فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب أخرى » الحسن بن علي رجل الحرب والسلام  

كتب أخرى

 

الكتب الحسن بن علي رجل الحرب والسلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمد علي الحلو التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٤/٣٠ المشاهدات المشاهدات: ٢٤٤٥ التعليقات التعليقات: ٠

الحسن بن علي عليهما السلام رجل الحرب والسلام

تأليف: السيد محمد علي الحلو

الناشر: مؤسسة السبطين عليهما السلام العالمية

المحتويات

الإهداء
كلمة المؤسسة
المقدمة
الليلة المشهودة
بيان النعي
تحليلٌ لفصول الخطبة وبنود البيان
إثارة الشغب
الدعوة إلى الطاعة والدخول في البيعة
تزوير الحقائق
معسكر النخيلة..... الامتحان الصعب
معاوية يستنفر
ويستنفر الحسن (عليه السلام)
الجيش الكوفي بقيادة الإمام (عليه السلام)
دواعي الفرار في نظر قيس
لماذا عبيد الله بن العباس؟!!
بذرة الانهزام
محنة الإمام (عليه السلام)
طعنة ساباط
المهادنة إذن
المهادنة وليس الصلح
شروط الهدنة
معاهدة الهدنة التي وقعها الفريقان
شروط الهدنة... قراءة وتحليل
نكبة التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء

أيّها الموتور الممتحن..
إنّ قافلة الخلود تسيّرها مواقف صمودك المجهول..
وإذا خذلك أصحابك مرّة
فإنّ التاريخ يخذلك كلّ مرّة..
ليحيل شجاعتك في هدنةِ ساباط الى صلح مهزوم..
فإليكَ أيّها البار
برسالة جدكَ ومواقف أبيك..
جُهدَ العاجزِ في تقريظكَ القُدسي..

محمد علي

كلمة المؤسسة

يتميّز الخطاب المعاصر والحديث ـ في نماذجه الناجحة ـ في مختلف ضروب (المعرفة) ومنها: (التاريخ) و(السيرة)، يتميز بجملة خصائص، مثل: حداثة اللغة في انتخاب المفردة والمركبة والمقطع.. الخ، ومثل: اعتماد (الصورة)، أي: اللغة غير المباشرة بصفة أن الصورة، كاستخدام الرمز أو الاستعارة ونحوهما تسهم بلا شك في تعميق الدلالة واكتشاف مختلف نكاتها، ومن ثم تقريبها إلى الأذهان،.. ومنها: (أي خصائص الخطاب الحديث)، اعتماد التحليل النفسي والاجتماعي في سبر الشخصية أو الموقف وفي رصد الأحداث أو الظواهر...
ولعلّ (المدونة) الماثلة بين يدي القارئ (الحسن بن علي (عليه السلام).. رجل الحرب والسلام) تجسّد نموذجاً واضحاً لما أشرنا إليه.. لقد كُتب عن الإمام الحسن (عليه السلام) (بخاصة) في ما يتصل بظاهرة (الصلح)، وما أطلق عليه المؤلف مصطلح (السلام)، وما واكبها من ردود الأفعال غير الصائبة قديماً وحتى حديثاً أيضاً، وهي ردود فعل لم تمتلك جهازاً معرفياً عميقاً حيال شخصيات أهل البيت (عليهما السلام) الذين اصطفاهم الله تعالي وجعلهم ـ على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عدل القرآن، حيث أنّ (العصمة) هي التي تحكم سلوكهم في مختلف الميادين: السلوك الفردي والاجتماعي ومنه: السلوك السياسي حيال المؤسسات المتنوعة التي يواجهونها..
نقول: لقد كتب أكثر من مؤرّخ ومترجم عن الإمام الحسن (عليه السلام)، ومنها: دراسات معمّقة وجدّية، لكن بما أن كل من يكتب بشكل واعد، له لغته ومنهجه وتحليله للأحداث والمواقف، فإنّ الكتاب الذي نعتزم تقديمه إلى القارئ، يظل من أبرز وأهم هذه الدراسات من حيث الخصائص التي أشرنا إليها، وفي مقدّمتها الحداثة في اللغة، والتحليل العميق للظاهرة وتقديم الرؤية الجديدة...
نأمل من القارئ أن يفيد من قراءته للنص المذكور، ونأمل أن نكون ممّن قدّم منتجاً نافعاً لمجتمعنا الإسلامي، سائلين الله تعالى أن يوفقنا لخدمة الإسلام العظيم.

مؤسسة السبطين (عليهما السلام) العالمية
محرّم الحرام ١٤٢٦هـ.ق

المقدمة

في صراعٍ لم يشهد له التاريخ مثيلاً كان معاوية ينصاع إلى بَلادةِ الطبع مثلما يوغل في إثم العداوة، فترتدُّ لديه أسباب الرفعة إلا أن يحثّ الخُطى غير جدير، لأن يبلغ شأو غريمه وليس ببالغه وهو مأخوذ بِضِعةِ الانتساب، أو موسوم بإثم المآل ليُطلق عليه طليق يوم الفتح، حين فتح الله لنبيّه أسباب النصر، لينهزم عدوّه بجريرة الشنآن غير آبه بما مَنَّ الله عليه من الفداء، ونبيّه من العفو والإحسان حتّى يجد نفسه منحازاً إلى خسّةِ المكافأ‌ة، فيثأر عدوّاً جبّاراً يفتك بالقيم التي تظاهر عليها من قبل هو وأبو سفيان مؤلّب الأحزاب.
فوراثة العداء تحمله على أن يعيد الكرّة مع سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليذيقه مرارة التمرّد والشقاق، ويتجرّع الحسن غصص العداء ليُدال الصراع بينه وبين أصحابه في رفضهم للحرب فيتألّبون عليه حتّى يقفل إلى كوفته مأسوراً بخطط الغدر ومواقف الخيانة وقد أذعن للهدنة دون الحيلة إلى إتمام مهام القتال التي ورثها من أبيه.
وها هي ساباط تشهد هدنة الحرب، كما تشهد غدر الناس بسبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقبل بما تمليه عليه ظروف الخذلان.
لم يكن بين الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وبين معاوية صلحاً بقدر ما هي هدنة الحرب وموادعة السلام لحين ما تنقشع ظروف الخيانة التي أرخت بسدولها على رغبة الإمام في مواصلة الحرب، فيستجيب مكرهاً، ويقبل ممتحناً بما يعانيه من جيشه في حبّ العافية والخلود إلى مزايدات الغدر، وقد تساوم فيه القوم لـيُسلّموه إلى عدوّه مأسوراً.
لم يكن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في نيته قبول هدنة الحرب لولا ما يجده من هؤلاء في الاستسلام والركون إلى الدعة حتّى قبِلَ شروط الهدنة وهو عالمٌ بأنّ معاوية لم يكن أهلاً للوفاء بما أملاه عليه العهد، بل هو أحرى أن يفجرَ بما تعاقد عليه الطرفان.
فكان جديراً بمعاوية الغدر ليكون جديراً بِسُبّةِ الأجيال.
وجديراً بالحسن الوفاء ليكون جديراً بالخلود.

ذكرى شهاد‌ة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
٢٥ شوال ١٤٢٥ هـ
محمّد علي السيد يحيى الحلو

الليلة المشهودة
في تلك الليلة المتلبّدة بالأخبار الحزينة تغفو المدينة المضطربة على أنباء المرض الذي أثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يغشى عليه ساعة بعد ساعة، وآهاته (صلى الله عليه وآله وسلم) تتصاعد في أجواء ذلك البيت الكئيب الذي ضمَّ الهاشميين من آل عبد المطلب الأقربين، أمّا اُولئك الأباعد منهم، فهم يخوضون في أخبار إفاقة النبيّ من غشيته التي تراوده بين الحين والآخر، فيتلمسون الأنباء من عليّ، فيما آلت إليه صحّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وما نجمت عنه تطورات مرضه الذي أثقل أرجل القوم عن النهوض من حجرته، لولا ما يرونه من حرصهم على أن ينفرد به أقرب الناس إليه: ابنته فاطمة وولداها وصهره عليّ، الذي ما برح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجره بعد إفاقته ليتشاور مع عليّ بأُمور خفيت على الجميع، ثم يناجيه ساعة بعد ساعة، ثم يهمس في اُذنه ويشير إليه بما يوحي للجميع أنّ أمراً عظيماً سيعصف بالمسلمين، لينقطع عنهم وصل السماء الذي ما برح جبرئيل يوصله متى ما اقتضى ذلك الأمر العظيم إلى الإيحاء.
وليس المسلمين اليوم ما يشغلهم عن أنبائهم وما يتعلّق بشؤونهم سوى ما سيؤول إليه المصير المحتوم، مصير الرحيل النبويّ وانقطاع خبر السماء، وآية دهماء هي ستحوّل نهارهم إلى ليل سرمديٍّ بُعيد ساعاتٍ من الهزائز تعصفُ بكيانهم العظيم، وأية هجعة تأخذ أحدهم ليعانق حليلته في تلك الليلة الصارمة الحازمة التي تُخبّئ لهم مفاجئات مثقلة بأحلام سوداء، وأي إنسان منهم يصبو إلى ما يحلّ في عياله بعد ما يحلّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكأن النوم عليهم حرام، وقد قاطعوا من لذائذ المطعم والمشرب ما بدى على وجوههم من شحابة يشوبها ذعر المجهول، ولعلّهم انقطعوا في هذه السويعات القلائل عن كل ما يطمح إليه أحدهم من هجعة نوم، أو كسرة خبز يسدُّ بها رمقه الذي اُحيل إلى حنظلٍ لا يستسيغ معه حلاوة العسل المصفّى.
وينطلق أبو بكر ليرحل من المدينة في تلك الليلة الظلماء التي ستعلن بالمسلمين نبأهم المشؤوم، وتعصف بسعادة هؤلاء الذين يرتعون في شذى العبير النبويّ وهم بعيدون حتّى عن مشارف المدينة سوى ما تغفو عليه أرواحهم من الحبّ والشوق النبويّين(١).
يغادر أبو بكر المدينة في تلك الليلة ليطمئن على أهله بالسُنح ـ موضعٌ خارج المدينة ـ وقد غادر أبو بكر المدينة بعد أن استأذن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج، كما عن ابن هشام في سيرته: قال أبوبكر: يا نبيّ الله، إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحبّ واليوم يوم بنت خارجة، أفأتيها؟ قال: نعم. قال: ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج أبو بكر إلى أهله بالسُنح(٢).
وأي شأن لبنت خارجة لدى أبي بكر حتّى يترك ما هي عليه الأحداث من ارتطام الأخبار المتضاربة وهياج المسلمين واضطراب القبائل المحيطة بالمدينة، وتحسب الآفاق الإسلامية، وانشداد دول الجوار إلى ما سيؤول إليه الغد المفجع من الرحيل بانقطاع خبر السماء، ومن غير اللائق بالعامة من الناس أن يغضّوا ما هم عليه من الأنباء الغريبة والأخبار المتوقعة لرحيل النبيّ الوشيك، فما بالك بذوي الشأن من هؤلاء ليرتحلوا إلى بيوتاتهم فيعانقوا حلائلهم دون أدنى قلقٍ أو توجّس لما سيؤول إليه صباح اليوم الحزين؟!
وهل ترى أنّ أبا بكر قد أقلقه مصير إبنة خارجة ليتطلع إلى أخبارها ويتشوّف أحوالها والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مسجّى بين أهله يُغشى عليه ساعة بعد ساعة وأربأ عن أبي بكر هذا التسرّع لافتضاح أمره بين المسلمين بادياً قلقه على أهله ومصيرهم، دون مصير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره ونهايته، فأبو بكر يدرك أنّ الأمر على خطورته لا يسمح بالسنح أن يبيت فيه ومصير الدولة الإسلامية يجهله ذوو الطموح السياسي، ما لم يكن من وراء الأمر أمرٌ آخر أخطر وأفظع من ذلك، ونحسبُ أنّ أبا بكر قد عقد لقاءاته مع تحالفات القبائل القريبة من المدينة كأسلم، ليسلم له الأمر ولأصحابه الذين دبّروا الأمر بليل، وبيّتوا للأحداث الحاسمة ما يناسب خطورة الموقف المجهول، فأبو بكر غادر المدينة مفاوضاً على اللحظات الحاسمة مع قبيلة أسلم المنتصرة له ولأصحابه، وعمر بن الخطاب يراقب الحدث المفجع الذي ستصبح عليه المدينة بعد رقدتها من هزيع الأحداث التي حُبكت قبل رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل قبيل وفاته، وأبو عبيدة الجرّاح في وجلٍ يجوب أطراف المدينة، ليتحسس الأخبار القادمة بصيحات تنطلق من دار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) معلنة اغفاءته الأبدية، ليوصل الأنباء عن كثب إلى عمر بن الخطاب الذي لا يقرّ له قرار بعد غياب أبي بكر المفاوض الناجح مع أسلم لتسلم بذلك خطة التدبير.
فالقوم سيجنون حصيلة أعوام من التخطيط لهذا اليوم المشؤوم، والتدابير الأمنيّة تسير بتؤدة لتراقب الأحداث، فالخطة الثلاثية - على ما يبدو - ستجني ثمارها بعد سويعات، والتحالفات بين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة قد أخرجت قرنيها من بين الأحداث الآتية بعد حين، أو صباح السويعات القادمة، فلا يبقى بين جهد هؤلاء وجني ثماره حتّى ساعة واحدة من الصباح ليتنادى بعد ذلك بيت النبوّة برحيل النبيّ العظيم.
ويفزع المسلمون على نبأ الرحيل، وتتزلزل المدينة تحت أقدامهم، وتربد السماء بما لا يعهده الناس من تلبّدٍ ينذر بالعاصفة القادمة، وعليّ يبكيه بما تبكيه ملائكة السماء، فإنّ لعليّ في الرحيل النبويّ معنى لا يحسنه الآخرون، ولا يدركه الباقون، فإنّه لا يعرف فاجعة الفقدان غير من عرف النبيّ بحقيقته، أمّا هؤلاء فإنّهم يبكون على فقيد، ويتباكون على مفقود.
ولم يكد عمر أن يسمع بانتشار خبر وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تهدّد وتوعّد من أذاع ذلك، وبدا للناس في موقفٍ مريب لا ينبغي لابن الخطاب أن يشهر سيفه ليعاقب من أذاع خبر الرحيل، فهو يجول ويخور متوعداً من صدّق بوفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوعز ذلك إلى قوم من المنافقين يزعمون موت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد توفي، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مات(٣).
ولم تدرك ابن الخطاب الفطنة في هذا الموضع بقدر ما كان بسيطاً، فالنبيّ مسجّى بين أهله، والمسلمون ينظرون إليه لا تهدأ لهم عبرة، وجسده الشريف تحت أنظارهم الباكية، فما بال ابن الخطاب يكذّب أبصار القوم ليموّه عليهم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غاب كما غاب موسى عن قومه، أوَ ليس موسى رحل بجسده وروحه عن دراية قومه فخلّف عليهم هارون وأوصاهم باتباعه حتّى رجوعه، فكيف والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فارق الحياة ليقارن ابن الخطاب موت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) برحيل موسى وغيبته عن قومه؟.
إنّه صخبٌ أزعج المسلمين وهم في حال لا يحسبون لهذا الهوس من حساب، وهم في شغل عن مشاغبات عمر وضجيجه المعروف، وكأنّ الخطة لم تكن محكمةٌ، أو الحبكة لم تكن متقنة، فابن الخطاب أراد أن لا يُذاع نبأ الرحيل النبويّ حتّى يرى حليفه أبو بكر وسط الأحداث الهائجة، وتدارك أبوبكر ما اضطرب فيه ابن الخطاب، ليُعيد الأُمور إلى واقعها، وليرتق ما فتقه عمر في مقالته، فكان أبو بكر حكيماً في تدارك هفوة حليفه التي أثارت استياء المسلمين، ومقتهم لما أقدم عليه عمر ليفرض رأيه على جموع الصحابة المنكوبين بالجلل الفادح، والمصاب العظيم.

* * *

دخل أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول الله مسجّى في ناحية البيت عليه بُردُ حبرة، فأقبل حتّى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي، أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، قال ثمّ ردّ البرد على وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيها الناس، إنّه من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).
فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنه هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم، قال: فقال أبو هريرة: قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها حتّى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، عرفت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مات(٤).
ولم يُجِد عمر دوره، فقد كان في حركاته وصخبه مضطرباً أوهن ما عزم عليه أبو بكر من استرسال المسألة هكذا دون تكلّف، إلاّ أنّ الذي حمل ابن الخطاب على إداء هذا المشهد غير الموفق قلقه من عدم وصول أبو بكر مع قبيلة أسلم التي سترابط عند المدينة لتتلقّى إيعاز التحرك عندما يتطلب أمر الانقلاب ذلك.
وما أصفق الراوي حين يستجهل الجموع الغفيرة من الصحابة الذين حفظوا القرآن وأوقروه في صدورهم، ثمّ هم تفوتهم آية من القرآن ينبّههم إليها أبو بكر ـ وكأن الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر ـ هذه هي سذاجة التاريخ حين يحيله أهله إلى أحاكي يتندّرون بها، وهم يؤرخون لأفظع قضية حلّت على المسلمين ذلكم هو رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وينشغل عليّ بتجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده، كما انشغل الأنصار الخزرجيين في (مؤتمرهم التأسيسي) لخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجده الجامع، ولعلّ سعد بن عبادة بادر إلى أن يأخذ بيعة المسلمين ليقطع الطريق على خطة التحالف الذي يتشاور فيه أهل السقيفة في كيفية إعلان البيعة واستراقها.

* * *

في هذا الجوّ المفعم بالحزن، يضطرب المتحالفون فرطاً ممّا هم فيه، إذ كيف يتركون سعداً يحوزها لنفسه دون المهاجرين الحليف الضعيف اتجاه سعد الخزرجي سيد المدينة وشريفها، وفي أجواء التوتر السياسي المشحون بالتنافس لأخذ البيعة لأي الأطراف الأقوياء، حيث يضطرب المشاغبون في هذا الجو القديسي الذي يُنزل عليّ (عليه السلام) جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مثواه الأخير ليهيل عليه التراب، وقد أهالوا أصحابه التنافس على خلافته دون رويةٍ ولياقة تختصر معها تاريخ أحداث مشوبة بالقلق والاضطراب، ومن ثمّ إراقة الدماء وهتك القيم والأعراض.
كان الجوّ متوتراً، بل موتوراً بكل ما يحمله المستقبل المجهول من منافسات سياسية، ومجموعة السقيفة لا تقوى الخروج من مخبئها والأحداث تسير حثيثة لصالح سعد وخزرج سعد، فالخلافة لا تكون إلاّ في قريش من آل أبي طالب، وإذا تجاوز هؤلاء شرط الطالبية في عليّ (عليه السلام) فلأليق الناس حسباً ونسباً، وسعدٌ منافسٌ قوي، فهو سيد الخزرج ومن الذين دعا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحلّ في مدينته المباركة، والهاشميون لا يعدلون بعليّ (عليه السلام) أحداً، بل الأنصار جميعهم، والذين عرفوا عليّاً (عليه السلام) وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقدّمون على عليّ (عليه السلام) أحد، ولا يتقدّمون عليه مهما هالهم من أمر التنافس أو التحاسد أو الغبطة لهذه المهمة الإلهية.
والاُمويون إذا لم يروها فيهم وهم من قريش، فلا أقل أن لا يقبلوها في أضعفهم، ولم يهدأ لأبي سفيان بال، حتّى كاد أن يملأها خيلاً ورجالاً، فما بال هذا الأمر في أقل حيّ من قريش؟!(٥).
ولم يكن الزبير ـ وهو ابن صفية عمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قد رضي من نفسه أن يكون تحت أمرة أذناب قريش من تيمها وعديها، فهو ابن صفية بنت عبدالمطلب، فإذا تعدّى الأمر عن عليّ (عليه السلام) فلا ينبغي أن يتعدّى عن ابن صفية ولا زال سيفه تصطبغه دماء المشركين يوم ذبّ الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لأبي بكر وعمر وابن الجرّاح وغيرهم شأنٌ في حربٍ أو مكرمةٌ في سلام أو داعيةُ أمنٍ أو حمىً في ذمار.
وليس للزهريين من سعدها وابن عوفها رضاً في دخول هذين الأرذلين من تيم وعدي، فإنّ لعبد الرحمن بن عوف تجارة الحرم وأموال مكة، وهو لايزال يفاخر بما لديه من العدّة والعدد طامحاً لرئاسة أهله أو حمى ذماره، وفي سعد بن أبي وقاص أنفة الزهريين الذين يفخرون بمصاهرتهم لعبدالمطلب من ابنه عبدالله ليكونوا أخوال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصبته.
هذا حال المهاجرين والأنصار يطمحون لئلاّ يتقدمهم أحدٌ في كل شيء، وكان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح يستشعرون هذا النقص، وينظرون إلى أنفسهم بما لديهم من عقدةِ دونية النسب ودناءة الحسب، فهم لا يقوون أن يتقدموا على أحدٍ من اُمور المسلمين، وقد أحسّوا ذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعانوا من قبَليّة شديدة التعصب للحسب، طيعته كريمة للنسب، وهذا شأن مكة وكذا المدينة، بل الجزيرة كلّها، لا يتقدمهم من هو أدنى منهم في كل شيء.
إذن فما العمل والأيام تتسارع لصالح التحالفات القبليّة، ولايزال هؤلاء يئنّون تحت وطأة دونية القبيلة ووضاعة الحسب، حسبما تعارف لدى أعراف الجزيرة ذات الوطأة الشديدة في تحالفاته، إلاّ أن يتحالفوا جميعاً؛ أي أن يشكّل أبوبكر التيمي مع عمر العدوي مع أبي عبيدة بن الجراح ـ الذي كان يعمل حفّاراً لقبور قريش المكيين كما كان أبو طلحة زيد بن سهل حفّار أهل المدينة لقبورهم - مع سالم مولى أبي حذيفة ذي الطموح العريض والنسب الوضيع والحسب الدنيء، فيتحالفوا على أن يشكّلوا حزباً، أو قُل تحالفاً، أو قُل حركةً سريةً تعمل في الخفاء ليحصلوا على طموحاتهم المستقبلية، وهذا هو سرّ تحرّكات أبي بكر وعمر المزدوجة في كل شاردة وواردة حتّى لا يكاد التاريخ يذكر واقعة إلاّ أبو بكر صاحبها، وعمر حليفها، وأبو عبيدة أمينها، وعلى هذا فقس.

* * *

في خضمّ بيعة الأنصار الخزرجيين لسيدها سعد، وعليٌّ مشغولٌ بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتجه ثلاثي السقيفة إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجدون سعداً دنفاً، والأنصار يعطونه البيعة بعد أن رضوا بما رضي بها سيّدهم سعداً. ولمّا لم يجد أبو بكر مندوحة عن إثناء سعدٍ عن البيعة وكفّ الخزرجيين أيديهم عن مبايعته، تحركت قوات (أسلم) تلك القوة العسكرية المتربصة على مشارف المدينة، فجاءها أمر الهجوم على المدينة بما أفزع أهلها المفجوعين بموت نبيّهم، وأهله المشغولين بإقباره ودفنه إلى مثواه الأخير، إلاّ أنّ السقيفة باغتت حالة المسلمين الاستثنائية.
فروى الطبري عن أبي مخنف، قال: حدثني أبوبكر بن محمّد الخزاعي: أنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السكك فبايعوا أبابكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر(٦).
ولم يكن لأسلم قبيلة أصحاب السقيفة وقوّتها الضاربة تتحرك حتّى تجاذب القوم السباب بينهم دون التفاوض، والتهديد دون أدنى شكٍّ من وقوع النازلة واضطراب الأمر.
قال أهل السير: فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي وعصّبته بعصابة وثنّت له وسادة، وبلغ أبا بكر وعمر والمهاجرين، فأتوا مسرعين، فنحّوا الناس عن سعد، وأقبل أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا: يا معاشر الأنصار منّا رسول الله فنحن أحقّ بمقامه.
وقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير.
فقال أبو بكر: منّا الأمراء وأنتم الوزراء.
فقام ثابت بن قيس بن شماس وهو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم.
فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، ولكن قريش أولى بمحمّد منكم، وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به، وهذا أبو عبيدة ابن الجراح الذي، قال رسول الله: أمين هذه الأمّة، فبايعوا أيهما شئتم، فأبيا عليه وقالا: والله ما كنّا لنتقدمك وأنت صاحب رسول الله وثاني إثنين، فضرب أبو عبيدة على يد أبي بكر وثنّى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش(٧).

* * *

والطريف في أمر أبي بكر أنه احتجّ بالنصّ والقرابة.
أمّا القرابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقوله: (نحن أحقّ بمقامه).
وأمّا النصّ، فقوله أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في عمر: (اللهم أعز الدين به).
وفي أبي عبيدة بن الجراح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: (أنه أمين هذه الاُمة).
وإذا كان الأمر كذلك فعليّ أولى بالقرابة، وأحقّ بالنص، فهو ابن عمّه وصهره من ابنته فاطمة، وأما النصّ فقوله: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) وغير ذلك من النصوص: العشرات، ولعلّ أبا بكر اختلط عليه الموقف وهاله الخصام، وأعيته الحجّة فحاجّ الأنصار بما هو حجّة عليه وعلى أصحابه.
هذا هو الموقف الساخن، مرجلٌ يغلي بالمنازعات، والسيوف في مقابض أصحابها تتربص أمر المنازلة، والدماء تغلي لتُراق على أمر محسوم لصالح عليّ (عليه السلام) بشهادة الجميع، فعلام هذا الصراع والخلاف؟!.
وعلام هذا الهياج والغليان؟!
وهذا ما دعا ابن العبري أن يختصر الموقف بقوله: أعظم خلاف بين الاُمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه سلّت السيوف(٨).
ويتمّ الأمر لصالح السقيفة حيث يتمّ الانقلاب تحت وطأة السيوف، ويصل الأمر إلى عمر بن الخطاب بوصيةٍ من أبي بكر ردّاً للجميل، أو قُل وفاءً بما تعاهد عليه الطرفان ويكون لعثمان نصيب المشورة بعد أن خطّط لها عمر ونفذّها عبدالرحمن بن عوف، ليكون عثمان الخليفة دون إجماع المسلمين ولا اجتماعهم على أمرٍ هم ناكروه.
وينعزل عليٌّ (عليه السلام) عن تلك الأحداث الهائجة التي تسحق معها دين الله، ويتحاشى الدخول فيما دخلت تحالفات هؤلاء ويتربّص صابراً، وينتظر مجاهداً في عين الله.
وتعصف الأحداث الهائجة بعثمان، ليقرر المسلمون عزله فإن أبى فإقامة الحدّ لما أباحه من حرمة الخلافة وكرامتها، ويتحالف المصريون مع أهل الكوفة، والمدنيون مع أهل البصرة ليحملوا عثمان على الاعتذار على ما فرّط في جنب الله، وردّ المظالم إلى أهلها، والحكم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولم يستجب عثمان بعد ما استجاب لغيّه مغبّة مشاورة حاشيته، كمروان بن الحكم وبني معيط ومن لفّ لفّهم من المرتزقة، وينتهي الأمر بتحريض عائشة على قتل نعثل ذلك اليهودي الذي شبهت به عثمان، لينحاز الزبير وطلحة إلى الثوار فيقفان لمراقبة الأمر، ولم يكن معاوية بالمستجيب سراعاً لنجدة ابن عمه، فلم يحرّك ساكناً، بل جعل جيشه على مشارف العراق يستشرف الأمر لئلاّ يخسر صفقة اللعبة، فإنّ اللعبة لا تتم إلاّ بمقتل عثمان، ومِن ثَمّ يثأر ابن أبي سفيان لدم ابن عمه المطلول بين عائشة والزبير وطلحة من جهة، وبين الثوار الذين سئموا حياة المزايدات في تعيين خاصته وحبوة أصهاره، واتخاذه مال الله دولاً وعباد الله خولاً.
وتبدأ فصول اللعبة بكل حيثياتها عندما يتبنّاها المرء وهو في أوج مزايداته مع مبادئه، بل حينما يجد الإنسان نفسه مخذولاً من قبل أمانيه ومكائده لينشط لديه عقال الغرور، كما نشطت لديه الرغبة في مسخ تلك الإنسانية المهدورة.
وينثال الناس على عليّ (عليه السلام) بعد تجربة ثلاثة عقودٍ من عقود طيش الحاكم لينفذه في غفلة محكوم.
ولم يستخفَّ عليّاً (عليه السلام) لبيعة الناس بعد أن استخفوا بحقّه المهدور. ويقبض عليٌّ (عليه السلام) يده المبسوطة بما للمشورة من شأن النصح في قهر الصعاب التي تحوم على خلافة الثلاثة، فيقترح عليهم بالرأي ما يقترحون عليه بالمشورة، فحقّه المهدور لايمنعه من بيان الرشد عند تعاور الاُمور، وحظّهُ المهضوم لا يُسكته عن جميل العرفان في تيسير دولة الإسلام لا خلافة تيم، أو ولاية عدي، أو سلطان آل أبي معيط، ويبقى عليٌّ (عليه السلام) الخليفة في إدارة شؤون الدولة منذ أن غفت عينا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشحّت عليها نفوس قوم حرصوا على الإمارة فزانته اغتصابهم لها بما يزين المهضوم إرثه المغتصب وحقه المهدور، ويتطلّع بكل رجاحة رأي أن يكون خليفة المهام الصعبة لا سلطان المصالح المغتصبة ويبقى عليٌّ (عليه السلام)، عليّاً (عليه السلام) يدير الاُمور كما يدير الراعي شؤون رعيته من وحشة الغاب في ليلة ظلماء، ويبقى عليٌّ (عليه السلام) بعد الرسول كما هو إبّان حياته النبويّة الشريفة يناجيه ويشيره ويدنيه، ليكون خليفته وصاحب سرّه والمدبِّر لشؤون الأمر من بعده.
إذن لم يكن عليّاً (عليه السلام) خليفة منذ أن انهال عليه الناس يلتمسون لهم إماماً ويرجون قائداً ويبايعون خليفة، بل عليٌّ (عليه السلام) أسمى من مبايعة هؤلاء النفر من الذين استهوتهم صيحات القوم وزبرجة التحالفات وزهو الشورى وبريق إجماع أهل الحلّ والعقد، بل عليٌّ (عليه السلام) هو عليٌّ (عليه السلام) لم تزده فرقة الناس عنه وحشة، ولم يُزده اجتماعهم عليه عزّة.
وينصاع عليٌّ (عليه السلام) للأحداث التي لم يشهدها الإسلام منذ ولادته.
فالتجربة الجديدة في انتخاب عليّ (عليه السلام) خليفة لم يحظَ به الأولون، ولا يحظى بها الآخرون، وشعارات الإجماع وعناوين الشورى خلف جدران سقيفة بني ساعدة تُهتك حجبها دعاوى إجماع أهل الحلّ والعقد، فيكون عليّ (عليه السلام) أول من ينتخب بانتخاب شعبي لم يشهده العالم من ذي قبل وتنتهي حقبة السطوة بالسيف، والخداع بالشعارات البراقة من شورى أو إجماع.
وتعلن الخلافة عن حظوتها باستقرارها في عليّ (عليه السلام) المهدور الحقّ، المغبون الرأي، ويكون عليّ (عليه السلام) الخليفة كما كان هو الخليفة، ويكون الإمام والقائد والراعي كما عهده المسلمون منذ عهد النبوّة قبل تحالفات الأحزاب.
ويفتتح عليٌّ (عليه السلام) عهده الجديد بمحاسبة كل متجرئ على منصب الإسلام أو حائز بغير حقّ ولاية مال، أو إمارة سلطان، فيعلن عزلهم عن مناصبهم، بل يحوز ما في حوزتهم من أموال المسلمين ليضمّها إلى بيت مال المسلمين، وينصاع الجميع لأحكام عليّ (عليه السلام) الصارمة في ذات الله، وينخذل معاوية بن أبي سفيان في طاعة الإمام، وتكبر لديه عقدة الإثم، وضخامة الجاه، وحبّ المنصب، وعدوة السلطان، فيتصالح مع عليّ (عليه السلام) على أن يعفيه بما لديه من مال ويتركه في سلطان آل أبي معيط متنعماً بدمشق الشام وحرير الرومان، وقصر الخضراء يحفل بمغنيات الهوى وبائعات المجون، وجياع الناس وضعفة المسلمين يموتون جوعاً من حرمان الحقوق وضياع المظالم.
فما بالك في عليّ (عليه السلام) لقرّ له قرار الظالم على المظلوم، أو المتخم على سغوبة الحرى في شظف عيشٍ تترخصُ معه النفوس، لتزهق به أرواح المظلومين، آل أبي سفيان يحيون بلياليهم الحمراء قصر الخضراء الذي عجّ بكل ذي بطنةٍ، والوجوه السخمة تحيط بنفايات أسمطة البذخ ليتحرى بُذلة التقمم ما يقيم به صلبه، ويُسكن روعة رضيع قد هاله ظمأ الرضاع، أو مرضعة مُسبغةٍ تُجيل النظر في كفيلها ليجول شوارع دمشق الحمراء وباحات الخضراء علّهُ يتقمم، كما تتقمم الكلاب السائبة في ظلمة الليل البهيم.
هذه هي عدالة ابن أبي سفيان حين أمّره الخليفة الثاني كسرى العرب ووالي الشام، بل الخليفة المطلق في عرض خلافته والياً يحكم باسمه، غير خاضع لقانونٍ أو مستسلم لدستور، بل هو خليفة الشام المطلق يدّخرهُ لدولةٍ مؤسساً على أنقاض ما سيؤول الأمر في مستقبل العاجل من الأحداث المبهمة.
وكان عثمان بن عفان قد أقرّ ما في يده من القوة والسطوة والحظوة لولاة الدولة الإسلامية الخاضعين لسلطان الخليفة خلا معاوية، فإنّه الحاكم والخليفة والوالي في حقبتي الأحداث الإسلامية من خلافة الثاني والثالث، فكان معاوية والياً متميزاً يملك من صلاحيات الخلافة ما لا يملكه سوى الخليفة، بل حتّى الخليفة يقصر عمّا تناله يد معاوية وسطوته الكبرى.
هكذا هو معاوية يرى نفسه خليفة الأحداث المرتجلة، بل قلُ الأحداث المرسومة منذ أمد الخلافة الثانية، مدخوراً لتأسيس دولة تنافس، دولة الشرعية التي يتزعمها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في الزمن الآتي من الأحداث التي خبرها ابن الخطاب وغيره من فريق السقيفة.
وإذا كان هذا حال معاوية بن أبي سفيان، فكيف يقرّ له قرار البيعة إذا رضي ابن أبي طالب ببيعته، أو الطاعة في الانعزال والرضا بما رضي به الخليفة الجديد من الإقرار بالطاعة والولاية لقانون الدولة الجديد الذي يُلغي معه ما تلغيه شرعية الحاكم دون أن يستند هذا الوالي إلى حاكمية إلهية يأخذها من صاحب الخلافة الشرعية.
إذن لم يكن ابن أبي سفيان بالوالي الذي يقرّ ولايته الخليفة الشرعي، وإذا كان هوس الحكم وجنون السلطة يستحوذان على رجلٍ لا يملك سوى التحكّم برقاب الناس، وراثة من أبيه الذي كان يُعطي الحق لنفسه حاكماً في قريش وسيدها دون منازع، ولم تقرّ له قريش قرار الزعامة في وفرة الأسياد المتسلطين حقاً بقبائليتهم المعهودة.
وأبو سفيان لم يكن إلاّ راعياً لعير قريش يستأجره أسيادها بين رحلتي الشتاء والصيف، سائقاً لإبلهم حافظاً لما تجنيه تجارة الرحلتين، فيكون بعد ذلك أجيراً لأسيادها، مأجوراً لإبلها حافظاً لذمام اُولئك العبيد أو المرتزقة الذين يسوقهم أبو سفيان متحكماً فيهم متسلطاً عليهم، حتّى إذا كانت وقعة بدرٍ الكبرى كان أبو سفيان محرّضاً لعصبية قريش مستنجداً بقبليتهم، داعياً لمناجزة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعترض عيرهم، ففرّ أبو سفيان بجلده صائحاً بنخوة القبليّة مهرّشاً بين الفريقين، عندها عُرفَ أبو سفيان الأجير على عير قريش، فلم يُعرف سيداً، بل عُرفَ أجيراً وضيعاً.
هذا هو أبو سفيان، وقد ظن بعد ذلك ابنه أنّ له الحقّ في زعامة قريش، أو في قيادة أجنادها المسلمين، وقد نسي أنه وأبوه طليقا عفو النبيّ لا يحتملان من أمرهما غير الطاعة والسكون لما تؤول إليه اُمور المسلمين وما يقرّره أهل الحلّ والعقد أو حاكمية الخليفة الشرعي، حتّى يرى معاوية بن أبي سفيان وقد انتفخت أوداجه بأحلام الحاكم والسائس بعد أن سمع من الخليفة الثاني ما يثني عليه من كبره وتفاخره ليُلقي إليه لقبُ (كسرى العرب) مفتخراً بما يعيث معاوية من الفساد بأموال المسلمين وأنفسهم، فكيف يرى معاوية بعد ذلك وقد أقرّ له عمر بن الخطاب استقلاليته في شام المسلمين وغوطتهم وما تحوزه القدس من فلسطين الكبرى التي تضم فيما تضم ولايات رومية يتسع مداها إلى أن تُليق بمملكة كبرى أو امبراطورية طائشة تتربصُ بما يحاذيها من بلدان، لينصاع إلى قرار عليّ (عليه السلام) في الانعزال وتسليم ما في حوزته من أموال ومغادرة قصر الخضراء وترك خزائن الشام ومعطيات غوطتها؟!
وكيف يقرّ لعليّ (عليه السلام) قرار، ليرى ما عاث به ابن أبي سفيان من التهوّر واللامبالاة في مراعة أحكام الله عند ولايته الشام؟ إذن فما الحلّ والاُمور تتصاعد بين الطرفين، فلا عليٌّ (عليه السلام) يقرّ لطيش معاوية، ولا معاوية بالذاعن لحكم عليّ الخليفة الشرعي والإمام القائد.
هكذا كان الأمر، فإنّ صفين الواقعة على ضفاف الفرات العراقي تستعدُّ للمناجزة وتصفية حساب الفريقين، وابن أبي سفيان اختار صفين ليشاغل عليّاً (عليه السلام) وجيشه القادمين من المدينة فيستغرق الأمر أياماً أو قُل بعض شهر، ليصل جيش عليّ (عليه السلام) مناجزاً جيش الشام.
ولا يخفى ما لقرب المناجزة من الأهمية لدى قادة الجيوش، فإنّ اختصار المسير للوصول إلى الهدف أمرٌ مهمٌ لدى هؤلاء، ووصول الميرة والعدّة والعدد قضيتان يحسبان لهما حسابهما، وما الكوفة إلاّ عاصمة المناجزات الخاطفة، والحملات العسكرية السريعة، فالعراق مهدّدٌ بمطامع معاوية، والكوفة ترفل بولائها لعليّ (عليه السلام)، والعدّة من الأشداء المناجزين لأهل الشام تضمّهم كوفة الجند يوم أسّسها عليّ (عليه السلام) على عهد عمر بن الخطاب(٩)، وولاء الكوفيين من قبائل العرب وجند الحمراء تشحذ سيوفها لمنازلة هؤلاء المتمردين من أهل الشام الذين طمعوا أن تكون عاصمة الدولة دمشق دون الكوفة أو المدينة، ولا ننسى ما للمدينة من ولاءاتٍ متناثرةٍ بين أطراف الأهواء السياسية المرتجلة، أو المحسوبة على المناوئة لعليّ (عليه السلام) أو المعروفة بطيها كشحاً عن حقّ عليّ (عليه السلام)، أو الاعتراف بأحقيته، أو المتربصة له الدوائر، أو الطافحة في عداءاتها له، أو المناصرة لأية جهة تقف دونه حائلاً للنصر، أو تبوء مكانته.
هذه هي المدينة تتراجع يوماً بعد يوم في تحالفاتِ غدرٍ ومكرٍ ضدّ عليّ (عليه السلام) وحقه المهدور، بل هي تتحالف لتكون العقبة في تقدّم الأمر إليه، ولا تفوتنك مكة فإنها تُحيق بأهل هذا البيت مكراً، فالقبائلية لاتزال تأخذ مكانتها من قلوب المكيين، وسيف عليّ (عليه السلام) لا يزال يقطر من دماء الآباء، ولم تنس مكة أراملها وأيتامها سطوة هذا السيف يوم كان الفتح يشارق أسوارها، والطلقاء المكيّون لا يحمدون للرسول ولآله موقفه من تحريرهم بالإسلام فألصقت بهم وصمة الطلقاء، ولا تزال المنّة في أعناق هؤلاء لآل الرسول لا يغسلونها حتّى لأجيالٍ من الأبناء الذين كلما يرتفعون فلا يجدون لهم محطاً إلاّ أن يكونوا أبناء طلقاء الذين منّ الله عليهم بنبيّهم (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعتقهم، هذه عقدة المكيين من رسول الله وابن عمّه عليّاً (عليه السلام)، وهذه دسائس المدنيين بعد أن تحزّبوا لمن قبلهم، فلا يبقى مكان لعليّ (عليه السلام) يمارس حظّه الأوفر من إبداع المصلح، أو سياسة القائد أو نفثات القديس، ينفثُ في روح الأجساد البالية بجاهليتها.
ولم يبق للكوفة سوى حظ الاحتفاء بعاصمة عليّ (عليه السلام)، ذلك القائد والخليفة الذي تكالبت عليه أحزاب المصالح والقوى لتحكم مذعنة بحظها الأوكس، وعليٌّ (عليه السلام) يفارق العاصمة التقليدية ليؤسس عاصمته في قلب الأحداث.
وبالفعل، فستكون الكوفة عاصمة قرارات الحرب، كما هي عاصمة قرارات السلام، وستكون بلد المناجزات العسكرية، كما هي بلد التحالفات الطبقية من حمراء الديلم إلى قبائل العرب حتّى أساورة الفرس وسيابجة السند، هذه هي الكوفة المتلونة بقبائليتها، فضلاً عن أذواقها غير العربية وتحالفاتها العرقية المليئة بالمفاجئات.. إنها حقاً بلد لا يقودها إلاّ مثل عليّ (عليه السلام) المبدع في الإدارة، كما هو المبدع في ساحات الوغى ومناجزة الأقران.
تتحرّك جيوش عليّ (عليه السلام) إلى حيث صفين لتناجز اُولئك الشاميين الذين أرادوا أخذ المبادرة في السطوة على الموقف لئلاّ يبادر عليّ (عليه السلام) مرة اُخرى في إعلان عدم شرعية معاوية ويشاغله، ليبعد أذهان السذّج من أتباعه عن السماع إلى حجة عليّ (عليه السلام) في تسوّر معاوية على ولاية المسلمين وليشغل الرأي العام عن عدم مشروعيته إلى الانشغال بحرب لا يعرفون أولها من آخرها، ولا مبدأها من منتهاها، فهم يُزجون في لهيب حرب ضروس تأكلهم دون رحمة، وتطحنهم دون هوادة، ولا يعترضون على معاوية في هذه الحرب، وما هي شرعيتها؟!.
ومن هو معاوية حتّى يُقرن بعليّ (عليه السلام)؟!
إنّهم مغفّلون حقّاً، فصفين شغل معاوية الشاغل لا يقرّ قراره منها، ولا يستريح عن مناجزة الكوفيين فيها، فقد صارت لعنته الأبدية كما هي لعنة الشاميين لئلا يثير عليٌّ (عليه السلام) عدم مشروعية معاوية في ولايته الشامية.

* * *

وبعد حيث ينحدر جملٌ أهوج من تحالف ثلاثي تقوده اُمّ المؤمنين وهي تقرأ قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) حتّى زحزحتها فتنة كبشي قريش طلحة والزبير اللذين بايعا عليّاً (عليه السلام) طوعاً وحرّضا المسلمين على عزل عثمان وقتله، فلم يستجب عليٌّ (عليه السلام) لطموحاتهما في امارتي البصرة والمدينة، وخابت أمانيهما في امارتين كانا قد بيّتا لهما من ذي قبل ظناً منهما أنهما يسعدان في مساومتهما لعليّ (عليه السلام) قُبالة بيعتهما له، إلاّ أنّ ذلك لم يقنع عليّاً (عليه السلام) ليتنازل عن عزمه في ذات الله ما لم يربأ عن دنيا القوم ليتعالى إلى ذاته المحمّدية يوم لم يساوم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشاً على دعوته مقابل أن يتنازل عن رسالته أو جزء منها.
إنّه محمّدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينطوي في ذات عليّ (عليه السلام) ليعرّي طموح قريش في ساداتها وكبرائها الذين لا هَمَّ لهم إلاّ الإمارة، ولا شغل لديهم غير التسلّط والجبروت والتحكّم في رقاب الناس.
ها هي قريش بدر تنازع محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في سلطانه لتعيدها جذعة في جمل المرأة وعير قريش عند طلحة والزبير، فتتناثر أشلاء البصريين دفاعاً عن جملهم الذي رغى فأحدقوا به تعبداً يذودون بأنفسهم عنه، وبعد حين يُعقر ذلك الجمل السامري بعد رغائه لتُعقر معه الآلاف من أولئك الذين دافعوا عن حرائر سلطانهم وعرضوا حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ميدان مواجهة خاسرة راح ضحيتها اُلوف مؤلّفة من اُولئك المغفّلين، أو ذوي المطامع الذين استهوتهم لعبة السياسة ومساومات السلطان.
وتنتهي الجمل بما انتهت إليه من نهاية مأساة لا حصر لضحاياها، وهزيمة تلاحق رجالاتها، ثم تُعاد صفين في مناجزاتٍ خاسرة يُهزم فيها الشاميون ويكاد سلطانهم تسحقه خيول الكوفيين بقيادة مالك الأشتر الذي شارف على حسم النصر لصالح عليّ (عليه السلام)، ولم تزل جماجم الشاميين تتطاير بما تتطاير معها أخبار الهزيمة لمعاوية الذي نفدَ لديه كل شيء سوى عمرو بن العاص، ذلك الرجل الذي يقودُ الأحداث بخطام المكر وزمام الخديعة، فيرسلها عرجاء دون أن تقوم على قائمة الرضا من تقوى الله سوى المكيدة والدسيسة، ويشاطره صاحبه الأشعري أبو موسى الذي عيّنته أهواء الغوغاء من جيش عليّ (عليه السلام) على أن يكون مفاوضاً قُبالة عمرو بن العاص في مكيدة رفع المصاحف.
فالشاميون كانوا لا يستمعون لعليّ (عليه السلام) وهو يحاججهم بالقرآن ويحتكم إلى كتاب الله في الكفّ عن دماء المسلمين التي اُريقت من أجل حقٍّ مزعومٍ يدّعيه ابن أبي سفيان في الحكم لنفسه، فلمّا أوشكت الحرب أن تضع أوزارها لصالح عليّ (عليه السلام) وأنّ الهزيمة تلاحق معاوية، عمد عمرو بن العاص إلى رفع كتاب الله على رؤوس الرماح شاهراً صوته: (بيننا وبينكم كتاب الله) فأصغى له هؤلاء الضعفة من الكوفيين وصدّقوه على مكيدته.
ولم يكن لدى عليّ (عليه السلام) سوى الانصياع كرهاً إلى سفه الغلبة الغالبة على رأيه الذي لا يُطاع، وهذا شأن القدّيس حيث يحظى بأتباعٍ صمٍّ لا يعقلون، يبخسون حظه، ويهدرون رأيه، ويتبعون أهواءهم دون مسكة من دين، أو حظوة من عقل فيقودونه حسب أهوائهم.
ولم يجد عليٌّ (عليه السلام) إلاّ وسيوف بعض أصحابه مشهرةً على رأسه يطالبونه بالانصياع لتحكيم ابن أبي سفيان كتاب الله، وقد نسوا أنّ عليّاً أول من طالب القوم بالاحتكام إلى كتاب الله، فلما رأى عليّ غلبة الغوغاء على رأيه خشي أن تراق الدماء حتّى يعرف الحقّ أهله، أو يعرفون الحقّ اُولئك الذين تدفعهم حماقاتهم أن يجتهدوا برأي لم يحسنوا هم عواقبه حتّى يذوقوا وبال أمرهم، وعاقبة مغبّتهم.
رضي عليّ (عليه السلام) على مضضٍ وهو يعلم عاقبة الأمر، ولكن (لا رأي لمن لا يطاع) كما كان يصرّحها مراراً، فلمّا حظي ابن العاص بمكيدته قدّم أبا موسى الأشعري للكلام بحجة سابقته في الإسلام وسابقته في السن.
ولم يكن أبو موسى الأشعري قد حمل أمانة المفاوض وحكمة المدبِّر في توخّي الحقّ ومدافعة الباطل والاجتهاد بما تحفظ معه حرمة الدين، ولم يُستمع لحقّ عليّ (عليه السلام) بقدر ما استمِع لمكيدة ابن العاص، فإنّ عليّاً أوصاه بتقوى الله والاحتكام إلى كتابه، وابن العاص غرّره بنزع صاحبه وخلع طاعته، كما هو سيخلع صاحبه ابن أبي سفيان.
ولم يكن أبو موسى الأشعري إلاّ حماقة يمثلها رجلٌ بطينٌ بسفاهة الغوغاء، يكتنز على همجية المتسكّعِ في زوايا الأحداث السابقة، ليروي نتفاً من أحاديث يسمعها من هذا ويتلقاها من ذاك، لينسبها إلى نفسه في سماعه حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
هكذا كان أبو موسى الأشعري مهذار حديث لا يبتغي سوى التزلّف إلى الخليفة الثاني ليحصل على ولاية، أو يجني ثماره تقرّبه لعثمان في حديث مقابل صرةَ مال، ولأبي موسى هذا قابلية التمثيل لإجادة دور الزاهد في الدنيا العائف للذائذها، فيستهوى دوره هذا أهلُ السفَه والرعاعِ، فينخدعون ببطنه الذي عظم على موائد الحكام، ولحيته الكثة التي ترهّلت كأنها شباكٌ تتصيدُ السفهة، وتقتنصُ الأحداث.
هذه هي صورةُ أبي موسى الأشعري عندما يعتلي المنبر ليُعلن خلعه عليّاً (عليه السلام) ويوغل في تفرّق الناس عنه، ويفتضح أمر خيانته بعد أن جنى صاحبه ابن العاص طاعته لمعاوية ابن أبي سفيان، فأوصى الناسَ اتباع صاحبه وأنه على حقّ في مطالبته بسلطانه، وأنه لا يرى لعليّ (عليه السلام) الحقّ في مقاتلة ابن أبي سفيان.
هذه هي غوغاء الناس تتزعمها سفاهة أبي موسى الأشعري، أو قُل خيانته، فإنّ ابن أبي سفيان جديرٌ برشوة الناس على حساب دينهم، وأبو موسى الأشعري جديرٌ في قبول الرشوة على حساب دينه لدنيا غيره، فخسرت صفقة الراشي، وشُلّت يد المرتشي، وهكذا يحمل أبو موسى الأشعري هزيمة الطامع حينما تغالب الإنسان نفسه نزواتها دون أن ينظر إلى وبال ما يرتكبه من خسةِ الطمع، فيحتال لنفسه معاذير الجناية ووهم حقّ ما ارتكبه، بل يمتدُ الأمر حتّى يحتاج أقلام الذين أرّخوا لهذه الحادثة وأمثالها، فيرتكبون ما يرتكبه هؤلاء من حماقات تُراق معها الدماء وهي لا تزال في حماية معاذيرهم وفي ظل أقلامهم سعياً لطمس الحقيقة وتشويه الوقائع.
ويرجع عليٌّ (عليه السلام) بخيبة أصحابه، وحماقات الآخرين، ليحمّلوا بعد ذلك أوزار الخطيئة عليّاً (عليه السلام) وليطالبوه بجناية أبي موسى الأشعري ويحمّلوه مسؤولية خيانته بعد أن اختاروا أبا موسى حكماً فرضوه بعد رفضِ عليّ (عليه السلام) عالماً بما ستؤول له الاُمور، وهو مع هذا يحمّلونه أوزارهم، وأوزار أوزار الناكثين.
ولم يزل عليّ (عليه السلام) يكابد بمظلوميته هذا الانشقاق الجديد، والفتق الذي لا يرتقه سوى السيف، بعد أن خرج عليه اُولئك (الخوارج) في وقعتهم الظالمة في نهروان الفرات، وعلى ضفاف معارف صفين تنبثق صفين اُخرى باسم (النهروان)، فتستعر أوار الحرب لتسجّل مطحنة ثالثةً تطحن معها هؤلاء الخارجين فلا يبقى إلاّ بضعة منهم ينهزمون بجريرتهم إلى غير رجعة..
وتبقى دسائس (الخوارج) بعد هزيمتهم يمنّون أنفسهم بالنصر على حساب الدين، وبالغلبة على حساب المبدأ، لا يلوون على أمرٍ فيه تفريق الاُمّة إلاّ وبادروه، أو الانخذال عند الوثبة في نصرة الحقّ إلاّ أوهنوه، فهم مجموعون على شتات الرأي في التفرّق عند الوثبة، ينظرون إلى عليّ (عليه السلام) كما ينظرون إلى معاوية، فالحكم عندهم سواء وشعارهم (لا حكم إلاّ لله) لا يحسنون منه إلاّ إباحة الحرمات، وهتك الأعراض، وقتل النفوس، فإن الكل عندهم ينوء بإثمه، فيرجعون الأمر إلى الله من غير هدى، ويقودون الاُمة إلى مهاوي الردى، فاتفقت كلمتهم على ضلالة معاوية وعليّ (عليه السلام)، وتفرّقوا من حيث هم مجتمعون على أن يحكّموا السيف في رقاب المسلمين، فيقتلون من نال سيفهم منه.
وكان لعبدالرحمن بن ملجم المرادي سوء الطالع في التعرّف على فاتنةٍ خارجية هي قطامُ بنت الأخضر أخذت هذه بمجامع قلبه واستهوته فيما عرضت عليه محاسنها، وأرخت له سترها، دون أن تمكّنه من نفسها ما لم يمكّنها من دينه، على أن تُعطيه ما تستهويه نفسه من مواقعتها حتّى يواقع رغباتها في قتل عليّ (عليه السلام)، ذلك الصداق الآجل لأمرٍ عاجلٍ، عجّلت به نزوة ابن ملجم في تنفيذه، ولم تمر أيام حتّى كان سيف بن ملجم المرادي بشقاوته يفلق رأس عليّ التقوى في محراب العبادة مضرّجاً بدمائه منادياً:
(فزت وربّ الكعبة)...
أجل فقد فاز عليّ (عليه السلام) بتقواه، وخسر مناوؤه بمكرهم، وسعدَ عليّ (عليه السلام) بمبادئه، وشقي أعداؤه بغيّهم، وفرقٌ بين الفوز والخسران، وبين السعادة والشقاء، فعليّ (عليه السلام) فاز حينما كان للفوز مبدأٌ يمثّلهُ عليّ (عليه السلام)، فعليّ حفظ للفوز مبدئه ومنتهاه، وانتصرت السعادة حين كان للإنسان حظُ الانتصار للقيم، محفوظة في مبادئ الخير والصلاح وقد مثّلها عليّ (عليه السلام) في مبدئه ومنتهاه.
ويُحمل عليّ (عليه السلام) من محراب العبادة إلى محراب الخلود، ليقيم ثلاثاً على فراشه يُغشى عليه ساعةً بعد ساعة، وهو يوصيهم بتقوى الله والإحسان إلى الضعفة من الناس، حتّى شملت وصيته بالإحسان أو العفو عن عدوّه عبدالرحمن بن ملجم، بل كان يناصفه ما كان يطعمه أهله أو يسقيه أبناءه.
فإنّ في عُرف عليّ (عليه السلام) رحمة العفو عن أعدائه، كما هو الإحسان إلى أتباعه، والإحسان إلى مناوئيه، حينما تشحُّ النفوس بالإحسان حتّى إلى من أحسن إليها، هكذا هو عليّ (عليه السلام) في حياته كما هو قُبيل وفاته، وها هو منبر وعظه في صلاته كما هو منبره على فراش المرض يكابد الموت، ويصارع آلامه من ضربة عدوّه كما صارع أحزانه من شقاوة قومه.
وتتصاعد روح عليّ (عليه السلام) إلى حيث الخلود الأبدي، وترتفع إلى بارئها كما هي تسمو خيراً، وتطفحُ هدى، وتفوح عبير صلاح.
ويُدرج عليّ (عليه السلام) في أكفانه، كما يدرج في ذاكرة التاريخ ليحفظ له شخصية القائد، والإمام، ومن ثَمَّ خلافة الرسول حقاً وصدقاً وعدلاً.
ويبكيه أعداؤه قبل مريديه، فقد كابد عليٌّ (عليه السلام) ما لم يكابده غيره من المصلحين، وينثالُ القوم على خليفته الحسن (عليه السلام)، ذلك الذي سيمثّل دور الوالد في المحن كما يمثلها في القيادة والإمامة والخلافة، فإنّ الحسن (عليه السلام) الإمام الممتحن، والخليفة الممتهن حقّه والمغصوب إرثه، ضمن حقبة تاريخ مليء بالمفاجئات والمفارقات التي يشهدها تاريخ، ولم يزاولها قائد كما كابدها الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ذلك المقهور الممتحن.
بيان النعي
وتستيقظ الكوفة المترقبة لحدث الرحيل الذي يوشك أن يعصف بها بعد ساعات من فاجعة الاغتيال، فإنّ عليّاً (عليه السلام) بالأمس يوصي أولاده وأهل بيته وخاصّته وجماعة المؤمنين والغفيرة من جموع رعيته التي تدافعت لعبادته، بل لتوديعه، فتبكيه راحلاً، وترتقبه مودعاً، لا يفتر عن ذكر الله لسانه، ولا عن الوصية بيانه، ثمّ هي تستمع إليه بخلافته لولده الحسن وعهده إليه، والطاعة له والسماع منه، فإنّه إمامهم المرتقب وخليفتهم القادم....
وإذا كان الليل قد أرخى سدوله، فإنّ عليّاً (عليه السلام) يحمله أهل بيته وخاصّة أصحابه وقد فارق دنياه ليُنزل في حفرته، ويوارى في ملحودة قبره، تشيّعه ملائكة الله التي هبطت في موكب جنائزي مهيب يحملون مقدمة نعشه إلى حيث وصيّته عند قبر آدم وملحودة نوح، وجوار هود ومقربة صالح، فيكون ضجيعيه آدم ونوح، وجارَيه هودٍ وصالح.... أجل أنّه مثوىً عظيم لثاوٍ أعظم، في ظهر الكوفة ذلك الغري الذي سيكون مهوى أفئدة المؤمنين.
في هزيع ليل كوفي يجتمع آل بيت النبوّة، ليبكوا فقيدهم الراحل بذكريات قطيع من المحن التي لم تهدأ، فتقرّ عيون اُولئك الذين أذاقوه مرارة الحياة لينعموا بحلاوة دنياهم، فإن أهله وخاصته يريدون أن يبكوه بما للبكاء من تهدئة نفوسٍ تجيش بمحن تجرّعها فقيدهم منذ أن كان للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ظهيراً في رسالته، حتى ووري في حفرته غريباً في دنيا غيره.
ويعصف خبر الرحيل بكوفة عليّ (عليه السلام) صبيحة دفنه الذي لم يشترك به إلاّ النفر القليل من خاصته وأهل بيته، ليعلن ولده الحسن (عليه السلام) ذلك النبأ الصاعق على هامات الكوفيين، وقد ازدحموا تحت منبر عليّ في مسجد الكوفة الذي يغصّ الآن بالآلاف المؤلّفة من نادبيه، أتباعه وأعدائه، فهؤلاء يبكون عظمته، واُولئك ينعون عفوه، وبين هؤلاء واُولئك بونٌ من التأبين، إلاّ أنّها تشترك في وحدة الحبّ والحسرة، أو بين الأسف والشوق العظيم يخفت بكاء الناعين، وعويل النادبين، ليعلو صوت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بالحمد والثناء على الله بما هو أهله، ثمّ الصلاة والسلام على رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال:
لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعملٍ، ولا يُدركه الآخرون بعملٍ، لقد كان يُجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوجّهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله على يديه.
ولقد توفّي (عليه السلام) في الليلة التي عُرج بعيسى ابن مريم (عليه السلام)، وفيها قُبض يوشع بن نون وصيٌّ موسى، وما خلّف صفراءَ ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.....
ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه، ثمّ قال:
أنا ابنُ البشير، أنا ابنُ النذير، أنا ابنُ الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابنُ السراج المنير، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت افترضَ الله حبّهم في كتابه فقال عزّ وجلّ: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) فالحسنة مودّتنا أهل البيت.
ثمّ جلس، فقام عبد الله بن عباس رحمة الله عليهما بين يديه، فقال: معاشر الناس، هذا ابنُ نبيّكم ووصيُّ إمامكم فبايعوه، فاستجاب له الناس وقالوا: ما أحبّه إلينا، وأوجب حقّه علينا، وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة(١٠).
تحليلٌ لفصول الخطبة وبنود البيان
هكذا كانت بلاغة الناعي لأبلغ منعيّ.. وإذا كانت وراثة الحسن من أبيه خلافة الاُمة، فإنّه لا يعدوه في قيادة القلوب، وإمامة النفوس، بليغاً جديراً، وفصيحاً قميناً بمنصب ضنّت عليه العظمة منذ أن رحل عليٌّ (عليه السلام)، وشحت عليه اللياقة منذ أن تنازعته النفوس، وغلبت عليه سطوة الملك، ومغالبة السلطان بالمنازعة مرّة وبالوصية اُخرى، وبالشورى ثالثة.
ولم يكن الحسن (عليه السلام) إلاّ عليّا (عليه السلام) في سمته وتقواه، وفي شجاعته وهيبته، فقد أورثه النبيّ سؤدده وهيبته. فإذا رآه الرائي لا يراه إلاّ شديداً في مجالدة المحن والخطوب، كما كان عليٌّ (عليه السلام) ثابتاً في عزيمته، رابط الجأش، شديد الشكيمة أحكم عقد عزيمته بعد بيعته، فرتّب عمّال البلدان فوراً، فأقرّ هذا وأرسل ذاك، وأمّر اُمراء الأقطار، ووزّع مهام الأقاليم، وأنفد عبد الله بن عباس فوراً إلى البصرة، ثمَّ نظر في اُمور دولته: (فرتّب العمال وجنّد الجنود وفرق العطيات)(١١).
كان حكيماً، شديد المراسِ، لا يلويه أمرٌ عن أمر، ولا تُثنيه مسألة عن عزم، فهو الآن عازم على تشكيل دولةٍ نهبتها حروبٌ ثلاث، وإدارة أفسدتها رشوة الانخذال، فعليٌّ الإمام كان مشغولاً بصدّ عادية القاسطين، وطيش الناكثين، وبلبلة المارقين. وكانت حروبه تتابع بعضها بعضاً، وفتن أعدائه تتدافع كقطع ليلٍ بهيمٍ في وضح نهار عدله، فمتى والحال هذه يَعيرهُ هؤلاء المخذولون مسكة عظمته، ليديل لهم دولة الحقّ تقارع ما عجز عنه الأولون، وما لا يلحقه الآخرون.
وفي ثنايا خطابه البليغ تجد عزمات قلب يسمو، ليحكي تاريخ رسالة يُنازِعُ وثنية الجاهلية كما هي اليوم تنازع وثنية قبلية، وكان حكيماً في اقتطافه لآيات القرآن، ليدلل بها على امتداد القرآن فيه كما كان من قبل في راحله العظيم. ولتقرأ بعض ما جاء في بيانه من اُمور:
أولاً: افتتح خطابه ببيان النعي، وقرأ لهم تاريخ سيرة جهاد، وملحمة بطولة كان عليٌّ (عليه السلام) يصنعها في ظل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا كان جهد عليّ (عليه السلام) هذا فإنّه جهد نبويّ ـ سماوي حيث قال (عليه السلام): (فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله على يديه).
فقد نوّه أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يمثّل النبوّة بتسديد السماء، فلم يكن مقاتلاً تقليدياً، غير أنّه محارب إلهي يُظهر سطوة النبوّة في رهبة السماء.
ثانياً: قرن ليلة وفاة والده بليلة عروج عيسى إلى السماء ورحيل يوشع بن نون وصي موسى.
إنّه نعيٌ عظيم يربط فيه الحسن بن عليّ (عليهما السلام) رحيل والده بهذين الحدثين اللذين لهما دلالتيهما، فعيسى خذله أصحابه وغدر به قومه حتّى رفعه الله إليه بعد أن لم يكن هؤلاء القوم جديرين بعيسى (عليه السلام)، ذلك المصلح العظيم، فلم يطيعوه، ولم يتبعوه، بل خذلوه وتآمروا عليه حتّى كادوا أن يقتلوه، وعليٌّ (عليه السلام) في قومه كعيسى في بني إسرائيل، مخذول القوة، مقهور الرأي، مغلوب الأمر، فكم بين المصلحين من قرب في الموقف، بل قُل في المظلومية من قومهما، وكم من التماثل بين أولئك الذين لا يفون بحقّ المصلحين؟
هذا شأن المصلح في قومٍ لا يعرفون قدره فيجهلون مقامه، ثمّ يرفعه الله إليه، فقد رفع الله عليّاً (عليه السلام) إليه بعد ما عانى من قومه، كما رفع الله إليه عيسى حينما أذاقوه مرارة التشتّت والضياع.
وليست معاناة عليٍّ (عليه السلام) بأقل ممّا عاناه يوشع وصي موسى، فإنّ قومه أنكروا وصايته وقاتلوه، ونازعوه حقّه وأوتروه، فجاشت عليه جيوش المنازعين له والمنكرين حقّه، حتّى أنّ إحدى نساء موسى (عليه السلام) على ما روي أنها قادت جيشاً تنازع يوشع وصيّه وتماريه في حقه، تماماً كما فعلت صاحبة الجمل مع عليّ (عليه السلام) يوم نازعته أمره وأنكرت حقّه.
كان الحسن بن عليّ في خطبته يربط الحاضر بالماضي، ويستشرف من الماضي الممتحن على الحاضر الذي اعتورته أهواء الطامعين، بل يطلُّ على مستقبل مليئ بمفاجئات اُولئك الغاوين بهوس السلطان وزبرجة الملك.
ثالثاً: أبدى الحسن زهد والده، وعزوفه عن دنيا ينازعه فيها أهل المطامع الذين يرجون عطاء غير ما كان يقسّمه عدلاً بين الجميع، فقد أرادوا عطاء يميزهم عن ضعفة الناس لأنهم وجوه القوم يترفعون عن عطاء الضعفة في المساواة بينهم، ويرون ذلك منازعة لسلطانهم الموهوم، فساوموا عليّاً (عليه السلام) بين أن يزيدهم في العطاء أو ينازعونه في السلطان، وهو بعد ذلك لم يترك بيضاء ولا صفراء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه، هذا هو عليّ (عليه السلام) في حياته، زهد الخليفة وورع الإمام، وليس ما يدعيه غيره يشيّدون فيه قصوراً تناطح بعضها بعضاً تطاولاً على مال المسلمين الذين يؤسّسه أهل السلطان على حساب الحقّ، كما يؤسّسون ملكهم على جماجم الأبرياء.
رابعاً: أعلن هويته التي لا تخفى انتساباً، وحسبه الذي لا يتطاول أحدٌ إليه شرفاً وفخراً، فهو ابن البشير وابن النذير وابن الداعي إلى الله وابن السراج المنير.
فالبشارة لمن تبعه وأطاعه، والإنذار لمن خالفه وعصاه، فإمامته مربوطة برسالة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكل مهام جدّه ورثها سبطه الخليفة بشارة ونذارة، وهو في دعوته لدى خلافته كدعوة جدّه إبّان نبوّته، إذن فهو السراج الذي ينير الطريق حين تتشابك الأهواء وتختلف الآراء، عندها تدعو الحاجة إلى من يرشدكم أيها الناس إلى الطريق اللاحب في ليالِ فتن دهماء، سوف تأتيكم كقطع الليل المظلم، فبسراج الولاية والطاعة لنا سوف تهتدون ولا تضلّون.
خامساً: فهو كما ينتسب إلى جدّه حسباً وشرفاً، ينتسب إلى كتاب الله في آياته مصداقاً لا يعدوه كما هو لم يعدُ جده وأباه واُمّه وأخاه، فتلا آيات الله التي لا ينازعه أحد في تفسيرها، ولا رأي في تأويلها إلاّ فيه وفي أهل بيته، فهو ممّن أذهب الله عنهم الرجس فأثبت بذلك العصمة، وهو ممّن أوصى الله بمودّتهم فأثبت بذلك الطاعة، فجمع في هاتين مجامع الإمامة، ومكامن الخلافة دون سواه.
ولم يكن الحسن (عليه السلام) في خطبته هذه إلاّ منظّراً للإمامة ومبيّناً للخلافة دون سواه، وقد قرأ تاريخ أنبياء وملاحم أوصياء في حاضر أبيه وحاضره، وعرّفهم بأنه بضعةٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نسباً وإمامةً وخلافةً.
إثارة الشغب
ولم يكن معاوية إلاّ متربصاً لأحوال الخليفة الجديد يقرأ من بعيد حنكة الإمام، وصلابة القائد، وعزمة الخليفة... إذن لم يعدُ الحسن (عليه السلام) عن والده في كل شيء، شديد المراس قوي العزيمة، هكذا قرأه معاوية، وهكذا اُعيد عهد عليّ (عليه السلام) في عهد ولده الخليفة الجديد، الذي استهوى قلوب الناس، واسترهب عزائم أعدائه، وجلجل فرائص مقاتليه انتظاراً للمنازلة، وإيذاناً بالكرّة في مقاتلة القاسطين.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الأخبار تتدافع بسرعة إلى أسماع معاوية بأنّ حسناً (عليه السلام) لم يعدُ والده في عزيمة الاصرار على المنازلة، ومعاقبة كل من يريد أن يمس بأمن دولته، أو حدود مملكته، مهما كان وأينما يكون، لذا فالإمام أخرج جواسيس معاوية في الكوفة والبصرة، أحدهما من حمير بعثه معاوية إلى الكوفة، وجاسوس من القين مهمّته البصرة، فأخرج الحميري من حجام كوفي ـ وفي رواية من محام ـ والقيني انتزعه من بني سليم يأووه عيناً على الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وتحركاته.
هكذا كان الحسن (عليه السلام) شديداً في مراقبته الأحوال، بل عمل على جهاز أمني دقيق يترقّب دقائق الاُمور، ممّا يكشف عن حُسن تنظيم الحسن (عليه السلام)، وبناء دولته، ولم يكن الحسن متساهلاً في هذا الأمر، بل أمر بضرب أعناقهما إرهاباً لمعاوية وأتباعه، ولئلاّ يتجرّأ أمثال هؤلاء المرتزقة على التجسس في الدولة القوية الضاربة بيد من حديد على كل من أراد زعزعة استقرارها، والسوء بأمنها.
ولم يكتف الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في تنكيل المتجسسين، بل أشفع بطشه بهذا الكتاب محذّراً فيه معاوية من مغبّة غباء حساباته، وسوء سريرته، واصراره على غيّه، فوصل الكتاب إلى معاوية ليقرأه بنصه:
أمّا بعد: فإنّك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أوشك ذلك، فتوقعه إن شاء الله.
وبلغني أنّك شمتّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * * * تجهّز لاُخرى مثلها فكأن قد
فإنّا ومن قد مات منّا لـ كالذي * * * يروح فيمسي في المبيت ليغتدي(١٢)

كان كتابه مشحوناً بالتحذير، شديد اللهجة في معاقبة معاوية وكل من أراد السوء بأمن دولته، يعامل معاوية خارجاً عن قانون دولته، لذا فالإمام متشدد في إيقاف انتهاكاته السافرة وسيضع حدّاً لتهوراته غير المسؤولة، فالإمام يتوعّده باللقاء والعتاب الصارم، ومن ثمَّ يؤنّبهُ على شماتته بموت عليّ (عليه السلام)، مظهراً بذلك جهل معاوية وسوء تصرفاته الطائشة.
الدعوة إلى الطاعة والدخول في البيعة
ولم يكن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يقرّ له قرار حتّى يجمع شتات الاُمة التي فرّقتها الأهواء، وكان معاوية مارقاً عن دولة أبيه مقاتلاً إيّاه، وهو اليوم يريد أن يحكم عقد طاعة الجميع أتباعه وأعدائه، فكان الحسن بن عليّ (عليهما السلام) شديداً يبطش بأعدائه ليرهبهم عمّا هم عاقدون العزم عليه من الفرقة والخروج عن الطاعة.
ولم يكن معاوية في حسابات الحسن (عليه السلام) الخليفة الجديد إلاّ صعلوكاً قد فرّ بغوغاء أهل الشام عن طاعة الخلافة، ولم يتح الحسن بن عليّ (عليهما السلام) لمعاوية التفكير في أن يستقلّ بإمارته ويتمادى بغيّه اعتماداً على ما خلّفته حروب صفين، معاوية ظنّ بغير بصيرة، أنّ الحسن (عليه السلام) سيعيد ذاكرة صفين إلى أذهان أهل العراق وإلى ذاكرته المليئة بالأيام الحرجة من منازلة اللقاء يوم كانت الفئتان تلتقيان فيتهاوى القتلى من الفريقين، ليقفل معاوية بخسارته إلى الشام، ثُمّ يعيد الكرّة مرة بعد اُخرى ليشاغل عليّاً (عليه السلام) عن مهامّه، ثم إذا ما وجد شغباً آخر كيوم الجمل أو كفوضى النهروان، يتربص حيناً، ثم يعيد شغبه بعد ذلك.
هكذا كان معاوية الوالي المتمرّد مع عليّ (عليه السلام) الخليفة والإمام، ويريد معاوية اليوم أن يعيد شغبه مع الخليفة الجديد، فالحسن (عليه السلام) لا يثنيه ما تطويه سريرةُ معاوية من التآمر والخديعة مرة، ومن المكر والدسيسة اُخرى.
كان الحسن بن عليّ (عليهما السلام) عازماً اليوم على أن يُدخل معاوية المتمرد في طاعته فإن أذعن فقد فاء إلى الحق، وإن أبى فقد ناجزه الحرب، ليدخله في بيعته طوعاً أو كرهاً. فكتب إليه كتاباً هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية ابن أبي سفيان.
سلام عليك
فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو...
أمّا بعد....
فإنّ الله تعالى عزّ وجلّ بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، ومنّة على المؤمنين، وكافّة إلى الناس أجمعين (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فبلّغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتّى توفّاه الله غير مقصّر ولا وان، حتّى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرّف به قريشاً خاصة، فقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) فلمّا توفّي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واُسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمّد في الناس حقّه، فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش، وأنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنعمت(١٣) لهم العرب وسلّمت ذلك، ثمّ حاججنا نحن قريش بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمّد وأوليائه إلى محاجّتهم، وطلب النصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.
وقد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا، وسلطان نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية، على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن الله خيّبك، وستردّ، فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد.
إنّ عليّاً ـ رضوان الله عليه ـ لما مضى لسبيله، رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيّاً، ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامته، وإنّما حملني على الكتاب إليك، الاعذار فيما بيني وبين الله سبحانه وتعالى في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة(١٤) بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيك نهدت(١٥) إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(١٦).
ولم يكن الكتاب الذي بعثه الإمام الحسن سوى إعادة قراءة تاريخ، وإعادة قراءة مواقف مرتجلة ارتكبها الأول ليدفع ثمنها القادمون.
يا تعس اُولئك الذين أخطأوا حظّهم في وصية الرسول فقرأوها على أنها وراثة أهلٍ، وحبوة قرابة.
ويا تعس هؤلاء الذين قرأوا وصية نبيّهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعين غيرهم، ليرجعوها قبائلية تتعاضد فيها القبيلة مع قبَليّتها، وتتحالف الجاهلية بعصبيتها.
كان الإمام الحسن (عليه السلام) يقرأ تاريخ رسالة ومن ثَمّ تاريخ اُمّة، فكان جدّه المصطفى مبعوثاً رحمة للعالمين، وقد أظهر الله به الحقّ ومحق به الباطل، فلم يكن سلطانه سلطان دولة بقدر ما هو سلطان هداية، أي لم تكن خلافته إرثاً قبائلياً، تستحقه قبيلة دون قبيلة، أو يرثه حلفٌ دون آخر، فلا حجّة للعرب على غيرها في سلطانه، ولا حقّ للأنصار دون المهاجرين في إرثه، ولا حبوة لقريش على غيرها من المهاجرين دون المهاجرين، أو الأنصار دون الأنصار، فالإرث فوق هذا وبعد كل هذا، إرث إلهيّ خالص وتراث سماوي مصون عن أغيرة الأرض القاحلة، عن كل رشد غير رشد القبيلة المتسلطة على العقلية بكل عنوفة الجاهلية وشغبها وتمرداتها على فطرة الإنسان التي تعامل معها محمّد النبيّ والقائد والإنسان.
هكذا أراد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوحي للفطرة أن تتحرّر من عقال العصبية، وتناجز الإنسانية قبائليتها (المخزونة) أو قُل (المذخورة) في تجاويف النفس غير المتحررة من تباغضها وتحاسدها، لتعيش هي دون الآخرين، ولتُحيي ذاتها دون المبدأ الذي تلبّست به في الظاهر، إلاّ أنها تأتزرُ بموروث القبيلة، وتلتحف بتقاليدها، ولم يكن الدين الجديد الذي (اُقحمت) به إلاّ ممارسةً سياسية تمارسها نزاعات الزعامة والسطوة لدى ذلك الإنسان غير المتحرر من نزعاته الاُولى.
فالبداوة لا زالت تزجّهُ في متاهات التحزّب للقبيلة، وغبار الجزيرة يكتسح أحياناً بعواصفه العاتية كل جديد تؤسّسه الرسالة الجديدة، فهي الآن بعد مرور ثلاث عقود من إسلامها تشحذ مُدى العصبية، لتجاهد تلك القيم التي سعى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لتأسيسها وتركيزها، ومن ثم هي تغتال تلك القيم لتنتزي على كل ما أوصى به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، محتجّة بأن العرب أحقّ من غيرها في نبيّها، وأنّ قريشاً أولى من العرب لانتمائها، وأنّ المهاجرين أحفى من الأنصار لقربها.
ومن ثَمّ فإنّ آله وحامته وخاصته رعايا غير مشمولين بهذه المخاصمة، وغير داخلين في هذه الحجّة، فالحجّة للقبلية على القبلية، والمخاصمة للعصبية على العصبية، وأهل البيت تنبذهم تيارات التحزّب وقوى التحالفات المختلفة - المتفقة، فهي متصارعة على السلطان إلاّ أنّها متهادنة فيما بينها على إبعاد سلطان محمّد عن آله ووصايته.
وإذا احتجّ اُولئك المتدافعون بالقرب والسابقة، فما بال اُولئك الطلقاء ينازعون إرثاً غير إرثهم، فينتحل الأدعياء إرث غيرهم، ويتمرّد العبيد عن ربقة أسيادهم، فيأبقون عن كل قيم أذعنتهم القوة حين فتح الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتمردون على كل مبدأ أخضعهم السيف لقبوله، ويناجزون أهل هذا البيت لينتزعوا عنهم بردة أتحفهم الله لهم، ويتجاذبوا أطراف رداء الخلافة التي لا يليق إلاّ بهم...
فالعجب كل العجب من توثب هؤلاء المدعين.... وأنت منهم يا معاوية، فخليقٌ بك السيف الذي يردّك مواضع الرعية، ويناجزك كما ناجز أهل الأحزاب ذوي الفضل والدين. وسيحكم الله وهو خير الحاكمين. هذا لسان حال الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، ولسان حال التاريخ مستنطقاً من هفوات الأحداثِ الغابرة.
جواب معاوية
ولم يكد يصل الكتاب حتّى اهتزّ معاوية لما أتاه من توعّد وتهديد أنذره بيوم البطشة التي عهدها عن عليّ (عليه السلام) أيام صفين، فأجابه بما يظهر معه تماديه في غيّه ونفاقه في قراءة الأحداث التي نفذ من خلالها هو وأمثاله من أبناء الطلقاء، زاعمين بذلك أنّ لهم الإمرة والسلطان. فكتب إلى الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن بن عليّ.
سلام عليك.
فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد:
فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضل وهو أحقّ الأولين والآخرين بالفضل كلّه، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، فقد والله بلّغ فأدّى، ونصح وهدى، حتّى أنقذ الله به من التهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيّاً عن اُمته، وصلوات الله عليه يوم ولد، ويوم قبض، ويوم يبعث حيّاً.
وذكرت وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤ عندنا وعند الناس غير ظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحبّ لك القول السديد والذكر الجميل.
إنّ هذه الاُمة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا مكانتكم في الإسلام وأهله، فرأت الاُمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم، أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً، وأعلمها بالله، وأحبها له، وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للاُمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتهمين، ولا فيما أتوا بمخطئين، ولو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه، أو يقوم مقامه، أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبته عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً.
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الاُمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكْيَد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلاً، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الاُمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألاّ يستولى عليك بالإساءة ولا تقضى دونك الاُمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله عزّ وجلّ، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء، والسلام(١٧).
تزوير الحقائق
إيهاً معاوية..... وأنت الآن قدّيس بجلد نمرٌ، بل نمرٌ بدور قدّيس تعزف على أوتار الخديعة تراتيل (الأتقياء)، ثم تصطنع الخير وتُبدي النصيحة وتتكلّف المعروف، ويا عجبا، تصغي لك الرعاع، لتنبهر بحسن ما أنت عليه من القداسة التي تلتحف بها الآن، إلاّ أنّها جلباب مفضوح بانت من تحته عورتك يا أبا يزيد...
واهاً لكل تلك السرابيل، كلّما أرسلتها من جانب فضحتك من آخر، وكلّما جررتها لتستر بها سوءتك بدت لك اُخرى، أبّهة الملك.. زبرجة الصحبة، خئولة المؤمنين... كتابة الوحي... إلى غير ذلك من الخرق التي أخلقتها غوابر سنون عجاف من الحقيقة.. من كل شيء يرنو إليه الإنسان بفطرته متطلّعاً لمعرفة الحقّ عدا ما أشغلته زوابع التمويه لتهبّ عليه من كل جانب.. مفاهيم مغلوطة.. قراءات معكوسة.... تزوير..... خداع.... نفاق... دجل... شقاق..... توحيها إليك شياطين النزعة للسلطان التي تكتنزها دواخلك المليئة بكل مكيدة غير آبه بما أنت عليه من الفضيحة، ثمّ تنظر شنفاً لتاريخ مديد تقرأه بعين غيرك، ثم تفرضه على واقعك فرضاً، وتظنّ أنك أجدت اللعبة، إلاّ أنك لم تجد شيئاً لساداتك الذين ادّخروك لمثل هذا اليوم.. لم ينصفوك أبا يزيد إذ جعلوك مطيّتهم إلى غير منتهى من المكر والتضليل والخديعة..
ولم تنصفهم كذلك، فقد قرأت الأحداث بأعينهم وهي تنخدع بشهوة الملك ونزوة السلطان..
الآن وبعد عقود من مناوراتك أبا يزيد تُراغم الحقّ لتلتبسه على المغفّلين من قومك، فهل ينفعك ذلك مع من قد عرفت؟!... الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يخاصمك الآن ويحاججك بما لا يخفيك من الحقّ، فعلام هذا التزوير؟! وعلام هذه المماطلة والأحداث من خلفك ومن أمامك تحيق بك كما يحيق المكر السيّئ بأهله.. فلنرجع قليلاً إلى الوراء لنقرأ ما أنت عليه من الخبيئة بما تعتقده وتعزم عليه... والدخيلة التي تطويها في دسائس سريرتك...
ولنقرأ فصولاً من رسالتك فنحاكمها على ضوء ما بأيدينا من وثائق التاريخ، لِنَقْرَأْها بأعين مفتّحة لا تعشيها حيلة ولا تعميها مكيدة.
فقد جاء في ردّك على الإمام الحسن ما نصّه:
(ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً، وأعلمها بالله، وأحبها له، وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للاُمة).
إذن فلنقرأ جميعاً ما بعثته برسالتك إلى محمّد بن أبي بكر، لتصرّح خلاف ذلك فقلت مخاطباً محمّد بن أبي بكر:
ذكرت فيه حقّ ابن أبي طالب، وقديم سابقته وقرابته من نبيّ الله، ونصرته له، ومواساته إيّاه في كل هول وخوف، واحتجاجك عليَّ، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلهاً صرف ذلك الفضل عنك وجعله لغيرك، فقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرّزاً علينا، فلما اختار الله لنبيّه ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجّته قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزّه وخالفه، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما، وتلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم(١٨).
وهنا اعترفت بأنّ أبا بكر وعمر أول من ابتزّا حقّ عليّ واتفقا معاً على ذلك، فأين اختيار ذوي الحجى والدين والفضيلة في اختيار أبي بكر للخلافة؟
وأي إجماع ـ يا ابن أبي سفيان ـ أردت، وصوت أبيك مدوٍّ في أسماع الجميع وهو يحرّض على أبي بكر وعمر بقوله: ما بال هذا الأمر في أقلّ حي من قريش والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً...
ثمّ يجلجل صوته عالياً ولن يقرّ له قرار حينما رأى أبا بكر يدّعي الخلافة فيصيح بأعلى صوته: ما لنا ولأبي فصيل إنّما هي بنو عبد مناف، هذه هي شهادة أبيك أبو سفيان، فأين أنت منه؟!.
ولم يكن أبو سفيان قد قرّ له قرار حتّى هدّد باستخدام القوة على أمل أن يستقر الأمر عند أهله فقال: والله، إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من اُموركم، أين المستضعفان أين الأذلاّن، عليّ والعباس، وقال: أبا حسن أبسط يدك حتّى اُبايعك... ثمّ تمثّل بشعر المتلمس:

ولن يقيم على خسف يراد به * * * إلا الأذلان عيرُ الحي والوتدُ
هذا على الخسف معكوسٌ برمّته * * * وذا يَشجُ فلا يبكي له أحدُ

ثمّ كان يخاطب عليّ والعباس ويقول لهما: أنتما الأذلاّن، ثّم يتمثّل:

إنّ الهوان حمار الأهل يعرفه * * * والحرٌّ ينُكره والرسلةُ الأجدُ
ولن يقيم على خسف يراد به * * * إلاّ الأذلاّن عير ُ الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته * * * وذا يشج فلا يبكي له أحد(١٩)

هذا رأي أبيك فيما زعمت أنّه إجماع على اختيار أبي بكر، فهل كان أبوك خارجاً على هكذا إجماع، أم هي سورةُ الغضب تطفئها وشاية السلطان، لتُحبط بالمصلحة أو الرشوة فورة الغضب، كما هو عليه أبوك حين سمع أنّ أبا بكر ولّى ابنه فقال: وصلتهُ رحم(٢٠).
ولم يكن عليٌّ (عليه السلام) بالمغشوش أو المرتهن بما يحرّش عليه أبو سفيان، فإنّ عليّاً (عليه السلام) لا يعرف أبا سفيان إلاّ كائداً للإسلام، يلتمس الشرّ ويتحيّن الغيلة، فلا يستخفنّه تظاهر أبو سفيان على أهل السقيفة، كما أنت عليه اليوم مع ولده الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فلا يعرفك إلاّ محتالاً طياشاً، تلتبس عليك الاُمور مخارجها ومنافذها، وتظن لغوايتك أنك أحسنت اللعبة، وأجدت الخديعة.
ويا عجباً من قولك، أنّك لا ترى الإمام الحسن (عليه السلام) للخلافة أهلاً، ولا للولاية محلاً، وأيم الحقّ أنك لا تعرفه إلاّ ابن عليّ (عليه السلام)، إلاّ أنك غششت نفسك وأغريت رأيك، وسفّهت حلمك، لظنك أنّك أقدر على سوس البلاد وقياد العباد، وهل سوسك إلاّ الرشوة والسطوة، وقيادك لعباد الله إلاّ بالسيف والقوّة، ثم أنك تفاخره بكبر السن، ويا ويح أبو بكر فقد تقدّم أباه، والصحابة من اُولي السن والسابقة، وقد احتج أبو قحافة حينما سمع أنّ أبا بكر قد ولّي، فقال: بم ذاك، قالوا: لكبر سنّه، فقال: أبوه أكبر سنّاً منه.
ويا عجباً ـ وأنت الطليق ـ تدعو أولاد الأنبياء للدخول تحت طاعتك وفي عنقك لجده منّة الاطلاق، وحسن العفو، ومحمدة الإحسان؟!!.
معسكر النخيلة..... الامتحان الصعب
وتتفاقم الاُمور... فمعاوية بن أبي سفيان ـ الآن ـ يتزايد طيشاً وغروراً وتتضخم لديه (عقدة) صفين، تلك العقدة التي طاشت بها أحلام آل أبي سفيان و(ألمح) بريقاً من النصر المزيّف يزيّنه طغام أهل الشام، وخدائع عمرو بن العاص، ومروق الذين خرجوا عن الحقّ بخروجهم عن طاعة الإمام فخلطوا بين الحقّ والباطل، ونكثوا البيعة وتآزروا على مقاتلة عليّ (عليه السلام) في وقعة النهروان المشهودة، فرجعوا بهزيمتهم بعدما لم يسلم منهم إلاّ بضع أنفار نقلوا لمن يخلفونهم مشاهد الخيبة... ولم يكن اُولئك الخوارج تعداد جيشٍ فُنيَ عن آخره بقدر ما هي شبهة اُحيلت إلى فلسفة، استهوتها جماعة، وجماعة شدّتها عصبية الباطل يوم تَحوّلَ إلى دينٍ ينازع كل حقّ باسم الدين، وينتصر للحقّ بشبهة الباطل فتلتبس الأهواء وتختلط الحقائق.
هكذا كانت الكوفة تعجُّ بمثل هؤلاء، وتضجُّ بمثل اُولئك.. خوارجٌ يؤثرون مقاتلة معاوية بكل حجة، ومشككة لا يُرسا لها قرار، وذوو مطامع تجلبهم صيحة الغنائم وتفرّقهم ساعة الجدّ والقتال، وقبائل تجمعهم جلبة الثأر والانتصار للعصبية، وأخلاط ينزعون إلى كل مصلحة ليس لهم دين، إلاّ النزر القليل من البقية الباقية من شيعته ورثهم عن أبيه، وقد أكلتهم حروب ثلاث أفنتهم، فلم تبق إلاّ لممٍ تقادُ بهم الأحداث إلى حيث طاعة الإمام والانصياع إلى أوامره.
قال المفيد في وصف جيش الإمام الحسن (عليه السلام): صُفّ معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه (عليهما السلام)، وبعضهم محكّمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شُكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا قبائلهم لا يرجعون إلى دين(٢١).
هذه هي تشكيلة الجيش الكوفي، عصاباتٌ تستهويها مذاقات أهلها، لا يهتدون إلى سبيل متشتتون خلف إمام، متفرّقون تحت راية، يتنازعون المصير، ويقترحون الطريقة، فلا بإمام يهتدون ولا تحت راية يجتمعون.
والإمام الحسن ـ القائد الممتحن ـ حديث عهد بتشكيل دولة، أفسدتها رُشى الأهواء، وهدّت أركانها صيحات الحروب، وزلزلتها الفتن والمطامع، ثم هو يستثيرهم رعاياه لينفّر عزائم قومٍ تعهدوا له بالنصرة بعدما نفر إلى نُخيلة الكوفة، وقد تعهّدوا له ببيعة الموت، وبيعة السلم... ولم يجبهم إلاّ إلى بيعة الحقّ... كتاب الله وسنّة رسوله.. هكذا كانت بيعة الإمام الحسن (عليه السلام) اختصرت معها كل مسافات الزمان، وطوت في بلاغاتها كل مكامن الأحداث، ليربط بماضيها، ويشدّ حاضرها بمستقبل الأحداث.
النُخيلة:
(والنخيلة) تُعيد ذاكرة الأحداث إلى حيث استنفرت كل شيء من أجل أن تشهد خروج عليّ (عليه السلام) بجيشه يوم أغار معاوية على الأنبار، فقتل عامل عليّ (عليه السلام) ونهب الأموال وعاث فيها القتل والدمار، واليوم تعيد مجدها حينما تستقبل جيش الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بعد استنفار أصحابه للقتال، فإذن هي محطة انتظار المقاتلة المستجيبة لنداء اللقاء، كما هي محطة انتظار لصنع لحظات تاريخ مهزوم آخر يستنزف معه فرص السلام التي تصنعها وقفات صمود قتال تستجيب لنداءات الإمام التي تلملم جراحات الهزيمة... الخديعة... النكوص... الاستسلام لكل ما من شأنه أن يجلب العافية على حساب القيم.
(النخيلة) اليوم تضطرب بحشود مقاتلة جيش الإمام (عليه السلام)، كما هي تضطربُ وجلة من إعادة لحظة الانهزام، أو قُل مواقف الخذلان الذي يجرجر معه خيبة تاريخ مهزوم يعاد في شرائح مجتمع متناقض من المصالح والأهداف.
(النخيلة) إذن موعدهم مع الإمام، وموعدهم مع الوفاء أو الخذلان، بعد أن تناهت أخبار الجيش الشامي الذي عاجل الحسن (عليه السلام) بالمشاغلة أو المرابطة متحفزاً للقتال والمواجهة.
و(النخيلة) القاعدة العسكرية المعروفة، تُحال اليوم إلى قاعدة لمسرح أحداث مشحونة بكل نزعات الخير لدى بني الإنسان حيناً، أو تُحال إلى مرتع لكل شرّ حين تتحكم (الأنا)، المطامع، المصالح، على حساب القيم انتصاراً للأهواء.
هذه هي (النخيلة) تشهد اليوم تتابع الكتائب الكوفية بكل توجهاتها، لتشهد الصراع... لتضمّد جراحات الأمس الدامي بكل فصوله على ضفاف (صفين) وجولات المواجهة التي كان يفتعلها معاوية ليضمن سلطان الخضراء ومشاتي الغوطة حتّى مصائف جيرون وروابي القدس النظرة..
إذن فلتنزف الدماء في (النخيلة) ليحيلها معاوية أنهاراً تسقى بها مزارع كروم الشام، ثُمّ يحتسي من خمرته المعتّقة في حانات (السقيفة) ليُشعر بنشوة الانتصار الموهوم....
لا يريد أن يفيق ابن أبي سفيان من سكرته تلك التي احتسى مع أبيه كأساً مضمخة بالمكائد على موائد (السقيفة)، فلقد تعلّم من أبيه كيف يحفّز الأحداث ليجني ثمارها بعد حين.. كان أبو سفيان يستثير الخصم فيستبق الأحداث ليضمن بمساوماته تحقيق ما يريد، فلقد هدّد إبّان خلافة أبي بكر ليملأنّها خيلاً ورجالاً على أضعف الحيين تيم وعدي، فاُسكتت فورته بمنصب الشام ولاية لإبنه يزيد...
هذه هي (حكمة) أبي سفيان في استفزاز الخصم، يستثيره ليجني كل ما يريد، بأقصر الطرق وأبخس الأثمان....
وهذا دأب معاوية كان مع سلفه هكذا مساومات ومزايدات من أجل البقاء.... من أجل دنيا يشيّدها معاوية على جماجم الآلاف دون أن يندى له جبين أو يستفزّه عرق.... النصر الموهوم حصيلة خلافة السقيفة يجنيها معاوية طيلة عقود ولايته المخدوعة بدهاء مزيّف ليُحال إلى حكمةٍ وحسن تدبير يُمضيها (خلفاء السقيفة).
لم يَفلح معاوية في سياسته هذه، فبعد اليوم يُعدُّ معاوية لصّاً وقطّاع طريق، أو خارجاً على القانون، حيث لا تنفع سياسة الابتزاز مع الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ليستثيره معاوية بتهديداته الواهية، ليحصل على أقل ما يمكنه الحصول عليه من سياسة الابتزاز: الإبقاء على خلافته المدّعاة، أو استقلاليته كما كان في عهد عمر وعثمان، أو على الأقل ولايته التابعة للخلافة الإسلامية كما سعى إليها بكل جهده في عهد عليّ بن أبي طالب الخليفة والإمام، فلم يقرّه عليّ (عليه السلام) على شيء ممّا كان يطمح إليه ابن أبي سفيان لئلاّ تكون لعليّ (عليه السلام) السابقة في إقرار دولة بني اُمية كما ارتكبها سلفه.
والحسن (عليه السلام) ابن أبيه علي (عليه السلام) لم يقرّ لمعاوية ما بيده من شيء وقد عرفه معاوية كذلك. إذن فليجرّب ابن أبي سفيان حظّه المتعثّر مع الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في تهديداته ومساوماته... قتال أو إقرار له بالخلافة، فإن لم يكن فبالولاية على أقل تقدير...
ويبعث معاوية بكتاب تهديد يستبطن كل خسيسة، ويطوي على كل غيلة ومكيدة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد، فإنّ الله عزّ وجلّ يفعل في عباده ما يشاء (لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فاحذر أن تكون منيّتك على يد رعاع من الناس، وايئس أن تجد فينا غميزة(٢٢)، وإن أنت عرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

وإن أحد أسدى إليك أمانة المصدر السابق * * * فأوف بها تدعى إذا متّ وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * * * ولا تجفه إن كان في المال فانيا

ثُمّ الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام(٢٣).
فأجابه الحسن بن عليّ (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحقّ تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب، والسلام(٢٤).
هذا كتاب الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ينطق بالحقّ، ويردّ الكيد إلى نحور أهله، يختصر معه مسافات الزمن، ويلملم شعث الأحداث المترامية في أطراف متاهات الأهواء والمصالح، ويوقف البغي وأهله عند حدود وضوح الشبهة، أو اختلاط الرؤى عند امتزاج الحقّ بالباطل لضعفة الناس الذين خلطت عليهم الفتن مواقف النصرة للباطل، أو الخذلان للحقّ، أمّا ابن أبي سفيان فيعرف الحقّ وأهله، إلاّ أنّه آبق عنه، فمتى أثاب إلى الحقّ علم مصدره ومورده وعرف أهله.
أما والله، فإنّ معاوية لا تختلط عليه المنافذ، ولا تلتبس لديه الموارد، فإنّه يعرف الحقّ وأهله، ألم يوصِّ ولده يزيد حينما أفحم الحسن معاوية بالجواب، فتعجب يزيد بعد أن سكت معاوية عن ردّه بقوله: يا بني، إنّ الحقّ حقهم(٢٥).
هذا هو سرّ الاختصار في جوابه (عليه السلام)، فإنه لم يفصّل بأكثر من أن يشير، ولم يصرّح بأحسن من التنويه، فإنّ معاوية متى ما اتبع الحقّ ـ وهو ليس بفاعل ـ علمَ أنّ الحسن (عليه السلام) هو مصدره ومورده، ومبدأه ومنتهاه... ولكن أنّى للطليق أن يفيق من سكرة الخديعة ونشوة الخسة، فإنّها حسكة نفاق فيه وجبلّة خديعة لديه منذ أن أرغم الله أنفه بالإسلام وهو صاغر.
معاوية يستنفر
لم يزل معاوية مرهوباً منذ أن وقع كتاب الإمام الحسن (عليه السلام) بين يديه... فقد أعاد الكتاب أيام عليّ (عليه السلام) وهو يتربص لابن أبي سفيان، ويحاججه بكتاب الله وسنّة رسوله، فإن لم يفء خاصمه بالسيف... وقد ظنّ معاوية أنّ الأمر قد انتهى برحيل عليّ (عليه السلام).. فإذا هو يتجدّد بخلافة الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يطالبه بأن يفيء إلى أمر الله... إلى خلافته وإمامته... معاوية بن أبي سفيان محجوج اليوم بالحقّ... والحسن بن عليّ (عليهما السلام) (محجوج) بكل خديعة وحيلة يرتكبها ابن أبي سفيان.... لم يستطع معاوية إذن أن يحاجج الحسن (عليه السلام)، فإن بينهما كتاب الله وسنّة رسوله... ولم يستطع الحسن (عليه السلام) أن ينازع معاوية بما ينازعه هو من المكر والخديعة.... فالحسن بن عليّ (عليهما السلام) من بيوتٍ أذهب الله عنهم الرجس، كالمكر والغيلة والخديعة والكذب والحيلة، فأذهب الله عنه ذلك، وطهّره ورفعه إلى مقامات الأنبياء وأبناء الأنبياء... وابن أبي سفيان لا حيلة عنده إلاّ السيف مع الغيلة.... والغدر مع المكيدة..... والدهاء عند اعتوار الحجة والتباسها على طغام الناس وسفلتهم... وعند رعاع الكثرة وغوغائهم...
إذن فليستعن بما لديه من هذه ومن هؤلاء.... من الطيش والخديعة، ومن الرعاع والغوغاء.... فقد نفد كلّ ما لديه ولم يبقَ إلاّ أن يوعز إلى أقرانه من أهل المصالح والأهواء ليستنفروا همجهم، ولتنحدر نفس الجموع التي كانت تنحدر إلى صفين أيام الإمام عليّ (عليه السلام)، لتهرع اليوم بكل صخبها إلى خليفته الحسن الذي سيواجه نفس المصير من انثيال همج الشام وطغامهم، إلى حيث يدفعهم غي البغي والخسران، وإلى نكوص غوغاء الكوفة وهمجهم إلى حيث يستهويهم العناد والخذلان... وإذا كان الأمر كذلك، فليوحِ معاوية إلى عمّاله يستحثّهم على الخروج إلى العراق... أي الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فإنّها الجولة الحاسمة التي ستقرّر مصير معاوية معززاً ذلك بدسائسه وغِيَله، فكتب إلى عمّاله نسخة واحدة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من معاوية أمير المؤمنين، إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين.
سلام عليكم.
فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد: فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعليّ بن أبي طالب رجلاً من عباده، فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدّتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(٢٦).
هذه هي مراسلات معاوية، تزوير حقائق، وإمعانٌ في معاندة الواقع.... يتبعها صخب وتهريج لرعاع ترتبط مصالحهم بمثل هذه المناورات الطائشة والرهانات الخاسرة.... ولا ننسى أنّ معاوية عليه عهد ـ أبي سفيان ـ ليملأنّها خيلاً ورجالاً على آل عليّ (عليه السلام)، كما كان أبو سفيان يرفع عقيرته إبّان السقيفة: ليملأنّها خيلاً ورجالاً على تيم وعدي، فوفى معاوية بما عاهد، وأخلف أبو سفيان بما هدّد وواعد... وشتّان بين وفاء هذا وإخلاف ذاك، إلاّ أنّهما يتفقان في أن يرتكبا كل مجازفة من شأنها أن تجلب المصلحة على حساب المبدأ والأخلاق والدين.
ولم يطل استنفار معاوية حتّى وجد عنده عساكره تجتمع إليه وتستجيب لنداءه، وتختلف رايات القبائل الشامية، لتدقّ طبول الحرب على الحسن بن عليّ (عليهما السلام) طمعاً في الغلبة وبأخذ الثأر ليوم صفين، أو يوم الدار الذي جعل منه معاوية (قنطرة) يعبر عليه إلى صفين، إلى حيث الدسائس التي اتقنها ابن أبي سفيان كلما ضاقت عليه منافذ الحرب واللقاء.
ويستنفر الحسن (عليه السلام)
وتتقدّم أخبار الجيش الشامي قبيل وصوله تنتشر في أرجاء الكوفة، لتملأها ضجيجاً في همس حذر يكاد يحبس أنفاس القوم... وتدوّي أنباء العساكر التي قاربت جسر منبج، لتخيم على أهل الكوفة حالة ذعر مشوب بسكون، وتزلزل يستحكم أطراف الكوفة المترامية بقبائلها، المكتظّة بآرائها، المختلفة بفلسفاتها وأهوائها، ولم يقرّ لها قرار بعد وجل عظيم من مستقبل يحمل معه ذكريات الماضي الدامي، لتجد نفسها وسط المسجد الكوفي بعد أن نادى المنادي (الصلاة جامعة)، فاجتمعوا بتثاقل لم يدع معه فطنة الرأي أن تستحضرهم في موقفهم هذا، وكأنّ المشهد يخطف أبصارهم فلا يكادون يثبون إلى رُشد المستجيب الذي بايع بالأمس بيعة الحرب وبيعة السلم..
سبحان الله.... ما لهم والحسن بن عليّ (عليه السلام) بعث حجر بن عدي ليأمر العمّال بالتهيؤ للمسير..
ما لهؤلاء والجيش الشامي يلوّح براياته المتكاثرة وحوافرُ الخيل وطبول الحرب تتناغم، لتنشد اُنشودة الطاعة للأمير ببلادة اعتادها الشاميون من قبل.
الكوفيون أهل بصيرة من الأمر، والشاميون رعاع لا يهتدون إلى سبيل، وهم آلة حرب يسيّرها ابن حرب كيف شاء وأنّى يشاء... وكأنها لعنة البلادة طغت على هؤلاء السذّج من أهل الشام، ولعنة الخذلان تلاحق هؤلاء المتشدّقين من أهل الكوفة.... والحسن ابن عليّ (عليهما السلام) الآن بين محذورين، بل قُل بين فكّي محنة دامية.... بين سذاجة الشاميين وبين خذلان الكوفيين، أمّا الآن فلا مجال للتردد، فإنّ الحسن بن عليّ (عليهما السلام) على رغم ما يعانيه القائد الممتحن بدسائس العدو، والمخذول بنكوص الصديق، يرتقي منبر الكوفة بعد أن غاص مسجدها بأهلها ليلقي بيان الحرب، وخطاب التعبئة وإعلان النفير.
الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يرمق الناس بنظرةٍ تحكي معها ملاحم من الطموح، وقسطاً من التوجس الذي سيرته من أبيه الشهيد..
يقف الحسن بن عليّ (عليهما السلام) متطاولاً بتطاول حقّه المشروع ليطالبهم بالوفاء ببيعة الحرب، فاليوم يمتحن العدو من الصديق... وليُميّز الصادق من الكاذب... وليعرف هؤلاء بهؤلاء، فإنّ مواقف البعضِ تنكشف بمواقف الآخرين..
يتهامس الناس بخفاء مصحوبٍ بضجيج، فربَّ رأي غلب على رأي، أو موقف يُنازع موقفا، أو احتمال يرجّحه بعض ويخطّئه آخرون....
إذن همسات تتعالى، ثم تخفت بصوت يهزّ أرجاء المسجد وتزلزلُ القلوب.... إنّه صوت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يُعيد صوت أبيه بجهوريته المعروفة وبلاغته المشهودة:
بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:
أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون، إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، فاخرجوا ـ رحمكم الله ـ إلى معسكركم بالنخيلة حتّى ننظر وتنظروا ونرى وتروا(٢٧).
أجل، إنّه كرهٌ يا ابن رسول الله لما قرأت في وجوه أصحابك من التثاقل، والعزم على الاعتذار، فإنهم أخلدوا إلى الأرض وكادت كلماتك تخطف أبصارهم... إنه الموت... الموت الذي استبعدوا اللقاء به بعد مفارقتهم لأبيك أمير المؤمنين... وأنت يا سبط النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عليّ (عليه السلام) تذيقهم مرارة الموت وتجرّعهم كأس الصبر.. وقد علمت سيدي أنّ قومك ذاقوا حلاوة القعود وتجرّعوا كأس الخذلان والنكوص..
هكذا منذ زمن أبيك، فقد أذاقوه مرارة التمرّد ومعاذير التردّد، وأحبّوا العافية على الحرب. ولست يا سيدي إلاّ ابن أبيك في كل شيء: في الحرب، في السلم، في العدو، في الصديق، في المحنة، في الرخاء...، حتّى منبرك هو منبر أبيك في مسجدك في كوفتك، وفي كل ما أراده أبوك تريده وتطمح إليه: كلمة لا إله إلاّ الله تدوّي في أرجاء المعمورة ليشهدها العالم كله، فالكل يعلن على مآذنه الشاهقة كلمة لا إله إلاّ الله، والكل يرتّل القرآن ترتيلاً، والكل يستنشق عبير رسالة جدّك، لتبعث من شمسها خيوط المحبة في اُفق السلام، هكذا أردتم أنت والسيدُ أبوك كما أراد جدّك المقهور بعصبية الجاهلية التي لم تمهله لتسمع قرآنه وهو يتلوه على العالم كله حتّى ملأته صخباً وضجيجاً، حتّى اُولئك الطلقاء الذين كادوا لجدّك (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى رأسهم طليق النبيّ، ليكيد ولده بكيد أبيه يوم دعا لجدك أبو سفيان أهل مكة بالنفور إلى بدر القتال، فإنّ عير قريش غلبها محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي سيغلب على قبيلتكم ووثنيتكم، فلتقاتله نزعتكم الجاهلية التي سيرثها معاوية البار لعصبيته وقبيلته فإنه الحريص على ثارات بدر والأحزاب، أن يعيدها جذعة تنازع محمّداً النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ولده الحسن (عليه السلام) ذلك الممتحن كما امتحن من قبل جدّه وأبيه.
فبأبي أنت من إمامٍ ممتحن وقائد مقهور، فما الذي ستسمعه من هؤلاء غير (السكوت)؟ أجل والنكوص، بل الخذلان!
قال ابن أبي الحديد: فسكتوا فما تكلّم منهم أحد، ولا أجابه بحرف، قال: فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم! سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم! أين خطباء مُضر؟ اين المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق(٢٨) في الدعة، فإذا جَدّ الجِد فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها.
ثّم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفّقك لما يُحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافه.
وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم، وكلّموا الحسن (عليه السلام) بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن (عليه السلام): صدقتم رحمكم الله! ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة، فجزاكم الله خيراً، ثم نزل(٢٩).
الجيش الكوفي بقيادة الإمام (عليه السلام)
ويستجيب الناس لموقف حِجر ونداء الآخرين على تثاقل عظيم، وإخلاد إلى عدم الاستجابة لولا تحفيز خاصّة الإمام (عليه السلام) لهم بالنهوض والانصياع إلى الأمر الواقع الذي لم يكونوا مذعنين له، لو لا إحراج التأنيب الذي سمعوه من خطباء الكوفة المنتمين إلى ولاء الإمام وطاعته منذ عهد أبيه، وهم السادة الذين توجّه بهم الأحداث حيث أرادوا، فلهم السابقة في الجهاد والأولوية في الفضل، والشأن في مجابهة الأهوال بما تستقيم معه الاُمور إلى حيث الحقّ في متابعة الإمام، فتُدار من خلالهم أزمات الحرب كما تستقيم بهم سبل السلام، وهم الذين أشار إليهم الإمام الحسن (عليه السلام) في كلامه الموجّه بعد قليل إلى قائده عبيد الله بن عباس حيث يوصيه بهم بقوله (عليه السلام): فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه(٣٠).
ويخرج الإمام بما لديه من الثقة في الانتصار (إذا حالفته) طاعة جيشه في مجابهة العدو، فإنّ القائد مهما بلغ شأواً في الثقة، وحُسن القيادة، والصبر على المكاره، وعلوّ الهمّة، وكمال الثبات، فإنه لا يرتقي إلى مرتبة النصر وبلوغ الظفر ما لم يبلغ قومه كمال الطاعة، وحسن التدبير في الامتثال، دون أن تخطر على بال أحدهم تخطئة القائد، أو الاقتراح بما لا ينسجم مع مصلحة الموقف ومسايرة الأحداث. وما تنفع الكثرة مع قلّة التدبير، وانعدام الثقة في وجهةِ هؤلاء الذين تكاثروا على الخروج انتصاراً لعصبية الكوفة على عصبية الشام؟! ووفاءً للنخوة القبلية على حساب قضية أحبوا معها العافية على القتال، يوم كانت تثبّطهم عزمةَ الأهواء في الركون إلى الدعة، ومشارف صفين تختنق بالجيش الشامي الذي عبّأه ابن أبي سفيان بنداء العصبية، والكوفة تصمّ أسماعها عن بلاغات عليّ (عليه السلام) حين يصف لهم ما أعدّ الله للمجاهدين من الثواب...
هذه هي مفارقات المواجهة الكوفية ـ الشامية منذ قيامها، فهل ستستقيم الجموع الكوفية في مسيرتها للأحداث وطاعتها للإمام، كما هي اليوم تستقيم في مسيرتها إلى وجهةِ الالتحاق بمعسكر النُخيلة؟
قال أبو الفرج الإصفهاني: وخرج الناس فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم ويخرجهم حتّى التأم العسكر.
ثم إنّ الحسن بن عليّ سار في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتّى أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثاً حتّى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يابن عمّ، إنّي باعث معك إثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر، الرجل منهم يزن الكتيبة فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنهم من مجلسك، فإنّهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه(٣١)، وسر بهم على شط الفرات حتّى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امضِ حتّى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتّى آتيك فإنّي إثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين ـ يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ فاذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتّى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن اُصبت فقيس ابن سعد على الناس، وإن اُصيب قيس، فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد.
وسار عبيد الله حتّى انتهى إلى شينور حتّى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفالوجة حتّى أتى مسكن(٣٢).
ولا ينبغي لابن عباس أن يبتدأ القوم بالقتال كما أمره الإمام (عليه السلام)، فهو الآن نازل بإزاء معاوية ليرى ما تحمله الساعات القادمة من توالي الأحداث بعدما ترامت إليه محاولات معاوية من الدسائس والمكائد التي جعلها شعاره ودثاره... وهو سلاحه به يصول، وبطشه فيه يحاول... فإن خدائعه في جيش الإمام (عليه السلام) أنفذ من قبل...
فالآن هو أمام جيش مثقل مُمَزَّق... مثقل بتبعات الماضي الذي خلّفه أمر التحكيم ليؤسّس فكرة الخوارج بكل ضجيجها وعجيجها دون تفقّه في دين أو حكمةٍ في رأي... ومحكوم بما للقبائلية شأن من الانصياع إلى نخوة العصبية، لا بما يقرّره لها تكليفها من نصرة الإمام (عليه السلام)، بل بما تختبئ مكامن الأهواء في مطاوي تلك النفوس الجامحة إلى تحقيق مصالحها ومطامعها... هذه هي عناصر الكثرة الكاثرة من جيش الإمام (عليه السلام).... وحريٌّ أن تنساب هذه المواصفات الكوفية إلى قيادة الجيش.... فإنّ القائد يعيش في أجواء الهلع والغوغاء مع ألوف مؤلّفة لا تعي إلاّ منطق المساومات والابتزاز، ولعلّ عبيد الله بن عباس سيقف موقفاً من معاوية هو حصيلة هذه الأجواء الملوّثة بوباء فساد العقيدة وضعف البصيرة، عدا ما تهتدي إليها مطامعها من العطاء والزلفى إلى السلطان....
وستساهم غوغاء الجيش في زرع بذرة الانهزام لدى قائد الجيش، وتترعرع في خضمّ هذا الهلع من كراهية الخروج والتثاقل في المسير.... والتزلزل لأدنى دعايات العدو حين تحملها رياح الفتنة وتلقيها في أوساط الجيش فيتناقلها الغوغاء حتّى تصك أسماع القائد وجيشه المحطّم بارتجاجات الشغب التي أخذتها أراجيف معاوية ومكائده..
ويثبت عبيد الله بن العباس في جولة الاختبار التي بدأها معاوية ابن أبي سفيان، ليستشف بذلك ثبات الجيش الكوفي، وليختبر عزيمة قائدهم الذي هزمهم في ذلك اللقاء.... ولم يجد معاوية بدّاً من أن يختبره ثانية بالمكيدة والرشوة، أو الحيلة والخديعة من شراء الذمم والتمني لمستقبل مجهول يسير حثيثاً ليلتف على كل من لم يستجب لدعوة معاوية في الانعزال عن الحرب، أو اللحوق به ليمنّيه بالعطاء، ويرفعه إلى مقام الخلة ويعدَهُ بالظفر بالملك والسلطان، فإنّ الأمر لا يعدو عن بضع أمتار يقطعها ابن عباس ليفي له معاوية بألف ألف درهم لئلا يشهد مشهده.
ويتحوّل عبيد الله بن عباس منتصف الليل إلى معسكر معاوية ابن أبي سفيان، كما تحوّل التاريخ إلى محاولات قرصنة، وتشويه حقائق، ودسائس تختصر معها مسافات الزمن الممتد منذ فجر الرسالة إلى ما شاء الله من أحابيل المكر وأباطيل المكائد، ويُزوى الحقّ وأهله ليُحال إلى حالات إلغاء أو مظاهر مهمّشة على أحسن الأحوال، وستقرأ تاريخاً مهزوماً نشاهد فيه وبال تلك الدسائس وجناياتها على الحقّ وأهله.
قال ابن أبي الحديد: وأقبل عبيد الله بن عباس حتّى نزل بإزائه ـ أي معاوية ـ فلما كان من غد وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن عباس فيمن معه فضربهم حتّى ردّهم إلى معسكرهم، فلمّا كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليّ(٣٣)، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن اُعطيك ألف ألف درهم، اُعجّل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيد الله إليه ليلاً، فدخل عسكر معاوية، فوفّى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتّى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلّى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم، وذكر عبيد الله فنال منه(٣٤)، ثمّ أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو، فأجابوه بالطاعة وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله، فنزل فنهض بهم.
وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق: ويحكم! هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم!
فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا احدى اثنتين، إمّا القتال مع غير إمام، وإمّا أن تبايعوا بيعة ضلال(٣٥)، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتّى ردّوهم إلى مصافهم(٣٦)، على أنّ اليعقوبي يخبرنا أنّ عبيد الله بن عباس لم يكن منهزماً وحده، بل انخرط معه ثمانية آلاف من جيشه إلى معاوية: أرسل إلى عبيد الله ابن عباس وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته(٣٧).
دواعي الفرار في نظر قيس
ويستشعر قيس بن سعد من موقف عبيد الله بن عباس انتكاسة القائد، ومرارة الحريصِ، وأسى الصديق، ثمّ يكلل شعوره بنظرة الخيبة لما أصاب قائد الجيش من الخذلان والنكوص، وأي قائد؟
إنّه عبيد الله بن عباس ابن عمّ الإمام، فهذه القضية تحمل في مطاويها معاني الانخذال والانهزام الذي أصاب هرم العسكر وتشكيلة القوة التي ستجابه مكائد معاوية وخدائعه إبّان اللقاء.... ولعل قيس بن سعد القائد العسكري والقائد السياسي أقدر من غيره على تقدير الخسائر التي مُني بها جيش الإمام بسبب فرار القائد وخيانته، فإنّ لموقف عبيد الله بن عباس من التبعات ما تستشري بسببه عدوى النكوص لدى أفراد جيشه الذين يحملون (بذرة) الانهزام منذ تحركهم من الكوفة إلى النخيلة، فإنّهم يرجون العافية بكل وسيلة أو تأخير القتال ـ على الأقل ـ بكل حيلة لولا حرصهم على أن لا يكونوا السبب المباشر في تثبيط الهمم وحلّ العزائم، فإنّهم أدركوا ضعف الهمم وأدركوا فشل العزائم فتواكل هؤلاء وتثاقل أولئك، لينظروا عاقبة الأمر التي ستؤول لغير صالح الإمام (عليه السلام).
وقد أدركوا الفشل بعد أن تسرّبت أنباء المراسلات السرّية إلى معاوية من قبل أصحابه على اللحوق إلى الشام، أو قتل الإمام، بل أسره وتسليمه إليه(٣٨).
هذه حالة جيش الإمام (عليه السلام) فما بالك بما ارتكبه عبيد الله بن العباس من التعجيل في فرط جيش ما انتظم إلاّ بعد ما شقّ على خاصّة الإمام وثقاته من التعبئة والتحفيز والنفير، مقابل ما تحمله نفوس القوم من نزعة الانخراط إلى جيش الشام، أو الاخلاد إلى العافية أو الانعزال لئلاّ يشهد مشاهد النزاع؟
فكان حريّاً بقيس وأمثال قيس أن يحسموا الفوضى التي عمّت صفوف الجيش، والتزلزل الذي لم يكد أن يثبت من أفراده إلاّ القليل، والفشل الذي أصاب عزائم القلوب المشككة في جدوى اللقاء، فأضافت خيانة عبيد الله بن العباس (مبرراً) على ترك المجابهة واللحوق بما اختاره ابن عباس من (غنيمة) الخيانة والفوز (بجائزة) الخذلان، فبادر قيس إلى تدارك ما أحدثه خيانة القائد من فوضى ليعيد إلى تلك النفوس المنهزمة بانهزام قائدها ثقة الثبات وجدوى اللقاء، فقام قيس خطيباً يحرّض أصحابه على الثبات:
أيّها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الهلع ـ أي الجبان ـ إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إنّ أباه عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وأن أخاه ولاّه عليّ أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال، وأنّ هذا ولاّه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتّى قتلوه، وصنع الآن هذا الذي صنع.
قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا فانهض إلى عدونا، فنهض بهم(٣٩).
ولسنا في صدد ما ورد في خطبة قيس، فإنّها لا تعدو عن محاولة تحفيز لِهِمم الجنود المنكسرة بقرار قائدها، والمنهزمة عزائمها بانهزامه... وما حيلة قيس وأمثاله وقد وجدوا أنّ الأمر كاد أن يخرج عن الحقّ وأهله، بعد أن استقر عبيد الله في حظيرة آل حرب المحاربين لله ولرسوله، بل عزّز عبيد الله بموقفه هذا موقف الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله، واُلبس الحق بالباطل بعد أن ترامت أخبار عبيد الله بن العباس ابن عمّ الإمام إلى صفوف الجيش المتزلزل الأركان من أراجيف معاوية ومرتزقته، وإذا كان الأمر كذلك، فعلام هؤلاء يتنازعون، وأولئك يتنافسون لأمر لم يقتنع به خاصة الإمام، فما بال هؤلاء الأباعد يقتلون أنفسهم؟ وخرج بسر فصاح إلى أهل العراق: ويحكم! هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم(٤٠).
هكذا اُحيلت الخيانة إلى قضية تشبّث بها ابن أبي سفيان بعد أن أعوزته الحجة فأسعفته الحيلة، وأدركه اُولئك المتوثبون لأحابيل المكر الذي يرتكبه ابن أبي سفيان والذي يمارسه في أبشع أساليب الخداع والتلبيس على ضعفة الدين ومرتزقة الدنيا...
لماذا عبيد الله بن العباس؟!!
وما حيلة الإمام الحسن (عليه السلام) إن لم يجعل ابن عمّه قائد جيشه؟ فلربّ أقاويل العاذلين تُقرّع في قرارات الإمام (عليه السلام) بعدم الاطمئنان إلى خاصته الهاشميين الذين سيكونون الأحرص على مصالح الإمام وعاقبة النزاع، وكيف لا، وعبيد الله بن العباس الموتور من يوم بسر بن أرطاة الذي قتل ابنين لعبيد الله بن العباس يوم أغار على اليمن بأمر معاوية.
قال الطبري في كلامه عند غارة بسر بن أرطاة حينما وجّهه معاوية إلى اليمن: وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعليّ، فلما بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة حتّى أتى عليّاً واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقى بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما(٤١).
فحريّ بمن ذبح ولداه، أن يكون موتوراً لا تسكن له فورة الغضب حتّى يطفئها بثأره، وكيف لا يكون كذلك ومصرع الذبيحين تراود مخيلة عبيد الله بن العباس قائماً وقاعداً؟ وكيف يهدأ له بال حتّى يشفي غليله ثأر ولديه المقتولين ظلماً....؟
هذا شأن الإنسان الذي تهيج به عواطف الأُبوّة وذاكرة المصرع الدامي لولديه المتشحطين بدمائهما تعتصر قلبه وتؤجّج نزعة الانتقام وجبلّة الثأر، أو تجيش به كرامة القبلي الذي لا يقرّ قراره حتّى يُعلم القبائل الاُخرى بأخذ ثأره واسترداد كرامته، أو تدفعه حضارة المتحضّر إلى الاقتصاص ممّن يعيث في الأرض الفساد، ويسعى إلى نشر الأمن وإشاعة السلام... هذه هي دواعي الإمام الحسن (عليه السلام) - على ما نظن - في ترشيح ابن عمه الموتور من حادثة بسر.
بذرة الانهزام
وما على الإمام أن يفعل وهزيمة الكندي الذي أمّره الإمام على جيشه تترك أثرها على عزائم جنده، فقد روى المجلسي أنّ الحسن (عليه السلام) وجّه إلى معاوية قائداً في أربعة آلاف (وكان من كندة اسمه الحكم، وأمره أن يعسكر بالأنبار، ولا يحدث شيئاً حتّى يأتيه أمره، فلمّا توجّه إلى الأنبار ونزل بها وعلم معاوية بذلك بعث إليه رسلاً وكتب إليه معهم (إنّك إن أقبلت إليّ وليتك بعض كور الشام، أو الجزيرة غير منفس عليك) وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي ـ الملعون عدو الله ـ المال وباع الآخرة بالدنيا وقلب على الحسن (عليه السلام) وصار إلى معاوية في مائتي من خاصته وأهل بيته...
وبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فقام خطيباً فقال:
هذا الكندي توجّه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرّة بعد اُخرى أنّه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجّه رجل آخر مكانه، وأنا أعلم أنّه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه لا يراقب الله فيّ ولا فيكم)(٤٢).
فبعث إليه رجلاً من مراد في أربعة الآف، وتقدّم إليه بمشهد من الناس وتوكّد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال إنّه لا يفعل، فلما ذهب قال الحسن (عليه السلام): أنّه سيغدر، فكان كما قاله (عليه السلام).
فلما توجّه إلى الأنبار أرسل معاوية إليه رسلاً وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ومنّاه أي ولاية أحبّ من كور الشام أو الجزيرة، فقلب على الحسن (عليه السلام) وأخذ طريقه إلى معاوية ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود.
وبلغ الحسن (عليه السلام) ما فعل المرادي، فقام خطيباً وقال: قد أخبرتكم مرّة بعد مرّة أنكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم وصار إلى معاوية(٤٣).
ولا يذهبنّ بك الأمر إلى التساؤل عن ترشيح مثل هؤلاء لقيادة الجيش، فإن الكندي والمرادي ليسا على رأس قيادة الجيش الكوفي الذي يضم اثني عشر ألف، وإنّما كانا على بعض سرايا الجيش ليلتحق بالنخيلة منضماً إلى معسكر الإمام الذي توجّه من قبل... ولم يكن إخبار الإمام (عليه السلام) بخيانتهما إلاّ إشارة إلى ما يعتور نوايا القوم في عدم قناعاتهم بالحرب، أو المواجهة، بقدر ما هي لجاجة قوم في الخروج إلى معاوية، أو تأنيب آخرين في عدم مجابهة الشاميين لكفّهم عن التحرّش، أو إرجاف المرجفين في التشكيك بقدرة الإمام على إدارة دفّةِ الصراع، دون أن يرجعوا إلى رأي، أو يتفقوا على موقف عدا الصخب الذي تُحدثه تيارات المعارضة لإرباك موقف الإمام (عليه السلام) من تقويم وجهة الصراع، واختيار الظروف المؤاتية في مواجهة الأحداث بما يضمن النصر ويؤمّن الظفر فضلاً عمّا يضمن سلامة القوم وصدِّ عادية الأعداء.
محنة الإمام (عليه السلام)
ولم يكن للمشاغبين سوى محاولة الغلبة على رأي الإمام (عليه السلام)كما كانوا يجبرون أباه على أمر لم يكن قد قنع به بقدر ما ينصاع إلى ضجيج الكثرة المشاغبة على رأيه لتكون لهم الغلبة ولرأي الإمام الخذلان، كما فعلوها في أمر التحكيم من فرضهم أبي موسى الأشعري ليكون أحد الحكمين، وعليٌّ (عليه السلام) لم يكن قد قنع بما اتفق عليه قومه سوى الانصياع لغلبة اُولئك الذين غرّهم ظاهر الزهد المشوب بنفاق الجاه، ودعوى التقوى التي تغرُّ اُولئك السذّج فينبهرون لأدنى خديعة يمارسها اُولئك الذين ترعرعت مصالحهم على خداع (التقوى) وزيف (الإيمان) وقد تلبّسوا به لنيل مآربهم.
هذا ما يواجه الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في أزمة الحرب وفي محنة السلم، فكلاهما يَحولُ بين ما يدبّره الإمام (عليه السلام) وبين قومه الذين غلبوه بهياج العواصف، وضجيج المشاعر، وشغب الهوس في تقدير الاُمور وتيسيرها، وتوجيه الأزمات وتدبيرها، وما الذي يفعله الإمام (عليه السلام) سوى الانصياع لشغب الكثرة ومداراة الضعفة من ذوي العقول الساذجة، أو تجنب المجابهة مع ذوي المطامع الهائجة التي من شأنها أن تسحق كل مبدأ وتستعدي على كل رأي، وليس الإمام الحسن (عليه السلام) في صدد المواجهة مع التيارات الخائضة في صراعٍ من شأنه شلّ جهود الإمام الحسن (عليه السلام) وتحديد تحرّكه وإدخاله في دوامة الصراع الداخلي لإشغاله عن صدِّ الخطر الخارجي وتطويق جهوده الاصلاحية في ترتيب دولته المنهكة من صراعات المعارضات الداخلية فضلاً عن تمرّدات الشاميين وخروجهم عن طاعة الخلافة.
إذن فالإمام (عليه السلام) جدير بأن يفضح دواخل اُولئك المنبثين في صفوف قواته، فضلاً عن كشف ما تنطوي عليه نوايا أغلبهم على حبّ العافية والركون إلى السلامة، فخيانة ثلاثة من قوّاده لا تكشف إلاّ عن زعزعة همم الجيش الكوفي، وتقهقر شعارات النصرة والدفاع عن حياض الحقّ، لتحال إلى شعارات جوفاء تكشف عمّا يكنّه بعض المتلبّسين بصحبة الإمام (عليه السلام) وما أكثرهم، وهم بقايا الخوارج وشذّاذ الأهواء، وأهل السوابق الذين تربّصوا بالإمام عليّ (عليه السلام) من قبل، حتّى بدت غوائلهم تنكشف يوم دسّ لهم معاوية الأموال والرجال للوقيعةِ بالإمام الحسن (عليه السلام) والفتك به، وأوعدهم بكل ما يحلو له خواطر أهل الدنيا وذوي المطامع الذين لا همَّ لهم سوى الانصياع إلى نزواتهم الجامحة التي تقودهم إلى مهاوي الهلكة.
(دسّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وإلى حجر بن الحارث، وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه أنك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن (عليه السلام) فاستلأم ولبس درعاً وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك)(٤٤).
طعنة ساباط
هذه هي الظروف القاهرة التي تتحكم بقرارات الإمام الحسن (عليه السلام) وتحركاته، فهو رهين مؤامرات الخوارج وتمرداتهم، ودسيسة المنافقين الذين ما فتأوا يكيدون له ولأبيه من قبل، فمتى يُتاح للإمام (عليه السلام) أن يتخذ قرار الحرب كما هو يتخذ قرار السلم، ومتى تسلم قرارات الإمام من الطعون، بعد أن يسلم هو من طعنة ساباط.
كانت ساباط شاهدةً على ذلك المشهد الدامي، بل قُل المتخاذل حينما كان ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت وطأة شفار المدى تُستباح حرمته.
قال الطبري: بايع الناس الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بالخلافة، ثم خرج بالناس حتّى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا، وأقبل معاوية في أهل الشام حتّى نزل مسكن، فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر: ألا إنّ قيس بن سعد قتل فانفروا، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن (عليه السلام) حتّى نازعوه بساطاً كان تحته، وخرج الحسن حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عمّ المختار بن أبي عبيد عاملاً على المدائن وكان اسمه سعد ابن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنة الله، أثب على ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأوثقه، بئس الرجل أنت.
فلما رأى الحسن (عليه السلام) تفرّق الأمر عنه، بعث إلى معاوية يطلب الصلح(٤٥).
وروى اليعقوبي: وكان معاوية يدسّ إلى عسكر الحسن من يتحدّث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ويوجّه إلى عسكر قيس من يتحدّث أن الحسن قد صالح معاوية، فأجابه.
ووجّه معاوية إلى الحسن (عليه السلام) المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن اُم الحكم، وأتوه وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده وهم يقولون ويُسمعون الناس: إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن فرساً ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجرّاح بن سنان الأسدي، فجرحه بمعول في فخذه، وقبض (عليه السلام) على لحية الجرّاح ثم لواها فدقّ عنقه.
وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفاً شديداً، واشتدت به العلّة، فافترق عنه الناس(٤٦).
هكذا كان معسكر الحسن بن عليّ نهباً لإشاعات العدو، فقد أحكم معاوية الحيلة في بثّ دعاياته في أواسط جيشٍ مهزوم لا يقوى على الثبات، منخور من الفتن، تتسلّل إليه أدنى إشاعة فتعصف به عاصفة تقلعه عن جذوره المجتثة يوم فرّ قائده عبيد الله ابن عباس وأعانه بعض الطامعين بوعود معاوية...
جيش منهك يَئنُّ من تكرار مشاهد الهزيمة... كان مبنياً على عدم الثقة، بل عدم القناعة بفكرة الحرب، مهزوماً من داخله، مستجيباً لنزعات القبلية لا لولاء الطاعة الدينية. وفرقٌ بين طاعة القبيلة وبين طاعة الدين، وبين الامتثال للعصبية وبين التسليم للتكليف، وبين الانصياع لهوى النفس وبين الإخبات إلى الحقّ...
فجيش الإمام آثر العافية على القتال، فدفعته نخوة القبيلة يوم دعا الداعي ليستنهضهم إلى القتال، فكان عدي بن حاتم يذكّرهم بتعهدهم بالنصرة ساعة العافية والسلامة، فاذا حمي الوطيس تراهم ينثالون للموادعة، كما تتدافع الغنم في مرابضها فتحتمي أحداها بالاُخرى، وتذعن بعد ذلك للموت مكرهة غير راغبة.
قال عدي بن حاتم:
أنا عدي بن حاتم، ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فاذا جدّ الجِد، راغوا كالثعالب، أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها؟(٤٧).
فاستجاب القوم لنخوة العصبية بعد أن سمعوا عار الخذلان يؤنّبهم به عدي وغير عدي... فإذن هم متثاقلون عن النصرة غير راغبين بالانثيال إلى القتال، واستجابوا بعد أن عرفوا أن لا مفرّ من الاستجابة لفاتحة عهد جديد علّهُ سيكون أول دعوة للحرب وآخر مسير للقتال... فقد رضوا بالقعود وإن خسروا الصفقة، وأحبّوا العافية وإن فوّتوا النصر، واطمأنوا بالخنوع وإن أضاعوا الفتح..
وها هم ينسابون بين وهاد الطريق، يتعثرون بخطواتٍ متثاقلةٍ في المسير تكاد لا تحملهم أقدامهم من ثقل ما كلّفوا به على أنفسهم...
وها هم يتهامسون في نهاية الحرب وفيما يسمعونه من إشاعات المغرضين، ثم هم ينكفئون على آمال السلم والعافية، ويرجون القعود والموادعة، فإذن هم سمّاعون لكل ما من شأنه أن يحيد بهم عن وجهتهم التي توجهوا إليها... وليس أدعى من إشاعة تبدّد شملهم وتفزع قلوبهم وتسيخ عزائمهم عن مستقرها... وأي عزائم هي وقد أقلقها عدم القنوع بما هم فيه بادي ذي بدء.... فما حالهم إذن وقد طرقهم طارق الفتنة، ليشيع أنّ قائدهم قد قُتل مؤذناً بالتفرّق والفرار...
ولم يكتف اُولئك المتخاذلون حتّى انقضّوا على رحلِ إمامهم فنهبوه ونازعوه على بساطٍ بعد أن أوغل أحدهم مديتهُ في فخذه فكاد أن يقضي عليه، لينهي كل شيء في مخاصمة الكوفيين وأهل الشام، ومنازعة جيش الحسن بن عليّ (عليهما السلام) مع أصحاب معاوية وأتباعه... ترى ماذا يعني نهب رحل الحسن (عليه السلام) إمامهم وقائدهم بعد أن سمعوا بمقتل قيس بن سعد، وهل هو الفزع. هالهم ليتفرقوا حتّى لم يكتفوا، فانقضوا على إمامهم ليقتلوه؟!
أحسب أنّ الأمر أكبر من فزع ينتاب جيشٍ أهالته إشاعات العدو في قتل قائدهم، بل الأمر يتعدى إلى أبعد من ذلك، إلى مؤامرات تطيح بجهود الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في إقصاء معاوية وآل أبي سفيان.
وها نحن نستقرأ نص المجلسي مرة اُخرى:
قال المجلسي: دسّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث ابن قيس، وإلى حجر بن الحارث، وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن (عليه السلام) فاستلأم ولبس درعاً وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك.
فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللأمة، فلمّا صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر، فأمر (عليه السلام) أن يعدل به إلى بطن جريحي وعليها عمّ المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن قيلة، فقال المختار لعمّه: تعال حتّى نأخذ الحسن (عليه السلام) ونسلّمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فنذر بذلك الشيعة من قول المختار لعمّه، فهمّوا بقتل المختار، فتلطّف عمّه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا. فقال الحسن (عليه السلام): ويلكم، والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ أنّي إن وضعت يدي في يده فاُسالمه لم يتركني أدين لدين جدّي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّي أقدر أن أعبد الله عزّ وجلّ وحدي، ولكني كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.
فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن (عليه السلام) من فوره ذلك إلى معاوية:
أما بعد، فإنّ خطبي انتهى إلى اليأس من حقٍّ اُحييه وباطل اُميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنّني أعتزل هذا الأمر وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرّاً لك في معادك، ولي شروط أشترطها، ولا تبهظنّك إن وفيت لي بها بعهد ولا تخف إن غدرت ـ وكتب الشروط في كتابٍ آخر فيه يمنّيه بالوفاء، وترك الغدر ـ وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممّن نهض في الباطل، أو قعد عن الحقّ حين لم ينفع الندم، والسلام(٤٨).
هذا ما قرّره الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بعد واقعة ساباط، استقال أصحابه بعد غدرتهم وعرّفهم سوءتهم، واستزادهم بصيرة في أمرهم..
أجل لم يكن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) قد خفي عليه ما يكنّه أصحابه من الغدر وسوء السريرة، وعزمهم على الانخذال والتفرّق عند الوثبة واشتداد الأسنة...
وهل يبقى للحسن بن عليّ مندوحة من الأمر في الإصرار على القتال ومناجزة الأعداء، وقد رأى أهل عسكره قد تفرّقوا شيعاً وتكتّلوا أحزاباً يجبّن بعضهم بعضاً، ويعذّل بعضهم بعضاً.. وأنّى للحسن بن عليّ أن يعيد أمره ويلملم جراحاته، وقد خذله أهل بيعته ورجال كتيبته، إلاّ أن يرجع مهضوم الحقّ، مغلوب الرأي قد توازر أصحابه على خذلانه ونكث بيعته إلاّ القليل ممّن وفى بحقه وعهده، وهم لم يملكوا أن يدفعوا عنه ضرّاً ولا يجلبوا له نفعاً.
إذن فأهل مودّته بقية باقية ترتجي النصر وتطمح بالفتح على رغم ما تراه من خذلان الخاذلين وغدر الغادرين، والحسن بن عليّ أسمى من أن يسلّم نفسه وأهل نصرته للموت دون طائل، ما لم ير الحكمة في تسيير الاُمور وتقدير المواقف.
المهادنة إذن
ولم يكن أمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) إلاّ خياران، أحدهما أن يُسلِمَ لحربٍ غير متكافئة نفسه وأصحابه، والآخر أن يُهادن عدوه ريثما يستبين الأمر وينبلج الصبح عن دهماء الخطوب وقد عزّ الناصر وغاب المعين..
ولم يكن للحسن بن عليّ (عليهما السلام) خيار الحرب بعدما تفرّق عنه أصحابه لدعايات بثّها أعداؤه في صفوف عسكره، بل ألّبوهم عليه وأرادوا قتله، وتربّص له أصحابه البغي... ولم يبق من أهل مودته ونصرته سوى النفر اليسير وقد ضنّ عليهم من الموت... وأي عاقلٍ يرى حتمية المناجزة بعصابة يسيرة قبالةَ جموعٍ غفيرةٍ متلاحمةٍ متماسكة مع قائدها لا تبخل عليه ببذل النفوس عند الطاعة، ولا تخالفه في مشورة، ولا تعصي له أمراً، ولا تُسفّه له رأياً؟
أمّا الحسن بن عليّ فقد عاش مع أصحابه محنة الإمام المهضوم، والقائد المخذول، والخليفة الممتحن، وقد أعادوا معه مواقف النكوص يوم كان عليٌّ بين ظهرانيهم يجرّعونه غصص الخذلان، ويذيقونه مرارة التمرّد حتّى تمنّى الموت على البقاء معهم... وليس شيعته الذين خذلوه، بل أصحابه أسلموه. وفرق بين أصحابه وبين شيعته.
فأصحابه اُولئك الذين تحزّبوا لانتمائهم السياسي، وتكتّلوا لولاءاتهم الكوفية دون شام آل أبي سفيان، فالعداء التقليدي بين كوفة العراق وبين دمشق الشام يدفعه التعصّب لنصرة القبيلة دون الولاء للعقيدة، والكوفة القبلية يبعثها الحرصُ على الصدارة لئلاّ تتقدّم عليهم الشام بشتات مجاميعها المنبعثة من تفرّق القبائل يوم هجرتها هناك، فهي ليس لها الحقّ أن تتقدم على كوفة العراق المنافسة للعاصمة الإسلامية التقليدية (المدينة)، والكوفة لا ترى الشام وأمثالها سوى تابعة من توابعها.
إذن فهي تدافع عن (حقها) في التقدّم ورتبتها في الصدارة، هؤلاء هم أصحابه، فهم أصحاب الانتماء السياسي والتعصب القبائلي إذن.
أمّا شيعته فاُولئك الذين يتصفون بانتمائهم العقائدي إلى عليّ وآله عليهم السلام قبل الانتماء لأيّ شيء، فهم حملة علومه كما هم حملة همومه يتألمون للمصير الذي صار إليه عليّ ويصار إليه ولده من بعده، لذا فهم البقية الباقية من أصحابه بهم يصول وفيهم يناجز، أما ولده فهو يصول بيد جذّاء بعد تفرّق عسكره عنه وبقاء أقلية شيعته يتحدّقون حوله ليدفعوا عنه المكروه، لا أن يناجزوا عدوّه الذي فاقهم بالعدّة والعدد، والمال والمدد.
أمّا الخيار الآخر؛ فأن يكون الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أمام أمرٍ واقعٍ لا يمكن تجاوزه أو تغاضيه، وهو أن يعمل ما من شأنه حفظ نفسه والبقية المعدودة من خاصته وأن لا يُسلمهم إلى الهلاك والانقراض، فإنّ البقية من شيعته مهددة بالموت والفناء، أمّا بالمناجزة في الحرب أو بالقتل عندما تضع الحرب أوزارها، فإنّ معاوية دسّ رجاله لاغتيال شيعة الحسن وتصفيتهم ليصفو له جوّ المغامرة والخديعة.
إذن فلابدّ من الموادعة والهدنة بعد تفرّق عسكر الإمام (عليه السلام). وتشبّث معاوية بكل مكر وحيلة من أجل أن يحصل على أمنية الحكم ونزوة السلطان، والحسن بن عليّ (عليهما السلام) حريٌّ به أن يعمل على تفويت الفرصة على آل أبي سفيان في القضاء على دين الله الذي عنده أغلى من ألف ملكٍ وألف سلطان.
وهل تبقى مندوحة للحسن بن عليّ (عليهما السلام) بعد ذلك في القيام على الحرب والاصرار على المنازلة وقد اُحيلت ظروف الحرب إلى دعاوى سلام، ومواقف المجابهة إلى طلب الصلح؟ وهذا معاوية بن أبي سفيان يظهر للناس موقف المسالم الحاقن لدماء المسلمين، ليظهر الحسن بن عليّ بموقف الداعي إلى إراقة دمائهم وإهدار كل أملٍ منشود من شأنه تآلف الوحدة وإعادة أواصر العلاقة المنفصلة عراها بما لقي الفريقان من دماء لم تجف بعد.
وما ظنك بالتاريخ أن يؤرّخ لموقفي الحسن (عليه السلام) الذي أصرّ على الحرب، ومعاوية الذي دعا إلى السلام، وما حال اُولئك الذين تشدّقوا بصحبته وتثاقلوا بالخروج إلى القتال إلاّ أن يدعوا الناس إلى استجابة معاوية والانسحاب عن الحسن الذي يريد سفك دمائهم دون طائل.
هكذا حاول معاوية أن يناور بصلحه وأن يدغدغ مشاعر أصحاب الحسن الذين يأملون أن ينفضّ هذا اللقاء دون حرب، أو أن تكون هذه الحرب آخر جولة يخوضها الكوفيون، ثم هم بعد ذلك لم يدخلوا في مناجزة ولا أن يشتركوا في قتال يدعوهم إليه الحسن؛ فإنّ العافية أحبّ إليهم من القتال، والسلامة أدعى لهم من الموت، والموادعة أطيب إليهم من الحرب، ولا شأن لهم بالنصر، أيّهم يصيب، أو الهزيمة لأيّهم تَطال...
وقد أصاب معاوية توقيت جولة المناورةِ هذه في ظروفٍ مائجة بالتعذيل يشهدها معسكر الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، ورؤىً تتراوح بين الحرب والسلام، أو الصلح والقتال، أو الموادعة والمناجزة يتجاذبها معسكر الحسن بعد أن أوجد معاوية تلك الأجواء المضطربة والآراء المبعثرة حيال مصير هذه الحرب التي تُدقُّ طبولها ساعة بعد ساعة... وإذا استمكن معاوية من أمر ذلك الاضطراب المشحون بدعايات الصلح مرة أو بمقتل قيس بن سعد اُخرى، فضلاً عمّا أحدثه فرار عبيد الله بن عباس قائد الجيش؛ أحكم معاوية أمر لعبته في دعوته للصلح وطلبه للسلام، حيث بعث للإمام الحسن (عليه السلام) رغبته في ذلك بعد أن أشاع أمره في معسكره وعكس موقف طلبه هذا، بأن الحسن رضي بالصلح وحقن الله دماء المسلمين بابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أعلن ذلك وفد معاوية للإمام (عليه السلام) دون أن يصدر من الإمام شيء حتّى عاجلته دعاية الوفد الماكرة حتّى كان زمام الأمر قد اُفلت من الإمام (عليه السلام) بعد أن دبّت إشاعة هؤلاء وعمّت الفوضى وحدث الهرج والمرج فأي شيء سيفعله الإمام (عليه السلام) سوى السكوت على أمرٍ أمرُّ من العلقم، وأحرُّ من الجمر، وأدهى من غوائل الخطوب.
قال اليعقوبي: ووجّه معاوية إلى الحسن (عليه السلام) المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الرحمن بن اُمّ الحكم، وأتوه وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده، وهم يقولون ويسمعون الناس: إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح؛ واضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وما فيها(٤٩).
ولم يَرَ الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بُدّاً من إعلان ما خفي على عامة أصحابه وأهل عسكره، بل ما خفي على تاريخ ممسوخ قلب الحقائق وشوّه مواقف الأحداث، وهو يؤرّخ لهذا المقطع التاريخي مدعياً أنّ الحسن بن عليّ يطلب الصلح من معاوية.... إذن فالإمام الحسن سيعلن ما طلبه معاوية من صلحٍ بشرط تسليم الأمر إليه، وهو الآن سيعرضه على عامة أصحابه ليروا رأيهم فيه.
قال ابن الأثير في اُسد الغابة: قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله عزّ وجلّ: (إنّا والله، ما ثنانا عن أهل الشام شكّ ولا ندم، وإنما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسلبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنّا لكم كما كنّا؛ ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمرٍ ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عزّ وجلّ بظبا السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا، فناداه القوم من كل جانب: البقية البقية، فلما أفردوه أمضى الصلح(٥٠).
ولا نفهم من خطاب الإمام (عليه السلام) إلاّ إعلانه عن طلب معاوية للصلح، ثم صنّف أصحابه إلى خاذل أو منتقم ولم تبق البقية الباقية من شيعته إلاّ القليل، وقد ضنّ عليهم من الموت. ولكي نستقرأ خطابه (عليه السلام) نوجز ما ورد فيه إلى ست نقاط:
أولاً: أنّ الخطاب جاء بعد علمه (عليه السلام) من أصحابه التثاقل والخذلان ومن نوايا بعضهم أن يُسلّموه إلى معاوية حيّاً، ومشاهدته تفرّق بعضهم واعتداء الآخر عليه بطعنه، وليس كما ذكره الخبر أنّ الاعلان هذا جاء بعد رحيل أمير المؤمنين (عليه السلام) لشواهد روايات في هذا المضمار.
ثانياً: أنّ أصحاب الحسن (عليه السلام) غير أصحاب أبيه، فإنّ أصحاب أبيه كان يقودهم الصبر، وأصحابه يحدوهم الجزع، وفرق بين من يدفعهم الصبر وبين من يثبطهم الجزع، لذا فلا يمكن للمجابهة إبّان عهد الحسن (عليه السلام) أن تتمّ، ولا المناجزة أن تستقيم.
ثالثاً: أنّ الإمام (عليه السلام) يذكّرهم بأيام صفين ويقارن بين يومهم هذا وبين ذلك اليوم الذي كان هدفهم دينهم الذي يسعون إليه ويقاتلون من أجله، أمّا اليوم فإنّ دنيا القوم تقودهم ومطامعهم تسوقهم إلى حيث الخذلان وسوء النتيجة.
رابعاً: حدّد الإمام (عليه السلام) توجّهات معسكره إلى أصناف كلها لم تُجد المهمة:
أحدها من يبكي على قتلاه في النهروان فاُولئك هم الخوارج.
وآخرون يطمحون بثأر صفين فاُولئك العامة من جيشه الذين لا يحسنون تكليفهم.
والبقية من هؤلاء واُولئك متخاذلون لا يبلغون فتحاً ولا يرقون إلى نصر.
خامساً: أنّ معاوية طلب صلحاً ليس فيه عزّة ولا نصفة، حيث طلب أمراً لم يكن له، ومسألة يتطاول إليها وقد أراق دماء الطرفين من أجل بلوغها، (فإن رغبتم بالشهادة ناجزناه بظبا السيوف، وإن أحببتم العافية قبلنا ما عرضه علينا).
سادساً: لاقى أمر الصلح ترحيباً من أطراف المعسكر وهم يهتفون للبقاء وإن كان ذّلاً، وللحياة وإن كانت مراغمة لكبرياء حقهم وشموخ كرامتهم.
هذه هي توجهات عسكر الإمام (عليه السلام) ورغبة مقاتليه، وهذه هي حيثيات القضية التي من شأنها أن ينطلق الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المهادنة مع عدوه، أجل أنّها المهادنة وليس الصلح.
المهادنة وليس الصلح
دعنا نعترف الآن بكل إجلال للقرار الشجاع الذي اتخذه الإمام (عليه السلام) في تطويق الأزمة التي تكاد أن تقتلع كل المبادئ وتسحق كل القيم...
دعنا أن نقف بكل خشوع لمبادرة الإمام (عليه السلام) التي أوقفت نزيف الدم.
دعنا أن نهتف لتلك العظمة... للحكمة... بكل ما من شأنه أن يسعى لإعادة كرامة الإنسانية المهدورة بالتسابق على المصالح الشخصية... الاعتبارات... الحيثيات، ولكل ما من شأنه أن يوقظ الضمير الإنساني ليحيله إلى رافد من روافد العطاء....
ثم دعنا أن نتصوّر الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وقد أصرّ على الحرب ومواصلة القتال وهو في خضمّ هذه الأحداث..
ماذا لو لم يتخذ الإمام (عليه السلام) خطوة السلم وقرار الهدنة؟
ماذا لو استمر الإمام على قرار المناجزة؟ إنّه بالتأكيد ستحدث الكارثة، وسيحدث ما لم يكن بالحسبان حدوثه... وفي تصوّرنا لو أنّ الإمام أصرّ على الحرب، فسيحدث ما يمكن وقوعه عاجلاً:
أولاً: التمرّد العام الذي سيُحدثه قرار الرفض والانصياع لمبادرة المهادنة؛ فالكثرة العظيمة استسلمت لطلب الصلح من قبل معاوية، بل هتفت بالبقاء واختيار العافية على الحرب، والموادعة على القتال، والمهادنة على المناجزة، فما الذي يفعله الإمام (عليه السلام) وهو في خضمّ معارضة عنيفة للحرب؟
وما الذي تراه أن يتخذه من قرار وهو يعيش حالة الخذلان من قبل أصحابه؟
ثانياً: لا يسع اُولئك المتخاذلون إلاّ أن يُسلّموا الإمام (عليه السلام) إلى معاوية ويوثقوه دون أن يقدر أحد من دفع ما ألمّ بالإمام من خذلان وغدر وخيانة، وإذا سَلَّمَ الإمام أصحابه إلى معاوية، فعند ذاك (سيمنّ) معاوية على الإمام (بالعفو) و(الاطلاق)، وسيدال الأمر من عفو أبناء الطلقاء والمنّ على أبناء الأنبياء، عندها ستتغير كل معادلات الحقائق وسيظهر معاوية بشخصية الصلاح والتقوى والعدل والإحسان التي يصوّرها صناعو السياسة ومرتزقة السلطان.
ثالثاً: وإذا لم يتمكَّن هؤلاء من أسر الإمام (عليه السلام) فإنّ إمكانية اغتياله واردةٌ جداً، وبذلك سيكون الإمام (عليه السلام) قد صُفّي على يد أصحابه، وسيُطعن على الإمام (عليه السلام) أنّ شيعته هم الذين غدروا به وقتلوه، وسيكون ذلك حجّة لدى الأعداء في الطعن على شيعة الإمام (عليه السلام) ومحاولة تسفيه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وإظهار الأعداء بمظهر الحريص عليهم دون شيعتهم كما يُدّعى الآن وبكل جرأة وسخرية.
رابعاً: سيسجّل التاريخ مكرمة لمعاوية وقد طلب (وقف إراقة الدماء) و(حرصه) المزيّف على وحدة المسلمين، وبالمقابل سينعى التاريخ على الإمام الحسن تشدّده حيال موقفه من الحرب وإصراره على القتال.
إذن... دعنا أن نلوّح بشارة النصر للإمام الذي اختزل في قراره ملاحم التضحية من أجل المبدأ، ذلك النصر الذي حطّم اُسطورة حلم معاوية، وهدنة السلام التي سحقت معها محاولات التزييف.
أجل، إنّها الهدنة وليس الصلح... ففرقٌ بين الصلح والهدنة... أما الصلح بمعنى التسالم والتصالح، أي أن يُصلح الطرفين أمراً أفسده النزاع أو الحرب والقتال. وعلى هذا معاجم اللغة حيث الصلح بمعنى تصالح القوم بينهم، والصلاح نقيض الفساد والإصلاح نقيض الإفساد(٥١).
فالصلح؛ إصلاح ما أفسده التنازع، وهذا لعمري لا ينطبق على ما جرى بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، فأيّ إصلاح هو تنازل الخليفة الشرعي عن الأمر وتسليمه إلى رجلٍ لم يقرّ له المسلمون بذلك.
وإذا كان الأمر كذلك فأيّ إصلاح هو، وتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتهبه أهل القوّة، وينزو عليه أهل المكر والابتزاز؟!.
وهذا ما يراه المسلمون من أنّ ذلك لا يعدو عن الانتزاء على خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلبها، وقد تنازل الحسن (عليه السلام) عن الأمر حقناً لدماء المسلمين.
قال اليعقوبي: وأحضر - أي معاوية - الناس لبيعته، وكان الرجل يحضر فيقول: والله يا معاوية، إنّي لاُبايعك وإنّي لكاره لك، فيقول: بايع، فإنّ الله قد جعل في المكروه خيراً كثيراً، ويأبى الآخر فيقول: أعوذ بالله من شرّ نفسك! وأتاه قيس بن سعد بن عبادة فقال: بايع قيس، قال: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية، فقال له: مه رحمك الله! فقال: لقد حرصت أن اُفرّق بين روحك وجسدك قبل ذلك فأبى الله يابن أبي سفيان إلاّ ما أحبّ، قال: فلا يردُّ أمر الله. قال: فأقبل قيس على الناس بوجهه، فقال:
يا معشر الناس لقد اعتضتم الشرّ من الخير، واستبدلتم الذلّ من العزّ، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيد المسلمين وابن عمّ رسول ربّ العالمين، وقد وليكم الطليق بن الطليق يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم، أم طبع الله على قلوبكم، وأنتم لا تعقلون؟
فجثا معاوية على ركبتيه ثمّ أخذ بيده ـ أي بيد قيس بن سعد ـ وقال: أقسمتُ عليك، ثمّ صفّق على كفّه، ونادى الناس: بايع قيس. فقال: كذبتم والله ما بايعت ولم يبايع لمعاوية أحد إلاّ أخذ عليه الأيمان، فكان أول من استخلف على بيعته، ودخل إليه سعد بن مالك، فقال: السلام عليك أيّها الملك، فغضب معاوية، فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كان أمّرناك إنّما أنت منتز(٥٢).
ولا ننسَ ما صرّح به الإمام الحسن (عليه السلام) من أنّ معاوية لم يكن بالجدير في طلبه، ولا بالحصيف في تقديره، ولا بالعادل في أمره وقد أدّعى أمراً ليس له، وتقمّص رداءاً ليس إليه، زاعماً أنه أحقّ بالأمر كذباً وزوراً، فقال:
أيّها الناس، إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله.
فاُقسم بالله، لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها ولما طمعت فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما ولّت اُمّة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه، إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتّى يرجعوا إلى ملّة عبدة العجل) وقد ترك بنو إسرائيل هارون واعتكفوا على العجل وهم يعلمون أنّ هارون خليفة موسى، وقد تركت الاُمة عليّاً (عليه السلام) وقد سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لعليّ: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبيّ بعدي)(٥٣).
فهل الصلح هذا الذي يعقبه تسافل الاُمة ونكوصها عند تولّي شرارها وتسلطهم على خيارها إصلاح دون إفساد، وخيرٌ بعد شرّ، ورحمة بعد نقمة؟!
هذه هي عواقب الاُمور التي أحالت الطلقاء وأولاد الطلقاء حكاماً يتسلطون على رقاب المسلمين، وقد قال عليّ (عليه السلام) مخاطباً معاوية: (واعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى)(٥٤)، فأيّ عذر يدعُ المرء أن يحمل ما وقع بين الإمام الحسن (عليه السلام) وبين معاوية إصلاحاً؟! وأيّ أمرٍ يُبيح لذوي مسكة عقلٍ أو فسحة رأي، ليعبّر عن يوم الحسن بن عليّ مع معاوية صلحاً؟!.
إذن فهي المهادنة دون الصلح... المهادنة التي تعقب الحرب، لتنتظر اليوم الذي تحلهُ من عقالها... فالهدنة هي الموادعة بين طرفي النزاع، والراحة بعد القتال، لتستقيم الاُمور لأحد الطرفين أو لكليهما معاً، ثُمّ يُنفق بعد هذا على ما هو في صالح الفريقين.
قال ابن منظور: الهدنة: انتقاض عزم الرجل بخيرٍ يأتيه، فيهدنه عمّا كان عليه، فيقال: انهدن عن ذلك، وهدنهُ خبرٌ أتاه هدناً شديداً.
ابن سيده: الهدنة والهدانة: المصالحة بعد الحرب، وأصل الهدنة السكون بعد الهيج، ويقال للصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين: هدنة، وربما جعلت للهدنة مدة معلومة، فإذا انقضت المدة عادوا إلى القتال.
وقال ابن الأعرابي: هدن عدوّه إذا كافّهُ(٥٥).
وقال الزبيدي في تاج العروس: الهدنة: الدعة والسكون، هدونهُ بالقول دون الفعل(٥٦).
وأكّد الزمخشري أنّ الهدنة غير الصلح، فاذا قيل صلحاً فهو من المجاز. قال: هدنت الرجل: سكنته وثبطته فهدن هدوناً، وهدنت صبيها بكلامها لينام، وهدنوه بالقول حتّى هدن. ومن المجاز: هادنهُ: صالحه مهادنة، وتهادنوا: تصالحوا وبينهم هدنة(٥٧).
وفي معجم متن اللغة: الهدنة: المصالحة بعد الحرب، الموادعة على ترك القتال مدةً، وأصل المعنى السكون بعد الهيج والدعة والسكون(٥٨).
هذه هي الهدنة، وتلك هي ظروف الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وقد ألجأته إلى موادعة عدوّه ومهادنة مناوئيه.
وبعد هذا فعلى أيّها ينطبق المصطلح؟ وفي أيّها يصدق؟ صلح أم هدنة؟
الإمام (عليه السلام) يصرّح بأنّها الهدنة
إذن فهي الهدنة حدثت بين الإمام الحسن (عليه السلام) وبين معاوية وذلك بعد أن رأى نقض عزم جيشه ونكوص أصحابه وخذلان قومه، حتّى لم يبق للحسن بن عليّ (عليه السلام) مندوحة الحرب غير مندوحة الهدنة، ولم يبق له غير خيار السلم بعد أن وجد في قومه ذلّ المستبيح لرغبة الموادعة على القتال، أو المستبيح لعرى الوثوق في بيعة السلم والموت، وبيعة الطاعة والمتابعة.
ما لنا نتردّد في مصطلح الهدنة ونصرّ على أنّه صلح وقد صرّح الإمام الحسن (عليه السلام) على أنّها الهدنة دون الصلح، فقال (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه: (يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً(٥٩) وقوله (عليه السلام) بعد الهدنة: أيّها الناس: إنّ الله هداكم بأوّلنا وحقن دماؤكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وأن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين(٦٠).
ومعلوم أنّ الصلح مشعرٌ بالتوافق بين الطرفين والتراضي بين المتخاصمين.
أمّا الهدنة فهي فترة ترقّب بحذر ينتظرها المتخاصمان أو أحدهما لينقضّ على الآخر آخذاً بحقه مسترجعاً ما افتقده.
والهدنة ليست عقداً كما يظهر من تعريفها حتّى تكون لازمة للطرفين أو لأحدهما، أما الصلح فهو عقدٌ لا يُرجع عنه. وعلى فرض أنّ الهدنة عقد فهي لازمة متى ما وفى بها الطرفان، فإذا أنقضهما أحدهم انتقضت ولا لزوم فيها للطرفين.
وعلماؤنا علي ذلك
ولم يقتصر الأمر على ما صرّح به الإمام الحسن (عليه السلام)، بل كان ذلك مركوزاً لدى علمائنا رضوان الله عليهم من أنّ ما حدث بين الإمام (عليه السلام) وبين معاوية هي هدنة وليست صلح.
فقد ردّ الشيخ الصدوق رحمه الله على من قال بأنّ الحسن (عليه السلام) قد بايع معاوية وصالحه على شروط، ردّ بأنّ ذلك الذي حدث هو المهادنة والمعاهدة وليس أكثر من ذلك.
قال الصدوق رحمه الله: قد ذكر محمّد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب (الفروق بين الأباطيل والحقوق) في معنى موادعة الحسن بن عليّ بن أبي طالب لمعاوية، فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي في هذا المعنى والجواب عنه، وهو الذي رواه أبو بكر محمّد بن الحسن بن اسحاق بن خزيمة النيسابوري، قال: حدّثنا أبو طالب زيد بن أحزم، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا القاسم بن الفضل، قال: حدثّنا يوسف بن مازن الراسبي، قال: بايع الحسن بن عليّ (عليه السلام) معاوية على أن لا يسمّيه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي (عليه السلام) شيئاً، وعلى أن يفرّق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل، وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد...
قال: وما ألطف حيلة الحسن (عليه السلام) في إسقاطه إيّاه عن إمرة المؤمنين، قال يوسف: فسمعت القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن عليّ (عليه السلام) بشيء عاهده عليه وإنّي قرأت كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية يعدّد عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة عليّ (عليه السلام) فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه.
فنقول: والكلام للشيخ الصدوق: رحمك الله، إنّ ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن (عليه السلام) ومعاوية عند أهل التمييز والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة.
ثمّ يستدل، الشيخ الصدوق رحمه الله على قوله: ألا ترى كيف يقول: (ما وفى معاوية للحسن بن عليّ بشيء عاهده عليه وهادنه) ولم يقل بشيء بايعه عليه، والمبايعة على ما يدّعيه المدّعون على الشرائط التي ذكرناها، ثمّ لم يفِ بها لم يلزم الحسن (عليه السلام)(٦١).
هذه هي حيثيات الاتفاق بين الإمام الحسن (عليه السلام) وبين معاوية حيث لم نجد بُدّاً من الاطلاق عليه بأنّه هدنة وليس صلحاً، فإنّ الصلح هو التوافق والتراضي والقبول بين طرفي المصالحة ولم نجد ما يشير من قريب أو بعيد بأن هناك أدنى توافق دفع الإمام (عليه السلام) بإيقاف القتال مهادناً معاوية حتّى يستتم الأمر ويستبين الرشد وينبلج الحقّ، ومتى كان الإمام (عليه السلام) راضياً بالمصالحة وقد أخرج جيشه وعسكر به في النخيلة؟ أما كان الأوفق لو أراد الإمام (عليه السلام) صلحاً من أول الأمر أن يبعث إلى معاوية وهو في الكوفة ليشترط عليه شروط الصلح - وأيم الحقّ - فإنّ معاوية أدهى من أن يتلكّأ في قبول ما يبعثه الإمام من صلح، أو يتردد في القبول أو يتوقف عن الاجابة، ألا ترى أنّ معاوية قد رضخ إلى ما أبداه الإمام (عليه السلام) من أول الأمر من شروطٍ عارضاً عليه أن يضع كل ما يريد، مرغّباً إيّاه بأموال العراق وأنّ الأمر له من بعده قائلاً:
(ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألاّ يستولى عليك بالإساءة ولا تُقضى دونك الاُمور، ولا تُعصى في أمرٍ أردت به طاعة الله عزّ وجلّ)(٦٢).
هكذا كانت اُمنية معاوية في الصلح والتوافق، وهكذا آلت الاُمور إلى الهدنة والموادعة من قبل الإمام (عليه السلام) حقناً لدماء أصحابه حتّى حين، منتزعاً حقّه وحقّ أتباعه الميامين.
ولعلّ الأحنف بن قيس يصوّر لنا ما يضمره الإمام الحسن (عليه السلام) من معاودة القتال إذا سنحت له الفرصة وانصاع له الأمر وحالفته الظروف فينقضّ عليه بعزمة المثابر للقتال والمجالد في انتزاع الحقّ، ويديل الأمر الذي أعطاه إلى حقٍّ هو آخذه متى ما وجد من أصحابه عزمة الجد، فقال الأحنف مخاطباً معاوية:
وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصاً، ولكنك أعطيت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تفِ فأنت أهل الوفاء، وإن تغدر تعلم والله أن وراء الحسن خيولاً جياداً، وأذرعاً شداداً، وسيوفاً حداداً، إن تدنُ له شبراً من غدر، تجد وراءه باعاً من نصر، وإنك تعلم أنّ أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليّاً وحسناً (عليهما السلام) منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإنّ السيوف التي شهروها عليك مع عليّ يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم(٦٣).
ولم يكن كلام الأحنف غير قراءة الواقع بعينٍ لا يعشوها طمع معاوية ولا يُخْفِتْ بريقها تهديده، بل قد عرف الأحنف أنّ ما كان بين الحسن (عليه السلام) ومعاوية إنّما هو ذُبالة سلمٍ لا ترقى إلى صلح، وهدنة تحتبس معها أنفاس الحسن (عليه السلام) عن المصاولة إلى حين.
هي سنّة آبائه الصالحين
ولم يكن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بِدعاً من آبائه الطاهرين، فقد كانوا يرون الموادعة مع أعدائهم حقناً لدماء أتباعهم، ويهادنون أهل حربهم ريثما يسترشد الأمر وتستبين الحجة، وتنقطع اللجاجة، وتقوى الهمم، وألا تنتقض عزائم قوم تديل الحقّ وتمحق الباطل... هكذا كان دأبهم (عليهم السلام)، وليكن ما نستعرضه من هدنتهم (عليهم السلام) أمرٌ يبعث على الاجلال بما أقدم عليه الإمام الحسن (عليه السلام) ليحقن دماء أتباعه وشيعته.
أولاً: صلح الحديبية
حيث رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الهدنة أبقى له ولأصحابه، وأنّ القتال في تلك الحال هي أفنى لقومه وأتباعه، فأراد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينتزع السلم، لينتزع بذلك العافية مهادناً قريش، لتكف أيديها عنه وعن أصحابه كيما يُتاح له (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد حين القدرة على القتال، والقوّة على المناجزة والنزال، بعدما علم من قريش إصرارها على إفناء جيشه، وتوجّس من بعض قومه النكوص وعدم الثبات، ألا ترى (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخذ على أصحابه بيعة الرضوان بعدما رأى تزلزل بعضهم وإرجاف آخرين؟
كان جابر بن عبد الله يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ، فبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس(٦٤).
لذا فقد هادن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المشركين أن تضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين، فلما أمكنه الله تعالى بعد سنتين دخل مكة فاتحاً منتصراً. وإلى ذلك أشار الزهري فيما فتح على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب المهادنة وأطلق عليها هدنة وليس صلحاً فقال:
فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلاّ دخل فيه، فقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر(٦٥).
هذه هي الهدنة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين قريش، فلو كان صلحاً لكان عقداً لا ينثني عنه ولا ينتقض فيه من أمر ذلك حتّى يتمّ الأجل وينقضي ما كان بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين قريش من شرط الوفاء من ميقات.
إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث رأى (أنّ قريش قد تظاهرت على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من العهد والميثاق بما استحلّوا من خزاعة وكانوا في عقده وعهده)(٦٦). فوجد من قومه عزمة القتال والنشاط على الحرب حتّى تقدم متجهزاً ليدخل مكة وليفتح الله له فتحاً مبيناً.
هذه هي الهدنة بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين قريش، هادن بعد أن رأى أنّ السلامة في المهادنة، والعافية في ترك القتال، فآثر الهدنة على الحرب والسلم على القتال... وهكذا هو حال سبطه المجتبى، فقد رأى ما رآه جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الموادعة والمهادنة حتّى يرى ما يمكّنه من إعادة حقّه ودفع غائلة أعدائه وكيد الناكصين من أصحابه معاوداً القتال بعد أن غدر معاوية في شروطه ولم يف بذمتها شيئاً أبداً.
ثانياً: موادعة الحرب بين علىّ (عليه السلام) ومعاوية
كان عليّ (عليه السلام) قد رأى في الهدنة خيراً، وفي الكفّ عن القتال أبقى لأصحابه فيما إذا رجى منه ما يوافق حقه دون أن ينقصه شيء، فعمد إلى الموادعة بينه وبين معاوية وأرسل الرسل علّه ينصاع إلى الرشد ويخضع إلى الحقّ، فلما لم يجد معاوية إلاّ الغي والتمادي، عكف على مواصلة الحرب، والقتال.
قال الطبري:
فكان في أوّل شهر منها أي من سنة سبع وثلاثين وهو المحرّم موادعة الحرب بين عليّ (عليه السلام) ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعاً في الصلح، فذكر هشام بن محمّد عن أبي مخنف الأزدي قال: حدثني سعد أو المجاهد الطائي عن المُحِل بن خليفة الطائي قال: لمّا توادع عليّ ومعاوية يوم صفين اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح(٦٧).
ثالثاً: وإن نسينا فلا ننسَ ما فُتّ في عضد عليّ (عليه السلام) يوم تعاودت حجة معاوية وانتقض عزم أصحابه، وبان فيهم الضعف عن القتال حين علِمَ أصحاب معاوية أنّ عليّاً (عليه السلام) عازم على افنائهم واجتثاثهم، فخارت قوى أصحابه وتضعضع جيشه وأمسك عن قبول القتال إلاّ بالحيلة والغدر.
قال الطبري:
فلمّا رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلاّ اجتماعاً ولا يزيدهم إلاّ فرقة، قال: نعم، قال: نرفع المصاحف، ثم نقول ما فيها حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم يقبلها، وجدت فيهم من يقول بلى ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنّا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين، فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عزّ وجلّ بيننا وبينكم، مَنْ لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومَنْ لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا نجيب إلى كتاب الله عزّ وجلّ وننيب إليه.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه: أنّ عليّاً (عليه السلام) قال: (عباد الله امضوا على حقّكم وصدقكم قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضحاك ابن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال.
ويحكم، أنّهم ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهناً ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله عزّ وجلّ فنأبى أن نقبله، فقال لهم: فإنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنّهم قد عصوا الله عزّ وجلّ فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي في عصابةٍ معهم من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ أجب إلى كتاب الله عزّ وجلّ إذا دعيت إليه وإلاّ ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان، إنّه علينا أن نعمل بما في كتاب الله عزّ وجلّ فقبلناه، والله لَتَفْعَلَنَّ أو لنفعلها بك(٦٨).
فلمّا رأى عليّ (عليه السلام) غدر القوم وانطلاء مكيدة عمرو بن العاص عليهم سلّم إلى الأمر وكفّ عن القتال، واخطر بالقبول وتوقيع معاهدة التحكيم بينه وبين معاوية، حقناً للدماء ودرءاً للفتنة وتفويتاً لفرصة الغدر والنكوص.
وهكذا فإنّ الهدنة ما لا بدّ منها، كما أن الحرب لا بدّ منه، وكما أن الحقّ يؤخذ بالقوة والقتال، فكذا يدفع بالكفّ والموادعة عن القتال. وقد عمد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) إلى ما عملِهُ من قبل جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبوه عليّ المرتضى (عليه السلام) حيث فرضا القتال حينما رأيا أنّ الأمر يتطلّب ذلك، وأقرّا الموادعة حينما وجدا أنّ الأمر لا يصلحه إلاّ ذلك.
إذن فهدنة الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ليست بدعاً، فإنه (عليه السلام) رأى المصلحة في ذلك إبقاءً على دين الله من أن يفنى، وأن لا يُعبد الله على هذه الأرض إذا فنيت عصابة الحقّ واستحكمت فلول الباطل وقد أجاب (عليه السلام) بذلك حينما اعترض عليه أحدهم عند هدنته.
روى ابن عساكر في تاريخه، أنّ مالك بن ضمرة أتى الحسن ابن عليّ فقال: السلام عليك يا مسخّم وجوه المؤمنين، قال: (يا مالك لا تقل ذلك، إنّي لمّا رأيت الناس تركوا ذلك إلاّ أهله خشيت أن تجتثّوا عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين في الأرض ناعي).
فقال: بأبي أنت واُمي ذريّة بعضها من بعض(٦٩).
شروط الهدنة
ولنا أن نستقرأ هذه الشروط لكي نستقرأ معها حيثيات الهدنة ودوافعها، أو نلتمس ما ينبغي التماسهُ من إلمامة بالماضي المرير، لتنفتح لنا أسارير مستقبل ممتحنٍ يجيش بكل دواعي النزعات الداعية للتمرّد على الشرعية الإلهية، أو هو ماضٍ محمّل بتبعات سوأة التمرد على تلك الشرعية، ليكوّن المستقبل المتمرّد على كل الأعراف والقيم، وستكون الخلافة ضحيتها المنحورة على قرابين شهوة السلطان.
ولن نغفل ـ بعد ما سلف من استقصاء ـ دواعي الحسن (عليه السلام) لهذه الهدنة (المضطهدة) أو قُل الدوافع المظلومة التي أودت بعزيمة الإمام (عليه السلام) في قتال القاسطين، أن تندفع باتجاه الفتح العاجل أو النصر القريب، وإنّما كانت تلك العزائم (الأسيرة) لدى الأهواء المتمرّدة عرضة للتهم القادمة بعد حين، لتصوّر ضعف عزيمة الإمام (عليه السلام) عن القتال وسكونه للدعة أو المهادنة، أو كما يضخّمها الإعلام المضاد من أنّه اندفع للصلح وخضع لما أملاه معاوية من البيعة عليه وعلى شيعته... وهكذا عزِمَ الإعلام أنّ يصوّر الهدنة بأنّها التنازل، والسلام بأنه استسلام، وعكف أن يؤسس (عقلية) قاصرة تقرأ الأحداث دون روية، أو قُل دون مسكة إنصاف، أو حصافة رأيٍ...
وقد كشفت هذه الشروط سوأة ابن أبي سفيان حين أراد أن يراهن على ظروف طارئة، بل لم تكن طارئة حقاً إذا ما عرفنا أنّها وليدة مناوراتٍ سياسية أطاحت بالشرعية، لتوصلها إلى الهدنة التي لم تكن في حسابات الإمام الحسن (عليه السلام) وهو يطمح أن يواصل مهمة أبيه الشهيد إلى هدفها المنشود..
ولم يكد معاوية يخفي هلعه ممّا عزم عليه الحسن (عليه السلام) من تحقيق النصر على مناورات معاوية ومساوماته المخادعة حتّى بعث معاوية بصحيفة بيضاء للحسن يدعوه أن يشترط عليه ما شاء بما شاء، ولم يكن الحسن (عليه السلام) قد راجعه في صلح أو موادعة لولا ما رأى من أصحابه جفوة التمرّد على مواصلة القتال أو خيانة بعضهم ونكوص آخرين، عدا ما بقي من صفوة شيعته وشيعة أبيه فضن بهم على الموت والفناء.
قال الطبري: وقد أرسل معاوية بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك(٧٠)...
ولا يسعنا الآن إلاّ أن نستعرض تلك الشروط التي ذكرها التاريخ وأرّخها المؤرّخون وعكف على دراستها الباحثون أو أن نجعلها آلية لقراءة حيثيات الهدنة، ودواعي المسالمة، ودوافع إرجاء مهمّة الإمام الحسن (عليه السلام) في القضاء على جيوب التمرّد وحركات النفاق إلى حين.
ولا نجد من استقصى تلك الشروط وجمّعها كما هو عليه شيخ المحققين العلامة الأجل الشيخ راضي آل ياسين نوّر الله ضريحه وحشره مع من تولاّه، فقد أفرغ الوسع وبذل الجهد في تقصّي شروط الهدنة. ونحن ذاكرون ذلك ما يقتضيه البحث من تحقيق الشروط ومناقشتها لاحقاً.
معاهدة الهدنة التي وقعها الفريقان
المادة الاُولى:
تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وبسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أن لا يسمّيه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة(٧١).
المادة الثانية:
أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
المادة الثالثة:
أن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلاّ بخير.
المادة الرابعة:
استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد.
المادة الخامسة:
على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم وأن يؤمّن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنةٍ.
وعلى أمان أصحاب عليّ (عليه السلام) حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ (عليه السلام) بمكروه، وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً، ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حقّ حقّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا.
وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين، ولا لأحدٍ من أهل بيت رسول الله غائلة، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في اُفقٍ من الآفاق.
وفي نهاية الوثيقة جاءت عبارة معاوية
(وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك، عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه)(٧٢).
شروط الهدنة... قراءة وتحليل
ولم يكن أحدٌ في وسعه أن يقف على ملابسات ما أحدثه مؤرّخو هذه الأحداث دون أن يقف متأمّلاً فيما تعنيه هذه الشروط، وما تقصده تلك الموارد التي اتفق عليها الطرفان وأقرّها الفريقان، حتّى أحدثت هذه الموارد هدنة المسالمة والموادعة عن القتال.
الشرط الأول
المتأمّل في الشرط هذا لا يفهم أكثر من تنازل الإمام الحسن (عليه السلام) عن الأمر، والأمر لا يعني أكثر من معنى الملك والسلطان، أي لا يتجاوز عن ملكٍ دنيوي زائل، وسلطان محدود منقرض، ولا يعني التنازل لمعاوية عن الخلافة، فالخلافة لا تعطى إن كانت حقّاً دنيوياً، وإن كانت الخلافة بمعنى الإمامة، فإن الإمامة لا تكون منصباً دنيوياً يُهدى أو يتنازل عنه، إذ الخلافة التي هي بمعنى الإمامة لا تعني إلاّ خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحقّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأمر لم يأت بتعيين دنيوي، أو تعاهد أهل الحلّ والعقد عليه، بل هو أمر إلهي صرف وتعيين سماوي بحت، لا تناله أهواء الناس ورغباتهم، وكذا الحال في خليفته، إذ للفرع ما للأصل، وللجزء ما للكل، فللإمامة ما للنبوّة عدا خصوصيات اختص بها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا مجال لذكرها الآن.
فالتنازل عن الأمر، لا يعني أكثر من تقليد معاوية شؤون السلطان ومتطلبات الحكم وتدابير الملك وليس أكثر..
ألا ترى أنّ معاوية أقرّ بأنّ الأمر لا يعدو عن إمرة وملك وسلطان؟ وليس شأن معاوية أن ينال شأوه من قداسة الإمامة أو يرقى كعبهُ عظمة الخلافة الالهية، وأنّى له ذلك وقد عَلِم أنّه من الطلقاء الذين لا يحلّ لهم تبوّء ما جعله لأولاد الأنبياء وقد حباهم وكرّمهم وآتاهم من الملك ما لا ينبغي لأحد أن يأتيه.
روى الأعمش عن عمر بن مرّة عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، ثم خطبنا فقال: والله إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
قال: وكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدّث بذلك يقول: هذا والله هو التهتّك(٧٣).
وقد نفى معاوية عن نفسه مهام الإمامة ومرتبة الخلافة، وأثبت لها الملك والسلطان اعترافاً منه بأنّه لا ينال من طهارة الخلافة وهو ابن طلقاء.
روى البيهقي في المحاسن والمساوئ أنّ الحسن (عليه السلام) وجّه كلاماً إلى معاوية يؤنّبه فيه على تماديه وتفاخره في غير حقّ، قائلاً: (أما والله لهو أعرف أي معاوية بشأنه وأشكر لما أوليناه هذا الأمر)(٧٤).
وفي كلام الإمام الحسن (عليه السلام) ما يُنبئ عن الاعتراف بأنّ معاوية لا يستحق أكثر من إمارةٍ يدين بها إليه أصحاب الأهواء، ليجدوا في ذلك بغيتهم ويحصلوا على مآربهم... كانت مطالبة الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية لإبداء الشكر لما أولاه من الإمارة تأكيد من الإمام (عليه السلام) بأنّ ذلك لا يتعدّى أكثر من تنازل عن حقّ السلطان الذي رغب فيه معاوية، وكون الأمر المتعلق به التنازل لا يكون خلافة أو إمامة، وإلاّ ما معنى إبداء الشكر على أمرٍ يستحقه معاوية أو أمر هو أولى به من الحسن؟!
فمطالبة الإمام (عليه السلام) معاوية الشكر عن تنازله عن السلطان حقيقٌ أن يُنهي تساؤلاتنا عن نسبة العلاقة بين ما جرى بين الإمام (عليه السلام) وبين معاوية، وهل هو شرف إمامةٍ استحقه، أم نزوة سلطان ادّعاه؟
الشرط الثاني
ولم يكن هذا الشرط سوى التنكيل بمعاوية وتعريف الناس أنه محجور عليه من التصرف ـ على الأقل في إيكال الأمر إلى غيره ـ وإلا لم يكن صحيحاً أن يتجرّد من له الأمر عن أمر الإيصاء ما لم يكن سفيهاً غير رشيد، فإنّ السفيه أحقّ أن يجرّد عن الإيصاء وهو مبنى أكثر الفقهاء.
وهذا ما أشار إليه الإمام بأنّ معاوية ليس له الحقّ في التصرّف بالأمر.
وإذا استطاع معاوية أن يخرج عن ذمّة الشرط ويخيس بالعهد، فإنّ ذلك لا يعدو عن طبع الغدر وجبلّة الخيانة التي عُرف بها واشتهر عنها. وليس هذا بأهمّ عمّا طوّق هذا الشرط ولاية يزيد وأدانها وأخرجها عن شرعية العهد الذي عهد معاوية لابنه عهداً ليس له حسب، وإقرار معاوية بنفسه حين أقرّ بالشرط فأبطلها وحكم عليها بالمروق عن العهد وبالتمرّد عن الطاعة التي ينبغي لمثل معاوية أن يدين بها، وقد جعل لنفسه قداسة الخلافة ودعوى الأحقية بهذا الأمر.
وإلى هذا أشار الشيخ الصدوق للشرط هذا بقوله: ولم يكن معاوية عند الحسن (عليه السلام) أميراً أقامه الله عزّ وجلّ ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو حاكماً من ولاة الحكم(٧٥).
الشرط الثالث
لم تكن حيلة معاوية في استجلاب النصر غير ما ينصاع إليه الطبعُ ومن الخسةِ في التنكيل بعدوّه، ليغطي سوأة الحسب بعدما بدت ظاهرة لأهل الشام، وطفق ابن أبي سفيان يتوسّل بمعاذير اللؤم في الانتقاص من عليّ (عليه السلام) ليظهر ضغينة البغض، فأفضى به العداء إلى شتم عليّ (عليه السلام) على منابر الشام ليؤسّس سنّة لم يسبقه إليه أحد لا في الجاهلية ولا في الإسلام.
فالشهامة تملي على صاحبها أن يترفّع عن محقّرات الاُمور، وأن يتنزّه عن كل ما من شأنه الانتقاص من عدوه بغير حقّ، وإذا تخلّى المرء عن ذلك استطاب له كل دنيّ، واستهان عنده القبيح حتّى يراه ضمن خصاله وشيم أخلاقه.
وإلاّ ما الذي يجده معاوية مضطراً إليه في شتمه عليّاً (عليه السلام) لولا خسةِ الطبع واستملاح كل شائنة، والإبقاء على رذائل الخصال واستباحة كل حرمة. ألم يجد عليّ (عليه السلام) مندوحة من أن يسلك ما سلكه معاوية من الشتم لولا خلقه النبويّ الذي ترفّع به عن كل ما يحطُّ به من قدر الأبطال، فكان عليّ (عليه السلام) بطلاً يرنو إلى الخلود، ويتسامى إلى مجد العظماء في كل حين، وينحدر معاوية إلى حضيض كل شائنة ليرثه بنوه وذوو قرابته من آل مروان ثمانون عاماً من شتم عليّ (عليه السلام) غير متحرجين ولا متأثمين.
فكان ما اشترطه الحسن (عليه السلام) من رفع السبّ عن عليّ - وقد عرف أنّ معاوية غير جدير بالوفاء - ليكشف لذوي البصائر عن زيف ما يدعيه معاوية ومن سار على خطه، وبهذا فإنّ الحسن بن عليّ كسب النصر من حيث يتسافل آل حرب في حربهم لآل الرسول.
الشرط الرابع
ولم يكن هذا الشرط بأقل من سابقيه، فقد أثبت أن مقاتلة صفين والجمل الذين قاتلوا مع عليّ (عليه السلام) مسلمون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فلهم من بيت مال المسلمين كما لباقي المسلمين، واذ أثبت هذا الشرط إسلام من قاتله معاوية، فكيف يُتاح لمعاوية مقاتلة من أقرّ هو بإسلامه؟ أليس مقاتلة المسلمين واستحلال دمائهم خروجاً عن ربقة الإسلام؟
وبهذا الشرط جعل الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أن يقرّ معاوية على نفسه باستحلاله دماء المسلمين لا لشيء إلاّ من أجل السلطان، وهو اليوم يعيد كرّة الأمس ليستحوذ على ما ليس له.
ولكن لماذا خراج دار أ بجرد؟
على أنّ الإمام (عليه السلام) أخذ معاوية بهذا التقييد من بين يديه ومن خلفه حتّى جعل هذا الشرط وبهذا القيد إقراراً من معاوية بولاية الحسن بن عليّ وأنّه خليفة رسول الله بلا منازع.
فدار أبجرد لم تفتح عنوة، بل صولح عليها، وكل ما صولح عليها فهي لرسول الله خالصة دون المسلمين وذلك بحسب قوله تعالى: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(٧٦).
فإذا كان الحسن بن عليّ (عليهما السلام) مستحقاً لما أفاء الله عليه فإنّ ذلك إقرار بخلافته وتسليم بأنّ الأمر له دون غيره.
الشرط الخامس
ولهذا الشرط معناه في نفي عدالة معاوية وتذكيرٌ بإرهابه
وأخذه المسلمين بالقوة والسطوة، وهذا يعني أنّ ابن أبي سفيان حريٌّ بأن ينازع الأمر أهله مهما كلّف ذلك من إراقة الدماء والتنكيل بالآمنين من أهل القبلة، أهل شامهم وعراقهم ويمنهم وحجازهم سواء، والحسن بن عليّ (عليهما السلام) جدير بأن تشمل رعايته جميع المسلمين، لأنّه خليفتهم دون فرق بين أهل الشام من مقاتليه أو أهل العراق من أنصاره، وهذا لعمري تأكيد على ولايته وشمولها لبلاد المسلمين دون استثناء، وأنّ معاوية مارق ضالّ يأخذ الناس بالقوّة والتنكيل، ليأخذهم على طاعته، فإمرته إمرة سيف وبطش، وإذا كان معاوية جديراً بخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان حريّاً به أن يتّبع منهاجه ويحذو حذوه، فيعفو عن مسيئ المسلمين ويثيب محسنهم، وأن يكون المسلمون عنده سواء، أمّا الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فيدين سياسة ابن أبي سفيان والاخلال بهذا الشرط لا يتعدّى عن كون معاوية رجل إلى المغامرة أقرب منه إلى السلام، فالسلام لا يعدو عن لعبة السياسة التي يركب موجتها، لتوصله إلى شاطئ الامان والذي يعني إبعاد خصومه بأيّ وجه كان، فمن المطاردة والتنكيل إلى المهادنة والتخذيل الذي بذل فيه معاوية أقصى جهوده من أجل أن يكسب جولة الحرب وقد عصفت بكيانه بعد تعريته وإدانته، وإذا أفلت من قبضة الإمام في الحرب، فإنّه لن يفلت من إدانته في الشروط، فقد أملى عليه ما لا يطيق، فإنّ دنائة الطبع موفور عليها ابن أبي سفيان، ففي الغدر سعة وفي الخيانة حجة الآثمين.
نكبة التاريخ
ولم يزل المؤرّخون يخوضون في غمار الأحداث (الحسنية) التي كانت شاهدة على خذلان اُمة، وشاهدة على تساؤل مؤرّخي البلاط اُولئك الذين أعيتهم الحقائق فبدو يتأرجحون بين تصويب مبادرةٍ وتخطئةِ اُخرى.
فهم يصفّقون (للصلح) الذي انتهجه الإمام الحسن (عليه السلام) كاُسلوب لإنهاء الحرب، ويتخبّطون في تحليل حيثيات القتال الذي كان الإمام عليّ (عليه السلام) قد اتخذه قراراً نهائياً لحسم الصراع بينه وبين معاوية.
فمن جهتهم يتساءلون عن دوافع القتال ويغضّون الطرف عن دواعي (الصلح) في حين تدين الوثائق التاريخية تخبّطات هؤلاء الذين يؤرّخون لفترتي الحرب والسلام.
فالحرب إنّما اضطر لها الإمام عليّ (عليه السلام) بعد أن نفدت كل الحيل من أجل إرجاع معاوية إلى حظيرة الإسلام، وذلك بعد أن أبِق عن طاعة الخلافة الشرعية، ووجد معاوية أن لا مفرّ له من اختيار الحرب، لأنّه محجوجٌ بشرعية الإمام (عليه السلام)، والحرب ستخلط أوراق الحقائق، وستضطرب الرؤى على المسلمين حتّى لا يميزوا الحقّ من الباطل، ومعاوية يرنو إلى تحقيق هذا الغرض بكل جهده، فاختيار الحرب هي وسيلة لإنقاذ موقفه المنهار، إلاّ أنّ ذلك لم يكن لصالحه بقدر ما هو كشفٌ للحقائق، وإدانةٌ لمواقف معاوية من خلال ممارساته المتهوّرة التي لا تُمتْ للأخلاق فضلاً عن الدين بأيّة صلة، وبذلك كسب الإمام عليّ (عليه السلام) جولة الحرب كما سيكسبُ الإمام الحسن (عليه السلام) جولة السلام، فقد كان قرار الإمام الحسن (عليه السلام) صائباً في قبول الهدنة والموادعة حتّى تُرمّم بعض مواقف اُولئك الذين دعوا إلى عدم الحرب واختاروا اُسلوب التثبيط والتخاذل من أجل إفشال مخططات الإمام الحسن (عليه السلام) في حسم أمر الحرب لصالحه.
فلمّا وجد الإمام أنّ طابوراً من الخونة والمتخاذلين قد تغلغلوا في أوساط جيشه وتبوّؤا قيادات عسكره لم يتردد الإمام (عليه السلام) في قبول خيار الموادعة إلى حين، ليقطع الطريق على مؤامرات معاوية من أن تأخذ فاعليّتها على المدى البعيد، في حين تُعدُّ شروط الإمام (عليه السلام) التي أملأها على معاوية إدانة فاضحة لنوايا معاوية حتّى أنها عرّت اُولئك الذين يتشدقون بقدسية الصحبة وأنّ جميع صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن تدنّسهم الأحداث فهم يهتدون بصحبتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). في حين كشفت شروط الإمام (عليه السلام) عن زيف هذه الدعاوى وقطعت الطريق على مثل هذه الافتراءات.
معاوية بن أبي سفيان تلاحقه لعنة شروط الإمام الحسن حتّى هذه الساعة ولا يمكن لأحد بكل تحدّ أن يبرّر موقف معاوية من انتهاكاته لهذه الشروط، بل أرفد موقف الإمام الحسن (عليه السلام) شرعية الصراع الذي خاضهُ الإمام عليّ (عليه السلام) مع معاوية بهالةٍ من الحقائق، واسكت أبواق اُولئك الذين يتباكون على قتلاهم في صفين ويضبّبون رؤية الحقائق حول دواعي الإمام (عليه السلام) للحرب.
إذن فسياسة الإمام الحسن (عليه السلام) تكملة لمسيرة الإمام عليّ (عليه السلام) بكل دواعيها، وتهيئةٌ لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بكل حيثياتها، لأنّه رجلُ الحرب كما هو رجل السلام.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) السيرة النبوية لابن هشام: ٤/٢٣٦.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام: ٤/٢٣٦.
(٣) المصدر السابق: ٢٣٧.
(٤) المصدر السابق: ٢٣٧.
(٥) اُنظر الطبري في تاريخه: ٢/٤٤٩.
(٦) تاريخ الطبري: ٢/ ٤٥٨.
(٧) تاريخ اليعقوبي: ٢/١٢٣.
(٨) تاريخ مختصر الدول لابن العبري: ٩٨.
(٩) لمزيد من المعلومات عن تأسيس الكوفة راجع كتاب أنصار الحسين (عليه السلام) للمؤلّف.
(١٠) الإرشاد: ٢ / ٨.
(١١) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢ / ٧١٩.
(١٢) الارشاد: ٢/٩.
(١٣) أي قالت لهم: نعم.
(١٤) النائرة: العداوة والبغضاء.
(١٥) نهد إليه: ارتفع.
(١٦) مقاتل الطالبيين: ٦٤.
(١٧) مقاتل الطالبيين: ٦٦.
(١٨) شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي: ٣ / ١٣٢.
(١٩) راجع في أقوال أبي سفيان تاريخ الطبري: ٢/ ٤٤٩.
(٢٠) المصدر السابق.
(٢١) الإرشاد للشيخ المفيد: ٢ / ١٠.
(٢٢) الغميزة: المطعن.
(٢٣) مقاتل الطالبيين: ٦٨، شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٦ / ٢٢٨.
(٢٤) مقاتل الطالبيين: ٦٨.
(٢٥) شرح ابن أبي الحديد: ١٦ / ٢١٢.
(٢٦) الأغاني: ٦٩، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ١٦/ ٢٢٩.
(٢٧) مقاتل الطالبيين: ٦٩، شرح النهج: ١٦/ ٢٢٩.
(٢٨) المخاريق: ما يضرب به من خرقة وغير ذلك.
(٢٩) شرح النهج: ١٦/ ٣٨.
(٣٠) مقاتل الطالبيين: ٧١.
(٣١) لا يعني أن الاثنى عشر ألف كوفي هم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، بل إنّ من بين هؤلاء هم بقية ثقاته، ألا ترى قوله عليه السلام: (وادنهم من مجلسك). فإنّ تقريبهم إليه وتعاهدهم لا يتناسب وعدد الإثني عشر ألف، وقوله عليه السلام: (البقية من ثقة أمير المؤمنين عليه السلام) لا يتناسب أيضاً مع هذا العدد الهائل، ممّا يعني أنّ الإمام أوصاه بما هم أهل للوصية من خاصته وثقاة أبيه.
أما هذه الكثرة فلا ينظر إليها الإمام عليه السلام من منظار القائد الواثق بجيشه إلاّ غالبية سواد لا يعني من أمره لا مبدأه أو منتهاه.
(٣٢) مقاتل الطالبيين: ٧١.
(٣٣) هذه من مكائد معاوية، إذ كيف يقاتلهم والحسن عليه السلام قد راسله في الصلح، بل كان الأجدر به ـ لو صحت دعوى المراسلة بالصلح ـ أن يختصر الأمر فيرسل إلى عبيد الله بن عباس بأمر الصلح أفضل من مقاتلته، إلاّ أنّه لما رأى مدافعة ابن عباس وعدم ثبات جيش معاوية احتال بهذه المكيدة ومارس هذه الدسيسة.
(٣٤) سوف نستعرض خطبة قيس لاحقاً، لنقرأ في هذه الخطبة حيثيات دواعي عبيد الله بن العباس للاستجابة سريعاً لخدعة معاوية.
(٣٥) أي على فرض صحة دعوى معاوية أنّ الإمام قد صالح، فلنقاتل من غير إمام، ليقيننا بصحة ما نحن عليه من الحق، ولو قنعوا بدعوى معاوية (أنّ الإمام قد صالح) لما كان معنى لدعوة قيس بن سعد بالقتال واستجابتهم له.
وكذا كان على معاوية أن يشترط على الإمام الحسن (عليه السلام) أن يوعز إلى جيشه بالانسحاب لاتفاقهم على الصلح وتسليم الأمر إليه، بل من شروط الصلح وقف القتال وانسحاب جيش الإمام (عليه السلام). ممّا يعني أنّ دعوى الصلح مكيدة لم تنطلِ على قيس وأصحاب قيس.
(٣٦) شرح نهج البلاغة: ١٦/ ٢٣١.
(٣٧) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢١٤.
(٣٨) ستأتي الإشارة إلى ذلك لاحقاً.
(٣٩) مقاتل الطالبيين: ٧٣.
(٤٠) شرح نهج البلاغة: ١٦/ ٢٣٢.
(٤١) تاريخ الطبري: ٤/ ١٠٧.
(٤٢) البحار: ٤٤/ ٤٤.
(٤٣) منتهى الآمال، الشيخ عباس القمي: ١ / ٤٣١.
(٤٤) البحار: ٤٤/٣٣.
(٤٥) تاريخ الطبري: ٤/ ١٢١.
(٤٦) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢١٥.
(٤٧) صلح الحسن عليه السلام للشيخ راضي آل ياسين: ١٠٠.
(٤٨) البحار: ٤٤/ ٣٣، عن علل الشرائع: ١ / ٢٥٩.
(٤٩) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٢٢.
(٥٠) اُسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ١٩، دار إحياء التراث.
(٥١) تهذيب اللغة للأزهري باب صلح: ٤ / ٢٣٤، مادة صلح.
(٥٢) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢١٦.
(٥٣) كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢ / ٩٣٨.
(٥٤) صفين. نصر بن مزاحم: ٢٩.
(٥٥) لسان العرب لابن منظور: ١٥ / ٥٧ مادة هدن.
(٥٦) تاج العروس للزبيدي، باب هدن.
(٥٧) أساس البلاغة للزمخشري، باب هدن.
(٥٨) معجم متن اللغة لأحمد رضا، باب هدن.
(٥٩) البحار: ٤٤ /٢.
(٦٠) تاريخ اليعقوبي: ٢/٢١٥.
(٦١) علل الشرائع: ١/٢٤٩، عنه البحار: ٤٤/٢.
(٦٢) مقاتل الطالبيين: ٦٦.
(٦٣) الإمامة والسياسة: ١ / ١٦٩.
(٦٤) السيرة النبوية لابن هشام: ٣/ ٢٢٦. وهذا تعريض بعثمان بن عفان عند فراره يوم اُحد فقد روى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: فقال عليّ مخاطباً عثمان بن عفان: ألست الفار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم اُحد. شرح نهج البلاغة: ٩ / ٦.
(٦٥) تاريخ الطبري: ٢ / ٢٨٣.
(٦٦) راجع المصدر السابق.
(٦٧) تاريخ الطبري: ٤/ ٢.
(٦٨) نفس المصدر.
(٦٩) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق، تحقيق المحمودي: ٢٠٣.
(٧٠) تاريخ الطبري: ٤/ ١٢٤.
(٧١) ورد هذا الشرط في البحار: ٤٤/ ٢.
(٧٢) صلح الحسن (عليه السلام): ٢٥٩، للشيخ راضي آل ياسين.
(٧٣) شرح النهج: ١٦/ ٢٣٤.
(٧٤) المحاسن والمساوئ للبيهقي: ٨٦.
(٧٥) علل الشرائع: ١ / ٣٥٣، عنه البحار: ٤٤/ ٨.
(٧٦) الحشر: ٦ ـ ٧.

التقييم التقييم:
  ١ / ٤.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل