقُ الحسَن)(٧٦)، ثمّ هو المجتبى ابن النبيّ المجتبى، الذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إنّ أحبَّكم إليّ، وأقربَكم منّي يومَ القيامة مجلساً، أحسنُكم خُلُقاً، وأشدُّكم تواضعاً)(٧٧)، وهو الوصيّ وابن سيّد الأوصياء، الذي كان سلام الله عليه يقول: (أرضى الناس مَن كانت أخلاقُه رضيّة)(٧٨).
فَلَم يتعامل الإمام الحسن الزكيّ عليه السلام إلّا بالخُلق الأنسب، ولم يصدر عنه إلّا الحق في علم ذي دليل، ومنطقٍ ذي برهان، حتّى إذا سُئل ـ كيفما سُئل، وعن أيّ شيءٍ سُئل، وفي أيّ أُسلوب سُئل ـ أجاب سائلَه بصَدْرٍ رَحْبٍ وسيع، يطيّب خاطرَه، ويُريح قلبَه ووجدانه، ويُرضي عقله، وليس مهمّاً بعد ذلك أن يعاند المعاند، أو يغالطَ المُغالط.
 وهذه بين أيديكم ـ أيّها الإخوة الأكارم ـ مجموعة من الروايات تحكي لنا مشاهد عديدة عمّا جرى قُبيلَ الصلح وبُعيدَه، وما واجهه الإمام الحسن عليه السلام من الظروف المعقّدة والعصيبة مِن قِبل قومه وخصومه، وما جابهه به بعض أصحابه من اعتراضاتٍ وتساؤلات، وتشكيكات وجسارات!!
وكان من الإمام المجتبى عليه السلام تلك الرحمة الواسعة التي استوعبت كلَّ ذلك، وقابلته بالأجوبة الحكيمة، والأخلاق العظيمة، حَكَت ذلك لنا أخبار الرواة والمحدّثين والمؤرّخين على اختلاف ميولهم واتّجاهاتهم ومذاهبهم.. ولنبدأ أوّلاً بما نقَلَه أبو منصور أحمد بن عليّ الطبرسيّ (أحد علماء القرن السادس الهجريّ) في كتابه (الاحتجاج) حيث جاء فيه بعد هذا العنوان:
احتجاجه عليه السلام على مَن أنكر عليه مصالحةَ معاوية ونَسَبه إلى التقصير في طلب حقِّه:
* عن سُلَيم بن قيس قال: قام الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال:
(أيّها الناس، إنّ معاوية زعم أنّي رأيتُه للخلافة أهلاً، ولم أَرَ نفسي لَها أهلاً! وكَذِب معاوية! أنا أَولَى الناسِ بالناس في كتابِ الله، وعلى لسان نبيِّ الله، فأُقسم بالله لو أنّ الناس بايَعُوني وأطاعوني ونصـروني، لَأعطَتْهمُ السماءُ قَطْرَها، والأرضُ بركتَها، ولمّا طَمِعتُم فيها يا معاوية(٧٩).
ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ولَّت أُمّةٌ أمرَها رجلاً قطُّ وفيهم مَن هو أعلمُ منه، إلّا لم يَزَل أمرُهم يَذهَب سَفالاً، حتّى يَرجِعوا إلى ملّة عَبَدةِ اَلعِجْل!)، وقد ترك بنو إسرائيل هارونَ واعتكفوا على العِجْل وهم يعلمون أنّ هارون خليفةُ موسى. وقد تَرَكتِ الأُمّةُ عليّاً عليه السلام وقد سَمِعوا رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ: (أنتَ مِنّي بمنزلةِ هارونَ مِن موسى غيرَ النبوّة، فلا نبيَّ بَعدي). وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قومه وهو يَدْعُوهم إلى الله حتّى فَرّ إلى الغار، ولَو وَجَد عليهم أعواناً ما هَرَب مِنهم، ولو وجدتُ أنا أعواناً ما بايعتُك يا معاوية! وقد جعل الله هارونَ في سَعةٍ حين ٱستَضْعفُوه وكادوا يَقتُلونه، ولم يَجِد عليهم أعواناً، وقد جعل اللهُ النبيَّ في سَعةٍ حين فَرّ مِن قومه لمّا لم يَجِد أعواناً عليهم، كذلك أنا وأبي في سَعةٍ مِن الله حين تركَتْنا الأُمّة وبايعَتْ غيرَنا ولم نَجِد أعواناً، وإنّما هي السُّننُ والأمثال يَتْبَع بعضُها بعضاً.
أيُّها الناس، إنّكم لوِ ٱلْتمَسْتُم فيما بينَ المشرق والمغرب لم تَجِدوا رجلاً مِن وُلْد النبيّ غيري وغيرَ أخي).
* وعن حنان بن سَدير، عن أبيه سدير، عن أبيه، عن أبي سعيد عُقَيصيّ قال: لمّا صالَحَ الحسنُ بن عليِّ بن أبي طالب معاويةَ بنَ أبي سفيان، دخَلَ عليه الناسُ فلامَه بعضُهم على بيعته، فقال عليه السلام:
(وَيْحَكُم ما تدرون ما عَمِلت، واللهِ لَلَّذي عَمِلتُ لِشيعتي خيرٌ ممّا طَلعَت عليه الشمسُ أو غَرَبَت. ألا تعلمون أنّي إمامُكم، ومفترضُ الطاعة عليكُم، وأحَدُ سيّدَي شبابِ أهلِ الجنّة بنصٍّ مِن رسول الله وعليّ؟!).
قالوا: بلى.
قال: (أما عَلِمتُم أنّ الخِضْر لمّا خَرَق السفينةَ وأقامَ الجدار وقَتلَ الغلامَ كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه السلام، إذْ خَفِيَ عليه وجهُ الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذِكْرُه حكمةً وصواباً؟! أما عَلِمتُم أنّه ما مِنّا أحدٌ إلّا يَقع في عُنقِه بيعةٌ لطاغيةِ زمانه إلّا القائمَ عجّل الله تعالى فرَجَه الذي يصلّي خلفَه رُوحُ الله عيسى بنُ مريم عليهما السلام؟! فإنّ الله عزّ وجلّ يُخفي ولادته ويغيِّب شخصه، لئلّا يكونَ لأحدٍ في عنقه بيعةٌ إذا خرج، ذاك التاسعُ مِن وُلْد أخيَ الحسين، اِبنُ سيّدة الإماء، يُطيل اللهُ عمرَه في غَيبتِه، ثمّ يُظهره بقدرتِه في صورة شابٍّ دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أنّ الله على كلِّ شيءٍ قدير).
* وعن زيد بن وهب الُجهنيّ قال: لمّا طُعِن الحسن بن عليّ عليهما السلام بالمدائن أتيتُه وهو مُتوجِّع، فقلت: ما تَرى يا ابنَ رسول الله، فإنّ الناس متحيّرون؟!
فقال: (أرى ـ واللهِ ـ أنّ معاوية خيرٌ لي مِن هؤلاء، يَزعمون أنّهم لي شيعةٌ ٱبتغَوا قتلي وانتهبوا ثِقْلي وأخذوا مالي. واللهِ لَئِن آخذْ مِن معاويةَ عهداً أحقِنُ به دمي وأُومن به في أهلي، خيرٌ مِن أن يقتلوني فتَضيعَ أهلُ بيتي وأهلي. واللهِ لو قاتلتُ معاويةَ لَأخذوا بِعُنقي حتّى يدفعوني إليه سِلْماً. واللهِ لَئن أُسالمه وأنا عزيزٌ خيرٌ مِن أن يَقتُلَني وأنا أسير، أو يَمُنَّ علَيَّ فيكونَ سُنّةً على بني هاشم آخرَ الدهر، ولـَمعاوية لا يزال يَمنُّ بها وعَقِبُه على الحيِّ منّا والميّت!).
قال: قلت: تَتركُ يا ابنَ رسول الله شيعتَك كالغَنم ليس لها راعٍ؟!
قال: (وما أصنع يا أخا جُهَينة؟! إنّي ـ واللهِ ـ أعلمُ بأمرٍ قد أدّى به إليّ ثِقاتُه: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذاتَ يوم ـ وقد رآني فَرِحاً ـ: ياحَسَن، أتَفرح؟! كيف بك إذا رأيتَ أباك قتيلاً؟! كيف بك إذا وَلِيَ هذا الأمرَ بنو أُميّة وأميرُها الرَّحبُ البُلعوم؟! الواسع الاعفجاج(٨٠)، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثمّ يستولي على غربها وشرقها، يَدينُ له العباد ويطول مُلكُه، يستنّ بسُنن أهل البِدَع والضَّلال، ويُميت الحقَّ وسُنّةَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقسّم المال في أهل ولايته، ويمنعه مَن هُوَ أحقُّ به، ويَذِلّ في مُلكه المؤمن، ويَقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المالَ بين أنصاره دُولاً، ويتّخذ عبادَ الله خَوَلاً.
يَدرُس في سلطانه الحقّ، ويَظهر الباطل، ويَقتل مَن ناواه على الحقّ، ويَدين مَن والاه على الباطل. فكذلك حتّى يبعثَ اللهُ رجلاً في آخر الزمان، وكَلَبٍ من الدهر(٨١)، وجهلٍ من الناس، يؤيّده اللهُ بملائكتِه، ويعصم أنصاره وينصـره بآياتِه، ويُظهره على أهل الأرض حتّى يَدينوا طوعاً وكَرْهاً، يملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً، ونوراً وبرهاناً، يَدينُ له عرضُ البلاد وطولُها، لا يَبقى كافرٌ إلّا آمن به، ولا طالحٌ إلّا صَلَح، وتَصطلح في مُلكه السِّباع، وتُخرِج الأرضُ نبتَها، وتُنزِل السماءُ بركتَها، وتَظهر له الكنوز، يَملِك ما بين الخافقَين أربعين عاماً، فطُوبى لِـمَن أدرك أيّامَه، وسَمِع كلامَه!).
* وعن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد قال: حدّثَني رجلٌ منّا قال: أتيتُ الحسنَ بن عليّ عليهما السلام فقلت: يا ابنَ رسول الله، أذللتَ رقابَنا، وجعلتَنا ـ معشرَ الشيعة ـ عبيداً، ما بقيَ معك رجل!
قال: (ومِمّ ذاك؟)، قال: قلت: بتسليمك الأمرَ لهذا الطاغية.
قال: (واللهِ ما سلّمتُ الأمرَ إليه إلّا أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدتُ أنصاراً لَقاتلتُه ليلي ونهاري حتّى يَحكمَ اللهُ بيني وبينَه، ولكنّي عَرَفتُ أهلَ الكوفة وبَلَوتُهم، ولا يَصلُح لي منهم مَن كان فاسداً، إنّهم لا وفاءَ لهم ولا ذمّةَ في قولٍ ولا فعل، إنّهم لَـمُختلفون، ويقولون لنا أنّ قلوبَهم معنا، وإنّ سيوفهم لَمشهورةٌ علينا!)، قال: وهو يكلمني إذ تنخّع الدم، فدعا بطستٍ فحُمِل مِن بينِ يدَيه مليءٌ ممّا خرج مِن جوفة من الدم!
فقلت له: ما هذا يا ابنَ رسول الله؟! إنّي لَأراك وَجِعاً!
قال: (أجَل، دَسّ إليَّ هذا الطاغيةُ مَن سَقاني سُمّاً، فقد وقَعَ على كَبِدي وهو يَخرج قِطَعاً كما ترى!).
قلت: أفَلا تَتداوى؟!
قال: (قد سَقاني مرّتَين، وهذه الثالثة لا أجد لها دواءً، ولقد رُقيَ إليَّ أنّه كَتبَ إلى ملك الروم يسأله أن يوجّه إليه مِن السمّ القتّال شربة، فكتب إليه ملك الروم: إنّه لا يصلح لنا في دِيننا أن نُعينَ على قتالِ مَن لا يُقاتلنا(٨٢). فكتب إليه أنّ هذا ابنُ الرجل الذي خرج بأرض تِهامة، وقد خرج يطلب مُلك أبيه، وأنا أُريد أن أدسَّ إليه مَن يَسقيه ذلك فأُريحَ العبادَ والبلادَ منه. ووجّه إليه بهدايا وألطاف، فوجّه إليه ملكُ الروم بهذه الشربة التي دسّ فيها فسُقِيتُها، واشترط عليه في ذلك شروطاً!)(٨٣).
وكان الإمام الحسن عليه السلام صريحاً مع الناس، رسم من خلال أجوبته وبياناته الصورةَ الواقعيّة للمجتمع ولما يعيشه من الظروف والمشاكل الداخليّة والخارجيّة، حتّى حكم الناسُ على أنفسهم بأنفسهم بالصُّلح، وإلّا فالإمام أراد غير ذلك.. ولكنْ لَمّا بلغ بالناس ما بلَغَ من الانحطاط الأخلاقيّ والروحيّ، وكادت الدماء أن تُسفَك لصالح المارقين والمنافقين، أعطى عليه السلام للناس ما يرغبون.
* روى ابن عساكر بسنده عن رياح بن الحارث النَّخَعيّ أنّه قال: كنتُ عند منبر الحسن بن عليّ وهو يخطب بالمدائن فقال: (ألا إنّ أمرَ الله واقع، إذ لا له دافع، وإن كَرِه الناس، إنّي ما أحببتُ أن ألِـيَ مِن أمرِ أُمّة محمّدٍ مثقالَ حبّةٍ مِن خَردَلٍ يُهراق فيه مِحْجَمٌ مِن دم، قد عَلِمتُ ما ينفعُني مِمّا يَضـرُّني، فالْحقُوا بِطِيَّتِكُم!)(٨٤)، قيل: أي بجهتكم وناحيتكم.
* وفي رواية أخرى بسنده عن أبي بكر بن دُرَيد قال: قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين عليه السلام فقال ـ بعد حمد الله جلّ وعزّ ـ: (إنّا ـ واللهِ ـ ما ثَنانا عن أهل الشام شكٌّ ولا نَدَم، وإنّما كنّا نقاتل أهلَ الشام بالسلامة والصبر، فشِيبَتِ السلامة بالعداوة، والصبرُ بالجزع، وكنتُم في منتدبِكم إلى صِفّين ودِينُكم أمامَ دُنياكم، فأصبحتُمُ اليومَ ودنياكُم أمامَ دِينِكم. ألا وإنّا لكم كما كنّا، ولستُم لنا كما كنتُم!
.. ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمرٍ ليس فيه عِزٌّ ولا نَصَفة، فإن أردتُمُ الموتَ رَدَدناه عليه، وحاكَمْناه إلى الله عزّ وجلّ بظُبا السيوف، وإن أردتمُ الحياةَ قَبِلناه وأخَذْنا لكُم الرضى).
فناداه القوم مِن كلِّ جانب: البقيّةَ البقيّة. فلمّا أفردوه أمضى الصُّلح(٨٥).
* وكم ذكّرهم عليه السلام أنّ أهل البيت هم أَولى بالاتّباع والتسليم لهم، ما داموا بين ظَهرانيهم.. قال هلال بن يساف: سمعتُ الحسنَ ابن عليّ وهو يخطب ويقول:
(يا أهلَ الكوفة، اتّقُوا اللهَ فينا، فإنّا أُمراؤُكم وأضيافُكم، ونحن أهلُ البيت الذين قال الله: (إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عنكمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكُم تَطهِيراً)..)(٨٦).
* وكتب ابن سعد: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شعبة عن يزيد بن خُميَر قال: سمعتُ عبد الرحمان بن جُبَير بن نُفَير الحضـرميَّ يُحدّث عن أبيه قال: قلت للحسن بن عليّ: إنّ الناس يزعمون أنّك تريد الخلافة! فقال: (كانت جَماجمُ العرب بيدي، يسالمون مَن سالمتُ ويحاربون مَن حاربت، فتركتُها ابتغاءَ وجه الله، ثمّ أُثيرها بأتياس أهل الحجاز؟!)(٨٧).
* وعن الشَّعبيّ قال: لَـمّا سلّم الحسنُ بن عليٍّ الأمرَ لمعاوية، قال له: اِخطِبِ الناس، قال: فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال عليه السلام:
(إنّ أكيسَ الكَيْسِ التُّقى، وإنّ أحمقَ الحُمقِ الفُجور، وإنّ هذا الأمرَ الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاوية: إمّا حقٌّ كان أحقَّ به منّي، وإمّا حقٌّ كان لي فتركتُه التماسَ الصلاح لهذه الأُمّة، (وإنْ أَدري لَعلَّهُ فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حِين))(٨٨).
* والخطبة هذه يبدو وقد بُتِرت في المصادر التي ذكرناها، فيما ذكرها الإربِلّيّ في ضمن خبرٍ مطوَّل على هذا النحو وبهذه المقدّمة:
ولمّا تمّ الصُّلح وانبرم الأمر، اِلتمسَ معاويةُ من الحسن عليه السلام أن يتكلّم بمجمعٍ من الناس ويُعْلِمَهم أنّه قد بايَعَ معاويةَ وسلّم الأمرَ إليه، فأجابه إلى ذلك، فخطب ـ وقد حشد الناس ـ خُطبةً حَمِد اللهَ تعالى فيها، وصلّى على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي من كلامه المنقول عنه عليه السلام، وقال:
(أيُّها الناس، إنّ أكْيسَ الكَيسِ التُّقى، وأحمق الحُمقِ الفُجور. وإنّكم لو طَلَبتُم بين جابلق وجابُرس(٨٩) رجلاً جَدُّه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجَدتموه غيري وغيرَ أخيَ الحسين. وقد عَلِمتُم أنّ الله هَداكُم بجَدّي محمّدٍ فأنقَذَكم به مِن الضَّلالة، ورفَعَكُم به مِن الجَهالة، وأعزَّكم بعدَ الذِّلّة، وكَثّركُم بعدَ القِلّة. وإنّ معاوية نازَعَني حقّاً هو لي دُونَه، فنظرتُ لصلاح الأُمّة وقطع الفتنة، وقد كنتُم بايعتموني على أن تُسالِمُوا مَن سالمت، وتحاربوا مَن حاربت، فرأيتُ أن أُسالمَ معاوية وأضعَ الحربَ بيني وبينه..، ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها، ولم أُرد بذلك إلّا صلاحَكم وبقاءَكم، (وإنْ أَدري لَعلَّه فِتنةٌ لَكُم ومتاعٌ إلى حين))(٩٠).
* وكتب أبو حنيفة الدِّينَوَريّ: رُوي عن عليّ بن محمّد بن بشير الهَمْدانيّ قال: خرجتُ أنا وسفيان بن ليلى حتّى قَدِمْنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه وعنده المسيّب بن نجيّة وعبد الله ابن الودك التميمّي وسراج بن مالك الخثعميّ، فقلت: السلامُ عليك يا مُذِلَّ المؤمنين!! قال: (وعليك السلام، اِجلس، لستُ مُذِلَّ المؤمنين، ولكنّي مُعِزُّهم. ما أردتُ بمصالحتي معاويةَ إلّا أن أدفَعَ عنكمُ القتلَ بعدما رأيتُ من تباطُؤ أصحابي عن الحرب ونُكولِهم عن القتال. وواللهِ لئن سِرْنا إليه بالجبال والشجر ما كان بُدٌّ مِن إفضاء هذا الأمر إليه)(٩١).
إنّها لَفاجعةٌ بِحقّ! تُغتصَب الخلافة الإلهيّة مِن قِبل الشجرة الملعونة في القرآن، ويختلّ أمر الناس ويعترض الأصحاب في ذلك الأسلوب الهاتك! فلا يُطاق الأمر إلّا بالصبر في جُرُعاتٍ مُرّة وآلامٍ مريرة، حتّى يتبيّن الأمر الحقّ فيما بعد، فيُعرَف عِظمُ مظلوميّة أهل البيت، وعِظَم ظالميّة أعدائهم ومناوئيهم، وتتبيّن حكمة مواقف أهل البيت، كما يتبيّن نفاق المنافقين، وكذب المدّعين، ونقض عهود الغادرين. وذلك يُراد له صبرٌ عظيم، وحِلمٌ كبير، ورحمةٌ واسعة بالناس.. والإمام الحسن سلام الله عليه كان أهلاً لكلّ ذلك، وقد نُسِب لأبيه أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال له يوماً:

تَرَدَّ رِداءَ الصبرِ عندَ النَّوائبِ * * * تَنَلْ مِن جميلِ الصبرِ حُسْنَ العواقبِ
وكُنْ صاحباً للحِلمِ في كلِّ مشهدٍ * * * فما الحِلمُ إلّا خيرُ خِدْنٍ وصاحبِ(٩٢)

وهكذا صَبَر الإمام الحسن عليه السلام وأعطى من نفسه الكبيرة رحمةً ورِفقاً بالأُمّة؛ ليحفَظَ حياتها، ويحقنَ دماءَها، ويجنّبَها فتنةً لا تُصِيبنّ الذين ظلموا منهم خاصّة. وكذا حَلُم سلام الله عليه حتّى جَسّد بأخلاقه كلمات جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ (جَعَل اللهُ سبحانَه مكارمَ الأخلاق صِلةً بينَه وبين عباده، فَحَسْبُ أحدِكم أن يتمسّكَ بِخُلقٍ مُتَّصِلٍ بالله!)(٩٣).
ـ (يا عليّ، ألا أُخبرك بأشبهِكم بي خلقاً؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أحسنُكم خُلقاً، وأعظمُكم حِلماً، وأبرُّكم لقرابته، وأشدُّكم مِن نفسه إنصافاً)(٩٤).
ـ وجاءه رجلٌ مِن بينِ يَدَيه فقال: يا رسولَ الله، ما الدِّين؟ فقال: (حُسنُ الخُلق)، ثمّ أتاه عن يمينه فقال: ما الدِّين؟ فقال: (حُسنُ الخُلق)، ثمّ أتاه مِن قِبل شماله فقال: ما الدِّين؟ فقال: (حُسنُ الخُلق)، ثمّ أتاه من ورائه فقال: ما الدِّين؟ فالتفَتَ إليه وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما تفقه الدِّين؟! هو أن لا تغضب)(٩٥)، أي لغير الله تعالى.
ـ (ألا أُنبِّئُكم بخيارِكم؟! أحاسنُكم أخلاقاً، الموطَّؤونَ أكنافاً، الذين يَألفون ويُؤلَفون)(٩٦).
ومَن أَولى بهذه الأخلاق من أهل البيت، ومنهم الإمام الحسن عليه وعليهم السلام، وقد تحلّى بحسن الخُلق في أعلى منازله وأسماها وأزكاها، فكان من الله ورسوله، إذ قال جدّه صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثٌ مَن لم تكن فيه فليس منّي ولا مِن الله عزّ وجلّ.. حِلمٌ يَردُّ به جهلَ الجاهل، وحُسنُ خُلقٍ يعيش به في الناس، وورعٌ يحجزه عن معاصي الله)(٩٧).
ـ (ألا أُخبركم بأشبهِكم بي؟.. أحسنُـكم خُلُقاً، وألينُـكم كنَفاً، وأبرُّكم بقرابته، وأشدُّكم حبّاً لإخوانه في دِينه، وأصبرُكم على الحقّ، وأكظمُكم للغيظ، وأحسنكم عفواً، وأشدُّكم مِن نفسه إنصافاً في الرضى والغضب)(٩٨).
وتلك تجسّدت في مواقف الإمام الحسن عليه السلام، كما تجسّدت كلمات أبيه أمير المؤمنين عليه السلام فيها من حِكمه ومواعظه، وقد قال:
ـ (إنّ مِن مكارم الأخلاق: أن تَصِل مَن قطَعَك، وتُعطِـيَ مَن حَرَمَك، وتَعفُوَ عمَّن ظَلمَك)(٩٩).
ـ (وجدتُ الحِلمَ والاحتمال، أنصرَ لي مِن شُجعان الرجال)(١٠٠).
الصلح المشروط
في تعريف الإمام وبيان فضله وصفاته.. قال الإمام الرضا عليه السلام:
(الإمامُ .. الأنيسُ الرفيق، والوالدُ الشفيق، والأخُ الشقيق، والأُمُّ البَرّةُ بالوَلدِ الصغير، ومَفْزَعُ العباد في الداهية النَّآد. الإمامُ أمينُ اللهِ في خَلقِه، وحُجّتُه على عبادِه، وخليفتُه في بلادِه، والدّاعي إلى الله، والذّابُّ عن حُرَم الله. الإمام ... نظامُ الدِّين، وعِزُّ المسلمين، وغَيظُ المنافقين، وبَوارُ الكافرين..)(١٠١).
وهذا يستلزم الأُمّةَ أن تُطيعه وتُؤازره وتُسلِّم له، فتَجني ثمارَ ذلك أماناً وعزّةً وكرامةً ومَنَعة، كما تكسب بذلك مرضاة الله تعالى وسعادتها الأُخرويّة. لكنّ الأُمّة إذا تنكّبت طريق الله الذي رُسِم لها مؤدّياً إلى خيرها، فإنّها تَجِدُ الإمامَ رحيماً بها أيضاً، يريد الحفاظَ عليها وحقنَ دمائها وإبعادها عن الفتن وعن مزيدِ الولوج في المهالك!
وقد تحمّل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا أهل بيته الأكارم عليهم الصلاة والسلام، أذىً كثيراً من أعدائهم ومحاربيهم، ومن أصحابهم وأقوامهم كذلك، فحين صالحَ رسولُ الله قريشاً في الحُديبيّة بأمرٍ إلهيّ ولحكمةٍ ربّانيّة، ولمصالحَ مُنتظَرةٍ يعلمها اللهُ ورسوله ويجهلها الناس ويعترض عليها غير المؤمنين.. كانت له صلى الله عليه وآله وسلم شروطه الُمحْكَمة التي تضمن عزّة الإسلام وعُلوَّه، وعزّةَ المسلمين وأمانهم، فقَبلت قريشُ بذلك، فلمّا أجابهم رسول الله إلى الصلح أنكر عليه عامّة أصحابه، وأشدُّ ما كان إنكاراً عُمَر(١٠٢)، فقال: يا رسول الله، ألَسْنا على الحقّ وعدوُّنا على الباطل؟ فقال: (نعم)، قال ـ معترضاً متظاهراً أنّه على دين الله أغْيرُ من رسول الله! ـ: فنُعطي الدنيّةَ في دِيننا؟! فأجابه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله قد وَعَدني، ولن يُخْلِفَني). قال (فلان): لو أنّ معي أربعين رجلاً لخالفتُه!(١٠٣)
ويوم استجاب أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام إلى إصرار جيشه على الصلح مع معاوية في صِفِّين، وإصرارهم على تعيين أبي موسى الأشعريّ حَكَماً يمثّلهم في حواره مع الماكر عَمْرو بن العاص، عادوا عليه: مرّةً بـ (لا حُكْمَ إلّا لله) كلمةِ حقٍّ يُراد بها باطل! ومرّةً: لِمَ صالحتَ أعداء الله؟! فتمرّدوا عليه وانشقّوا خارجين، ثمّ لم يكتفوا بعصيانهم إمامَهم حتّى حاربوه خوارجَ مارقين! فكان ابتلاؤه عليه السلام بهم بعد القاسطين والناكثين!(١٠٤)
وكذلك ابتُلي الإمام الحسن عليه السلام بجملة أصحابه، وكانوا طلبوا البُقيا والصلح، مُدّعينَ أنّ الحروب أفنَتِ العرب، ولم يعترفوا أنّ المنافقين والجاهليّين جادّون في إفناء الإسلام وإذلال المسلمين. وتحمّل عليه السلام تلك المحن الشديدة، وأصبح لابدّ للأُمّة من صلح، ولكنّه سلام الله عليه لا يرتضـي صُلحاً بلا شروطٍ يُثبّتها، يُعلن فيها حُكمَ الدين، ويأخذ الضمانات على أمان المسلمين، ويُلزم أعداء الحقّ والإنسانيّة العهودَ عليهم والمواثيق حتّى يُعرّفهم للأُمّة التي تجهلهم أو تتجاهلهم أو تُحسن الظنَّ بهم أو تتملق لهم!
فكانت الشروط.. نستعرض أخبارها عن مجموعةٍ من المصادر التاريخيّة:
١. روى ابن سعد عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا حُرَيز بن عثمان قال: حدّثنا عبد الرحمان بن أبي عوف الجرشيّ قال: لمّا بايع الحسنُ بن عليّ (يقصد صالَحَ) معاويةَ قال له (أي لمعاوية) عَمرُو ابن العاص وأبو الأعور السَّلَميّ عمرُو بن سفيان: لو أمرتَ الحسنَ فَصَعِد المنبرَ فتكلم عَيِيَ عن المنطق، فيزهد فيه الناس! فقال معاوية: لا تفعلوا ... فصَعِد الحسنُ المنبر، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه ثمّ قال:
(أيُّها الناس، إنّ اللهَ هَداكُم بأوّلِنا، وحقن دماءَكم بآخِرِنا، وإنّي قد أخذتُ لكم على معاويةَ أن يَعدِلَ فيكم، وأن يُوفِّرَ عليكم غنائمَكم، وأن يُقسِّم فيكم فَيئَكُم).
ثمّ أقبل على معاوية فقال: (كذاك؟!)، قال معاوية (ذليلاً): نعم. ثمّ هبط عليه السلام من المنبر وهو يقول ـ ويُشير بإصبعه إلى معاوية ـ: (وإنْ أَدري لَعَلَّهُ فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حِين). فاشتّد ذلك على معاوية!!..(١٠٥).
٢. كتب الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ ـ بعد ذكر سندٍ طويل ـ: عن الزُّهريّ: فكاتبَ الحسنُ ـ لمّا طُعِن ـ معاويةَ، وأرسل (أي الحسن عليه السلام) يشـرط شرطه ... فوقعت صحيفة الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاويةُ إلى الحسن بصحيفةٍ بيضاءَ مختومٍ على أسفلها، وكتب إليه أنِ اشترِطْ في هذه ما شئت، فما اشترطتَ فهو لك. فلمّا أتت (الصحيفةُ) حَسَناً جعل يشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، وأمسك معاويةُ صحيفةَ حسنٍ التي كتب إليه يسأله ما فيها.
فلمّا التَقَيا وبايعه الحسن، سأل حسنٌ معاويةَ أن يُعطيَه الشـروط التي اشترط في السجلّ الذي ختم معاويةُ على أسفله، فأبى معاويةُ أن يُعطيَه ذلك، وقال: لك ما كنتَ كتبتَ إليّ تسألني أن أُعطيَك، فإنّي قد أعطيتُكَها حين جاءني. فقال له الحسن: (وأنا قدِ اشترطتُ عليك حين جاءني سجلُّك، وأعطيتَني العهدَ على الوفاء بما فيه).
فاختلفا في ذلك، ولم ينفّذ معاويةُ للحسن من الشرط شيئاً!(١٠٦)
٣. كتب ابن حجر الهيتميّ المكّيّ الشافعيّ: لمّا صالحَ الحسنُ معاوية كتَبَ الصلح، وصورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
(هذا ما صالحَ عليه الحسنُ بن عليٍّ معاويةَ بنَ أبي سفيان: صالَحَه على أن يُسلِّم إليه ولاية المسلمين، على: أن يعمل فيهم بكتاب الله، وسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرةِ الخلفاء الراشدين (ويقصد أئمّة الحق من أهل بيت النبوّة والرسالة فَهُم الراشدون وحَسْب). وليس لمعاويةَ أن يَعهدَ إلى أحدٍ مِن بعده عهداً، بل يكون الأمر مِن بعده ... (عبارة مُزوَّرة). وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم. وعلى أنّ أصحابَ عليٍّ وشيعتَه آمنونَ على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، حيث كانوا. وعلى معاوية بذلك عهدُ الله وميثاقه. وأن لا يبتغيَ للحسن بن عليٍّ ولا لأخيه الحسين، ولا لأحدٍ من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غائلةً، سرّاً ولا جهراً، ولا يُخيفَ أحداً منهم في أُفُقٍ من الآفاق.
شَهِد عليه فلانُ بن فلان، وفلان بن فلان، وكفى با لله شهيداً)(١٠٧).
في الوقت الذي كان صلحُ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أمراً من أمور الإمامة، وشأناً شرعيّاً من شؤون الإسلام، وموقفاً عقائديّاً وسياسيّاً لإنهاء أزمة المجتمع المسلم الذي كان يعاني من التناقضات والانهيارات الروحيّة والنفسيّة المحيّرة.. في الوقت ذاته كان ذلك الصلح موقفاً أخلاقيّاً، حيث أحال الإمام الحسن الحُكم ـ وليس الخلافة ولا الإمامةَ أبداً ـ إلى معاوية وفقَ شروط عديدة، والتزاماتٍ شديدة، ليحقنَ بذلك دماء المسلمين من أن تُهدَر بلا عوائد نافعةٍ لهم وللإسلام، وليحافظ على نواميسهم وأرواحهم وأموالهم، وليترك الفرصة لهم لاختيار حاكمهم، ويتعرّفوا بأنفسهم على مصالحهم وما ينفعهم ويضـرّهم في حياتهم هذه وآخرتهم.
وهذه كلّها مواقفُ أخلاقيّةٌ واضحة، تَنمّ ـ فضلاً عن الحكمة والرزانة ـ عن الإنسانيّة العليا، والرفق والرحمة بالأُمّة التي تحيّرت، أو حيّرت نفسها بنفسها حينما لم تَختَر مَن اختاره الله تعالى ورسوله لهم أولياءَ صالحين مصلحين، مهتدين هادين.
٤. كتب الشيخ المفيد: .. اِزدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم وفساد نيّات المُحكِّمة فيه بما أظهروه له من السبّ والتكفير له واستحلال دمه ونهبِ أمواله، ولم يبقَ معه مَن تُؤمَن غوائله إلّا خاصّته من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعةٌ لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إليه معاويةُ في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكُتب أصحابه (أي بأصحاب الحسن الغَدَرة) الذين ضَمِنوا له (أي لمعاوية) فيها الفتكَ به (أي بالحسن عليه السلام) وتسليمَه إليه (أي إلى معاوية). فاشترط عليه السلام له على نفسه في إجابته إلى صُلحه شروطاً كثيرة، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالحُ شاملة، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعَلِم باحتياله بذلك واغتياله، غيرَ أنّه لم يَجِدْ بُدّاً مِن إجابته إلى ما التمَسَ مِن ترك الحرب وإنفاذ الهدنة، لِما كان عليه أصحابُه ممّا وصَفْناه مِن ضَعفِ البصائر في حقّه، والفسادِ عليه والخُلفِ منهم له، وما انطوى عليه كثيرٌ منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خُذلان ابن عمّه له ومصيرِه إلى عدوِّه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة، وزهدهم في الآجِلة!
فتوثّق عليه السلام لنفسه (أي أخذ المواثيق) من معاوية بتوكيد الحُجّة عليه والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافّة المسلمين، واشترط عليه: تركَ سبِّ أمير المؤمنين عليه السلام، والعدولَ عن القنوت عليه في الصلاة (باللعن!!)، وأن يؤمن شيعتهَ رضي الله عنهم، ولا يتعرّضَ لأحدٍ منهم بسوء، ويُوصِلَ إلى كلِّ ذي حقٍّ منهم حقَّه.
فأجابه معاويةُ إلى ذلك كلِّه، وعاهَدَه عليه وحلف له بالوفاء به، فلمّا استتمّتِ الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنُّخَيلة، وكان ذلك يومَ الجمعة، فصلّى بالناس ضُحى النهار، فخطبهم وقال في خطبته: إنّي ـ واللهِ ـ ما قاتَلتُكم لِتُصلُّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجُّوا ولا لتُزكُّوا، وإنّكم لَتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتُكم لِأتأمَّرَ عليكم، وقد أعطاني اللهُ ذلك وأنتم كارهون! ألا وإنّي كنتُ مَنَّيتُ الحسنَ أشياء، وأعطيتُه أشياء، وجميعها تحت قدمَيَّ لا أفي بشـيءٍ منها!
ثمّ سار حتّى دخل الكوفة فأقام بها أيّاماً، فلمّا استتمّت البيعةُ له من أهلها صَعِد المنبر فخطب الناس، وذكر أميرَ المؤمنين عليه السلام ونال منه ونال من الحسن عليهما السلام ما نال!!..(١٠٨).
وبذلك فضح الإمامُ الحسن المجتبى عليه السلام ذلك المنافقَ الغدّار المكّار، وجعله يُصرِّح بما في بواطنه من خبثٍ وكيدٍ وحبٍّ للرئاسة وللتسلّط على رقاب الناس بدعوى عقيدةٍ جبريّة أنّ الله تعالى أعطاه ذلك، أي اختار له الُملك عن رضىً منه سبحانه ـ حاشاه تبارك وتعالى ـ! وبذلك أيضاً أثبت الإمام الحسن الزكيّ سلام الله عليه للناس أنّهم كانوا خاطئين حينما لم يُجاروه ولم يُطيعوه، وحينما وَثِقوا بمعاوية وصدّقوا باحتياله ومكره وادّعاءاته ومكائده، فخسـروا دنياهم إذ عاشوا أذلّاءَ تحت حكم معاوية وسلطتِه، وخسروا آخرتهم إذ تركوا إمامهم وتنكّبوا عن طاعتِه!
استدراك
ومع ذلك كلِّه كانت الرحمة الحسنيّة مُسعِفةً لأحوال الأُمّة المتردّية، وساترةً على عيوبها وذنوبها، وحافظةً لأرواحها، وحاقنةً لدمائها، وكاشفةً لها الحقائق التي أصبحت دروساً خالدةً في التاريخ.. منها:
* أنّ الإمام الحسن عليه السلام هو أشجعُ من أن يتراجع، وأعزُّ من أن يصالح معاوية، ولكنّ الناس خذلوه وأسلموه.. وإلّا هاك بعضَ مواقفه:
* قال ابن سعد كاتب الواقديّ: أخبرَنا عليّ بن محمّد، عن حمّاد ابن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة: أنّ أبا بكر خطب يوماً فجاء الحسن (على صغر سنّه) فَصَعِد إليه المنبر وقال له: (اِنزِلْ عن منبرِ أبي!)، فقال عليّ: (إنّ هذا لَشـيءٌ عن غيرِ مَلَأٍ منّا) (ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب: الطبقات الكبرى: ٦٨ / ح ١٠٨).
ـ ورواه البلاذريّ في (أنساب الأشراف ٣: ٢٦ / الرقم ٤١) ولكن عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال لأبي بكرٍ ذلك.
ـ وابنُ أبي الحديد المعتزليّ في (شرح نهج البلاغة ٦: ٤٢) قال: أخبرنا أبو زيد عمر بن شَبّة عن رجاله، عن الشعبيّ قال: قام الحسن بن عليٍّ إلى أبي بكرٍ وهو يخطب على المنبر فقال له: (اِنزِلْ عن منبرِ أبي)، فقال له أبو بكر: صدقت، واللهِ إنّه لَمِنبرُ أبيك لا منبرُ أبي!.. .
ـ كذلك رواه: السيوطيّ الشافعيّ في (تاريخ الخلفاء: ٨٠) عن أبي نُعيم وغيره، وابن حجر الهيتميّ الشافعيّ في (الصواعق المحرقة: ١٧٥) عن الدار قطنيّ، وابن شهرآشوب في (مناقب آل أبي طالب ٤: ٤٠) عن فضائل السمعانيّ وأبي السعادات و(تاريخ بغداد)، وابن الصبّان في (إسعاف الراغبين ـ بهامش: نور الأبصار: ١٢٣)، والخوارزميّ الحنفيّ في (مقتل الحسين عليه السلام ١: ٩٣)، والقندوزيّ الحنفيّ في (ينابيع المودّة: ٣٠٦ ـ الطبعة القديمة، وج ٢: ٤٦٥ / ح ٣٠٠ ـ الباب التاسع والخمسون، طبعة دار الأسوة) ـ عن الدار قطنيّ، وفيه: (اِنزِلْ عن مجلس أبي). كذلك رواه: محبّ الدين الطبريّ الشافعيّ في (الرياض النَّضِرة ١: ١٣٩)، والمتّقي الهنديّ في (كنز العمّال ٣: ١٣٢).. وغيرهم.
* وروى ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب (السقيفة وفدك) عن عبد الرزّاق عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: لـمّا أُخرِج أبو ذرّ إلى الربذة، أمر عثمانُ فنُوديَ في الناس ألّا يُكلِّمَ أحدٌ أبا ذرٍّ ولا يُشيّعَه، وأمرَ مروانَ بن الحكم أن يَخرجَ به، فخرج به وتَحاماه الناس إلّا عليَّ بنَ أبي طالبٍ عليه السلام وعقيلاً أخاه، والحسنَ والحسين عليهما السلام، وعمّاراً، فإنّهم خرجوا معه يُشيّعونه.
فجعل الحسن عليه السلام يكلّم أبا ذرّ، فقال له مروان: إيهاً حسن، ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين (يقصد عثمان) قد نهى عن كلام هذا الرجل، فإن كنتَ لا تعلم فاعلم ذلك. فحَمل عليٌّ عليه السلام على مروان، فضرب بالسوط بين أُذُنَي راحلته وقال له: (تَنَحَّ لَحاك اللهُ إلى النار!). فرجع مروانُ مغضَباً إلى عثمانَ فأخبره الخبر، فتلظّى على عليٍّ عليه السلام.
ووقف أبو ذرّ، فودّعه القوم ومعه ذكوانُ مولى أُمّ هاني بنت أبي طالب، قال ذكوان: فحَفِظتُ كلام القوم. وكان حافظاً ... (ثمّ ذكر مقالة أمير المؤمنين عليه السلام وغيرها، حتّى قال:) ثمّ تكلّم الحسن فقال (لأبي ذرّ رضوان الله عليه): (يا عَمّاه، لولا أنّه لا ينبغي للمودِّع أن يسكت، وللمشيِّع أن ينصـرف، لَقَصُر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القومُ إليك ما ترمي، فَضَع عنك الدنيا بتذكُّر فراغها، وشدّةَ ما اشتدّ منها برجاءِ ما بعدها، واصبرْ حتّى تَلقى نبيَّك صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنك راضٍ) (شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٢ ـ ٢٥٣).
ـ وأشار إلى هذا الخبر: اليعقوبيُّ في (تاريخه ٢: ١٧٢)، وذكره الفيض الكاشانيّ في (الوافي ٣: ١٠٧)، والكلينيّ في (الكافي ٨: ٢٠٧ / ح ٢٥١) وفيه: (يا عَمّاه، إنّ القوم قد أتَوا إليك ما قد تَرى، وإنّ الله عزّ وجلّ بالمنظر الأعلى(١٠٩)، فَدَعْ عنك ذِكْرَ الدنيا بذِكْرِ فراقها، وشدّةَ ما يَرِد عليك لرخاء ما بعدَها، واصبرْ حتّى تلقى نبيَّك صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنك راضٍ إن شاء الله). ونقله المجلسـيّ في (بحار الأنوار ٢٢: ٤١٢ ـ عن: شرح النهج، وص ٤٣٦ ـ عن: الكافي).
وذلك موقفٌ شجاعٌ قبالَ السلطة الظالمة، وموقف طيّب فيه رحمةٌ ومواساةٌ وتعاطفٌ مع صحابيٍّ مخلصٍ جليلٍ مظلوم أُريد له أن يُبعَد لأنّه عارَضَ الفساد والخيانة والظلم، واستنكر الانحرافَ على أهله! ولأنّه نادى بالإمامة التي عيّنها الله تعالى وبلّغ بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنّه رأى أنّ أهل بيت النبوّة أَولى بالخلافة من غيرهم، ولأنّه كان يروي فضائل أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين، ويذكر ما سيظهر من انقلاب العوالم بعد قتل الحسين عليه السلام وشهادته!(١١٠)
* وأين الباحثون عن مشاركة الإمام الحسن مع أخيه الإمام الحسين أباهما أمير المؤمنين صلوات الله عليهم في جميع الحروب الظالمة التي شُنّت عليهم، وقبل ذلك في غزوة طبرستان وفتح إفريقية وغيرهما ـ كما يروي بعض المؤرّخين ـ(١١١).
* هذا.. وإنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ما صالحَ إلّا تطبيقاً لحُكمِ الله الحكيم الرحيم، فحَقَن الدماء، وحَفِظ الأعراض والأموال والكرامات، وأراد عليه السلام أن يَمنعَ سبَّ وليّ الله عليٍّ أمير المؤمنين ولَعْنَه عن منابر النفاق وأفواه الفاسقين ينعقون بهما ليلاً ونهاراً في صلوات الجمعات وفي قنوتات معاوية الذي لم يَحفَظْ حرمةً للإسلام ولا لرسول الإسلام ولا حرمةً لصحابيٍّ من صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أقل الفروض. كذلك أراد الحسن الزكيّ سلام الله عليه أن يستتبّ الأمان بين أهل بيته وبني هاشم وأصحابه وشيعته، وجميع المؤمنين الذين أرعبتهم سلطة بني أُميّة وضيّقت على أرزاقهم وهدّدت كرامتهم وحرّيّتهم.
وكانت شروط الإمام الحسن ـ إلى ذلك، فضلاً عن كونها شرعيّة ـ شروطاً إنسانيّةً وأخلاقيّة، فيها الرحمة والرأفة والإخاء والعطف على المستضعفين والمظلومين والخائفين.
ولَمّا أراد الإمام الحسن المجتبى صلوات ربّنا عليه لهذه الأُمّة خيرَها وصلاحها وكرامتها وعزّتها فأبت واختارت الصلح، جاراها وطلب لها الأمان والسلامة والراحة، فلمّا شكّكت واعترضت وتحيّرت نبّهها وأنبأها، وتركها ترى ما سيجري عليها، حيث استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فذاقت وَبال أمرِها، وعاشت الذُّلَّ والمسكنة والضّعة والانكسار.
* فحين قُتل الإمام الحسن عليه السلام بكى الناس وتأسّفوا، وأحسُّوا بالخذلان والخسران معاً، وقد نادى أبو هريرة بأعلى صوته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيُّها الناس! مات اليومَ حِبُّ رسول الله.. فابكُوا!(١١٢)
* وقد قيل لأبي إسحاق السُّبَيعيّ: متى ذلّ الناس؟ فقال: حينَ مات الحسن، وادُّعيَ زياد (أي أنّه ابن أبي سفيان أخو معاوية!)، وقُتل حُجْر بن عَدِيّ!(١١٣)
* وسبقه ابن عبّاس يوم قال: أوّلُ ذُلٍّ دخل على العرب موتُ الحسن(١١٤).
أجَل.. حيث طغى معاوية بظلمه وإفساده وإذلاله، وحين خَسـِر الناس تلك الرحمة الحسنيّة التي كانت على قلوبهم سكينةً وأمناً وبركة.
ورحَمات أخرىٰ
تواصلت منه سلام الله عليه إلى آخر عمره الشريف المبارك، وما بعدَ عمره الذي ختمه بالشهادة مظلوماً:
* فقد كتب الحاكم النَّيسابوريّ الشافعيّ (ت ٤٠٥ هـ) راوياً بسنده عن أمّ بكر بنت المُسوَّر أنّها قالت: كان الحسن بن عليٍّ سُمّ مِراراً، كلّ ذلك يفلت، حتّى كانت المَرّةُ الأخيرة التي مات فيها، فإنّه كان يَختلِف كَبِدَه، فلمّا مات أقام نساء بَني هاشمَ النَّوحَ عليه شَهراً(١١٥).
ـ وروى بسنده عن قَتادةَ بن دِعامةَ السدوسيّ أنّه قال: سَمَّت ابنةُ الأشعث ابن قيسٍ الحسنَ بنَ عليٍّ وكانت تحته (أي امرأته)، ورُشِيَت على ذلك مالاً(١١٦).
* وكتب ابن حجر المكّيّ الشافعيّ: وكان سبب موته أنّ زوجته جعدةَ بنت الأشعث بن قيس الكِنديّ دَسّ إليها يزيدُ أن تَسمَّه ويتزوّجَها، وبذل لها مئةَ ألف درهم، ففعَلَت! فمَرِض أربعين يوماً، فلمّا مات بعثت إلى يزيد تسأله الوفاءَ بما وعَدَها، فقال لها: إنّا لم نَرْضَكِ للحسن، فنرضاكِ لأنفسِنا؟!(١١٧)
* وأورد الشيخ سليمان القُندوزيّ الحنفيّ تعليقة ابن حجر على الخبر الذي نقله عنه، قائلاً: وبموته مسموماً شهيداً جَزَم غيرُ واحدٍ من المتقدّمين، كـ: قَتادة، وأبي بكر بن حفص، والمتأخرين كـ: زَين العراقيّ في مقدّمة (شرح التقريب)(١١٨).
ومع أنّ الحسن المجتبى عليه السلام سُقيَ السُّمَّ على يد امرأته جعدة، وهي في بيته وعَلِم بذلك كلّه، إلّا أنّه لم يُخبِرْ بما صنعت به، بل لم يُفصح عنها لِـمَن سأله عمّن سمّه وقد رأوه يقذف كَبِدَه الطاهر قِطَعاً قِطعاً في الطست.. هذا ما صرّح به كلُّ مَن أرّخ شهادته:
* فبسندٍ طويل ينتهي إلى قَتادة، روى ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ عنه قال: قال الحسن للحسين: (إنّي قد سُقِيتُ السمَّ غيرَ مرّة، وإنّي لم أُسْقَ مِثلَ هذه، إنّي لَأضَعُ كبدي!)، قال: فقال الحسين له: (مَن فَعَل ذلك بك؟)، قال: (لِمَ؟ لتقتله؟ ما كنتُ لِأُخبِرَك)(١١٩).
ـ وفي روايةٍ أخرى أوردها عن عبد الله بن حسن، أنّ الإمام الحسن عليه السلام قال لأخيه: (يا أخي، إنّما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دَعْه حتّى ألتقيَ أنا وهو عند الله)، فأبى أن يُسمّيَه(١٢٠).
* وفي خبر الجوينيّ الشافعيّ هكذا: قال بعضهم: دخلتُ عليه لمّا سُقيَ السُّمَّ وهو يجود بنفسه، والحسينُ رضي الله عنهما عند رأسه، فقال: (يا أخي مَن تَتّهِم؟)، قال الحسن: (لِمَ؟ لتقتلَه؟)، قال: (نعم)، قال: (إن يكنِ الذي أظنّ، فاللهُ أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً. وإن لا يكن، فما أُحبّ أن يُقتَلَ فِيَّ بريء)، ثمّ قضى رضوان الله عليه(١٢١).
* بينما كتب بعده ابن حجر أنّ الحسين عليه السلام جَهِد به أن يُخبرَه بمَن سقاه السمّ، فلم يُخبره الحسن عليه السلام، وقال: (الله أشدّ نقمةً إن كان الذي أظنّ، وإلّا فلا يُقتَل بي ـ واللهِ ـ بريء).
ـ قال: وفي رواية أنّه قال له: (يا أخي قد حضرت وفاتي، ودنا فراقي لك، وإنّي لاحقٌ بربّي، وأجِدُ كَبِدي تقطّع، وإنّي لَعارفٌ مِن أين دُهِيت، فأنا أخاصمه إلى الله تعالى، فبحقّي لا تكلّمتَ في ذلك بشيء)(١٢٢).
ـ قال: وفي روايةٍ أخرى أنّه عليه السلام قال: (لقد سُقيتُ السمَّ مراراً ما سُقيتُه مِثلَ هذه المرّة، ولقد لَفَظتُ طائفةً مِن كَبِدي فرأيتَني أُقلّبُها بعُود)، فقال له الحسين عليه السلام: (أَيْ أخي، مَن سقاك؟)، قال: (وما تُريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟! لَئن كان الذي أظنُّ فاللهُ أشدُّ نقمة، وإن كان غيرَه فلا يُقتل بي بريء)(١٢٣).
* وفي رواية الشبلنجيّ الشافعيّ هكذا: عن عمرو بن إسحاق قال: دخلتُ عليه من الغد فوجدتُ أخاه الحسينَ رضي الله تعالى عنه عند رأسه فقال له: (مَن تَتَّهِم يا أخي؟)، قال: (لِمَ لأن تقتله؟! إن يكنِ الذي أظنُّه فاللهُ أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً، وإن لم يكن هوَ فما أُحبّ أن يُقتلَ بي بريء)(١٢٤).
* ولعلّ رواية الشيخ المفيد أدقّ وأكمل.. وهي عن عبد الله بن إبراهيم، عن زياد المخارقيّ قال: لـمّا حضَـرَت الحسنَ الوفاةُ استدعى الحسينَ عليهما السلام وقال: (يا أخي إنّي مفارقُك ولاحقٌ بربّي، وقد سُقيتُ السمَّ ورَميتُ بكَبِدي في الطشت، وإنّي العارف بمَن سقاني السمَّ ومِن أين دُهِيت، وأنا أُخاصمه إلى الله عزّ وجلّ، فبحقّي عليك إن تكلّمتَ في ذلك بشـيء، وانتظرْ ما يُحدِث اللهُ عزّ وجلّ فِيّ..)(١٢٥).
هكذا شَمِلت رحمةُ الحسن الزكيّ المجتبى أعداءَه وخصومه، بل وقتَلَتَه والغدرةَ به! فما أَحبّ لهم أن يتورّطوا في دمه، فلمّا أقدموا على هذه الجريمة العظمى ما أَحبّ أن تحدث فتنة يذهب فيها أبرياء، وتُسفَك فيها دماء! وكان حقّاً ما كتبه الشيخ محمّد رضا المصريّ حين قال: كان الحسن حليماً.. ذا سَكينةٍ ووَقارٍ وحشمة.. وكان مَيّالاً للسِّلم، يكره الفتنَ وإراقةَ الدماء(١٢٦).
وأدلّة ذلك ـ أيّها الإخوة الأحبّة ـ كثيرة وواضحة، فهذه وصيّته عليه السلام شاهدةٌ رواها ابن عبّاس قائلاً:
دخل الحسين بن عليٍّ على أخيه الحسن بن عليٍّ في مرضه الذي تُوفّيَ فيه، فقال له: (كيف تَجِدك يا أخي؟)، قال: (أجِدُني في أوّلِ يومٍ من أيّام الآخرة، وآخِرِ يومٍ من أيّام الدنيا. وٱعلمْ أنّي لا أسبق أجَلي، وأنّي واردٌ على أبي وجَدّي عليهما السلام على كُرهٍ منّي لفراقِك وفراقِ إخوتك وفراق الأحبّة، وأستغفر اللهَ مِن مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبّةٍ منّي للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ عليه السلام وأُمّي فاطمة، وحمزةَ وجعفر عليهم السلام. وفي الله عزّ وجلّ خَلَفٌ مِن كلِّ هالك، وعزاءٌ من كلّ مصيبة، ودَرْكٌ مِن كلّ ما فات.
رأيتَ يا أخي كَبِدي آنفاً في الطشت، ولقد عَرَفتُ مَن دهاني ومِن أين أُتيت، فما أنت صانعٌ به يا أخي؟)، فقال الحسين: (أقتلُه والله!)، قال: (فَوَاللهِ لا أُخبِرك به أبداً حتّى تلقى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنِ ٱكتُبْ يا أخي:
هذا ما أوصى به الحسنُ بنُ عليّ إلى أخيه الحسينِ بنِ عليّ، أوصى أنّه: يَشهَد أن لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأنّه يَعبُده حقَّ عبادته، لا شريكَ له في المُلك، ولا وليَّ له من الذُّلّ، وأنّه خَلَق كلَّ شيءٍ فَقَدَّره تقديراً، وأنّه أَولى مَن عُبِد، وأحقُّ مَن حُمِد، مَن أطاعه رَشِد، ومَن عصاه غوى، ومَن تاب إليه ٱهتدى.
وإنّي أُوصيكَ ـ يا حسينُ ـ بِمَن خلّفتُ مِن أهلي ووُلدي وأهلِ بيتك، أن تَصفحَ عن مُسيئهم، وتَقبلَ مِن محسنهم، وتكونَ لهم خَلَفاً ووالداً، وأن تَدفُنَني مع جَدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّي أحقُّ به وببيته مِمّن أُدخِل بيتَه بغير إذنه، ولا كتابٍ جاءهم من بعده، قال الله تعالى فيما أنزله على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيوتَ النبيِّ إلّا أن يُؤذَنَ لَكُم)(١٢٧)، فَوَاللهِ ما أُذِنَ لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءَهمُ الإذنُ في ذلك مِن بعد وفاته..
فإن أبَت عليك الأُمراء! فأُنشِدك بالقرابة التي قرّب الله عزّ وجلّ منك، والرَّحِمِ الماسّةِ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن لا تُهرِيقَ فيَّ مِحْجَمةً مِن دمٍ حتّى نلقى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فنختَصِمَ إليه ونُخبِرَه بما كان من الناس إلينا بعدَه!).
ثمّ قُبض عليه السلام..(١٢٨).
أجَل.. فكان من الإمام الحسن عليه السلام برحمته وشجاعته معاً: أن بيّن حقائقَ كثيرة، ومَنَع فتناً كبيرة، ونبّه إلى أمورٍ مهمّةٍ خطيرة.. فجرت الوقائع كاشفةً بعد شهادته عليه السلام عن الأوجه الجاهليّة التي لا يُظَنّ أنّها آمنت ولا أسلمت، إنّما انهارت يوماً ما فاستسلمت، وقد خاطبها الله تعالى ناهياً رادعاً لها بقوله عزّ مِن قائل: (قالتِ الأعرابُ آمَنّا قُل لَّمْ تُؤمِنُوا ولكنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَـمّا يَدخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُم..)(١٢٩).
* نعود إلى وصايا أخرى من وصايا الإمام المجتبى عليه السلام، ينقلها الشيخ المفيد بروايته عن زياد المخارقيّ (أو المحاربيّ)، أنّه عليه السلام قال لأخيه الحسين عليه السلام:
(فإذا قَضيتُ فَغمِّضْني، وغَسِّلْني وكفِّنّي، واحمِلْني على سريري الى قبر جَدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِأُجَدِّدَ به عهداً، ثمّ رُدَّني إلى قبر جَدّتي فاطمةَ بنتِ أسدٍ رضيَ الله عنها فادْفُنّي هناك. وستعلمُ ـ يا ٱبنَ أُمِّ ـ أنّ القوم يَظُنّون أنّكم تريدون دفني عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجلبون في ذلك ويمنعونكم منه، وباللهِ أُقسمُ عليك أن لا تُهرِقَ في أمري مِحْجَمةَ دم)(١٣٠).
ثمّ وصّى عليه السلام إليه (أي إلى الحسين عليه السلام) بأهله ووُلده وتَرِكاته، وما كان وصّى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه، وأهّله بمقامه، ودلّ شيعته على استخلافه، ونَصَبَه لهم عَلَماً مِن بعده. فلمّا مضى لسبيله غَسّله الحسين عليه السلام وكفّنه، وحمله على سريره، ولم يَشُكَّ مروانُ ومَن معه مِن بَني أُميّة أنّهم سيَدفُنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجمّعوا له ولَبِسُوا السلاح، فلمّا توجّه به الحسينُ عليه السلام إلى قبر جدّه رسول الله لِيُجدِّد به عهداً، أقبلوا إليه في جمعهم، ولَحِقتهم عائشة على بَغلٍ وهي تقول: ما لي ولكم؟! تُريدون أن تُدخِلوا بيتي مَن لا أُحبّ؟! وجعل مروانُ يقول: يا رُبَّ هيجا هيَ خيرٌ مِن دَعَه! أيُدفَن عثمان في أقصى المدينة، ويُدفَن الحسن مع النبيّ؟! لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.
وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبين بني أُميّة، فبادر ابن عبّاس إلى مروان فقال له: اِرجِعْ يا مروانُ مِن حيث جئت، فإنّا ما نريد دفنَ صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكنّا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته، ثمّ نَردّه إلى جَدّته فاطمةَ فندفنه عندها بوصيّته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لَعَلِمتَ أنّك أقصرُ باعاً مِن ردّنا عن ذلك، لكنّه كان أعلمَ بالله وبرسوله وبحُرمة قبره مِن أن يطرق عليه هدماً كما طرق ذلك غيرُه ودخل بيته بغير إذنه! ثمّ أقبل على عائشة فقال لها: واسَوْأَتاه! يوماً على بغل، ويوماً على جَمَل، تُريدين أن تُطفئي نورَ الله، وتقاتلي أولياءَ الله! اِرجعي، فقد كُفِيتِ الذي تخافين، وبَلَغتِ ما تُحبّين، واللهُ منتصرٌ لأهل هذا البيتِ ولو بعدَ حِين.
وقال الحسين عليه السلام: (واللهِ لولا عهدُ الحسن إليَّ بحقن الدماء، وأن لا أُهرِيقَ في أمره مِحجَمةَ دم، لَعَلِمتُم كيف تأخذ سيوفُ الله منكم مأخذَها! وقد نقضتُمُ العهدَ بينَنا وبينكم، وأبطلتُم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا).
ومَضَوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جَدّته فاطمة بنت أسد ابن هاشم بن عبد مَناف رضيَ الله عنها(١٣١).
* وقريباً منه ما رواه الشيخ الطوسيّ ولكن عن ابن عبّاس، ولعلّ في روايته شيئاً آخر، حيث قال في ضمن خبرٍ طويل:
ثمّ خرجنا بالحسن (أي بعد تغسيله وتحنيطه وتكفينه) حتّى صلَّينا عليه في المسجد (النبويّ)، وإنّ الحسين أمر أن يُفتح البيت، فحال دون ذلك مروانُ بن الحكم وآلُ أبي سفيان ومَن حضر هناك مِن وُلد عثمان بن عفّان، وقالوا: أيُدفَن عثمان.. بالبقيع بشـرِّ مكان، ويُدفَن الحسن مع رسول الله؟! واللهِ لا يكون ذلك أبداً حتّى تُكسَّر السيوفُ بيننا، وتَنقصِفَ الرماحُ ويَنفَدَ النَّبل! فقال الحسين عليه السلام: (أمَا واللهِ الذي حرّم مكّة، لَلحسنُ بنُ عليِّ ٱبنُ فاطمةَ أحقُّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وببيته مِمّن أُدخِل ببيته بغير إذنه! وهوَ ـ واللهِ ـ أحقُّ به من حَمّال الخطايا مُسَيِّرِ أبي ذرّ، الفاعلِ بعمّارٍ ما فَعَل، وبعبدِ الله (أي ابن مسعود) ما صنع، الحامي الحمى، الـمُؤْوي لطريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١٣٢)، لكنّكم صِرتُم بعدَه الأُمراء، وتابَعَكم على ذلك الأعداءُ وأبناء الأعداء!).
قال ابن عبّاس: فحَملْناه فأتينا به قبر أُمه عليها السلام فدفَنّاه إلى جنبها.. وكنتُ أوّلَ مَن انصرف، فسَمِعتُ اللَّغَط، وخِفتُ أن يُعجِّلَ الحسينُ بن عليٍّ على مَن قد أقبل، فرأيتُ شخصاً علمتُ الشرَّ فيه، فأقبلتُ مبادراً فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغلٍ مرحَّل، تَقْدمهم وتأمرُهم بالقتال! فلمّا رأتني قالت: إليَّ إليَّ يا ابنَ عبّاس! لَقدِ اجترأتُم علَيَّ في الدنيا تُؤذونَني مرّةً بعد أخرى، تُريدون أن تُدخِلوا بيتي مَن لا أهوى ولا أُحبّ؟!(١٣٣)
فقلت: واسَوأتاه! يومٌ على بغلٍ ويومٌ على جَمَل! تُريدين أن تُطفئي نورَ الله، وتقاتلي أولياءَ الله، وتَحُولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يُدفَنَ معه؟! اِرجِعي فقد كفَى اللهُ عزّ وجلَّ المؤونة، ودُفن الحسن إلى جَنب أُمِّه، فَلَم يَزْدَد مِن الله إلّا قُرباً، وما ازددتُم ـ واللهِ ـ منه إلّا بُعْداً! يا سَوْأتاه! اِنصرفي فقد رأيتِ ما سَرَّكِ(١٣٤).
قال ابن عبّاس: فقطّبَت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: أوَ ما نَسِيتُمُ الجملَ يا ابنَ عبّاس؟! إنّكم لَذَوُو أحقاد! فقلت: أمَا واللهِ ما نَسِيَه أهلُ السماء، فكيف ينساه أهلُ الأرض؟! فانصرَفَت وهي تقول:

فألْقَت عَصاها فاستقرّتْ بِها النّوى * * * كما قَرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ(١٣٥)

ولم تُقبَر الفتنة إلّا بلُطفِ الحسن ورحمته، وتأكيداته في وصيّته، ودفعه لحقد العدوّ الحاسد وخباثته.. كذلك لم تُقبر إلّا بصبر الحسين ورزانته، وطاعته لله ولرسوله ولأخيه في وصيّته:
* روى الشيخ الطبرسيّ عن زياد المحاربيّ أنّه قال: لمّا توجّه الحسين عليه السلام بالحسن عليه السلام إلى قبر جَدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِيُجدِّدَ به عهداً، أقبلوا في جمعهم ولَحِقَتْهم عائشةُ على بَغْلٍ وهي تقول: نَحُّوا ٱبنَكم عن بيتي، فإنّه لا يُدفَن فيه ويُهتَك فيه حجابه!(١٣٦)
قال الطبرسيّ: وفي رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: فقال الحسين عليه السلام لها: (قديماً أنتِ هتكتِ حجابَ رسول الله وأدخَلْتِ بيته مَن أبغضَه، إنّ الله سائلُكِ عن ذلك! إنّ أخي أمَرَني أن أُقرِّبَه من رسول الله لِيُجدِّدَ به عهداً ...).. فقالت عائشة: نَحُّوا ٱبنَكم واذهبوا، فإنّكم قومٌ خَصِمُون!
فمضى الحسينُ بالحسن عليهما السلام إلى البقيع، ودفَنَه هناك(١٣٧).
* وفي خبر شهادة الإمام الحسن عليه السلام نقل ابن حجر وصيّة الحسن المجتبى لأخيه الحسين عليهما السلام أنّه قال له فيها: (فإذا أنا قضيتُ نَحْبي، فقَمِّصْني وغسِّلْني وكفِّنّي، واحملني على سريري إلى قبر جَدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُجدِّدْ به عهداً، ثمّ رُدَّني إلىٰ قبر جدّتي فاطمةَ بنتِ أسدٍ فادفُنّي هناك، وأُقسم عليك بالله أن لا تُريقَ في أمري مِـحجمةَ دم)(١٣٨).
أجَل؛ لأنّه صلوات الله عليه كان يكره الفتن، كما وصفه السفارينيّ الحنبليّ(١٣٩)، ومع ذلك لم تَسلَم جَنازتُه الجليلة من نبال الحقد وسهامه، فقد رُشِقت مِن قِبل بني أُميّة حتّى سُلّ منها سبعونَ نبلاً(١٤٠). وإلى ذلك أشارت الزيارة الشـريفة المخاطِبة لأهل البيت الشهداء المظلومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: (يا مَوالِيَّ، فَلَو عاينَكمُ المصطفى وسِهامُ الأُمّةِ مُغرَقةٌ في أكبادِكم، ورماحُهم مُشرَعةٌ في نحورِكم، وسيوفُها مُولَعةٌ في دمائِكم، يَشفي أبناءُ العواهر غليلَ الفِسقِ مِن وَرَعِكم، وغيظَ الكفر مِن إيمانِكم، وأنتُم بينَ صريعٍ في المحرابِ قد فَلَق السيفُ هامتَه(١٤١)، وشهيدٍ فوقَ الجَنازةِ قد شُكَّت أكفانُه السِّهام(١٤٢)، وقتيلٍ بالعراءِ قد رُفِع فوقَ القناةِ رأسُه(١٤٣)، ومُكَبَّلٍ في السجنِ قد رُضَّت بالحديدِ أعضاؤُه(١٤٤)، ومسمومٍ قد قُطِّعَت بِجُرَعِ السَّمِّ أمعاؤُه(١٤٥)..)(١٤٦).

مازالَ مُضطَهَداً يُقاسي مِنهمُ * * * غُصَصاً بها كأسَ الرَّدى يتجرّعُ
حتّى إذا نَفَذ القضاءُ مُحتَّماً * * * أضحى يُدَسُّ إليه سُمٌّ مُنْقَعُ
وغدا برغم الدِّينِ وَهْو مُكابدٌ * * * بالصبرِ غُلّةَ مُكْمَدٍ لاتُنقَعُ
وتَفتَّتَت بالسُّمِّ مِن أحشائِهِ * * * كَبِدٌ لها حتّى الصَّفا يتصدّعُ
وقضى بعينِ اللهِ يقذفُ قلبَهُ * * * قِطَعاً غَدَت مِمّا بها تتقطّعُ
وسَرى به نَعشٌ تَوَدّ بناتُهُ * * * لو يرتقي للفرقدَينِ ويُرفَعُ
نَعشٌ له الرُّوحُ الأمينُ مُشَيِّعُ * * * وله الكتابُ المستبينُ مُودِّعُ
نعشٌ أعزّ اللهُ جانبَ قُدسِهِ * * * فغَدَت له زُمَرُ الملائكِ تَخضَعُ
نعشٌ به قلبُ البتولِ ومُهجةُ الْـ * * * ـهادي الرسولِ وثِقلُه المُستودَعُ
تتلو له حقد الصدورِ.. فما يُري* * * مِنها لِقوسٍ بالكِنانةِ مَنْزَعُ
ورَمَوا جَنازتَه فعادَ وجسمُهُ * * * غَرَضٌ لراميةِ السِّهامِ وموقعُ
شَكُّوه حتّى أصبَحَتْ مِن نَعشِهِ * * * تُستَلُّ غاشيةُ النِّبالِ وتُنزَعُ
لم تَرمِ نعشَك إذْ رمَتْك عصابةٌ * * * نَهضَت بها أضغانُها تَتسـرّعُ
لكنّها عَلِمَت بأنّك مُهجةُ الزْ * * * زَهراءِ فابتَدرَت لحربِك تَهرعُ
ورمَتْك كي تُصْمي حشاشةَ فاطمٍ * * * حتّى تَبيتَ وقلبُها متوجِّعُ
للهِ أيُّ رزيّةٍ كادت لها * * * أركانُ شامخةِ الهدى تَتضَعْضعُ(١٤٧)
* * *

ثمّ من صور الرحمة الحسنيّة أن يُهديَ لهذه الأُمّة باقاتٍ عاطرةً من الحِكم والمواعظ والنصـائح والإرشادات، والبيـانات والتوجيهات، والحقائق التي تُوقف المرءَ على العقل والبصيرة والتوازن، وتُنير له طريق السعادة، وتمهّد له أسباب الهداية والإيمان والتقوى والصلاح وتَقَصّي الخير والعمل الصالح.
وبالرغم ممّا عاشه الإمام الحسن عليه السلام من ظروفٍ صعبة، احتجبت الأُمّة بسببها عنه فحُرمت مِن فيوضاته العلميّة ووصاياه الأخلاقيّة، إلّا أنّه سلام الله عليه لم تَفُتْه مناسبةٌ ولافرصة إلّا واغتنمها في بثّ عطاياه المنعشةِ للعقل والضمير، وللروح والنفس والقلب، تجعل الإنسان متوجِّهاً إلى بارئه بالشوق والمحبّة والطاعة والعبادة، وواضعاً نصبَ عينيه مرضاة الله تعالى وفوز الآخرة، وحَذِراً من المعاصي والموبقات وآثارها الخطيرة الدائمة!
ولعلّ متسائلاً يقول: ما علاقة بثّ المعارف والعلوم بالأخلاق، وعلى الخصوص بالرحمة؟ وجواب ذلك أنّ الأئمّة عليهم السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أحرصَ الناس على نجاة الناس وسعادتهم، فلم يَأْلوا جهداً في توفير أسباب الهناء والسلامة لهم في حياتهم الدنيويّة، وكذا في حياتهم الأُخرويّة، وتلك حالةٌ أخلاقيّة فيها ما فيها من حبّ الخير للآخَرين، والسعي لإنقاذهم، والأخذ بأيديهم إلى النعيم الأبديّ الدائم.
وفي هذا المجال كان للإمام الحسن المجتبى عليه السلام أحاديثُ جمّةٌ وفيرة، تعدّدت أغراضها وأساليبها وعناوينها، في صورٍ مشرقة من: الحِكم والخُطب والوصايا، والأجوبة والمناظرات والاحتجاجات والرسائل، والإدلاء ببيان السيرة النبويّة والسنّة المحمّديّة، والمعارف القرآنيّة، وغير ذلك من العلوم الغزيرة التي جاءت عنه رحمةً للناس وشفاءً من أمراضهم، وتشويقاً لهم بالفضائل، وتعليماً لهم كيف يتجنّبون المخاطر والمزالق، وكيف يسلكون ما فيه خلاصهم ونجاحهم وأمانهم وفوزهم.
ولمّا لم يكن في منهج الكتاب إحصاءُ كلّ ما ورد عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ولم تَرضَ القلوب أن نُحرَم من بعض الفيوضات الحسنيّة المباركة، لذا آلينا على أنفسنا أن نختار مجموعةً زاكيةً من أحاديثه الشريفة النيّرة، نتبرّك بكتابتها ونقلها، ونسعىٰ أن نتمثّلها في قلوبنا وجوارحنا ونوايانا وأعمالنا وأخلاقنا واعتقاداتنا ومواقفنا.. وهذه قبالَ نواظرنا، لعلّها تبلغ الأربعين إذا وُفِّقْنا لأن نَحفَظَها في خواطرنا، أو نَحفَظ معانيها في أذهاننا، أو نحفظ نصوصها على أوراقنا، نرجو بذلك رحمة ربّنا، فقد:
* قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن حَفِظ عنّي مِن أُمّتي أربعينَ حديثاً في أمرِ دِينه يُريد به وجهَ الله عزّ وجلَّ والدارَ الآخرة، بعَثَه الله يومَ القيامة فقيهاً عالماً)(١٤٨).
* وجاء عن الإمام الحسن الزكيّ عليه السلام أيضاً قوله لبَنيهِ وبَني أخيه: (يا بَنِيَّ وبَني أخي، إنّكم صغارُ قومٍ يُوشِك أن تكونوا كبارَ آخَرين، فتَعلَّموا العلم، فَمَن لم يستطع منكم أن يَروِيَه أو يَحفَظَه، فَلْيكتُبْه ولْيَضَعْه في بيته)(١٤٩).
هذا أوّل حديث مباركٍ له، وأوّلُ الغيث قطرٌ ثمّ يَنهمِرُ:
* عن الحرمازيّ قال: خطب الحسن بن عليٍّ بالكوفة يوماً فقال: (اِعلموا ـ يا أهلَ الكوفةِ ـ أنّ الحِلمَ زينة، والوفاءَ مُروّة، والعجلةَ سَفَه، والسَّفه ضَعف، ومجالسة أهل الدناءة شَين، ومخالطة أهل الفسوق رِيبة)(١٥٠).
* ومن كلامٍ له عليه السلام قال فيه: (يا ٱبنَ آدم، عِفَّ عن محارم الله تكنْ عابداً، وٱرْضَ بما قسم اللهُ سبحانه تكن غنيّاً، وأحسِنْ جوارَ مَن جاورك تكن مسلماً، وصاحِبِ الناسَ بِمِثلِ ما تُحبّ أن يُصاحبوك به تكن عدلاً ... يا ٱبنَ آدم، إنّك لم تَزَلْ في هَدْم عُمرِك منذُ سقطتَ مِن بطن أُمّك، فَخُذْ مِمّا في يَدَيك لِما بينَ يَدَيك، فإنّ المؤمنَ يتزوّد، والكافر يتمتّع).
وكان عليه السلام يتلو بعد هذه الموعظة قولَه تعالى: (وتَزَوَّدوا فَإنَّ خيرَ الزّادِ التقوى)(١٥١).
* وقال عليه السلام: (لا تُعاجِلِ الذَّنبَ بالعقوبة، واجعلْ بينَهما للاعتذار طريقاً)(١٥٢).
* (هلاكُ الناس في ثلاث: الكِبْر، والحرص، والحسد؛ فالكِبرُ هلاك الدِّين وبه لُعِن إبليس، والحِرصُ عدوّ النفس وبه أُخرِج آدمُ من الجنّة، والحسدُ رائد السُّوء ومنه قتَلَ قابيلُ هابيل!)(١٥٣).
* وسُئل يوماً: مَن أحسنُ الناس عيشاً؟ فقال عليه السلام: (مَن أشرك الناسَ في عيشه)، فسُئل: ومَن أشَرُّ الناس عيشاً؟ فأجاب: (مَن لا يعيشُ في عيشه أحد!)(١٥٤).
* وسأله معاويةُ يوماً ـ وهو مِن ألدّ أعدائه ـ: يا أبا محمّد، ثلاث خلالٍ ما وجدتُ مَن يُخبِرني عنهنّ! قال عليه السلام: (وما هي؟!)، قال: المروءة والكرم والنجدة. فقال عليه السلام: (أمّا المروءةُ: فإصلاحُ الرجل أمرَ دِينه، وحُسنُ قيامه على ماله، ولين الكفّ، وإفشاء السلام، والتحبّب إلى الناس. والكرم: العطيّةُ قبل السؤال، والتبرّع بالمعروف، والإطعام في المحلّ. ثمّ النجدة: الذَّبُّ عن الجار، والمحاماة في الكريهة، والصبر عند الشدائد)(١٥٥).
* وسُئل عليه السلام عن السياسة فقال: (هيَ أن ترعى حقوقَ الله، وحقوق الأحياء، وحقوق الأموات. فأمّا حقوقُ الله: فأداءُ ما طَلَب، والاجتناب عمّا نهى، وأمّا حقوق الأحياء فهي: أن تقوم بواجبك نحوَ إخوانك، ولا تتأخّرَ عن خدمة أُمّتك، وأن تُخْلصَ لوليّ الأمر ما أخلص لأُمّته، وأن ترفع عقيرتَك(١٥٦) في وجهه إذا ما حاد عن الطريق السَّوِيّ. وأمّا حقوق الأموات فهي: أن تذكرَ خيراتِهم، وتَتغاضى عن مساوئهم؛ فإنّ لهم ربّاً يحاسبهم)(١٥٧).
* ورُويَ أنّ الإمام عليّاً كان في الرَّحبة، فقام إليه رجلٌ فقال له: أنا مِن رعيّتك.. وفي رواية الإمام الباقر عليه السلام أنّ الإمام سأله: (مَن أنت؟)، قال: أنا رجلٌ من رعيّتك وأهل بلادك، فقال له: (ما أنت برعيّتي وأهل بلادي ...)، ثمّ اعترف الرجل أنّ معاوية بعثه ليسأله، فقال له الإمام: (يا شاميّ، هذانِ ٱبنا رسول الله، فاسألْ أيّهم أحببت)، فقال: أسألُ ذا الوفرة. يعني الحسن، فقال له الحسن عليه السلام: (سَلْني عمّا بدا لك).
فقال الشاميّ: كم بين الحقّ والباطل؟ وكم بين السماء والأرض؟ وكم بين المشـرق والمغرب؟ وما قوس قزح؟ وما العين التي تأوي إليها أرواحُ المشـركين؟ وما العين التي تأوي إليها أرواحُ المؤمنين؟ وما المؤنّث؟ وما عشرة أشياءَ بعضُها أشدُّ مِن بعض؟
فقال الحسن عليه السلام: (بين الحقّ والباطل أربعُ أصابع، فما رأيتَه بعينك فهو الحقّ، وقد تسمع بأُذنك باطلاً كثيراً.. وبين السماء والأرض دعوةُ المظلوم ومدُّ البصر، فمَن قال لك غيرَ هذا فكذِّبْه.. وبين المشـرق والمغرب مسيرةُ يومٍ للشمس، تنظر إليها حين تطلع من مشرقها، وتنظر إليها حين تغيب في مغربها.. وَيْحَكَ لا تقل قوس قزح، فإنّ قزح اسم الشيطان، وهو قوس الله، وهذه علامة الخِصْب، وأمانٌ لأهل الأرض من الغرق. وأمّا العين التي تأوي إليها أرواح المشركين فهي عينٌ يُقال لها: برهوت، وأمّا العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين فهي عينٌ يُقال لها: سلمى. وأمّا المؤنَّث فهو الذي لا يُدرى أذَكرٌ أم أُنثى، فإنّه يُنتَظر به، فإن كان ذَكَراً احتلم، وإن كان أُنثى حاضت وبدا ثَدْيُها، وإلّا قيل له: بُلْ على الحائط، فإن أصاب بولُه الحائطَ فهو ذكر، وإنِ انتكص بوله كما ينتكص بول البعير فهو امرأة.
وأمّا عشرة أشياءَ بعضُها أشدّ من بعض: فأشدُّ شيءٍ خَلَقه اللهُ الحَجَر، وأشدّ من الحجر الحديد يُقطَع به الحجر، وأشدّ من الحديد النار تُذيب الحديد، وأشدّ من النار الماءُ يُطفئ النار، وأشدّ من الماء السَّحاب يحمل الماء، وأشدُّ من السحاب الريح تحمل السحاب، وأشدّ من الريح المَلَكُ الذي يُرسِلها، وأشدُّ مِن المَلَك ملك الموت الذي يميت الملك، وأشدّ من ملك الموتِ الموتُ الذي يُميت مَلَكَ الموت، وأشدُّ من الموت أمرُ اللهِ الذي يُميت الموت!).
فقال الشاميّ: أشهد أنّك ابنُ رسول الله، وأنّ عليّاً أَولى بالأمر مِن معاوية. ثمّ كتب هذه الجوابات وذهب بها إلى معاوية، فبعثها معاوية إلى مَن كان سأله ـ وهو ابن الأصفر ـ فكتب ابن الأصفر: يا معاوية! تكلّمُني بغير كلامك، وتُجيبني بغير جوابك؟! أُقسم بالمسيح ما هذا جوابَك، وما هو إلّا من مَعدِن النبوّة وموضع الرسالة..(١٥٨).
* وعن الإمام الجواد عليه السلام أنّ رجلاً حَسَنَ الهيئة واللباس أقبل على أمير المؤمنين عليه السلام يقول له: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل.. فقال عليه السلام: (سَلْني عمّا بدا لك)، قال: أخبِرْني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه وَلَدُه الأعمامَ والأخوال؟
فالتفتَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده الحسن عليه السلام وقال له: (أجِبْه يا أبا محمد)، فقال الحسن عليه السلام:
(أمّا ما سألتَ عن أمر الرجل أين تذهب روحه إذا نام، فإنّ روحه متعلّقة بالريح، والريحُ متعلّقة بالهواء إلى وقتِ ما يتحرّك صاحبُها لليقَظَة، فإن أذِن اللهُ بِرَدّ تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروحُ الريح، وجذبت تلك الريح الهواء، فرجَعَت وسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عزّ وجلّ بردّ تلك الروح على صاحبها جذب الهواءُ الريح، فجذبت الريح الروح، فلم تَرُدّ على صاحبها إلى وقت ما يُبعَث!
وأمّا ما ذكرتَ من أمرِ الذِّكْر والنسيان، فإنّ قلب الرجل في حُقّ، وعلى الحُقّ طبق، فإن صلّى الرجل عند ذلك على محمّدٍ وآل محمّدٍ صلاةً تامّةً انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحُقّ، فأضاء القلب، وذكر الرجلُ ما كان نَسِي، وإن لم يُصَلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، أو نَقصَ من الصلاة عليهم، اِنطبق ذلك الطبق على ذلك الحُقّ فأظلم القلب، ونَسيَ الرجلُ ما كان ذَكرَه!
وأما ما ذكرتَ مِن أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإنّ الرجل إذا أتى أهلَه فجامعها بقلبٍ ساكنٍ وعروقٍ هادئة وبدنٍ غيرِ مضطرب، فأُسكِنت النطفةُ جَوفَ الرَّحم، خرج الولد يشبه أباه وأُمَّه. وإن أتاها بقلبٍ غيرِ ساكنٍ وعروقٍ غير هادئة وبدنٍ مضطرب، اِضطربت النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق، فإن وقعت على عِرقٍ من عروق الأعمام أشْبَهَ الولدُ أعمامَه، وإن وقعت على عرقٍ من عروق الأخوال أشبهَ الولدُ أخوالَه)..(١٥٩).
* ومن موعظةٍ له عليه السلام قال فيها:
(اِعلموا أنّ الله لم يَخلقْكم عَبَثاً، وليس بتارِكِكُم سُدىً. كتَبَ آجالَكم، وقسّم بينكم معائشَكم، ليعرفَ كلُّ ذي لُبٍّ منزلتَه، وأنّ ما قُدِّر له أصابَه، وما صُرِف عنه فلن يُصيبَه. قد كفاكُم مؤونةَ الدنيا، وفرّغَكُم لعبادته، وحثَّكم على الشكر، وافتَرضَ عليكمُ الذِّكْر، وأوصاكُم بالتقوى، وجَعلَ التقوى منتهى رِضاه، والتقوى بابُ كلِّ توبة، ورأسُ كلِّ حكمة، وشرفُ كلِّ عمل، بالتقوى فاز مَن فازَ مِن المتّقين. قال الله تبارك وتعالى: (إنّ لِلمُتَّقينَ مَفازاً)(١٦٠)، وقال: (وَيُنَجّي اللهُ الَّذينَ ٱتَّقَوا بِمَفازتِهِم لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُم يَحزَنون)(١٦١). فاتّقُوا اللهَ عبادَ الله، واعلموا أنّه مَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَل له مَخرَجاً مِن الفتن، ويسدّدْه في أمره، ويُهيّئ له رُشْدَه، ويُفلجه بحُجّته، ويُبيّض وجهه، ويُعطِه رغبتَه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصِّدّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أُولئك رفيقاً)(١٦٢).
* وقال عليه السلام: (لا أدبَ لِـمَن لا عقلَ له، ولا مُروّةَ لـمَن لا همّةَ له، ولا حياءَ لـمَن لا دِينَ له، ورأسُ العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقلِ تُدرَك الدّارانِ جميعاً، ومَن حُرِم مِن العقل حُرِمَهُما جميعاً!)(١٦٣).
* وقيل له يوماً: كيف أصبحتَ يا ابنَ رسول الله؟ فقال: (أصبحتُ ولي رَبٌّ فوقي، والنارُ أمامي، والموتُ يطلبني، والحسابُ مُحدِقٌ بي، وأنا مُرتَهَنٌ بعملي، لا أجد ما أُحبّ، ولا أدفعُ ما أكره، والأمورُ بيد غيري، فإنْ شاءَ عذّبَني، وإن شاءَ عفا عنّي، فأيُّ فقيرٍ أفقرُ منّي؟!)(١٦٤).
* وقال سلام الله عليه: (المِزاح يأكلُ الهيبة، وقد أكثَرَ مِن الهيبةِ الصامت)(١٦٥).
* وقال في بياناتٍ مختصرةٍ مفيدة: (المعروفُ ما لم يتقدّمْه مَطَل، ولم يتعقّبْه مَنّ. والبخلُ أن يرى الرجلُ ما أنفَقَه تَلَفاً، وما أمسَكَه شرفاً. مَن عدّد نِعمَه، محقَ كرمَه. الإنجازُ دواءُ الكرم. التفكّرُ حياةُ قلب البصير. أوسعُ ما يكون الكريم بالمغفرة، إذا ضاقت بالمذنبِ المعذرة)(١٦٦).
* وروى الراونديّ عنه أنّه عليه السلام قال: (مَن قرأ القرآنَ كانت له دعوةٌ مُجابة: إمّا مُعجَّلة، وإمّا مُؤجَّلة)(١٦٧).
* وعن خيثمة بن أبي خيثمة قال: كان الحسن بن عليٍّ إذا قام إلى الصلاة لَبِس أجودَ ثيابه، فقيل له: يا ابنَ رسول الله، لِمَ تلبس أجودَ ثيابك؟ فقال: (إنّ الله تعالى جميلٌ يحبّ الجمال، فأتجمّلُ لربّي وهو يقول: (خُذُوا زينَتَكُم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، فأُحبُّ أن ألبسَ أجودَ ثيابي)(١٦٨).
* وكتب النَّسائيّ: أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بُرَيد، عن ابن الجوزاء قال: قال الحسن: (علّمَني رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم كلماتٍ أقولُهنّ في الوتر في القنوت:
اَللّهمَّ ٱهْدِني فيمَن هَدَيت، وعافِني فيمَن عافَيت، وتَوَلَّني فيمَن تَولَّيت، وبارِك لي فيما أعطَيت، وقِني شرَّما قَضَيت، إنّك تَقضي ولا يُقضى عليك، وإنّه لا يَذِلّ مَن والَيت، تباركتَ ربَّنا وتعالَيت)(١٦٩).
* وعنه أنّه كان يدعو في ليلة القدر المباركة بهذا الدعاء:
(يا باطناً في ظهورِه، ويا ظاهراً في بطونِه، ويا باطناً ليسَ يَخفى، ويا ظاهراً ليس يُرى. يا موصوفاً لا يَبلُغُ بكَينُونتِه موصوف، ولا حدٌّ محدود، ويا غائباً غيرَ مفقود، ويا شاهداً غيرَ مشهود. يُطلَب فيُصاب، ولم يَخْلُ منه السماواتُ والأرضُ وما بينَهما طَرْفةَ عَين. لا يُدرَك بكَيفٍ ولا يُؤيَّنُ بأينٍ ولا بحيث. أنت نورُ النور وربُّ الأرباب، أحَطْتَ بجميعِ الأمور. سبحانَ مَن ليس كمِثْلِه شيءٌ وهو السميعُ البصير، سبحانَ مَن هُوَ هكذا ولا هكذا غيرُه)(١٧٠).
* ومن دعاءٍ له شريفٍ قال فيه:
(يا مَن إليه يَفِرُّ الهاربون، وبه يَستأنِسُ المستوحِشون، صَلِّ على محمّدٍ وآلهِ واجعلْ أُنسـي بك؛ فَقَد ضاقَتْ عنّي بلادُك، واجعَلْ تَوكّلي عليك؛ فَقَد مالَ علَيّ أعداؤُك. اَللّهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، واجعَلْني بك أَصُول، وبك أَجُول، وعليك أتوكَّل، وإليك أُنيب. اَللّهمَّ وما وَصَفْتُك مِن صفة، أو دَعَوتُك مِن دعاءٍ يُوافقُ ذلك محبّتَك ورِضوانَك ومرضاتَك، فَأَحْيِني على ذلك وأَمِتْني عليه، وما كَرِهتَ مِن ذلك فَخُذْ بِناصِيَتي إلى ما تُحِبّ وتَرضى. بُؤْتُ إليكَ ربيّ مِن ذُنوبي، وأستغفرُك مِن جُرمي، ولا حَولَ ولا قُوّةَ إلّا بالله، لا إلهَ إلّا هُوَ الحليمُ الكريم، وصلَّى اللهُ على محمّدٍ آله، وٱكْفِنا مُهِمَّ الدنيا والآخرةِ في عافيةٍ يا ربَّ العالمين)(١٧١).
* ورُويَ أنّ أعرابيّاً دخل المسجد الحرام، فوقف على الحسن عليه السلام وحوله حلقة، فقال لبعض جلساء الحسن: مَن هذا الرجل؟ فقال له: الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فقال الأعرابيّ: إيّاه أردت! فقال: وما تصنع به يا أعرابيّ؟ فقال: بلَغَني أنّهم أهلُ بيتِ حكمة، وأنّهم لا يتكلّمون فيُعربون في كلامهم، وإنّي قد قطعتُ بَوادِيَ وقِفاراً وأوديةً وجبالاً، وجئتُ لأُطارحَه الكلام، وأسألَه عن عويص العربيّة.
فقال له جليس الحسن: إن كنتَ جئتَ لهذا فابدأْ بذلك الشابّ. (وأومأ إلى الحسن عليه السلام)، فوقف عليه وسلّم، فردّ السلام، ثمّ قال الحسن عليه السلام: (وما حاجتُك يا أعرابيّ؟)، قال: إنّي جِئتُك من الهرقل، والجُعْلَل، والأيتم، والهَيْهَم! فتبسّم الحسن عليه السلام وقال: (يا أعرابيّ، لقد تكلّمتَ بكلامٍ لا يَعقِله إلّا العالِمون!)، قال الأعرابيّ: وأقول أكثرَ مِن هذا، فهل أنت مُجيبي على قَدْر ذلك؟
فقال الحسن عليه السلام: (قُلْ ما شئتَ فإنّي مُجيبُك عنه).
فقال الأعرابيّ: أنا بَدَويّ، وأكثرُ مقالتي الشِّعر، وهو ديوان العرب.
فقال له الحسن عليه السلام: (قُلْ ما شئتَ فإنّي مُجيبُك عنه).
فأنشأ الأعرابيّ يقول:

هَفا قَلبيَ للَّهْـ * * * ـوِ وقَد وَدَّعَ شَرْخَيْهِ
وقَد كانَ أنيق الغصـ * * * ـنِ جَرّاريَ ذَيلَيهِ
عُلالاتٌ ولذّاتٌ * * * فَيا سُقْيا لِعَصـرَيهِ
فَلَمّا عَمّمَ الشَّيْـ * * * ـبُ مِن الرأسِ بِطاقَيهِ
وأمسـيَ قَد عَناني مُنْـ * * * ـذُ تَجدادِ خِضابَيهِ
تَسَلَّيتُ عن اللَّهْـ * * * ـوِ وألقَيتُ بعاعَيهِ
وفي الدهرِ أعاجيبٌ * * * لِـمَن يَلبَسُ حالَيهِ
فَلَو يَعملُ ذُو رأيٍ * * * أصيلٍ فيهِ رأيَيْهِ
لَألفى عِبرةً مِنهُ * * * له في كَرِّ يَومَيهِ

فقال له الحسن عليه السلام: (قد قلتَ فأحسنت، فاسمعْ منّي)، فقال:

(فما ربعٌ شجاني قد * * * محا آيةَ رَسْمَيهِ
سُفورٌ درج الذَّيْـ * * * ـلَينِ في بَوغاءِ قاعَيهِ
ومَورٌ جَرجَفٌ تَترى * * * على تَلْبيدِ نُؤْيَيهِ
ودَلّاحٌ مِن المُزْ * * * نِ دنا نَوءُ سَماكَيهِ
رأى مُثْعَنْجَرَ الوَدْ * * * قِ يَجودُ مِن خِلالَيهِ
وقَد أُخمِد بَراقاهُ * * * فلا ذَمٌّ لِرَعدَيهِ
وقد جَلْجَلَ رَعْداهُ * * * فلا ذَمٌّ لِبَرقَيهِ
ثَجيجُ الرَّعدِ ثَجّاجٌ * * * إذا أرخى نِطاقَيهِ
فأضحى دارساً قَفْراً * * * لِبَينونةِ أَهْلَيهِ)

فقال الأعرابيّ: تاللهِ ما رأيتُ كاليوم مِثلَ هذا الغلام، ولا أغربَ منه كلاماً، ولا أذربَ منه لساناً، ولا أفصحَ منه منطقاً!
فالتفتَ إليه الحسين عليه السلام وقال: (يا أَعرابيّ:

غلامٌ كرَّمَ الرَّحما * * * نُ بالتطهيرِ جَدَّيهِ
كَساهُ القمرُ القَمْقا * * * مُ مِن نُورِ سَناءَيهِ
ولو أعذَرَ طمّاحٌ * * * فَضَحْنا عن عدادَيهِ
وقد أرضيتُ مِن شِعري * * * وقوّمتُ عَرُوضَيهِ)

فلمّا سمع الأعرابيّ قول الحسن والحسين عليهما السلام قال: بارك الله فيكما، مِثلكُما نَجَلَته الرجال، وعن مِثلِكما قامت النساء! فَوَاللهِ لقد أتيتُكما وأنا مُبغضٌ لكما، وانصـرفتُ وأنا مُحبٌّ لكما، راضٍ عنكما، فجزاكُما اللهُ عنّي خيراً(١٧٢).
* وأخيراً: روى الخَزّاز القمّيّ الرازيّ عن محمّد بن وهبان، عن داود بن الهيثم، عن جدّه إسحاق بن بهلول، عن أبيه بهلول بن حسّان، عن طلحة بن زيد الرَّقّيّ، عن الزبير بن عطاء، عن عُمَير بن ماني العبسيّ، عن جُنادة بن أبي أُميّة قال:
دخلتُ على الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام في مرضه الذي تُوفّيَ فيه وبين يديه طَسْتٌ يقذف عليه الدم، ويُخرِج كَبِدَه قطعةً قطعةً من السمّ الذي أسقاه معاوية لعنه الله، فقلت: يا مولاي، ما لك لا تعالج نفسَك؟ فقال: (يا عبدَ الله، بماذا أُعالج الموت؟!)، قلت: إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون!
ثمّ التفتَ إليّ فقال: (واللهِ لقد عَهِد إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ هذا الأمر (أي أمر الإمامة) يملكه ٱثنا عشَرَ إماماً مِن وُلدِ عليٍّ وفاطمة(١٧٣)، ما مِنّا إلّا مقتول (أي بالسيف) أو مسموم!)، ثمّ رفعتُ الطست..
فقلت له: عِظْني يا ٱبنَ رسول الله، قال: (نعم، اِستعدَّ لسفرِك، وحصِّلْ زادك قبلَ حلول أجَلِك، واعلَمْ أنّك تطلب الدنيا والموتُ يطلبك، ولا تَحمِلْ هَمَّ يومِك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئاً فوق قُوتِك إلّا كنتَ فيه خازناً لغيرك.
واعلَمْ أنَّ في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشُّبهات عتاب. فأنزِلِ الدنيا بمنزلة المِيتة، خُذْ منها ما يَكفيك، فإن كان ذلك حلالاً كنتَ قد زَهِدتَ فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وِزْر، فأخذتَ كما أخذتَ مِن المِيتة، وإن كان العتاب، فإنّ العتاب يسير.
واعملْ لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعملْ لآخرتِك كأنّك تموت غداً. وإذا أردتَ عِزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرُجْ مِن ذُلِّ معصية الله إلى عِزّ طاعة الله عزّ وجلّ.
وإذا نازعَتْك إلى صُحبة الرجال حاجةٌ فاصحَبْ مَن إذا صَحِبتَه زانك، وإذا خدمتَه صانك، وإذا أردتَ منه معونةً أعانك، وإن قلتَ صدّق قولَك، وإن صُلتَ شدَّ صولَك، وإن مددتَ يدَك بفضلٍ مَدَّها، وإن بَدَت عنك ثَلْمةٌ سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عَدَّها، وإن سألتَه أعطاك، وإن سكتَّ عنه ٱبتداك، وإن نزلَتْ بك إحدى المُلمّات أَسِيَ لك، مَن لا تأتيك منه البوائق، ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يَخذُلك عند الحقائق، وإن تنازعتُما مُنقسَماً آثَرَك).
قال جنادة: ثمّ انقطع نَفَسُه، وٱصفرّ لونُه، حتّى خَشِيتُ عليه. ودخل الحسين عليه السلام والأسود بن أبي الأسود، فانكبّ عليه (الحسين عليه السلام) حتّى قَبّل رأسه وبين عينَيه، ثمّ قعد عنده فتَسارّا جميعاً. فقال الأسود: إنّا لله! إنّ الحسن قد نُعِيَت إليه نفسُه!!(١٧٤)


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة هود: ١١٨، ١١٩.
(٢) سورة البقرة: ٢١٣.
(٣) يراجع: الميزان في تفسير القرآن ١١: ٦٠ ـ ٦٥.
(٤) سورة الأنعام: ٥٤.
(٥) الميزان في تفسير القرآن ٧: ١٠٥.
(٦) سورة الأنعام: ١٢.
(٧) الميزان في تفسير القرآن ٧: ٢٦ ـ ٢٧.
(٨) الكافي ٨: ٥٢ ـ ٥٣ / ح ١٦, عنه: بحار الأنوار ٧٨: ٣٥٩ / ح ٢.
(٩) سورة الأنعام: ١٤٧.
(١٠) الميزان في تفسير القرآن ٧: ٣٦٦.
(١١) البلد الأمين والدرع الحصين, للكفعميّ: ٥٤٦ / الفقرة ١٩, عُمدة الزائر وعُدّة المسافر, للسيّد حيدر الحسنيّ الكاظميّ: ٥٢٩ ـ ٥٣٠.
(١٢) سورة الأعراف: ١٥٦.
(١٣) سورة النساء: ١٤٧.
(١٤) الميزان في تفسير القرآن ٨: ٢٧٣ ـ ٢٧٤.
(١٥) سورة غافر: ٧.
(١٦) الميزان في تفسير القرآن ١٧: ٣٠٩.
(١٧) أمالي الشيخ الطوسيّ: ٢٧٠ / ح ٤٤ ـ الفصل السادس, عنه: بحار الأنوار ٤٢: ١٤٦ / ح ٣.
(١٨) إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤٨٩ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١٥٣ / ح ١٧.
(١٩) بحار الأنوار ٧٨: ١٥٩ / ح ١٠ ـ عن: كتاب نثر الدرر للآبيّ: ممّا أورده ابن حمدون في: كتاب التذكرة. وكذا أورده الحسن بن أبي الحسن الديلميّ في: إعلام الدين في صفات المؤمنين: ٢٩٩ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١٦٠ / ح ٢١.
(٢٠) تحف العقول: ٢٩٤ ـ عنه: بحار الأنوار ١: ١٥٦ / ح ٣٠.
(٢١) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزميّ ٢: ٧٦ ـ ٧٧ / ح ٣٢.
(٢٢) وقد قيل من قبل:

فلا تَعدِلْ بأهلِ البيتِ خَلْقاً * * * فأهلُ البيتِ هُم أهلُ السيادة
فبُغضُهمُ مِن الإنسانِ خُسـرٌ * * * حقيقيٌّ.. وحبُّهمُ عبادة

(نور الأبصار: ٢٣٤)
(٢٣) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٦٩.
(٢٤) كنز العمّال ٧: ١٠٤. وأخرجه أبو داود في (مسنده), ونعيم بن حمّاد في (الفتن).
(٢٥) بشارة المصطفى: ٤٢٧ / ح ٥, كشف الغمّة ١: ٤٥٢.
(٢٦) إعلام الورى ١: ٤١١, مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٠ ـ عنهما: بحار الأنوار ٤٣: ٢٩٨ / ح ٦٠, وفيه: الحسين بن عليّ. ورواه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق ـ ترجمة الإمام الحسن عليه السلام: ٧٨ / ح ١٣٦).
(٢٧) المصنَّف, لعبد الرزّاق الصنعانيّ ١١: ٤٥٢.
(٢٨) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٤ و٥١. ورواه: أبو داود الطيالسـّي أيضاً في (مسنده ٣: ١١٨) باختلافٍ يسير, وأبو نُعَيم الأصفهانيّ في (حلية الأولياء ٢: ٣٥). وعنه رواه: سبط ابن الجوزيّ في (تذكرة خواصّ الأمّة: ٢٥٤).
(٢٩) صحيح البخاريّ ٣: ٢٤٣.
(٣٠) صحيح الترمذيّ ٢: ٣٠٦ و٥: ٦٥٨. ورواه ابن الأثير في (أُسد الغابة ٢: ١١).
(٣١) صحيح النسائيّ ١: ٢٠٨.
(٣٢) العقد الفريد ٢: ٦٧.
(٣٣) أخبار الحسن بن عليّ: ٥٢ / ح ٦٤.
(٣٤) المعجم الكبير / ح ٢٥٩٧.
(٣٥) دلائل الإمامة: ١٦٥ / ح ٧٤.
(٣٦) تاريخ بغداد ٣: ٢١٥ و٨: ٢٦. وذكره المتّقي الهنديّ في (كنز العمّال ٦: ٢٢٢).
(٣٧) إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤١٢. ورواه أيضاً: ابن عبد البرّ في (الاستيعاب ١: ٣٧٠), والهيثميّ الشافعيّ في (مجمع الزوائد ٩: ١٧٥).
(٣٨) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزميّ ١: ١٥٤ / ح ٤١.
(٣٩) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٣٢ / ح ٢١٧ و٢١٨ وص ١٨٥ / ح ٣١٠.
(٤٠) الطرائف, للسيّد ابن طاووس: ١٩٩.
(٤١) كشف الغمّة ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٢٩٨ / ح ٦٢.
(٤٢) ذخائر العقبى: ١٢٥.
(٤٣) نور الأبصار: ٢٤٣.
(٤٤) إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤٠٧، كما رُوي الحديث الشريف هذا بهذه الصورة: (الحسن والحسين إمامانِ قاما أو قعدا): غوالي اللّآلي ٤: ٩٣، مناقب آل أبي طالب ٣: ١٦٣، وفيه: اجتمع أهل القِبلة علىٰ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: .. ـ عنه: بحار الأنوار: ٤٣: ٢٩١ / ح ٥٤، في معالي أمورهما عليه السلام.
(٤٥) فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ٣: ٢٩٢ ـ ٢٩٣.
(٤٦) سورة الحجرات: ٩، ١٠.
(٤٧) عبارات مقتبسة من الزيارة الجامعة الكبيرة للإمام الهادي عليه السلام. يراجع: عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٧٢ ـ ٢٧٧.
(٤٨) فضائل الصحابة من: صحيح البخاريّ ٧: ٩٤.
(٤٩) المستدرك، للحاكم ٣: ١٦٦.
(٥٠) سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢١٤ ـ ٢١٥.
(٥١) شرح نهج البلاغة ٣: ١٨٥.
(٥٢) فتح الباري ١٣: ٥٣ ـ ط٢ دار المعرفة ـ بيروت.
(٥٣) تهذيب التهذيب ٢: ٢٥٩, تهذب الكمال للمزّيّ ٦: ٢٤٧.
(٥٤) المؤتمن في دفع الشبهات عن الإمام المجتبى الحسن عليه السلام: ٩ ـ ١٢.
(٥٥) سورة الأنفال: ٦١.
(٥٦) سورة الأنفال: ٦٢.
(٥٧) يراجع: الميزان في تفسير القرآن ٩: ١١٧.
(٥٨) نهج البلاغة: الكتاب ٥٣, تحف العقول: ١٠٢ ـ باختلافٍ يسير.
(٥٩) الاستيعاب ١: ١٤٠ ـ ط حيدرآباد الدكن.
(٦٠) غرر الحكم: ١٩٠, عيون الحِكم ٦: ٢١٠.
(٦١) بحار الأنوار ٧٨: ٨١ / ح ٧٥ ـ عن: كشف الغمّة ٣: ١٣٨ ـ ما رواه الإمام الجواد عليه السلام عن جدّه أمير المؤمنين من طريق آبائه عليهم السلام.
(٦٢) نهج البلاغة: الخطبة ١١٣.
(٦٣) شرح نهج البلاغة ٥: ١٨١, أمالي الطوسيّ: ٢٦ / ح ١٣ ـ الفصل الأوّل, وفيه: (إلّا ظَهَر باطلُها على حقّها..), وفي نسخة: (إلّا غلب باطلُها على حقّها..).
(٦٤) يراجع في التعرّف على سيرة معاوية: الغدير للعلّامة الأمينيّ في الأجزاء التالية: ٢, ٦, ٨, ١٠, ١١.
(٦٥) يراجع: معاوية الثاني: ١١٧ ـ ١٥٥.
(٦٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٧٣ / ح ٢٩٤ ـ ٢٩٥, مقتل الحسين عليه السلام للخوارزميّ ١: ١٩٣ / ح ١٠٢.
(٦٧) معالي السبطين: ٣٦.
(٦٨) أي خوفاً منه وجزعاً.
(٦٩) الدرداء: التي سقطت أسنانها كلّها.
(٧٠) مدينة على نهر الفرات, غربيَّ بغداد (مراصد الاطّلاع لعبد المؤمن البغداديّ الحنبليّ ١: ١٢٠).
(٧١) جمع كُورة: الصُّقْع, البقعة التي تجتمع فيها قُرىً ومَحالّ.
(٧٢) النُّخَيلة: مصغّر نخلة, موضع قرب الكوفة على سمت الشام (معجم البلدان ٥: ٣٢١ ـ ٣٢٢).
(٧٣) الخرائج والجرائح ٢: ٥٧٤ ـ ٥٧٦ / ح ٤ ـ فصل في أعلام الإمام الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام, عنه: بحار الأنوار ٤٤: ٤٣ / ح ٤. ورواه الحرّ العامليّ في (إثبات الهداة ٥: ١٣٥ / ح ٢٧ وص١٥٠ / ح ١٣), والخُصيبيّ مفصّلاً في (الهداية الكبرى: ١٨٩), والبياضيّ مختصراً في (الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ٢: ١٧٨ / ح ٨).
(٧٤) سورة الحديد: ٢٧.
(٧٥) ديوان الإمام عليّ عليه السلام: ١٤.
(٧٦) الخصال: ٢٩ / ح ١٠٢ ـ باب الواحد, عنه: بحار الأنوار ٧١: ٣٨٦ / ح ٣٠.
(٧٧) قرب الإسناد: ٤٦ / ح ١٤٨ ـ عنه: بحار الأنوار ٧١: ٣٥٨ / ح ٢٦.
(٧٨) غرر الحكم: ٩٠, عيون الحكم ٦: ٢٦.
(٧٩) يخاطبه عليه السلام على البُعد, متأسّفاً على هذه الأُمّة التي انقادت إلى معاوية وأمثال معاوية!
(٨٠) أي: واسع الكرش والأمعاء.
(٨١) الكَلَب: شبيهٌ بالجنون.
(٨٢) هكذا يقول ملك الروم في دين النصارى, يُعْلِم بذلك معاويةَ ويعلّمه, وإن اتّفقا بعد ذلك على قتل مَن لم يقاتلهم.. فالروم هم الذين تجاوزوا على حدود بلاد المسلمين فأدّبهم الإسلام, ومعاوية هو الذي تجاوز على حكومة أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ طلب الصلح في صفّين, ولكنّه عاود تجاوزه بغدرٍ جديد أقنَعَ به ملكَ الروم أنّ الحسن عليه السلام هو ابن محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, الذي أدّب أباه ملك الروم السابق! فالتقى الحقدانِ في انتقامٍ خبيثٍ لئيم.
(٨٣) الاحتجاج: ٢٨٨ ـ ٢٩٢.
(٨٤) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٧٥ / ح ٢٩٧, وفي رواية الخوارزميّ في الفصل السادس من (مقتل الحسين عليه السلام ١: ١٩٦ / ح ١٠٤): (فالْـحَقُوا بطُمأنينتِكم) يعني بأمنِكم.
(٨٥) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٧٨ ـ ١٧٩ / ح ٣٠٣, أسد الغابة ٢: ١٣.
(٨٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٧٥ / ح ١٣١. ورواه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق برقم ٣٠٧), والذهبيّ في (سِير أعلام النبلاء ٣: ٢٧٠)، وهذه الخطبة خَطَبها عليه السلام بعد ما طعنوه في فَخِذه!
(٨٧) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير مطبوع من: الطبقات الكبرى: ٧٥ / ح ١٣٢. ورواه: الدولابيّ في (الذرّيّة الطاهرة / ح ١٠٣), وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق / ح ٣٣١), والحاكم في (المستدرك ٣: ١٧٠), وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٢: ٣٧), والحافظ المزّيّ في (تهذيب الكمال), وابن حجر العسقلانيّ في (تهذيب التهذيب ٢: ٣٠٠), والذهبيّ في (سير أعلام النبلاء ٣: ٢٧٤), وغيرهم.
(٨٨) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٨١ / ح ١٣٩. ورواه الحافظ الطبرانيّ في (المعجم الكبير ٣: ١٣ / ح ٢٥٥٩), وأبو نُعَيم في (حلية الأولياء ٢: ٣٧), وغيرهم. والآية في سورة الأنبياء: ١١١.
(٨٩) للتعرّف على هاتين المدينتين إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب, يراجع: بحار الأنوار ٢٧: ٤٣ / ح ٣ ـ عن: بصائر الدرجات, وج ٥٧: ٣١٦ ـ باب العوالم: أحوال جابلقا وجابرسا.
(٩٠) بحار الأنوار ٤٤: ٦٥ ـ ٦٦ / ح ١٣ ـ عن: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عليهم السلام, ويراجع: الفصول المهمّة: ٦٤, وسيلة المآل: ٣٣٣, مطالب السَّؤول ٢: ١٦.
(٩١) الأخبار الطِّوال: ٢٢٠.
(٩٢) ديوان الإمام عليّ عليه السلام: ١٧. والخِدْن: الحبيب والصاحب.
(٩٣) تنبيه الخواطر: ٣٦٢.
(٩٤) مكارم الأخلاق: ٤٤٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٧: ٥٩ / ح ٣.
(٩٥) بحار الأنوار ٧١: ٣٩٣ / ح ٦٣ ـ عن: تنبيه الخواطر.
(٩٦) بحار الأنوار ٧١: ٣٩٦ / ح ٧٦ ـ عن: كتابَي الحسين بن سعيد والنوادر.
(٩٧) الخصال: ١٤٥ ـ ١٤٦ / ح ١٧٢, باب الثلاثة.
(٩٨) الكافي ٢: ٢٦٧ / ح ٣٥ ـ باب المؤمن وعلاماته وصفاته, عنه: بحار الأنوار ٦٩: ٣٠٦ / ح ٢٨.
(٩٩) غرر الحكم: ١٠٧, عيون الحكم ٦: ٥٩.
(١٠٠) غرر الحكم: ٣٢٧, عيون الحكم ٦: ٤٥٧.
(١٠١) الكافي ١: ٢٢٥ / ح ١ ـ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
(١٠٢) يراجع في شخصيّة هذا الرجل: الغدير للعلّامة الأمينيّ ج ٦, السبعة من السلف للسّيد مرتضـى الحسينيّ الفيروزآباديّ, من حياة الخليفة عمر بن الخطّاب لعبد الرحمان أحمد البكريّ, الوهميّ والحقيقيّ من سيرة عمر بن الخطّاب لعبد الباقي قرنة الجزائريّ, وقبل هذه الكتب كلّها: بحار الأنوار ـ الأجزاء: ٢٩، ٣٠، ٣١.
(١٠٣). بحار الأنوار ٢٠: ٣٥٠ / ح ٤ ـ عن: تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ في ظلّ قوله تعالى: (إنّا فَتَحْنا لكَ فَتْحاً مُبيناً).
(١٠٤) يراجع: بحار الأنوار ج ٣٢ و٣٣.
(١٠٥) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٧٨ ـ ٧٩ / ح ١٣٦. ورواه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق ـ ترجمة أبي الأعور السلميّ عمرو بن سفيان), كما أورده الذهبيّ في (تاريخ الإسلام ٤: ٣٩ ـ ترجمة الإمام الحسن عليه السلام).
(١٠٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٨٦ / ح ٣١١. وقد كتب محقّق هذا الكتاب المرحوم الشيخ محمّد باقر المحموديّ تحت هذا الخبر: (لم ينفّذ معاوية للحسن من الشرط شيئاً) أي: لا الشـرط المختلَف فيه ولا المتّفَق عليه: أمّا المختلَف فيه فواضح أنّ معاوية لم يَفِ به ولم ينفّذه, وأمّا الشروط المتّفق عليها التي لم يَفِ بها معاوية ولم ينفّذها فكثيرة:
ـ منها طردُه وكلاءَ وعمالَ الإمام الحسن عن بلدتَي (فسا) و(دار أبجُرد).
ـ ومنها تخلّفُه عن عدم ذِكر أمير المؤمنين عليه السلام بسوء! فسَنَّ سبَّه في جميع أرجاء البلاد الإسلاميّة, واستمرّت هذه السُّنّة الإلحاديّة إلى تمام مُلك بَني أُميّة ومنها عدولُه عن عدم تعرّضه للإمام وشيعته, وأن لايَبغيَ لهمُ الغوائل, وقد خالف معاويةُ هذا الشـرط ـ كبقيّة الشروط ـ: فسَمَّ الإمامَ الحسن, وقتل حُجْرَ ابن عَدِيّ, والأخيارَ من أصحاب الإمام بالإفك والتزوير والغدر والنفاق.
ـ ومنها أن لا يُرشِّحَ أحداً للإمارة على المسلمين وقيادتهم ... فخالف معاويةُ هذا الشـرط, وحمل المسلمين على بيعة ابنه شاربِ الخمر دائم السُّكر, اللاعبِ بالكلاب, والآنس با لمغنّين والمغنّيات (يزيد) ... وإعطائه (المنافقين والضعفاء) المناصبَ ورئاسةَ البلاد والعباد, وبتطميعه في تشـريكه معه في اللعب بأمور المسلمين ونواميسهم. ومَن كان من المسلمين على فطرةٍ سليمةٍ وإيمانٍ صحيح وعقيدةٍ راسخة, أخذ معاويةُ منهم بيعةَ ابنه إمّا بحبس حقّه عنه, أو توعيداً وتهديداً, أو شتماً وضرباً, أو حبساً وقتلاً!
وجميع ما ذكرناه ممّا ثبت بقلم أولياء معاوية, وكثيراً منه ذكره المصنّف (ابن عساكر) فيما يأتي من هذه الترجمة (في: تاريخ مدينة دمشق) وترجمة الإمام الحسين عليه السلام, وترجمة الشهداء: حُجر بن عَدِيّ وأصحابه رضوان الله عليهم, وترجمة معاوية وأخيه ـ بحسب زعمه ـ زياد ابن أبيه! وترجمة ابنه يزيد, حشرهم الله مع أشكالهم.
(١٠٧) الصواعق المحرقة: ١٣٦ ـ الباب العاشر في فضل الحسن عليه السلام, الفصل الأوّل: في خلافته ـ عنه: ينابيع المودّة ٢: ٤٢٥ ـ ٤٢٦ / ح ١٧٣ـ الباب التاسع والخمسون.
(١٠٨) الإرشاد: ١٩٠ ـ ١٩١, كشف الغمّة ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ٦٥ / ح ١٣. ورواه الطبرسيّ ايضاً في (إعلام الورى ١: ٤٠٣).
(١٠٩) أي مُشرفٌ على جميع الخلق, وهو كناية عن علمه بما يصدر عنهم, وأنّه لا يَعزُب عن علمه شيء من أمورهم (مرآة العقول في شرح أخبار الرسول) للشيخ المجلسيّ.
(١١٠) يراجع: بحار الأنوار٢٧: ٣١٩ ـ ٣٢٠, و٢٨: ٢٤٧ و٢٩٥, و٣١: ٢٧٠, و٣٢: ٣١٠, و٤٥: ٢١٩.
(١١١) منهم: ابن الأثير في (الكامل٣: ١٠٩), والطبريّ في (تاريخه٣: ٣٢٣), والبلاذريّ في (فتوح البلدان / القسم الثاني: ٤١١), وابن خلدون في (تاريخه ـ العبر ـ ج٢ / القسم٢: ١٢٨ و١٣٥), وابن كثير في (البداية والنهاية٧: ١٥٤), وغيرهم.
(١١٢) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٢٢٩ / ح ٣٦٧. والِحبّ: هو المحبوب أو الحبيب.
(١١٣) مقاتل الطالبيّين: ٧٦, شرح نهج البلاغة ١٦: ٥١.
(١١٤) شرح نهج البلاغة ١٦:١٠.
(١١٥) المستدرك على الصحيحين٣: ١٧٣.
(١١٦) المستدرك على الصحيحين٣: ١٧٦.
(١١٧) الصواعق المحرقة: ٨٣, نور الأبصار: ٢٤٩.
(١١٨) ينابيع المودّة: ٤٢٧ ـ الباب التاسع والخمسون: في خلافة الحسن عليه السلام.. . وحول شهادته صلوات الله عليه يُراجَع: ما منّا إلّا مقتول أو مسموم: ٦١ ـ٧٠.
(١١٩) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٢٠٩ / ح ٣٤٠.
(١٢٠) نفسه: ص ٢١٠.
(١٢١) فرائد السمطين ٢: ١٢٢ / ح ٤٢٢.
(١٢٢) الصواعق المحرقة: ٨٣.
(١٢٣) نفسه.
(١٢٤) نور الأبصار: ٢٤٩.
(١٢٥) الإرشاد: ١٩٢, إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤١٤.
(١٢٦) الحسن والحسين: ٨ ـ ط القاهرة.
(١٢٧) سورة الأحزاب: ٥٣.
(١٢٨) أمالي الطوسيّ: ٢٥٠ ـ ٢٥١ / ح ١٩ ـ الفصل السادس.
(١٢٩) سورة الحجرات: ١٤.
(١٣٠) هكذا في: الخرائج والجرائح. وفي غيره: أن لا تُهريقَ.
(١٣١) الإرشاد: ١٩٢ ـ ١٩٣. ويراجع: الخرائج والجرائح ١: ٢٤٢ ـ٢٤٣ / ح ٨.
(١٣٢) الحكم بن أبي العاص الأمويّ أو ابنه مروان بن الحكم, يراجع تحقيق ذلك في: الأسرار فيما كُنّي وعُرف به الأشرار ٣: ٤٥٥ ـ ٤٥٩.
(١٣٣) يراجع: الإرشاد: ١٩٣, الخرائج والجرائح ١: ٢٤٢ / ح ٨, مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٠٣, روضة الواعظين: ١٦٨, أمالي الطوسيّ: ٢٥٢ / ح ١٩ ـ الفصل السادس, وغيرها بصيغٍ متقاربة على معنىً واحدٍ تقريباً.
(١٣٤)

مَنَعَته عن حَرَمِ النبيِّ ضَلالةً * * * وَهْوَ ٱبنُه.. فِلأيِّ أمرٍ يُمنَعُ؟!
فكأنّه روحُ النبيِّ وقد رأتْ * * * بالبُعدِ بينَهما العَلائقُ تُقطَعُ!

(١٣٥) أمالي الطوسيّ: ٢٥٢ ـ ٢٥٣ / ح ١٩ ـ الفصل السادس.
(١٣٦) يراجع: كشف الغمّة ١: ٥٨٥, مقاتل الطالبيّين: ٧٤, دلائل الإمامة: ٦١, شرح نهج البلاغة ١٦: ٤٩.
(١٣٧) إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤١٤ ـ ٤١٥, كشف الغمّة ١: ٥٨٥، الكافي ١: ٣٣٤ / ح ١ و٣٣٥ ـ ٣٣٧ / ح ٣ ـ باب الإشارة والنصّ على الحسين بن عليّ عليه السلام.
(١٣٨) الصواعق المحرقة: ٨٣.
(١٣٩) في كتابه: شرح ثلاثيّات مسند أحمد ٢: ٥٥٨ ـ ط دمشق.
(١٤٠) مناقب آل أبي طالب ٤: ٤٤.
(١٤١) ذلكم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.
(١٤٢) ذلكم الإمام الحسن المجتبى السبط سيّد شباب أهل الجنّة عليه السلام. وشَكّت: أي خَرَقَت.
(١٤٣) ذلكم الإمام الحسين سيّد الشهداء سلام الله عليه.
(١٤٤) ذلكم الإمام الكاظم عليه الصلاة والسلام.
(١٤٥) أولئك مَن قَضوا بعد الإمام الحسين عليه السلام, والحسن الزكّي عليه السلام مشمولٌ معهم عليهم السلام.
(١٤٦) المزار الكبير لابن المشهديّ: ٩٤ ـ ٩٦, عنه: بحار الأنوار ١٠٢: ١٦٦ ـ ١٦٧ / الزيارة الخامسة من الزيارات الجامعة.
(١٤٧) منتهى الآمال للشيخ عبّاس القمّيّ ١: ٥١٦ ـ ٥١٧.
(١٤٨) الخصال: ٥٤٢ / ح ١٧ ـ أبواب الأربعين.
(١٤٩) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٦٦ / ح ٩٨. ورواه البخاريّ في (التاريخ الكبير ٨: ٤٠٧), وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق / الرقم ٢٨٣ و٢٨٤) من طريق الخطيب البغداديّ والبيهقيّ عن الحاكم، وكذا رواه اليعقوبيّ في (تاريخه ٢: ٢١٥).
(١٥٠) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٦٧ / ح ٢٨٢.
(١٥١) كشف الغمّة ١: ٥٧٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١١٢ / ح ٦, نور الأبصار: ٢٤٤. والآية في سورة البقرة: ١٩٧.
(١٥٢) بحار الأ نوار ٧٨: ١١٣ / ح ٧ ـ عن: العُدد القوية. ورواه شهاب الدين النوَيريّ في (نهاية الإرب ٣: ٢٣٢ ـ ط القاهرة).
(١٥٣) كشف الغمّة ٢: ١٩٦ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١١١ / ح ٦.
(١٥٤) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٢٦.
(١٥٥) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢١٥.
(١٥٦) أي: أن ترفعَ صوتك.
(١٥٧)تنبيه الخواطر: ٣٠١.
(١٥٨) الاحتجاج: ٢٦٧ ـ ٢٦٩, الخصال: ٤٤٠ ـ٤٤٢ / ح ٣٣ ـ باب العشرة, الخرائج والجرائح ٢: ٥٧٢ ـ ٥٧٣ / ح ٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٢٥ / ح ٥. ورواه الحرّ العامليّ في (إثبات الهداة ٤: ٥٥٢ / ح ٢٠٤), وغيرُه.
(١٥٩) الاحتجاج: ٢٦٦ ـ ٢٦٧, دلائل الإمامة: ١٧٤ / ح ٢٦, المحاسن: ٣٣٢ ـ ٣٣٣ / ح ٩٩, كمال الدين: ٣١٣ ـ ٣١٥ / ح ١ ـ الباب٢٩, عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٦٥ / ح ٣٥ ـ الباب ٦.
(١٦٠) سورة النبأ: ٣١.
(١٦١) سورة الزمر: ٦١.
(١٦٢) تحف العقول: ١٦٧ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١١٠ ـ ١١١ / ح ٥.
(١٦٣) كشف الغمّة ٢: ١٩٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١١١ / ح ٦.
(١٦٤) بحار الأنوار ٧٨: ١١٣ / ح ٧ ـ عن: العُدد القويّة.
(١٦٥) نفسه.
(١٦٦) الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة: ٢٢ ـ ٢٣, عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١١٥ / ح ١١.
(١٦٧) بحار الأنوار: ٩٢: ٢٠٤ / ح ٣١ ـ عن: دعوات الراونديّ.
(١٦٨) تفسير العيّاشيّ ٢: ١٤ / ح ٢٩, مجمع البيان ٣: ٤١٢. والآية في سورة الأعراف: ٣١.
(١٦٩) سنن النَّسائيّ ٣: ٢٤٨.
(١٧٠) إقبال الأعمال: ٤٨٤.
(١٧١) مهج الدعوات لابن طاووس: ١٨١.
(١٧٢) كتاب الزُّهرة, لأبي بكرالأصبهانيّ ٢: ٧٧٧ / ١ ـ ١٣, مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول: ٦٧ ـ الطبعة الحجريّة, و٢٤٢ ـ ٢٤٤، وكذا: ٢٥٥ ـ ٢٥٦ طبعة مؤسّسة البلاغ ـ بيروت، سنة ١٤١٩ هـ / ١٩٩٩ م، بإشراف السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ. والرواية عند ابن طلحة الشافعيّ متردّدة بين الحسن والحسين عليه السلام في موقعين.
(١٧٣) هذا على التغليب, تغليب العدد (١٢) الذي تأكّد في الروايات النبويّة المثبّتة لعدد خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(١٧٤) كفاية الأثر: ٢٢٦ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ١٣٨ ـ ١٤٠ / ح ٦.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل