الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات » (١٢) الحسن المجتبى عليه السلام.. لتحرير الإرادة

البحوث والمقالات

 

المقالات (١٢) الحسن المجتبى عليه السلام.. لتحرير الإرادة

القسم القسم: البحوث والمقالات الشخص الكاتب: نزار حيدر التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٧/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ٩٢٦ التعليقات التعليقات: ٠

الحسن المجتبى عليه السلام.. لتحرير الإرادة

الكاتب: نزار حيدر

سلام عليه يوم ولد في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك عام ٣ للهجرة
بغض النظر عن الاسباب التي دفعت بمعاوية بن ابي سفيان الى عدم الالتزام بنص وروح اتفاقية الهدنة التي وقعها مع سبط رسول الله (ص) الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب ابن فاطمة بنت رسول الله (ص)، وهي كثيرة يجمعها سوء الظن بالله، فان النص، برأيي، يعد احد اهم الاتفاقيات التي ثبتها التاريخ، والتي كان قد املاها الإمام الحسن عليه السلام من اجل تحقيق المصلحة العليا للامة التي كادت ان تتمزق أوصالها بسبب السياسات الجاهلية التي اتبعها الحكم الاموي والتي تعتبر الامتداد الطبيعي لسياسات بني امية ضد الرسالة وضد الرسول الكريم، والتي قامت على التآمر ضد دين الله تعالى وشن الحروب والغارات وتجييش الجيوش ضد المسلمين، الى ان حقق الله تعالى وعده بنصر المؤمنين بفتح مكة ما اضطر الامويون الى اعلان اسلامهم بعد ان اطلق الرسول الكريم كلمته المشهورة (اذهبوا فانتم الطلقاء).
ولا اجانب الحقيقة اذا ما ادعيت هنا بان الوثيقة احد اكثر النصوص التاريخية التي لاقت التجاهل والتضييع من قبل المؤرخين بسبب انها اول واوضح ادانة تاريخية ضد بني امية والحكم الاموي المنحرف والظالم والمعتدي، ولذلك سعى الامويون الى اخفاء الوثيقة او تجاهلها ثم استتبعهم فقهاء البلاط والاعلام الاموي الذي بذل كل ما في وسعه من اجل اخفاء الوثيقة او تجاهلها على الاقل، لما يمكن اعتبارها بالفضيحة الدينية والسياسية لحكمهم، من جانب، ولما تشير بشكل واضح الى المنهج الرسالي الذي اعتمده ائمة اهل البيت عليهم السلام، كاستمرار لخط الرسالة التي بعث بها رسول الله (ص) من جانب آخر.
لقد تم توقيع الوثيقة بين معاوية والامام على الرغم من ان بيعة المسلمين، المهاجرين والانصار، للسبط بعد استشهاد ابيه الامام علي عليه السلام جاءت عامة، بالإجماع، وعلنية بعيدا عن الاكراه والضغط والتهديد والوعيد، كما ذكرت ذلك كل مصادر التاريخ كالطبري واليعقوبي ومقاتل الطالبيين وشرح احقاق الحق والدر النظيم والبحار وبشارة المصطفى والطبراني في الاوسط والحاكم وينابيع المودة وشرح النهج وغيرها الكثير من المصادر المعتبرة.
ولذلك فقد اعتبر كثيرون ان الامام الحسن السبط هو خامس الخلفاء الراشدين، ودليلهم على ذلك:
اولا: ان البيعة كانت شرعية وصحيحة وعامة، تشبه بيعة المسلمين للخلفاء الراشدين الاربعة الذين سبقوه، طبعا بغض النظر عن بعض التفاصيل التي ميزت المسلمين الى فرق ومذاهب.
ثانيا: استشهادهم بقول رسول الله (ص) (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا) والذي رواه الامام احمد وابو داوود والترمذي والنسائي، وان الثلاثين اختتمت بالأشهر الستة تحديدا التي قضاها الحسن السبط في الخلافة قبل ان يستولي معاوية على بلاد المسلمين بالكامل كنتيجة لبنود الوثيقة.
السؤال هو؛ اذا كانت بيعة الامام صحيحة ومجزية وعامة، فلماذا، اذن، قبل بتوقيع مثل هذه الوثيقة؟ ليتنازل بها عن السلطة لمعاوية؟ هل لأنه وجده اكفأ منه؟ ام ماذا؟.
بالتأكيد لم يكن معاوية يستحق الخلافة لا من قريب ولا من بعيد، والى ذلك اشار الامام الحسن عليه السلام في كل رسائله التي تبادلها معه، منها قوله عليه السلام في رسالة بعثها اليه بيد حرب بن عبد الله الازدي بعد كلام طويل (فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على امر لست من اهله لا بفضل في الدين معروف، ولا اثر في الاسلام محمود، وانت ابن حزب من الاحزاب، وابن اعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه).
وقد اعتمد الامام السبط بكلامه هذا على ما قاله من قبل ابيه امير المؤمنين عليه السلام لمعاوية يوم ان نازعه الخلافة بقوله (واعلم انك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعقد معهم الامامة ولا يدخلون في الشورى).
والجدير بالذكر ان المؤرخين ذكروا الامر ذاته عن عمر بن الخطاب، فقد روى ابن سعد في الطبقات، الجزء الثالث في الصفحة ٣٢٤ ما نصه عن الخليفة الثاني: هذا الامر في اهل بدر ما بقي منهم احد، ثم في اهل احد ما بقي منهم احد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح شيء، فيما ذكر حتى ابن تيمية، في الفتاوى الجزء الرابع في الصفحة ٣٤ ان معاوية من الطلقاء.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فان الامام السبط كان على يقين من صحة بيعة المسلمين له بعد استشهاد ابيه عليه السلام ولذلك قال في رسالته الى معاوية (ان عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالاسلام ويم يبعث حيا، ولاني المسلمون الامر بعده، فاسأل الله ان لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الاخرة مما عنده من كرامة، وانما حملني على الكتاب عليك الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في امرك، ولك في ذلك ان فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم اني احق بهذا الامر منك عند الله وعند كل اواب حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في ان تلقى الله من دمائهم بأكثر مما انت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الامر اهله ومن هو احق به منك).
كما ان الامام لم يوقع الوثيقة ليتنازل عن مسؤولية البيعة التي اعطتها له الامة راضية غير مكرهة، لان الامام الذي تربى في حجر رسول الله (ص) وفي كنف الامام علي عليه السلام يعرف جيدا بان البيعة مسؤولية وهو عقد اجتماعي على من تبايعه الامة ان يتحمل مسؤوليته ومسؤوليات البيعة او لا يتصدى لها ابتداءا اذا لم يجد في نفسه الاهلية والكفاءة، ولما كان الامام قد قبل ببيعة الامة له بعد استشهاد ابيه، لذلك كان الواجب الديني والاخلاقي والسياسي يحتم عليه تحمل المسؤولية، وهذا ما فعله عليه السلام على مدى ستة اشهر، فكان على اتم الاستعداد للدفاع عن بيعة المسلمين له كما اشار الى ذلك في رسالته الى معاوية والتي خاطبه فيها بقوله عليه السلام (وان أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت اليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين).
في نفس الوقت، فان الامام يعتبر ان البيعة عقد بين طرفين، فاذا اخل احدهما بشروطه كأن لم يلتزم بها مثلا، ولاي سبب كان، او تحايل عليها او تمرد عليها او تنكر لها او تراجع عنها او ندم عليها، فان الطرف الثاني يكون في حل من الامر، اي ان مسؤولية الالتزام بالعقد تسقط عنه بكل المقاييس، ولا فرق في ذلك بين ان يكون احد الطرفين الذي ينقض الشروط الامام او الامة، ولما كانت الامة، في حالة بيعتها للامام، هي التي نقضت شروط العقد في تفاصيل يذكرها التاريخ ولا اريد هنا ان اسردها لضيق المجال، ولذلك فان الامام بات في حل من امره، له الحق في ان يحل نفسه من مسؤولية الالتزام بالعقد بالطريقة التي يراها تخدم الدين والامة وتأسيساً على الواقع الذي كان يعيشه الامام.
وبعد دراسة مستفيضة لكل جوانب النقض التي تجمعت بين يدي الامام السبط، رأى ان افضل طريقة لرد الالتزام بالعقد تجاه الامة التي نقضته هو ان يشرط على معاوية ما يراه ضروريا من الشروط قبل تسليمه الامر كاملا، من دون ان يعني ذلك موافقته على ما يفعل، انما اراد بذلك:
اولا: تنبيه الامة الى خطئها الكبير الذي ارتكبته بحق نفسها قبل ان ترتكبه بحق الامام ودينها ومصيرها.
ثانيا: تعليم الامة ان تتحمل نتائج اعمالها ومواقفها ان خيرا فخير، وان شرا فشر، ولما كانت الامة قد فعلت الشر بانقلابها على شروط بيعتها للامام، لذلك اراد الامام ان يحملها مسؤولية وزر ما فعلت، فلطالما اختارت الامة الخضوع الى معاوية وحزبه وسلطته الظالمة، فعليها، اذا، ان تتحمل وزر كل ذلك حتى اذا كان شرا.
وليس في قرار الامام بدعة ابتدعها، ابدا، فقد مر المسلمون بمثل هذه المواقف في زمن رسول الله (ص) وكذلك في زمن الامام علي (ع) فعندما امر رسول الله (ص) المسلمين بالمكوث بالمدينة وعدم الخروج منها لملاقاة المشركين في احد، عارض المسلمون راي الرسول الكريم فقبل منهم ذلك وخرج المسلمون بقيادته الى احد ليلاقوا مصير الهزيمة المرة، ليشعرهم الرسول الكريم بان الانسان مسؤول عن كلامه ورايه وكل حركة وسكنة، ولذلك فان عليه ان يزن قوله وفعله وحركته وسكنته قبل ان يبادر اليها، لانه سيتحمل مسؤوليتها ان عاجلا ام آجلا، والى هذا المعنى اشار القرآن الكريم بقول الله عز وجل (وقفوهم انهم مسؤولون) وقوله تعالى (ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كانوا عنه مسؤولا) فليس في مثل هذه الامور مزحة، كما لا يحق لاحد التهرب من المسؤولية.
اما في عهد امير المؤمنين عليه السلام فقد مرت الامة بموقف مماثل عندما نهاهم الامام عن الحكومة في حرب صفين الا انهم اصروا عليه بالقبول فقبل منهم الامام لينالوا فيما بعد وبال امرهم.
موقف الحسن السبط، اذن، جاء منسجما مع السياق العام الذي يعتمده الاسلام في العلاقة بين الامام والمأموم، او بين الراعي والرعية، والا فلو كانت الامة قد تمسكت بشروط البيعة ولم تنقلب على عقبيها فتتآمر مع معاوية الذي اشتراها بالمال والفضة والذهب تارة، وبالوعود الخلابة بالمناصب والاعطيات تارة اخرى، لدرجة ان بعضهم اتفق معه على اغتيال الامام مقابل منصبا (سياديا) لولا كل ذلك لما سلم الامام الامور الى معاوية مهما كان الثمن.
ثالثا؛ كما ان الامام اراد ان يفضح معاوية والحكم الاموي الذي نجح بدرجة كبيرة في تضليل الراي العام وخداعه، فالامام كان يعرف جيدا بان معاوية من ابرز مصاديق قول الله تعالى (لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة) وهو القائل فيه وفي حزبه امير المؤمنين عليه السلام (ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، واني اعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر صغار وشر رجال) ولذلك فهو عندما شرط عليه الشروط ليس لانه كان يتوقع منه ان يلتزم بها ابدا، وانما اراد بذلك ان يفضحه امام الراي العام وان يسقط من يده ورقة الدعاية التضليلية التي ظل يمارسها لخداع الامة، وان يكشف ألاعيبه للناس.
في هذا الاطار يجب ان ننتبه الى نقطة جوهرية في غاية الاهمية، الا وهي ان توقيع الامام السبط على الوثيقة لم يات من موقع الضعف ابدا، بل انه، وبالرغم من كل الظروف القاسية التي مرت به، الا انه وقعها من موقع القوة، فيما كان معاوية في موقف الضعيف الذليل الذي يحتاج الى الامام حتى آخر لحظة من المفاوضات، والدليل على ذلك، امرين:
الاول: ان الامام السبط هو الذي املى الشروط على معاوية وليس العكس، فهو الذي دونها وبعثها الى معاوية ليقبل بها من دون نقاش او تردد فيوقعها صاغرا.
الثاني: ان معاوية كان قد بعث برقعة بيضاء موقعة بتوقيعه الى الامام ليدون شروطه كيفما يشاء، المهم هو ان يامن جانب الامام، ليس من الناحية العسكرية فقد اسدل الستار على هذا الامر بقبول الامام للهدنة، وانما من الناحية السياسية والاعلامية، وهو الامر الذي لم يسكت عنه الامام على الرغم من توقيعه على شروط الهدنة، والتي لم يرد فيها ذكر ما يمنعه واصحابه من الكلام ضد معاوية لكشف زيفه وفضح سياساته المنحرفة والبعيدة كل البعد عن الاسلام والحقيقة.
يذكر ابن الاعثم في كتاب الفتوح، وكما ورد نفس المعنى في مصادر عدة اخرى:
فدعا معاوية بصحيفة بيضاء، فوضع عليها طينة وختمها بخاتمه، ثم قال للرسول، وهو عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وهو ابن اخت معاوية، خذ هذه الصحيفة فانطلق بها الى الحسن، وقل له فليكتب فيها ما شاء واحب ويشهد اصحابه على ذلك، وهذا خاتمي باقراري.
هذا من الناحية الشكلية، اما من الناحية الجوهرية، فان الامام حقق بشروطه التي املاها على معاوية ما يلي:
الف: نبه الامة الى ان التوريث في الحكم والسلطة ليس من الدين في شيء، وانما يكتسب الحكم الشرعية من راي الامة، التي يجب ان تعطي رايها بالحاكم قبل ان يعتلي سدة الحكم، ولذلك فقد اشترط الامام في نص الوثيقة على ان لا يعهد معاوية الى احد بعد وفاته، وهو الامر الذي غفل عنه المسلمون اذ لم يكن مطروحا على بساط البحث بعد، الا ان الامام كان مطلعا على نوايا معاوية الذي كان يخطط بالسر لتعيين ابنه يزيد وليا للعهد وخليفة من بعده، وكانه اراد عليه السلام ان يدق ناقوس الخطر قبل ان يقع بعشر سنين تقريبا.
ثانيا: لقد كرس الامام بنصوص الوثيقة مبدا الشورى كاداة لوصول الحاكم الى سدة الخلافة، وبذلك كذب ما يدعيه البعض من انهم اتباع مدرسة الشورى وان الامام من اتباع مدرسة النص الذي يدعون بانه يلغي الشورى ولا يعير لراي الامة اهتماما في اختيار الخليفة، ومنذ ذلك الحين نحت مدرسة النص منحى الشورى لأنها تعتقد بان راي الامة هو الميزان لتولي المرشح السلطة، فيما نحت المدرسة الاخرى منحى التوريث، سواء جاء التوريث بالنص او بالانقلاب العسكري او بالتآمر او بالقتل والفتك، وبعودة سريعة الى التاريخ (الاسلامي) فسنلحظ ذلك جليا، والذي استمر الى اليوم، كما هو حال العديد من البلاد (العربية) التي يدعي فيها الحاكم الذي جاء الى السلطة بالتوريث انه خادم الحرمين او امير المؤمنين او عبد الله المؤمن او ما الى ذلك، وان كان هذا الحاكم ليس عربيا كما هو الحال مثلا بالنسبة الى ملك الاردن (البريطاني) الام والمولد والجنسية والتربية والنشأة.
لقد بحثت شخصيا في العديد من كتب التاريخ عن نصوص الوثيقة، فوجدت ان النص الاكثر ترددا في كتب التاريخ هو (ان يكون الأمر شورى بين المسلين) ما عدا بعض المصادر التي اوردت نصا يتحدث عن ان الامر سيكون للحسن اذا هلك معاوية او للحسين اذا حدث شيء للحسن في حياة معاوية.
الاصل، اذن، هو ان يكون الامر شورى بين المسلمين بعد هلاك معاوية، ولو افترضنا بان النص الثاني معتد به، فهو كذلك يعني اعادة الامر شورى بين المسلمين، لان سيرة اهل البيت عليهم السلام كانت قائمة في الامة على اساس البيعة العامة قبل اعتلاء سدة الحكم، فعل هذا الامام امير المؤمنين عليه السلام عندما انثال عليه المسلمون يبايعونه، فرفض ذلك داعيا الى البيعة العامة في المسجد، وهو الذي قال (وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل وسموه اماما، كان ذلك لله رضا).
كما حصل ذلك مع الامام الحسن نفسه عندما جاءه المسلمون الى داره ليبايعونه، خليفة بعد استشهاد الامام امير المؤمنين عليه السلام فرفض ذلك داعيا الى البيعة العامة في المسجد.
وفي الحالتين كان بإمكان الامام علي والامام الحسن ان يكتفيا ببيعة النفر في المنزل لفرض سلطتهما على بقية الامة، كما فعل غيرهم عندما تآمر مع حفنة لفرض بيعته على كل الامة، الا ان نهج اهل البيت عليهم السلام، والذي يمثل نهج الرسالة والرسول، يرفض التآمر او الفرض والاكراه في كل شيء، فما بالك في اخطر امر يخص الامة واقصد به الحكم والسلطة؟.
تأسيسا على ذلك، فانا اجرم لو ان الخلافة جاءت للامام الحسن بعد هلاك معاوية، حسب بعض نصوص الوثيقة جدلا، لكان اول ما سيفعله هو ان يدعو المسلمين الى بيعته في المسجد، بيعة عامة لا اكراه فيها ولا فرض، والا، فسيترك الخلافة لهم شورى وما يختارون.
باء: ورد نص في الوثيقة يتحدث عن ضمان (الامن والامان) لكل من يخالف معاوية، وبرايي فان الهدف من هذا النص هو ان يدع معاوية معارضيه في امان لا يأخذهم على قول كلمة او يطاردهم لراي يخالفونه فيه او يقتلهم لمعارضتهم لسياساته او بعضها، وبذلك يكون الامام السبط عليه السلام قد كرس مرة اخرى مبدا حرية التعبير في الامة، والذي لا يمكن تحقيقه الا في جو الامن والسلامة التي يلزم ان تتحسسها المعارضة، والا فلو ان الحاكم ارعب الناس واخافهم وطاردهم وقطع ارزاقهم كلما عبروا عن رايهم الذي قد يخالف سياساته، فان كل ذلك سيخلق جوا من الارهاب لا يشجع على وجود معارضة سليمة في اجواء امنية سليمة.
ولقد شعرت من خلال هذا النص ان الامام عليه السلام اراد ان يؤجل، ولا يلغي، المعركة مع سلطة الامويين الظالمة والمنحرفة، من خلال الزام معاوية بمنهج سيساعد المعارضة على النمو والانتشار والاتساع لحين ساعة الصفر، وعندها لكل حادث حديث.
انه نص اراد من خلاله الامام ان يشجع الامة على المعارضة السلمية على الاقل، لتعبر عن رايها وتصرح بمواقفها وتعلن عن متبنياتها الحقيقية بعيدا عن جو الارهاب والكبت والقمع والملاحقة.
لقد ورد في النص الذي املاه الامام السبط عليه السلام في الورقة البيضاء التي ختمها معاوية وبعثها بيد الرسول، ما يلي:
وعلى ان الناس آمنون حيث كانوا من ارض الله، في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم، وعلى ان اصحاب علي وشيعته آمنون على انفسهم واموالهم ونسائهم واولادهم، وعلى معاوية بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما اخذ الله على احد من خلقه بالوفاء بما اعطى الله من نفسه، وعلى انه لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لاحد من اهل بيت النبي (ص) غائلة سرا وعلانية ولا يخيف احدا منهم في افق من الافاق.
وبتدقيق قليل في هذا النص، يتبين لكل ذي عقل وبصيرة بان الامام عليه السلام نشر غسيل معاوية بشكل لا سابق له، فهو؛
* فضحه كونه يعادي اهل بيت النبي الاكرم والذين قال عنهم القران الكريم (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وقوله عز وجل (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى).
* وفضحه كونه يبرر كل الوسائل غير الشريفة للوصول الى غاياته غير الشريفة، فهو يمارس الاغتيال سرا وعلانية، كما انه يطارد المؤمنين المعارضين لسلطته اينما كانوا.
* وفضحه على انه لا يلتزم بالمطلق بقول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر اخرى) فهو يقتل الابن وينتهك العرض ويعتدي على الحرائر بمجرد ان يشم من احد رائحة المعارضة له ولسلطته الغاشمة.
* وفضحه بانه يمارس الخوف والرعب والارهاب لاخضاع الناس لسلطته الظالمة.
وبهذا تمكن الامام من فضح معاوية وسياساته المنحرفة، وبقيت المسؤولية على عاتق الامة التي كان يجب عليها ان تقرا ما وراء سطور النص لتفهم الرسالة الهامة التي اراد السبط ايصالها لها وهي في مواجهة خطر عظيم يتهددها بدينها ونظامها السياسي واخلاقها.
لقد اراد الامام ان يحرر ارادة الامة من الخوف والرعب والارهاب الذي يمارسه النظام الاموي الظالم ضدها، فان من عادة كل الطغاة انهم يشيعون الخوف والرعب في المجتمع وينشرون الارهاب في نفوس الناس ليتمكنوا منهم، فيأمنوا جانبهم، لان الطاغوت لا يمكنه ان ينجح في احكام قبضته في المجتمع اذا لم ينشر الرعب والخوف في نفوس الناس، وهي عادة وسيرة الطغاة على مر التاريخ، ولقد حدثنا القران الكريم عن ذلك في قصة فرعون والسحرة، ففي بداية الامر سخرهم فرعون لارعاب الناس والتمكن من قلوبهم ليثبت قوته امامهم، وذلك بقوله تعالى (سحروا اعين الناس واسترهبوهم) وعندما تمكن موسى عليه السلام منهم بقدرة الله تعالى وارادته، وتسليم السحرة برب موسى عليه السلام، مارس فرعون نفس السلاح ضدهم، فاخافهم وهددهم وارعبهم في محاولة منه لردعهم وردهم عن ايمانهم، فقال تعالى (قال فرعون آمنتم به قبل ان آذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها اهلها فسوف تعلمون * لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم اجمعين).
ان الاسلام يشترط ضمان الامن قبل الايمان، لانه لا يكترث بايمان تحت حد السيف او في جو الارهاب والتخويف والرعب، والى هذه الحقيقة اشار القران الكريم كقاعدة مهمة لضمان حرية التعبير والايمان بلا خوف او وجل، وانما بقناعة، فقال تعالى (وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بانهم قوم لا يعلمون) ولذلك لا يجوز فرض الايمان بالاكراه على احد، كما لا يجوز فرض العقيدة بالارهاب والعنف على احد، ولا يجوز الزام الناس بالعبادات بالقتل واحراق الدور على رؤوسهم، كما انه لا يجوز اخذ البيعة من احد تحت حد السيف، وان كل بيعة بهذا الشكل لهي بيعة باطلة شرعا وعرفا وعقلا.
وليس الامر في التاريخ الغابر فحسب وانما في الزمن المعاصر كذلك، فلطالما استخدم الطغاة والظالمين الرعب كاداة لقمع المعارضة وتكميم الافواه والحيلولة دون تعبيرها عن رايها بشكل صحيح وسليم، وليس الطاغية الذليل صدام حسين ونظامه البوليسي ببعيد عنا، كما ان ما يفعله اليوم الطغاة المتجبرين المتسلطين بالحديد والنار على شعوبهم في البلاد العربية، وبغير تفويض او اذن منهم، خير دليل على هذه الحقيقة، ومنهم اسرة آل سعود الفاسدة الحاكمة في الجزيرة العربية والتي لم تكتف بارعاب شعبها وتخويفه من مغبة الدعوة للاصلاح والتغيير، وانما ارسلت قواتها المدججة بالسلاح الفتاك الى البحرين المستضعفة لتصفي قضية شعب اعزل الا من ايمانه بقضيته العادلة وبالحرية والكرامة التي سيظل يدفع من اجل تحقيقها الدماء الطاهرة حتى ياذن الله تعالى له بالنصر المؤزر على الاسرتين الفاسدتين الحاكمتين في البحرين والجزيرة العربية.
لقد اراد السبط عليه السلام ان يحرر ارادة الانسان وعقله من الخوف والرعب، ليشاع مبدا التعبير عن الراي بشكل واسع في الامة، ما يساعدها على ممارسة التغيير بالطرق السلمية، لان الامة التي يحكمها الخوف والرعب لا يمكنها ان تبني معارضة قوية تنجح في تغيير الواقع المر، فالامن احد ابرز شروط صناعة المعارضة القادرة الى الالتزام بمبدأ حرية التعبير الذي ينتج راي عام حر ومتنور.
انه اراد ان يزيل ظاهرة الخوف والرعب التي يشيعها الحاكم الظالم ليقبل به الناس رغما عن انوفهم، فلو تحرر الانسان من الخوف لحسن اختياره، ولذلك لم يطلب الامام من معاوية اكثر من الامن للناس كافة، لانه يعلم جيدا بان الامة التي ستتحرر من عقدة الخوف والرعب سوف يحسن اختيارها للحاكم، وعندها سوف لن تختار معاوية ومن لف لفه حاكما عليها ابدا.
وليس المقصود بالخوف هنا القتل والنفي فقط، وانما يشمل كذلك ظاهرة شراء الذمم والتقتير على آخرين، او ما نسميه بالارهاب الاقتصادي الذي يلجا اليه الطاغوت كلما انتشرت ظاهرة المعارضة في البلاد، فهو يحاول بهذا النوع من الارهاب اخضاع المعارضين بعد التقتير عليهم والتوسيع على آخرين، ولقد راينا كيف ان ابن سعود سعى مؤخرا الى ممارسة هذا النوع من الارهاب عندما اعلن عن عطاياه الملكية السامية لشعب الجزيرة العربية، وكأن المال ماله ورثه عن ابيه، فهو يحاول ان يشتري به ملكه من الشعب الذي ضاق به ذرعا، فلم يعد قادرا على تحمل الفساد الذي تمارسه الاسرة الحاكمة، ليس في البلاد فحسب وانما في مشارق الارض ومغاربها، فيما يتحسر المواطن على لقمة العيش الكريمة او فرصة عمل شريف او حياة هادئة.
ان الطاغوت يظن بان من يعارض سلطته يسعى لاقتناء بعض المال، فهو سيسكت اذا حث في فمه بعض البترودولار.
قد يكون هذا ديدن وعاض السلاطين وفقهاء البلاط والماجورين من الاقلام المسمومة التي تقلب الحقائق للدفاع عن الحاكم الظالم، اما الشعب فالامر بالنسبة له ليس كذلك، انه يعارض طلبا للكرامة والحرية وفرص العمل والتعليم والمساواة والتوازن الدقيق والسليم بين الحقوق والاجبات، بين الراعي والرعية، وغير ذلك من الحقوق الانسانية التي يضحي من اجل تحقيقها له ولابنائه وللاجيال القادمة بكل غال ونفيس.
اخيرا، ارى ان من الضروري هنا الاشارة الى الصفات الربانية العظيمة التي يتحلى بها الامام الحسن السبط، والتي لولاها لما (تصالح) مع معاوية وسلمه الامر، وانما تشبث بالسلطة وهو الذي بايعه الناس علانية، حتى اذا جرت الدماء انهارا والجماجم تلالا وجبالا، كما فعل بالامس الطاغية الذليل، حتى اتى على العراق واهله وشعبه، او كما يفعل اليوم العديد من الطغاة الذين يتشبثون بالسلطة على حساب البلد وشعبه وكل ما فيه.
لقد راى كثيرون في تشبث الخليفة الثالث بالسلطة وعدم التنازل عنها على الرغم من الاحداث العظيمة التي مرت بها الامة وقتها، هو احد اهم الاسباب التي ادخلت المسلمين في نفق الاقتتال الداخلي وفي النفق المظلم الذي سبب فتنة عمياء لها بداية ولا يبدو ان لها نهاية لحد الان، والى هذا المعنى اشار الامام امير المؤمنين عندما زار الخليفة الثالث متوسطا بينه وبين الامة التي ثارت عليه طلبا للنصف من عماله بقوله له في كلام طويل:
واني انشدك الله الا تكون امام هذه الامة المقتول، فانه كان يقال: يقتل في هذه الامة امام يفتح عليها القتل والقتال الى يوم القيامة، ويلبس امورها عليها، ويبث الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا.
كان يمكن ان يكرر الحسن السبط الموقف مرة اخرى فتباد الامة ويرتد الناس عن دينها اذا اتخذ الامام الحسن ذات الموقف الذي وقفه الخليفة الثالث، طبعا مع الفارق الكبير الذي يتمثل في انه عليه السلام لم يرتكب من الاخطاء الفضيعة التي كان قد ارتكبها الخليفة عثمان، او هكذا على الاقل برأي من ثاروا عليه، فيكون سببا للفتنة اذا تشبث بالسلطة، وحاشاه ان يكون كذلك وهو الامام في مدرسة اهل البيت عليهم السلام التي لا ترى الخلافة بلا عدل الا كعفطة عنز او اقل من قيمة شسع نعل على حد قول ابيه الامام امير المؤمنين عليه السلام الا ان يقيم حقا او يدحظ باطلا.
في البدء يجب ان نتذكر بان موقف الامام الحسن عليه السلام هو الامتداد الطبيعي لموقف ابيه الامام امير المؤمنين عليه السلام، لان السلطة في نظر اهل البيت عليهم السلام وسيلة وليست هدفا، واداة وليست غاية، انها الطريق الذي يحقق فيه الامام العدل والقسط الذي امر الله تعالى به كما في قوله عز وجل (قل امر ربي بالقسط) فما قيمة سلطة لا يقيم فيها الامام العدل؟ وما قيمة حكومة لا تمكن الامام من الانتصار للمظلوم؟ وما قيمة خلافة لا تأتي الا على حساب دماء الناس واعراضهم وارواحهم واموالهم؟ وما قيمة سلطة لا تأتي الا على حساب ارتداد الناس عن دينهم او تمزق وحدتهم او تفتت شملهم؟.
لقد علل الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام سبب امساك يده عن حقه بالخلافة بعد رحيل رسول الله (ص) بقوله في كتاب الى اهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاه امارتها:
اما بعد، فان الله سبحانه بعث محمدا (ص) نذيرا للعالمين، ومهيمنا على المرسلين، فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الامر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، ان العرب تزعج هذا الامر من بعده (ص) عن اهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده، فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان ارى فيه ثلما او هدما، تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم التي انما هي متاع ايام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، او كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه.
وانقضت الايام والاشهر والسنين لتمر بالامة نفس الظروف، فما كان من الامام الحسن السبط، وهو امتداد امامة ابيه امير المؤمنين عليه السلام، الا ان يتخذ نفس الموقف من اجل ان يحفظ للامة دينها ولرسول الله (ص) رسالته، فعندما يرى الامام ان خصمه متشبث بالسلطة الى آخر نفس حتى اذا جاءت على حساب دين الله وقيم السماء، فليس امامه الا ان تسخو نفسه عنها من اجل ان يحفظ الاسلام الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، كما قال امير المؤمنين عليه السلام لبعض اصحابه وقد ساله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم احق به؟ قال:
اما الاستبداد علينا بهذا المقام، ونحن الاعلون نسبا، والاشدون برسول الله (ص) نوطا، فانها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله.
نستنتج من كل ذلك، ان السبط الاكبر لرسول الله (ص) صان الامانة وحافظ على الرسالة بقبوله التصالح مع معاوية، فيما صان السبط الاصغر لرسول الله (ص) الامانة وحافظ على الرسالة باستشهاده في كربلاء في يوم عاشوراء عام ٦١ للهجرة على يد ارذل خلق الله تعالى واقصد به يزيد بن معاوية حفيد هند آكلة الاكباد.
فالهدف واحد، اما الوسائل فقد تعددت، يجمعها الايمان بالله تعالى والثقة به وتحقيق المصلحة العامة.
فسلام على سيدي شباب اهل الجنة، وسبطي رسول الله (ص) الحسن والحسين عليهما السلام، يوم ولدا ويوم استشهدا ويوم يبعثان حيين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل