فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » العِزّة الحسَنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٨)  

كتب المركز

 

الكتب العِزّة الحسَنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٨)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: جعفر البياتي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ١٩٠٨ التعليقات التعليقات: ٠

العِزّة الحسَنيّة
سلسلة الأخلاق الحَسنيّة (٨)

تأليف: جعفر البياتي
الناشر: العتبة الحسينية المقدسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية

الإسلام دِين العزّة والكرامة والإباء، جاء إلى الناس ليعلّمهم كيف يوقّرون أنفسهم وينزّهونها عن الضَّعة والذِّلّة والمـَهانة، فيترفّعوا عن الطمع والتعلّق بالدنيا، وعن التملّق والخضوع للطغاة والمستكبرين.
وإذا كان الدين الحنيف قد رغّب في التواضع، فإنّه خُلقٌ إلهيّ شريف، حيث تواضع الله عزّ وجلّ لعباده، فخاطَبَهم وحاوَرَهم وحاجَجَهم، وتنزّل لهم ليأخذ بأيديهم إلى هدايته، وإلى رحمته. وتواضع الأنبياء والرسل عليهم السلام للناس لكي يُرضُوا ربَّهم جلّ وعلا، فتخلّقوا بأخلاق الله تبارك وتعالى، فمهّدوا لعباد الله سبيل الصلاح والخير والفضيلة، والنجاة والفوز بمرضاة الله جلّ وعلا.
ولكنّ التواضع أحياناً يكون انكساراً وخنوعاً ومذلّةً إذا كان قِبالَ الظَّلَمة المتعالين والطغاة المتكبّرين الذين يريدون إخضاع الآخرين، وجَعْلَهم خانعين صاغرين. وهنا ليس مِن مجالٍ للتواضع، بل يُظهر المؤمن عزّته، ويشمخ بكرامته، لا استعلاءً ولا تكبُّراً، ولكن حفظاً لِمـا كرّمه الله تعالى به إذ لم يأذن له بإذلال نفسه.
ولقد أعزّ الله عزّ وجلّ نبيَّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فأيدّه وأظهَرَه، وكتب له النصرَ المؤزَّر، وأضفى عليه عزّته. ثمّ أعزّ سبحانه المسلمين برسول الله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لمـّا صدّقوه واتّبعوه وآزروه، بعد أن انحطّت بهم الجاهليّة الجهلاء، وعصبيّاتُها وحميّاتها الحمقاء.. وقد وصَفَتهم الصدّيقة الزهراء عليها السلام في خطبتها الفَدَكيّة قائلة لهم: (وكنتُم على شَفا حُفرةٍ من النار، مُذْقةَ الشارب(١)، ونُهْزةَ الطامع(٢)، وقُبْسةَ العَجْلان(٣)، ومَوطئَ الأقدام، تشربون الطَّرْق(٤)، وتقتاتونَ الوَرَق(٥)، أذِلّةً خاسئين، تخافونَ أن يَتَخطّفَكمُ الناسُ مِن حَولِكم، فأنقَذَكمُ اللهُ تبارك وتعالى بمحمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بعدَ اللُّتيّا والَّتي..)(٦).
فالعِزّة في أصلها لله عزّ شأنه، ومَن أرادها فَمِن الله تعالى ينالها، وهو القائل جلّ وعلا:
ـ (ولا يَحْزُنْك قَولُهم، إنّ العِزّةَ للهِ جميعاً، هُوَ السميعُ العليم)(٧).
ـ (الذينَ يَتّخِذونَ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، أيَبتغونَ عِندَهُمُ العِزّةَ فإنّ العِزّةَ للهِ جميعاً)(٨).
ـ (مَن كانَ يُريدُ العِزّةَ فَلِلّهِ العِزّةُ جميعاً)(٩).
ـ (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمـُلْكِ تُؤْتِي الْمـُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(١٠).
ـ (ولِلّـهِ العِزّةُ ولِرسولِه ولِلمُؤمنين)(١١).
* قال الإمام الباقر عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى أعطى المؤمنَ ثلاثَ خصال: العِزَّ في الدنيا والآخرة، والفَلْجَ في الدنيا والآخرة، والمهابةَ في صدور الظالمين)(١٢).
* وقال الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ الله عزّ وجلّ فَوَّض إلى المؤمن أُمورَه كلَّها ولم يُفوِّضْ إليه أن يكونَ ذليلاً، أما تسمع قول اللهَ عزّ وجلّ يقول: (وللهِ العِزّةُ ولِرسُولِه ولِلمؤمنين)، فالمؤمنُ يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً). ثمّ قال: (إنّ المؤمنَ أعزُّ مِن الجبل، إنّ الجبل يُستقَلّ منه بالمعاول، والمؤمن لا يُستقَلّ مِن دِينه شيء)(١٣).
* وقد سُمِع أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليه يوم عرفة يدعو، فكان من دعائه الشريف ذلك قوله: (يا مَن خَصَّ نفسَه بالسموِّ والرِّفعة، وأولياؤُه بِعِزِّه يَعتزُّون)(١٤).
وكانت هذه الخَصلة الشريفة ظاهرةً على النبيّ المصطفى وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم، ومنهم الإمام الحسن عليه السلام، حتّى قيل له ـ توهّماً أو حسداً ـ: إنّ فيك عظمة! فأجاب عليه السلام ذلك المتهِّمَ قائلاً: (بل فِيّ عِزّة، قال الله تعالى: (ولِلّـهِ العِزّةُ ولرسولِه ولِلمُؤمنين))(١٥).
والأئمّة صلوات الله عليهم هم أوضحُ مصداقٍ وأمثَلُه للمؤمنين، وقد أضفى الله سبحانه عليهم عِزَّته وهيبته، حتّى قال واصل بن عطاء يصف الإمام المجتبى عليه السلام قائلاً: كان الحسن بن عليٍّ عليه سِيماءُ الأنبياء وبهاء الملوك(١٦).
وكان من دلائل عزّته جهادُه وشجاعته
فقد اشترك ـ مع أبيه أمير المؤمنين وأخيه الحسين عليهم السلام ـ في معارك: الجمل وصِفّين والنهروان، وقد رُوي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام دعا ابنه محمّدَ بن الحنفيّة يومَ الجمل فأعطاه رمحه وقال له: (اقصدْ بهذا الرمح قصدَ الجمل)، إذ كان رمزَ الفتنة والوقيعة، فذهب ابن الحنفيّة إلّا أنّ بَني ضبّة منعوه، فلمّا رجع إلى والده انتزع الحسن المجتبى رمحَه من يده وقصَدَ قصد الجمل، فطعنه برمحه، ورجع إلى والده وعلى رمحه أثرُ الدم(١٧).
والشجاعة ـ كما يعرّفها الأخلاقيّون ـ هي طاعة قوّة الغضب العاقلة في الإقدام على الأمور الهائلة، وعدم اضطرابها بالخوض في ما يقتضيه رأيها. ولا رَيبَ في أنّها أشرف المـَلَكات النفسيّة، وأفضل الصفات الكماليّة، وقد وَصَف الله تعالى خيار الصحابة بها في قوله: (أَشِدّاءُ عَلَى الكفّار)(١٨)، وأمر اللهُ نبيَّه بها في قوله: (واغْلُظْ عَلَيهِم)(١٩)؛ إذِ الشدّة والغِلظةُ من لوازمها وآثارها(٢٠).
ولا شكَّ أنّ ذلك لا يَصحّ إلّا بأمر الله، وطاعةً لله، ولوجه الله، وفي سبيل الله عزّ وجلّ؛ لكي لا تكون الشجاعة انتقاماً وتهوّراً وهوى وتسلّطاً، وكان للإمام الحسن عليه السلام في بيان المفردات الأخلاقيّة المتعلّقة بالشجاعة كلمات كاشفة، حيث سُئل فأجاب:
ـ (ما الجُبن؟: الجُراةُ على الصديق، والنكولُ عن العدوّ.
ـ ما الجُرأة؟: مُواقَفةُ الأقران.
ـ ما المَنَعة؟: شدّةُ البأس، ومنازعة أعزّ الناس.
ـ ما الذُّلّ؟: الفَرَقُ عند المصدوقة.
ـ ما السَّفَه؟: اتّباعُ الدناءة، ومُصاحبةُ الغُواة.
ـ ما الشجاعة؟: مواقفةُ الأقران، والصبر عند الطِّعان)(٢١).
وقد أعدّ الإمام الحسن عليه السلام جيشاً، وتقَدَّمه ليقطع رؤوس النفاق، ويقمع المارقين، ولكنّ الناس أحجموا وتقاعسوا، وجبنوا وضُلِّلوا، فكان لتلك الحال حُكمٌ إلهيٌّ آخَر. وبقيَ هو عليه السلام عزيزاً شامخاً في كلّ مواقفه التي كان فيها، فكان منه:
إظهار العزّة والأنفة أمام المتعالين
وأمامَ أصحاب الخبث والمكيدة والوقيعة، والمتصيّدين للفرص ليكسبوا لأنفسهم شرفاً مزوَّراً يخدعون به الناس، ويتفاخرون به على أولياء الله، لكنّ الإمام الحسن عليه السلام أبى إلّا أن يكون عزيزاً، بل أن يكون الأعزّ، وخصمُه الأذلّ.
* كتب ابن شهر آشوب: قَدِم معاويةُ المدينة، فجلس في أوّل يومٍ يُجيز مَن دَخَل عليه من خمسةِ آلافٍ إلى مئة ألف. فدخل عليه الحسن عليه السلام في آخر الناس، فقال له معاوية: أبطَأتَ يا أبا محمّد، فلَعلّك أردتَ أن تُبخِّلَني عند قريش، فانتظرتَ يَفنى ما عندَنا! يا غلام، أعطِ الحسنَ مِثْلَ جميعِ ما أعطينا في يومنا هذا، يا أبا محمّد وأنا ابنُ هند! فقال الحسن عليه السلام: (لا حاجةَ لي فيها يا أبا عبد الرحمان، ورَدَدتُها وأنا ابن فاطمةَ بنتِ محمّدٍ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(٢٢).
فأراد معاوية أن يفتخر، فما افتخر إلّا بأخزى نَسَبٍ وأحطّه، افتخر بأمّه هند بنت عُتْبة بن ربيعة الأُمويّة، آكلة الأكباد، المعروفة في الجاهليّة بذوات الأعلام(٢٣)، وكان لها دَورٌ في تحريض المشركين يومَ أُحدٍ على قتل المسلمين، وهي التي مَثَّلت بجسد أسد الله وأسد رسوله حمزة سيّدِ شهداء زمانه سلام الله عليه. ثمّ كان لها بعد إظهارها الإسلام وقاحات وأفاعيل، وقد جاءت مع النساء اللواتي جئن يبايعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليهنّ شروط آية الممتحنة: (يا أيُّها النبيُّ إذا جاءَكَ المؤمِناتُ يُبايِعْنَك على أن لا يُشْرِكنَ باللهِ شيئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِين..)(٢٤).. فلمّا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا يَزْنِينَ)، انبرَت هند وكأنّها اعترضت، أو استنكفت أن يشترط الله تعالى عليها عدمَ الزنا، فقالت: أَوَ تَزْني الحُرّة؟! فتبسّم عمر بن الخطّاب؛ لِـما كان جرى بينَه وبينَها في الجاهليّة!(٢٥)
ولا ندري كيف يَجْرؤ وجهُ القباحة والعار معاوية أن يفتخر بأمّه، والأعجب من هذا أن يُفاخر بذلك سيّدَ شباب الجنّة الحسنَ المجتبى وهو ابن سيّدة نساء العالمين، من الأوّلين والأخِرين، وبضعةِ سيّد الخلائق أجمعين!! فما كان من الحسن الزكيّ إلّا أن يُظهر عِزَّه الأعزّ، وفخرَه الأفخر، فيردّ دُريهِمات معاوية في وجهه، ويفتخر أنّه ابن فاطمة، ومَن هي فاطمة، صلوات الله وسلامه على فاطمة، هي التي فُطِم الخَلْق عن معرفتها.
فكان فخر الإمام الحسن وافتخاره في محلِّهما الأنسب، ووقتهما الأفضل، إذ كان فيهما عزّتُه وإعزازه، كما كان فيهما إذلال خصمه الوضيع وإفشاله(٢٦).
ومن دلائل العِزّة غَيرته على النسب الأقدس
أراد الشيخ الأزهريّ موسى بن محمّد عليّ أن يصف الإمام المجتبى سلام الله عليه فكتب يقول فيه:
ـ هو كبِد سيّد البشر صلوات الله وسلامه عليه، ورَيحانةُ قلب المصطفى، وشبيهُ جَدِّه الرسولِ المجتبى، وقُرّةُ عين الزهراء سيّدةِ نساء العالمين، وأميرِ المؤمنين، وسبطُ رسولِ ربِّ العالمين. سيّدُ شباب أهل الجنّة، أبو محمّد الحسن بن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه، الهاشميُّ القَرشيّ...
ـ إنّي لا أعرف شرفاً غيرَ شرف النسب، ولا أحسَبُ حَسَباً غيرَ حَسَب الفضيلة. وإمامُنا الجليل، وحليمنا العظيم حليمُ آل الله، الإمام الحسن بن عليٍّ عليهما السلام، له مِن عَراقة الأصل ما يفوق به شرفَ النسب، ومِن طهارة المـَنبت ما يعلو به حَسَبَ الفضيلة...
ـ يقول الشيخ محمّد بن طلحة الشافعيّ: حصل للحسن وأخيه الحسين رضي الله عنهما ما لم يحصل لغيرهما، فإنّهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢٧)، ورَيحانتاه، وسيّدا شباب أهل الجنّة. جَدُّهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوهما عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وأمُّهُما الطاهرة البتول فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

نَسَبٌ كأنّ عليهِ مِن شمسِ الضُّحى * * * نُوراً.. ومِن فَلَقِ الصَّباحِ عَمُودُ

هذا النسب الذي تتضاءل عنده الأنساب، وجاء بصحبته الأثرُ في السنّة والكتاب، فهو وأخوه رضي الله عنهما دَوحةُ الفضل والنبوّة، التي طابت فرعاً وأصلاً، وشعبةُ الرسالة التي سَمَت رِفعةً ونُبلاً، قدِ اكتَنَفهما العِزُّ والشرف، ولازَمَهما السُّؤدَدُ فما له عنهما مُنصَرَف).
ـ ويُعبِّر هو رضي الله عنه عن نفسه بنفسه، فيقول:
(يا أيُّها الناس، مَن عَرَفني فقد عَرَفني، ومَن لم يَعرِفْني فأنا الحسنُ بن عليّ، وأنا ابنُ النبيّ، وأنا ابنُ الوصيّ، وأنا ابنُ البشير، وأنا ابنُ النذير، وأنا ابنُ الداعي إلى الله بإذنِه، وأنا ابنُ السِّراجِ المنير، وأنا مِن أهل البيت الذي كان جبريلُ يَنزِل إلينا ويصعد مِن عندِنا، وأنا مِن أهل البيت الذي أذهَبَ اللهُ عنهمُ الرِّجسَ وطهَّرَهم تطهيراً)(٢٨) (٢٩).
* وقد روى محمّد بن سنان عن رجلٍ من أهل الكوفة، أنّ الحسن ابن عليٍّ عليهما السلام كلّم رجلاً فسأله: (مِن أيِّ بَلَدٍ أنت؟)، قال: من الكوفة، فقال عليه السلام له: (لو كنتُ بالمدينة لَأريتُك منازلَ جَبرئيلَ عليه السلام مِن ديارنا)(٣٠).
* وروى محمّد بن سيرين أنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام قال لابنه الحسن عليه السلام: (أجمِعِ الناس)، فاجتمعوا، فأقبل الحسن فخطب الناس، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، وتشهّد، ثمّ قال:
(أيُّها الناس، إنّ اللهَ اختارنا لنفسه، وارتضانا لدِينهِ، واصطفانا على خَلقِه، وأنزلَ علينا كتابَه ووحيَه. وأيمُ اللهِ لا ينقُصُنا أحدٌ مِن حقِّنا شيئاً إلّا انتقصه الله مِن حقِّه في عاجل دنياه وآخرته، ولا يكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة، (ولَتعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعدَ حِين)(٣١)).
ثمّ نزل فجمع بالناس، وبلّغ أباه، فقبّله أبوه بين عينَيه ثمّ قال له:
(بأبي وأُمّي, (ذُرِّيَّةً بعضُها مِن بَعضٍ واللهُ سَميعٌ عَليم))(٣٢).(٣٣)
وكتب الصلّابيّ: هؤلاءِ السادة مِن أهل البيت كانوا غَيارى أشدَّ الغَيرةِ على الرَّحِم التي كانت تَصِلُهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وما كانوا ـ مع ذلك ـ يستغلّون هذه النسبة لمصالح دُنيويّة... بل كانوا بعيدين عن كسب حُطام الدنيا بأسمائهم، وبناءِ قصور الفخر على عظامهم. واستغناؤُهم وعزّة نَفْسهم تُصوِّر سيرتَهم وسلوكهم تصويراً يختلف تماماً عن سيرة الطبقة المحترفة للدِّين من الديانات والملل الأخرى(٣٤).
إذن, فإنّ افتخار سيّد شباب أهل الجنّة الحسن بن عليّ عليه السلام كان:
 أوّلاً: عِزّةً مؤمنيّةً مُحِقّة, فهو ابن سيّدِ البشر, وسيّد الكائنات, ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهلُ بيته ـ بإقرار المسلمين ـ هم أفضل الخَلْق وأكرمهم وأعزّهم على الله تبارك وتعالى. فلا يسمح الحسن لأحدٍ أن يتعالى عليه, أو يُفاخِرَه أو يفتخر عليه, أبداً.
وثانياً: كان افتخاره يحمل أدلّتَه العقائديّة والأخلاقيّة, فعرّف من خلاله بأنّه من بيت الوحي والرسالة والنبوّة والطهارة والكرامة, وأنّه وريث رسول الله في الخلافة والإمامة.
فافتخارُه هذا هو بيانٌ لأحد دلائل الإمامة الحقّة التي تعيّنت في البيتِ القدسيِّ الزاكي النيّرِ الشريف, لا غيره, كما أصبح ذلك الافتخار إلجاماً للمتفاخرين عليه مِن أهل الشرك والكفر والفساد, وأهل الحميّة الجاهليّة والنفاق والادّعاءِ الكاذب الُموهِمِ للناس.
وهذه نُبذٌ من مصاديق ذلك:
* رُوي أنّ معاوية فَخَر يوماً بنفسه, فقال له الحسن بن عليٍّ عليهما السلام: (أَعَلَيَّ تَفخَر يا معاوية؟! أنا ٱبنُ عُروقِ الثَّرى, أنا ٱبنُ مأوى التُّقى, أنا ٱبنُ مَن جاء بالهدى, أنا ٱبنُ مَن سادَ أهلَ الدنيا, بالفضلِ السابق, والحَسَبِ الفائق. أنا ٱبنُ من طاعتُه طاعةُ الله, ومعصيتُه معصيةُ الله. فَهَل لكَ أبٌ كأبي تُباهيني به, وقديمٌ كقديمي تُساميني به؟! قُل: نَعَم, أو لا). قال معاوية: بل أقول: لا, وهي لك تصديق.
فقال الإمام الحسن عليه السلام:

الحقُّ أبلَجُ ما تُحيلُ سبيلُهُ * * * والحقُّ يَعرِفُه ذَوو الألبابِ(٣٥)

* وعن المنهال بن عَمْرو أنّ معاوية سأل الحسنَ عليه السلام ـ أي طلب منه ـ أن يصعد المِنبر وينتسب, فصَعِد عليه السلام, فحَمِد اللهَ وأثنى عليه, ثمّ قال: (أيُّها الناس, مَن عَرَفني فقد عَرَفني, ومَن لم يَعرِفْني فسأُبيِّن له نفسي: بَلَدي مكّةُ ومِنى, وأنا ٱبنُ الـمَرْوة والصَّفا, وأنا ٱبنُ النبيِّ المصطفى, وأنا ٱبنُ مَن علا الجبالَ الرواسيّ, وأنا ٱبنُ مَن كسا محاسنَ وجهِهِ الحياء, أنا ٱبنُ فاطمةَ سيّدةِ النساء, أنا ٱبنُ قليلات العيوب(٣٦), نقّياتِ الجيوب).
وهنا أذّن المؤذّن, ولعلّه كان عامداً أن يقطع على الإمام خطبته الجليلة, ولكنّه خاب وخابَ مَن أمَرَه أن يُؤذِّن في غير وقت صلاة! فواكب الإمام المجتبى كلماتِ الله تعالى, وهي التي أمر المسلمين بالأذان بها، فلمّا قال المؤذّن: أشهدُ أن لا إلهَ إلّا الله.. أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله, نادى عليه السلام معاويةَ وقد خُذِل وندم: (يا معاوية! محمّدٌ أبي أم أبوك؟! فإن قلتَ ليس بأبي فقد كفرت! وإن قلتَ: نعم, فقد أقررت).
ثمّ قال عليه السلام: (أصبَحَت قريشٌ تفتخر على العرب بأنّ محمّداً منها, وأصبحت العرب تفتخر على العجم(٣٧) بأن محمّداً منها, وأصبحَتِ العجم تعرف حقَّ العرب بأنّ محمّداً منها يطلبون حقَّنا, ولايَردُّنّ إلينا حقَّنا)(٣٨).
* ومن هَوان الدنيا على الله تعالى أن يُفاخر عصارةُ الخساسة, نورَ القداسة, فقد ذكر الحافظ الذهبّي ـ وهو مَن عُرِف بتعصّبه ضدّ الشيعة وكراهيته لهم ـ عن أبي هاشم الجعفريّ أنّه أخرج هذا الخبر قائلاً:
فاخَرَ يزيدُ بن معاويةَ يوماً الحسنَ بن عليّ, فقال معاوية ليزيد:
ـ فاخَرتَ الحسن؟! قال: نعم.
ـ لعلّك تقول أنّ أمَّك مِثلُ أُمِّه! وأمُّه فاطمةُ بنت رسول الله.
ـ ولَعلّك تقول أنّ جَدَّك خيرٌ مِن جَدِّه! وجدُّه رسول الله.
ـ وأمّا أبوك وأبوه فقد تحاكما إلى الله, فحَكَمَ اللهُ لأبيه على أبيك!(٣٩)
واقتضت العِزّة بيانَ الحقائق, وفَضْحَ رموز النفاق, وردَّ مكائد الكائدين:
يمكر معاوية ويحتال ويغلّ, ويفتري ويسبّ ويحقد, ولكنّه ينسى أو يُنسى فيفوه بالحقائق يصرّح بها ويُقّر أحياناً, وكأنّه غافلٌ أو مُضطرّ, وهو لا يعي ماذا يقول, أو لم يفهم ماذا كان قد قال! فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يُجريَ الحقائق من أفواه المناوئين لأهل البيت, يُعلنونها رغماً عليهم, وكأنّ الأمر ليس بأيديهم, وكأنّهم أصبحوا بأنفسِهم حُجّةً على أنفسهم!
* روى الحافظ المناوي الشافعيّ أنّ معاوية كان يرسل أناساً يسأل عليّاً عليه السلام عن معضلاته أو معضلات غيره(٤٠).
* وأخرج أحمد بن حنبل أنّ معاوية قال لرجلٍ كان يُبغض علياً عليه السلام: لقد كرهتَ رجلاً كان رسول الله يغرّه العِلمَ غَرّاً, ولقد قال له: (أنتَ منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي)، وكان عمر إذا أشكَلَ عليه شيءٌ أخذ منه, ويلجأ إلى عليٍّ في حلّ مسائله!(٤١)
* وروى ابن عبد ربّه الأندلسيّ أنّ معاوية سأل يوماً جلساءَه: مَن أكرمُ الناس أباً وأمّاً, وجَدّاً وجَدّة, وعمّاً وعمّة؟ فقالوا: أنت أعلم. فأخذ بيد الحسن بن عليٍّ عليهما السلام وقال: هذا, أبوه عليّ ابن أبي طالب, وأمُّه فاطمة بنت رسول الله, وجَدُّه رسول الله، وجَدّته خديجة زوجة رسول الله, وعمُّه جعفر وعمّته هالة بنت أبي طالب (أُمّ هاني)..(٤٢).
وكم وكمِ اعترف بأن عليّاً مع الحقّ, حتّى كان يُبدي إعجابه بما يُنقل له من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لاسيّما بعد شهادته, فسَمِع يوماً واحدة منها فقال: هيهاتَ هيهات! عَقَمتِ الأمّهاتُ أن يَلدِنَ مِثْلَه!(٤٣)
ولكنّه يعود بعد ذلك إلى لؤمه القديم, فقد رُويَ:
أنّه سار حتّى دخل الكوفة فأقام بها أيّاماً, فلمّا استتمّتِ البيعة له من أهلها صَعِد المِنبر, فخطب الناسَ وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونال منه, ونال من الحسن عليه السلام ما نال, وكان الحسن والحسين عليهما السلام حاضرَين, فقام الحسين عليه السلام لِيَرُدَّ عليه , فأخذ بيده الحسنُ عليه السلام فأجلسه, ثمّ قام فقال: (أيُّها الذاكُر عليّاً! أنا الحسنُ وأبي عليّ, وأنت معاويةُ وأبوك صخر! وأُمّي فاطمةُ وأمّك هِند! وجَدّتي خديجةُ وجَدّتُك فتيلة! فَلعَن اللهُ أخمَلَنا ذِكْراً, وألْأَمَنا حَسَباً, وشَرَّنا قدماً, وأقدَمَنا كُفراً ونفاقاً!).
فقالت طوائف من أهل المسجد: آمينَ آمين(٤٤).
رواه أيضاً أبو الفَرَج الأصفهانيّ بسنده عن أبي عبيد, عن فضل, عن يحيى بن معين, عن أبي حفص الأبّار, عن إسماعيل بن عبد الرحمان وشُريك بن أبي خالد. وفي الخبر: فقال طوائف من المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبوعبيد: ونحن أيضاً نقول: آمين. قال أبو الفَرَج: وأنا أقول: آمين(٤٥). أمّا نحن فنقول: آمين آمين, وألفُ آمين.
* وهذه رواية الشَّعبيّ هكذا: إنّ معاوية قَدِم المدينة فقام خطيباً فنال مِن علّي بن أبي طالب عليه السلام, فقام الحسن بن عليٍّ عليه السلام فخطب, فحَمِد اللهَ تعالى وأثنى عليه ثمّ قال:
(إنّه لم يُبعَث نبيٌّ إلّا جُعِل له وصيٌّ مِن أهل بيته, ولم يكن نبيٌّ إلّا وله عدوٌّ مِن المجرمين, وإنّ عليّاً كان وصيَّ رسولِ الله مِن بَعدِه. وأنا ٱبنُ عليٍّ وأنت ٱبنُ صَخْر, وجَدُّك حَربٌ وجَدّي رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم, وأُمُّك هندٌ وأُمّي فاطمةُ عليها السلام, وجَدّتي خديجةُ رضيَ الله عنها وجَدّتُك نُثَيلة, فلَعَن اللهُ أَلْأَمَنا حسَباً, وأقدَمَنا كُفْراً, وأخمَلَنا ذِكْراً, وأشدَّنا نفاقاً).
فقال عامّة أهل المسجد: آمين! فنزل معاوية وقطع خطبتَه(٤٦).
ورحم الله الشاعر حيث يقول في أئمة الهدى عليهم السلام:

هُمُ القومُ آثارُ النبوّةِ مِنهُمُ * * * تَلوحُ.. وأعلامُ الإمامةِ تَلمَعُ
مَهابِطُ وحيِ اللهِ خُزّانُ عِلمِهِ * * *وعندَهمُ غَيبُ المُهيمِنِ مُودَعُ
وإن ذُكِر المعروفُ والجودُ في الورى * * * فبَحرُ نَداهُم زاخِرٌ يَتدفّعُ
أبوهُم سماءُ المجدِ والأُمُّ شمسُهُ * * * نجومٌ لها بُرجُ الجلالةِ مَطْلَعُ
وجَدُّهمُ خيرُ البريّةِ أحمدٌ * * * نبيُّ الهُدى الطُّهرُ الشفيعُ المشفَّعُ
فيا نَسَبٌ كالشمسِ أبيضُ واضحٌ * * * ويا شرفٌ مِن هامةِ النجمِ أرفعُ
فَمَن مِثلُهم إن عُدَّ في الناسِ مَفْخَرٌ * * * أعِدْ نَظَراً يا صاحِ إن كنتَ تَسمَعُ
مَيامينُ قَوّامونَ عَزَّ نظيرُهُم * * * وُلاةٌ هُداةٌ, للرسالةِ مَنبَعُ
فلا فضلَ إلّا حينَ يُذكَرُ فضلُهم * * * ولا عِلمَ إلّا عَنهمُ حينَ يُرفَعُ
ولا عَملٌ يُنْجي غداً غيرَ حُبِّهِم * * * إذا قامَ يومَ البعثِ للخَلقِ مَجْمعُ

ولم يكن الخبث دأبَ معاوية فحَسْب, بل كان قد زقّ معاوية سمومَه إلى أصحابه وحاشيته وزمرته اللئيمة, فما فَتِئوا عن بثّ أحقادهم وتجاسرهم على حرمات آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.. وهذا شاهد من شواهد, وصفحة سوداء من كتاب تاريخ بَني أميّة الأظلم الظالم:
* روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى ابن شهاب, قال: كان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة, كلّم معاويةَ وأمَرَه أن يأمر الحسنَ بن عليٍّ(٤٧) أن يقومَ فيخطبَ الناس, فكَرِه ذلك معاويةُ(٤٨) وقال: ما أُريد أن يخطب, فقال عمرو: ولكنّي أريد أن يبدوَ عَيُّه في الناس(٤٩)، فإنّه يتكلّم في أمورٍ لا يدري ما هي!!(٥٠) فلم يَزَل بمعاويةَ حتّى أطاعه(٥١), فخرج معاوية فخطب الناس, وأمر رجلاً فنادى الحسنَ بن عليّ قائلاً له: قُمْ يا حسنُ فكلِّمِ الناس(٥٢). فقام الحسن فتشهّد في بديهةِ أمرٍ لم يُروِّه, فقال: (أمّا بعدُ أيُّها الناس, فإنّ الله هَداكُم بأوّلِنا(٥٣), وحَقَن دماءَكم بآخِرِنا(٥٤). إنّ لهذا الأمر مُدّة, وإنّ الدنيا دارُ دُول, وإنّ الله تعالى قال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: (وإنْ أَدري أقَريبٌ أَم بعيدٌ ما تُوعَدُون * إنَّه يَعلَمُ الْجَهْرَ مِن القَولِ ويَعلَمُ ما تَكْتُمون * وإنْ أَدري لَعَلَّهُ فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حِين)(٥٥)).
فلمّا قالها قال له معاوية: اجلس. ثمّ خطب معاوية, ولم يَزَل صرماً على عمرو(٥٦), وقال له: هذا عن رأيك!(٥٧) وفي رواية: قال له: هذا مِن فعل رأيك!(٥٨)
* ما تقدمنا به روايةٌ سُنّيّة, أمّا هنا فأحببنا أن نقدّم روايةً شيعيّة, ننقلها عن قطب الدين الراونديّ, حيث كتب يقول:
رُوي أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية: إنّ الحسن بن عليٍّ حَيِيّ, وإنّه إذا صَعِد المنبر ورمقوه بأبصارهم خَجِل وانقطع, لو أَذِنتَ له. فقال له معاوية (أي للإمام الحسن عليه السلام): يا أبا محمّد, لو صَعِدتَ المنبر ووعَظْتَنا. فقام فصَعِد المنبر, فحَمِد اللهَ وأثنى عليه, وذَكَر جَدَّه فصلّى عليه, ثمّ قال:
(أيُّها الناس, مَن عَرَفني فقد عَرَفني, ومَن لم يعرفْني فأنا الحسنُ ابنُ عليِّ بنِ أبي طالب, وٱبنُ سيّدةِ النساءِ فاطمةَ بنتِ رسول الله. أنا ٱبنُ رسولِ الله, أنا ٱبنُ نبيِّ الله, أنا ٱبنُ السِّراجِ المنير, أنا ٱبنُ البشيرِ النذير, أنا ٱبنُ مَن بُعِث رحمةً للعالمين, أنا ٱبنُ مَن بُعِث إلى الجنِّ والإنس. أنا ٱبنُ خيرِ خَلقِ الله بعدَ رسول الله, أنا ٱبنُ صاحبِ الفضائل, أنا ٱبنُ صاحبِ المعجزات والدلائل, أنا ٱبنُ أميرِ المؤمنين. أنا المدفوعُ عن حقّي, أنا وأخي سيّدا شبابِ أهل الجنّة, أنا ٱبنُ الركنِ والمقام, أنا ٱبنُ مكّةَ ومِنى, أنا ٱبنُ المَشْعرِ وعرفات).
فغاظَ ذلك معاويةَ فقال: خُذْ في نعتِ الرُّطَب ودَعْ ذا.
فقال عليه السلام: (الريحُ تَنفخُه, والحَرُّ يُنضِجُه, وبَرْدُ الليل يُطيّبُه).
ثمّ عاد فقال: (أنا ٱبنُ الشفيع المُطاع, أنا ٱبنُ مَن قاتَلَت معه الملائكة, أنا ٱبنُ مَن خَضَعَت له قريش, أنا ٱبنُ إمامِ الخَلْق, وٱبنُ محمّدٍ رسولِ الله).
فخَشِيَ معاويةُ أن يفتتن به الناس, فقال: يا أبامحمّدٍ ٱنزِلْ فقد كفى ما جرى. فنزل عليه السلام, فقال له معاوية: ظننتَ أن ستكون خليفة, وما أنتَ وذاك! فقال الحسن عليه السلام: (إنّما الخليفةُ مَن سار بكتاب الله وسُنّة رسوله, ليس الخليفة مَن سار بالجور, وعطّل السُّنن, واتّخذ الدنيا أباً وأُمّاً, مَلَك مُلكاً مُتِّع فيه قليلاً ثمّ تنقطع لذّتُه, وتبقى تَبِعتُه!)...
ثمّ إنّ الحسن عليه السلام سكت ساعة, ثمّ نفض ثوبه فنهض ليخرج, فقال له عمرو بن العاص: اجلسْ فإنّي أسألك عن مسائل, قال عليه السلام: (سَلْ عمّا بدا لك), قال عمرو: أخبِرْني عن الكرم والنجدة والمروّة.
فقال عليه السلام: (أمّا الكرمُ فالتبرّع بالمعروف, والإعطاءُ قبلَ السؤال. وأمّا النجدةُ فالذَّبُّ عن المحارم, والصبرُ في المواطن عند المكاره. وأمّا المُروّةُ فحِفظُ الرجل دِينَه, وإحرازُه نفسَه عن الدَّنَس, وقيامُه بأداء الحقوق, وإفشاء السلام).
فخرج عليه السلام, فَعذَل معاويةُ عَمْراً (أي لامَه ملامةً شديدة) قائلاً له: أفسَدْتَ أهل الشام! فقال عمرو: إليك عنّي, إنّ أهل الشام لم يُحبّوك محبّةَ إيمانٍ ودِين, إنّما أحبّوك للدنيا ينالونها منك, والسيفُ والمال بيدك, فما يُغني عن الحسن كلامُه(٥٩).
فكان من الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: تفاخرٌ بالحقِّ المظلوم ودفاعٌ عنه بعد إظهاره, ودَمغٌ للباطل المدّعي وفضحٌ له بعد كشفه, وتنبيهٌ للغافلين, وتعليمٌ للجاهلين, وبيانٌ للمعارف الأخلاقيّة حتّى للأعداء حُجّةً قائمةً عليهم, وتوبيخٌ للمعاندين واحتجاجاً آخَرَ عليهم.
* وروى ابن عبد ربّه ما يقرب ممّا رُوي باختصارٍ شديد, جاء فيه: وَفَد الحسن بن عليّ على معاوية: فقال عمرو لمعاوية: يا أمير المؤمنين, إنّ الحسن لَفهّ(٦٠), فَلَو حملتَه على المنبر فتكلّم وسمع الناس كلامَه عابوه وسقط مِن عيونهم. ففعل معاوية, فصَعِد الحسن المنبر وتكلّم وأحسن, ثمّ قال: (أيُّها الناس, لو طَلَبتُمُ ٱبناً لنبيِّكم ما بينَ لابتَيها لم تَجِدوه غيري وغيرَ أخي, وإن أدري لَعلَّه فتنةٌ لكُم ومَتاعٌ إلى حِين!). فساء ذلك عَمْراً وأراد أن يقطع كلامه, فقال له: يا أبا محمّد, أتَصِف الرُّطب؟...(٦١).
* وفي صورةٍ قريبةٍ من هذه الرواية نقل الطبرسيّ أبو منصور أحمد بن عليّ قال: رُويَ أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعَثْ إلى الحسن ابن عليّ فَمُرْه أن يصعدَ المنبر ويخطُب الناس, فَلعَلّه أن يَحصر (أي يعجز عن الكلام) فيكون ذلك مِمّا نعيّره به في كلّ مَحفِل! فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر, وقد جمع له الناسَ ورؤساءَ أهل الشام, فحَمِد اللهَ الحسنُ صلوات الله عليه, وأثنى عليه, ثمّ قال:
(أيُّها الناس, مَن عَرَفني فأنا الذي يُعرَف, ومَن لم يعرفْني فأنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ٱبنِ عمِّ نبيِّ الله, أوّلِ المسلمين إسلاماً, وأُمّي فاطمةُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وجَدّي محمّدُ بنُ عبد الله نبيُّ الرحمة. أنا ٱبنُ البشير, أنا ٱبنُ النذير, أنا ٱبنُ السراجِ المنير, أنا ٱبنُ مَن بُعِث رحمةً للعالمين, أنا ٱبنُ مَن بُعِث إلى الجنِّ والإنس أجمعين).
فقطع عليه معاوية فقال: يا أبا محمّد, خَلِّنا مِن هذا وحدِّثْنا في نَعتِ الرُّطَب ـ أراد بذلك تخجيله ـ, فقال الحسن عليه السلام: (نَعَم, التمر: الريحُ تَنفخُه, والحرُّ يُنضِجُه, والليل يُبرّده ويُطيّبه).
ثمّ أقبل الحسن عليه السلام فرجع في كلامه الأوّل فقال: (أنا ٱبنُ مُستجابِ الدعوة, أنا ٱبنُ الشفيعِ المُطاع, أنا ٱبنُ أوّلِ مَن ينفض عن رأسه التراب, أنا ٱبنُ مَن يقرع بابَ الجنّة فيُفتَح له فيدخلها, أنا ٱبنُ مَن قاتَلَ معه الملائكة, وأُحلّ له الَمغْنم ونُصِر بالرعب من مسيرة شهر). فأكثر في هذا النوع من الكلام, ولم يَزَل به حتّى أظْلمَتِ الدنيا على معاوية! وعَرَفَ الحسنَ مَن لم يكن يعرفه مِن أهل الشام وغيرِهم, ثمّ نزل, فقال له معاوية: أما إنّك يا حسنُ قد كنتَ ترجو أن تكون خليفة, ولستَ هناك! فقال الحسن عليه السلام:
(أمّا الخليفةُ: فَمَن سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وعَمِل بطاعة الله عزّ وجلّ, وليس الخليفةُ مَن سار بالجور, وعَطَّل السُّنن, وٱتّخذ الدنيا أُمّاً وأباً, وعبادَ اللهِ خِوَلاً, ومالَه دُولاً, ولكنّ ذلك أمرُ مَلِكٍ أصاب مُلكاً فتمتّع منه قليلاً وكان قد انقطع عنه, فأَتخَم لذّته, وبَقِيت عليه تَبِعتُه, وكان كما قال الله تبارك وتعالى: (وإنْ أَدري لَعلَّهُ فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حِين)(٦٢), (مَتّعْناهُم سِنينَ * ثُمَّ جاءَهُم ما كانوا يُوعَدُون * وما أغْنى عَنهُم ما كانُوا يُمتَّعُون)(٦٣)). وأومى عليه السلام بيده إلى معاوية, ثمّ قام فانصرف.
فقال معاوية لعَمْرو: واللهِ ما أردتَ إلّا شَيني حينَ أمرتَني بما أمرتَني! واللهِ ما كان يرى أهلُ الشام أنّ أحداً مِثْلي في حَسَبٍ ولا غيرِه حتى قال الحسنُ ما قال! قال عمرو: وهذا شيءٌ لا يُستطاع دفنُه ولا تغييرُه؛ لشهرته في الناس واتّضاحه! فسكت معاوية(٦٤).
وقد يقول قائل: هذا في مصادر الشيعة, فهل في مصادر أهل السُّنّة شيءٌ من هذا أو ما يشبهه؟ وهنا دَعُونا نوجّه هذا السؤال إلى عالمٍ حنبليّ ثمّ حنفيّ ليجيبنا عليه من كتابٍ له, ذلك هو الواعظ يوسف بن قزاغلي بن عبد الله, المعروف بسِبط ابن الجوزيّ (ت ٦٥٤ هـ), حيث كتب في كتابه المشهور (تذكرة خواصّ الأمّة) ما نصُّه:
قال أهلُ السِّيَر: ولمّا سلّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية أقام يتجهّز إلى المدينة, فاجتمع إلى معاوية رهطٌ من شيعته, منهم: عمرو بن العاص, والوليد بن عقبة ـ وهو أخو عثمان لأُمّه, وكان عليٌّ قد جَلَده في الخمر ـ، وعتبة, وقالوا: نريد أن تُحضِر الحسنَ على سبيل الزيارة لنُخجِلَه قبل مسيره إلى المدينة! فنهاهم معاوية وقال: إنّه أَلْسَنُ بني هاشم. فألحُّوا عليه, فأرسل إلى الحسن فاستزاره, فلمّا حضر شرعوا فتناولوا عليّاً عليه السلام والحسنُ ساكت, فلمّا فَرَغوا حَمِدَ الحسنُ اللهَ وأثنى عليه, وصلّى على رسوله محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وقال:
(إنّ الذي أشَرتُم إليه: قد صلَّى القِبلتَين, وبايَعَ البيعتَين, وأنتم بالجميع مُشرِكون, وبما أنزَلَ اللهُ على نبيّه كافرون. إنّه حَرّمَ على نفسه الشهوات, وامتنع مِن اللذّات, حتّى أنزل الله فيه: (يا أيُّها الَّذين آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُم)(٦٥). وأنت يا معاويةُ مِمّن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقّه: (اَللّهمَّ لا تُشبِعْه) (أو: (لا أشبَعَ اللهُ بطنَك))(٦٦).
وبات أمير المؤمنين يحرس رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين, وفَداه بنفسه ليلةَ الهجرة حتّى أنزل الله: (ومِنَ الناسِ مَن يَشْري نَفْسَهُ ٱبتغاءَ مَرضاةِ الله)(٦٧), ووصَفَه الله بالإيمان فقال: (إنَّما وَليُّكُمُ اللهُ ورسُولُه والَّذينَ آمَنُوا)(٦٨), والمراد به أمير المؤمنين. وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت مِنّي بمنزلةِ هارونَ مِن موسى)، و(أنت أخي في الدنيا والآخرة). وأنت يا معاويةُ نَظَر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إليك يومَ الأحزاب فرأى أباك على جملٍ يُحرِّض الناس على قتاله, وأخوك يقود الجمل وأنت تسوقُه, فقال: (لَعَنَ اللهُ الراكبَ والقائد والسائق). وما قابله أبوك في موطنٍ إلّا ولعَنَه, وكنتَ معه!
ولّاك عمرُ الشامَ فخُنتَه, ثمّ ولّاك عثمانُ فتربّصتَ عليه, وأنت الذي كنتَ تَنهى أباك عن الإسلام حتّى قلتَ مخاطِباً له:

يا صَخْرُ لا تُسْلِمَنْ طَوعاً فتَفضَحَنا * * * بعدَ الذينَ ببدرٍ أصبحوا مَزَقا!
لا تَرْكَنَنَّ إلى أمرٍ تُقلِّدُنا * * * والراقصاتِ بنعمانٍ به الحُرَقا!

وكنتَ يومَ بَدْرٍ وأُحدٍ والخندق, والمشاهدِ كلِّها تقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وقد علّمتَ المسلمين الذي وُلدت عليه).
ثمّ التفَتَ إلى عمرو بن العاص وقال: (أمّا أنت ـ يا ابنَ النابغة ـ فادّعاك خمسةٌ من قريش, غَلَب عليك ألْأَمُهم, وهو العاص, ووُلِدتَ على فراشِ مشرك, وفيه نزل: (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبتَر)(٦٩), وكنتَ عدوَّ الله وعدوَّ رسوله وعدوَّ المسلمين, وكنتَ أضَرَّ عليهم مِن كلّ مشرك, وأنت القائل:

ولا أنْثَني عن بَني هاشمٍ * * * بِما ٱسْطَعْتُ في الغَيب والمَحْضَـرِ
وعن عايبِ اللّاتِ لا أنثني * * * ولو لا رضَى اللّاتِ لم تَمطُرِ

وأمّا أنت يا وليد(٧٠), فلا أَلومُك عن بُغض أمير المؤمنين, فإنّه قَتَل أباك صبراً, وجَلَدَك في الخمر لَـمّا صلّيتَ بالمسلمين الفجَر سكراناً, وقلت: أزيدُكم؟! وسَمّاك اللهُ في كتابه فاسقاً, وسمّى أمير المؤمنين مؤمناً, في قوله: (أَفَمَنْ كانَ مُؤمناً كَمَنْ كانَ فاسقاً لا يَسْتَوُون)(٧١). وفيك يقول حسّانُ بن ثابت وفي أمير المؤمنين:

أنزَلَ اللهُ ذو الجلالِ عَلَينا * * * في عليٍّ وفي الوليدِ قُرانا
ليس مَن كان مؤمناً ـ عَمْرُك اللهُ ـ * * * كمَن كان فاسقاً خَوّانا
سوف يُدعى الوليدُ بعدَ قليلٍ * * * وعليٌّ إلى الجزاءِ عَيانا
فعليٌّ يُجزى هناك جِنانا * * * ووليدٌ يُجزى هناك هَوانا!(٧٢)

وأمّا أنت يا عُتبة! فلا أَلُومُك في أمير المؤمنين, فإنّه قتل أباك يومَ بدر, واشترك في دم ٱبنِ عمِّك شَيبة. وهَلّا أنكرتَ على مَن غَلَب على فراشك, ووجدتَه نائماً مع عُرسِك! حتى قال فيك نصرُ بن حجّاج:

نُبِّئْتُ عُتبةُ هيّأَتْه عُرسُهُ * * * لصداقةِ الهُذْلي من الحيّانِ
ألْفاهُ مَعْها في الفراشِ فلم يكُنْ * * * فَحْلاً, وأمسَكَ خشيةَ النِّسوانِ!)

ثمّ نَفضَ الحسنُ ثوبَه وقام, فقال معاوية (أي لأصحابه يعاتبهم ويوّبخهم!):

أمَرتُكمُ أمراً فَلَم تَسمَعوا لَهُ * * * وقلتُ لكُم: لا تَبعثُنَّ إلى الحسَنْ
فجاءَ ـ وربِّ الراقصاتِ ـ عشيّةً * * * بِرُكبانِها يَهْوينَ مِن سُرّةِ اليَمَنْ
أخافُ عليكُم منه طولَ لسانِهِ * * * وبُعدَ مَداهُ حينَ إجرارِه الرسَنْ
فَلمّا أبيتُم كنتُ فيكُم كبعضِكُم * * * وكان خطابي فيه غَبناً مِن الغَبَنْ
فحَسْبُكمُ ما قالَ مِمّا عَلِمتُمُ * * * وحَسْبي بِما ألْقاهُ في القبرِ والكَفَنْ!(٧٣)

ولنا هنا ملاحظات: إحداها أنّنا حين نُورد مِثل هذه الروايات من طريق العامّة لا يعني بالضرورة أنّنا نقبلها بحذافيرها, فقد يكون فيها من الخطأ في التعابير والمعاني ما فيها, وإنّما أوردناها للإجابة على سؤالٍ أو تساؤل, واعتبرناها حُجّةً على من يدّعي التسنّن وهو يحابي أعداء رسول الله ومحاربي سُننه.
والأخرى أنّ في كتبنا من الروايات وفرةً وصحّةً ودقّةً ما يُغنينا عن غيرها, كما سنأتي بها تِباعاً إن شاء الله تعالى, لو صَبَر علينا القارئ الكريم وهو يتقصّى الحقائق ويتعرّف عليها من المصادر المختلفة والطُّرق المتعدّدة, فيتعصّب للحقّ ويتبرّأ من الباطل, ثمّ لِيواليَ أهل الحقّ ويُعاديَ أهل الباطل, وهو في ذلك دَيدنُه مرضاة الله تعالى, والنجاةُ بالتمسّك بمَن أحبّ.
* والرواية الأخرى تُجيب على ذلك السؤال أو التساؤل, ننقلها عن سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ أيضاً, ومن كتابه كذلك, حيث كتب فيه:
وذكر هِشامُ بن محمّد الكلبيّ (النسّابة)(٧٤) عن محمّد بن إسحاق (المؤرِّخ)(٧٥) قال: بَعَث مروانُ بن الحكم ـ وكان والياً على المدينة ـ رسولاً إلى الحسن عليه السلام فقال له: يقول لك مروان: أبوك الذي فرّق الجماعة, وقتَلَ أمير المؤمنين عثمانَ, وأباد العلماءَ والزهّاد ـ يعني الخوارج(٧٦) ـ, وأنت تفخر بغيرك (وذَكرَ مَثَلاً متجاسراً على حرمة آل الله, لأنّ مروان من آل إبليس الذي تعالى فاحترق بحقده وحسده).
فجاء رسول مروان إلى الحسن فقال له: يا أبا محمّد, إنّي أتيتُك برسالةٍ مِمّن تُخاف سَطوتُه ويُحذَر سيفُه, فإن كَرِهتَ لم أُبلِّغْك إيّاها ووقيتُك بنفسي, فقال الحسن: (لا، بل تُؤدّيها, ونستعين عليه بالله)، فأدّاها, فقال له: (تقول لمروان: إن كنتَ صادقاً فاللهُ يَجزيك بِصِدقك, وإن كنتَ كاذباً فاللهُ أشدُّ نقمةً!).
فخرج رسول مروان مِن عنده فَلقِيَه الحسين فقال له: (مِن أين أقْبَلت؟)، فقال: مِن عند أخيك الحسن, فقال: (وما كنتَ تصنع؟), قال: أتيتُ برسالةٍ من عند مروان, فقال: (وما هي؟). فامتنع الرسول من أدائها, فقال (لتُخبرَنّي أو لَأقتُلنَّك!). فسمع الحسن فخرج وقال لأخيه: (خَلِّ عن الرجل), فقال: (لا واللهِ حتّى أسمَعَها). فأعادها الرسول عليه, فقال: (قُلْ له: يقول لك الحسينُ بنُ عليِّ بنُ فاطمة: يا ٱبنَ الزرقاءِ الداعيةِ إلى نفسها بسوق ذي المجاز, صاحبةِ الراية بسوق عُكاظ! ويَا ٱبنَ طريدِ رسول الله ولعينهِ اعرفْ مَن أنت ومَن أُمُّك ومَن أبوك).
فجاء الرسول إلى مروانَ فأعاد عليه ما قالا, فقال له: ارجعْ إلى الحسن وقلْ له: أشهدُ أنّك ٱبنُ رسول الله, وقلْ للحسين: أشهدُ أنّك ٱبنُ عليِّ بنِ أبي طالب. فقال للرسول: قلْ لهما: كلاهُما (أي قَولا الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام) لي ورغماً!
قال الأصمعيّ: أمّا قول الحسين: (يا ٱبنَ الداعيةِ إلى نفسها), فَذكَر ابنُ إسحاق (المؤرّخ) أنّ أُمّ مروان اسمُها (أُميّة), وكانت من البغايا في الجاهليّة, وكان لها مِثلُ راية البيطار تُعرَف بها, وكانت تُسمّى (أُمَّ حَبْتَل الزرقاء)(٧٧), وكان مروان لا يُعرَف له أب, وإنّما نُسِب إلى الَحكَم كما نُسِب عمرو إلى العاص!
وأمّا قوله: (يا ٱبنَ طريد رسول الله) فيُشير إلى الحَكَم بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس, أسلَمَ الحكم يومَ الفتح وسكن المدينة, وكان ينقل أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكفّار من الأعراب وغيرهم, ويتجسّس عليه!
قال الشَّعبيّ: وما أسلَمَ الحكم إلّا لهذا (أي للتجسّس) ولم يَحسُن إسلامه, ورآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً وهو يمشي يتخلّج في مِشْيته يُحاكي رسول الله (أي يقلّده مستهزئاً!), فقال له رسول الله: (كُنْ كذلك!), فما زال يمشي كأنّه يقع على وجهه (وتلك هي إحدى معجزات النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, وإحدى إشارته من ولايته التكوينيّة), ونفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف ولَعَنَه!... فلّما وُلِّيَ عثمانُ رَدَّه في اليوم الذي وُلّيَ فيه, وقَرّبه وأدناه, ودفع له مالاً عظيماً, ورفع منزلته! فقام المسلمون على عثمانَ وأنكروا عليه, وهو أول ما أنكروا عليه, وقالوا له: رَدَدْتَ عدوَّ الله وعدوَّ رسوله, وخالفتَ اللهَ ورسولَه!..
فقال عثمان (كاذباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ رسول الله وَعَدني بردّه!!
فامتَنَع جماعة من الصحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك.
ثمّ مات الحكم, فصّلى عليه عثمان ومشى خلفَه! فشَقّ ذلك على المسلمين وقالوا له: ما كفاك ما فعلتَ حتّى تُصلّيَ على منافقٍ ملعونٍ لعَنَه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفاه؟! فخلعوا عثمان وقتلوه.
وكان عثمان ـ والحديث ما زال للشعبيّ ينقله لنا سبط ابن الجوزيّ ـ قد أعطى ابنَه (أي ابنَ الحكَم) مروانَ خُمسَ غنائم إفريقية, وهو خمسُ مئةِ ألفِ دينار. ولمّا بلغ ذلك عائشةَ أرسلت إلى عثمان: أما كفاك أنّك رددتَ المنافقَ حتّى تُعطيَه أموال المسلمين, وتُصلّيَ عليه وتُشيّعه بهذا السبب؟! ثمّ قالت: اُقتُلُوا نَعْثَلاً قَتَله اللهُ فقد كَفَر! ولمّا بلغ مروانَ إنكارُها جاء إليها يُعاتبها, فقالت له: اُخرُجْ يا ٱبنَ الزرقاء! إنّي أَشهد على رسول الله أنّه لَعَن أباك وأنت في صُلبِه!(٧٨)
فالإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان دعا على مروان إن كان كاذباً ـ وهو كذلك ـ فإنّ الله جلّت عظمتُه أشدُّ نقمةً من كلّ أحد, فما أن أتمّ كلامَه الشريف ذاك حتّى قيّض الله تعالى لمروان مَن يُخزيه ويُذلّه بعاره وشناره, ويفضحه في أصله ونسبه وحَسَبه, وذلك الذي قيّضه الله جلّ وعلا هو وليُّ الله الغيور أبو عبد الله الحسين سيّد شباب أهل الجنّه سبط رسول الله وريحانته, فانبرى لمروان يَرُدّ عليه شتيمتَه التي وجّهَها إلى النسب الأقدس لأهل البيت عليهم السلام، الذي كرّمه الله تعالى على كلّ نَسَب, وإلى حَسَبِهمُ الأعلى الذي شرّفه الله تعالى وأعلاه على كلّ حَسَب. وكان الردّ الأوفق أن يُعرَّف بجذور هذا المتجاوز حتّى يُذعنَ ويُقِرّ, وحتّى يُلجَم ويَذِلّ.
* ونبقى مع المصادر السنّـيّة, وغيرِ الشيعيّة, لننظر ماذا رَوَت لنا في العِزّة الحسنيّة الشريفة, وكيف جابهت بأنفةٍ وغَيرةٍ تهكّمات الحاقدين على بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وانتهاكات أصحاب الغيظ والحسد الذين ما فَتِئُوا يُفرزون سُمومهم من خلال التُّهم والأباطيل والجسارات السفيهة.
كتب نصر بن مُزاحم: بعث عبيد الله بن عمر بن الخطّاب إلى الحسن بن عليّ فقال: إنّ لي إليك حاجة, فالْقَني. فلَقِيَه الحسن, فقال له عبيد الله: إنّ أباك قد وَتَر قريشاً أوّلاً وآخِراً, وقد شَنِئوه, فهل لك أن تُخْلِفَه ونُولّيك هذا الأمر؟ (أي أن تَعزِله وتتمرّدَ عليه لنجعلَك مكانَه مَلِكاً علينا, وهي مرحلة أُولى, وثانيها اغتيالُه!), فقال له الحسن: (كلّا واللهِ لا يكون ذلك), ثمّ قال له (يُخبره مُنْبِئاً): (لَكأنّي أنظُر إليك مقتولاً في يومك أو غَدِك! أما إنّ الشيطان قد زيّنَ لك وخَدَعَك حتّى أخرجَك مُخلَّقاً بالخَلُوق(٧٩) ترى نساءُ أهل الشام موقفَك, وسيصرعُك الله ويبطحك لوجهِك قتيلاً!).
قال: فَوَاللهِ ما كان إلّا كيومه أو كغَدِه, وكان القتال (أي في وقعة صِفِّين), فخرج عبيد الله بن عمر في كتيبةٍ رقطاء كانوا أربعة آلاف.. ونظر الحسن فإذا هو برجُلٍ متوسّدٍ رِجلَ قتيلٍ قد ركز رمحه في عينه, وربط فرسه برِجلِه, فقال الحسن لِـمَن معه: (اُنظروا مَن هذا), فإذا هو برجُلٍ منِ هَمْدان, فإذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطّاب, قد قتله وبات عليه حتّى أصبح..(٨٠).
وفي الوقت الذي كان الإمام الحسن عليه السلام يصبر كان لا يتنازل عن كرامته, ولا يتنزّل عن عزّته. نعم, إنّه كان يعفو أحياناً وأحياناً يصفح, وكان يُمهل حتّى يتبيّن الحقّ وينجلي, ولم يكن يحرم خصومه ومناوئيه من النُّصح لهم ووعظهم وتنبيههم وتحذيرهم, رغم عدائهم وعنادهم.
* كتب ابن عبد ربّه: قال الحسن بن عليّ لحبيب بن مَسْلمةَ الفِهْريّ:
(رُبَّ مَسيرٍ لك في غير طاعة الله). قال: أمّا مَسيريِ إلى أبيك.. فَلا! قال عليه السلام: ـ
(بلىٰ, ولكنّك أطعتَ معاوية عن دُنيا قليلة, فلَئِن كان قد قام بك في دُنياك لقد قَعَد بك في آخرتك! ولو كنتَ إذ فعلتَ شرّاً قلتَ خيراً(٨١), كنتَ كما قال الله عزّ وجلّ: (خَلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سَيِّئاً)(٨٢), لكنّك كما قال الله: (بَلْ رانَ على قُلُوبِهِم ما كانُوا يَكسِبون)(٨٣))(٨٤).
* وكتب عليّ بن أبي بكر الهيثميّ الشافعيّ: عن أبي مجلز قال: قال عمرو بن العاص والمُغيرة بن شعبة لمعاوية: إنّ الحسن بن عليٍّ رجلٌ عَيِيّ, وإنّ له كلاماً ورأياً, إنّا قد عَلِمنا كلامه, فنتكلّم كلامَه فلا يجد كلاماً! قال معاوية: لا تفعلوا. فأبَوا عليه, فصَعِد عمرو المنبر فذكر عليّاً ووقع فيه! ثمّ صَعِد المُغيرة بن شُعبة.. ووقع في عليّ! ثمّ قيل للحسن بن عليّ: اِصعَد, فقال: (لا أصعد ولا أتكلّم حتّىٰ تُعطُوني, إن قلتُ حقّاً أن تُصدّقوني, وإن قلت باطلاً أن تكذّبوني), فأعطَوه, فصعد المنبر فحَمِد اللهَ وأثنى عليه, فقال:
ـ (أُنشدك بالله يا عمرو ويا مُغيرة, أتَعلَمانِ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لَعَن اللهُ السائقَ والراكب) أحدُهما فلان؟).
قالا: اَللّهمّ بلى. قال:
ـ (أُنشِدك بالله يا معاويةُ ويا مُغيرة, أتعلمانِ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لَعَن عَمْراً بكلِّ قافيةٍ قالها لعنةً؟).
قالا: اَللّهمَّ بلى. قال:
ـ (أُنشدك بالله يا عمرُو ويا معاويةَ بنَ أبي سفيان, أتعلمانِ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعَنَ قومَ هذا؟).
قالا: بلى. قال الحسن:
ـ (فإنّي أحمَدُ اللهَ الذي وقعتُم فيمَن تبرّأ مِن هذا!)(٨٥).
* بعد هذا دَعُونا ـ أيّها الإخوة الأكارم ـ نقرأ ما كتبه ابن شهر آشوب السَّرَويّ عن كتاب الشيرازيّ ـ كما كتب ـ قال: روى سفيان الثوريّ عن واصل, عن الحسن (ربمّا البصريّ), عن ابن عبّاس في قوله تعالى: (وشارِكْهُم في الأَموالِ والأولاد)(٨٦): أنّه جلس الحسن بن عليٍّ عليهما السلام ويزيدُ بن معاوية ابن أبي سفيان يأكلانِ مِن الرُّطَب, فقال يزيد: يا حسن, إنّي منذ كنت (أي منذُ خُلِقتُ) أُبغِضُك! فأجابه الحسن: (اِعلَمْ يا يزيدُ أنّ إبليس شارك أباك في جُماعه فاختلط الماءان, فأورَثَك ذلك عداوتي؛ لأنّ الله تعالى يقول: (وشارِكْهُم في الأَموالِ والأولاد), وشارك الشيطانُ حَرباً (وهو والد أبي سفيان) عند جُماعه فَوُلِد له صخر (وهو أبو سفيان), فلذلك كان يُبغض جَدّي رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم)(٨٧).
وتلك حقيقة صرّح بها الصحابة الأوائل وطبّقوها على ذراريهم.. فقد روى الحافظ ابن عساكر قال: حدَّثَنا حُصَين, عن زيد بن عطاء بن السائب, عن أبيه, عن الوليد بن عُبادة بن الصامت, عن أبيه أنّه قال: كنّا نَبُور (أي نمتحن أو نختبر) أولادَنا بحبّ عليّ بن أبي طالب, فإذا رأينا أحداً لا يُحبّ عليَّ بن أبي طالب عَلِمنا أنّه ليس منّا, وأنّه لغيرِ رُشْدِه!
وفي رواية أخرى رواها ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ أيضاً ولكن بسندٍ ينتهي إلى مالك بن أنس, عن محبوب بن أبي الزنّاد قال: قالت الأنصار: إنّا كنّا لَنعرِف الرجلَ إلى غير أبيه بِبُغضه عليَّ ابن أبي طالب!(٨٨)
كذلك روى ابن الجَزَريّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قولَه: كنّا ـ معشرَ الأنصار ـ نبور أولادَنا بحبِّهم عليّاً, فإذا وُلِد فينا مولودٌ فلم يُحِبَّه عَرَفنا أنّه ليس منّا!
وبسندٍ آخر روى ابن الجزريّ أنّ عبادة بن الصامت قال: كنّا نبور أولادَنا بحبّ عليّ بن أبي طالب, فإذا رأينا أحدَهم لا يُحبّ عليَّ بن أبي طالبٍ عَلِمنا أنّه ليس منّا, وأنّه لغيرِ رُشْدِه!
قال: لِغيرِ رُشْده: أي وَلَد زنا, وهذا مشهورٌ مِن قبلُ وإلى اليوم معروفٌ أنّه ما يُبغض عليّاً عليه السلام إلّا وَلَد زنا!(٨٩)
وكذلك مُبغضو رسول الله ومبغضو آله, إذ هم مِن مُولَّدي جنود إبليس, ومن طُرُقه, فلا يُطيقون أن ينظروا إلى آل الله فضلاً عن النظر إلى مناقبهم وفضائلهم ومحاسنهم ومعالي شؤونهم(٩٠).
ورحم الله صفيَّ الدين الحلّيّ حيث يقول مخاطباً إمامَه:

أميرَ المؤمنينَ أراكَ إمّا * * * ذَكَرتُك عنَد ذي حَسَبٍ صَغا لي
وإن كرّرتُ ذِكْرَك عندَ نَذْلٍ * * * تَكدَّر سِترُه وبغى قتالي
فَصِـرتُ إذا شككتُ بأصلِ مَرْءٍ * * * ذكرتُك بالجميلِ مِن المَقالِ
فليس يُطيقُ سَمْعَ ثَناكَ إلّا * * * كريمُ الأصلِ محمودُ الخِلالِ
فَها أنا قَد خَبَرتُ بِك البرايا * * * فأنتَ مَحَكُّ أولادِ الحَلالِ(٩١)

وكان للحسن احتجاجات عِزّ
ظهر فيها بعض فضائله, بل بان منها بعض أفضليّاته, فقد أراد الحاسدون الحاقدون إجبارَه على السكوت على تهكّماتهم واتّهاماتهم وتجاسراتهم, وعلى ادّعاءاتهم أنّهم الأعلى شأناً والأسمى مقاماً.. فأجبرهم على أن يسمعوا ما يُعيدهم إلى صحوتهم عن سَكرةِ المُلك والغرور والطغيان, وعن سكرة حبّ الدنيا ونسيان الآخرة, وعن سكرة الحقد واللؤم والحسد.. وذلك حينما عرّفهم بأصولهم الفاسدة, كما عرّفهم بنفسه المقدّسة وبآله البررة.
وقد جرى ذلك ـ أيُّها الإخوة ـ في: حوارات, ومناقشات, ومناظراتٍ واحتجاجات, أحبَبْنا أن نأخذ جزءاً كبيراً منها عن كتابٍ موثَّقٍ جامع, ذلك هو كتاب (الاحتجاج على أهل اللَّجاج), لأحد علماء القرن السادس الهجريّ, ذلك هو أبو منصور أحمد بن عليّ الطبرسيّ.
وفي هذه الروايات التي سنُورِدها من هذا المؤلَّف المهمّ تتبيّن لنا بِجَلاء: العِزّة الحسنيّة, والشهامة الحسنيّة, والغَيرة الحسنيّة, والشجاعة الحسنيّة, والصراحة الحسنيّة.. فضلاً عن المعارف الحسنيّة. فلا يَفوتَنّ طالبَ علمٍ وطالبَ حقيقة ولا مؤمناً ولا باحثاً ومحقّقاً ولا متعلّماً على سبيل النجاة بِدينه.. أن يقف عند هذه الروايات ويراجعها بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ وتأمُّل, ليعرف بعضَ مظلوميّة أهل البيت وبعضَ ظالميّة أعدائهم, ولتُشرق فيه روح الولاية لمحمّدٍ وآل محمّد صلواتُ الله عليهم, وروح البراءة من أعدائهم عذابُ الله عليهم.
* رُوي عن الشَّعبيّ وأبي مِـخنَف ويزيد بن أبي حبيب المصريّ أنّهم قالوا: لم يكن في الإسلام يومٌ فيه مشاجرةُ قومٍ اجتمعوا في محفِلٍ أكثر ضجيجاً ولا أعلى كلاماً ولا أشدَّ مبالغةً في قول, مِن يوم اجتمع فيه عند معاوية بن أبي سفيان: عمرُو بن عثمان ابن عفّان, وعمرو بن العاص, وعُتبة بن أبي سفيان, والوليد ابن عُقبة بن أبي مُعَيط, والُمغيرة بن شُعبة. وقد تَواطؤا على أمرٍ واحد.
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألا تَبعث إلى الحسن بن عليّ فتُحضِره, فقد أحيا سُنّة أبيه, وخَفَقت النِّعال خَلفَه, أَمَرَ فأُطيع, وقال فصُدِّق, وهذانِ يرفعان به إلى ما هو أعظمُ منهما, فلو بعثتَ إليه فقصَرنا به وبأبيه, وسبَبْناه وسَبَبنا أباه, وصغّرنا بقَدْره وقَدْر أبيه, وقعدنا لذلك حتّى صدق لك فيه, فقال لهم معاوية: إنّي أخاف أن يُقلِّدكم قلايدَ يبقى عليكم عارُها حتّى يُدخِلَكم قبورَكم, واللهِ ما رأيتُه قطُّ إلّا كَرِهتُ جَنابَه, وهِبت عتابَه, وإنّي إن بَعثتُ إليه لَأُنْصفنّه منكم.
قال عمرو بن العاص: أتخاف أن يتسامى باطلُه على حقِّنا, ومرضُه على صحّتنا؟! قال: لا, قال: فابعثْ إذاً عليه.
فقال عُتبة: هذا رأيٌ لا أعرفه, واللهِ ما تستطيعون أن تَلقَوه بأكثرَ ولا أعظمَ ممّا في أنفسكم عليه، ولا يَلقاكم بأعظم ممّا في نفسه عليكم, وإنّه لأهلُ بيتٍ خَصِمٍ جَدِل.
فبعثوا إلى الحسن, فلمّا أتاه الرسول قال له: يَدعوك معاوية, قال: (ومَن عنده؟).
قال الرسول: عنده فلانٌ وفلان. وسَمّى كُلّاً منهم باسمه.
فقال الحسن عليه السلام: (ما لهم خرَّ عليهم السَّقفُ مِن فوقِهم, وأتاهُمُ العذابُ مِن حيثُ لا يَشعُرون!), ثمّ قال: (يا جارية أبلغيني ثيابي), ثمّ قال:
(اَللّهمَّ إنّي أدرأُ بكَ في نُحورِهم, وأعوذُ مِن شُرورِهم, وأستعينُ بك عليهم, فاكْفِنِيهم بما شئت, وأَنّى شئت, مِن حَولِك وقوّتك يا أرحمَ الراحمين), وقال للرسول: (هذا كلام الفَرَج), فلمّا أتى معاويةَ رحّب به, وحيّاه وصافحه.
فقال الحسن عليه السلام: (إنّ الذي حَيَّيت به سلامة, والمصافحة أمن).
فقال معاوية: أجَل, إنّ هؤلاء بعثوا إليك وعصوني ليُقرّوك: أنَّ عثمان قُتل مظلوماً, وأنّ أباك قتَلَه, فاسمعْ مِنهم ثمّ أجِبْهم بِمثلِ ما يُكلّمونك, فلا يَمنَعْك مكاني مِن جوابهم.
فقال الحسن: (فسبحانَ الله, البيتُ بيتك, والإذنُ فيه إليك! واللهِ لَئِن أجبتُهم إلى ما أرادوا إنّي لَأَسْتَحْيِي لك من الفُحش, وإن كانوا غلبوك على ما تريد، إني لَأسْتَحْيي لك من الضَّعف, فبأيّهما تُقرّ ومِن أيّهما تعتذر؟! وأمّا إنّي لو علمت بمكانهم واجتماعهم لَجئتُ بعُدّتهم مِن بني هاشم, مع أنّي مع وَحدتي هم أوحشُ منّي مِن جمعهم, فإنّ الله عزّ وجلّ لَوَلِيِّي اليومَ وفيما بعدَ اليوم, فَمُرْهم فَلْيقولوا فأسمع, ولا حولَ ولا قّوةَ إلّا بالله العليّ العظيم).
فتكلّمَ عمرو بن عثمان بن عفّان فقال: ما سمعتُ كاليوم إن بقيَ مِن بني عبد المطّلب على وجه الأرض مِن أحدٍ بعدَ قتل الخليفة عثمان بن عفّان, وكان ابنَ أُختهم والفاضلَ في الإسلام منزلةً, والخاصَّ برسول الله إثْرةً, فبئس كرامةُ الله حتّى سَفكوا دمه اعتداءً وطلباً للفتنة, وحسداً ونفاسةً وطلبَ ما ليسوا بأهلين لذلك, مع سوابقه ومنزلته من الله ومن رسوله ومن الإسلام, فيا ذُلّاه أن يكون حسَنٌ وسايرُ بني عبد المطّلب قتَلةَ عثمان, أحياءً يمشون على مناكب الأرض وعثمانُ بدمه مضرَّج, مع أنّ لنا فيكم تسعةَ عشرَ دماً بقتلى بَني أُميّةَ ببدر!
ثمّ تكلّم عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه, ثمّ قال: أيِ ٱبنَ أبي تراب, بعَثْنا إليك لنقرّرك أنّ أباك سمَّ أبا بكر الصدّيق, واشترك في قتل عمر الفاروق, وقتَلَ عثمانَ ذا النورين مظلوماً، وادّعى ما ليس له حقّ، ووقع فيه، وذكر الفتنة وعيّره بشأنها!
ثمّ قال: إنّكم يا بَني عبد المطّلب, لم يكن الله ليُعطيَكم المُلكَ فتركبون فيه ما لا يَحلّ لكم, ثمّ أنت يا حسنُ تُحدِّث نفسك بأنّك كائنٌ أميرَ المؤمنين, وليس عندك عقلُ ذلك ولا رأيُه, وكيف وقد سُلِبتَه.. وذلك لسوء عمل أبيك, وإنّما دَعوناك لِنسبَّك وأباك.
ثمّ إنّك لا تستطيع أن تَعيب علينا ولا أن تُكذِّبنا به, فإن كنتَ ترى أنّا كذّبناك في شيءٍ وتقوَّلْنا عليك بالباطل, وادّعَينا عليك خلافَ الحقّ فتكلّمْ, وإلّا فاعلمْ أنّك وأباك مِن شرِّ خَلق الله, فأمّا أبوك فقد كفانا الله قتلَه وتفّرد به, وأمّا أنت فإنّك في أيدينا نتخيّر فيك, واللهِ أن لو قتلناك ما كان في قتلك إثمٌ عند الله ولا عيبٌ عند الناس!
ثمّ تكلّم عُتبة بن أبي سفيان, فكان أوّلَ ما ابتدأ به أن قال:
يا حسن, إنّ أباك كان شرَّ قريشٍ لقريش, أقطعَه لأرحامها, وأسفكَه لدمائها, وإنّك لَمِن قَتَلة عثمان, وإنِّ في الحقّ أن نقتلك به, وإنّ عليك القَودَ في كتاب الله عزّ وجلّ, وإنّا قاتلوك به, وأمّا أبوك فقد تفرّد الله بقتله فكفانا أمرَه, وأمّا رجاؤك الخلافةَ فلستَ فيها, لا في قَدحة زندك, ولا في رجحة ميزانك.
ثمّ تكلّم الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط بنحوٍ من كلام أصحابه فقال:
يا معشرَ بني هاشم, كنتم أوّلَ مَن دبّ بعيب عثمان وجمَعَ الناسَ عليه, حتّىٰ قتلتموه حِرصاً على المُلك, وقطيعةً للرحم, واستهلاكَ الأُمّة, وسفكَ دمائها حرصاً على الملك, وطلباً للدنيا الخبيثة وحبّاً لها, وكان عثمان خالكم, فنعم الخال كان لكم, وكان صهركم فكان نعم الصهر لكم, قد كنتم أوّلَ مَن حسده وطعن عليه, ثمّ وُليتم قتلَه, فكيف رأيتُم صُنع الله بكم؟!
ثمّ تكلم المُغيرة بن شُعبة, فكان كلامه وقوله كلّه وقوعاً في عليٍّ عليه السلام، ثمّ قال:
يا حسن, إنّ عثمان قُتل مظلوماً, فلم يكن لأبيك في ذلك عذرُ بريء ولا اعتذارُ مذنب, غيرَ أنّا ـ يا حسن ـ قد ظننّا لأبيك في ضمّه قَتَلةَ عثمان, وإيوائِه لهم وذبِّه عنهم, أنّه بقتله راضٍ, وكان واللهِ طويلَ السيف واللِّسان, يقتل الحيَّ ويَعيب الميّت, وبنو أُميّة خيرٌ لبني هاشم من بني هاشم لبني أُميّة, ومعاوية خيرٌ لك ـ يا حسن ـ منك لمعاوية, وقد كان أبوك ناصِبَ رسول الله في حياته, وأجلبَ عليه قبل موته, وأراد قتلَه, فعلم ذلك من أمره رسولُ الله, ثمّ كرِه أن يبايع أبا بكرٍ حتّىٰ أُتيَ به قَوداً, ثمّ دسّ عليه فسقاه سُمّاً فقتله, ثمّ نازع عمرَ حتّى هَمّ أن يضرب رقبته, فعمد في قتله, ثمّ طعن على عثمان حتّى قتله, كلُّ هؤلاء قد شَرِك في دمهم, فأيُّ منزلةٍ له من الله ـ يا حسن ـ وقد جعل الله السلطان لوليّ المقتول في كتابه المنزَل؟! فمعاوية وليُّ المقتول بغير حقّ, فكان مِن الحقّ لو قتلناك وأخاك, واللهِ ما دمُ عليٍّ بأخطر من دم عثمان, وما كان الله ليجمع فيكم ـ يا بني عبد المطّلب ـ المُلكَ والنبوّة.
ثمّ سكت, فتكلّمَ أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام فقال:
(اَلحمد لله الذي هَدى أوّلَكم بأوّلِنا, وآخِرَكم بآخِرِنا, وصلّى الله على جَدّي محمّدٍ النبيِّ وآلِه وسَلَّم.
اِسمعوا منّي مقالتي وأعيروني فَهمَكم, وبك أبدأُ يا معاوية: إنّه لَعَمْرُ اللهِ يا أزرق, ما شتمني غيرُك وما هؤلاء شتموني, ولا سبّني غيرُك وما هؤلاء سبّوني, ولكن شتَمتَني وسبَبْتَني, فُحشاً منك وسوءَ رأي, وبَغياً وعُدواناً, وحسداً علينا وعداوةً لمحمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم قديماً وحديثاً, وإنّه واللهِ لو كنتُ أنا وهؤلاءِ يا أزرق مشاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحولَنا المهاجرون والأنصار ما قَدَروا أن يتكلّموا به, ولا استقبلوني بما استقبلوني به.
فاسمعوا منّي أيُّها الملأ المجتمعون المتعاونون علَيّ, ولا تكتموا حقّاً عَلِمتُموه, ولا تُصدِّقوا بباطلٍ إن نطقتُ به, وسأبدأ بك يا معاوية ولا أقول فيك إلّا دونَ ما فيك:
أُنشدكُم بالله, هل تعلمون أنّ الرجل الذي شتمتموه صلّى القِبلتين كلتَيهما, وأنت تراهما جميعاً وأنت في ضلالةٍ تعبد اللّاتَ والعُزّى؟! وبايع البيعتَين كلتَيهما بيعةَ الرِّضوان وبيعة الفتح, وأنت يا معاويةُ بالأُولى كافر, وبالأُخرى ناكث؟!).
ثمّ قال: (أُنشدكم بالله, هل تعلمون أنّ ما أقول حقّاً إنَّه لَقِيَكم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومَ بدرٍ ومعه راية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين, ومعك يا معاوية راية المشركين وأنت تعبد اللّاتَ والعُزّى, وترى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرضاً واجباً؟! ولَقِيَكم يومَ أُحدٍ ومعه راية النبيّ, ومعك يا معاوية راية المشركين؟! ولَقِيكم يومَ الأحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعك يا معاوية راية المشركين؟! كلُّ ذلك يُفلج الله حجّتَه, ويُحقّ دعوتَه, ويصدّق أُحدوثتَه, وينصر رايتَه, وكلُّ ذلك رسول الله عنه راضياً في المواطن كلِّهَا ساخطاً عليك.
ثمّ أُنشدكُم بالله, هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصَرَ بني قُرَيضة وبني النظير, ثمّ بعث عمرَ بن الخطّاب ومعه راية المهاجرين, وسعدَ بن مُعاذ ومعه راية الأنصار.
فأمّا سعد بن مُعاذ فخرج وحُمِل جريحاً, وأمّا عمر فرجع هارباً وهو يجبّن أصحابَه ويُجبّنُه أصحابُه! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لَأُعطينّ الرايةَ غداً رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه, ويُحبّه اللهُ ورسولُه, كرّارٌ غير فرّار, ثمّ لا يرجع حتّى يفتحَ اللهُ على يدَيه).
 فتعرّض لها أبو بكر وعمر, وغيرهما من المهاجرين والأنصار, وعليٌّ يومئذٍ أرمدُ شديد الرمد, فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتفل في عينه فبرئَ من رمده، وأعطاه الراية فمضى ولم يَثْنِ حتّى فتح الله عليه بمنّه وطَوله, وأنت يومئذ بمكّة عدوٌّ لله ولرسوله! فهل يَستوي بين رجلٍ نصح لله ولرسوله, ورجلٍ عادىٰ اللهَ ورسولَه؟!
ثمّ أُقسم بالله, ما أسلم قلبُك بعد. ولكنّ اللّسان خائف فهو يتكلّم بما ليس في القلب!!
أُنشِدُكم بالله, أتعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخلفه على المدينة في غَزاة تبوك ولا سخطَ ذلك ولا كراهة, وتكلّم فيه المنافقون فقال: (لا تُخلِفْني يا رسول الله, فإنّي لم أتخلّف عنك في غزوةٍ قطّ)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت وصيّي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارونَ مِن موسى). ثمّ أخذ بيد عليّ عليه السلام فقال: (أيُّها الناس, مَن تَولّاني فقد تولّى الله, ومَن تولّى عليّاً فقد تولّاني, ومَن أطاعني فقد أطاع الله, ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني, ومَن أحبّني فقد أحبَّ الله, ومَن أحبَّ عليّاً فقد أحبّني).
ثمّ قال: (أُنشدكم بالله, أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ـ في حِجّة الوداع ـ: (أيُّها الناس, إنّي قد تركتُ فيكم ما لم تَضِلّوا بعدَه: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي, فأحِلُّوا حلالَه, وحرِّموا حرامَه, واعملوا بِمُحْكمِه, وآمِنُوا بمتشابِهِه, وقولوا: آمنّا بما أنزل اللهُ مِن الكتاب, وأحِبُّوا أهلَ بيتي وعترتي, ووالُوا من والاهم وانصُروهم على مَن عاداهم, وإنّهما لن يَزالا فيكم حتّى يَرِدا علَيَّ الحوضَ يومَ القيامة).
ثمّ دعا وهو على المنبر عليّاً فاجتذبه بيده فقال: (اَللّهمَّ والِ مَن والاه, وعادِ مَن عاداه, اَللّهمَّ مَن عادى عليّاً فلا تجعَلْ له في الأرض مَقعداً, ولا في السماء مَصعداً, واجعلْه في أسفلِ دَركٍ من النار).
وأُنشدُكم بالله, أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (أنت الذائدُ عن حوضي يومَ القيامة, تذود عنه كما يذود أحدُكم الغريبةَ مِن وسط إبِله)؟
أُنشدكم بالله, أتعلمون أنّه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي تُوفِّي فيه فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فقال عليّ: ما يُبكيك يا رسول الله؟
فقال: (يُبكيني أنّي أعلم أنّ لك في قلوب رجالٍ من أُمّتي ضغائن, لا يُبدونها لك حتّى أَتوَلّى عنك).
أُنشدكم بالله, أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضَرَته الوفاة واجتمع عليه أهل بيته قال: (اَللّهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي وعترتي, اَللّهمَّ والِ مَن والاهم, وعادِ مَن عاداهم), وقال: (إنّما مَثَلُ أهلِ بيتي فيكم كسفينةِ نوح: مَن دخل فيها نجا, ومَن تخلّف عنها غَرِق)؟
وأُنشدكم بالله، أتعلمون أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سلّموا عليه بالولاية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياته؟
وأُنشدكم بالله, أتعلمون أنّ علياً أوّل مَن حرّم الشهوات كلَّها على نفسه من أصحاب رسول الله, فأنزل الله عزّ وجلّ: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تُحرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لكُم, ولا تَعتَدُوا إنّ اللهَ لا يُحبُّ الُمعتَدِين * وكُلُوا ممّا رزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طيِّباً واتَّقُوا اللهَ الذي أنتُم بهِ مُؤمنون)(٩٢).
وكان عنده: علمُ المنايا, وعلم القضايا, وفصل الكتاب, ورسوخ العلم, ومنزل القرآن. وكان رهطٌ لا نعلمهم يُتمّمون عشرة, نبّأهمُ الله أنّهم مؤمنون, وأنتم في رهطٍ قريبٍ من عِدّة أُولئك، لُعِنوا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فأَشهَدُ لكم وأَشهَدُ عليكم أنّكم لعناءُ الله على لسان نبيِّه كلَّكم.
وأُنشدكم بالله, هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث إليك (والخِطاب هنا موجَّه إلىٰ معاوية) لتكتب له لبني خُزَيمة حين أصابهم خالد بن الوليد, فانصرف إليه الرسول فقال: هو يأكل. فأعاد الرسولُ إليك ثلاث مرّات كلّ ذلك ينصرف الرسول إليه ويقول: هو يأكل, فقال رسول الله: (اَللّهمَّ لا تُشبِـعْ بطنَه), فهي واللهِ في نَهَمتِك وأكلِك إلى يوم القيامة).
ثمّ قال: (أُنشدكم بالله, هل تعلمون أنّ ما أقول حقّاً أنّك ـ يا معاوية ـ كنتَ تسوق بأبيك على جملٍ أحمر يقوده أخوك هذا القاعد, وهذا يومَ الأحزاب, فلعن رسولُ الله القائدَ والراكب والسائق, فكان: أبوك الراكب, وأنت يا أزرقُ السائقَ, وأخوك هذا القاعدُ القائد؟!
أُنشدكم بالله, هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لَعَن أبا سفيان في سبعة مواطن:
أوّلُهن: حينَ خرج من مكّة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام, فوقع فيه أبو سفيان فسبّه وأوعده وهمَّ أن يبطش به, ثمّ صرفه الله عزّ وجلّ عنه.
والثانية: يومَ العِير, حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله.
والثالثة: يومَ أُحد, قال رسول الله: (اَللهُ مَولانا ولا مَولى لكُم), وقال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم! فلعنه اللهُ وملائكتُه ورسلُه والمؤمنون أجمعون.
والرابعة: يومَ حُنَين, يومَ جاء أبو سفيان يجمع قريشَ وهوازن, وجاء عُيَينة بغَطفان واليهود, فردَّهمُ الله بغَيظهم لم ينالوا خيراً, هذا قول الله عزّ وجلّ أُنزل في سورتين في كلتَيهما يُسمّي أبا سفيان وأصحابَه كفّاراً, وأنت يا معاويةُ يومئذٍ مشركٌ على رأي أبيك بمكّة, وعليٌّ يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأيه ودِينه.
والخامسة: قول الله عزّ وجلّ: (والَهدْيَ مَعكُوفاً أن يَبلُغَ مَحِلَّه)(٩٣), وصددتَ أنت وأبوك ومشركو قريش رسولَ الله, فلعَنَه اللهُ لعنةً شَمِلَتْه وذرّيّتَه إلى يوم القيامة.
والسادسة: يومَ الأحزاب, يومَ جاء أبو سفيان بجمعِ قريش, وجاء عُيَينة بن حُصَين بن بدر بغَطفان, فلَعَن رسولُ الله القادةَ والأتباع والساقةَ إلى يوم القيامة.
فقيل: يا رسول الله, أما في الأتباع مؤمن؟
قال: (لا تُصيب اللعنةُ مؤمناً مِن الأتباع, أمّا القادة فليس فيهم مؤمنٌ ولا مُجيبٌ ولا ناجٍ).
والسابعة: يومَ الثنيّة, يومَ شدّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر رجلاً, سبعةٌ منهم مِن بني أُميّة, وخمسة من سائر قريش, فَلعنَ اللهُ تبارك وتعالى ورسولُ الله مَن حلّ الثنيّة غيرَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائقِه وقائدِه.
ثمّ أُنشدكم بالله, هل تعلمون أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين بُويع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
يا ابنَ أخي, هل علينا مِن عين؟ (أي رقيب يسمع)
فقال: لا.
فقال أبو سفيان: تَداولُوا الخلافة يا فتيانَ بَني أُميّة, فَوَالذي نفسُ أبي سفيانَ بيده, ما مِن جنّةٍ ولا نار!
وأُنشدكم بالله, أتعلمون أنّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بُويع عثمان وقال: يا ابنَ أخي, اُخرجْ معي إلى بقيع الغَرْقَد. فخرج، حتّى إذا توسّط القبور اجترّه فصاح بأعلى صوته:
يا أهلَ القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم.
فقال الحسين بن عليّ عليهما السلام: قبّح الله شيبتَك, وقبّح وجهك! ثمّ نتر يده وتركه, فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده وردّه إلى المدينة لهلك.
فهذا لك يا معاوية, فهل تستطيع أن تردّ علينا شيئاً ومِن لعنتك يا معاوية, وإنّ أباك أبا سفيان كان يهّم أن يسلم, فبعثَ إليه بشِعرٍ معروف مرويٍّ في قريش وغيرهم, تنهاه عن الإسلام وتصدّه.
ومنها: أنّ عمر بن الخطّاب ولّاك الشام فخُنتَ به, وولّاك عثمانُ فتربّصتَ به ريب المنون, ثمّ أعظم من ذلك جُرأتُك على الله ورسوله: أنّك قاتلتَ عليّاً عليه السلام وقد عرفتَه وعرفتَ سوابقه وفضلَه وعلمه، على أمرٍ هو أَولى به منك ومِن غيرك عند الله وعند الناس, ولاذيتَه بل أوطأتَ الناس عشوة, وأرقت دماء خَلقٍ مِن خلق الله بخُدعك وكيدك وتمويهك, فعلَ مَن لا يؤمن بالمعاد, ولا يخشى العقاب, فلمّا بلغ الكتابُ أجَلَه صِرتَ إلى شرِّ مَثوى, وعليٌّ إلى خير مُنقلَب, واللهُ لك بالمرصاد.
فهذا لك يا معاويةُ خاصّة, وما أمسكتُ عنه من مساويك وعيوبك فقد كَرِهتُ به التطويل.
وأما أنت يا عمرَو بن عثمان, فلم تكن للجواب حقيقاً بحُمقك, إن تتّبعْ هذه الأمور فإنّما مَثَلُك مَثَلُ البعوضة إذْ قالت للنخلة: استمسكي فإنّي أريد أن أنزل عنك, فقالت لها النخلة: ما شعرتُ بوقوعِكِ, فكيف يشقّ علَيّ نزولُكِ؟! وإنّي واللهِ ما شعرتُ أنّك تَجسر أن تُعاديَ لي فيشقّ علَيّ ذلك, وإنّي لَـمُجيبُك في الذي قلت: إنّ سبَّك عليّاً عليه السلام، أيُنقصُ في حَسَبه, أو يُباعده من رسول الله؟! أو يسوء بلاءَه في الإسلام, أو بجَورٍ في حُكم، أو رغبةٍ في الدنيا؟! فإن قلتَ واحدةً منها فقد كَذِبت!
وأمّا قولك: إنّ لكم فينا تسعةَ عشرَ دماً بقتلى مُشركي بني أُميّةَ ببدر, فإنّ الله ورسوله قتَلَهم, ولعَمْري لَتقتُلنّ مِن بني هاشم تسعة عشر وثلاثةً بعد تسعة عشر, ثمّ يُقتَل من بني أُميّة تسعةَ عشرَ وتسعة عشر في موطنٍ واحدٍ سوى ما قُتل مِن بني أُميّة لا يُحصي عددَهم إلّا الله, وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا بلغ وُلدُ الوَزَغ ثلاثين رجلاً: أخذوا مالَ الله بينهم دُوَلاً, وعبادَه خِوَلاً, وكتابه دغلاً, فإذا بلغوا ثلاثَ مئةٍ وعشراً حَقّت اللعنةُ عليهم ولهم, فإذا بلغوا أربعَ مئةٍ وخمسةً وسبعين كان هَلاكُهم أسرعَ مِن لَوك تمرة). فأقبل الحكم ابن أبي العاص وهم في ذلك الذِّكر والكلام, فقال رسول الله: (اِخفضُوا أصواتَكم, فإنّ الوزَغَ يسمع), وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومَن يملك بعدَه منهم أمْرَ هذه الأُمة ـ يعني في المنام ـ, فساءه ذلك وشقّ عليه, فأنزل الله عزّ وجلّ في كتابه: (وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيناكَ إلّا فِتنةً للناسِ والشَّجَرةَ الملعونةَ في القرآن)(٩٤), يعني: بَني أُميّة. وأنزل أيضاً: (ليلةُ القَدْرِ خَيرٌ مِن ألفِ شَهر)(٩٥), فأشهدُ لكم, وأشهد عليكم, ما سلطانُكم بعد قتل عليٍّ إلّا ألفُ شهرٍ التي أجَّلَها الله عزّ وجلّ في كتابه.
وأمّا أنت يا عَمرَو بن العاص الشاني اللعينَ الأبتر, فإنّما أنت كلبٌ أوّلَ أمرك, إنّ أُمَّك بغيّة, وإنّك وُلِدتَ على فراشٍ مُشترَك, فتحاكَمَت فيك رجالُ قريش, منهم: أبو سفيان بن الحرب, والوليد بن المُغيرة, وعثمان بن الحرث, والنضر بن الحرث بن كلدة, والعاص بن وايل, كلُّهم يزعم أنّك ابنُه, فغلبهم عليك من بين قريش ألأمُهم حسباً, وأخبثُهم منصباً, وأعظمهم بغية. ثمّ قمتَ خطيباً وقلت: أنا شاني محمّد, وقال العاص بن وايل: إنّ محمّداً رجلٌ أبتر لا وُلدَ له, فلو قد مات انقطع ذِكرُه, فأنزل الله تبارك وتعالى: (إنّ شانئَكَ هُوَ الأبتر)(٩٦). وكانت أُمّك تمشي إلى عبد قيسٍ تطلب البُغية, تأتيهم في دُورهم ورحالهم وبطون أوديتهم. ثمّ كنتَ في كلِّ مشهد يشهده رسول الله مِن عدوِّه أشدَّهم له عداوةً, وأشدَّهم له تكذيباً, ثمّ كنتَ في أصحاب السفينة الذين أَتَوُا النجاشيَّ, والمَهجَر الخارج إلى الحبشة في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالبٍ وساير المهاجرين إلى النجاشيّ، فحاق المكرُ السيِّئُ بك, وجعل جِدَّك الأسفل, وأبطل أُمنيّتَك, وخيّب سعيك, وأكذب أُحدوثتَك, وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى, وكلمة الله هي العليا.
وأمّا قولك في عثمان, فأنت يا قليلَ الحياء والدِّين, ألهبتَ عليه ناراً, ثمّ هربتَ إلى فلسطين تتربّص به الدوائر, فلمّا أتاك خبرُ قتله حَبَستَ نفسك على معاوية, فبعتَه دِينَك يا خبيثُ بدنيا غيرك, ولسنا نلومك على بُغضنا, ولم نعاتبك على حبِّنا, وأنت عدوٌّ لبني هاشم في الجاهليّة والإسلام. وقد هجوتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين بيتاً من شِعر, فقال رسول الله: (اَللّهمَّ إنّي لا أُحسِن الشِّعر, ولا ينبغي لي أن أقوله, فَالْعَن عمرَو بن العاص بكلِّ بيتٍ ألفَ لعنة!). ثمّ أنت يا عمرُو الـمُؤْثِر دنياك على دِينك, أهديتَ إلى النجاشيّ الهدايا, ورحلتَ إليه رحلتك الثانية, ولم تَنْهَك الأُولى عن الثانية, كلُّ ذلك ترجع مغلوباً حسيراً, تريد بذلك هلاك جعفر وأصحابه, فلمّا أخطأك ما رجوتَ وأمّلتَ أحلتَ على صاحبك عُمارةَ بنِ الوليد.
وأمّا أنت يا وليد بن عقبة, فواللهِ ما ألومك أن تُبغضَ عليّاً وقد جلَدَك في الخمر ثمانين جلدة, وقتل أباك صبراً بيده يومَ بدر, أم كيف تسبُّه وقد سمّاه الله مؤمناً في عشر آيات من القرآن, وسمّاك فاسقاً, وهو قول الله عزّ وجلّ: (أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُون)(٩٧), وقوله: (إنْ جاءَكُمْ فاسقٌ بِنبأٍ فَتبيَّنوا أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالةٍ فتُصبِحُوا على ما فَعَلْتُم نادِمِين)(٩٨). وما أنت وذِكرُ قريش، وإنّما أنت ٱبن عِلجٍ من أهل صَفُوريّة ٱسمه ذَكْوان. وأمّا زَعمُك أنّا قتلنا عثمانَ فواللهِ ما استطاع طلحةُ والزبير وعائشة أن يقولوا ذلك لعليّ بن أبي طالب, فكيف تقوله أنت؟! ولو سألتَ أُمَّك مَن أبوك إذ تَركَتْ ذَكوانَ فألصقَتْك بعُقبة بن أبي مُعَيط، اِكتَسَبَت بذلك عند نفسها سناءً ورفعة، ومع ما أعدّ الله لك ولأبيك ولأُمّك من العار والخزي في الدنيا والآخرة, وما اللهُ بظَلّامٍ للعبيد.
ثمّ أنت ـ يا وليدُ ـ واللهِ أكبرُ في الميلاد ممّن تُدعى له, فكيف تَسبّ عليّاً؟! ولو اشتغلتَ بنفسك لِتُثبِت نسبك إلى أبيك لا إلى مَن تُدعى له, ولقد قالت لك أُمّك: يا بُنيَّ أبوك واللهِ أَلأمُ وأخبثُ مِن عُقبة!
وأمّا أنت يا عُتبةَ بنَ أبي سفيان، فواللهِ ما أنت بحصيفٍ فأُجاوبك, ولا عاقلٍ فأُعاقبك, وما عندك خيرٌ يُرجى, وما كنتَ ـ ولو سببتَ عليّاً ـ لأُعيَّر به عليك, لأنّك عندي لستَ بِكُفْءٍ لعبدِ عليِّ بن أبي طالب فأرُدَّ عليك وأُعاتبَك, ولكنّ الله عزّ وجلّ لك ولأبيك وأُمّك وأخيك لَبِالمرصاد, فأنت ذرّيّةُ آبائك الذين ذَكرَهم الله في القرآن فقال: (عاملةٌ ناصِبة * تَصْلى ناراً حامِية * تُسْقى مِن عَينٍ آنية * ليسَ لَهُم طعامٌ إلّا مِن ضَريع * لا يُسْمِنُ ولا يُغْني مِن جُوع)(٩٩).
وأمّا وَعيدُك إيّايَ أن تقتلني, فَهلّا قتلتَ الذي وَجَدتَه على فراشك مع حَليلتِك, وقد غلبك على فَرْجها وشَرِكك في وَلدِها حتّى ألصق بك ولداً ليس لك؟! ويلاً لك! لو شَغلتَ نفسَك بطلب ثأرك منه كنتَ جديراً, ولذلك حريّاً, إذ تَسومني القتلَ وتُوعدني به. ولا ألومُك أن تسبَّ عليّاً وقد قَتل أخاك مبارزةً, واشترك هو وحمزةُ بن عبد المطّلب في قتل جَدِّك حتّى أصلاهما اللهُ على أيديهما نارَ جهنّم وأذاقهما العذابَ الأليم, ونَفى عمَّك بأمر رسول الله.
وأمّا رجائي الخلافة, فلَعَمْرُ الله إن رجوتُها فإنّ لي فيها لَـمُلتمَساً, وما أنت بنظيرِ أخيك, ولا بخليفة أبيك, لأنّ أخاك (وهو معاوية) أكثرُ تمّرداً على الله, وأشدُّ طلباً لإهراقه دماءَ المسلمين, وطلبَ ما ليس له بأهل, يُخادِع الناسَ ويمكرهم, ويمكر اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين.
وأمّا قولك: إنّ عليّاً كان شرَّ قريش! فواللهِ ما حقّر مرحوماً, ولا قَتَل مظلوماً.
وأمّا أنت يا مُغيرةَ بنَ شُعبة! فإنّك للهِ عدوّ, ولكتابه نابذ, ولنبيِّه مكذِّب, وأنت الزاني وقد وجب عليك الرَّجْم, وشَهِد عليك العُدولُ البررةُ الأتقياء, فأُخِّر رجمُك, ودُفع الحقُّ بالأباطيل, والصدقُ بالأغاليط(١٠٠), وذلك لِما أعدّ الله لك من العذاب الأليم, والخزي في الحياة الدنيا, ولَعذابُ الآخرة أخزى. وأنت الذي ضربتَ فاطمةَ بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى أدميتَها وألقَتْ ما في بطنها؛ اِستذلالاً منك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ومخالفةً منك لأمره, وانتهاكاً لحرمته, وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا فاطمة, أنتِ سيّدةُ نساءِ أهلِ الجنة), واللهُ مُصيِّرُكَ إلى النار, وجاعلُ وَبالَ ما نطقتَ به عليك, فبأيِّ الثلاثة سببتَ عليّاً, أنقصاً في نَسَبه, أم بُعداً من رسول الله, أم سُوءَ بلاءٍ في الإسلام, أم جَوراً في حُكم, أم رغبةً في الدنيا؟! إن قلتَ بها فقد كذبتَ وكذّبك الناس, أتزعم أنّ علياً عليه السلام قتل عثمان مظلوماً؟! فعليّ واللهِ أتقى وأنقى مِن لائمه في ذلك، ولَعَمري لَئِن كان عليٌّ قَتلَ عثمان مظلوماً, فواللهِ ما أنت مِن ذلك في شيء, فما نصرتَه حيّاً ولا تعصّبتَ له ميّتاً, وما زالت الطائف دارَك تتبع البغايا, وتُحْيي أمر الجاهليّة وتميت الإسلام, حتى كان ما كان في أمس!
وأمّا اعتراضك في بَني هاشم وبَني أُميّة, فهو ادّعاؤك إلى معاوية.
وأمّا قولك في شأن الإمارة وقول أصحابك في المُلك الذي مَلَكتموه, فقد ملك فرعونُ مصرَ أربعَ مئة سنة, وموسى وهارون نبيّان مُرسَلان عليهما السلام يَلقَيان ما يلقيانِ مِن الأذى, وهو مُلك الله يُعطيه البَرَّ والفاجر, وقال الله: (وإنْ أدري لَعلَّه فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حِين)(١٠١), وقال: (وإذا أرَدْنا أنْ نُهلِكَ قَريةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيها القولُ فدَمَّرْناها تَدميراً)(١٠٢)).
ثمّ قام الحسن فنفض ثيابه وهو يقول: ((الخَبيثاتُ لِلخَبيثينَ والخَبيثونَ لِلخبيثات), هُم واللهِ يا معاويةُ: أنت وأصحابُك هؤلاء وشيعتُك! (والطَّيِّبونَ لِلطَّيِّباتِ, أُولئكَ مُبرَّؤُونَ مِمّا يَقولُون، لَهُم مَغْفِرةٌ ورِزقٌ كريم)(١٠٣) هم: عليُ بن أبي طالب عليه السلام وأصحابُه وشيعتُه).
ثمّ خرج وهو يقول لمعاوية: (ذُقْ وَبالَ ما كسَبَت يداك وما جَنَت, وما قد أعدّ اللهُ لك ولَهم من الخزيِ في الحياة الدنيا والعذابِ الأليم في الآخرة!).
فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فَذُوقوا وَبالَ ما جنَيتُم!
فقال الوليد بن عُقبة: واللهِ ما ذُقنا إلّا كما ذُقت, ولا اجتَرأَ إلّا عليك!
فقال معاوية: ألم أقل لكم: إنّكم لن تَنتقصوا من الرجل؟! فهلّا أطعتموني أوّلَ مرّة فانتصرتم من الرجل إذ فضحكم, فواللهِ ما قام حتّى أظلم علَيّ البيت, وهممتُ أن أسطوَ به، فليس فيكم خيرٌ اليوم ولا بعد اليوم!
قال: وسمع مروانُ بن الحكم بما لقيَ معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن عليّ عليهما السلام, فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت, فسألهم:
ـ ما الذي بلَغَني عن الحسن وزعله؟
قال: قد كان كذلك.
فقال لهم مروان: أفَلا أحضرتُموني ذلك, فواللهِ لَأَسُبَّنَّه ولَأَسُبّنّ أباه وأهلَ البيت سبّاً تتغنّى به الإماء والعبيد!
فقال معاوية والقوم: لم يَفُتْك شيء. وهم يعلمون من مروان بَذْوَ لسانٍ وفحش.
فقال مروان: فأرسِلْ إليه يا معاوية. فأرسل معاوية إلى الحسن ابن عليّ.
فلمّا جاء الرسول قال له الحسن عليه السلام: (ما يريد هذا الطاغية منّي؟ واللهِ إن أعاد الكلام لَأُوقرنّ مسامعَه ما يبقى عليه عارُه وشَنارُه إلى يوم القيامة!). فأقبل الحسن, فلمّا جاءَهم وجَدَهم بالمجلس على حالتهم التي تركهم فيها, غيرَ أنّ مروان قد حضر معهم في هذا الوقت, فمشى الحسن عليه السلام حتّى جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص.
ثمّ قال الحسن لمعاوية: (لِمَ أرسلتَ إلَيّ؟).
قال: لستُ أنا أرسلتُ إليك, ولكنْ مروانُ الذي أرسل إليك.
فقال له مروان: أنت يا حسنُ السبّابُ لرجالِ قريش؟
فقال له الحسن: (وما الذي أردت؟).
فقال مروان: واللهِ لَأَسُبّنّك وأباك وأهلَ بيتك سَبّاً تتغنّى به الإماء والعبيد!
فقال الحسن عليه السلام: (أمّا أنت يا مروان, فلستُ سببتُك ولا سببتُ أباك, ولكنّ الله عزّ وجلّ لَعَنك ولعن أباك وأهلَ بيتك وذرّيّتَك, وما خرج مِن صلب أبيك إلى يوم القيامة, على لسان نبيِّه محمّد. واللهِ يا مروان ما تُنكر أنت ولا أحدٌ ممّن حضر، هذه اللَّعنةَ مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك ولأبيك مِن قَبلك، وما زادك اللهُ ـ يا مروان ـ بما خوّفَك إلّا طغياناً كبيراً, وصَدَق الله وصدق رسوله, يقول الله تبارك وتعالى: (والشَّجَرةَ الَملعونَةَ في القرآنِ ونُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إلّاطُغْياناً كبيراً)(١٠٤), وأنت ـ يا مروانُ ـ وذرّيّتُك الشجرةُ الملعونة في القرآن, وذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جَبرئيل عن الله عزّ وجلّ!).
فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمّد, ما كنتَ فَحّاشاً ولا طَيّاشاً. فنفض الحسن عليه السلام ثوبه وقام فخرج, فتفرّق القوم عن المجلس بِغيظٍ وحزن, وسوادِ الوجوه في الدنيا والآخرة!
* مفاخرة الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما على معاوية ومروان بن الحكم والُمغيرة بن شُعبة والوليد بن عُقبة وعُتبة بن أبي سفيان.
قيل: وفد الحسن بن عليّ عليهما السلام على معاوية فحضر مجلسه, وإذا عنده هؤلاءِ القوم, ففَخر كلُّ رجل منهم على بني هاشم, ووَضَعوا منهم, وذكروا أشياءً ساءت الحسنَ بن عليّ وبلغت منه.
فقال الحسن بن عليّ عليهما السلام: (أنا شعبةٌ مِن خيرِ الشُّعب, وآبائي أكرمُ العرب, لنا الفخرُ والنَّسَب, والسماحة عند الحَسَب, ونحن مِن خير شجرة, أنبتت فروعاً نامية, وأثماراً زاكية, وأبداناً قائمة, فيها أصل الإسلام وعِلمُ النبوّة, فعَلَونا حين شَمَخ بنا الفَخْر, واستَطَلْنا حين امتنع بنا العِزّ, ونحنُ بحورٌ زاخرةٌ لا تُنزَف, وجبالٌ شامخةٌ لا تُقهَر).
فقال مروان بن الحكم: مدحتَ نفسك, وشَمَختَ بأنفك, هيهاتَ هيهاتَ يا حسن, نحنُ واللهِ الملوكُ السادة, والأعزّة القادة, لا تَبَجّحَنْ, فليس لك عزٌّ مِثلُ عزِّنا, ولا فخرٌ كفخرنا. ثمّ أنشأ يقول:

شَفَينا أنفُساً طابَتْ وَقوراً * * * فنالَتْ عِزَّها فِيمَن يَلِينا
فأُبْنا بالغَنيمةِ حيثُ أُبْنا * * * وأُبْنا بالملوكِ مُقرَّنينا

ثمّ تكلّم مُغيرة بن شعبة فقال: نصحتُ لأبيك فلم يقبل النُّصح, ولولا كراهيةُ قطع القرابة لكنتُ في جملة أهل الشام, فكان يعلم أبوك أنّي أصدُر الورّاد عن مناهلها, بزعارة قيس, وحلم ثقيف, وتجاربها للأمور على القبائل.
فتكلّم الحسن عليه السلام فقال: (يا مروان, أَجُبناً وخَوراً وضَعفاً وعجزاً زعمتَ أنّي مدحتُ نفسي, وأنا ٱبنُ رسول الله, وشَمَختُ بأنفي وأنا سيّدُ شبابِ أهلِ الجّنة, وإنّما يبذخ ويتكبّر ـ وَيْلَك ـ مَن يريد رفع نفسه, ويتبجّح مَن يريد الاستطالة, فأمّا نحن فأهلُ بيت الرحمة, ومَعدِنُ الكرامة, وموضع الخِيَرة, وكنز الإيمان, ورمح الإسلام, وسيف الدِّين, ألا تَصْمِتُ ـ ثَكَلَتْك أُمُّك ـ قبلَ أن أَرميَك بالهوائل, وأَسِمَك بمَيسمٍ تستغني به عنِ ٱسمك! فأمّا إيابك بالنَّهاب والملوك: أفي اليوم الذي وَلَّيتَ فيه مهزوماً, وانخجرتَ مذعوراً, فكانت غنيمتُك هزيمتَك, وغدرُك بطلحة حين غدرتَ به فقتلتَه, قُبحاً لك ما أغلَظَ جِلدةَ وجهك!!).
فنكّس مروان رأسه, وبقيَ مغيرة مبهوتاً, فالتفت إليه الحسن عليه السلام فقال: (أعورَ ثَقيف! ما أنت مِن قريشٍ فأُفاخرَك, أجَهِلتَني يا وَيْحك؟! أنا ٱبن خِيرَة الإماء, وسيّدةِ النساء, غَذانا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلم الله تبارك وتعالى, فعَلِمنا تأويلَ القرآن, ومشكلاتِ الأحكام, لنا العزّةُ العليا, والفخر والسَّناء. وأنت من قومٍ لم يثبت لهم في الجاهليّة نَسَب, ولا لهم في الإسلام نصيب, عبدٌ آبق, ما له والافتخارَ عن مصادمة الليوث, ومجاحشة الأقران. نحن السادة, ونحن المَذاويد القادة, نحمي الذمار, وننفي عن ساحتنا العار, وأنا ٱبن نجيبات الأبكار. ثمّ أشرتَ زعمتَ إلى وصيِّ خير الأنبياء, وكان هو بعجزك أبصر, وبجَورك أعلم, وكنتَ للردِّ عليك منه أهلاً لو عزّك في صدرك, وبدو الغدر في عينك. هيهات لم يكن ليتّخذَ الُمضِلِّين عَضُداً. وزعمُك أنّك لو كنتَ بصِفِّين بزعارة قيس, وحلم ثقيف, فبماذا ـ ثَكلَتْك أُمُّك؟! ـ أبعجزك عند المقامات, وفرارك عند المجاحشات؟!
أما واللهِ لو التَفَتَ عليك من أمير المؤمنين الأجاشع, لَعلِمتَ أنّه لا يمنعه منك الموانع, ولَقامت عليك المرنّاتُ الهوالع.
وأمّا زعارة قيس: فما أنت وقيساً؟ إنّما أنت عبدٌ أبِق فثَقِف فسُمِّي ثقيفاً، فَاحْتَلْ لنفسك مِن غيرها, فلستَ مِن رجالها, أنت بمعالجة الشِّرك وموالج الزرائب أعرفُ منك بالحروب.
فأمّا الحِلم, فأيُّ الحلم عند العبيد القيون؟ ثمّ تمنّيتَ لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فذاك مَن قد عرفت: أسدٌ باسل, وسمٌّ قاتل, لا تقاومه الأبالسة عند الطعن والُمخالَسة, فكيف ترومه الضِّبْعان, وتناله الْجِعلان, بِمشْيتِها القَهْقرى.
فأمّا وُصلتك: فمنكورة, وقربتك: فمجهولة, وما رَحِمُك منه إلّا كبناتِ الماء من خِشْفان الظِّباء, بل أنت أبعدُ منه نسباً!).
فوثب المغيرة والحسن يقول ـ لمعاوية ـ: (اُعذُرْنا مِن بني أُميّة إن تجاوَزْنا بعدَ مُناطقة القيون, ومفاخرة العبيد).
فقال معاوية: اِرجِع يا مُغيرة, هؤلاءِ بنو عبدِ مَناف, لا تُقاومُهمُ الصناديد, ولا تُفاخِرهم الـمَذاويد!
ثمّ أقسم على الحسن عليه السلام بالسكوت, فسكت...
* ورُويَ أنّه لّما قَدِم معاوية بالكوفة قيل له: إنّ الحسن بن عليّ مرتفعٌ في أنفس الناس, فلو أمرتَه أن يقوم دون مقامك على المِنبر فتُدركه الحَداثة والعيّ فيسقط من أنفس الناس وأعينهم! فأبى عليهم وأبَوا عليه إلّا إن يأمره بذلك, فأمره, فقام دون مقامه في المنبر, فحَمِد الله وأثنى عليه, ثمّ قال:
(أمّا بعدُ أيُّها الناس, فإنّكم لو طَلَبتُم ما بينَ كذا وكذا لِتَجِدوا رجلاً جَدُّه نبيّ, لم تجدوا غيري وغيرَ أخي, وإنّا أعطينا صفقتَنا هذه الطاغيةَ ـ وأشار بيده إلى أعلى المنبر إلى معاوية, وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر! ـ ورأَينا حقنَ دماءِ المسلمين أفضلَ مِن إهراقها, (وإنْ أدري لَعلّه فتنةٌ لَكُم ومتاعٌ إلى حِين)). وأشار بيده إلى معاوية.
فقال له معاوية: ما أردتَ بقولك هذا؟
فقال: (ما أردتُ به إلّا ما أراد الله عزّ وجلّ).
فقام معاوية فخطب خطبة عِيِّيبةً فاحشة, فسبّ فيها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, فقام إليه الحسن بن عليّ عليهما السلام فقال له ـ وهو على المنبر ـ: (وَيْلَك يا ٱبنَ آكلةِ الأكباد! أوَ أنتَ تَسبّ أمير المومنين عليه السلام وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن سَبَّ عليّاً فقد سَبَّني، ومَن سَبَّني فَقَد سَبَّ الله, ومَن سَبَّ اللهَ أدخَلَه اللهُ نارَ جَهنّمَ خالداً فيها مُخَلّداً وله عذابٌ مقيم)؟!).
ثمّ انحدر الحسن عليه السلام عن المنبر ودخل داره, ولم يَصِل هناك بعدَ ذلك أبداً.
* احتجاج الحسن بن عليّ عليهما السلام على معاوية في الإمامة, مَن يستحقّها ومَن لا يستحقّها بعد مُضيِّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد جرى قبل ذلك إيراد كثير من الحُجج لعبد الله بن جعفر ابن أبي طالب وعبد الله بن عبّاس وغيرهما, على معاوية في الإمامة وغيرها, بمحضرٍ من الحسن عليه السلام والفضل بن عبّاس وغيرهما.
روى سُلَيم بن قيس قال: سمعتُ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال لي معاوية:
ما أشدَّ تعظيمَك للحسن والحسين! ما هما بخيرٍ منك ولا أبوهما بخيرٍ من أبيك, ولولا أنّ فاطمة بنتُ رسول الله لقلتُ: ما أُمُّك أسماءُ بنتُ عُمَيس بدونِها.
قال: فغَضِبتُ من مقالته وأخَذَني ما لا أملك, فقلت: أنتَ لَقليلُ المعرفة بهما وبأبيهما وأُمِّهما, بلى واللهِ إنّهما خيرٌ منّي, وأبوهما خيرٌ من أبي وأمُّهما خيرٌ من أُمّي, ولقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلامٌ فحَفِظتُه منه ورعيتُه.
فقال معاوية ـ وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام وابن جعفر رضي الله عنه وابن عبّاس وأخيه الفضل ـ: هاتِ ما سمعتَ! فَوَاللهِ ما أنتَ بكذّاب, فقال: إنّه أعظم ممّا في نفسك.
قال معاوية: وإن كان أعظمَ مِن أُحدٍ وحِرى(١٠٥), فآتهِ ما لم يكن أحدٌ من أهل الشام!! أمّا إذا قَتَل الله طاغيتَكم وفرّق جمعكم, وصار الأمر في أهله ومعدنه, فما نبالي ما قلتُم, ولا يضرّنا ما ادّعيتُم(١٠٦).
قال عبد الله بن جعفر: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا أَولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم, فَمن كنتُ أَولى به من نفسه فأنت يا أخي أَولى به من نفسه), وعليٌّ بين يديه في البيت والحسن والحسين وعمرو بن أُمّ سلمة وأُسامة بن زيد, وفي البيت فاطمة عليها السلام وأُم أيمن وأُبو ذرّ والمِقداد والزبير بن العوّام, وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عَضُده (أي علىٰ عضد عليٍّ عليه السلام) وأعاد ما قال فيه ثلاثاً, ثمّ نصَّ بالإمامة على الأئمّة تمام الاثنَي عَشَر عليهم السلام, ثمّ قال صلوات الله عليه:
(لِأُمّتي اثنا عشر إمامَ ضَلالة, كلُّهم ضالٌّ مُضِلّ, عشرة مِن بَني أُميّة, ورجلان من قريش, وِزْرُ جميعِ الاثنَي عشر وما أضلّوا في عُنُقِهما!), ثمّ سَمّاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمّى العشرة منهما.
قال معاوية: فَسمِّهم لنا, قال: فلانٌ وفلان, وصاحب السلسلة وابنُه من آل أبي سفيان, وسبعةٌ من وُلد الحكم بن أبي العاص, أوّلُهم مروان.
قال معاوية: لَئن كان ما قلتَ حقّاً هلكتُ وهلَكَتِ الثلاثةُ قَبلي (أي أبو بكرٍ وعمر وعثمان!) وجميعُ مَن تَولّاهم من هذه الأُمّة, ولقد هَلَك أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار والتابعين, مِن غيرِكم وأهلِ البيت وشيعتِكم.
قال ابن جعفر: فإنّ الذي قلتُ ـ واللهِ ـ حقٌّ سَمِعتُه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال معاوية ـ للحسن والحسين وابن عبّاس ـ: ما يقول ابنُ جعفر؟!
قال ابن عبّاس ـ ومعاوية بالمدينة أوّلَ سنةٍ اجتمع عليه الناس بعد قتل عليّ عليه السلام ـ: أرسِلْ إلى الذي سمّى. فأرسل إلى عمرو بن أُمّ سلمة وأُسامة, فشَهِدوا جميعاً أنّ الذي قاله ابن جعفر حقّ, وقد سَمِعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سَمِعه.
ثمّ أقبل معاوية إلى الحسن والحسين وابن عبّاس والفضل وابن أُمّ سلمة وأسامة وقال: كُلّكُم على ما قال ابن جعفر؟
قالوا: نعم.
قال معاوية: فإنّكم يا بَني عبد المطّلب لَتدّعون أمراً, وتَحتجّون بحُجّةٍ قويّةٍ إن كانت حقّاً, وإنّكم لَتُبصِرون على أمرٍ وتسترونه والناسُ في غفلةٍ وعَمى, ولَئن كان ما تقولونه حقّاً لقد هَلَكتِ الأُمّة ورَجَعت عن دينها, وكَفَرت بربِّها وجَحَدت نبيَّها, إلّا أنتم أهلَ البيت ومَن قال بقولكم, وأُولئك قليلٌ في الناس!
فأقبل ابن عبّاس على معاوية فقال: قال الله تعالى: (وقليلٌ مِن عِباديَ الشَّكُور)(١٠٧), وقال: (وقَليلٌ ما هُم)(١٠٨).
وما تَعْجَبُ منّي يا معاوية أعجَبَ من بني إسرائيل: أنّ السَّحَرة قالوا لفرعون (اِقْضِ ما أنتَ قاضٍ)(١٠٩) فآمنوا بموسى وصدّقوه, ثمّ سار بهم ومَن اتّبعَهم مِن بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم العجائب, وهم مصدِّقون بموسى وبالتوراة يُقرّون له بِدِينه, ثمّ مَرُّوا بأصنامٍ تُعبَد فقالوا: (يا مُوسَى ٱجْعَلْ لَنا إلهاً كما لَهُم آلِهةٌ, قالَ إنّكُم قَومٌ تَجْهَلُون)(١١٠), وعكفوا على العجل جميعاً غيرَ هارون, فقالوا: (هذا إلُهكُم وإلهُ مُوسى)(١١١), وقال لهم موسى ـ بعد ذلك ـ: (ادخُلُوا الأرضَ المُقدَّسة)(١١٢), فكان من جوابهم ما قصّ الله عزّ وجلّ عليهم: (قالَ رَبِّ إنِّي لا أَملِكُ إلّا نَفسي وأخي, فَافْرُقْ بَينَنا وبينَ القَومِ الفاسقين)(١١٣).
فما اتّباعُ هذه الأُمّة رجالاً سوَّدوهم وأطاعوهم, لهم سوابقُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنازل قريبة منها, وإصهاره مُقرّين بدينِ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن, حَملَهم الكِبرُ والحسد أن خالفوا إمامَهم ووليَّهم, بأعجبَ مِن قومٍ صاغوا مِن حِليِّهم عِجْلاً ثمّ عكفوا عليه يَعبُدونه ويسجدون له, ويزعمون أنَّه ربّ العالمين! واجتمعوا على ذلك كلُّهم غيرَ هارون وحدَه. وقد بقيَ مع صاحبنا الذي هو مِن نبيِّنا بمنزلة هارونَ من موسى من أهل بيته ناس: سلمان وأبو ذرّ والمِقداد والزبير، ثمّ رجع الزبير وثَبتَ هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتّى لَقُوا الله.
وتَعجَب يا معاويةُ أن سَمَّى الله مِن الأئمة واحداً بعدَ واحد, وقد نصّ عليهم رسول الله بغدير خم وفي غير موطن, واحتجّ بهم عليهم, وأمرهم بطاعتهم, وأخبر أنّ أوّلَهم عليُّ بن أبي طالب وليُّ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ مِن بَعدِه, وأنّه خليفته فيهم ووصيُّه. وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً يومَ مُؤتة فقال: (عليكم بجعفر, فإن هلك فزيد, فإن هلك فعبد الله بن رَواحة), فقُتِلوا جميعاً, أفتَرى يترك الأُمّةَ ولم يُبيِّن لهم مَن الخليفةُ بعدَه, ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة, كأنّ رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشدُ مِن رأيه واختياره؟! وما رَكِب القوم ما ركبوا إلّا بعدما بيّنه, وما تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمىً ولا شُبهة.
فأمّا ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على عليّ عليه السلام وكَذَبوا على رسول الله, وزعموا أنّه قال: إنّ الله لم يكن لِيجمعَ لنا أهلَ البيت النبوّة والخلافة! فقد شَبَّهوا على الناس بشهادتهم وكِذبِهم ومكرِهم!
قال معاوية: ما تقول يا حَسَن؟
قال: (يا معاوية, قد سمعتَ ما قلتُ وما قال ٱبن عبّاس, العجبُ منك ـ يا معاوية ـ ومِن قلّة حيائك, ومن جُرأتك على الله حين قلت: قد قَتَل اللهُ طاغيتَكم, وَردَّ الأمرَ إلى مَعدِنه! فأنت ـ يا معاويةُ ـ مَعدِن الخلافة دونَنا؟! ويلٌ لك يا معاويةُ وللثلاثة قَبلَك الذين أجلسوك هذا المجلس, وسَنُّوا لك هذه السُّنّة, لَأقولَنّ كلاماً ما أنت أهلُه, ولكنيّ أقول ليسمعه بَنُو أبي هؤلاءِ حولي.
إنّ الناس قد اجتمعوا على أُمورٍ كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها, ولا تنازعٌ ولا فُرقة, على: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله, وأنّ محمّداً رسول الله وعبده, والصلواتِ الخَمْس, والزكاةِ المفروضة, وصوم شهر رمضان, وَحَجّ البيت, ثمّ أشياء كثيرة من طاعة الله لا تُحصى ولا يَعدّها إلّا الله. واجتمعوا على تحريم الزنا, والسرقة, والكذب, والقطيعة, والخيانة, وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تُحصى ولا يَعدّها إلّا الله. واختلفوا في سُننٍ اقتتلوا فيها وصاروا فِرَقاً يلعن بعضُهم بعضاً, وهي: (الولاية), ويتبرّأ بعضهم عن بعض, ويقتل بعضهم بعضاً, أيُّهم أحقُّ وأَولى بها, إلّا فِرقةً تَتَّبع كتاب الله وسُنّةَ نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم, فمَن أخَذَ بما عليه أهلُ القِبلة الذي ليس فيه اختلاف, ورَدَّ عِلمَ ما اختلفوا فيه إلى الله، سَلِم ونجا به من النار ودخل الجنّة, ومَن وفّقه الله ومَنّ عليه واحتجّ عليه بأن نوّر قلبَه بمعرفة وُلاةِ الأمر مِن أئمّتهم ومعدنِ العلم أين هو, فهو عند الله سعيد, ولله وليّ, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رَحِم اللهُ امرأً عَلِم حقّاً فقال, أوَ سكت فسَلِم).
نحن نقول أهلَ البيت: إنّ الأئمّة منّا, وإنّ الخلافة لا تَصلح إلّا فينا, وإنّ الله جعلنا أهلَها في كتابه وسُنّة نبيّه, وإنّ العلم فينا ونحنُ أهله, وهو عندنا مجموعٌ كلُّه بحذافيره, وإنّه لا يَحْدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرشُ الخَدْش إلّا وهو عندنا مكتوبٌ بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبخطِّ عليٍّ عليه السلام بيده.
وزعم قومٌ أنّهم أَولى منّا, حتّى أنت يا ابنَ هند تَدعّي ذلك وتزعم أنّ عمر أرسل إلى أبي: إنّي أُريد أن أكتب القرآن في مصحف, فابعثْ إليَّ بما كتبتَ من القرآن. فأتاه فقال: (تضربُ واللهِ عُنقي قبلَ أن يَصِل إليك). قال: ولِمَ؟
قال: (لأنّ الله تعالى قال: (والراسِخُونَ في العِلْم)(١١٤), إيّاي عَنى ولَم يَعْنِك ولا أصحابَك!), فغضب عمر, ثمّ قال:
يا ٱبنَ أبي طالب, تَحسَب أنّ أحداً ليس عنده علمٌ غيرك, مَن كان يقرأ من القرآن شيئاً فَلْيَأتِني به, إذا جاء رجلٌ فقرأ شيئاً معه يُوافقه فيه آخَر كَتَبه, وإلّا لم يكتُبْه.
ثمّ قالوا: قد ضاع منه قرآنٌ كثير! بل كَذِبوا واللهِ بل هو مجموعٌ محفوظ عند أهله.
ثمّ أمر عمر قُضاتَه وولاته: اِجتهدوا آراءَكم, واقضُوا بما تَرَون أنّه الحقّ. فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة, فيُخرجهم منها أبي ليحتجّ عليهم بها. فتجمّع القضاة عند خليفتهم, وقد حكموا في شيءٍ واحدٍ بقضايا مختلفة, فأجازها (أي عمر) لهم, لأنّ الله تعالى لم يُؤتِه الحكمة وفصلَ الخطاب, وزعم كلُّ صنفٍ مِن مُخالفينا من أهل هذه القبلة أنّهم مَعدِن الخلافة والعلم دونَنا! فنستعين بالله على مَن ظلَمَنا وجحَدَنا حقَّنا, ورَكبَ رقابَنا, وسَنَّ للناس علينا ما يَحتجّ به مِثلُك! وحَسْبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيل.
إنّما الناسُ ثلاثة: مؤمنٌ يَعرِف حقَّنا, ويسلّمُ لنا ويأتمّ بنا, فذلك ناجٍ مُحِبٌّ لله وليّ.
وناصبٌ لنا العداوةَ يَتبّرأ منّا ويَلعنُنا, ويستحلّ دماءَنا ويجحد حقَّنا, ويَدينُ اللهَ بالبراءة منّا, فهذا كافرٌ مشرك, وإنّما كَفرَ وأشرك مِن حيثُ لا يعلم, كما سبّوا اللهَ عَدْواً بغيرِ عِلم, كذلك يُشرك بالله بغير علم.
ورجلٌ أخذ بما لا يُختَلَف فيه, ورَدَّ علمَ ما أشكل عليه إلى الله, مع ولايتِنا، ولا يأتمّ بنا ولا يُعادينا ولا يعرف حقَّنا, فنحن نرجو أن يَغفرَ الله له, ويُدخِلَه الجنّة, فهذا مسلمٌ ضعيف)(١١٥).
وهكذا تظهر في هذه المواقف المناظراتيّة الاحتجاجيّة تلك العزّة التي وهَبَها الله تبارك وتعالى لرسوله وللمؤمنين, وخصَّ بها أهل البيت النبويّ الشريف, حيث جلّلهم الله عزّ وجلّ بكراماته, وهِباته, ومواهبه اللَّدُنيّة من: العلم والمعرفة, والإيمان والتقوى, والعبادة والإخلاص, والطاعة والعصمة.. وتلك هي موجبات العِزّ الإلهيّ:
* قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن أراد أن يكون أعزَّ الناس فَلْيَتَّقِ اللهَ عزّ وجلّ)(١١٦).
* وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (لا عِزَّ أعزُّ مِن التقوى)(١١٧), وتلك مناجاته الخالدة: (إلهي كفى بي عِزّاً أن أكونَ لك عبداً, وكفى بي فَخْراً أن تكونَ لي ربّاً)(١١٨).
ومَن هم أتقى لله, وأعبدُ لله, وأطوع لله, من أهل بيت رسول الله؟! وذلكم الحسن الزكيّ صلوات الله عليه هو الناصح للناس يقول لأحدهم: (إذا أردتَ عِزّاً بلا عشيرة, وهيبةً بلا سلطان, فاخرُجْ مِن ذُلِّ معصية الله إلى عِزِّ طاعة الله عزّ وجلّ)(١١٩).
هذا لِـمَن خرج من ذُلّ معصية الله عزّ وجلّ ثمّ دخل في طاعة الله جَلّ وعزّ, فكيف بِمَن كان أنزهَ مِن أن يَخطُر في خَلَدِه القدسيّ نيّة أو خطورٌ من نوايا معصية الله وخُطوراتها؟! وكيف بمَن تعهّدت الإرادةُ الإلهيّة العظمى بتطهيره تطهيراً يُدفَع به كلُّ رجسٍ عنه؟!
إنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عاش هو الأعزَّ بين الناس: عند الله تعالى وفي نفسه المقّدسة وإن تجاوز الآخَرون على حُرمته, فكان منه العِزّة التي ظهرت في حالاتٍ عديدة, منها:
ـ الافتخار بنسَبه الأقدس وحَسَبه الأسمى, والغَيرة عليهما.
ـ البيان لحقائق الإسلام الحنيف في رسوله الأكرم ورسالته العظمى.
ـ الرّد على جسارات الحاقدين, وعلى مكائد المدّعين المحتالين الغاصبين, وعلى نفاق المنافقين، والفضحُ لأساليب الماكرين, ونوايا الجاهليّين.
فكان في أجوبته وردوده سلام الله عليه عزّةٌ للدين, وتوعيةٌ للمسلمين, كما كان فيها حفظٌ لكرامة آل النبيّ الصادق الأمين صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الميامين.


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) مُذْقة الشارب: شَرْبتُه، أو مقدار ما یذوقه، كنایة عن القلّة.
(٢) نُهزة الطامع: فرصته، أو موضع طمعه، كنایة عن الضَّعف والذلّة.
(٣) قُبسة العجلان: شعلة النار الضئیلة، كنایة عن الحقارة.
(٤) الطَّرْق: ماء المطر الذي تبول فيه الدوابّ والإبل وتبعر.
(٥) تأكلون ورق الأشجار.
(٦) الاحتجاج: ١٠٠.
(٧) سورة یونس: ٦٥.
(٨) سورة النساء: ١٣٩.
(٩) سورة فاطر: ١٠.
(١٠) سورة آل عمران: ٢٦.
(١١) سورة المنافقون: ٨.
(١٢) الكافي ٨: ٢٣٤ / ح ٣١٠. والفَلْج: الظَّفَر.
(١٣) الكافي ٥: ٦٣ / ح ١، تهذیب الأحكام للطوسيّ ٦: ١٧٩ / ح ٣٦٧، مشكاة الأنوار ١: ١٠٩ / ح ٢٣٦ ـ عنه: بحار الأنوار ١٠٠: ٩٢ ـ ٩٣ / ح ٨٩.
(١٤) إقبال الأعمال: ٦٢٨ ـ عنه: بحار الأنوار ٩٨: ٢٢٠ / ح ٣. وفي نسخة: (وأولياؤُه بِعِزِّه يَتعزَّزون).
(١٥) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١٢ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٦) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١٢ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٧) بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٥ / ح ١٢ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٨) سورة الفتح: ٢٩.
(١٩) سورة التوبة: ٧٣.
(٢٠) جامع السعادات ١: ٢٠٨.
(٢١) تحف العقول: ١٦٢ ـ ١٦٣.
(٢٢) بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٣ / ح ١٦ ـ عن: مناقب آل أبي طالب ٢: ١٥٦. ورواه الخوارزميّ الحنفيّ في (مقتل الحسین عليه السلام: ١٩٢ ـ ١٩٣ / ح ١٠١) وفیه: فقال الحسن: (لقد رَدَدتُها علیك وأنا ابنُ فاطمة).
(٢٣) قال ابن أبي الحدید: كانت هند تُذكر في مكة بفجورٍ وعَهر ـ ثمّ ذكر لها أموراً! (شرح نهج البلاغة ١: ١١١). وقال القاضي النعمان: وكانت من العواهر اللواتي یتحزّبن علیٰ أعینهنّ، وكان أحبّ الرجال إلیها السودان! (المناقب والمثالب: ١٥٩).
(٢٤) سورة الممتحنة: ١٢.
(٢٥) مجمع البیان ٥: ٢٧٦ ـ في ظلّ الآیة الشریفة، عنه: بحار الأنوار ٢١: ٩٨ ـ باب فتح مكّة، تفسير نور الثقلين ٥: ٣٠٩ / ح ٣٥. يراجع أيضاً: تذكرة خواصّ الأمّة: ١١٤ ـ ١١٧، وشرح نهج البلاغة ٢: ١٠٢، والفخريّ لابن الطقطقيّ: ٧٤، وجمهرة رسائل العرب: ٥٥٤.
(٢٦) یراجع في شأن هند وابن هند: سفینة البحار ٤: ٨٥٣ ـ ٨٥٤، والاستیعاب ٤: ٤٢٤، والإصابة ٤: ٤٢٥، ومجمع البیان ١: ٤٩٦، والمناقب والمثالب: ١٥٩، وشرح نهج البلاغة ١: ١١١ و٣٣٦، والطبقات الكبریٰ ٨: ١٧٠، أسد الغابة ٥: ٥٦٢، ومجمع الزوائد ٦: ٢٦٤، والأعلام للزكليّ ٧: ٩٨، والغدیر ١٠: ١٧٠ ـ ١٧١، والأسرار فيما كُنّي وعُرِف به الأشرار ١: ١٣٦ ـ ١٣٨ و٤: ٢٩٦ ـ ٢٩٧.
(٢٧) أي حفیداه من ابنته الصدّیقة الكبریٰ صلوات الله علیها وعليهما.
(٢٨) أخرجه الحاكم النیسابوريّ الشافعيّ في باب: فضائل الحسن بن عليّ من (مستدركه على الصحیحین)، والهیثميّ الشافعيّ في باب: فضائل أهل البیت من (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، والنصّ المبارك جاء في خُطبةٍ له عليه السلام خطب بها الناس بعد شهادة والده أمیر المؤمنین عليه السلام.
(٢٩) حلیم آل البیت: ٦١ ـ ٧٠.
(٣٠) یراجع أیضاً: بصائر الدرجات: ١٢ / ح ١ ـ ٣، الباب ٧ من الفصل الأوّل.
(٣١) سورة ص: ٨٨.
(٣٢) سورة آل عمران: ٣٤.
(٣٣) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٥ / ح ٣٣ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(٣٤) سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢١٨ ـ ٢١٩.
(٣٥) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ١٠٣ ـ ١٠٤ / ح ١١. ورواه: الإربلّيّ في (كشف الغمّة ٢: ١٩٧), والجاحظ في (المحاسن والأضداد: ١١٣) وفيه: لا تَزيغُ سبيلُهُ, والبيهقيّ في (المحاسن والمساوي: ٨٢) وفيه: ما تَخونُ سبيلُهُ ـ والصِّدقُ يَعرِفُه. وبَلَج الصبح: أضاء وأشرق, وكلّ متّضِحٍ فهو أبلج. وسبيلُه الحقّ: أي غيرمظنون.
(٣٦) بالنسبة إلیٰ جَدّاته اللَّواتي لم يكنّ معصومات, ولكنّهنّ بين النساء هُنّ الفُضلَيات الطاهرات. لعلّه هذا هو القصد, وهو عليه السلام له المعنیٰ والقصد.
(٣٧) العَجَم: كلّ الأقوام الذين هم ليسوا عَرَباً , الواحد عَجَميّ.
(٣٨) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي ٢: ٧٢, مثير الأحزان لابن نما: ٥٨.
(٣٩) حليم آل البيت: ٧١ ـ عن: سِير أعلام النبلاء للذهبيّ.
(٤٠) فيض القدير ٤: ٣٥٦ / ح ٥٩٩٣: (عليٌّ عَيبةً عِلمي) ـ عن شرح الحمزيّة.
(٤١) فضائل الصحابة ٢: ٦٧٥ / ح ١١٥٣, مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازليّ: ٣٤ / ح ٥٢, ذخائر العقبیٰ: ٧٩.
(٤٢) العقد الفريد ٥: ٨٧, وقريب منه: تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٤٠ ـ ترجمة الإمام عليّ عليه السلام. ويراجع كتاب: الإمام عليّ عليه السلام في آراء الخلفاء, للشيخ مهدي فقيه إيمانيّ: ١٤٩ ـ ١٦٧.
(٤٣) شرح نهج البلاغة ١١: ٢٥٤, ربيع الأبرار ٣: ٨٠ ـ الباب ٥٢.
(٤٤) الإرشاد للشيخ المفيد: ١٩١.
(٤٥) مقاتل الطالبيّين: ٤٦.
(٤٦) الاحتجاج: ٢٨٢. ونُثَيلة كانت أَمَةً لأمّ الزبير.
(٤٧) يبدو من هذه العبارة أنّ عَمراً كان يقود معاوية ويدفع به إلیٰ حيث يريد.
(٤٨) هنا بمعنیٰ أنّه خاف من عاقبة ما يزجّه إليه عمرو.
(٤٩) العَيّ: العجز عن الكلام، والانقطاع.
(٥٠) هذا حال عمرو وأمثال عمرو, فإنّهم كانوا يتكلّمون في أمورٍ لا يدركون في أيّ دركٍ ستُوقعهم!
(٥١) وهنا تغلّب خبثُ معاوية علیٰ خوفه, بعدما حفّز عمرو أحقاده الجاهليّة.
(٥٢) يُريد بذلك التظاهرَ بأنّه أعلیٰ شأناً, فيوجّه أمرَه إلیٰ وليّ الله عليه السلام, كما يُريد أن يُحرج الإمامَ الحسن عليه السلام بهذه المفاجئة الغادرة, وقد خيّب الله تعالیٰ ظنَّه السيّء كما خيّب كلَّ جهوده الماكرة.
(٥٣) ربّما أراد أن يُشير إلیٰ دين الحنيفيّة الإبراهيميّة الشريفة, (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) *-/سورة الحج: ٧٨*/-.
(٥٤) حيث قضیٰ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علیٰ فتن الجاهليّة وحروبها الحمقاء.
(٥٥) سورة الأنبياء: ١٠٩ ـ ١١١.
(٥٦) أي هَجَره وقاطعه.
(٥٧) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٩٤ ـ ١٩٥ / ح ٣٢٣.
(٥٨) نفسه: ١٩٦ / ح ٣٢٤.
(٥٩) الخرائج والجرائح ١: ٢٣٦ ـ ٢٣٨ / ح ٢ ـ الباب الثالث في معجزات الإمام الحسن عليه السلام ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ٨٨ ـ ٩٠ / ح ٢. ورویٰ قطعةً منه: أبو الفرج الأصفهانيّ في (مقاتل الطالبيّين: ٤٧ بإسناده إلیٰ إسماعيل بن عبد الرحمان).
(٦٠) الفه: الكليل اللّسان، العيّ عن حاجته.
(٦١) العقد الفريد ٤: ١٩ ـ باب مجاوبة الحسن بن عليّ لمعاوية وأصحابه.
(٦٢) سورة الأنبياء: ١١١.
(٦٣) سورة الشعراء: ٢٠٥ ـ ٢٠٧.
(٦٤) الاحتجاج: ٢٨١ ـ ٢٨٢, عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٣ ـ ٣٥٤ / ح ٣١.
(٦٥) سورة المائدة: ٨٧.
(٦٦) الشكّ والتردّد من الراوي. قال سبط ابن الجوزيّ بعد ذِكر هذا الحديث: أخرجه مسلم ـ أي في صحيحه ـ عن ابن عبّاس.
(٦٧) سورة البقرة: ٢٠٧.
(٦٨) سورة المائدة: ٥٥.
(٦٩) سورة الكوثر: ٣.
(٧٠) ابن عقبة.
(٧١) سورة السجدة: ١٨.
(٧٢) ولحسّان غديريّة أيضاً شَهِد فيها وأقرّ للإمام عليٍّ عليه السلام بإمرة المؤمنين وخلافته لرسول ربّ العالمين, ثمّ ما فتئ أن تنكّر لدِينه وعقله، ولم يبايع إلّا الغاصبين!
(٧٣). تذكرة خواصّ الأمّة: ٢٦٠ ـ ٢٦٣, الباب الثامن ـ ذِكرُ ما جریٰ له (للحسن عليه السلام) بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام.
(٧٤) للتعرّف علیٰ شخصّيته وعلميّته يراجع: سفينة البحار ٤: ٢٤٢ ـ ٢٤٣, باب كَلَب.
(٧٥) وهو الذي رویٰ عنه ابن هشام (السيرة النبويّة).
(٧٦) للتعرّف على عقائد الخوارج ومواقفهم وأحوالهم يُراجَع: سفينة البحار ٢: ٣٢ ـ ٣٥, وموسوعة الفِرق الإسلاميّة للدكتور محمّد جواد مشكور: ٢٣٨ ـ ٢٤٠, والخوارج.. أصولٌ وعقائد لحبيب طاهر الشمّريّ.
(٧٧) ذُكِرت لها ترجمة وافية في كتاب (الأسرار فيما كُنّي وعُرِف به الأشرار ١: ٩٠ ـ ٩٢ و٢: ٣٥ ـ ٣٦).
(٧٨) تذكرة خواصّ الأمّة: ٢٦٩ ـ ٢٧١, الباب الثامن: ذِكر ما جریٰ بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام.
(٧٩) الخَلوق: ضربٌ من الطِّيب.
(٨٠) وقعة صفِّين لابن مُزاحم: ٢٩٧. وقريب منه باختصار شديد عن عبد الله بن عمر ـ ولعلّه تصحيف ـ رواه ابن شهرآشوب في (مناقب آل أبي طالب ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٥ / ح ١٨).
(٨١) يُذكّره الإمام المجتبیٰ عليه السلام بسوابقه الحسنة, تنبيهاً له عن انحرافه, وترغيباً له في العودة إلیٰ صفّ الحقّ, أو حُجّةً له بعد عناده!
(٨٢) سورة التوبة: ١٠٢.
(٨٣) سورة المطفّفين: ١٤.
(٨٤) العقد الفريد ٤: ١٠٥ـ في مجاوبة الحسن بن عليٍّ لمعاوية وأصحابه, نشـر دار الكتب العلميّة, ط ٣ سنة ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧م, بتحقيق الدكتور عبدالمجيد الترحينيّ.
(٨٥) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٧: ٢٤٧.
(٨٦) سورة الإسراء: ٦٤.
(٨٧) مناقب آل أبي طالب ٢: ١٥٩.
(٨٨) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٨٧ ـ ٢٨٨ / ح ٧٣٠, فرائد السمطين ١: ٣٦٥ / ح ٢٩٣.
(٨٩) مناقب الأسد الغالب, لشمس الدين بن الجزريّ: ١٩ / ح١١.
(٩٠) أنصح إخوتي الأحبّة مراجعة كتاب (عليّ ميزان الحقّ) تأليف: محمّد گوزل الآمديّ.
(٩١).صفيّ الدين الحلّيّ.. حياته وشعره, إعداد: ضحى عبد العزيز.
(٩٢) سورة المائدة: ٨٧، ٨٨.
(٩٣) سورة الفتح: ٢٥.
(٩٤) الأسراء: ٦٠.
(٩٥) سورة القدر: ٣.
(٩٦) سورة الكوثر: ٣.
(٩٧) سورة السجدة: ١٨.
(٩٨) سورة الحجرات: ٦.
(٩٩) سورة الغاشية: ٣ ـ ٦.
(١٠٠) أشار الإمام عليه السلام في كلامه هذا إلیٰ ما نُشر وفاضت به السِّير والتواريخ صراحةً أو تلميحاً, مِن أنّ المُغيرة بن شعبة زنا بأمّ جميل حين كان والياً على البصرة مِن قِبل عمر بن الخطّاب, وكتبوا بذلك إلیٰ عمر، فكتب إليه وإلى الشهود جميعاً أن يحضـروا عنده, فلمّا قَدِموا صفّهم, ودعا أبا بكرة فأثبت الشهادة وقال بأنّه رآه يُدخِل كما يدخل المِيل في المكحلة! و(قال): لَكأنّي أنظر إلیٰ أثر الُجدَريّ بِفَخِذ المرأة. ثمّ دعا نافعاً وشبلَ بن معبد فشَهِدا بِمثل ما شهد به أبو بكرة, ثمّ دعا زياداً وهو الشاهد الرابع فقال له: إنّي لَأریٰ وجه رجل ما كان الله يُخزي رجلاً من المهاجرين بشهادته, أو قال: أما إنّي أریٰ رجلاً أرجو أن لا يُرجَم رجلٌ من أصحاب رسول الله علیٰ يده ولا يُجزیٰ بشهادته. يُوحي بذلك إلیٰ زياد بالعدول عن الشهادة ليدرأَ الحدَّ عن المغيرة, فقال: شبل بن معبد ثالث الشهود: أفتَجلد شهود الحقّ وتُبطل الحدَّ أحبُّ إليك يا عمر؟ فقال عمر ـ لزياد ـ: ما تقول؟ فقال: قد رأيتُ منظراً قبيحاً, ونَفَساً عالياً, ولقد رأيتُه بين فَخِذَيِ المرأة, ولا أدري هل كان خالَطَها أم لا؟ فقال عمر: اَللهُ أكبر! فقال المغيرة: اَلله أكبر, الحمد لربِّ الفلق, واللهِ لقد كنتُ علمتُ أنّي سأخرج عنها سالماً, فقال له عمر: اُسكتْ, فواللهِ لقد رأَوك بمكان سوء، فقبّح الله مكاناً رأَوك فيه! وأمر بجلد الشهود الثلاثة, فقال نافع: أنت والله يا عمرُ جلدتَنا ظُلماً, أنت رددتَ صاحبنا أن يشهد بِمِثل شهادتنا, أَعلمتَه هواك فاتّبعَه, ولو كان تقيّاً لكان رِضى الله والحقُّ عنده آثرَ مِن رضاك. فلمّا جَلَد أبا بكرة قام وقال: أشهد لقد زنیٰ المغيرة. فأراد عمر أن يجلده ثانياً فقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: (إن جلدتَه رجمتُ صاحبَك!) (من محقّق: الاحتجاج، السيّد محمّد باقر الموسويّ الخرسان).
(١٠١) سورة الأنبياء: ١١١.
(١٠٢) سورة الإسراء: ١٦.
(١٠٣) سورة النور: ٢٦.
(١٠٤) سورة الإسراء: ٦٠.
(١٠٥) جَبلانِ في الحجاز.
(١٠٦) هكذا يتجاسر معاوية علیٰ حُرمة أهل البيت عليهم السلام, ويتكلّم بنَفَس الملوكيّة والتسلّط وحبّ الرئاسة وغرورها. وللمزيد من التعرّف علیٰ شخصيّة معاوية لا بأس بمراجعة: كتاب (النصائح الكافية لِـمَن يتولّیٰ معاوية) للسيّد محمّد بن عقيل العلويّ (ت١٣٥٠هـ), وكتاب (معاوية) لعبد الباقي قرنة الجزائريّ، وكتاب (معاوية الثاني) للمؤلّف: ٤٠ ـ ١٠١.
(١٠٧) سورة سبأ: ١٣.
(١٠٨) سورة ص: ٢٤.
(١٠٩) سورة طه: ٧٢.
(١١٠) سورة الأعراف: ١٣٨.
(١١١) سورة طه: ٨٨.
(١١٢)سورة المائدة: ٢١.
(١١٣) سورة المائده: ٢٥.
(١١٤) سورة آل عمران: ٧.
(١١٥) الاحتجاج: ٢٦٩ ـ ٢٨٨. وللمزيد يراجع: بحار الأنوار ١٠: ١٢٩ ـ ١٤٩, باب مناظرات الحسن والحسين صلوات الله عليهما واحتجاجاتهما.
(١١٦) بحار الأنوار ٧٠: ٢٨٥ / ح ٨ ـ عن: كنز الفوائد للكراجكيّ.
(١١٧) نهج البلاغة / الحكمة٣٧١.
(١١٨) الخصال: ٤٢٠ / ح ١٤ ـ باب التسعة, عنه: بحار الأنوار ٧٧: ٤٠٢ / ح ٢٣.
(١١٩) كفاية الأثر: ٢٢٦ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ١٣٩ / ح ٦.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل