البحوث والمقالات الحسنية

 

المقالات (٥٧) البوح المشتهى

القسم القسم: البحوث والمقالات الحسنية الشخص الكاتب: الاستاذ فرات الأسدي التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠٩/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ٥٥٥ التعليقات التعليقات: ٠

المجتبى عليه السلام بين وميض الحرف و وهج القافية

(البوح المشتهى)

الاستاذ فرات الأسدي

نضّر الأرضَ أيّها الحسنُ * * * يدهشِ الخلد تنبهرْ عدَنُ
ويمدّ الورد الخطى ولهاً * * * والينابيع تُروَ والمُزن
ويُرقْ دورقُ الفتون شذىً * * * أخضر الرُّوح جسمه الفنن
والربيع البهيُّ أغنيةٌ * * * والعناقيدُ لحنُها وطن 
كم تثنّى نبضُ الأسى فرحاً * * * في يديها وأورق الشجن 
في جدار البقيع في مدنٍ * * * حيثُ لا غير حزنها مدن 
وغفا الحلم أو صحا الوسنُ * * * وانطوى الزمنُ 
نضّر الحسن مرّةً * * * يشتعلْ عالم الترابْ 
بالمواويل غضّة * * * وحكايا اللظى العذاب 
وبقايا خبيئةٍ * * * دونها سُدَّ ألف باب 
ليفيق الثرى على * * * وجعٍ جامح الرِّغاب 
أيُّها المترف الخطى * * * أيٌّها الفتنة العُجاب 
يا أخ النهر مولداً * * * يا رؤى البحر والعبابْ

دونك الزمن
والمدى سفن
أطلق الخصب فهو مرتهنُ
يولَد النوء يختزن

يا رائع المجتلى بي للهوى ظمأُ * * * يكاد لولا ولاك العذب ينطفئ 
تَلهُّفُ الرملِ للأمطار قافيتي * * * تَتوهُ ثم إلى لقياك تلتجئ 
سفحتَ جمري واستبقيت صبوتَهُ * * * يا ليتها دون نار الوجد تختبئ 
الحبّ وجهك يندى كبرياء هوىً * * * ولي من الخوف وجهٌ رشّه الصدأ 
ولي من العمُرِ المجدورِ اُمنيةٌ * * * خرساءُ قبل صداها الصمتُ مُهترئ 
تكاد لولا ولاكَ العذب تنطفئ * * * وفي متيه الزمان المسخ تنكفئ 

احمل الشمسَ في مقلتيك فإنّ الشتاء يكاد يضيق بليل الضياع المجدّر وجه
المصابيح والعتمات تمزّق تاريخنا
احمل البحرَ في شفتيك ومرّ على الماء زنبقةً ومدى دون جنحين من زهرات
الفراشات في يثرب الشاحبة
احمل الحبَّ بين يديك ورُشّ به تلعاتِ الضغينة وارتدْ بزهوك ذلّ حقول قريش
اليبيسة أطلق ينابيعك الفرحة
احمل الطفلَ في وجهك النبويّ البريء وباركْ به النظرات وأيقظْ لغاتِ العيون
الكسيرة أطلقْ حروف القناديل من كلّ معنى دنيء
إبتكرْ حُلمنا أيُّهذا الفتون الوضيءْ
أيّها الماثلُ الآن في الرُّوح يا مبدأ الحبّ والمنتهى
أيّها الرائع المشتهى
أيّها البوح في دمنا العلويّ المرقرَقِ بين المياه ونيرانها أيّها الجرح يا سيّد العنفوانْ
لك في مقلتيّ بريقُ الكلام وفي سرّي الهمس والاُغنيات الحِسان
صمتتْ بعد أن راود الشوك أجفانها بنعاس الضغينهْ
خرستْ بعد أن سرّبتها الحرائق خلف جدار البقيع الأصمّْ
آهِ يا سيّد الحزن يا وجهنا الأبديَّ الذي يصلُ النبعَ بالدمع والموت بالفرح المستبدّْ
آهِ يا ذاهل الشدو يا رائع الخطوات الشهيده
آه يا موتنا المتشظّي المؤرّخ عصر الرمادْ
لم يكن غير أن تحمل الشمس في اُفقيك وأن تتهاوى النهارات خلف حصاد السيوفْ
لم يكن غير أن تُودِع النهر في قدميك وأن تتوضّأ منك التواريخُ بالعشب واللّهفة اليانعهْ
لم يكُنْ غير أن تحمل الخصب ما بين يوميك ثمّ تسرّبُه للشهاده
لم يكن غير أن تمنح الأرض ميلادها..
لم يكن غير أن:
أوقظَ اللّغة المستعادهْ
• الاستاذ فرات الأسدي
فرات الأسدي -شاعراً- مشغول بالكثافة على حساب كلّ الأبعاد والإمكانات الاُخرى، وهذه الكثافة داخلة في كلّ مستويات النصّ صوتاً ونحواً وصرفاً وتركيباً ودلالة وترميزاً، ممّا يعسّر على المحاولة النقدية المختصرة أن تنصفه وتعطيه حقّه، وكذا الحال بالنسبة إلى القراءة المتعجّلة والتلقّي السريع.
ولأنّه يسحب هذا المفهوم المكاني(الكثافة) إلى أرضيّة الشعر الذي لا يتعاطى مع المكان إلاّ تجوّزاً فستبدو الصعوبة شاخصة في الاقتراب من نصّه، ففرات الأسدي مشغوف بفنّ العمارة وهو أكثر الفنون التصاقاً بالمكان، فنرى الحسّ المعماري يطغى على نصوصه ومن هنا تبدو المفارقة، فمعظم الأدوات الشعرية زمانية -فعلاً وأداءاً وتأثُّراً- فينتج من هذا التضادّ حاجز سميك في عملية توصيل النص.
وسنلاحظ في هذه القصيدة(البوح المشتهى) أنّ فرات الأسدي قد أعمل حسّه المعماري المكاني على الإيقاع الشعري الزماني، وقبل هذا لنشرح العلاقة بين الكثافة - كمفهوم فيزيائي - وبين المكان - كمفهوم فلسفي - وكيف يلتقيان عند فرات الأسدي في معالجته الجمالية لهذا الالتحام كأداة تتمثّل في الكتلة التي يقاربها الشاعر -تنظيماً وترتيباً وتوحيداً- فتتجلّى عنده كحسّ معماري يعامل المواد التعبيرية الأوّليّة على أساسه في تجربته الشعرية، فينبري للتصدّي للبنية الإيقاعية من خلال استخدامه لخمسة أوزان شعرية هي(الخفيف المهذّب - هذا المصطلح أطلقه العلاّمة الدكتور مصطفى جمال الدين في كتابه الإيقاع في الشعر العربي لصيغة: فاعلاتن مستفعلن فعلن من بحر الخفيف - الخفيف المجزوء، المتدارك المنهوك، المتدارك المجزوء، البسيط) ليصل بعدها إلى كتابة بقية القصيدة شعراً حرّاً مدوّراً على بحر المتدارك.
ولو نظرنا إلى هذا التراسل بين الأوزان الخمسة التي نظّم عليها الشاعر عمودياً لرأينا ما يلي:
١ - من:

نضّر الأرض أيّها الحسن * * * يُدهش الخلد تنبهر عدنُ

إلى:

في جدار البقيع في مدن * * * حيث لا غير حزنها مدن 

تنتظم تفعيلاتها على بحر الخفيف المهذّب:

فاعلاتن مستفعلن فعلن * * * فاعلاتن مستفعلن فعلن 

مع خبن(فاعلاتن) لتصبح(فَعِلاتن) أحياناً وكثرة خبن(مستفعلن) لتصبح(مَفاعِلُن).
والخبن كما هو معروف زحاف يحذف به الحرف الثاني الساكن من التفعيلة فتصبح(مستفعلن = مُتَفْعِلُنْ) وتتحوّل للتسهيل إلى(مَفاعِلُنْ) وكذلك(فاعلاتن = فَعِلاتُنْ، فَاعِلُنْ = فَعِلُنْ).
٢ - إفراد شطر(وغفا الحلمُ أو صحا الوسنُ) بخبن(فاعلاتن ومستفعلن) ليصبح وزن الشطر:
فَعِلاتن مَفاعِلُن فَعِلُنْ
من بحر الخفيف المهذّب أيضاً.
٣ - الإتيان ببحر المتدارك المنهوك مع خبن(فاعِلُنْ) لتصبح(فَعِلُنْ) هكذا: وانطوى الزمنُ: فاعِلُنْ فَعِلُنْ.
ليكون البناء الإيقاعي متوافقاً على وحدة(فاعلن فعلن) الموجودة أيضاً في نهاية بحر الخفيف المهذّب بالشكل الآتي:
فاعلاتن م‍(فاعلن فعلن).
ومع الالتفات لوحدة حرف الروي في التركيبين وهو حرف النون المضموم، تتراسل البنيتان إيقاعاً ولحناً تحت إشراف الحسّ المعماري الذي يشغل الشاعر آلياته بكثافة أيضاً، وكأنّها كتل كونكريتية أو قطع من الآجر المتساوية الأحجام يبني بها الشاعر هيكل القصيدة وواجهاتها المطلّة على ساحة التلقّي.
٤ - بعد أن أحدث الشاعر توافقاً على نهايات الأجزاء أو الأبيات أو الأشطر يعود ثانية إلى بداياتها ليورد من بحر الخفيف المجزوء المذيّل مقطوعة بستّة أبيات تبدأ:

نضّر الحسن مرّة * * * يشتعل عالم التراب

ووزنها:

فاعلاتُنْ مَفَاعَلُنْ * * * فاعِلاتُنْ مَفَاعِلانْ

وهي صيغة تتفق مع ما ورد أوّلاً من بحر الخفيف المهذّب(فاعلاتن مفاعلن فعلن) في التفعيلتين الأوّليتين(فاعلاتن، مفاعلن).
ومع إيراد فعل الأمر نفسه(نضّر) يريد الشاعر أن يلفت انتباهنا لما يقصد، ومع استخدام للفظة(الحسن) التي ناداها في المقطع الأوّل(نضّر الأرض أيّها الحسن) جاءت هنا(نضّر الحسن) وكلّ هذا التكثيف لمحاولة شدّنا وجلب اهتمامنا إلى صراع الاشتقاقات لنفهم انّه يعتني بلفظة(الحسن) وهو اسم الإمام المعصوم عليه السلام الذي كُتِبَت في مولده القصيدة.
٥ - سيرجعنا الشاعر إلى بحر المتدارك المنهوك والمخبون ضرباً وعروضاً في:
دونك الزمنُ  
والمدى سفنُ  
فاعلن فعلن  
فاعلن فعلن  
كل هذا استحضار وتهيئة للمقطع الختامي فهو يبني لنا بحسّه المعماري المكثّف بناءه هيكلاً من الداخل، وواجهات من الخارج ليجعلنا نستأنس بهذه القفزات أو التنويعات الإيقاعية.
٦ - إرجاع آخر إلى بحر الخفيف المهذّب بشطر واحد يحمل نفس القافية النونيّة ونفس حركة حرف الروي المضموم:
فاعلاتن مفاعلن فعلن 
أطلق الخصب فهو مرتهنُ
٧ - تهيئة اُخرى واستبذار لبحر المتدارك بصيغة مجزوءة:
يولد النوء يختزنُ 
فاعلن فاعلن فعلن 
ويحافظ الشاعر على القافية النونية وحركة حرف الروي المضمومة ليخمِّن التراسل المطلوب بين الصيغ الوزنية الإيقاعية التي انشأها وبناها.
٨ - ستة أبيات من بحر البسيط جاء بها الشاعر ليفاجأنا ببناء مشتمل صغير قرب البناية الأصلية، داخل نفس المساحة لكنّه مغاير لها طولاً وعرضاً وارتفاعاً.
وإمعاناً في الإدهاش والمفاجأة نظمت المقطوعة على قافية همزية مضمومة الرَّوي غريبة على النّظم المتعارف، لقلّة المفردات التي تنتظم في سياقها، وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: لِمَ لمْ يأت الشاعر بقافية المقطوعات الاُخرى (حرف النون المضموم) ليحدث توافقاً موسيقياً قائماً على ما يُسمّى في الموسيقى (الطباق كونتربوينت)؟
والجواب هنا هو أنّ الشاعر لا يريد ان يستفيد من الإمكانات الفنية ذات الطابع الزماني مثل الموسيقى إلاّ بعد ان تحلّى بحسّه المعماري المكاني، فدحرج علينا كتلة سرعان ما كبرت بالانحدار ليضرب انتشاءنا الإيقاعي في الصميم، لكنّه لا يعدم وسيلة لتبرير هذا الخرق وله الحقّ في هذا التبرير لأنّ نهايات بحر البسيط هنا تنتهي بنفس القفلة الإيقاعية (فاعِلُن فَعِلُنْ) وسنراها هكذا:

يا رائع المجتلى بي للهوى ظمأ * * * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

ويمكن كتابته:
مستفعلن فاعلاتن فاعلن فعلن 
ولدعم هذا التبرير نرى الشاعر قد أورد في الشطر الأوّل هذين التركيبين(رائع المجتلى، للهوى ظمأ) وهما تركيبان من منهوك المتدارك بلا شكّ ليهذّب الكتلة وفقاً للنسب المعمارية والوحدات البنائية التي استخدمها في هيكلية النصّ وواجهاته.
٩ - المقطع الختامي منسوج بقماش شعر التفعيلة بتدوير تفعيلتي المتدارك؛ الصحيحة(فاعلن) والمخبونة(فَعِلن) مع وقوف على تذييل(التذييل إضافة حرف ساكن إلى نهاية التفعيلة فتصبح فاعلن: فاعلن ن وتحوّر إلى: فاعلان) أو ترفيل(الترفيل إضافة سبب خفيف إلى نهاية التفعيلة والسبب الخفيف حرفان الأوّل منهما متحرّك والثاني ساكن فتصبح فاعلن: فاعلن تن وتحور تسهيلاً إلى: فاعلاتن) في نهايات بعض الأشطر مع احتفاء ومراعاة للقوافي المزدوجة في بعض الأشطر.
ننتهي إلى أنّ هذا النص حمل مبرّرات خروجه على البنى الإيقاعية السائدة والمتعارفة ليحقّق إخلاصه بتوجّه جمالي من موقف آخر يصعب تناوله إلاّ من خلال حقيقة نفسية سيكولوجية هي تراسل الحواس، تقابل المرئي والمسموع، ممّا يحدث إعاقة ظاهرة على مستوى التلقّي غير المدرّب.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل